شرح أصول في التفسير (الشرح الأول) - 2
عدد الزيارات 3727

عناصر المادة :
نزول القرآن
أول ما نزل من القرآن
نزول القرآن ابتدائي وسببي
فوائد معرفة أسباب النزول
عموم اللفظ وخصوص السبب

نهانا عنه بشريعة الله، وقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران: ٣١] وهذه تسمى آية المحنة؛ يعني: آية الامتحان والاختبار في قوم ادَّعَوا أنهم يُحِبُّون الله فقال الله عز وجل: قُلْيعني: يا محمد إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ، فهذا هو الميزان؛ فمن ادَّعى محبة الله قيل له: إن كنت صادقًا فاتبع الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن قلت: إني أحب الله ولم تتبع الرسول فأنت كاذب.
وقوله: يُحْبِبْكُمْ اللَّهُلم يقل: فاتبعوني تَصدُقوا فيما قلتم، قال يُحْبِبْكُمْ اللَّهُففيه إشارة إلى أن الشأن كل الشأن أن يحبك الله عز وجل، وأما دعوى أن الإنسان يحب الله فهذه قد يدعيها كل واحد، فالشأن كله أن الله تعالى يحبك.
قال: وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌفبيَّن الله عز وجل أن من اتَّبع الرسول عليه الصلاة والسلام حصلت له هاتان الفائدتان: الأولى محبة الله، والثانية مغفرة الذنوب، وهنا جملة معترضة يقول: (...).

نزول القرآن
00:01:29

(نزول القرآن؛ يقول: نَزَل القرآنُ أولَ ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر في رمضان).
(نزل القرآن أول ما نزل) يعني: ولم ينزل كله، بل أول ابتداءِ نزوله كان في ليلة القدر في رمضان؛ أما كونه في ليلة القدر؛ فلقوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:١] إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان: ٣، ٤].
وأما كونه في رمضان؛ فلقوله: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة: ١٨٥] وبهذا نعرف أن ليلة القدر كانت في رمضان.
فأول ما نزل في رمضان، لكن قبل رمضان كان يأتيه الوحي على صورة رؤيا، فكان أول ما بُدِئ به أن يَرى رؤيا إذا رآها في الليل جاءت مثل فلق الصبح، وابتداء هذه الرؤيا من ربيع الأول فبقي الستة أشهر؛ ربيع الأول، والثاني، وجمادى الأولى، جمادى الثانية، رجب، شعبان ثم نزل عليه القرآن في رمضان.
قال بعض العلماء: وهذا هو السرُّ في قول النبي صلى الله عليه وسلم أن «الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» لماذا؟ لأن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام كانت ثلاثًا وعشرين سنة، ونصف السنة أيش؟ جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، فالله أعلم هل هذا مراد الرسول عليه الصلاة والسلام أو غيره؟
(وكان عُمْرُ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أولَ ما نزل عليه -أي القرآن- كان عمرُه أربعين سنةً على المشهور عند أهل العلم، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعطاء، وسعيد بن المسيب، وغيرهم).
عندكم (وقد رُويَ) ولّا (رُوِي)؟
الطلبة: (وقد).
الشيخ: طيب، فصار عمرُه عليه الصلاة والسلام حين نزول القرآن أربعين سنة.
قال: (وهذه السِّنُّ هي التي يكون بها بلوغُ الرُّشد وكمال العقل وتمام الإدراك)؛ ولهذا قال بعض العلماء في قوله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى [القصص: ١٤] قالوا: بلغ أربعين سنة، هذا أول ما نزل عليه القرآن وله أربعون سنة، وصفةُ ذلك معروفةٌ في كتب أهل العلم ولا سيما في صحيح البخاري في أوله.
(والذي نزل بالقرآن من الله تعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم جبريلُ أحدُ الملائكة المقربين الكرام، قال الله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]).
وَإِنَّهُأي: الضمير، الضمير يعود على القرآن لَتَنْزِيلُ، والجملة هذه مؤكدة بكم مؤكد؟
الطلبة: ثلاثة.
الشيخ: انتظروا، يا إخوان.
مؤكدة وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَأين الثلاثة؟
طالب: القسم.
الشيخ: وين القسم؟
الطالب: الواو.
الشيخ: لا، الواو حرف عطف.
الطالب: (...).
الشيخ: ما هي، ما فيها شيء، الآية إللي قبلها إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، المهم أنها مؤكدة بمؤكدين فقط: إنَّ، واللام.
وقوله: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَيعني: القرآن، وأضاف التنزيل إلى رب العالمين إشارة إلى أن هذا القرآن لجميع العالمين ما دام المنزِّل له هو رب العالمين فإنه يكون لكل العالمين.
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُوهو جبريل عليه الصلاة والسلام، و(الأمين) وصفٌ لازم له، وحَسُنَ وصفه هنا؛ لأنه نزل بأعظم أمانة ألا وهي القرآن فلهذا وُصِف بأنه أمين، وكما قال الله تبارك وتعالى في سورة التكوير قال: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ١٩ - ٢١]
وقوله: عَلَى قَلْبِكَإنما ذكر محل نزوله وهو القلب إشارة إلى عقل النبي صلى الله عليه وسلم له، وأنه نزل على محل العقل وهو القلب.
واللام في قوله: لِتَكُونَاللام لام التعليل لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ.
وقوله بِلِسَانٍمتعلِّق بـ(نزل) يعني: نزل بلسان عربي مبين أي: بلغة.
عَرَبِيٍّنسبة إلى العرب، وهم الذين كان منهم الرسول عليه الصلاة والسلام مُبِينٍبيِّن أو مُبَيِّن؟
الطلبة: كلاهما.
الشيخ: نعم، هما جميعًا، فهو بيِّنٌ في نفسه، مُبَيِّن لغيره، الشاهد هذه الآية تدل على أن القرآن نزل من عند الله، وأن الواسطة بين الله وبين الرسول هو جبريل( ) عليه الصلاة السلام وأن القرآن بلسان عربي، فهل يجوز لنا أن نترجمه إلى لغة أخرى؟ سيأتي إن شاء الله في هذه الرسالة.
(وقد كان لجبريل عليه السلام من الصفات الحميدة العظيمة من الكرم والقوة والقرب من الله تعالى والمكانة والاحترام بين الملائكة والأمانة والحسن والطهارة ما جعله أهلا لأن يكون رسول الله تعالى بوحيه إلى رسله) هذه صفات عظيمة (الكرم القوة القرب من الله والمكانة والاحترام بين الملائكة والأمانة والحسن والطهارة ما جعله أهلًا لأن يكون رسول الله تعالى بوحيه إلى رسله).
هل هناك دليل لهذه الأوصاف؟
استمع: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍهذا الكرم، ذِي قُوَّةٍالقوة، عِنْدَ ذِي الْعَرْشِالقرب من الله عز وجل، مَكِينٍذو مكانة، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍهذا احترام، أمانة ثَمَّ أَمِينٍ.
وقال تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:٥ ] شدة قوته، ذُو مِرَّةٍ [النجم:٦ ] هو الحُسن ذُو مِرَّةٍقال العلماء: الهيئة الحسنة، فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى [النجم: ٦، ٧]، وقال تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: ١٠٢] هذا الطهارة.
ولهذه الأوصاف العظيمة التي اتصف بها جبريل كان أهلًا لأن يكون الحامل لكلام الله عز وجل إلى رسله صلوات الله وسلامه عليهم.
وقد بَيَّن الله تعالى لنا أوصاف جبريل الذي نزلت في القرآن من عنده، وهذا البيان يدل على عظمة القرآن وعناية الله تعالى به فإنه لا يُرسَل من كان عظيمًا إلا بالأمور العظيمة أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: نعم، كون الله يصف جبريل بهذه الأوصاف العظيمة دليل على عِظَم ما أُرسِل به لأنه لا يُرسَل بالأمور العظيمة إلا من هو عظيم؛ ولهذا يفرِّق الرجل بين أن يرسل الخادم ليأتي إليه بخبز من البقالة، وبين أن يُرسل خادمًا آخر إلى رئيس أو وزير، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: يكون الثاني أعظم وأحق من الأول.

