طالب: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا، أما بعد.
فإن المهم في كل فن أن يتعلم المرء من أصوله ما يكون عونًا له على فهمه، وتخريجه على تلك الأصول؛ ليكون علمه مبنيًّا على أسس قوية ودعائم راسخة، وقد قيل: من حُرم الأصول حُرم الوصول.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هذا الدرس الذي نبتدئه هذه الليلة -ليلة السبت العاشر من شهر صفر، عام ستة عشر وأربع مئة وألف- هو في أصول التفسير، ونسأل الله تعالى أن يُيَسِّر إتمامه على الوجه الذي ينفع.
بدأ المؤلف كتابه بهذه الخطبة؛ خطبة الحاجة:
(الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه)، (نتوب إليه) اجعلوها بين قوسين؛ لأنها لم تأت في الحديث، لكننا قلناها تقليدًا للعلماء السابقين، والحديث: «الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا» .
أما (الحمد) فهو وصف المحمود بالكمال، مع المحبة والتعظيم، ويكون الحمد لكمال المحمود، ولإنعام المحمود أيضًا، فهو فضل وإفضال، فالآكل إذا أكل يحمد الله عز وجل على كماله، أو على إحسانه وإنعامه، الثاني: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» .
واللام في قوله: (لله) للاستحقاق والاختصاص؛ أما كونها للاستحقاق فإن أحق من يُحْمَد هو الله عز وجل، وأما كونها للاختصاص فلأن (الحمد) مستغرقة لجميع أنواع المحامد؛ لأن (أل) في (الحمد) للاستغراق، ومن الذي يختص بالحمد كله؟ الله عز وجل، ولهذا نقول: اللام في (الحمد لله) للاستحقاق، وأيش؟ والاختصاص.
جملة (نحمده) جملة توكيد في المعنى لقوله: (الحمد لله).
(نستعينه): نطلب منه العون.
(نستغفره): نطلب منه المغفرة، أما العون فهو المساعدة، وأما المغفرة فهي ستر الذنوب مع التجاوز عنها.
(ونعوذ بالله من شرور أنفسنا)، (نعوذ بالله) أي: نعتصم به من شرور أنفسنا، وهل للنفس شرور؟ نعم للنفس شرور، قال الله تعالى: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي [يوسف: ٥٣]، والأنفس أو النفوس التي جاءت في القرآن وُصِفَت بثلاثة أوصاف: بالنفس المطمئنة؛ في قول الله تبارك وتعالى: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ [الفجر: ٢٧، ٢٨]، وبالأمارة بالسوء؛ في قوله تعالى: وَمَاأُبَرِّئ ُنَفْسِي إِنَّ النَّفْس َلأَمَّارَة ٌبِالسُّوءِ [يوسف: ٥٣]، وباللَّوَّامة؛ في قوله تعالى: وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة [القيامة: ٢].
فأما المطمئنة والأمَّارة بالسوء فهما متباينتان؛ لأن المطمئنة تأمر بالخير وتنهى عن الشر، والأمارة بالسوء تأمر بالشر وتنهى عن الخير، واللَّوَّامة الصحيح أنها وصف للنفسين جميعًا، فالأمَّارة بالسوء تلومك، والمطمئنة تلومك، الأمارة بالسوء تلومك متى؟ إذا فعلت الخير وإذا تركت السوء لامتك، المطمئنة تلومك متى؟ إذا فعلت السوء وتركت الخير.
فالصواب أن اللَّوَّامة وصف يكون للنفسين جميعًا، للأمارة بالسوء وللمطمئنة، أنفسنا فيها شرور، والمعصوم من عصمه الله، ولهذا نعتصم بالله من شرور أنفسنا.
(ومن سيئات أعمالنا)، الأعمال كما تعلمون ثلاثة أقسام: سيئ، وصالح، وبينهما لا سيئ ولا صالح، هل للسيئ آثار سيئة؟
الجواب: نعم، واستمع إلى قول الله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة: ١٣]، فعاقبهم الله بهذه العقوبات؛ لأنهم نقضوا الميثاق، فالسيئات سيئات الأعمال لها آثار سيئة، وما حصل الشر إلا بسيئات الأعمال، ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الروم: ٤١] بماذا؟ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا، وقال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠].
(من يهده الله فلا مضل له) يعني: من يهده الله تقديرًا، أو: من يهده الله تحقيقًا، أو الأمرين؟ الأمرين، فمن يُقَدِّر الله هدايته فلا بد أن يهتدي، ولو وُجِد له عوامل تقتضي ضلاله، ومن هداه الله تحقيقًا واهتدى فإنه لا يستطيع أحد أن يضله؛ لأن الله تعالى قد هداه، والأمر بيد من؟ بيد الله عز وجل، وهذه الجملة توجب للإنسان أن لا يطلب الهداية إلا من الله عز وجل، مع فعل الأسباب، الأسباب لا بد منها، اسأل الله الهداية واعمل لأسبابها، مِن تَعَلُّم الشريعة واستتباعها، وما أشبه ذلك.
(ومن يضلل فلا هادي له)، (من يضلل) بالفعل، يعني حقيقة، أو من يضلل تقديرًا؟ الأمران جميعًا، فمن أراد الله ضلاله فإنه لا يمكن أن يهديه أحد، ولا أدلَّ على ذلك من فعل الرسول عليه الصلاة والسلام مع عمه أبي طالب، عمه أبو طالب أحسن إليه، أي إلى الرسول إحسانًا عظيمًا، وصبر على مقاطعة قريش من أجل أن يكون مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وآمن به بلسانه فصدقه، وقال في لاميته المشهورة:
| لَقَدْ عَلِمُـــــوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَــــــذَّبٌ | لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِــــــــلِ |
وقال:
| لَقَــدْ عَلِمْـــــــتُ بِأَنَّ دِيــــــنَ مُحَمَّـــــــدٍ | مِـــنْ خَــــيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّـــــــــةِ دِينَــــــا |
| لَـــوْلَا الْمَلَامَـــةُ أَوْ حِــــذَارُ مَسَبَّـــــــةٍ | لَوَجَـــدْتَنِي سَمْحًا بِـــــذَاكَ مُبِينَـــــــــــا |
ومع ذلك لم يهتدِ، مع حرص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على هدايته فإنه لم يهتد، مات على الكفر، حضره النبي صلى الله عليه وسلم وهو في سياق الموت فقال: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ» ، ولكنه لم يقل ذلك، وكان آخر ما قال أنه على ملة عبد المطلب، فمات على الكفر -والعياذ بالله- اللهم أَحْسِن لنا الخاتمة جميعًا.
نعم، يقول: (ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)، (أشهد) أي: أُقِرُّ إقرارَ مشاهدِ، والمشاهد للشيء يراه حِسًّا، فالشهادة هنا متضمنة للإقرار الذي يُعتبر بمنزلة الشهادة لتأكد الْمُقِرّ.
وقوله: (أن لا إله إلا الله) يعني: أنه لا يوجد إله إلا الله، كذا صحيح؟ لا، هذا غير صحيح، أن نقول: لا يوجد؛ لأن هناك آلهة تُعبَد من دون الله، وتُسمى آلهة كما قال الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ [المؤمنون: ١١٧]، وقال تعالى: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: ١٠١]، ولأننا لو قلنا: لا إله موجود إلا الله، لكان هذا هو القول بوحدة الوجود؛ لأن الله إله خالق السماوات والأرض، وهذه الأصنام إله إذن واحد، لهذا يتعين أن يكون المعنى: لا إله حق إلا الله، وعلى هذا فيكون خبر (لا) النافية أيش؟ محذوفًا، ولفظ الجلالة الذي بعد (إلا) بدل منه، وهذا أحسن الأعاريب وأسلم الأقوال من الإرادة والاعتراض.
