الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فنحن في هذه الليلة نلتقي بإخواننا اللقاء المعتاد الشهري الذي يتم ليلة الأحد الثالث من كل شهر، وهذا هو شهر جمادى الآخرة من عام ثمانية عشر وأربعمائة وألف، نسأل الله تبارك وتعالى لنا ولكم أن ينفعنا بملاقاتنا بإخواننا، وأن يجعل أيامنا سعيدة وآخرتنا أسعد وأسعد إنه على كل شيء قدير.
لا أجد شيئاً أتحدث عنه إلا ما يسره الله عز وجل من تفسير السورة التي قرأناها في صلاة العشاء هذه الليلة، لأنني أود من إخواننا جميعاً أن يعتنوا بكتاب الله حفظاً، وتدبراً، وفهماً، وعملاً؛ لأن هذا القرآن الكريم هو الذي به عزة الأمة الإسلامية، وبه نجاتها وسعادتها، وقد قال الله عز وجل: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:24] وقال عز وجل: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون:68] وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:29]، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:82].
علينا -أيها الإخوة- أن نقرأ القرآن فنتقنه لفظاً، وأن نقرأ القرآن فنتدبره معنى، وأن نقرأ القرآن فنعمل به حكماً، هكذا يريد الله تبارك وتعالى منا، لا يريد منا أن نقرأ القرآن مجرد قراءة لفظ؛ لأن مجرد قراءة اللفظ بدون تدبر للمعنى لا فرق بينها وبين رجل أمي لا يقرأ، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:78] أي: إلا قراءة، فوصف الله هؤلاء القوم بأنهم أميون، كالذي لا يقرأ تماماً.
أيّ فرق بين إنسان يقرأ القرآن ولا يدري ما معناه وإنسان لا يقرأ؟ لا يفترق هذا عن هذا من حيث المعنى، لكن نعم الذي يقرأ القرآن يكون له أجر القراءة ولا إشكال، لكن من حيث المعنى والانتفاع بالقرآن لا فرق بين الأمي وبين الذي يقرأ القرآن بلا تدبر.
بناءً على ذلك: أحث إخواننا أن يتدبروا كلام الله عز وجل، ولا سيما المفصل، الذي يبدأ من (ق) إلى آخر القرآن، لأن هذا المفصل هو الذي يقرأ في الصلوات الخمس، يعني: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، لكن الظهر والعصر القراءة فيهما سر، والمغرب والعشاء والفجر القراءة فيهن جهر.
في هذه السورة التي قرأناها هذه الليلة قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين:1] ويل: ترد في القرآن كثيراً، فما معنى هذه الكلمة؟
قيل: إنها اسم واد في جهنم، وعلى هذا فتكون اسماً لشيء محسوس، وقيل: إنها كلمة وعيد، فمعنى ويل: أي وعيد شديد لهؤلاء.
في القرآن: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:15].. ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين:1].. ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:79] والكلمة هذه ترد كثيراً في القرآن الكريم، ومعناها على القول الراجح: أنها كلمة وعيد يتوعد الله تبارك وتعالى بها من أسندت إليه.
معنى المطففين وصفاتهم.
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين:1] لو سألنا سائل: من المطففون؟ هل نرجع إلى القاموس المحيط الذي يفسر الكلمات العربية، أو إلى لسان العرب، أو إلى غيرها من كتب اللغة العربية؟ لا نحتاج إلى أن نرجع؛ لأن الذي قال: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين:1] هو الذي فسرها فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ۞ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:2-3]
هنا صفتان: الصفة الأولى: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين:2] يعني: إذا طلبوا حقهم من الناس استوفوا، اشترى شخص من آخر عشرة أصواع فأراد أن يقبضها ويستوفيها بالكيل، وهذا ليس فيه لوم على الإنسان أن يستوفي حقه، لكن اللوم أن يستوفي حقه كاملاً، ولكنه لا يعطي الحق الذي عليه كاملاً.