أول ما نزل من القرآن
00:11:10

ثم قال المؤلف: (أول ما نزل من القرآن).
(أول ما نزل من القرآن) ينبغي لنا أن نعرفه؛ لأن من مُهِمَّات معرفة المتأخر والمتقدم أنه لو جرى تعارض لا يمكن جمعٌ بينه عَلِمْنا أن المتقدم منسوخ بالمتأخر، فلا بد أن نعرف أول ما نزل، يقول: (أول ما نزل من القرآن على وجه الإطلاق قَطْعًا الآيات الخمسُ الأولى من سورة العلق وهي قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١ - ٥]) أمر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ فقال: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» .
ومعنى قوله: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» أي: أني لا أُحْسِن القراءة، وليس مراده العصيان، بل أخبره أنه ليس بقارئٍ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أُمِّيًّا كما قال تعالى:وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت: ٤٨] فهو لا يقرأ ولا يكتب.
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) وهذا عامٌّ أول شيء (...).
(خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ) فذكر ابتداء خلق الإنسان؛ لأنه من المناسب جدًّا في هذا المقام الذي هو ابتداء الشرع فذكر الله ابتداء الخلق وابتداء الشرع؛ ابتداء الخلق خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، وابتداء الشرع أنَّ هذا أول ما نزل من القرآن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ.
(الْإِنْسَانَ) اسم جنس، وهو للعموم أي خلق كل إنسان من علق، وفي آية أخرى أن الله خلقهم من نطفة، وفي آية أخرى من ماء مهين، فكيف عَدَل في هذه الآية عن النطفة والماء المهين إلى العلق؟ لأن العلقة إذا انتقلت النطفة إليه فإنه يدل على أن هذا ابتداء خلق إنسان؛ لأن العلقة عبارة عن دودة حمراء، وهذه أول الدم وأول الجسم فلهذا ذكر الله سبحانه وتعالى هذا، وأما قبل ذلك فهو عرضة للفساد.
(اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ(الواو) للاستئناف والْأَكْرَمُاسم تفضيل من الكرم، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِقال بعضهم: إن هناك شيئًا محذوفًا، والمعنى الذي علم الكتابة بالقلم، ولكن الذي يظهر أنه لا حاجة إلى التقدير، وإن المعنى عَلَّمَ بِالْقَلَمِكيف نكتب به؟ وإذا دار الأمر بين الحذف وعدم الحذف حُمِلَ الكلام على عدم الحذف لأنه الأصل، وَذَكَر القلم؛ لأن هذا القرآن الكريم يُحْفَظ في الصدور، ويحفظ في الكتابة والكتابة طريقها القلم.
(عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) عَلَّمَ الْإِنْسَانَأي: كل إنسان مَا لَمْ يَعْلَمْكما قال تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: ٧٨].
وقوله: مَا لَمْ يَعْلَمْإذا قال قائل: أين العائد إلى الموصول؟ قلنا: محذوف، التقدير ما لم يعلمه.
الشاهد أن هذه الآيات هي أول ما نزل من القرآن، فإن قال قائل: إذا كانت أول ما نزل من القرآن، فلماذا لا تكون هي أول القرآن؟
قلنا: لأن الفاتحة هي أم القرآن فهي كالعنوان للقرآن الكريم وما بعدها كله تفصيل؛ ولهذا لا تكاد تجد معنى من القرآن إلا وقد تضمنته سورة الفاتحة إيماءً إليه؛ فلهذا صارت هي الأولى في القرآن.
(ثم فَتَر الوحي مدة ثم نزلت الآيات الخمس الأولى من سورة المدثر وهي قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر: ١ - ٥]) بعد أن فَتَر الوحي.
والحكمة من فُتور الوحي وعدم تتابعه في أول الأمر ليشتدَّ شوقُ الرسول عليه الصلاة والسلام إليه كما وقع فعلًا؛ فإنه لما فَتَر سار النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يتطلع إلى جبريل عليه الصلاة والسلام حتى إنه ليَهِمُّ أن يتردى من قمم الجبال صلوات الله وسلامه عليه من شدة شوقه إلى الوحي، فكان من الحكمه أن الله عز وجل أَخَّره فترة من الزمن، واختلف العلماء فيها، ولكن المهم أن الله تعالى أَخَّره إلى وقتٍ يشتاق النبي صلى الله عليه وسلم إليه اشتياقًا كاملًا.
يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُأصلها؟
طالب: (...).
الشيخ: أصل المدثر.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، ما هو أصلها، اشتقاقها، أصلها من حيث الوزن الصرفي.
الطالب: (...).
الشيخ: (المتدثر) هذا أصلها لكن قلبت التاء دالا لعلة تصريفية.
الْمُدَّثِّرُلابس الدِّثَار؛ لأن الرسول قال: «دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي» .
قُمْ فَأَنْذِرْأمره الله تعالى أن يقوم ويُنْذِر، وألَّا يركن إلى الكسل والخمول، بل يكون نشيطًا وينذر الناس.
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ(رب) هنا مفعول مُقَدَّم لـ(كَبِّر)، و(الفاء) قالوا: إنها لتزيين اللفظ وقيل: إنها عاطفة والأصل (فربك كبر).
وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْثِيَابَكَهل هي الثياب الحسِّيَّة أي: طَهِّر ثيابَك من النجاسة، أو الثياب المعنويَّة المشار إليها في قوله تعالى: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ [الأعراف: ٢٦]؟
الطلبة: (...).
الشيخ: الثاني هذا هو المهم، ولهذا قال وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْيعني: الأوثان، فَاهْجُرْفأمره الله تعالى بهذه الأمور أربعة: قُمْ فَأَنْذِرْاثنان وَرَبَّكَ فَكَبِّرْثلاثة وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْأربعة، خمسة صاروا وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ.
فقام عليه الصلاة والسلام قام وأنذر؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن النبي صلى الله عليه وسلم صار نبيًّا بآيات العلق اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَوصار رسولًا بآيات المدثِّر يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ.
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: نُبِّئ بـ(اقرأ)، وأُرسل بـ(المدثر).
يقول: (ففي الصحيحين: صحيح البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها في بدأ الوحي قالت: حتى جاءه الحقُّ وهو في غار حراء فجاءه الملك).
(حتى جاءه الحق
) يعني: الشرع أو القرآن.
وقوله: (في غار حراء) وهو غارٌ في جبلٍ على يمين الداخل إلى مكة من جهة (...)، وهو جبل معروف ويسمِّيها أهل الحجاز جبلَ النُّور؛ لأن أول ما نزل فيه القرآن، والقرآن نور كما قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء: ١٧٤] لكن تَسْمِيَتُه باسمه الأول المعروف في عهد الصحابة وهو غار حِراء أحسن.
يقول: (حتى جاءه الحق وهو في غار حِراء فجاءه الملك).
(أل) هنا للعهد الذهني؛ لأن الملك هنا هو جبريل.
(فجاءه الملك فقال: اقْرَأْ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» يعني: لست أعرف القراءة فذكر الحديث، وفيه ثم قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَإلى قوله: عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
وفيهما عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو يحدث عن فترة الوحي: «بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ» فذكر الحديث، وفيه فأنزل الله: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر: ١، ٢] إلى قوله: والرجز فهجر [المدثر: ٥] .

