السؤال:
يستفسر عن صحة هذا الحديث: «إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج»؟
الجواب:
هذا الحديث غير صحيح. ولكن شك أن النبي صلي الله عليه وسلم أمر بتسوية الصفوف، وكان صلي الله عليه وسلم يمر بالصف يمسح صدورهم ومناكبهم ويأمرهم بالتسوية، فخرج ذات يوم وقد غفلوا عنه فرأى رجلاً بارزاً صدره أي متقدماً فقال عليه الصلاة والسلام: «لتسوون صفوفكم أو ليخالف الله بين وجوهكم» أي بين قلوبكم حتى تكونوا أعداءً متباغضين. وهذا وعيد لمن ترك تسوية الصف.
وهو دليل على وجود التسوية كما ذهب إلي ذلك بعض أهل العلم. وما نشاهده الآن من التهاون في تسوية الصف لا بالنسبة إلي الإمام ولا بالنسبة إلي المأمومين أمراً يؤسف له؛ فإن كثيراً من الأئمة يلتفت يميناً وشمالاً يقول: استووا اعتدلوا سووا صفوفكم، وربما يري الصف غير مستوٍ ولا يقول: يا فلان تقدم، ويا فلان تأخر، مما يفهم الناس أن هذه الكلمة كأسطوانة تجر عليها إبرة وتحدث صوتاً، أي أنه لا قيمة لهذه الكلمة عند الناس الآن؛ لأنهم لا يشاهدون فعلاً يؤكد هذه الكلمة. والذي ينبغي في حق الإمام أن يلتفت يميناً وشمالاً ويستقبل الناس بوجهه، فإذا رأى شخصاً متأخراً قال: تقدم يا فلان، وإذا رأي متقدماً قال: تأخر يا فلان، حتى يحس الناس بأن هذه الكلمة لها معنى أي: استووا اعتدلوا. كذلك أيضاً المأمومون تجد أنهم لا يبالون يكون الرجل إلي يمين صاحبه أو إلى يساره، متقدماً عليه أو متأخراً عنه، لا يحاول أن يسوي الصف، وهذا من الغلط. وكذلك أيضاً أهمل كثير من اللائمة وكثير من المأمومين مسالة التراص؛ فتجد الصف يكون فيه فرج كثيرة لا يسدها أحد، وهذا غلط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتراص، وأخبر أن الملائكة عند الله عز وجل يتراصون.
وبعض الناس فهم فهماً خطأ في كون الصحابة رضي الله عنهم يلصق الرجل كعبه مع كعب أخيه ومنكبه مع منكب أخيه، فجعل يفرج بين رجليه تفريجاً بالغاً حتى يلصق كعبه مع كعب أخيه وما بين الأكتاف منفرج انفراجاً بقدر انفراج الرجلين، وهذا أيضا من الغلط، ومن فهم النصوص علي غير مرادها. ليس المراد مجرد وضع الكعب مع الكعب أو إلصاق الكعب مع الكعب. والمراد المراصة حتى يلصق الكعب بالكعب والمنكب بالمنكب، فإلصاق الكعب بالكعب ليس المقصود بذاته، بل هو مقصود لغيره، بل هو التراص والتسوية، لكن المشكلة أن بعض الناس يفهم الشيء فهماً خاطئاً ثم ينشره بين الناس، ثم يشيع وكأنه هو السنة التي أرادها الصحابة رضي الله عنهم. كذلك أيضاً يخطئ كثيرٌ من الناس في كيفية التسوية؛ فبعض الناس يظن التسوية هي استواء الأصابع، وهذا فهم خاطئ، والتسوية استواء ألا كعب يعني أن يكون كعب الإنسان مساوي لكعب جاره لا يتقدم عليه ولا يتأخر وأما الأصابع فقد تكون رجل الرجل طويلة فتتقدم أصابعه على أصابع الرجل الذي تكون قدمه قصيرة، وهذا لا يضر المساواة، إنما هي بالأكعب لأن الكعب هو الذي عليه اعتماد الجسم حيث إنه في أسفل الساق، والساق يحمل الفخذ، والفخذ يحمل الجسم، وليس التساوي بأطراف الأصابع بل بالأكعب، أكرر ذلك لأني رأيت كثيراً من الناس يجعلون مناط التسوية هو رؤوس الأصابع وهذا غلط. هنالك أمر آخر يخطئ فيه المأمؤمون كثيراً ألا وهو تكميل الصف الأول فالأول، ولكن إمامي المسجدين المسجد الحرام والمسجد البنوي فإنهم لا يبالون أن يصلوا أوزاعاً أربعة هنا وأربعة هناك أو عشرة هنا وعشرة هناك، أو ما شبه ذلك، وهذا لا شك أنه خلاف السنة. والسنة إكمال الأول فالأول، حتى إن الرجل لو صلى وحده خلف الصف مع أن الصف لم يتم فإن صلاته غير صحيحة بل هي باطلة، يجب عليه أن يعيدها لأن النبي صلي الله عليه وسلم رأي رجلاً يصلي وحده خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة وقال: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف».
فإن قال قائل: إذا كنت لو ذهبت إلى طرف الصف فاتتني الركعة فهل أصلي وحدي خلف الصف اغتناماً لإدراك الركعة؟ فنقول: لا، اذهب إلي طرف الصف ولو فاتتك الركعة، ولو كانت الركعة الأخيرة، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». وأنت مأمورٌ بتكميل الأول فالأول، فافعل ما أمرت به، وما أدركت فصلِّ، وما فاتك فاقضِ.
هذه تنبيهات أرجو من الله سبحانه وتعالى أن تجد آذاناً صاغية من إخواننا الأئمة والمأمومين، ذكرتها تعليقاً علي قول السائل أن الله لا ينظر إلي الصف الأعوج، حيث إن هذا الحديث لايصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.