ولهذا قال: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:3] وهذه هي الصفة الثانية، معنى كالوهم: أي كالوا لهم، كقول باعوهم أي: باعوا عليهم. ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ [المطففين:3] أي: وزنوا لهم ﴿يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:3] أي: ينقصون، هل هذا عدل أو جور؟ الإنسان الذي يطلب حقه كاملاً ويعطي الحق الذي عليه ناقصاً فهذا جور لا شك، هذا خلاف العدل، والله تعالى لا يحب الجائرين، يحب المقسطين العادلين.
شمول معنى التطفيف المراد في الآية.
هذه الآية كما ترون وردت في شيء محسوس، فكل يعرف العدل فيه والجور، وهو الكيل والوزن، لكن هل هي خاصة بالكيل والوزن أم هي عامة في جميع الحقوق؟
الجواب: في جميع الحقوق، وإنما ذكر الله الكيل والوزن؛ لأنه معروف، كل الباعة الذين يبيعون ويشترون يعرفون الكيل والوزن، لكنها عامة في كل الحقوق.
ولننظر: رجل استأجر أجيراً، فاستوفى الحق منه تاماً لكنه لم يعطه الأجرة كاملة، هل يكون مثل الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون؟
الجواب: نعم. ولا فرق، ومن هذا الرجل يكون موظفاً، ويطلب الراتب كاملاً، لكنه لا يوف الوظيفة حقها، يتأخر في المجيء، أو يتقدم في الخروج، أو يتلهى عن الشغل بما لا مصلحة للشغل فيه.
التقصير الآن في الموظف من وجوه ثلاثة: إما أن يتأخر في المجيء، وإما أن يتقدم في الخروج، وإما أن يتلهى في حال الدوام بما لا مصلحة للعمل فيه، يعني: هو يأتي مبكر، أو من أول الناس ويخرج من آخر الناس، لكن يتلهى عن العمل بما لا مصلحة للعمل فيه ويطلب الراتب كاملاً، هل يدخل في الآية؟ نعم؛ لأنه يطلب حقه كاملاً ولكنه لا يعطي الحق الذي عليه كاملاً.
ومن هذا التعامل بين الزوجين، رسم الله تبارك وتعالى له خطة عادلة من أحسن -بل هي أحسن- الخطط قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:19] عاشروهن، المعاشرة مفاعلة من الطرفين، عاشروهن: أي ليعاشر كل واحد منكم الآخر بالمعروف، وقال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:228]. المعاشرة بين الزوجين: بعض الرجال يريد من الزوجة أن تعطيه حقه كاملاً وهو قد بخسها حقها، إن طلبت النفقة ماطل بها، أو منعها، وإن طلبت الذهاب إلى أهلها، أو إلى أقاربها، أو إلى صاحباتها بالمعروف، قال: لا، وهو يريد منها أن تعطيه حقه كاملاً، هذا نقول: إنك داخل في الآية: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ۞ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواعَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ۞ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:1-3].
الحقوق بين الأصحاب أيضاً يدخل فيها التطفيف، بعض الناس يريد من صاحبه أن يكون له مثل العسل، لكنه يعامل صاحبه بما هو مر كالحنظل، هل هذا تطفيف أو عدل؟ تطفيف، إذا كنت تريد أن يعاملك صاحبك بالمعاملة الطيبة فعامله أيضاً بالمعاملة الطيبة؛ لأن له حقاً عليك ولك حق عليه، أما أن تريد أن يعاملك المعاملة الطيبة وأنت لا تعامله كذلك فإن هذا من التطفيف.
التطفيف الحاصل بين المعلم وتلاميذه.
