شرح أصول في التفسير (الشرح الأول) - 3
عدد الزيارات 3752

عناصر المادة :
المكي والمدني
فوائد معرفة المدني والمكي
الحكمة من نزول القرآن الكريم مفرقا
ترتيب القران
كتابة القرآن وجمعه

الحديث. فإنَّ سعد بن عُبادة لَمَّا نزل قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور: ٤] قال: يا رسول الله، كيف يكون هذا؟! أجِدُ لُكَعَ بن لُكَعَ على زوجتي وأذهبُ لأجِيءَ بأربعةِ شُهَداء، ما يصير. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟! وَاللَّهِ إِنِّي لَأَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ، واللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» . فأقرَّه النبي عليه الصلاة والسلام وبيَّن أنَّ هذا غَيْرَة، فإذا كانت غَيْرة سعدٍ تقتضي أن يضربه بالسيف غيرَ مُصْفحٍ؛ يعني: ليس مع صَفْحته بلْ مع حدِّه، فكذلك أنا.
وقد وقعتْ هذه المسألة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فادَّعى أولياءُ المقتول على القاتل، فدافَعَ القاتلُ عن نفْسه وقال: يا أمير المؤمنين، إنْ كان أحدٌ بين فَخِذَيِ امرأتي فقَدْ قتلتُه. فثَبَتَ ذلك، فأخَذَ عمر سيفَه –أي: سيفَ الرجُل- وهزَّهُ وقال: إنْ عادوا فعُدْ .
ولكنْ إذا لم يكنْ بيِّنةٌ فهلْ يُقتَل هذا الزوج الذي ادَّعى أنَّ الرجُل يزني بامرأته وقَتَلَه حين زِناه بها؟
قلنا: نعم، يُقْتَل.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: لا يُقتَل. لأنَّ الغالب أنَّ مِثْل هذه الحال لا تُمْكِن إقامةُ البيِّنة عليها؛ إذْ إنَّ الزاني -والعياذ بالله- لنْ يزني بامرأةِ الرجُل عَلَنًا، وإنما يزني بها أيش؟ في اختفاء، فتتعذَّر إقامة البيِّنة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: يجب النظر إلى حال الرجُل؛ إن كان مِن أهْلِ الخير والصلاح وصاحبُه المقتول مِن أهْلِ الشر والفساد فيُقبَل قولُه، وإلَّا فلا يُقبَل، وهذا القول هو الراجح؛ لأن الحكْم بالقرائن قد ثبت في الشرائع السابقة وفي شريعتنا أيضًا.

***

المكي والمدني
00:03:06

الطالب:


رابعًا: المكِّيُّ والمدنِيُّ

نزل القرآن ..
الشيخ: (رابعًا) منين؟ من بحوث هذه الرسالة.
الطالب: نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم مُفرَّقًا في خلال ثلاثٍ وعشرين سنةً قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثرها بمكة؛ قال الله تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦]، ولذلك قَسَّم العلماء رحمهم الله تعالى القرآنَ إلى قِسمين: مكِّيٍّ ومَدَنِيٍّ:
فالمكيُّ: ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قبْل هجرته إلى المدينة.
والمدنِيُّ: ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة.
وعلى هذا فقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣] من القِسْم المدنِيِّ وإنْ كانت قد نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في حَجَّة الوداع بعَرَفة؛ ففي صحيح البخاري عن عُمر رضي الله عنه قال: قد عَرَفْنا ذلك اليومَ والمكانَ الذي نزلَتْ فيه على النبي صلى الله عليه وسلم؛ نزلَتْ وهو قائمٌ بعرفة يومَ جمعة
.
الشيخ: القرآن الكريم ينقسم إلى مكِّيٍّ ومدنِيٍّ، هذا هو الذي عليه الجمهور، ولم يَعْبَأْ هؤلاء القائلون بالمكان المعيَّن؛ لأنَّ ذلك يشُقُّ؛ فإنَّ هناك آياتٍ كثيرةً نَزلَتْ على النبي صلى الله عليه وسلم في أسفاره، فلو قلْنا: إن الآية تكون بحسَب المكان الذي نَزلَتْ فيه على الرسول عليه الصلاة والسلام من بَرٍّ أو مدينةٍ لشَقَّ ذلك، ولكنَّ العلماء قالوا: نُقسِّمه إلى قِسمين: مكِّيٍّ ومدنِيٍّ؛ فما كان قبْل الهجرة فهو مكِّيٌّ وما كان بعدها فهو مدنِيٌّ، وهذا التقسيم هو الصحيح وهو الراجح، وبناءً على ذلك نقول: إن قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْمن أقسام؟
طالب: المدني.
الشيخ: المدني، مع أنه نَزَل بعَرَفة، وعَرَفة تابعةٌ لمكَّة، وهذا القول هو الراجح.

***

الطالب: و يتميَّز القِسم المكِّيُّ عن المدنِيِّ من حيث الأسلوب والموضوع:
أمَّا من حيث الأسلوب فهو:
أولًا: الغالب في المكِّيِّ قوَّة الأسلوب وشِدَّة الخطاب؛ لأن غالِب المخاطَبِينَ مُعْرِضونَ مستكبرونَ ولا يليقُ بهم إلا ذلك؛ اقرأْ سورتي المدَّثر والقمر.
أمَّا المدنِيُّ فالغالب في أسلوبه اللِّين وسُهولة الخطاب؛ لأن غالِب المخاطَبين مُقْبِلونَ مُنْقادونَ؛ اقرأ سورة المائدة.
ثانيًا: الغالب في المكِّيِّ قِصَر الآيات وقوَّة الْمُحاجَّة؛ لأن غالب المخاطَبين مُعانِدون مُشَاقُّون، فخُوطِبوا بما تقتضيه حالهم؛ اقرأ سورة الطور.
أمَّا المدنِيُّ فالغالب فيه طول الآيات وذِكْر الأحكام مُرْسَلةً بدون مُحاجَّة؛ لأن حالهم تقتضي ذلك؛ اقرأ آية الدَّيْن في سورة البقرة.