(وثَمَّت آيات يقال: إنها أول ما نزل والمراد) إلى آخره. نقف على هذا.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، (...) السنَّة أنها المصدر الثاني للتشريع، أم أن نقول: النبي صلى الله عليه وسلم مشرِّع كما أن الله عز وجل مُشَرِّع أم كيف نقول (...)؟
الشيخ: نعم، أما إن قيل: المصدر الثاني بمعنى: أننا لا نقبلها إلا في المرتبة الثانية، فهذا غلط؛ لأن هذه منزلة القرآن، وإما إن قيل: الثاني من حيث العدد لا من حيث الترتيب فلا بأس.
طالب: قولنا: النبي صلى الله عليه وسلم نُبِّئ بأوائل سورة العلق، فهل يتعارض هذا مع قولنا سابقًا: كان ستة أشهر يرى الرؤيا الصادقة؟
الشيخ: لا ما يتعارض؛ لأن الرؤيا الصالحة قد تكون من غير النبي أيضًا.
الطالب: وهل تكون هذه مقدمة..
الشيخ: نعم، تكون مقدمة، الرؤيا الصالحة مقدمة.
طالب: هل الحكم بما أنزل الله توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، وما الذي يترتب على هذا؟
الشيخ: الواقع أن الحكم من باب توحيد الربوبية؛ لأن الذي يملك الحكم والتشريع هو الرب عز وجل؛ ولهذا في حديث عَدِي بن حاتم لما أنزل هذه الآية اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِقال: يا رسول الله، إن لسنا نعبدهم، قال: «إِنَّهُمْ يُحَرِّمُون مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» .
فعلاقتها بتوحيد الربوبية أقوى من تعلُّقِها بتوحيد الألوهية، ومن جهة أخرى نقول: لها علاقة بتوحيد العبودية؛ لأن من الشرائع أن يتعبد لله، فإذا تُعَبِّد بغير شرعه فقد أخل بالعبودية؛ لأن من شرط العبادة الإخلاص والمتابعة.
طالب: إنه من المعلوم من الدين بالضرورة أن (...).
الشيخ: إي نعم، ولهذا قال العلماء: من أنكر وجوب الصلوات الخمس وهو حديث عهد بإسلام أو في بادية بعيدة فإنه لا يُحْكَم بكفره حتى يُبَلَّغ، ثم إن القول بأن هذا معلوم بالضرورة من الدين أمرٌ نِسْبِيٌّ؛ قد يرى بعض العلماء أن هذا من المعلوم بالضرورة من الدين، وقد يرى آخر خلاف ذلك.

***

طالب: وثمت آيات يقال فيها أول ما نزل، والمراد أول ما نزل باعتبار شيء معين، فتكون أوليَّة مقيدة مثل حديث جابر رضي الله عنه في الصحيحين أن أبا سلمة بن عبد الرحمن سأله أَيُّ القرآن أُنْزِلَ أَوَّلُ؟ قال جابر: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قال أبو سلمة: أُنْبِئْتُ أنه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَفقال جابر: لا أخبرك إلا بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جَاوَرْتُ فِي حِرَاءٍ، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ...» فذكر الحديث، وفيه: «فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُإلى قوله وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ» .
فهذه الأَوَّلِيَّة التي ذكرها جابر رضي الله عنه باعتبار أول ما نزل بعد فترة الوحي، أو أول ما نزل في شأن الرسالة؛ لأن ما نزل من سورة اقرأ ثبتت به نُبُوَّة النبي صلى الله عليه وسلم، وما نزل من سورة المدثِّر ثبتت به الرسالة في قوله: قُمْ فَأَنْذِرْ؛ ولهذا قال أهل العلم: إن النبي صلى الله عليه وسلم نُبئ بـاقْرَأْ، وأرسل بـالْمُدَّثِّرُ.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا بيان أول ما نزل من القرآن الكريم على الإطلاق، وهنا أَوَّلِيَّة إضافيَّة بمعنى أنه أول ما نزل باعتبار شيء معين، ومن ذلك قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْفإن جابرًا رضي الله عنه سئل عنها؛ عن أول ما نزل فقال: هذه الآية، وهذا يتناقض مع ما سبق أن أول ما نزل هي خمس الآيات من سورة اقْرَأْ.
فيقال: الجَمْعُ أن هذه أَوَّلِيَّةٌ نِسْبِيَّة، وإن شئت فقل: أوليَّة إضافيَّة يعني: باعتبار شيء معين؛ فيقال مثلًا في قول جابر: (إن هذا أول ما نزل) أي: باعتبار ما نزل بعد فترة الوحي يعني: أول ما نزل خمس آيات من أول سورة اقْرَأْ، ثم فتر الوحي، ثم جاء خمس الآيات من سورة الْمُدَّثِّرُ.
أو يقال: إنها أول ما نزل باعتبار الرسالة بأنَّ اقْرَأْثبتت بها النبوة، وأنَّ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُثبتت بها الرسالة.
وهذا جَمْعٌ واضح وهذه تسمى أولية أيش؟ إضافية، أو أولية نسبية، وسيأتي إن شاء الله مثل ذلك في آخر ما نزل.
فإذا قال قائل: ما الفائدة من معرفة أول ما نزل؟ فقلنا: إن الفائدة أيش؟ معرفة الناسخ من المنسوخ فيما إذا حصل تعارض.

***

نزول القرآن ابتدائي وسببي
00:28:49

الطالب:

ثالثًا نزول القرآن ابتدائي وسببي.

ينقسم نزول القرآن إلى قسمين:
القسم الأول: ابتدائي؛ وهو ما لم يتقدم نزولَه سببٌ يقتضيه، وهو غالب آيات القرآن؛ منه قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَ [التوبة: ٧٥] الآيات؛ فإنها نزلت ابتداء في بيان حال بعض المنافقين، وأما ما اشتهر من أنها نزلت في ثَعْلَبَة بنِ حَاطِبٍ في قصة طويلة ذكرها كثير من المفسرين وروَّجها كثير من الوعاظ فضعيف لا صحة له.

