يحجون ويصومون...ولا يصلون فهل يقبل منهم عملهم ؟
عدد الزيارات 1633

السؤال:

هذه رسالة وصلت من العراق، بابل، محمد فيصل، يقول في رسالته: باسم الله الرحمن الرحيم، إلى أصحاب الفضيلة العلماء في برنامج نور على الدرب، أحيكم تحية طيبة مباركة، وإلى برنامجكم نور على الدرب، لما التمست فيه من كل خير، وكل هدى بالإجابة عن أسئلة المستمعين التي تصعب عليهم، آمل أن تجيبوا عن أسئلتي، بارك الله فيكم، إنني أرى كثيراً من الناس يؤدون فريضة الحج، ويصومون شهر رمضان، مع أنهم لا يصلون، هل هذا مبرر لهم عن باطل، أفيدونا بارك الله فيكم؟

الجواب:


الشيخ: هذه المسألة مسألة عظمية وخطيرة، يقع فيها بعض الناس، بأن يصوموا، ويحجوا، ويعتمروا، ويتصدقوا، ولكنهم لا يصلون، هل أعمالهم الصالحة هذه مقبولة عند الله عز وجل، أم مردودة؟ هذا ينبني على الخلاف في تكفير تارك الصلاة، فمن قال: إنه لا يكفر، قال: إن هذه الأعمال مقبولة، ومن قال: إنه يكفر، قال: إن هذه الأعمال غير مقبولة، ومرجع خلاف العلماء ونزاعهم كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْئ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْئ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾، ونحن إذا رددنا نزاع العلماء في هذه المسألة إلى كتاب الله، وسنة رسوله، وجدنا أن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يدلان على أن تارك الصلاة كافر، وإن كفره كفر أكبر، مخرج عن الملة، فمن ذلك قوله تعالى في المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، فإن هذه الجملة الشرطية تدل على أنه لا تتم الأخوة لهؤلاء إلا بهذه الأمور الثلاثة، التوبة من الشرك، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإذا كانت هذه الجملة الشرطية، فإن مفهومها أنه إذا تخلف واحد منها، لم تثبت الأخوة الدينية بيننا وبينهم، ولا تنتفي الأخوة الدينية بين المؤمن وغيره إلا بانتفاء الدين كله، لا أن تنتفي بالمعاصي وإن عظمت، لأن أعظم المعاصي قتل المؤمن، وقال الله فيه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾، فمع ذلك، فقد قال الله تعالى في آية القصاص: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْئ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، فجعل الله تعالى القتيل أخاً للقاتل، مع أن القاتل قتله، وهو مؤمن، وقتل المؤمن من أعظم كبائر الذنوب بعد الشرك، وهذا دليل على أن المعاصي وإن عظمت، لا تنتفي بها الأخوة الدينية، أما الكفر فتنتفي به الأخوة الدينية، فإن قلت: هل يكفر من منع الزكاة بخلاً؟ قلت: لولا الدليل لقلت به بناءً على هذه الآية، ولكن هناك دليل رواه مسلم في صحيحة، من حديث أبي هريرة، في مانع الزكاة حيث ذكر عقابه، ثم قال بعد ذلك: «ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار»، وكونه يرى سبيله إلى الجنة، دليل على أنه لم يخرج من الإيمان، وإلا ما كان له طريق إلى الجنة، وأما من السنة، فمثل قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه جابر: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»، أخرجه مسلم في صحيحة. وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه بريدة وأخرجه أهل السنن: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». هذا هو الكفر المخرج عن الملة لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل بين إسلام الرجل وكفره فاصلاً، وهو ترك الصلاة، والحد الفاصل يمنع من دخول المحدودين بعضهما ببعض، فهو إذا خرج من هذا، دخل في هذا، ولم يكن له حظ من الذي خرج منه، وهو دليل واضح على أن المراد بالكفر هنا الكفر المخرج عن الملة، وليس هذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب، والنياحة على الميت»، لأنه قال: "هما"، فقط، "بهم كفر" أي: أن هذين العملين من أعمال الكفر، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». فجعل الكفر منكراً عائداً على القتال، أي: أن القتال كفر بالأخوة الإيمانية، ومن أعمال الكافرين، لأنهم هم الذين يقتلون المؤمنين، وقد جاء في الآثار عن الصحابة رضي الله عنهم بكفر تارك الصلاة، فقال عبد الله بن شقيق، وهو من التابعين الثقاة: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. ونقل إجماع الصحابة على ذلك، أي: على أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة، نقله إسحاق بن راهويه الإمام المشهور، والمعنى يقتضي ذلك، فإن كل إنسان في قلبه إيمان يعلم ما للصلاة من أهمية، وما فيها من ثواب، وما في تركها من عقاب، يعلم ذلك لا يمكن أن يدعها، خصوصاً إذا كان قد بلغه أن تركها كفر بمقتضى دلالة الكتاب والسنة، فإنه لا يمكن أن يدعها ليكون من الكافرين، وبهذا علمنا أن دلالة الكتاب والسنة وآثار الصحابة و الاعتبار الصحيح كلها تدل على أن من ترك الصلاة فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة، وقد تأملت ذلك كثيراً، وراجعت ما أمكن من مراجعته من كتب في هذه المسألة، وبحثت مع من شاء الله ممن تكلمت معه في هذا الأمر ، ولم يتبين لي إلا أن القول الراجح هو أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة، وتأملت الأدلة التي استدل بها من يرون أنه ليس بكافر، فرأيتها لا تخلو من أربعة حالات، إما أن لا يكون فيها دليل أصلاً، وإما أن تكون مقيدة بوصف يمتنع معه ترك الصلاة، أو مقيدة بحال يعذر فيها من ترك الصلاة لكون معالم الدين قد اندثرت، وإما لأنها عامة مخصصة بأحاديث أو بنصوص كفر تارك الصلاة، ومن المعلوم عند أهل العلم أن النصوص العامة تخصص بالنصوص الخاصة، ولا يخفى ذلك على طالب علم، وبناء على ذلك فإنني أوجه التحذير لإخواني المسلمين من التهاون بالصلاة، وعدم القيام بما يجب فيها، وبناء على هذا، القول الصحيح الراجح وهو أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة، فإنما ما يعمله تارك الصلاة من صدقة، وصيام، وحج، لا يكون مقبولاً منه، لأن من شرط قبول الأعمال الصالحة أن يكون العامل مسلماً، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله﴾، فدل ذلك على أن الكفر مانع من قبول الصدقة، مع أن الصدقة عمل نافع متعدي النفع للغير، فالعمل القاصر من باب هؤلاء أن لا يكون مقبولاً، وحينئذ فالطريق إلى قبول أعمالهم الصالحة أن يتوبوا إلى الله عز وجل مما حصل منهم من ترك الصلاة، وإذا تابوا لا يطالبون بقضاء ما تركوا، بل يكثرون من الأعمال الصالحة، ومن تاب، تاب الله عليه، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً﴾، أسأل الله أن يهدينا جميعاً صراطاً مستقيماً، وأن يمن علينا بالتوبة النصوح التي يمحو بها ما قد سلف من ذنوبنا، إنه جواد كريم.