الشيخ: المكي والمدني يتميَّز بعضهما عن بعضٍ في هذين المعنيَينِ:
الأول: الغالب في المكِّيِّ قوة الأسلوب وشدَّة التعبير وقوة الْمُحاجَّة؛ لأنه يُخاطِب مَن؟ يُخاطِب قومًا مستكبرين يحتاجون إلى شِدَّةٍ في الخطاب وغِلْظةٍ في المقال ومُحاجَّةٍ؛ لأن هذا هو اللائق بحالهم، ولذلك تجد البلاغة في الحقيقة أن يأتي الكلام مطابِقًا لمقتضَى الحالِ، ومقتضَى الحالِ بالنسبة للمكِّيِّ أنْ يكون قويًّا شديدًا فيه المحاجَّة والمناظرة إلى آخره.
المدنِيُّ: الغالب في أسلوبه اللِّين وسُهولة الخطاب، لكنْ أحالنا المؤلف إلى سورتي المدَّثر والقمر،
(المدثر) ويش فيها من شدَّة الأسلوب؟
طالب: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا [المدثر: ١١].
طالب آخر: أهوال يوم القيامة؛ لأن الله سبحانه شديد (...) ملائكة شديدون، أي: على النار، وأنهم لا يرفضون له أمر.
الشيخ: إي نعم. فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِيشوف التهديد العظيم ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر: ٨ - ٢٥]، ما العقوبة؟
الطلبة: سَأُصْلِيهِ.
الشيخ: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: ٢٦ - ٣٠]. هذا كلامٌ عظيمٌ جدًّا، قويٌّ في التهديد والإنذار.
أمَّا (القمر) فكذلك أيضًا إذا تأمَّلْتَها وجدتَها في غاية القوة؛ قوةِ الأسلوب، فانظر إلى قصة نوح: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر: ١١، ١٢]، وفي عاد: إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر: ١٩، ٢٠] وامشِ مع هذه القصص والأُعجوبات العظيمة إلى قول الله تبارك وتعالى في آخر الأُمَم؛ في قوم فرعون، ماذا قال؟
طالب: وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ [القمر: ٤١].
الشيخ: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ [القمر: ٤٣، ٤٤]، والجواب على قولهم هذا: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ [القمر: ٤٥، ٤٦] ثم ذَكر أن المجرمين يُسحبون في النار على وجوههم ويُقال لهم: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [القمر: ٤٨]؛ لأنه يُخاطِب قومًا عُتَاةً مستكبرينَ يحتاجون إلى مثل هذا الأسلوب الغليظ، أمَّا الغالب -هذا بالنسبة للأسلوب- (الغالب في المكِّيِّ قِصَر الآيات وقوة الْمُحاجَّة؛ لأنَّ غالب المخاطَبين معانِدون مُشَاقُّون، فخُوطِبوا بما تقتضيه حالهم).
أمَّا المدنِيُّ فبالعكس؛ الآيات طويلة، والأسلوب سهلٌ ليِّنٌ؛ لأنه يُخاطِب قومًا مؤمنين مُقْبِلين على القرآن الكريم وتلقِّيه بالقبول.

***

طالب: (...) هلْ يُثَرَّب أو يُنْكَر على من يفتتح خُطَبَهُ كخُطْبة جمعة بآياتٍ قبْل الحمد وقبْل..
الشيخ: إي نعم، يُنصح ويقال: إنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يبتدئ الخطْبة بالحمد والثناء .
الطالب: لو كان الحال مناسبًا.
الشيخ: ولو كان مناسبًا يذكر الآيات بعد الحمد والثناء.
طالب: قول هلال بن أمية: والذي بَعَثكَ بالحقِّ إنِّي صادقٌ على أنها هي زانية. ألَمْ ينزل القرآن تصديقًا لقوله: إنها زانية؟! فلماذا لم يقع عليها الحد؟
الشيخ: ما يكفي هذا؛ لأنَّ القرآن نزل مبيِّنًا للحُكْم ليكون عامًّا لجميع الأُمَّة.
الطالب: يعني مثلًا نقول: إن الحكْم (...) هذه الحالة، فيصدقها الوحي فيقام عليها الحد.
الشيخ: نعم، لكن الرسول ما أقام عليها الحدَّ، لَمَّا جرى اللِّعان بينهما ما أُقِيمَ عليها الحدُّ.
الطالب: السبب.
الشيخ: السبب لأنه ما قال: إنه صادقٌ. أنزل الله بيان حُكْم هذا القذف، ما قال: إنه صادق، كما قال في قصص المنافقين: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون: ٨]، أمَّا هنا الآن القضية وقعَتْ؛ رجلٌ رمى زوجتَه بالزنى، وهو صادقٌ في ذلك كما أقْسَمَ، فنزلتْ الآية تُبيِّن الحكْم، ولَمْ يُصدِّقه الله عز وجل، ما صدَّقه ولا كذَّبه، قال: حُكْم هذا أنه يُلاعِن الزوجة.
طالب: بالنسبة للبيِّنة عند مَن اشترطها.
الشيخ: أيُّ بيِّنة؟
الطالب: البيِّنة؛ الذي يجد رجلًا على زوجته وقَتَله، قالوا: إنه إذا لم يأتِ ببيِّنةٍ يُقْتل. البيِّنة أيش هي بالضبط؟
الشيخ: يشهدون بأنهم رَأَوْا هذا الرجلَ على المرأة.
الطالب: اللِّعان ما يكفي يا شيخ؟
الشيخ: لا، اللِّعان ما يكفي، هي الآن قد تكون مُكْرَهةً، والبيِّنة أن يأتي بشُهُودٍ يشهدون بأنهم رَأَوْا هذا الرجل المقتول على هذه المرأة التي هي زوج القاتل.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، قول عُوَيمرٍ العَجْلاني للنبي صلى الله عليه وسلم، هل هذا نقول: إنه لم يكنْ يعلم بآية اللِّعان، أم أنه حَكَم على القصة على أنها مسألة عَين؟
الشيخ: يَحتمل، ما ندري ويش سوَّى، إمَّا أنه لم تَبْلغْه أو أنه ظنَّ أنها لا تنطبق عليه أو غير ذلك.
طالب: أحسن الله إليك، هل قول: كلُّ سورة فيها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوامدنية. هل هو صحيح؟
الشيخ: ما بعْدُ وَصَلْنا، ما كمَّلْنا.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، قلْنا: إنه يجوز أن تقول لإنسان ما: هذه من بَرَكتك. شيخ، هل يجوز مثلًا مصاحبة أهْل الخير لالتماس البَرَكة.
الشيخ: إي نعم، إذا كانت البَرَكة حصول منفعة لا مجرَّد المصاحبة، لكنْ مثلًا إذا كان هذا الرجل إذا صَحِبْته وجدتَ عنده خيرًا؛ يأمر بالمعروف، ينهى عن المنكر، يُعلِّمك ما لم تكنْ تَعْلم؛ هذه بركة، أمَّا مجرَّد الصُّحْبة يقول لك: بركة؛ هذا غير صحيح.