الشيخ: هذا نزول القرآن، ينقسم إلى قسمين: ابتدائي، وسببي؛ فالابتدائي ما ليس له سبب لنزوله، وهذا هو أكثر القرآن، ومنه قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَيَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُوالم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: ١، ٢] المهم أن أكثر آيات القرآن نزلت بدون سبب ابتداءً، وأما الثاني فهو السببي وسيأتي إن شاء الله.
ابتدائي قال: (وهو ما لم يتقدم نزولَه سببٌ يقتضيه) (سبب) بالرفع، و(نزوله) بالنصب أو الصواب العكس ما لم يتقدم نزولُه سببًا؟
الطلبة: الصواب الأول.
الشيخ: الأول، نعم صح؛ لأن (سبب) هو الفاعل، وهو غالب آيات القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ [التوبة: ٧٥] واخترنا التمثيل بهذه الآية وإن كان غيرها كثيرًا لأجل الإشارة إلى القصة التي ذُكرت فيها.
وَمِنْهُمْأي: من المنافقين مَنْ عَاهَدَ اللَّهَمَنْهذه مبتدأ مؤخر، وعَاهَدَ اللَّهَأي: قال: أعاهد الله عز وجل أن الله إذا أغنانا من فضله لأتصدقن وأكونن من الصالحين، وهذا نذر طاعة معلَّق بشرط، ونذر الطاعة ينقسم إلى قسمين: مطلق، ومعلق؛ فالمطلق مثل أن يقول: لله عَلَيَّ نذرٌ أن أصلي ركعتين، والمعلَّق مثل أن يقول: إن شَفَى اللهُ مريضي فلِلَّهِ عَلَيَّ نذرٌ أن أتصدق بكذا، أو مثل نَذْر هؤلاء لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَعرفتم؟ وأيهما أؤكد في وجوب الوفاء؟
الطلبة: المعلَّق.
الشيخ: المعلق؛ لأن المعلَّق على اندفاع نقمة أو حصول نعمة يكون نذرًا يتضمن العهد والشكر لله عز وجل، وقد أعطاك الله تعالى ما عاهدته عليه فوجب عليك أن توفي له بما عهدته عليه.
وقوله: لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنْ الصَّالِحِينَهذه جملة مؤكدة بثلاثة: (اللام)، والقسم المقدر و(النون).
(الآيات) الآيات: فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [التوبة: ٧٦ - ٧٨].
وعندنا (الآيات) وهل هي الآيات أو الآيتين؟
فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [التوبة: ٧٦ - ٧٨] الآيات.
وفي هذه الآية التحذير من مثل هذا النذر وإِخْلَافِه، وأن الإنسان إذا نَذَر لله تعالى شيئًا على اندفاع مكروه أو حصول مطلوب فلم يفِ به فإنه ربما يُعَاقَب بهذا العقاب العظيم أَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ
يعني: إلى الموت -والعياذ بالله- بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ.
يقول: (إنها نزلت في ثَعْلَبَةَ بْنِ حَاطِبٍ في قصة طويلة).
القصة الطويلة أنه جاء للنبي عليه الصلاة والسلام يريد التوبة، ولكنه لم يحصل له ذلك والقصة مذكورة في التفسير، ولكنها لا صحة لها في ثعلبة بن حاطب.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، هذه قصة غير صحيحة؛ وذلك لأن الرجل مهما أذنب من الذنوب، إذا تاب ورجع إلى الله فإن الله يقبل منه، فهذه القصة مخالفة لما عُلِم بالضرورة من الدين؛ وهو قَبول توبة الله تعالى من التائبين؛ ولهذا ينبغي للإنسان إذا سمع مثل هذه القصص التي تخالف القرآن ينبغي أن يحرِّرها ثم يُبَيِّن ما فيها من البطلان.
(القسم الثاني: سببي؛ وهو ما تقدم نزولَه سببٌ يقتضيه) هذا سبب وهو أيضًا في القرآن، لكنه أقل بالنسبة أيش؟ للأول.
(والسبب إما سؤال يجيب الله عنه) وإما إلى آخره.
(إما سؤال يجيب الله عنه مثل قول الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩]).
هل في القرآن مثل هذا الأسلوب يَسْأَلُونَكَ؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، كثير، ولكننا اخترنا التمثيل بهذه الآية لما سنذكره إن شاء الله.
(يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ) السائل هم الصحابة، ويحتمل أنه غيرهم لكن الظاهر أنهم هم الصحابة وليسوا المشركين.
عَنْ الأَهِلَّةِجمع (هلال) وهو القمر يُرى في أول ليلة، وثاني ليلة، وثالث ليلة، لكن الحكم يتعلق برؤيته أول ليلة، يقولون: هذه الأهلة ما الحكمة منها؟
فقال الله تعالى: قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّمَوَاقِيتُ لِلنَّاسِأَيُّ ناس؟
طالب: كل الناس.
الشيخ: العرب؟
الطلبة: كل الناس.
الشيخ: كل الناس، العرب والعجم منذ خلق الله الأَهِلَّة، إلى أن يشاء الله مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِهذه هي المواقيت التي خلق الله الأهلة من أجلها لتكون مواقيت للناس.
وَالْحَجِّنص على الحج؛ لأن ميقات الحج الأشهر، الصلاة ميقاتها يَوْمِيٌّ زوال الشمس غروبها وما أشبه ذلك، لكن الحج أشهر، ولم يذكر شهر رمضان مع أنها مواقيت لشهر رمضان؛ لأن الحج يحتاج إلى سفر وعناء، ولأن الحج ليس شهرًا واحدًا بل هو أشهُر.
فلهذا قال وَالْحَجِّذكرنا هذا المثال؛ من أجل دفع ما قاله البلاغيون في أسلوب الحكيم: أن يجاب السائل بخلاف ما يَتَوَقَّع إشارة إلى أنه كان ينبغي أن يسأل عنه؛ يعني: إنسان يسألك عن شيء فتجيبه بخلاف ما يتوقع إشارة إلى أنه ينبغي أن تسأل عن هذا لا عن هذا.
يقول البلاغيون: إن الصحابة سألوا النبي عليه الصلاة والسلام عن الأهلة؛ لماذا يبدو الهلالُ صغيرًا ثم يَكْبُر ثم يعود فينقص، ويش السبب فصرف الله الجواب عما سألوا إلى بيان فائدة هذه الأهلة، وليس إلى بيان السبب الطبيعي لهذه الأهلة.
فيقال للبلاغيين: عفا الله عنكم، من أين أتيتم بهذا؟ قالوا: لأجل أن نمثِّل لأيش لأسلوب الحكيم (...) القرآن لا تُمَثِّل به إلا على وجه صحيح ثابت، ولا نظن أن الصحابة يسألون الرسول عليه الصلاة والسلام مثل هذا السؤال مع أنها قصة لا أصل لها أصلًا، أفهمتم الآن؟
هذه الآية يقول البلاغيون: إنها من أسلوب الحكيم؛ لأن الصحابة سألوه عن زيادة الهلال ونقصانه، ليش أول ما يهلُّ صغير، ثم يكبر حتى (...)؟ فأجيبوا بأن ينبغي أن تسأل عن غير هذا، هذه مسألة طبيعية فلكية ما لكم فيها مصلحة، المصلحة لماذا جعلها الله عز وجل؟ لتكون مواقيت للناس والحج؛ للناس في معاملاتهم، في وفياتهم، في ولادتهم، في غير ذلك، مواقيت كل شيء، ولا ينبغي أن تسألوا: لماذا تَصْغُر وتَكْبُر، ولكن هذا ليس له أصل.
الصحابة سألوا عن الحكمة من ذلك، فأجيبوا ببيانها ليش تكبر، تصغر؛ أجيبوا بأن ذلك من أجل أن تكون مواقيت للناس والحج؛ ولهذا نجد الإنسان الذي يتابع القمر تمامًا يمكن أن يحدد لك الليلة بمجرد أن يرى القمر، يقول لك: الليلة الثالثة، الرابعة، الخامسة، العاشرة بمجرد أن يرى القمر إذا كان يتتبعه لأنه يسير بتيسير الله عز وجل بنظام بديع وسير منظم.
أسألكم الآن: ما هو السبب الطبيعي لكونها تكبر، تصغر؟ مَنْ يَعْرِف؟
طالب: المد والجزر.
الشيخ: المد والجزر في البحر يا شيخ! في الأرض هذا! القمر يستفيد نوره من الشمس، وكلما بَعُد عنها كان أكثر مقابلة لها، وكلما كثرت المقابلة ازداد نورًا أليس كذلك؟ لهذا تجدونه في النصف أو الرابع عشر في الشرق والشمس في الغرب فتكون مقابلة تامة فيمتلأ نورًا، وكلما قرب ضعف نوره، تجدون القمر في أول الهلال يكون ظهر قوسه إلى المغرب، وفي آخر الشهر يكون ظهر قوسه إلى الشرق؛ لأنه في آخر الشهر يكون أقرب إلى الشمس، وفي أول الشهر يكون أقرب إلى الشمس من جهة المغرب.
(مثال قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ).
في هذه الآية من الفوائد: علم الله عز وجل وسمعه.