(وحده لا شريك له)، (وحده) تأكيد للإثبات، و(لا شريك له) تأكيد للنفي، هذه الجملة -كلمة الإخلاص- لو وُزنت بها السماوات والأرض لرجحت بهن، وهي التي مَن كانت آخر كلامه من الدنيا دخل الجنة، فهي كلمة عظيمة، لها وزنها وقيمتها، تعصم الإنسان وماله من القتل، كما تعصمه من الكفر، لما لحق أسامةُ بن زيد المشركَ وأدركه قال هذا المشرك: لا إله إلا الله، ففهم أسامة أنه قالها تعوُّذًا وخوفًا من القتل، فقتله، ثم بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال له: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟»، قال: نعم، لكنه قالها تعوُّذًا ليعتصم بها من القتل، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يرددها حتى قال أسامة: تمنيت أني لم أكن أسلمت بعد.
تمنى أنه ليس بمسلم لأجل إذا أسلم أيش؟ غُفر له ما قد سلف، ولكن الأمر حصل، إلا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يُضَمِّنه بدِيَة ولا كفَّارة؛ لأنه متأوِّل، والكفارة لا تأتي مع العمد أيضًا.
يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)، نقول في (أشهد) كما قلنا في الأولى، ومحمد هو ابن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي صلوات الله وسلامه عليه، لا يوجد من بني إسماعيل نبي سواه.
وقوله: (عبده ورسوله)، (عبده) يعني: العابد له المتذلِّل، ليس له حق من الربوبية، و(رسوله) المرسَل من قِبَل الله عز وجل، فليس بكاذب، وليس له حق في الربوبية، وفي قوله: (عبده ورسوله)، (عبده) فيها رد على مَن غَلَا فيه، و(رسوله) رد على من قدح فيه، كذا؟ في قوله: (عبده) رد على مَن؟
الطلبة: على مَن غَلَا فيه.
الشيخ: على مَن غَلَا فيه، حتى أوصله إلى جانب الربوبية، و(رسوله) رد على مَن؟ على من قدح فيه وكذَّبه، وقال: ليس برسول، أو قال: إن رسالته ليست عامة، فالنصارى الآن عليهم لعائن الله إلى يوم القيامة، وكذلك اليهود يقولون: محمد رسول، وعيسى رسول، موسى رسول، لكن موسى إلى قومه، وعيسى إلى قومه، ومحمد إلى قومه، فلا فرق بيننا وبينكم، أنتم آمنتم برسول أُرسل إليكم، ونحن نؤمن برسول أُرسل إلينا، واليهود كذلك، ولكن نقول: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول إلى كل من وُلد من بعد رسالته، فإنه يلزمه اتباعه، حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» .
وقوله: (محمدًا عبده ورسوله) لم يقل: إلى الناس كافة، مع أن هذه الجملة مما علَّمه النبي صلى الله عليه وسلم أمته في التشهد، ماذا نقول في التشهد؟
أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بتعيُّن الرسول، فيقال كما قال ابن مالك رحمه الله:
| وَحَـــــذْفُ مَـــــا يُعْلَـــمُ جَـــائِـــزٌ ........ | ............................ |
ونحن نعلم أن رسالته مطلَقة لكل أحد، فحذف المرسَل إليه للعلم به.
(صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلَّم تسليمًا)، ما معنى (صلى الله عليه)؟
أحسن ما يُقال: أثنى عليه في الملأ الأعلى، أي: مدحه ووصفه بصفات الكمال، في الملأ الأعلى في الملائكة.
(وعلى آله)، الآل تارة تُذْكَر وحدها، مثل قولنا في التشهد: اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، فإذا ذُكرت وحدها كان المراد بها جميع أتباعه على دينه، كقول الله تعالى في فرعون: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٦] أي: أتباع فرعون، وإذا ذُكِرَت الآل والصحب والأتباع، كما في هذه العبارة، صار المراد بالآل قرابته المؤمنين به، أما غير المؤمنين به فليسوا من آله؛ لأن الله قال عن نوح في ولده، قال له: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود: ٤٦] وهو ابنه من صُلْبه، ومع ذلك نفى الله أن يكون من أهله، كذلك الذين لم يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام من قرابته ليسوا من أهله، وإن كانوا من أهله نسبًا، لكنهم لا يدخلون في الدعاء له.
و(أصحابه): الذين اجتمعوا به مؤمنين به ولو لحظة واحدة وماتوا على ذلك.
و(من تبعهم بإحسان): بقية الأمة، واضح يا جماعة؟ وهذا من تبعهم بإحسان نقول: من قول الله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ [التوبة: ١٠٠]، وإنما قُيِّدَت التبعية بالإحسان؛ لأن التبعية قد تكون مطلقة، وقد تكون مقيَّدة بالإحسان، بحيث يترسم خطاه قولًا وفعلًا وتركًا، أما من كان متبِّعًا مطلق متابعة فهذا لا يكفي، أي لا يدخل في هذا الدعاء، فلا بد من الإحسان.
(وسلَّم تسليمًا)، ثَنَّى بالسلام لأن الله تعالى قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]، وأما في التشهد فإننا نبدأ بالسلام قبل الصلاة، ووجه ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم علَّم الأمة السلام قبل الصلاة، ثم بعد ذلك طلبوا منه أن يعلِّمهم الصلاة عليه كما علَّمهم السلام فعلَّمهم، فصار الترتيب هكذا، السلام أولًا ثم الصلاة ثانيًا.
طالب: (...).
الشيخ: نعم.
طالب: (...) المقِرًّ أو المقَرُّ به.
الشيخ: لا، المقِر يعني المتأكِّد كما يتأكد فيما شاهد.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال شيخنا حفظه الله تعالى في كتابه أصول في التفسير: فإن من المهم في كل فن أن يتعلم المرء من أصوله ما يكون عونًا له على فهمه، وتخريجه على تلك الأصول؛ ليكون علمه مبنيًّا على أسس قوية ودعائم راسخة، وقد قيل: مَن حُرِم الأصول حُرِم الوصول، ومن أَجَلّ فنون العلم بل هو أَجَلُّها وأشرفها علم التفسير الذي هو تبيين معاني كلام الله عز وجل، وقد وضع أهل العلم له أصولًا، كما وضعوا لعلم الحديث أصولًا، ولعلم الفقه أصولًا، وقد كنت كتبت من هذا العلم ما تيسر لطلاب المعاهد العلمية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فطلب مني بعض الناس أن أُفْرِدَها في رسالة؛ ليكون ذلك أيسر وأجمع، فأجبته إلى ذلك، وأسأل الله تعالى أن ينفع بها.
الشيخ: هذه القطعة تتضمن أن من المهم أن يركز الإنسان معلوماته على الأصول، أصول المسائل؛ لأن الأصول هي التي تجمع له الفروع، ومن كان معتنيًا بالفروع دون الأصول فإنه يفوته الفروع والأصول؛ لأن الفروع كأوراق الشجرة تتحاتُّ وتزول، وأما الأصول فهو كعروق الشجرة يرسخ الشجرة ويبقيها، ولهذا أنا أحث كل طالب علم على أن يعتني بالأصول، القواعد والضوابط، وكذلك المسائل الكلمات الجامعة التي تشمل مسائل كثيرة؛ لأننا نرى بعض الناس الآن من الطلبة وغير الطلبة يعتني بجمع المسائل فقط، يجمع مئة مسألة أو مئتي مسألة، لكن ليس عنده أصل يبني عليه، فإذا ورد عليه أي مسألة تخالف ما كان حافظًا لا يستطيع أن يخرجها، ولذلك نحن نحث الطالب طالب العلم على معرفة الأصول.