***

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين:
قال شيخنا حفظه الله تعالى في كتابه (أصول في التفسير):
قال: وأمَّا مِن حيث الموضوع ..

الشيخ: إنه الآن يتكلَّم عن أيش؟ المكِّيِّ والمدنِيِّ، وذَكَرْنا أن المكِّيَّ هو ما نَزَل قبْل الهجرة، وأمَّا المدنِيُّ فهو ما نَزَل بعد الهجرة وإنْ كان في مكة، هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
وذَكَرْنا أن القِسم المكي يتميَّز عن المدني من حيث الأسلوب والموضوع، وتكلَّمنا على تميُّزه من حيث الأسلوب، أمَّا من حيث الموضوع فهو دَرْسنا الليلة إن شاء الله تعالى.
الطالب: وأمَّا من حيث الموضوع فهو:
أوَّلًا: الغالب ..
الشيخ: من حيث الموضوعِ ولَّا الموضوعُ؟
الطالب: الموضوعُ.
الشيخ: بالرفع ولَّا بالكسر؟
الطالب: الرفع.
الشيخ: ولا يجوز الكسر؟
الطالب: لا ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز، ابن مالكٍ يقول:


وَأَلْزَمُــــــــــــوا إِضَافَـــــــــةً إِلَى الْجُمَـــــــــــــلْ حَيْثُ وَإِذْ ................

ولكن مع ذلك فيه لغة أن حيث تضاف إلى المفرد وعليه قول الشاعر:

أَمَـــــــا تَــــــــــرَى حَيْـــــثُ سُهَيْــــــلٍ طَالِعَــــا ...........................


لكن الأكثر في اللغة العربية أنها تُضاف إلى الْجُمَل، وعلى هذا فيكون صواب العبارة: (من حيثُ الموضوعُ).
ما فيه أي استدراك عندكم؟
طالب: المدني ما تكلَّمْنا عنه، تكلَّمْنا عن المكي بالأمس وما تكلَّمْنا عن المدني.
الشيخ: طيب، لا بأس، الغالب في المكي قوَّة الأسلوب وشِدَّة الخطاب، أمَّا المدني فالغالب في أسلوبه اللِّين وسُهولة الخطاب. هذا قرأناه.
طالب: إي، بَسْ ما تكلَّمْنا عنه.
الشيخ: (الغالب في المكي قِصَر الآيات وقوَّة الْمُحاجَّة؛ لأنَّ غالب المخاطَبين معانِدون مُشَاقُّون، فخُوطِبوا بما تقتضيه حالهم؛ اقرأ سورة الطور). وبيَّنَّا ما فيها.
(أمَّا المدني فالغالب فيه طولُ الآيات، وذِكْر الأحكام مُرسَلة بدون مُحاجَّة؛ لأنَّ حالهم تقتضي ذلك؛ اقرأ آية الدَّيْن في سورة البقرة) تجد أنها طويلة، سهلة الأسلوب، ليس فيها مُحاجَّة ولا مناظرة، وكذلك في سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِإلى أخره [المائدة: ٦].

***

الطالب: وأمَّا من حيث الموضوع فهو:
أوَّلًا: الغالب في المكي تقرير التوحيد والعقيدة السليمة، خصوصًا ما يتعلَّق بتوحيد الألوهية والإيمان بالبعث؛ لأنَّ غالب المخاطَبين يُنكِرون ذلك.
أما المدني فالغالب فيه تفصيل العبادات والمعاملات؛ لأنَّ المخاطَبين قد تقرَّر في نفوسهم التوحيدُ والعقيدةُ السليمةُ، فهُمْ في حاجة لتفصيل العبادات والمعاملات.

الشيخ: نعم هذا من حيث الموضوع؛ الغالب في المكي هو تقرير التوحيدِ؛ توحيد الله عز وجل، والعقيدةِ، لا سيَّما فيما يتعلَّق بتوحيد الألوهية والإيمان باليوم الآخِر؛ لأنَّ أكثرهم يُنْكِر هذا؛ يقولون للرسول عليه الصلاة والسلام أو يقولون في حقِّه: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥]، ويقولون في البعث: أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [المؤمنون: ٨٢]، فهُمْ يُنْكِرون هذا وهذا، فلذلك جاءت آيات السور المكِّية مقرِّرةً لهذا المعنى لأنَّ الحال تقتضي ذلك.
أمَّا المدني فبالعكس؛ فيه تفصيل العبادات والمعاملات، وآداب الجلوس، وآداب دخول البيوت، وما أشبه ذلك؛ لأنَّ الناس قد استقرَّ في قلوبهم التوحيد والعقيدة السليمة، ولم يَبْقَ عليهم إلا التفصيل في العبادات والمعاملات.