أيضاً المعلم والتلاميذ بينهم حقوق، على التلاميذ أن يحسنوا معاملة المعلم، كيف؟ يكونون أمامه بمنزلة المتلقي الذي يقبل ما يعطى له، كالعطشان أمام الساقي، أو الجائع أمام المُطعِم، بمعنى: أن يشعر التلميذ أنه بحاجة إلى تعليم المدرس حتى يقبله، وينتفع به، أما إذا كان أمامه وهو يرى أنه مثله، أو أحسن منه، أو أن المعلم ناقص، فإنه لن ينتفع منه، لا يمكن أن تنتفع من المعلم إلا حيث تجعل نفسك بمنزلة العطشان بين يدي الساقي وإلا فلن تنتفع، وهذا شيء مجرب، نحن إذا جلسنا إلى قوم يتكلمون بأفصح ما يكون من كلام ونحن لا نريد أن ننتفع منهم، وإنما نريد أن نعلم ما عندهم فإننا لا ننتفع بعلمهم، حتى لو مسكنا شيئاً في أثناء الإلقاء فإنه يذهب بسرعة، لكن إذا جلسنا إلى قوم نريد أن نتعلم منهم فإننا ندرك ما عندهم من العلم ويرسخ في نفوسنا، هذا حق للمعلم على تلاميذه.
كذلك العكس التلاميذ لهم حق على المعلم، فيجب عليه أن يسلك أقرب الطرق إلى إفهام الطلبة، لا يأتي لهم بعبارات معقدة، أو يتجاوز في الكتاب الشيء المعقد، بل يجب أن يوصل العلم إلى التلاميذ بأقرب وسيلة، والوسائل -والحمد لله- كثيرة، أما أن يأتي مثلاً ويلقي الدرس ويا ويلك لو تسأله عن شيء، فهذا غلط، بعض الأساتذة يلقي الدرس ثم إذا رفع التلميذ إصبعه يستفهم عن مسألة قال: اجلس. يا أستاذ! ما فهمت! قال: اجلس. فإذا أورد التلميذ عليه مسألة وهو لا يعرفها وهذا يقع كثيراً من بعض الأساتذة، يأتي إلى الدرس وهو ما حضَّر ومعلوماته قليلة، لا يستطيع أن يعلم إلا بعد التحضير، وهو لا يحضر، ثم إذا قام التلميذ يسأله وإذا هو ليس عنده علم، ماذا يصنع في التلميذ؟ يقول: اجلس، اجلس يا ولد، ما بقي وقت للمناقشة، هذا غلط، من حق التلاميذ عليك أن تعاملهم بلطف، وأن تسلك أقرب الطرق إلى إفهامهم، وأيضاً ناقشهم، أحيهم بالمناقشة، قل: يا فلان قم، يا فلان قم، يا فلان ما عندك؟ حتى تحيي المجلس، أما بعض الأساتذة تجده من حين يدخل الدرس إلى أن ينتهي، وهو يقرأ، يقرأ، يقرأ، يقرأ، هذا غلط، هذا نقص، فإذا كان المعلم يريد من التلاميذ أن يكونوا له على أعلى ما يكون من الآداب وهو لا يتأدب معهم أيدخل في الآية؟ نعم يدخل في الآية.
التطفيف بين الرعاة والرعية.
كذلك -أيضاً- بين الرعية والرعاة، وهذا أوسع وأعظم، أعني: بين الملوك والسلاطين وبين الرعية، كثير من الناس يريد من الرعاة أن يكونوا على أكمل ما يكون -ولا شك أننا نريد من الرعاة أن يكونوا على أكمل ما يكون- لكننا لا نعطيهم في المعاملة أكمل ما يكون، بمعنى أن بعض الرعية يقول: يجب أن يكون الراعي على أكمل ما يكون، ومع ذلك تجد الرعية على أنقص ما يكون، أهذا عدل؟ لا والله ما هو بعدل، إذا كنت تريد أن تعطى الحق كاملاً فأعط الحق الذي عليك كاملاً وإلا فلا تطلب.
ومن حكمة الله عز وجل أن المولَّى على حسب المولَّى عليه، وهذه من الحكمة أن يكون المولّى -ولي الأمر- على حسب من ولي عليه، إن صلح هذا صلح هذا، وإن فسد هذا فسد هذا، وفي الأثر: "كما تكونوا يولّ عليكم" يعني: أن الله يولي على الناس على حسب حالهم، وهذا الأثر وإن لم يكن صحيحاً مرفوعاً إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكنه صحيح المعنى، اقرأ قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً﴾ [الأنعام:129] أي: نجعل الظالم فوق الظالم، بماذا؟ ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:129] فإذا ظلمت الرعية سلطت عليها الرعاة، وإذا صلحت الرعية صلح الرعاة، وكذلك بالعكس: إذا صلح الراعي صلحت الرعية.