وفيها أيضًا: أن الصحابة رضي الله عنهم لم يتركوا شيئًا يحتاجه الناس إذا لم يبين لهم ابتداء إلا سألوا عنه وبذلك كمل الدين.
الثاني: (أو حادثة وقعت تحتاج إلى بيان وتحذير مثل قوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة: ٦٥، ٦٦]).
هذه نزلت في حادثة للتحذير منها (نزلت في رجل من المنافقين قال في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قُرَّائِنا هؤلاء أَرْغَبَ بطونًا ولا أَكْذَبَ أَلْسُنًا، ولا أَجْبَنَ عند اللقاء -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه- فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونزل القرآن فجاء الرجل ليعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيجيبه: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ).
هذا سبب، المنافقون لا يألون جَهْدًا في القدح في الإسلام والمسلمين، لكنهم يختفون لجبنهم وعدم صراحتهم وخيانتهم وخداعهم.
يقول: (ما رأينا مثل قُرَّائِنا هؤلاء) إلى آخره، فقال الله عز وجل: لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُيعني: نخوض في الحديث، ونلعب في الأفكار، وليس نقصد ذلك على وجه الجد.
ما معنى (أَرْغَبَ بُطونًا
يعني: أوسع بطونًا، وسِعَةِ البطن يقتضي كثرة الأكل، المعنى: أن هؤلاء ليس لهم هَمٌّ إلا بطونهم.
(ولا أَكْذَب أَلْسُنًا) الكذب هو الإخبار بخلاف الواقع.
(ولا أجبن عند اللقاء) والجبن هو الشح بالنفس، والبخل هو الشح بالمال.
هذه الأوصاف يا إخوان، مَن أحق الناس أن يتصف بها؟
المنافقون هم أحق الناس بذلك، ومع هذا وصفوا بها النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول لأمته: «حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» .
نسأل الله على أن يُعِينَنا على سلوك هذا التنظيم الطبي، أكثر الناس يملأ بطنه كلما أفطر، وكلما تغدى، وكلما تعشى، وإذا قيل له في ذلك، قال إن أبا هريرة قال: لا أجد له مسارا .
فيحتج بهذه القضية الخاصة، والنظام الذي نظمه الرسول يَغْفُل عنه، مع أن النظام الذي نظمه الرسول صلى الله عليه وسلم هو الصحة «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِه».
وهذا واضح، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إنه يحرم على الإنسان الأكل والشرب إذا خاف أن يتأذى به أو خاف تخمة.
يتأذى أيش؟ يعني (...) بطنه، امتلاء، يتأذى، (أو خاف تُخْمَة): يعني تَغَيُّر المعدة برائحة كريهة (فإنه يحرم عليه)؛ لأن هذا من أسباب المرض، والأذى يجب على الإنسان أن يدفعه عن نفسه.
في هذه الآية: دليل على أن المستهزئ بالله وآياته ورسوله كافر، حتى وإن كان مستهزئًا، لم يقله جديًّا على وجه الجد، بل إن كفر المستهزئ أشد من كفر القائل على الجد؛ لأن المستهزئ جمع بين الكفر والاستهزاء، عرفتم يا جماعة؟
لو قال: أنا والله أنا أمزح، ما أردت الكلام، نقول: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ.
إذا استهزئ الإنسان بشريعة من شرائع الله أو بشعيرة من الشعائر لا بالآيات كلها، بل بهذه الآية المعينة أَيَكْفُر؟
طلبة: نعم.
الشيخ: اتقوا الله.
الطلبة: نعم.
الشيخ: يكفر؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: الله يقول آيات قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ.
طالب: (...).
الشيخ: وهذه آية.
طالب: (...)؟
الشيخ: الجواب عن هذا أن يقال: إما أن المراد بالآيات هنا الجنس فتشمل الواحدة، أو يقال: مَن آمن ببعض، وكفر ببعض، فهو كافر بالجميع؛ ولهذا لا يمكن أن ينقسم الإسلام فَيؤمَن ببعضه، ويُكفَر ببعضه، بل من آمن ببعض وكفر ببعض فهو كافر بالجميع أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ [البقرة: ٨٥].
وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا [النساء: ١٥٠، ١٥١].
فيقال: المستهزئ بآية واحدة أو بشريعة واحدة مستهزئ بالجميع، كما أن المكذب لرسول واحد مكذب للجميع؛ لقول الله تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء: ١٠٥]، ومن المعلوم أنه لم يُرسل أحد قبل نوح، ومع ذلك جعل الله تكذيبهم لجميع الرسل؛ لأن مَن كذَّب رسولًا فقد كذَّب الجميع، أو بمن يُقَصِّر ثَوْبَه، فهل يعتبر كافرًا؟
الطلبة: التفصيل.
الشيخ: التفصيل؛ إذا كان قصده بالاستهزاء به أنه استهزأ به لكونه فعل ذلك، فهذا استهزاءٌ بما فعل من الشريعة، فيَكْفُر، وأما إذا استهزأ به لشخصه؛ فإنه لا يكفر لكنه على خطر أن يُلْقِيَ الشيطان في قلبه كراهة هذا الشخص لكونه تلبَّس بهذه الشريعة، ويتبين الفرق بأنه لو فعل هذا غيره ممن يكون له الاحترام في قلبه لم يستهزئ به؛ يعني: لو أن أحدًا ممن له الاحترام في قلبه قصَّر ثوبه أو أعفى لحيته ما استهزأ به، فالمهم أن هناك فرقًا بين الاستهزاء بالشرع والاستهزاء بمن تلبَّس بالشرع.
الأول: لا تفصيل فيه أنه كفر، والثاني: فيه التفصيل.
الواقع أننا نشرح هذا لأنه مهم وإلا كان مثال (...).
هذه الآية نزلت لسبب أو لغير سبب؟
الطلبة: لسبب.
الشيخ: سؤال؛ مَن استهزئ بالله أو آياته أو رسوله، هل تُقْبَل توبته؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: الدليل؟
طالب: إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ [التوبة: ٦٦].
الشيخ: إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً، والطائفة التي يُعْفَى عنها هي الطائفة التي تابت، وليس هذا من دخوله تحت المشيئة؛ يعني: لو قال قائل: إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍنُعَذِّبْ طَائِفَةًيعني: أن الأمر تحت المشيئة، نقول: لا، إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍوذلك بالمنَّة عليها أن تتوب، مثل قوله: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة: ١١٨] أي: يسَّر لهم التوبة، هذه مثلها إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍأي: نُيسِّر لهم أسباب العفو نُعَذِّبْ طَائِفَةً، والدليل على أنه ليس المراد أن الأمر تبع المشيئة قوله: قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْوالكفر لا يغفر إلا بتوبة.
قال: (أو فعلٌ واقعٌ يحتاج إلى معرفة حكمه مثل قول الله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة:١] الآيات).
هذه سبب نزولها أن رجلًا ظاهَر من امرأته، فقال لها: أنتي علي كظهر أمي، وكانوا في الجاهلية يرون الظِّهار طلاقًا بائنًا فلم تصبر المرأة.
امرأة تزوجها وكبرت وجاءت بأولاد ثم يأتي ويطلقها طلاقًا بائنًا بالظهار، فجاءت تشتكي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام تقول: إن زوجها ظاهَر منها بعد أن أتت له بعيال وكبرت إلى أخره.
فأنزل الله هذه الآيات في بيان حكمها، وفي الآيات من الفوائد العَقَدِيَّة والفقهية ما لا يتسع المقام لذكره، لكن فيها إحاطة سمع الله تعالى بكل شيء، تقول عائشة: الحمد لله الذي وَسِعَ سمعُه الأصوات، لقد كنت في الحجرة -يعني في طرف الحجرة- وإن بعض حديثها لَيَخْفَى عَلَيَّ، والله جل وعلا سَمِعَهُ من فوق سبع سماوات .
وقد قال الله تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ [الزخرف:٨٠].
بل إن الله تعالى يعلم ما تُوَسْوِسُ به نفس الإنسان أي ما تُحَدِّثُه به نفسه، فيعلم ما تحدث به النفس ويعلم السرَّ ويعلم الجهر كذا، ويسمع السِّرَّ ويسمع الجهر.
فوائد معرفة أسباب النزول تقرأها.