(وقد قيل: مَن حُرِم الأصول حُرِم الوصول)، يعني أنه لا يصل إلى غايته، وهذا حقيقة، ثم قال:
(إن من أَجَلِّ فنون العلم، بل هو أَجَلُّها وأشرفها، علم التفسير الذي هو تبيين معاني كلام الله عز وجل)؛ لأن شرف العلم يشرُف بموضوعه، وموضوع علم التفسير كلام الله عز وجل، فالاعتناء به أهم من الاعتناء بشرح الحديث، وأهم من الاعتناء بشرح متن من متون العلماء؛ لأنه تفسير، لماذا؟ لكلام الله عز وجل، والعلوم تشرف بحسب موضوعها.
قال: (وقد كنت كتبت من هذا العلم ما تيسر لطلاب المعاهد العلمية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فطلب مني بعض الناس أن أُفْرِدَها في رسالة؛ ليكون ذلك أيسر وأجمع، فأجبته إلى ذلك)، وزدت ما شاء الله، وحذفت بعض الأشياء التي لا فائدة منها، فصار هذا الكتاب مختصرًا، وأكثر اعتمادي فيه على مقدمة التفسير لابن تيمية -رحمه الله-؛ لأنها مقدمة نافعة، لكن كما تعلمون أن شيخ الإسلام رحمه الله كلامه دائمًا مرسَل؛ لأنه بحر متلاطم لا تحجزه الجداول، فهو -رحمه الله- يتكلم بكلام مرسل يحتاج إلى أنه يُجمَع ويُبْسَط ويُسَهَّل للطالب، ويتلخص.
الطالب: ويتلخص ذلك فيما يأتي:
القرآن الكريم، أولًا: متى نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، ومَن نزل به عليه من الملائكة.
ثانيًا: أول ما نزل من القرآن.
ثالثًا: نزول القرآن على نوعين: سببي، وابتدائي.
رابعًا: القرآن مكي ومدني، وبيان الحكمة من نزوله مفرَّقًا، وترتيب القرآن.
خامسًا: كتابة القرآن وحفظه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
سادسًا: جمع القرآن في عهد أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما.
التفسير:
أولًا: معنى التفسير لغة واصطلاحًا، وبيان حكمه والغرض منه.
ثانيًا: الواجب على المسلم في تفسير القرآن.
ثالثًا: المرجع في التفسير إلى ما يأتي:
أ – كلام الله تعالى بحيث يفسر القرآن بالقرآن.
ب – سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مُبلِّغ عن الله تعالى، وهو أعلم الناس بمراد الله تعالى في كتاب الله.
ج – كلام الصحابة رضي الله عنهم، لا سيما ذوو العلم منهم، والعناية بالتفسير؛ لأن القرآن نزل بلغتهم وفي عصرهم.
د – كلام كبار التابعين الذين اعتنوا بأخذ التفسير عن الصحابة رضي الله عنهم.
هـ - ما تقتضيه الكلمات من المعاني الشرعية أو اللغوية حسب السياق، فإن اختلف الشرعي واللغوي أُخِذَ بالمعنى الشرعي إلا بدليل يُرجح اللغوي.
رابعًا: أنواع الاختلاف الوارد في التفسير المأثور.
خامسًا: ترجمة القرآن؛ تعريفها، أنواعها، حكم كل نوع.
خمس تراجم مختصرة للمشهورين بالتفسير؛ ثلاثة للصحابة، واثنتان للتابعين.
أقسام القرآن من حيث الإحكام والتشابه.
الشيخ: عندنا (الأحكام) غلط، الصواب (الإحكام)، الهمزة مكسورة.
الطالب: موقف الراسخين في العلم والزائغين من المتشابه، التشابه حقيقي ونسبي، الحكمة في تنوع القرآن إلى محكم ومتشابه.
موهم التعارض من القرآن، والجواب عنه، وأمثلة من ذلك.
القسم: تعريفه، أداته، وفائدته.
القصص: تعريفها، الغرض منها، الحكمة من تكرارها، واختلافها في الطول والقصر والأسلوب.
الإسرائيليات التي أُقحمت في التفسير، وموقف العلماء منها.
الضمير: تعريفه، مرجعه، الإظهار في موضع الإضمار، وفائدته.
الالتفات وفائدته، ضمير الفصل وفائدته.
الشيخ: هذه في الحقيقة كأنها فهرس، ثم اعلموا أن هذه الرسالة أصول في التفسير، وليست أصول التفسير كلها، لكنها أصول في التفسير، يحتاج إليها من أراد أن يفسِّر كلام الله عز وجل، نبدأ بالأول.
***
طالب:
القرآن الكريم
القرآن في اللغة: مصدر (قَرَأَ)، بمعنى: (تَلَا)، أو بمعنى (جَمَعَ)، تقول: قَرَأَ قَرأً وقُرْآنًا، كما تقول: غَفَرَ غفرًا وغُفْرَانًا، فعلى المعنى الأول (تَلَا) يكون مصدرًا بمعنى اسم المفعول، أي بمعنى: مَتْلُوٌّ، وعلى المعنى الثاني (جَمَعَ) يكون مصدرًا بمعنى اسم الفاعل، أي بمعنى (جَامِع)؛ لجمعه الأخبار والأحكام، والقرآن في الشرع كلام الله تعالى المُنَزَّل على..
الشيخ: القرآن يحتاج إلى معرفته لغة وشرعًا، اللغة قالوا: إنه مصدر قرأ بمعنى تلا، أو قرأ بمعنى جمع، وكلاهما صحيح، لأن القرآن إن قلت: إنه مقروء، أي: مَتْلُوٌّ، فصحيح، وإن قلت: إنه قارئ، أي: جامع للأخبار النافعة والأحكام العادلة، فهو كذلك، وعندى في الحاشية يمكن أيضًا إذا كان من (جمع) يمكن أن يكون بمعنى مفعول أيضًا؛ لأنه مجموع في المصاحف والصدور، ولهذا يُقال مثلًا: إن أبا بكر رضي الله عنه جمع القرآن، فالقرآن إذن مجموع، فصار (قرأ) بمعنى اسم المفعول، سواء كانت من القراءة بمعنى التلاوة، أو من القراءة بمعنى الجمع، أما (قرأ) بمعنى التلاوة فهي اسم فاعل ولَّا مفعول؟
الطلبة: فاعل.
الشيخ: لا، اسم مفعول؛ لأن القرآن ما هو قارئ، بل هو مقروء، فالقرآن بمعنى التلاوة لا يكون إلا بمعنى اسم المفعول، القرآن بمعنى (القرء) أي: الجمع، يكون بمعنى اسم الفاعل وبمعنى اسم المفعول، هذا باعتبار القرآن لغةً، أما في الشرع..
الطالب: والقرآن في الشرع كلام الله تعالى المُنَزَّل على رسوله وخاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس، قال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا [الإنسان: ٢٣]، وقال: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: ٢].
الشيخ: وهذا المعنى قد أجمع عليه المسلمون، لم يشذ إلا الرافضة؛ حيث ادعوا أن القرآن فيه نقص، وأنه حُذِف منه أشياء، وزادوا على ما في القرآن الموجود بين المسلمين، والذي أجمع عليه المسلمون أوله الفاتحة وآخره سورة الناس، فما بين هاتين السورتين كله كلام الله عز وجل، حتى قال العلماء: من أنكر منه حرفًا واحدًا فإنه يكون كافرًا؛ لأنه مكذِّب لله ورسوله وإجماع المسلمين، حرف واحد، اللهم إلا ما اختلفت فيه القراءات؛ لأن بعض القراءات قد يكون فيها حذف حرف، حرف معنوي لاحرف تركيبي، الحرف التركيبي كثير مثل: (ملك) و(مالك)، حُذِفت من القراءة الثانية الألف، لكن هناك حرف معنوي؛ قد تُحذف الواو، وقد يكون بدل الواو فاء، حسب القراءات، لكن هذا قليل.
المهم أن القرآن شرعًا هو هذا الذي بين أيدينا، والحمد لله، حفظه الله عز وجل من النقص والزيادة والتحريف، حتى الذين حرَّفوه معنًى أقام الله تعالى من عباده الصالحين من؟ من رد هذا التحريف.