ذكروا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن رجلاً من الخوارج الذين قاتلوا علياً -وتعلمون الخوارج أنهم كانوا أولاً يقاتلون مع علي ضد معاوية رضي الله عنهما جميعاً- ثم إنه لما رضي علي -رضي الله عنه- بالتحكيم؛ لإطفاء الفتنة انقلبوا على علي، وكفروا علياً، وكفروا معاوية، واستحلوا دماء المسلمين، ولذلك ففتنة الخوارج من أعظم الفتن وأقبحها؛ لأنهم كما قال عنهم شيخ الإسلام رحمه الله: يقتلون المسلمين ويسالمون الكفار، وإذا تأملت وجدت هذا هو الواقع في الخوارج، مع أن الخوارج لو نظرنا إلى عبادتهم القاصرة -يعني: المقصورة عليهم- لرأيناهم من أكمل الناس، يقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيهم: «إنكم -ويخاطب الصحابة- تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وقراءتكم عند قراءتهم». يعني: هم أكمل منكم في اللفظ؛ لكن يقول عليه الصلاة والسلام: «إنهم يقرءون القرآن لا يتجاوز حناجرهم». أعاذنا الله وإياكم من ذلك، اللهم أدخل الإيمان في قلوبنا وثبته فينا يا رب العالمين، يقول: «إن القرآن لا يتجاوز حناجرهم، وإنهم ليمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية». السهم إذا طرب الرمية مرق منها بسرعة وخرج، هم يمرقون من الإسلام كذلك.
أقول: إن رجلاً من الخوارج جاء إلى علي بن أبي طالب وقال: يا علي، انظر، ما قال: يا أمير المؤمنين؛ لأنه لا يعتقد أنه أمير المؤمنين، قال: يا علي، ما بال الناس اختلفوا عليك ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر؟ سؤال محرج! لكنه وجه إلى أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، منذ قتل عثمان حصلت فتن عظيمة بين الصحابة أنفسهم، لكن هذه الفتن التي حصلت زاد الناس فيها ونقصوا، وكذبوا -أيضاً- ووضعوا، فالكثير من التاريخ في هذه المسألة بالذات -أي: في ما وقع بين الصحابة- في صفين، والجمل، وغيرها، كثير منها كذب، وكثير منها ضعيف، والصحيح فيها كما قال شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية: الصحيح منها هم فيه معذورون، متأولون، من أخطأ منهم فله أجر، ومن أصاب فله أجران.
ولا يحل لنا أن نميل مع واحد منهم أبداً، وإن كنا نعتقد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الخليفة الرابع، وأن خلافته لم تنته إلا بموته، وأنه أقرب إلى الحق من غيره، هذا لا شك عندنا فيه، لكن كوننا نبغض هذا ونحب هذا غلط، ولذلك قال العلماء: يجب علينا -وهو مذهب أهل السنة والجماعة - أن نمسك عما جرى بين الصحابة. وعبر بعضهم بقوله:
ونسكت عن حرب الصحابة فالذي *** جرى بينهم كان اجتهاداً مجرداً
أي: نسكت، ولا نتكلم فيه، ولا ننشره بين الناس؛ لأنك إذا نشرت هذا بين الناس فلا بد أن ينقدح في قلب أحدهم الميل إلى هذا، أو إلى هذا فيهلك، فالأولى أن ندع الحديث عما جرى بين الصحابة، ولهذا لما سئل عمر بن عبد العزيز رحمه الله الذي اعتبره بعض العلماء الخليفة الخامس لما سئل عما وقع بين علي ومعاوية قال كلمةً هي جديرة أن تكتب بماء الذهب، قال للذي سأله: "هذه دماء طهر الله أسيافنا منها، فيجب أن نطهر ألسنتنا منها" يعني: تلك أمة قد خلت، ولا ينبغي لنا أن نقرأ ما جرى بينهم؛ لأن هذا لا بد أن يوقع في قلب الإنسان الميل مع أحدهم، وما ذهب إليه أهل السنة والجماعة هو الحق، وهو الخير؛ أن نمسك عما جرى بينهم كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية وغيره من العلماء، وأن نقول: هؤلاء أمة قد خلت لها ما كسبت ولنا ما كسبنا، ولا نسأل عما كانوا يعملون.
