السؤال:
بارك الله فيكم فضيلة الشيخ هذا السائل أ م ع ص عامل مقيم في المملكة يقول: سماحة الشيخ، أنا عامل وكفيلي لا يصلي الصلاة المفروضة، وأنا والحمد لله ملتزم بصلاتي وصيامي، وهذا من فضل الله علي، هل يصح لي الأكل معه؟ وما رأيكم في الراتب الذي أتقاضه منه، أفتوني مأجورين؟
الجواب:
الشيخ: قبل أن نفتيه أن نفتي هذا السائل نوجه نصيحة إلى كفيله، حيث ادعى هذا السائل أنه لا يصلي، فإن كان الأمر كذلك فإننا نقول لهذا الكفيل: اتق الله في نفسك، واحمد الله على نعمته أن جعلك قادراً ونعَّمك، احمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة، وقم بواجب الشكر لله رب العالمين، فإن معصية المنعم سيئة وقبيحة عقلاً وفطرة وشرعاً، نقول لهذا الذي لا يصلي: اتق الله وصلِّ، فإن الصلاة شأنها عظيم وثوابها جليل، وتركها خطر عظيم، فإن أصح أقول أهل العلم: إن من ترك الصلاة فهو كافر كفراً مخرج عن الملة؛ لأن الله تعالى قال في كتابه عن المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ وهذا يدل على أنهم إذا لم يقيموا الصلاة فليسوا إخوة لنا في دين الله، ولا تنتفي الأخوة في الدين إلا إذا انتفى الإيمان، وصار الإنسان كافراً؛ لأن المؤمن، وإن كان ضعيف الإيمان ما دام ولم يصل إلى حد الكفر هو أخ لنا، ونحبه على ما معه من الإيمان، وإن كنا نكره ما يقوم به من المعاصي، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في تارك الصلاة: «بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة». أخرجه مسلم، من حديث جابر رضي الله عنه، ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». وقد نقل إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة، وعبد الله بن شقيق التابعي المعروف حيث قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يرون شيئاً تركه كفر غير الصلاة، وقد نقل إجماعهم أيضاً بعض أهل العلم أعني إجماع الصحابة على كفر تارك الصلاة، وممن نقل الإجماع إسحاق بن راهويه الإمام المشهور، والنظر يقتضي ذلك؛ أي يقتضي أن من ترك الصلاة فهو كافر، ووجهه أن كل مؤمن يؤمن بما للصلاة من المكانة العظيمة عند الله عز وجل، وعند رسوله، وعند المؤمنين، لا يمكن أن يدعها ويحافظ على تركها، فالله سبحانه وتعالى رفع شأن هذه الصلوات فرضها على رسوله صلى الله عليه وسلم من غير واسطة، وفرضها عليه في أعلى مكان يصل إليه البشر، وفرضها عليه في أفضل ليلة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه فرضها على رسوله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، حين عرج به للسموات السبع، وهذا يدل على محبة الله لها، وعنايته بها، ومما يدل على عنايته بها أنه فرضها أول ما فرضها خمسين صلاة، ورضي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك واطمأن إليها؛ لكنه سبحانه وتعالى خفف على عباده فجعلها خمساً بالفعل وخمسين في الميزان، فالنظر مع الأدلة السابقة يقتضي أن من ترك الصلاة تركاً مطلقاً لا يصلي أبداً، فإنه كافر كفر مخرج عن الملة، ومن المعلوم أن هذا الكفيل لو خاطبه شخص فقال: يا كافر. إنه لا يرضى بذلك أبداً، وإنه سوف يقوم بينه وبين من ناده بهذا الوصف خصومة، قد تصل إلى حد المحاكمة عند القضاة، فإذا كان لا يرضى أن يلقب بالكافر من أطراف الناس وعامة الناس، فكيف يرضى لنفسه أن ينطبق عليه لقب النبي صلى الله عليه وسلم الذي لقبه به؛ حيث قال: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة. فالواجب على هذا الكفيل وعلى غيره ممن يتهاونون بالصلاة أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم، وأن يقوموا بالصلاة إخلاصاً لله واتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليجربوا فإنهم إذا صلوا مرة ومرتين وثلاثاً فإنهم يرغبون في الصلاة، وتكون الصلاة غرة عين لهم ويأنسون بها، أما إذا استحوذ عليهم الشيطان، فأنساهم ذكر الله، وأنساهم الصلاة، فإنهم سوف يرونها ثقيلة، والعياذ بالله، ويستمرون على ما هم عليه من تركها المؤدي إلى الكفر، أما بالنسبة للعامل وبقائه عند هذا الكفيل، فإنه لا حرج أن يبقى عنده؛ ولكن يجب عليه أن يناصحه دائماً، وألا يحقر نفسه عن النصيحة، ربما يقول العامل: أنا عامل فكيف أنصح كفيلي؟ وهو في نظر الناس أعلى مني قدراً وأكبر مني جاهاً، فكيف أناصحه؟ نقول: لا حرج أن تناصحه، وإن كنت أقل قدراً في أعين الناس، فإنك إذا نصحته لله صرت عند الله أكبر منه قدراً.