***

الطالب: ثانيًا: الإفاضة في ذِكْر الجهاد وأحكامه والمنافقين وأفعالهم في القِسْم المدني لاقتضاء الحال ذلك؛ حيثُ شُرِعَ الجهادُ وظهر النفاقُ، بخلاف القِسْم المكي.
الشيخ: نعم، (الإفاضة في ذِكْر الجهادِ وأحكامِه).
معنى الإفاضة: الكثرة والتطويل في ذِكْر الجهاد وأحكامِه، والناس في مكَّة لا يحتاجون إلى هذا؛ لأنهم لم يُؤمَروا بالجهاد ولا يستطيعون الجهادَ أيضًا، لكنْ في المدينة أُمِرُوا بالجهادِ وكانوا يستطيعون الجهادَ، فلهذا تجد الآيات مُفِيضةً ومُكْثِرةً في الكلام على الجهاد حثًّا عليه وترغيبًا فيه وبيانًا لأحكامه، بخلاف السُّوَر المكِّية.
كذلك المنافقون؛ لا تكاد تجد في الآيات المكِّية ذِكْرًا للمنافقين، ولكنْ يوجد مِثل قوله تعالى: وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ [العنكبوت: ١١] هذا في سورة؟
طلبة: العنكبوت.
الشيخ: العنكبوت، وهي مكِّيةٌ، لكن الإفاضة في ذِكْر المنافقين والتحدُّث عنهم هذا لا يوجد إلا في السُّوَر المدنية، لماذا؟ لأنَّ النفاق لم يَبْرُز إلا في المدينة، متى بَرَز؟ بعد غزوة بَدْر، حين انتصر المسلمون ورَأَى هؤلاء المنافقون أنهم مخذولون، فصاروا يُظهرون أنهم مؤمنون وهُمْ منافقون؛ إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [البقرة: ١٤].

***

فوائد معرفة المدني والمكي
00:22:59

الطالب:

فوائد معرفة المدنِيِّ والمكِّيِّ

معرفة المكي ..
الشيخ: وهذا حقيقةً هو الخلاصة والنتيجة لهذا البحث؛ الفوائد.
يعني إذا أتعبنا أفكارنا وأضعنا أوقاتنا فهل لذلك من فائدة؟ الجواب:
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، استمع للفائدة.

***

الطالب: معرفةُ المكِّيِّ والمدنِيِّ نوعٌ من أنواع علوم القرآن المهِمَّة؛ وذلك لأنَّ فيها فوائد، منها:
أولًا: ظهور بلاغة القرآن في أعلى مراتبها؛ حيث يخاطب كُلّ قَوْمٍ بما تقتضيه حالُهم من قوَّةٍ وشِدَّةٍ أو لِينٍ وسُهولة.

الشيخ: نعم، وهذه من أفْيد الفوائد أن نعرف أنَّ القرآن أَبْلَغ ما يكون في الكلام؛ لأنه يخاطِب كُلَّ قومٍ بما تقتضيه حالهم، ويتفرَّع على هذه الفائدة أنَّنا نحن كذلك نَسْلُك مَسْلَكَ القرآن فنخاطِب أيش؟ كُلَّ قَوْمٍ بما تقتضيه حالُهم؛ لأنَّا نعلم أنَّ هذا هو البلاغة، وهذا هو الأفضل؛ فلا يستوي الجاهلُ جَهْلًا بسيطًا الذي يأتي بأدنى سببٍ والعالِمُ المعانِد؛ الثاني يُعامَل بشدَّةٍ والأولُ يُعامَل برخاءٍ ولينٍ.

***

الطالب: ثانيًا: ظهور حِكْمة التشريع في أَسْمَى غاياته؛ حيث يتدرَّج شيئًا فشيئًا بِحَسَبِ الأَهَمِّ على ما تقتضيه حالُ المخاطَبين واستعدادهم للقَبول والتنفيذ.
الشيخ: نعم، هذا أيضًا من الفوائد أنْ نَعْرفَ حِكْمة التشريع؛ مِن المعلوم أنه لو جاء الشرعُ دفْعةً واحدةً والناس بعيدون عن الشرع أنه يَصْعُب، لكن نَجِدُ أنه يأتي شيئًا فشيئًا؛ فمثلًا في الآيات المكِّية لَمْ يُفْرَض الصيامُ ولَمْ تُفْرَض الزكاةُ على وجْهِ التفصيل، ولَمْ يُفْرَض الحج، وفي الآيات المدنيَّة فُرِضَ هذا وبُيِّن، فهذا أيضًا من الفوائد، ويترتَّب على هذه الفائدة أيضًا.
الطالب: (...)
الشيخ: يعني أشْكَل عليك كلمة، وصارت خطأ.

***

الطالب: ظهور حكمة التشريع في أَسْمى غاياتِه حيث يتدرَّج شيئًا فشيئًا بِحَسَب الأَهَمِّ على ما تقتضيه حالُ المخاطَبين واستعدادهم للقَبول والتنفيذ.
ثالثا: تربية الدُّعاةِ إلى الله تعالى وتوجيهُهم إلى أنْ يتَّبعوا ما سَلَكه القرآنُ في الأسلوب والموضوع من حيث المخاطَبين، بحيث يُبْدأ بالأَهَمِّ فالأَهَمِّ، وتُسْتعمَل الشِّدَّةُ في موضعها والسهولةُ في موضعها.