***

فوائد معرفة أسباب النزول
00:55:05

الطالب:

فوائد معرفة أسباب النزول

معرفة أسباب النزول مهمة جدًّا لأنها تؤدي إلى فوائد كثيرة منها:
أولًا: بيان أن القرآن نَزَل من الله تعالى؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل عن الشيء فيتوقف عن الجواب أحيانًا حتى ينزل عليه الوحي أو يَخْفَى عليه الأمر الواقع، فينزل الوحي مُبَيِّنًا له، مثال الأول..

الشيخ: هذا من أهم ما يكون؛ معرفة سبب النزول تُبَيِّنُ أن القرآن نَزَل من عند الله؛ ووجه ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام يُسْأَل عن الشيء فيتوقف ثم ينزل الوحي، ولو كان القرآن من عند غير الله لكان الرسول يُجيب على طول، ما يتوقف، فلما كان يتوقف حتى تنزل الآية مُبَيِّنَة حُكْمَ هذا السبب دل ذلك على أن القرآن نزل من عند الله تعالى.
يقول: إما أن الرسول عليه الصلاة والسلام يتوقف عن الجواب أحيانًا أو يخفى عليه الأمر الواقع، فينزل الوحي مبينًا له، مثال الأول؟
الطالب: مثال الأول: قوله وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا [الإسراء: ٨٥].
ففي صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رجلًا من اليهود قال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت - وفي لفظ: فَأَمْسَك- النبي صلى الله عليه وسلم فلم يَرُدّ عليهم شيئًا، فعلمت أنه يوحى إليه فقمت مقامي فلما نزل الوحي قال: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّيالآية .

الشيخ: يَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِاليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح، وكذلك ورد أن قريشًا سألوه عن الروح.
والمراد بالروح هنا النفس التي في الإنسان، ويش هذه الروح إن كانت في البدن صار حيًّا متكلمًا سميعًا بصيرًا ماشيًا قاعدًا، وإذا خرجت من البدن صار جثة هامدة، ويش هذه الروح؟
وحقيقة أنها تُبْهِر العقول فقال الله عز وجل: يَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّييعني: من أمر الله التي لا يمكن أن نطلع عليها إلا عن طريق الوحي، ثم قال: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥] وهذا كالتبكيت لهم كأنه قال: ما بقي عليكم من العلم إلا أن تعرفوا الروح أليس كذلك؟ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًايعني: لو ما بقى عليكم إلا الروح يمكن تسألون عنه، لكن أكثر العلم فَاتَكُم مَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا، وصدق الله عز وجل عِلمُنا قليل محدود لا بالشرق ولا بالواقع ولا بما في السماوات ولا بما في الأرض محدود، فكيف نذهب نسأل عن الروح؟

***

(....) الذي نرى أن القرآن تكلَّم الله به حين إنزاله، وأن الذي في اللوح المحفوظ ذِكْرُ القرآن، فقوله بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢١، ٢٢] أي: ذِكْرُه ونزوله وما أشبه ذلك.
نظير ذلك قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ [الشعراء: ١٩٦] القرآن في زُبُر الأولين، لكن هل مرادٌ إن القرآن نفسه في الكتب السابقة أو الحديث عنه؟
طالب: الحديث عنه.
الشيخ: هذا الظاهر، إن هذا مثله، وأن قوله تعالى: فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍيعني: أن الله تعالى بيَّن أنه سيكون هذا القرآن وسينزل وأن الله تعالى تكلم به مرة واحدة حين إنزاله، هذا ما تبين لنا، والعلم عند الله.
طالب: أحسن الله إليك، في الدرس الماضي أقول: كان فيه خطأ مطبعي؛ لما ذكرنا أوصاف جبريل قلنا: قد بَيَّن الله تعالى لنا أوصاف جبريل الذي نزل بالقرآن من عنده، وتدل على عظم القرآن، العبارة كده فيها خطأ مطبعي؟
الشيخ: ويش ترى الصواب؟
الطالب: كأنها -والله أعلم- وهي تدل على عظم القرآن..
الشيخ: (...).
الطالب: إي نعم.
الشيخ: على كل حال يمكن، وهي أوضح لكن ما (...)، وكان عندي أنا الكتاب هذا، أو الرسالة مكتوبة بخط اليد، لكن دورتها ما وجدتها.
طالب: من استهزأ بالرسول عليه الصلاة والسلام بعد وفاته، هل حكم قبول توبته كحكم سَبِّه عليه الصلاة والسلام بعد وفاته؟
الشيخ: يعني: من سب الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته فإنها تقبل توبته إذا تاب، لكنه يُقتل، تقبل توبتُه ويُقتل أخذًا بالثأر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لا لأنه لا تُقبل توبته، فإذا قتلناه غَسَّلْنَاه وصَلَّيْنَا عليه وفعلنا به كفعل المسلمين.
طالب: شيخ (...) ينزل عليهم القرآن (...) الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم (...) وفي ناس حين ينزل القرآن (...).
الشيخ: يعني إذا نزل القرآن أو إذا سمعوا القرآن.
الطالب: (...).
الشيخ: هو على كل حال تعرف الذي يؤمن بالله عز وجل وشرعه ما يذهب إلى تتبع الرخص والتأويل يَحرم عليه ما دام تبين له أن الحق في كذا، يجب عليه أن يأخذ بالحق.

***

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال شيخنا حفظه الله تعالى في كتابه أصول في التفسير في ذكر فوائد معرفة أسباب النزول: (معرفة أسباب النزول مهمة جدًّا لأنها تؤدي إلى فوائد كثيرة منها:
أولا: بيان أن القرآن نزل من الله تعالى..

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم قبل أن نشرع في هذا البحث، سبق لنا أن نزول القرآن نوعان: ابتدائي، وسببي، أيهما أكثر؟
الطلبة: ابتدائي.
الشيخ: الأول الابتدائي، وسبق لنا أمثلة لبيان سبب النزول، والآن نشرع في معرفة أسباب النزول.
الطالب: أولا بيان أن القرآن نزل من الله تعالى؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل عن الشيء فيتوقف عن الجواب أحيانًا حتى ينزل عليه الوحي أو يخفى عليه الأمر الواقع فينزل الوحي مبيِّنًا له، مثال الأول قوله: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥].
الشيخ: هذا من فوائد معرفة أسباب النزول، بيان أن القرآن نزل من عند الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل عن الأشياء فيتوقف أحيانًا حتى ينزل عليه الوحي، وهذا يدل على أن القرآن من عند الله؛ إذ لو كان من عند محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يتوقف.
الطالب: ففي صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أن رجلًا من اليهود قال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت -وفي لفظ: فأمسك- النبي صلى الله عليه وسلم فلم يَرُد عليهم شيئًا فعلمت أنه يُوحى إليه فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّيالآية .
الشيخ: يَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِيعني الناس، فيشمل اليهود ويشمل قريشًا؛ لأن قريشا أيضًا سألوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الروح.
والمراد بالروح على القول الصحيح روح الإنسان، فقال الله تعالى: قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّييعني: من أموره، فأمرٌ هنا مِنْ أَمْرِ رَبِّيجَمْعُه أوامر أو أمور؟
الطلبة: أمور.
الشيخ: جمعه أمور، يعني: من شأن الله عز وجل.
وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًايعني: هل لم يفتكم من العلم إلا أن تعرفوا الروح، ما أكثر الأشياء التي لا تعلمونها، هذا الأول ما هو؟ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُسأل عن الشيء فيتوقَّف حتى ينزل عليه الوحي، الثاني؟
الطالب: ومثال الثاني قوله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ [المنافقون:٨] ففي صحيح البخاري أن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه سمع عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ رأسَ المنافقين يقول ذلك، يريد أنه الأعز، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأذل، فأخبر زيد عمه بذلك فأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، فدعى النبي صلى الله عليه وسلم زيدًا فأخبره بما سمع، ثم أرسل إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصحابِه فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تصديق زيد في هذه الآية فاستبان الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: هذه الآيات كما لا يخفى في سورة المنافقين يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، وهنا القائل عبد الله بن أُبي لكنه زعيمهم فنسب القول إليهم جميعًا.
لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّيريدون بـالأَعَزُّأنفسهم وبـالأَذَلَّرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، (فأخبر زيدٌ عمه بذلك فأخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فدعى النبي صلى الله عليه وسلم زيدًا فأخبره بما سمع) إلى آخره.
هذا الحديث ينبغي أن يُتخذ أصلًا للتَّثَبُّت فيما نُقل، وإلا فمن المعلوم أن عم زيد بن أرقم من الصحابة وهم عدول لكن أراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يَسْتَثْبِت من الأمر حتى يأتي الأمر على بصيرة، وهكذا ينبغي للإنسان فيما يُنقل إليه أن يَتَثَبَّت فيه، ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أُبَيٍّ وأصحابه فحلفوا ما قالوا، وهكذا شأن المنافقين يحلفون على الكذب وهم يعلمون؛ لأن شعارهم الكذب والمخادعة والنفاق، (فأنزل الله تصديق زيد في هذه الآية فاستبان الأمر لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم)، وتأملوا الآية قال الله تعالى في الرد عليهم: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:٨] ولم يقل: رسول الله هو الأعز، بل قال: لِلَّهِ الْعِزَّةُ، وتقديم الخبر يدل على الحصر.
ولو قال: والله هو الأعز، لَأَوْهَم ذلك أن يكون للمنافقين عزة، وليس الأمر كذلك.
طالب: (...).
الشيخ: لا.