الذي نريد من الحكومة أن تصنع كل ما يريد، وأن تكون حكومات الخلفاء الراشدين، ولكننا إذا نظرنا أنفسنا وإذا نحن مفرطون، مفرطون أولاً في حق الله عز وجل، فعندنا كذب، خيانة، تقصير في الواجب، أليس كذلك؟ نشهد على أنفسنا بهذا، عندنا هذا كله، عندنا -أيضاً- تقصير في حق الدولة، فما أكثر الذين يخدعون الدولة، ويلبسون الأمور عليها، ويكتمون ما تطلب الدولة إظهاره! وهذا شيء يعرفه كل واحد منكم ولا يخفى عليكم.
هل هذا عدل أن نريد من الحكومة أن تبذل كل ما في وسعها من الاستقامة حتى تكون كالخلفاء ونحن على العكس؟ لا، هذا داخل في قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ۞ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:2-3] ونحن نرجو الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا ودولتنا الاستقامة على الحق، وأن يصلح أمورهم، ونحن نعلم أنه لا يوجد اليوم على ظهر الأرض أحد من الولاة مثل ولاة أمورنا على ما فيهم من التقصير، وأنه لا يوجد شعب يمثل الإسلام والتوحيد حقيقةً مثلما يمثله الشعب السعودي على ما فيه من التقصير، نحن لا نقول هذا تحيزاً أو تعصباً، لكننا نسمع ونقرأ عن البلاد الأخرى، فإذاً يجب العدل، اطلب وأعطِ، أما أن تطلب بلا عطاء فإن هذا لا شك من الحيف والجور.
التطفيف الواقع في تقسيم الأشخاص.
كذلك -أيضاً- من الحيف والجور أن يتكلم الإنسان في شخص كعالم، أو تاجر، أو أي إنسان، ثم يذكر مساوئه التي قد يكون معذوراً فيها، ولا يذكر محاسنه، هل هذا من العدل؟ يأتي إلى عالم من العلماء أخطأ في مسألة قد يكون معذوراً فيها، ثم ينشر هذه المسألة التي أخطأ فيها، وينسى محاسن هذا العالم الذي نفع العباد بكثير من علمه، هذا لا شك أنه تطفيف وجور وظلم.
إذا كنت تريد أن تقوِّم الشخص فلا بد أن تذكر محاسنه ومساوئه، أما إذا كنت تريد أن تتكلم على خطأ معين لتحذر الناس منه؛ فنعم اذكر الخطأ لكن بقطع النظر عن قائله، وقل مثلاً: سمعنا أن بعض الناس يقول كذا وكذا وهو خطأ، ثم تُبين الخطأ، أما أن تريد أن تنشر مساوئ الآخرين دون محاسنهم فهذا ظلم وجور.
كذلك -أيضاً- بعض الناس يتكلم مثلاً في واحد من التجار، هذا التاجر قد نفع الناس بتجارته، بإقراض المحتاجين، والصدقة عليهم، وبناء المساجد، وأشياء كثيرة، لكن عنده معاملة أخطأ فيها في نظر هذا القائل، فيذهب يسبه بناءً على هذا الخطأ الذي قد يكون هذا التاجر استند فيه على فتوى ربما يكون معذوراً؛ والخطأ على من قال بالخطأ لكنه معذور.