قلنا: إنه مكذِّب لله ولرسوله، فهو مكذِّب لله عز وجل؛ لأن ادعاءه أنه قد زِيدَ فيه أو نُقِص تكذيب لمضمون قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩]، أما للرسول عليه الصلاة والسلام فإن المسلمين أجمعوا على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بلَّغ القرآن كاملًا، ولم يشذ عنه حرف، ولا كلمة، ولا آية، وأن هذا القرآن الذي بلَّغه محمد هو هذا القرآن الذي بين أيدينا، وأما الإجماع فظاهر.
***
طالب: وقد حمى الله تعالى هذا القرآن العظيم من التغيير، والزيادة، والنقص، والتبديل، حيث تكفَّل عز وجل بحفظه، فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، ولذلك مضت القرون الكثيرة ولم يحاول أحد من أعدائه أن يغيِّر فيه، أو يزيد، أو ينقص، أو يبدل، إلا هتك الله تعالى ستره وفضح أمره.
الشيخ: الحمد لله، وهذا بخلاف الكتب السابقة، الكتب السابقة صار فيها التحريف والتغيير والتبديل، وصار فيها الكتمان، جعلوا التوراة قراطيس يُبْدُونها ويُخْفُون كثيرًا، لكن هذا القرآن -والحمد الله- محفوظ، حتى لو حاول أحد أن يغيِّر معنى القرآن قيَّض الله له مَن يبين تحريفه، ويبين عواره وعيبه.
طالب: وقد وصفه الله تعالى بأوصاف كثيرة تدل على عظمته وبركته وتأثيره وشموله، وأنه حاكم على ما قبله من الكتب، قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [الحجر: ٨٧]، وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ.
الشيخ: هذه العظمة، آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي، ما هذه السبع؟ هي سورة الفاتحة، كما ثبت بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هي السبع المثاني؛ لأن آياتها سبع، وهي مثاني، فيها خبر، وفيها دعاء، وفيها تاريخ، وفيها تقسيم الناس في الهداية، يعني هي أم القرآن بمعنى الكلمة، ولا أحسن من الشرح الذي شرحه إياها ابن القيم رحمه الله في أول مدارج السالكين، فإنه قد أتى من معانيها بالعجب العجاب، الذي لا تجده في أي كتاب تفسير.
وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، وصف الله القرآن بأنه عظيم، ووصفه بأنه مجيد، والمجد هو العظمة، قال الله تعالى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق: ١]، وهذا يدل على عظمة هذا القرآن، هل نفهم أن القرآن عظيم، أو أنه مجيد، أو نفهم شيئًا وراء ذلك؟
نفهم شيئًا وراء ذلك، وهو أن مَن تمسَّك به نال العظمة والمجد، وصار له السلطة على غيره، والشاهد حاصل من الواقع، فالأمة الإسلامية لما كانت متمسِّكة بهذا القرآن الكريم كان لها السيطرة والهيمنة على كل الأمم، وصارت تفتح البلدان بلدًا بلدًا.
***
طالب: وقال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]، وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام: ١٥٥]، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [الواقعة: ٧٧]، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩]، وقال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنَا [الحشر: ٢١]..
الشيخ: هذا أيضًا آيات تدل على عظمة القرآن، كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ، فالقرآن مبارَك في أثره وتأثيره، وأجره وثوابه، أما أجره وثوابه فإن من قرأ القرآن فله بكل حرف أيش؟ عشر حسنات، وأما تأثيره فإن الله بيَّن أنه لو أنزله على جبل لرأيته خاشعًا متصدِّعًا من خشية الله، وأما آثاره فما حصل للأمة الإسلامية من النصر المبين والفتح العزيز، الذي يشهد به كل أحد، ثم ما يحصل به من صلاح القلوب، وإقبال العبد على ربه، وتليين القلب بذكر الله، قال ابن عبد القوي رحمه الله:
| وَحَافِظْ عَلَى دَرْسِ الْقُرَانِ فَإِنَّـــــهُ | يُــلَيِّنُ قَلْبًا قَاسِيًا مِثْــــلَ جَلْمَــــدِ |
وصدق رحمه الله، الذي يقرأ القرآن بحضور قلب وتَدَبُّر لا شك أنه يتأثر به تأثرًا عظيمًا، وقوله: لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ، هذا بيان الحكمة من إنزاله، أن نتدبر آياته، لا أن نقرأه بدون تَدَبُّر ولا تَفَهُّم لمعناه؛ لأننا لو قرأناه هكذا ما استفدنا منه، أي فائدة من ألفاظ تُرَدِّدُها وأنت لا تعرف معناها، ولا تتدبرها؟! لا فائدة.
والحكمة الثانية قال: وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ، تدبر الآيات مطلق، لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ، والتذكر به خاص بِمَن؟ بأولي الألباب العقلاء؛ لأنه كم من إنسان يعرف معنى القرآن ويتدبر القرآن، ويستنتج منه الفوائد العظيمة، لكن لا يتذكر، لا يتذكر إلا أولو الألباب، والألباب هي العقول، فذكر الله هذا الكتاب العظيم ووصفه بأنه مبارك، وبيّن الحكمة من إنزاله؛ وهي تدبر الآيات، والثاني: التذكر.
وفي قوله: لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِبدون استثناء دليل على أن معاني آيات الصفات معلومة؛ لأنها من آياته، بل هي أَجَلُّ آيات القرآن؛ إذ إن فيها الخبر عن الله عز وجل وأحكامه وأفعاله، فهي معلومة لنا، وبهذا نرد على من قال: إن مذهب السلف هو التفويض، أي تفويض المعنى، فإن هذا قول لا يصدَّق إلا عن كاذب على السلف، أو جاهل بمذهبهم، وإلا فمن علم مذهب السلف تبيَّن له أنهم يقولون بالمعنى ويعرفونه.
وقوله وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِبيان أنه نزل للتذكر والاتعاظ، وكم من إنسان يقرأ القرآن ولكنه من أعداء القرآن؛ لأنه لم يتذكر به ولم ينتفع به.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال شيخنا حفظه الله تعالى في كتابه.
الشيخ: ورحمه أيضًا.
الطالب: ورحمه أيضًا في كتابه أصول في التفسير في معرض ذكره صفات القرآن الكريم: وقال تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وقال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ، وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: ١٩]، فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان: ٥٢].
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا من أوصاف القرآن الكريم عدة أوصاف، وذكرناها مع أدلتها، انتهينا إلى قوله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]، وبَيَّنَّا أن تدبُّر الآيات يشمل كل ما في القرآن من الآيات، حتى ما يتعلق بأسماء الله وصفاته، فإنه داخل في هذا، وذكرنا أن في هذا ردًّا على من؟
طلبة: (...).
الشيخ: على أهل التفويض الذين قالوا: إن الناس لا يعلمون معاني ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم، وذكرنا أن قول أهل التفويض قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، يقول عز وجل في سياق الآيات التي فيها ذكر أوصاف القرآن الكريم:
وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، هَذَا كِتَابٌ، كتاب بمعنى مكتوب، ففي أي شيء هو مكتوب؟ هو مكتوب في اللوح المحفوظ، مكتوب في المصاحف التي في أيدينا، مكتوب في الصحف التي بأيدي سَفَرَة كرام بررة.
وقوله: مُبَارَكٌسبق الكلام عليه، فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، هذا بمعنى قوله: لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ، وذلك لأن الاتباع فرع عن معرفة المعنى.
وقوله: اتَّقُواحذف المفعول، فبأي شيء نقدِّره إذا قال: اتَّبِعوه واتقوا، أي: اتقوا مخالفته التي هى ضد اتباعه، وهذا يشمل الأخذ بجميع شرائع القرآن الكريم.