الشيخ: في بعض الناس يرى أن تارك الصلاة ليس بالكافر، ويحمل النصوص الواردة في تكفيره على أن المراد بذلك من جحد وجوبها وتركها جحداً لوجوبها، والحقيقة أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأنه إذا حمل النصوص الواردة في الترك على الجحد؛ فقد حملها على غير ما يقتضيه ظاهر اللفظ، فجئنا عليها من وجهين: الوجه الأول: أنه صرفها عن ظاهرها. والوجه الثاني: أنه استحدث لها معناً لا يراد بها. ثم نقول: إن الجاحد لفرضية الصلاة إذا كان قد عاش بين المسلمين يكون كافراً؛ سواء صلاها أو لم يصلها، حتى ولو حافظ على صلاتها؛ ولكنه يقول: إنها نافلة وليست واجبة. فإنه كافر، واستدل بعض الناس الذين ذهبوا هذا المذهب، استدلوا بأدلة، ولكني تتبعت هذه الأدلة واستقرأتها ووجدتها أنها لا تخرج عن أحد خمسة أوجه، إما أنه ليس فيها دلالة أصلاً، وإما أنها مقيدة بوصف يستحيل معه ترك الصلاة، وإما أنها أحادية ضعيفة لا تقوم بها الحجة، وإما أنها في قوم يعذرون بالجهل يكون الإسلام قد درس عندهم ولم يعرف شيئاً، وإما أنها عامة تخصص في أدلة كفر تارك الصلاة كما هو معروف عند أهل العلم؛ إنه إذا ورد النص العام والخاص فإن العام يخصص بالخاص، ثم إن الله سبحانه وتعالى يعلم أننا لم نذهب هذا المذهب من التضييق على عباد الله، وإخراج عباد الله من الإسلام، ولكننا ذهبنا هذا المذهب لأننا نرى أنه هو الذي دل عليه كلام ربنا وكلام نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، ونعلم أن التكفير والتفسيق والتبديع والتضليل والترشيد، والقول باللسان، أو الإيمان كله ليس راجع إلينا، وإنما هو راجع إلى الله ورسوله، الذي له الحكم، وبيده ملكوت كل شيء، هو الله، فإذا حكم على شخص ما أنه كافر فهو كافر، ونقول: إنه كافر. ولا نبالي، وإذا حكم على شخص أنه مسلم فإنه مسلم، فنقول: إنه مسلم. ولا نبالي، وهكذا كما أن التحليل والتحريم والإيجاب كله إلى الله عز وجل، فكذلك الوصف بالإسلام والإيمان والكفر والعصيان كله إلى الله عز وجل، وإذا أتينا أو إذا قمنا بما يقتضيه الدليل فنحن معذورون؛ بل مشكورون على ذلك ومأجورون عليه، ولسنا نريد أن نضيق على الناس، أو أن نخرجهم من دينهم إلا ببرهان يتبين لنا، والله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم.