هناك الآن تجار لهم خيرات كثيرة، ومحاسن، ونفقات، وصدقات، وغير ذلك من المحاسن، لكن أخطئوا في معاملة من المعاملات، وربما يكون هذا الخطأ غير واقعي، ولكنه في نظر القائل والمتكلم فيذهب بعض الناس ويضفي ظلالاً على هذه المحاسن، ويذهب يتكلم فيه: فلان يبيع في الربا، فلان يتحيل على الربا، فلان يقول كذا وكذا، ما هو صحيح هذا، العدل والميزان أن تذكر هذا وهذا، اسمع إلى قول الله تعالى في الأعراب: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:102] فالعدل والموازنة أمر مطلوب وإلا لكنت من المطففين الذين يريدون الحق لهم كاملاً ولكنهم يهضمون غيرهم.
تفسير آيات من سورة المطففين.
عود إلى الآية الكريمة: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ۞ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ۞ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:1-3] فأقول: ذكر الكيل والميزان هنا إنما هو من باب المثال، وإلا فإن المعنى أعم، والضابط: كل من أراد أن يستوفي الحق كاملاً لنفسه ويهضم الآخرين حقوقهم فإنه داخل في هذه الآية.
تفسير قوله: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾.
قال الله عز وجل:﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين:4] الاستفهام هنا للتوبيخ، يوبخ هؤلاء، يقول: هل أنتم تؤمنون بأنكم ستبعثون يوم القيامة؟ وأقول: نعم هم يقولون: سنبعث لهذا اليوم، لكنهم ينسونه عند حلول الشهوات، في الحقوق ينسون أنهم يبعثون، وإلا لو أن الإنسان إذا حدثته نفسه أن يخل بواجب، أو ينتهك محرماً تذَّكر يوم المعاد، فما أظن عاقلاً يؤمن بذلك إلا وكف نفسه عن المحرم، وألزمها بفعل الواجب،
كل إنسان يهم بأن يترك واجباً أو يفعل محرماً ثم يتذكر اليوم الآخر، ذلك اليوم العظيم الذي وصفه الله بأنه يجعل الولدان شيباً لا يمكن أن يقدم على ترك واجب، أو على فعل محرم أبداً، لكن الغفلة والنسيان تستولي علينا حتى ننسى هذا اليوم العظيم، اللهم ذكرنا به يا رب العالمين.
﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ۞ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين:4-5] وهنا سؤال نحوي بلاغي، قال: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ﴾[المطففين:4] أشار بإشارة البعيد مع أنهم قريبون يتحدث عنهم الآن، فلماذا أشار إليهم بإشارة البعد؟ أشار إليهم بإشارة البعد لا تفخيماً وتعظيماً لهم، ولكن إشارة إلى دنو مرتبتهم وضآلة مسلكهم، وأنهم بعيدون عن الحق.
تفسير قوله: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
قال تعالى: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين:5] ما هذا اليوم؟ يوم القيامة، يفسره قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ۞يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ [الحج:1-2] من شدة الهول، وهنا سؤال عارض على الآية الأخيرة: هل يوم القيامة فيه مراضع، وحوامل حتى تذهل المرضعة عما أرضعت وحتى تضع الحامل حملها؟
الجواب: قال بعض العلماء: إن هذه الزلزلة قبل قيام الساعة، وتزلزل الأرض، ويندهش الناس، وتذهل المرضعة عما أرضعت، والحامل تضع حملها، وعلى هذا القول لا إشكال في الآية.
والقول الثاني: أن ذلك يكون يوم القيامة، وهذا هو القول الراجح؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما وصف يوم القيامة قال: "وذلك يوم يشيب الوليد -أو قال: الولدان- وتذهل المرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها" فهو يوم القيامة.
يرد علينا الآن: هل في يوم القيامة مراضع وحوامل؟
الجواب: لا. لكن اللغة العربية تأتي بمثل هذا الأسلوب تعظيماً وتفخيماً.