الشيخ: هذا ما أَشَرْنا قبْل قليلٍ أنَّه ينبغي أنْ يُتَّخذ من هذا المنهج القرآني منهجًا في الدعوة إلى الله بحيث نتدرَّج مع الإنسان شيئًا فشيئًا؛ نبدأُ بماذا؟ بالأَهَمِّ فالأَهَمِّ، فإذا رأيناه مفَرِّطًا في الصلاة ومفَرِّطًا في الصيام فبأيِّهما نبدأ؟
الطلبة: الصلاة.
الشيخ: بالصلاة؛ لأنها أَهَمُّ.
إذا رأيناه يفَرِّط في صلاةِ الفريضة ويُتْقن صلاةَ النافلة كما يوجد في كثيرٍ من الناس الآنَ؛ تَجِده في صلاة النافلة يطْمَئنُّ ويُكْثِر من التسبيح والدعاء، وفي الفريضة لا يَطْمئنُّ، فإنَّنا ننصحه ونبدأ بالفريضة لأنها أَهَمُّ، فمِنْ حيث الأسلوب والموضوع ينبغي للإنسان أن يُراعي ذلك حتى يكون موافقًا لما جاء به القرآن الكريم من التربية.

***

الطالب: رابعًا: تمييز الناسخ من المنسوخ فيما لو وَرَدَتْ آيتانِ مكِّية ومدنية يتحقَّق فيهما شروطُ النسخ، فإنَّ المدنية ناسخةٌ للمكِّية لتأخُّر المدنية عنها.
الشيخ: هذا أيضًا واضحٌ؛ إذا عَرَفْنا المكِّيَّ وهو ما نَزَل قبل الهجرة، والمدنِيَّ وهو ما نَزَل بعدها، ووجدْنا آيتين متعارضتين لا يمكن الجمع بينهما، فماذا نصنع؟ نعمل بالنسخ ونقول: الآيات المدنية ناسخةٌ للأيات المكية.

***

الحكمة من نزول القرآن الكريم مفرقا
00:29:10

الطالب:
الحِكْمة من نُزول القرآن مُفَرَّقًا:
مِن تقسيم القرآنِ إلى مكيٍّ ومدنِيٍّ يتبيَّن أنه نَزَل على النبي صلى الله عليه وسلم مُفَرَّقًا، ولِنُزوله على هذا الوجه حِكَمٌ كثيرةٌ منها:
أولًا: تثبيت قلْب النبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَيعني: كذلك نَزَّلْناهُ مُفَرَّقًا لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [الفرقان: ٣٢ ، ٣٣].

الشيخ: هذا من الحِكَم في نُزول القرآن مُفَرَّقًا:
(أولًا: تثبيت قلْب النبي عليه الصلاة والسلام) كيف ذلك؟
لو نَزَلَ جُمْلَةً واحدةً حَصَلَتْ الموعظةُ في أوَّلِ نُزوله لا شكَّ، لكنْ قد يَنْسى الإنسانُ وقد يَغْفُل، فإذا نَزَل مرَّةً ثانيةً ازداد ثباتًا، ولِهذا نَجِدُ الإنسانَ عند المصائب الكبيرة يَنْسى ما نَزَل من القرآنِ، ولا يَخْفى عليكم ما وَقَع حين تُوُفِّي الرسول صلى الله عليه وسلم مِن إنكار عُمَر لِوَفاته وتهديده مَنْ يقول إنه تُوُفِّي، حتى جاء أبو بكر وقرأ الآيات التي تدلُّ على أنه سيموت، فكأنها نَزَلَتْ في ذلك اليوم ؛ لأنه مِن شِدَّة المصيبة ذَهَلوا عمَّا جاء في القرآن من أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بَشَرٌ يموت كما يموت الناس.
ثم استدلَّ المؤلف لهذا بقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةًيعني: كما نَزَلَتْ الكتبُ السابقةُ، قال الله تعالى مجيبًا لهذا الإيراد: كَذَلِكَأي: أنزلْناه كذلك مُفَرَّقًا لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَهذه فائدةٌ عظيمةٌ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًاأي: ولأجْلِ أنْ يكون مُرَتَّلًا، والترتيل معناه أنه يُقْرأ شيئًا فشيئًا. وثالثا: وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًالأنَّ الشُّبَه تَرِدُ على النبي صلى الله عليه وسلم لا في آنٍ واحدٍ، بلْ في أوقاتٍ مختلفةٍ، فإذا وَرَدَتْ شُبْهةٌ عليه نَزَل القرآنُ في حَلِّها، وهذه من الفوائد الكبيرة أيضًا.

***

الطالب: ثانيًا: أنْ يَسْهُل على الناس حِفْظُه وفَهْمُه والعملُ به؛ حيث يُقرأُ عليهم شيئًا فشيئًا؛ لقوله تعالى وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦].
الشيخ: هذا أيضًا من الفوائد؛ أنَّه إذا نَزَل مُفَرَّقًا سَهُلَ حِفْظُه والعملُ به، لكن لو نَزَل جُملةً واحدةً يَصعُبُ حِفْظُه وكذلك العملُ به؛ لأنه يَلْزم مِن نُزوله جُملةً واحدةً أن تَثْبُتَ جميعُ أحكام الشريعة جُملةً واحدةً، وهذا فيه صعوبة، فينزل مُفَرَّقًا لأجْل أن يتروَّض الناسُ على العمل به فيتلقَّونه شيئًا فشيئًا.
وهذا ربما يُفيد مَن يحفظ القرآنَ؛ يعني مَن يُريد أن يحفظ القرآنَ عن ظَهْر قلْبٍ نقول: الأفضل ألَّا تقرأه جُملةً واحدةً، بلْ تُفرِّقه؛ مثلًا تقرأ خمسةَ أسطُرٍ حتى تحفظها، ثم خمسةً أُخرى، ثم خمسةً أُخرى، فإذا أتممتَ جُمَلًا صالحةً للإعادة أعدتَها كُلَّها.

***

الطالب: ثالثًا: تنشيط الْهِمَمِ لقَبولِ ما نزل من القرآن وتنفيذِهِ؛ حيث يتشوَّق الناس بلهْفٍ وشَوْقٍ إلى نُزول الآية، لا سِيَّما عند اشتداد الحاجة إليها كما في آيات الإفك واللِّعان.
الشيخ: هذه أيضًا: (تنشيط الْهِمَمِ لقَبولِ ما نزل)؛ لأنه إذا تأخَّر النزول صار الناس يتشوَّفون وينتظرون نُزول الآية بفارغ الصَّبر، لا سِيَّما عند اشتداد الحاجة كما في آية اللِّعان، والإفك، وكذلك آية الظِّهار، وغيرها مما هو معروفٌ، ولا شكَّ أن هذه فائدةٌ عظيمةٌ؛ لأنه إذا نزل القرآن والناس في شِدَّةِ اشتياقٍ إليه صار هذا أَدْعَى لقبوله والعمل به والراحة فيه.