***

الطالب: ثانيًا: بيان عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم في الدفاع عنه مثال ذلك قوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢] وكذلك آيات الإفك..
الشيخ: نعم، قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةًكما نَزَلَ في الكتب السابقة، التوراة نزلت جملة واحدة وكذلك الإنجيل، فرد الله عليهم بقوله: كَذَلِكَأي: أنزلناه كذلك لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا، ولهذا ينبغي للإنسان أن يقف على قوله: جُمْلَةً وَاحِدَةًلأن لِنُثَبِّتَجملة مستأنفة تعليل لجملة محذوفة التقدير: (أنزلناه كذلك لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَك)؛ لأنه لو نزل عليه القرآن جملة واحدة لم يحصل التثبيت كما يحصل فيما إذا كان يأتيه إرسالًا.
وهذا أمر مشاهد لو أن إنسانًا وَعَظَكَ بموعظة بليغة، بليغة عظيمة جدًّا وتأثرت منها، ولكن لم يعظك بعد ذلك لم يكن كما وعظك موعظة خفيفة، ثم أعادها عليك مره ثانية وثالثة، فإن هذا التكرار يكون كسقي الشجرة الماء يكرر عليها؛ ولهذا بَيَّن الله أن من الحكمة أن يثبت به قلب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

***

الطالب: وكذلك آيات الإفك فإنها دفاع عن فِراش النبي صلى الله عليه وسلم وتطهيرًا له عن ما دنسه به الأفَّاكُون.
الشيخ: نعم، آيات الإفك لا شك أن لها سببًا في نزولها، وذلك فيما جرى على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين تخلفت عن الجيش في إحدى الغزوات، ووجدها صفوان بن المعطل رضي الله عنه، وجدها نائمة، ثم أناخ بعيره، ولم يتكلم لها بأي كلمة؛ احترامًا لفراش النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكنه وضع قدمه على ذراع البعير، ثم ركبت أم المؤمنين عائشة، ثم ذهب بها يقودها ولم يجعلها بين يديه بل كانت من خَلْفِه فلما وصل إلى القوم، فرح المنافقون بهذا، ورأوا ذلك فرصة في الطعن برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتدنيس فراشه، وحاشاه من ذلك وحصل في ذلك ما حصل، والقصة معروفة في كتب التاريخ والسير وفي كتب الصحاح والمسانيد.
الحكمة من ذلك هو أيش؟ الدفاع عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن هذا لم ينفع المنافقين ولم ينفع الرافضة الذين ما زالوا إلى الآن يطعنون في عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وإن كانوا لا يتفوهون بالإفك، لكنهم يطعنون بها في تصرفاتها التي يزعمون أنها طعن فيها، مع أنه إنما صدر عن اجتهاد منها، والمجتهد إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر.

***

الطالب: ثالثًا: بيان عناية الله تعالى بعباده في تفريج كرباتهم، وإزالة غمومهم؛ مثال ذلك آية التيمم.
ففي صحيح البخاري أنه ضاع عُقْد لعائشة رضي الله عنها، وهي مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فأقام النبي صلى الله عليه وسلم لطلبه وأقام الناس على غير ماء فشكوا ذلك إلى أبي بكر فذكر الحديث، وفيه: فأنزل الله آية التيمم فتيمموا فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، والحديث في البخاري مطولًا.

الشيخ: هذا أيضًا إذا عرفنا سبب نزول آية التيمم عرفنا عناية الله تعالى بعباده وتفريج كرباتهم وإزالة غمومهم؛ لأن سبب نزول آية التيمم هو أنه ضاع عقد لعائشة رضي الله عنها، والعقد هو عبارة عن ما تَلْبَسُه المرأة في عنقها كما قال الشاعر:


.............................. وَفِي عُنُقِ الْحَسْنَاءِ يُسْتَحْسَنُ الْعِقْدُ

ضاع وبقي الناس على غير ماء فأغمهم ذلك الأمر وأهمهم، فأنزل الله آية التيمم فتيمموا بدلًا عن الماء فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركاتكم يا آل أبي بكر.
أيش البركة هنا أن ضياع عقدها صار سببًا لتفريج كربات الناس، ونزول آية التيمم، وفي هذا التعبير دليل على أنه يجوز أن تقول لشخص: هذه من بركتك وما أشبه ذلك إذا كان سببًا للخير، فإن من الناس من يكون مُبارَكًا ويحصل على يديه من الخير والبركات ما لا يحصل على غيره، ومن الناس من لا يكون كذلك.
فإذا قلت لإنسان مثلًا: هذه من بركاتك أنك حضرت وأحضرت فلانًا، أو هذا من بركاتك أنك أصلحت بين القوم، وما أشبه هذا فإن ذلك لا بأس به.
أما إذا كان من بركات مَيِّت ولم يكن هذا الشيء وقع في زمنه، فهذا لا يجوز، لكن لو وقع في زمنه فلا بأس ولهذا نقول نحن الآن: إن نزول آية التيمم من بركات مَن؟ عائشة وهي من آل أبي بكر.