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، (لعل) هنا للتعليل، وكلما جاءت (لعل) في القرآن فإنها للتعليل، ولا يصح أن تكون للترجِّي؛ لأن الترجِّي إنما يكون في أمر عسر على المترجي، والله سبحانه وتعالى لا يعسر عليه شيء، إذن فإذا جاءت في كلام الله فهي للتعليل، وهي كثيرة في القرآن الكريم.
وقوله: تُرْحَمُونَلم يبيِّن الراحِم مَن، وإنما لم يبيِّن إما للعلم به فلا يحتاج إلى ذِكْرِه، كما في قوله تعالى: وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: ٢٨]، ومعلوم مَن الخالق، إنه الله عز وجل، فهنا تُرْحَمُونَنقول: معلوم مَن الراحم، وهو الله عز وجل، وهو الذي تنفع رحمته، ورحمة مَن سواه قد تنفع، وقد لا تنفع، وقد يُقال: إنه حُذف المفعول من أجل العموم؛ لأنه أحيانًا يُحذف المفعول لإفادة التعميم، ألم تروا إلى قول الله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى: ٦ - ٨].
يقول بعض المفسِّرين في الآيات الثلاث هنا: إنه حُذِفَ المفعول من أجل تناسب الآيات، أي رؤوسها، وأن الأصل: ألم يجدك يتيمًا فآواك، ووجدك ضالًّا فهداك، ووجدك عائلًا فأغناك، ولكن الصواب خلاف ذلك، وأنه حُذِفَ المفعول لإفادة العموم، فالرسول عليه الصلاة والسلام آواه الله وآوى به، فكان صلى الله عليه وسلم ملجأ لأمته، يلجؤون إليه، هاجروا من بلادهم إلى المدينة؛ ليكونوا حول رسول صلى الله عليه وآله وسلم، ووجدك ضالًّا فهداك، وهدى بك أيضًا، كما قرر ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم للأنصار حين قال لهم: «كُنْتُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي».
وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى، أغناك، أو أغناك وأغنى بك؟ أغناك وأغنى بك، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم للأنصار: «كُنْتُمْ عَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي» .
فالحاصل أن قوله هنا: لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَيحتمل أنه حُذف الفاعل، إما للعلم به، أو لإفادة التعميم، وجه التعميم أن يُقال: مَن رحمه الله يسَّر له مَن يرحمه، فيكون المرحوم من الله مرحومًا من الله ومن الخلق، وكم من إنسان أنقذه الله تعالى من براثن أعدائه؛ لأنه مرحوم عند الله فرحمه العباد، وقال الله تعالى: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، إِنَّهُ، الضمير يعود على؟
طلبة: القرآن.
الشيخ: القرآن، لَقُرْآنٌ كَرِيمٌوالجملة هنا مؤكَّدة بمؤكِّدَيْن؛ أو بثلاثة؟
طلبة: بثلاثة.
الشيخ: بثلاثة؛ لأن قبلها قَسَم، فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [الواقعة: ٧٥- ٧٧] فالجملة مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات: القَسَم، والثاني: (إن)، والثالث: اللام.
لكن قد يقول قائل منكم: إنها لم تؤكَّد بقَسَم؛ لأن الله يقول: لَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، و(لا) للنفي، فكيف تقولون: إنه إثبات قسم؟
نقول: إن (لا) هنا للتنبيه، وليست نافية، بل المراد (لا)، يعنى: انتبه، أُقْسِم بمواقع النجوم، إلى آخره، فـ(لا) هنا للتنبيه، مثلها في قوله تعالى: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [القيامة: ١]، وفي قوله: لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد: ١]، وفي قوله: فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ [المعارج: ٤٠] وما أشبهه.
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌالكريم كثير الخير؛ ولهذا يُقال للرجل البَذُول الذي يبذل ماله يُقال: إنه كريم، ويُقال للبهيمة الحسناء التي تدِرُّ وتلد يقال لها: كريمة، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل وقد بعثه لليمن: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» ، كرائم يعني: أحاسنها وأطايبها.
القرآن الكريم في ألفاظه وفي معانيه، وفي آثاره، وفي كل شيء، هو قرآن كريم كما وصفه الله عز وجل، من كرمه أنه يلين القلب، إذا تابع الإنسان تلاوته لَانَ قلبه، ومِن كرمه أيضًا ما حصل للأمة الإسلامية بسبب التمسك به من الفتوحات العظيمة والانتصارات الهائلة.
وقال تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩] يعني للخصلة التي هي أقوم، ولم يقل: القَيِّمَة، بل قال: التي هي أقوم، إذن فكل خُلُق فاضل فالقرآن يهدي لأعلاه، كل معاملة حسنة فالقرآن يهدي لأحسنها، كل عبادة مستقيمة فالقرآن يهدي لأقومها، وهلم جَرَّا، لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وفيه إشارة إلى أن الدين الإسلامي يبدأ بالأهم فالأهم، والأصلح أيش؟
طلبة: فالأصلح.
الشيخ: فالأصلح، ويدفع الأسوأ بالسيئ؛ لأن السيئ بالنسبة للأسوأ أقوم؛ لكونه أخف، فلهذا العبارة تشير إلى أن القرآن يهتم بالأهم فالأهم، والأحسن فالأحسن، والأصلح فالأصلح، وهلم جَرَّا، وعليه فإذا تعارض عندك عملان لا تتوقف، إذا كان أحدهما أنفع من الآخر بماذا تأخذ؟ بالأنفع، ولا تنظر إلى الحاضر، انظر إلى الحاضر والمستقبل، ما نتيجة هذا الشيء؟ لأن الله يقول: اصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: ٤٩]، فالنظر للعاقبة أمر مهم.
إذن هذا من أوصاف القرآن؛ أنه يهدي للتي هي أقوم، وقال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ، والجبل كما تعلمون أصم صلب شديد.
لَرَأَيْتَهُحين نزول القرآن عليه خَاشِعًا، أي: ذليلًا، مُتَصَدِّعًامُتَفَتِّتًا، من أي شيء؟ من خشية الله، فمن هنا للسببية، أي: بسبب خشية الله عز وجل، هذا وهو جبل أصم صلب شديد، فكيف بالقلوب؟
ولهذا إذا قرأت القرآن يا إخوان، إذا قرأت القرآن ولم تشعر بأن قلبك لان فاعلم أنه أشد قسوة من الحجارة، لماذا؟ لأن الحجارة تلين وتخشع، والقلب الذي لا يلين ولا يخشع في القرآن أشد قسوة من الحجارة، فنسأل الله أن يلين قلوبنا وقلوبكم بذكره، آمين.
وقوله مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِأي: من خوفه، لكن الخشية خوف مقرون بعلم؛ لقول الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨]، وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ [الحشر: ٢١]، أفادنا الله عز وجل بأن هذا ضرب مثل، وأن الأمثال يضربها الله تعالى للناس لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ، أي: لأجل أن يتفكروا، وما أكثر الأمثال في القرآن الكريم.
قيل: فائدة أصولية: كل مثل في القرآن فهو إثبات للقياس؛ لأن المقصود به انتقال الذهن من هذا إلى هذا، وعليه فأدلة القياس في القرآن..
طالب: كثيرة.
الشيخ: كثيرة جدًّا؛ لأن الأمثال في القرآن كثيرة، وقال: إذن ما الذي استفدنا من وصف القرآن هنا؟ استفدنا من ذلك قوة تأثير القرآن، وأنه لا بد أن يؤثِّر، لكن لما كان أكثر الناس اليوم يقرؤون القرآن بألسنتهم صار تأثيره لا يتجاوز حناجرهم، وإلا لو قرؤوه بقلوبهم وألسنتهم لكان له أثر بالغ، يقول الله عز وجل: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًامنهم، أي: من المنافقين من يقول: لا تستمعوا لهذا القرآن، أيش الفائدة منه.
وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا، لماذا يكون هذا الاستفهام؟ إما لكونهم لم ينتفعوا بالآيات، فظنوا أن الناس كلهم مثلهم، وإما أنهم يكابرون، ينكرون أن تكون الآيات أثَّرت عليهم استكبارًا وعنادًا وجحودًا، قال الله تعالى في الجواب: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، هذا قسم من الناس الذين آمنوا زادتهم إيمانًا، كيف زادتهم إيمانًا؟
تزيدهم إيمانًا بأنه إذا نزلت السورة بخبر صدَّقوه، وإذا نزلت السورة بطلب قاموا به، تركًا للمنهي عنه، وفعلًا للمأمور، وهذا يزيد الإيمان، كلما ازداد الإنسان تصديقًا بآيات الله عز وجل ازداد إيمانه، وكلما ازداد الإنسان عملًا ازداد إيمانه، ولهذا كان من مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
إذن المؤمنون إذا نزلت السورة زادتهم إيمانًا، لماذا؟ للتصديق بها إن كانت من الأخبار، والعمل بها إن كانت من الطلب، فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور.
وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَيعني يبشر بعضهم بعضًا بما نزل، وبحكم ما نزل، يبشر بعضهم بعضًا؛ لأنه كلما نزلت آية من القرآن فهو دليل على أن الله أراد بالأمة خيرًا.
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ [التوبة: ١٢٥]، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌالمرض علة تقتضي خروج البدن عن الاعتدال الطبيعي، هذا الأصل، علة تقتضي أيش؟
طالب: خروج البدن عن الاعتدال..
الشيخ: عن الاعتدال الطبيعي، هي أيضًا في القلب كذلك، علة تصيب القلب توجِب خروجه عن الاعتدال الطبيعي، وهو -أي المرض- أعني مرض القلب في كل موضع بحسبه، ففي قوله تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب: ٣٢] ما المراد بالمرض هنا؟
طلبة: الشهوة.
الشيخ: مرض الشهوة، وهنا وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌمرض الشك والجحود؛ لأنه في مقابل قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا، والشيء يُعرف بأيش؟ بمقابله، وهذه من قاعدة التفسير التي ستأتينا إن شاء الله؛ أنه يُعرف معنى الآية بذكر المقابل، ومن أبرز مثال على ذلك قوله تعالى: فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا [النساء: ٧١]، لو قلنا: ما معنى ثُبَاتٍ؟
طلبة: فُرَادَى.
الشيخ: متفرقين أو فرادى، بماذا عرفتم أن هذا المعنى؟
طلبة: جمعيًا.
الشيخ: لقوله في مقابله: أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا، طيب، وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌأي: شك وجحود، فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ، أعوذ بالله، رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْالرجس هنا معنوي ولَّا حسي؟
طلبة: معنوي.
الشيخ: لا تكونوا كالقِدْر الذي يغلي ما يدري أوله من آخره، رجس معنوي ولَّا حسي؟
طلبة: معنوي.
الشيخ: معنوي بالتأكيد؛ لقول الله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [الحج: ٣٠] هنا الرجس معنوي، فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ، لماذا زادتهم رجسًا إلى رجسهم؟ لأن النازل إن كان خبرًا كذَّبوه، وإن كان طلبًا خالفوه، أليس كذلك؟ والتكذيب يزيدون به رجسًا، والمخالفة يزيدون بها رجسًا.
وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَنسأل الله العافية، يعني استمر هذا الرجس في قلوبهم إلى أن ماتوا على الكفر، وفي هذه الآية تحذير عظيم لمن رد الشرع لأول مرة أنه خطر عليه أن يستمر معه هذا الرد حتى يموت على الكفر، ولهذا انتبه لهذه المسألة، بمجرد ما يأتيك الخبر الصادق في حكم أو غيره فاقبله، وتهيأ له، لا تتردد فيه، إن ترددت فيه فهو خطر عظيم، قال الله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ق: ٥]، فلما كذَّبوا به صاروا في أمر مريج مختلط، لا يدرون عن شيء، وكذلك أيضًا قال الله تبارك وتعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة: ٤٩].
إذا قال قائل: كيف تكون السورة لقوم زيادة في الإيمان، ولقوم زيادة في الرجس، وهي سورة واحدة؟
نقول: لا غرابة، أرأيت الغذاء الجسدي يكون للسليم أيش؟ غذاء وزيادة نمو، ويكون للمريض علة وزيادة مرض، وأضرب لكم مثلًا بالتمر، إذا أكله السليم يزداد فيه نموًّا وطاقة حرارية ونشاطًا، وإذا أكله المريض بالسكري يزداد مرضًا، مع أنه واحد، هكذا أيضًا القرآن؛ تكون الآية أو السورة لقوم زيادة في الإيمان، ولقوم زيادة في الكفر، وجه كون هذا مدحًا للقرآن أن القرآن يزيد المؤمن أيش؟
طلبة: إيمانًا.
الشيخ: إيمانًا، ويزيد الكافر كفرًا، وهذا دليل على قوة تأثير القرآن، من المعلوم أن نزول الآيات بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم انقطع، لكن قد ينسى الإنسان الآية، ثم يقرؤها، أو تُقْرَأ عليه، فيتذكر وكأنها نزلت الآن، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: أحيانًا نغفل عن معنى الآية، ثم إذا فتح الله علينا وعرفناها كأنها نزلت الآن، وانظر إلى ما حدث بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم حين اجتمع الناس في المسجد، وقام من نراه أشجع هذه الأمة بعد نبيها وبعد أبي بكر، عمر بن الخطاب قام يقول للناس: إن رسول الله لم يمت، وإنه صُعِق وسيُبْعَث فيقطع أيدي أقوامًا وأرجلهم ، يقول هكذا عمر، هل قرأ قول الله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠]، قرأه لا شك، لكن من الذهول غفل عنها، فلما جاء المطمئن أبو بكر رضي الله عنه وقرأها، قال عمر: حتى عقرت، فما تقلُّنِي رِجْلَاي ، وكأن الآية نزلت الآن؛ لأن الناس من شدة ما أصابهم من الهول غفلوا، كأنها نزلت الآن، حينئذٍ يجد الإنسان لذة في هذه الآية التي فتح الله عليه بها وكأنما نزلت الآن فيزداد إيمانًا.
الشيخ: أنا كنت قد هيَّأت في حجرتي أن أقول: ما بعد (إذا) زائدة، لكن لما شفت الكتاب ما فيها (ما)، لكن نعود الآن إن شاء الله، وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌالآن نعطيكم الفائدة:
| يَا طَــــــــــــالِبًا خُــــــــــــــــذْ فَائِــــــــــــــــــــدَهْ | (مَـــــــــــا) بَعْـــــــــــدَ (إِذَا) زَائِـــــــــــــــدَهْ |
كل ما أتتك (ما) بعد (إذا) فهي زائدة، وَإِذَا مَا غَضِبُوا [الشورى: ٣٧].
طلبة: هُمْ يَغْفِرُونَ.
الشيخ: هُمْ يَغْفِرُونَأي: إذا غضبوا، حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ [فصلت: ٢٠] أي: حتى إذا جاؤوها، وهلم جرا، قال الله تبارك وتعالى: وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام: ١٩]، هذا أيضًا من تأثير القرآن أنه إنذار لمن بلغه، كل إنسان قرأ القرآن يعرف معناه فلا بد أن يتأثر به، حتى لو كان كافرًا، وأنتم تعرفون قريشًا حينما كان الرسول يقرأ القرآن يجتمعون له، النساء والصبيان، بل وكبراؤهم يستمعون إليه؛ لأنه سَحَرهم وأثَّر فيهم، فجعلوا يأتون بالخُفية يستمعون القرآن مِن فِي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالقرآن مؤثِّر، وقد قال الله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٧]، ولهذا قال: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ، يعني: ومن بلغه من الناس لأنذركم أيها المخاطبون ومن بلغ من غيركم، هذا دليل أيضًا على قوة تأثير القرآن.