***

الطالب: رابعًا: التدرُّج في التشريع حتى يصل إلى درجةِ الكمال؛ كما في آياتِ الْخَمْر الذي نشأ الناس عليه وألِفُوه، وكان من الصَّعْب عليهم أن يُجابَهوا بالمنع منه منعًا باتًّا، فنزل في شأنه أولًا: قوله تعالى يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة: ٢١٩]، فكان في هذه الآية تهيئةٌ للنفوس لقبول تحريمه؛ حيث أَنَّ العقل يقتضي ألَّا يمارِس شيئًا إثْمُهُ أكبرُ مِن نفعه..
الشيخ: من الأفصح كسر الهمزة حتى يكون إضافة إلى جملة.
الطالب: (حيث) إيه يا شيخ؟
الشيخ: (حيث إن العقل).
الطالب: ثم نزل ثانيًا قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء: ٤٣] فكان في هذه الآية تمرينٌ على تَرْكِه في بعض الأوقات، وهي أوقات الصلوات.
ثم نزل ثالثًا قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [المائدة: ٩٠ - ٩٢] فكان في هذه الآيات المنعُ من الخمر منعًا باتًّا في جميع الأوقات بعد أنْ هُيِّئَت النفوس ثم مُرِّنَتْ على المنع منه في بعض الأوقات.

الشيخ: هذه أيضًا من فوائد نُزول القرآن مُفَرَّقًا؛ للتدرُّج في التشريع، وأَظهَرُ مثالٍ على ذلك الخمرُ، ومن ذلك أيضًا الصلواتُ، ومن ذلك الصيامُ؛ فالصلوات، أول ما فُرِضتْ الصلاة كم؟
طلبة: خمس ركعات.
الشيخ: ركعتين، ثم زِيدَ في صلاة الحَضَر، ومن المعلوم أن الركعتين أخفُّ من الأربع.
كذلك أيضًا في الصيام؛ أول ما نَزَل فَرْضُه أن الإنسان مخيَّر؛ إنْ شاء صام وإنْ شاء أطْعَمَ والصيام أَفْضَل، ثم بعد ذلك تعيَّن الصيام؛ لأنه إذا قيل للإنسان إن شئتَ صُمْ وإن شِئتَ فأفْطِر والصومُ أَفْضلُ تهيَّأت نفسُه لأيش؟
طلبة: للصيام.
الشيخ: للصيام، وصار إيجابه بعد أن تهيَّأت النفس من أَبْلَغ الحِكْمة.
المثال الذي معنا الآن هو الخمر، فأوَّلًا لأهمية الموضوع نبحث ما هو الْخَمْر:
الْخَمْر: كُلُّ ما غطَّى العَقْلَ على وجْهِ اللَّذَّة والطَّرَب، هذا الخمرُ، ولهذا قيل: خَمْرٌ؛ مِن الخِمار الذي تُغطِّي به المرأةُ وجهها ورأسها، فهو –أي: الخَمْر- يغطِّي العقلَ على وجْه اللَّذَّة والطَّرَب؛ لأن تغطية العقل قد تكون لذلك وقد تكون لغير هذا؛ ربما يدوخ الإنسانُ من شيءٍ شَرِبه أو شَمَّه أو ما أَشْبه ذلك، فهلْ هذا سَكر؟ لا؛ لأنه لا يَطْرَب ولا يتلذَّذ، بخلاف الخَمْر.
الميْسِر: هو القِمار، وهو المغالبة على عِوَضٍ وما أَشْبهها من المعاملات، وضابطها: كلُّ معاملةٍ يكون الإنسان فيها إما غانمًا وإما غارمًا فهي مَيْسِرٌ، وسُمِّيتْ مَيْسِرًا: ليُسْرِ الرِّبح فيها؛ لأن الإنسان في القِمار -نسأل الله العافية- ربما يربح في ليلةٍ واحدةٍ ملايين الملايين.
يقول: (التدرج فيه). أولًا: أنزل الله فيه هذه الآية وهي قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة: ٢١٩] إِثْمٌ كَبِيرٌهذا بالكيفية، مَنَافِعُ لِلنَّاسِبالكمية؛ لأن المنافع جمع مَنْفعة، وهي صيغة منتهى الجموع، فتكون منافع كثيرة، لكن الإثم أكبر من النَّفع؛ إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَايعني: أشَدُّ من النَّفع، وانظر إلى قوله: (مَنافِع) وقوله: (نَفْع) حيث جَمَع في الأول وأَفْردَ في الثاني؛ لأن الثاني مصْدر، والمصدر يكون مفردًا دائمًا، ولهذا قال ابن مالك:


وَنَعَتُــــــــــــــــوا بِمَصْـــــــــــــــــــدَرٍ كَثِـــــــــــــــــــــيرَا فَالْتَزَمُــــــــوا الْإِفْـــــــــرَادَ وَالتَّذْكِــــــــيرَا