تفسير قوله:﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
نعود إلى قوله تعالى:﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ۞ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:5-6] يقومون من قبورهم لرب العالمين، ولم يذكر الله تبارك وتعالى كيف يقومون، لكن في آيات أخرى وأحاديث بيّن أنهم يقومون سراعاً: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج:43] وقال عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ۞مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء﴾ ٌ [إبراهيم:42-43] القلوب طائرة، هواء.
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنكم تحشرون حفاةً عراةً غرلاً بهماً». كم الأوصاف؟ «حفاةً عراةً غرلاً بهماً».
الحفاة: الذين ليس عليهم نعال ولا خفاف.
العراة: الذين ليس عليهم ثياب.
الغرل: هم الذين لم يختتنوا، الختان يعني الطهارة، تقطع القلفة في الختان، يوم القيامة ترجع، يعود الإنسان ما نقص منه شيء كما قال عز وجل: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:104].
بهماً: قال العلماء: أي ليس معهم أموال يفتدون بها، ويفكون أنفسهم، يحشر الناس على هذا.
عائشة رضي الله عنها قالت: «يا رسول الله.. الرجال والنساء عراة؟ قال: نعم، الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك». اللهم أعنا على هذا اليوم، الأمر أعظم، وإذا شئت أن يتبين لك هذا فاقرأ قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ۞ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ۞ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ۞ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ۞ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:33-37] أنت وأخوك في الدنيا تتآلفان، يأوي بعضكم إلى بعض، ويأنس بعضكم ببعض، وكذلك مع الأم والأب، ومع الصاحبة والابن، لكن في يوم القيامة يفر المرء من هؤلاء.
قال العلماء: معنى كونهم يفرون: خوفاً من أن يطالبوهم بالحقوق، الأب يفر من ابنه يخشى أن يقول ابنه: يا أبت إنك ضيعت تأديبي، وكذلك البقية يخشون أن يحتج هؤلاء عليهم بحقوق يطالبونهم بها يوم القيامة، -أجارنا الله وإياكم من العذاب الأليم- ولهذا وصفه الله هنا قال: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ۞يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:5-6].
وقوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:6] من المراد بالعالم؟ كل من سوى الله فهو عالم، نحن نقرأ في الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:2] من رب العالمين؟ هو الله، من العالمون؟ هم كل ما سوى الله؛ لأن لا يوجد إلا رب ومربوب، الرب هو الواحد الأحد ومن سواه مربوب، ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في العالمين: كل من سوى الله فهو عالم وأنا واحد من ذلك العالم.
تفسير قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾.
قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:7] كلا في القرآن الكريم واللغة العربية تأتي لمعاني منها أن تكون بمعنى: حقاً، فهنا: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾[المطففين:7] يعني: حقاً إن كتاب الفجار لفي سجين.
ومن المراد بالفجار هنا؟ الكفار، كتابهم، يعني: أنهم مكتوبون في سجين، وسجين: هي الأرض السفلى، بدليل: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:18] عليين: أعلى شيء؛ فيكون سجين أسفل شيء، وهذه قاعدة في القرآن الكريم: أن الشيء يعرف بضده، فلولا أنه قال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾[المطففين:18] ما فهمنا معنى سجين، لكن قَابِل كتاب الأبرار وكتاب الفجار، فإذا كان هذا في عليين، فالثاني في الأسفل، وهذه قاعدة من التفسير: أنك تعرف الكلمة بذكر ما يقابلها.
انظر إلى قول الله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾ [النساء:71]ما معنى ثبات؟ فرادى، من أين عرفت فرادى؟ من قوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾ [النساء:71].
وإلى هنا ننتهي إلى ما نريد أن نتكلم عليه في هذه الآيات الكريمة.
وأكرر أنه ينبغي لنا أن نحرص على تدبر القرآن، وتفهم معناه، وسؤال العلماء إذا كنا لا نعلم.
أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم ممن يتلون كتابه حقه تلاوته، وأن يجعله شفيعاً لنا يوم نلقاه إنه على كل شيء قدير.
وإلى الأسئلة نرجو الله أن يوفقنا للصواب.