وهذه الآية يحسن أن نتكلم على قوله: وَمَنْ بَلَغَ، فقد استدل به بعض العلماء على أن من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، وإن لم يعرف معنى القرآن، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن من لا يعرف معناه لا يدري مضمونه، والله تعالى قال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤]، وقال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [التوبة: ١١٥]، فلا بد من بيان.
لكن إذا قيل له: هذا كلام الله الواجب اتباعه، فقد بلغته الحجة، قامت عليه الحجة، وإن لم يفهم المعنى على سبيل التفصيل، إذا عرف أن هذا كلام الله وحي، وأنه يجب اتباعه، فقد بلغه، ولا يقال: إنه لا بد على التفصيل، التفصيل قد يكون صعبًا، لكن إذا قيل: هذا كلام الله الواجب اتباعه، فقد قامت عليه الحجة.
وقال تعالى: فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان: ٥٢]، لا تطع الكافرين فيما يريدون منك، وماذا يريد الكافرون من الرسول؟ استمع، وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩]، اسكت عنا نسكت عنك، هذا اللي يودون، وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا [النساء: ٨٩] لكن يقول: لا تطعهم، وَجَاهِدْهُمْ بِهِأي: بالقرآن، جِهَادًا كَبِيرًا، هل يجاهدهم بالقرآن؛ بآيات القرآن، أو بأحكام القرآن، أو بهما جميعًا؟
طلبة: بهما جميعًا.
الشيخ: بهما جميعًا، جاهدهم بآياته، اتلو عليهم القرآن، ضَيِّق عليهم؛ لأنهم ضاقوا ذرعًا بالرسول عليه الصلاة والسلام، لما كان يقرأ ويجتمع إليه الناس ضاقوا به ذرعًا، حتى قالوا: لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت: ٢٦]، هذا جهاد يضيِّق عليهم أيضًا، جَاهِدْهُمْ بِهِأي: بأحكامه؛ اتبع ما جاء في القرآن من قتالهم وجهادهم حتى تكون كلمة الله هي العليا.
وقوله: جِهَادًا كَبِيرًاأي: لا تتأنَّى وتمد لهم يد الضعف، بل يد القوة؛ لأنهم هم -أعني الكفار- يريدون أن يمدوا إليكم يد القوة، فيجب أن تمدوا إليهم أنتم أيضًا يد القوة، ولكن الحكمة تقتضي أن نتعامل مع الزمن، فإذا كان بنا قوة جاهدناهم، وإلَّا عاهدناهم إلى أن يفتح الله علينا بالقوة والعزة.
وقال تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: ٨٩]، شوف تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًىلمن؟ انتبه.
طلبة: لكل الناس.
الشيخ: لكل الناس، قال الله تعالى: هُدًى لِلنَّاسِ [آل عمران: ٤]، فهو هدى لجيمع الخلق، لكنه هداية الدلالة، هدى لكل الناس هداية دلالة، وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ، هذا خاص بالمسلمين، رحمة بهم، وكذلك بشرى لهم إذا تمسكوا به، والشاهد قوله: تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وقد ذكرنا لكم فيما سبق قصة ما جرى للرجل النصراني مع الشيخ محمد عبده.
وقال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة: ٤٨]، أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَيعنى القرآن، بِالْحَقِّأي: متلبسًا بالحق ونازلاً بالحق، فنزوله حق، وما جاء به حق، فالباء للملابسة، وكذلك أيضًا للتعدية، فهو نازل نزول حق، ونازل بالحق، يعني أتى بالحق، أخباره صدق، وأحكامه عدل.
مُصَدِّقًاحال، لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ، وكيفية تصديق القرآن لما بين يديه من الكتاب من وجهين: الوجه الأول: أن الكتب السابقة ذكرت منه شيئًا فنزل مصداقًا لها.
والشيء الثاني: أنه يصدِّقها، ويقول: إنها حق وصدق، ولهذا يجب علينا أن نؤمن بالكتب السابقة، فقوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِأي: مصدِّقًا ما أَخْبَرَت به، ومصدِّقًا لها بأنها حق.
وقوله: مُهَيْمِنًا عَلَيْهِالهيمنة: السيطرة والسلطة، يعني أن القرآن ناسخ لما سبقه من الكتب، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، ولهذا رَتَّب عليه فَاحْكُمْ، فالفاء هنا للسببية، والفصيحة أيضًا، أي: فبما أنه مهيمن احكم بينهم بما أنزل الله، بعده: وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا.
طالب: (...).
الشيخ: يقال: القرآن قد يشير إلى أصول وقواعد تتفرع منه الجزئيات، فقول الله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩] يفيد أن كل شيء يؤدي إلى ضرر في البدن فإنه حرام، والدخان لا أحد يشكل عليه الآن أنه ضار، ولهذا نجد الأمم الراقية في طلب الدنيا والمتعة فيها نجدها تحرمه، خصوصًا في الأماكن العامة، أنا ذكر لي قواد الطائرات أنهم إذا حاذوا الولايات المتحدة امتنعوا من التدخين، ممنوع من التدخين وهم في الجو قبل أن ينزلوا إلى مطارات الولايات المتحدة، وكذلك في الأماكن العامة، فإذا كانت كذلك فقد قال الله في القرآن: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ، وقد استدل عمرو بن العاص بهذه الآية على جواز التيمم خوفًا من التأذي بالبرد، أليس كذلك؟ هذه مسألة واضحة والحمد الله.
طالب: يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: حفظكم الله، في بعض البلاد يضعون شريطًا في القرآن في مكبِّر الصوت، ويكون في أيام مخصصة.
الشيخ: يكون فيه أيام؟
الطالب: مثل يوم الجمعة أو أيام العيد.
الشيخ: إي، يعني عند اجتماع الناس، هذا من البدع؛ لأنه لو كان القارئ يقرأ فعلًا والناس يستمعون إليه قلنا: هذا بدعة وخطأ أيضًا على الناس؛ لأن من الناس من يود أن يقوم يصلي، فكيف يصلي مع هذا الصوت العالي، من الناس من يريد أن يقرأ لنفسه، فكيف يقرأ مع هذا الصوت العالي، هذا غلط، وينبغي لطلبة العلم إذا ذهبوا إلى بلاد تعمل هذا العمل أن يناصحوهم، لا أن يقوموا عليهم في المسجد يقول: هذا خطأ، هذا بدعة، لا، يتكلمون مع المسؤولين عن المساجد ويقولون: هذا –بارك الله فيكم - إذا شاؤوا لا يقولون: بدعة، بهذا اللفظ، يمكن ينفرون، لكن يقول: هذا يؤثر على الناس، يؤثر على المصلِّي، وعلى من يريد أن يقرأ لنفسه، وربما يؤدي أيضًا إلى امتهان القرآن، تجد هذا مثلًا يقرأ وأثناءه يتحدثون.
طالب: هل هذه الآية: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، هل تدل على أن الجبال لها فهمٌ وإدراك؟
الشيخ: إي نعم، ما فيه شك.
الطالب: ليس كما يقول بعض الناس..
الشيخ: ألست تحب أُحدًا؟
طالب: بلى.
الشيخ: لأن الرسول كان يحبه، قال: «هَذَا أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» ، شوف (يحبنا)، يعني: جبل حجر يحب الرسول وأصحابه.
الطالب: بعني كان هذا في كل الأوقات ليس مخصوصًا بوقت؟
الشيخ: لا، في كل الأوقات، تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤].