وأيضًا هذه المنافع كلُّها لو اجتمعتْ فهي نَفْعٌ واحدٌ وإنْ ظنَّ الظانُّ أنها منافعُ كثيرة، فهي نَفْعٌ واحدٌ؛ لأنَّ نَفْعه يعود على مسائل دنيوية فقط. هذه الآية إذا قرأها العاقل هل يُقْدِم على شُرب الخمر؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟ لأن العاقل لا يُقدِم على شيء إثمه أكبر مِن نَفْعه، فتتهيَّأ النفوسُ الآن للمنع.
يقول: (ثم نزل ثانيًا قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ). كم أوقات الصلاة؟
الطلبة: خمسة.
الشيخ: خمسة، أوقاتٌ متعيِّنة، لا بُدَّ أن تُصلِّي في هذه الأوقات، فإذا قيل: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىامتنع الناس عن شُرب المسْكِر في كم وقت؟ خمسةِ أوقاتٍ؛ لأنهم إذا سَكِروا وجاء وقْت الصلاة يُنهى عن الصلاة، فسوف يمتنعون، إذَنْ نُهُوا أنْ يقربوا الصلاةَ وهم سُكارى في أوقاتٍ خمسةٍ، وهذا لا شكَّ أنه تمرين للنفوس على الترك.
ثم نَزَل ثالثًا قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُإلى آخره، فصدَّر الله هذه الآية بهذا النداء للتنبيه على أهمية ما سَيُذكر بعدُ، ثم وجَّه النداءَ إلى مَن؟ إلى الذين أمنوا، الذين يَقتضِي إيمانُهم الامتثالَ والطاعةَ لأمْر الله عز وجل، ولهذا يُذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إذا سمعتَ اللهَ يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافأرْعِها سَمْعَك؛ فإمَّا خيرٌ تُؤْمر به وإمَّا شَرٌّ تُنهَى عنه .
ثم ذَكَر عز وجل العلَّةَ قبل الحكْم؛ لأن ذِكْر العِلَّةِ قبل الحكْم يجعل النفس تقْبل الحكم عن اقتناع وعقْلٍ، فقال: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِهذه العِلَّة، يترتَّب عليها أيش؟ فَاجْتَنِبُوهُ، ثم ذَكَر الثمرةَ في اجتنابه فقال: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَإلى آخره.
إِنَّمَا الْخَمْرُقلنا: الخمْر ما غطَّى العقلَ على وجْه اللذَّة والطَّرَب.
الْمَيْسِرُ: هو القِمار، وهو كل معاملةٍ يكون فيها الإنسان إما غانمًا وإما غارمًا.
الْأَنْصَابُ: هي الأوثان، جمع نصب.
رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِرِجْسٌبمعنى نَجَس، والنَّجِس ينقسم إلى قِسمين: نجس نجاسةً حِسِّية كما في حديث أبي طلحة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أَمَره أن ينادي: إنَّ الله ورسوله يَنْهيانِكم عن لحوم الْحُمُر الأهليَّة؛ فإنها رِجْس . هذا نجاسة حسِّية أو معنوية؟
الطلبة: حسِّية.
الشيخ: حسِّية، وكما في حديث ابن مسعودٍ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قضى حاجته، فأتاه عبد الله بن مسعود بحجرين ورَوْثة، فأخذ الحجرين وألقى الروْثةَ وقال: «إِنَّهَا رِجْسٌ». أو قال: «رِكْسٌ» .
هذه نجاسة؟
الطلبة: حسِّية.
الشيخ: حسِّية. أمَّا النجاسة المعنوية فمِثل قول الله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [الحج: ٣٠]، اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِهذه نجاسة حسِّية أو معنوية؟
الطلبة: معنوية.
الشيخ: معنوية؛ لأن الأوثان حَجَرٌ أو شَجَرٌ أو ما أَشْبه ذلك من الأشياء الطاهرة، ومِثل قول الله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة: ٢٨] أي: نجاسة معنوية، هذه الآية إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ [المائدة: ٩٠] معنويٌّ أو حسِّيٌّ؟
طلبة: معنويٌّ.
طالب: معنويٌّ وحسِّيٌّ.
الشيخ: لا، معنويٌّ وليس حِسِّيًّا، وجْهُهُ أن كلمة رِجْسٌخبرٌ عن كلِّ ما سبق؛ الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ، فلا يصحُّ أن نقول: هي بالنسبة لواحدٍ منها رِجْسٌ حسِّيٌّ وبالنسبة للآخَر رِجْسٌ معنويٌّ. إلا بدليل، ثم إن الرجس هُنا لم يُطْلَق، بلْ قُيِّد فقيل فيه: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِفهو رِجسٌ عَمَليٌّ وليس رِجسًا حسِّيًّا، وبهذا التقدير تبيَّن أن من استدلَّ بهذه الآية على نجاسة الخمر نجاسةً حسِّيةً فقد أَبْعَدَ النجْعة وخالَفَ ظاهرَ الكلام.
وقوله: فَاجْتَنِبُوهُاجتنبوا أيش؟
الطلبة: (...) الأشياء التي..
الشيخ: أي: كُل ما ذُكِر لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَذَكَرَ اللهُ عز وجل أنَّ اثنين من هذه الأربعة تُوجِب العداوةَ والبغضاءَ، وهي أيش؟
الخمْر والميسِر، وسَكَتَ عن الأنصاب التي هي الأوثان، وعن الأزلام التي كانوا يَستقسِمون بها، سَكَتَ عنها لأنها لا تُوجِب العداوةَ والبغضاءَ؛ إذ إنَّ الأنصاب -وهي الأصنام- يتضرَّر بها من عَبَدها ولا تُوجِب النِّزاع بين الناس، وليس هناك عقدٌ حتى يُقال: إنها تُوجِب العداوةَ بين المتعاقدين، وكذلك الأزلام.
