السؤال:
الله يحييك هذا المستمع فكري لبيب مصري يعمل في المملكة يقول: هل قراءة القرآن على القبور تفيد الميت وهل يسمع الأحياء أرجو الإفادة؟
الجواب:
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، قراءة القرآن على القبور ليست من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا هدي أصحابه رضي الله عنهم، وعلى هذا فتكون بدعة، وأفضل مكان يقرأ فيه القرآن هو بيوت الله المساجد، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرتهم الملائكة فيمن عنده». وأما القراءة عن القبور فليست من السنة، بل هي من البدعة، وأما كونها تنفع الميت، فإنها لا تنفع الميت؛ لأن البدعة لا تنفع صاحبها ولا غيره، ولكن العلماء اختلفوا فيما لو قرأ القارئ قرآناً على غير وجه البدعة، ونوى أن يكون ثوابه لشخص معين، هل يصل إليه هذا الثواب أو لم يصل، قال بعض أهل العلم: إن الأصل في العبادات التوقيف، وأنه لا يصل إلى الميت إلا ما دلت السنة على وصوله؛ كالصدقة مثلاً، وقضاء الصوم الواجب، وقضاء الحج الواجب وما عدا ذلك مما دلت عليه السنة فإنه لا ينفع الميت ولا يصل إليه، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ قالوا: هذه الآية عامة لأن الإنسان ليس له إلا ما سعى، إلا ما جاءت به السنة، فيكون ما جاء به السنة مخصصاً لهذا العموم، ونقتصر عليه، ولا شك أن هذا القول كما سمعت قول قوي بقوة تعليله ووضوح دليله، وقال بعض أهل العلم: إن الإنسان إذا عمل طاعة، ووهب ثوابها لشخص من المسلمين، فإن ذلك ينفعه، سواء كانت هذه العبادة مما جاءت به السنة؛ أي مما جاءت السنة بجعل ثوابها لشخص معين، وقالوا: إنما جاءت به السنة قضايا أعيان لا عموم لها ولا تمنع من أن يقاس عليها مثلها، فإذا كانت السنة جاءت بجواز إهداء ثواب الأعمال لشخص معين في أشياء معينة كغيرها من الدعاء، وهذا هو المشروع من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وقد ذكر فقهاء الحنابلة رحمهم الله كلمة عامة في هذا، فقالوا: أي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت أو الحي من المسلمين نفعه ذلك، ومع هذا فإني أقول: إن خيرًا من هذا كله أن يدعو الإنسان للميت، فإن دعاءه للميت أفضل من الصدقة له، وأفضل من الصيام له، وأفضل من العمرة له، وأفضل من الطواف له، وأفضل من أي عمل صالح يجعله للميت، ودليل هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، وعلم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له». فهنا قال النبي عليه الصلاة والسلام: أو ولد صالح يدعو له، لم يقل: أو ولد صالح يصوم له، أو يصلي له، أو يقرأ له، أو يتصدق له، بل قال: ولد صالح يدعو له، فعدل عن ذكر الأعمال إلى الدعاء، مع أن الصياغ صياغ الحديث في ذكر الأعمال، فعدوله عن ذكر الأعمال مع أنه مقتضى الصياغ يدل على أن الدعاء أفضل من جعل الثواب جعل ثواب الأعمال للميت، وعلى هذا فإني أنصح إخواني أن يجعلوا الأعمال الصالحة لأنفسهم؛ لأنهم هم محتاجون إلى هذه الأعمال، وأن يتفضلوا على إخوانهم الأموات بالدعاء؛ لأن هذا هو الأفضل والأجدى والأنفع، وأما قول
السائل: وهل يسمع الميت؛ يعني قراءة الحي، أو قراءة أولئك، أو ما أشبه ذلك، فهذه مسألة اختلف العلماء فيها؛ فمنهم من قال: إن الميت في قبره لا يسمع شيئاً مما يقال عنده حتى السلام عليه لا يسمعه ولا يرده، وضعفوا الحديث الذي فيه أن الرجل إذا وقف على قبر الرجل، فسلم عليه، وهو يعرفه في الدنيا، فإن الله يرد عليه روحه، ويرد عليه السلام مع أن عبد البر صحح هذا الحديث، حكاه عن ابن القيم في كتاب الروح، وأقره نقول: من العلماء من قال: إن الميت لا يسمع شيئاً إلا ما دلت السنة عليه مثل وقوف النبي عليه الصلاة والسلام على قتلى المشركين الذين قتلوا في بدر، وقف في مكان قريب هناك، وقف عليهم، فجعل يدعوهم بآبائهم بأسمائهم وأسماء آبائهم، يا فلان بن فلان هل وجدتم ما وعدتم حقاً؟ قالوا: يا رسول الله كيف تكلم قومًا قد جيفوا؟ فقال: ما أنتم بأسمع مما أقول منهم. فأخبر أنهم يسمعون، قال: ولكنهم لا يجيبون، وكذلك ما ورد في الحديث الصحيح أن الميت إذا دفن وتولى عنه أصحابه، حتى إنه لا يسمع قراع نعالهم أتاه ملكان يسألانه عن ربه ونبيه ودينه، فقال: إنه حتى لا يسمع قراع نعالهم. قالوا: فما جاءت به السنة، فإنه يجب القول بمقتضاه، وأما ما لم تأت به السنة، فالأصل أن الموتى لا يسمعون، ولكن في الاستدلال بهذا نظر؛ لأن قوله: إنك لا تسمع الموتى؛ يعني بذلك موتى القلوب الذين في قلوبهم أكنة مما يدعون إليه النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان يخرج إلى المقابر يدعو أهل المقابر لدينه، وإنما كان يدعو قومًا مشركين، لكنهم والعياذ بالله موتى قلوب لا يسمعون، هذا هو معنى الآية، وعلى هذا فنقول: إن ما وردت به السنة من سماع الموتى، يجب علينا الإيمان به، وما لم تأت به السنة، فموقفنا فيه الوقوف، ونقول: الله أعلم. ولكن يبدو على الميت هو الذي شرعه النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: أو ولد صالح يدعو له، وكذلك قول المؤمنين الذين جاءوا من بعد الصحابة يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ هذا الذي مشروع في حق الأموات أن ندعو الله لهم بالمغفرة والرحمة وما ينفعهم من الدعاء.