طالب: شيخ، بارك الله فيك، يعني فيه بعض أهل العلم يعني يقول: إن بعض القرآن أتى آحادًا، ويستدل بحديث رواه مسلم أنه يقول: ما جمع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم القرآن إلا أربعة، ذكر منهم ابن مسعود، وأُبي، يقول: إن فيه بعض الصحابة كانوا يكتبون القرآن، ولم يكن إلا هو معه، فقال: هنا أوله كان آحادًا، بم يُرَدُّ عليه؟
الشيخ: هذا شيء بسيط، أولًا: إن قبول خبر الآحاد في الآيات؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا طَرِيًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» ، وهذا خبر واحد، أمرنا الرسول عليه الصلاة والسلام أن نعتمده.
ثانيًا: أن الإجماع حصل بعد ذلك من الصحابة، فهذا القرآن الذي بأيدينا أجمع الصحابة عليه وعلى صحته وقبوله.
ثالثًا: أن القرآن خبر ديني، والأخبار الدينية جاءت السنة مطردة بأنها تُقبَل من الواحد، كما في رؤية هلال رمضان وما أشبه ذلك.
***
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال شيخنا حفظه الله تعالى في كتابه أصول في التفسير: والقرآن الكريم مصدر الشريعة الإسلامية التي وعد بها محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، قال الله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١]، كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [إبراهيم: ١، ٢]، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم مصدر تشريع أيضًا كما قرره القرآن، قال الله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [النساء: ٨٠]، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب: ٣٦]، وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧]، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٣١].
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، لما سبق بيان عظمة القرآن الكريم وما وصفه الله به من الأوصاف، ذكر أمرًا مهمًّا، وهو أن القرآن الكريم هو مصدر الشريعة الإسلامية، وكذلك السنة النبوية، فلا يمكن أن يؤخذ بتشريع أي مصدر كان وأي إنسان كان إلا من الكتاب والسنة، وعلى هذا فلا يجوز أن يشرع لعباد الله شيء من القوانين الوضعية؛ لأن القوانين الوضعية لا تخلو من حالين:
إما أن تكون موافقة للشرع، فنقول: إن الذي شرعها هو الشرع، ولا كرامة ولا منة للقوانين الوضعية.
وإما أن تكون مخالفة للشرع فيجب علينا نبذها وطرحها، وأن نعلم أنها باطل؛ لأن الشريعة حق، وما عداها باطل، وأنها لا يمكن أن تصلح الخلق، ولا يمكن أن يصلح الخلق قانون وضعه بشر مخالف لشريعة الله؛ لأن هذا البشر الذي يظن أنه وضع ما يصلح الخلق:
أولًا: أنه قاصر في نفسه، وفي عقله، وفي معرفته ما يصلح للخلق.
ثانيًا: أنه إذا قدرنا أن الرجل عنده عبقرية وذكاء -أعني واضع القانون- فإنما يعرف ذلك فيما حوله فقط، أما ما كان بعيدًا عنه من الأماكن، فإن الناس يختلفون فيما يصلحهم.
ثالثًا: إذا قدَّرْنا أن هذا الرجل الواضع للقانون عبقري وذكي ويعرف المصالح فإنما يعرفها في زمن محدود، وهو زمنه الذي يعيش فيه، وأما فيما بعد فلا، ولهذا نعتبر من الجهل العظيم، بل من الكفر إذا قامت الحجة على واضع هذه القوانين الذي وضعها إما يهود وإما نصارى من أزمنة بعيدة، ووضعوها بين أيدي الناس يتحاكمون إليها، نرى أن هذا خطأ عظيم، بل هو كفر إذا لم يكن هناك التأويل من الفاعل، وعلى هذا فنقول: إنه لا مصدر للتشريع والحكم بين الناس إلا أيش؟ الكتاب والسنة، وقد ضل من ضل حيث قالوا: إن الكتاب والسنة إنما يبين المنهج الذي يكون بين الإنسان وبين ربه فقط، أو فيما بين الخلق في الأحوال الشخصية كالمواريث والأنكحة مثلًا، نقول: لقد ضللت ضلالًا مبينًا، وكذّبت قول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣].
ونقول أيضًا: دعواك هذه يكذِّبها القرآن الذي تؤمن به، فإن أطول آية في كتاب الله هي آية الدَّيْن، وكل الآية في معاملة الخلق، ثم إن الله عز وجل يبين في آيات كثيرة أشياء غير الذي في آية الدين، كلها تتعلق بالمعاملات والأنكحة والفضائل وغيرها، فالحاصل أن من ابتغى الهدى من غير كتاب الله أضله الله عز وجل.
وكذلك أيضًا السنة، السنة النبوية مصدر للتشريع أيضًا، ولكن متى؟ إذا صحت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن ما لا يصح ليس بعموم، ولهذا نقول: الذي ينظر في القرآن ينظر من وجه واحد فقط، وهو دلالة القرآن على الحكم، والذي ينظر من السنة يجب عليه نظران:
النظر الأول: ثبوت هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام.
والنظر الثاني: دلالته على الحكم، فالمستدل بالسنة يحتاج إلى أمرين: النظر في ثبوتها، ثم النظر في دلالتها.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على أن السنة تشريع؟
قلنا: القرآن، ولنقرأ: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: ١]، الفرقان هو القرآن، وسُمي فرقانًا؛ لأنه يُفَرِّق بين الحق والباطل، وبين أولياء الله وأعداء الله، وبين كل الأمور المختلفة، ولهذا لا يمكن يوجد في الشريعة شيء مختلف إلا والعقل يقتضي اختلافه، أو متفق إلا والعقل يقتضي اتفاقه، وفي قوله: لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًادليل على عموم رسالة النبي عليه الصلاة والسلام.
كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، هذا أيضًا يدل على أن الكتاب الذي يجب أن نسير عليه هو أيش؟ القرآن.
اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [إبراهيم: ٢] اللام هنا مُفَخَّمة إذا وقفت على الآية التي قبلها، وإن وصلت فهي مرقَّقَة؛ لأن ما قبلها مكسور إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ، أما إذا قلت: صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، ثم قلت: اللَّهِفتُفَخّم.
الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ، وإذا كان هو مالك السماوات والأرض وجب أن يكون الحكم إليه وإلى ما نزل من كتابه.
وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، مَن الكافرون؟ الذين لا يهتدون بهذا القرآن، ويل لهم من عذاب شديد، سواء قالوا: إن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم ينزل عليه القرآن، أو قالوا: إنه نزل عليه القرآن لكن ليس للعالمين بل لبعضهم.
وسنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تشريع أيضًا كما قرَّرَه القرآن، قال الله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وجه الدلالة: أن الذي يطيع الرسول قد أطاع الله، ومعلوم أن المراد بطاعة الرسول هنا ما لم يرد به قرآن، وأما ما ورد به القرآن فالطاعة فيه طاعة لمن؟ لله، لكن إذا لم يكن القرآن وأمر الرسول عليه الصلاة والسلام بشيء أو نهى عن شيء فطاعته طاعة لله، وهذه دلالة واضحة؛ أن ما جاء في السنة تجب طاعته كما جاء في القرآن، ومن لم يفعل فلم يطع الله، وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا، كقوله: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا [الإسراء: ٥٤] مَن تَوَلَّى ولم يطع الرسول فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد بلَّغَه وبرئ منه.
وقال تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا، نقول في هذه الآية كما قلنا في التي قبلها: مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، هذا فيما نهى عنه الرسول عليه الصلاة والسلام؛ أن من عصاه فقد ضل، أما ما نهى الله عنه فإن مخالفته معصية لله، ودل ذلك على أن ما جاء عن الرسول حجة كالذي جاء عن الله، وقال تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وهذه الآية وإن كانت في الفيء وقسمة الفيء فإنه إذا كان الله تعالى قال: مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، فهو شامل لما آتانا من شريعة الله، وما نهانا عنه من شريعة الله.
وقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْوهذه تسمى آية المحنة..