***

الطالب: رابعًا: فهم الآية على الوجه الصحيح.
الشيخ: فهمنا الآن أنك إذا قلت: هذه من بركة فلان وهو ميت، أنه إن كان الشيء حصل بعد موته فهو حرام ولا يجوز، بل قد يصل إلى حد الشرك الأكبر، وإن كان في شيء حصل في حياته وكان سببًا له، فهذا لا بأس به كما لو أن شخصًا أشار على إنسان تاجر أن يبني مكتبة لطلبة العلم، واستمرت هذه المكتبة يطالع فيها طلاب العلم وينتفعون بها، ومات الرجل فنقول: هذه من بركة فلان ولا بأس بذلك لأنه حقًّا هو الذي كان سببًا لوجودها.
الطالب: رابعًا: فَهْم الآية على الوجه الصحيح؛ مثال ذلك قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة: ١٥٨] أي: يسعى بينهما، فإن ظاهر قوله: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِأن غاية أمر السعي بينهما أن يكون من قسم المباح، وفي صحيح البخاري عن عاصم بن سليمان أنه قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه عن الصفا والمروة، قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما أتانا الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِإلى قوله: أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وبهذا عُرِفَ أن نفي الجناح ليس المراد به بيان أصل حكم السعي، وإنما المراد نفي تَحَرُّجهم بإمساكهم عنه؛ حيث كانوا يرون أنهما من أمر الجاهلية، أما أصل حكم السعي فقد تبين بقوله: مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ.
الشيخ: هذه الآية (...) قرأها، الإنسان أول ما يقرؤها إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَافإنه يظن أن السعي ليس بأمر مشروع، غاية ما فيه أنه أيش مباح، لكن إذا عرفنا سبب النزول عرفنا أن المراد بنفي الجناح نفي التحرج الذي كان يصيبهم عند السعي بينهما، كان السعي من أمر الجاهلية فتحرج عنه المسلمون، وقالوا: عبادة جاهلية فلا نطوف بين الصفا والمروة فأنزل الله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَافتبين أن المراد بنفي الجناح ليس المراد به بيان حكم السعي، وإنما المراد به نفي التحرج الذي وقع في نفوسهم، أما حكم السعي فإنه يُفهم من قوله: مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِفإذا كان من شعائر الله، فإن تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، فيكون أمرًا مطلوبًا، فهذه أربع فوائد لمعرفة أسباب أيش النزول.

***

عموم اللفظ وخصوص السبب
01:20:21

الطالب: عموم اللفظ وخصوص السبب؛ إذا نزلت الآية لسبب خاص، ولفظها عامٌّ كان حكمها شامل لسببها ولكل ما يتناوله لفظها؛ لأن القرآن نزل تشريعًا عامًّا لجميع الأمة فكانت العبرة بعموم لفظه لا بخصوص سببه مثال ذلك آيات اللعان.
الشيخ: عموم اللفظ وخصوص السبب؛ إذا ورد نص من الكتاب أو السنة على وجه العموم وكان السبب خاصًّا، فهل يختص الحكم بهذا السبب أو يَعُمُّه وغيره؟
الجواب هو الثاني، أي أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولكن ليُعْلَم أن خصوص السبب إذا كان وصفًا أو معنى من أجله ورد العام فإنه يختص بهذا المعنى أو الوصف.
مثال ذلك: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيامُ فِي السَّفَرِ» لو أخذنا هذا اللفظ على عمومه لكان الصوم في السفر مخالفًا للبِرِّ سواء شقَّ أو لم يشق، أليس كذلك؟ نعم، لكن سبب هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى زِحَامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه، والناس حوله ينظرون ماذا يحصل له، فقال: «مَا هَذَا؟» قالوا: صائم قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّيَامُ فِي السَّفَرِ» فهذا العموم يَتَنَزَّل على مَنْ كانت حاله (...) مثل حال هذا الرجل بدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يصوم في السفر، وعليه فخصوص السبب إما أن يكون خصوصًا عَيْنِيًّا أو خصوصًا وصفيًّا، فإن كان عينيًّا فإنه لا يُخَصَّص به العموم قطعًا، وإن كان وَصْفِيًّا فإنه يخصص به العموم؛ لأن حقيقة الوصف أنه عامٌّ، أليس كذلك؟ إذا قلنا: ليس من البر صيام مَنْ شَقَّ عليه الصوم، هذا عامٌّ ولّا خاص؟
الطلبة: عام.
الشيخ: عام، لكنه خاص بحال معينة، وهي حال مَن يشق عليه الصوم، فانتبهوا لهذه النقطة؛ لأنها مهمة إذ قد يقول قائل: أنتم قَعَّدْتُم قاعدة أن العبرة بعموم اللفظ، وهذا لفظ عام «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» مطلقًا، فيقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره على حال مخصوصة، وهي حال مَن شق عليه الصوم.

***

الطالب: مثال ذلك آيات اللعان وهي قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْإلى قوله: إِنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ [النور: ٩]؛ ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن هِلال بن أُمَيَّة قَذَف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشَرِيكِ بن سَحْماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «البَيِّنَةَ، أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ»، البينةَ؟
الشيخ: نعم.
الطالب: البينةَ أو حد..
الشيخ: ويجوز البينةُ، فأما على النصب فالمعنى؟
الطالب: أحضر.
الشيخ: أَقِم البينة، وأما على الرفع فالتقدير: (عليك البينة).
الطالب: «البَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» فقال هلال: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور:٦- ٩] الحديث.
فهذه الآيات نزلت بسبب قذف هلال بن أمية لامرأته، لكن حكمها شامل له ولغيره بدليل ما رواه البخاري من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن عويمرًا العجلاني جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أو كيف يصنع؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُلَاعَنَةِ بِمَا سَمَّى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، فَلَاعَنَهَا» الحديث، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم حكم هذه الآيات شاملًا لهلال بن أمية وغيره.

الشيخ: قوله: يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْيعني بالزنا، يقول الرجل: إِنَّ امرأته زنت، فيقال: أقم البينة، فإن أقام البينة أقيم عليها الحدُّ رَجْمًا أو جَلْدًا؟
الطلبة: (...).
الشيخ: خطأ.
الطلبة: (...).
الشيخ: إن كان قد جامعها فهو رجم، وإن لم يجامعها فجلد، إذا أقام البينة فقد عُلِمَ الحكم، إذا لم يُقِم البينة فإن أقرت ثبت الحكم بإقرارها وَحُدَّت، وإن أنكرت جرى اللعان، ومن هذه النقطة يختلف قذف المرأة الزوجة، وقذف غيرها؛ لأن قذف غيرها إذا وصل إلى هذه النقطة جُلد القاذف ثمانين جلدة، ولو كان من أعدل الناس، ولو كان المتهم أهلًا للزنا.
إلا أننا نشترط في هذا أن يكون المتَّهم عفيفًا، فإن كان غير عفيف فإن القاذف يُعَزَّر ولا يُحَدّ، في هذه النقطة يختلف الزوج وغيره؛ نقول للزوج: إن لم تُقم البينة ولم تُقر المرأة فعليك اللعان، كيف اللعان؟ اللعان أن يأتي بهما القاضي ويقول للزوج: لاعِن؛ فقل: أشهد بالله أن زوجتي هذه قد زنت، أربع مرات، ويقول في الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ثم يقال لها: لاعني أنتِ، فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، وفي الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، هذا هو اللعان.
وإذا تم وجب التفريق بين الرجل والمرأة وحَرُمَت عليه تحريمًا مؤبدًا، إذن ما سبب نزول الآية آية اللعان أن هِلال بن أُمَيَّة قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشَرِيك بن سَحْماء فجعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حكم الآية عامًّا بدليل أنه أجراها مع عويمرٍ العَجْلانيِّ.
وفي قوله: (رجل وجد مع امرأته رجلًا فقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟).
نقول: لو قتل الزوج هذا الرجل وهو على امرأته فإنه لا يُقتل، لكنَّ قوله: (فتقتلونه) يعني: إذا لم يُقِم بينة، أما إذا أقام بينة فإنه لا يُقتل، انتبه لهذا.
يعني: إنسان لما دخل البيت -والعياذ بالله- وجد رجلًا على زوجته يَفعلُ بها، فأخذ السيف فَقَدَّ الرجل نصفين، هنا قتل الرجلَ، هل يُقتَل هذا الزوجُ أو لا؟
نقول: لا يُقتل، إذا ثبت ذلك ببينة فإن لم يثبت فهل يُقتل؟
الجواب: نعم يُقتل، وعلى هذا تتنزل الأحاديث فإن سعد بن عبادة لما نزل قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور: ٤] قال: يا رسول الله كيف يكون هذا؟ أجد لُكَع بن لُكَع على زوجتي وأذهب لأجيء بأربعة شهداء، ما يصير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» .