الأزلام هي عبارةٌ عن أقداحٍ؛ جمع قِدْحٍ، وهو ما يكون في السهم يَستقْسِم بها العرب؛ إذا هَمَّ الإنسانُ بأمرٍ وتردَّدَ فيه استقسم بالأزلام ووضعها في كيسٍ؛ أحدُ الأقداح: افعلْ، والثاني: لا تفعلْ، والثالث: ليس فيه شيء، إن خرج (افعلْ) فَعَل وأَقْدمَ وقال: هذا خيرٌ، وإنْ خرج (لا تفعلْ) أحجمَ وتَرَك وقال: هذا شَرٌّ، وإن خرج الذي ليس فيه (افعلْ) و(لا تفعلْ) أعاد الاستقسام مرةً أخْرى، أبْدَلَ اللهُ الأُمَّة الإسلاميةَ عن هذا الاستقسام بصلاة الاستخارة التي هي عبادةٌ ولجوءٌ إلى الله عز وجل، فيصلِّي الإنسانُ ركعتين، ثم يدعو بدعاء الاستخارة.
إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِلأن من ابتُلي بالسَّكَر _ والعياذ بالله _ غَفَل عن ذِكر الله، وصار لا يصحو من فِعْلٍ إلا تلبَّس بالآخر لأنه يربطه. وَعَنِ الصَّلَاةِوعطفها هنا على ذِكْر الله من باب عطف الخاصِّ على العامِّ، وإنما خصَّها بالذكر لأهميتها، وإلا فإنها لا شكَّ أنها من ذِكر الله عز وجل. فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَيعني: فبعد هذا البيان هل تنتهون أو لا؟ وهو استفهامٌ بمعنى الأمْر؛ أي: فانتهوا، لكنه أتى بصيغة الاستفهام لتوبيخ مَن لا ينتهي عن ذلك مع سماعه لأضراره.
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوااحذروا أيش؟
طالب: الإقامة.
الشيخ: مخالَفتهما. فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُوأنه لا حِساب عليه مِن قِبَلكم؛ لأنه بَلَّغ عليه الصلاة والسلام.
في هذه الآيات فوائد كثيرة يهمنا منها: ما يوجد الآن من الأطياب في الأسواق التي يُقال: إن فيها مادة (الكحول الإيثيلي) الْمُسْكِر، هل تدخل في هذه الآية أو لا تدخل؟
نقول: تدخل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وَصَف الخمْر بأنه ما أسْكَرَ فقال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» ، وهذه الأطياب بعضُها أيش؟ يُسْكِر، فهلْ قوله: فَاجْتَنِبُوهُأمْرٌ باجتناب السكر من هذه الأطياب أو أنه أمْرٌ مطْلَق؟
الاحتياط أن نجعله أمرًا مُطْلَقًا وأنْ نجتنب هذه الأطياب التي تُسكر، سواء كان ذلك في البيع أو الشراء أو التطيُّب بها أو غير ذلك؛ لأن الله قال: فَاجْتَنِبُوهُ.
ويحتمل أن يُقال: إن قوله: فَاجْتَنِبُوهُأي: اجتنبوا شُربَه، بدليل قوله: إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، وهذا لا يكون في البيع والشراء وما أَشْبَه ذلك، ولهذا نرى أن الورع اجتناب هذه الأطياب، ولا سيما التي يركِّز الناس فيها على الإسكار أو على السكر بها، يجتنبها لا يتطيَّب بها، لكنْ إذا دَعَت الحاجة إلى استعمالها لتعقيم الجروح أو ما أَشْبَه ذلك فلا بأس.
طالب: احتجَّ بعضهم يا شيخ بقول الله عز وجل (...)..
الشيخ: لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [النساء: ٤٣]
طالب: (...) هؤلاء الناس (...) إنما يقول له: الصلاة طيبة، وكذا وكذا ..
الشيخ: المهم اللهُ قال: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ [النحل: ١٢٥] بماذا؟
الطالب: بِالْحِكْمَةِ.
الشيخ: بِالْحِكْمَةِ.
طالب: (...)؟
الشيخ: نعم، يجوز أن نتدرَّج معه شيئًا فشيئًا، وبهذه الآية وبحديث مُعاذ: أَمَرَهُ أنْ يَدعُوَهم إلى التوحيدِ ثم إلى الصلاةِ ثم إلى الزَّكاةِ .
طالب: (...) يكتبون في أوراق الشَّجر ويقولون: (افعلْ) أو (لا تفعلْ)، ومنها يجيب كراسة، أُمُور، هذه تدخل في الاستقسام؟
الشيخ: إي نعم، هذه تدخل في الاستقسام بالأزلام، الصورة مختلفة لكن المعنى واحد.
طالب: بارك الله فيكم، عَرَفْنا في فوائد معرفة تنجيم القرآن وأنه نَزَل مُفرَّقًا بالنسبة لأوَّل الأُمَّة، لكن ما الفائدة بالنسبة لنا نحن الآن في كونه نَزَل هكذا؟
الشيخ: الأُمَّة هي أُمَّةٌ واحدةٌ من أوَّلها إلى آخِرها، ولهذا نجد الله عز وجل يَعيبُ على اليهود ما صَنَعه آباؤهم وأجدادهم من التمرُّد، أما نحن فإن القرآن تم بموت الرسول عليه الصلاة والسلام، فلمْ يَصِل إلينا إلا جملةً واحدةً، لكن الاعتبار بالأصل.
طالب: عفا الله عنك، إذا قلنا: إن (...) في الواقع في الناس اليوم أنهم أَثْقل ما يكون عليهم الصلاة، فكثير من الناس ما هو كلهم، وهي ما اتفق عليها أنها أهم ما يكون في شرائع الإسلام، (...) الحج عندهم أهون على نفوسهم من الصلاة، والصيام أهون عليهم من الصلاة، (...).
الشيخ: الظاهر أن الصلاة أَثْقل عليهم من هذا .
الطالب: الصلاة أَثْقل عليهم.
الشيخ: أَثْقل عليهم من الصيام ومن الحج.
الطالب: وهي أهم ما يكون.
الشيخ: وهي أهم، هذه مشكلة، هذه من قلب الأمر.
الطالب: (...) العلة يا شيخ؟
الشيخ: العلة أن الشيطان حريصٌ، يصدُّهم عن الصلاة التي هي أهمُّ شيءٍ في ذِكر الله، هي الصلاة، كما في الآيات وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، فالشيطان يريد أن يُثَبِّطَهم عن هذا الأهَمِّ.
طالب: أحسن الله إليكم، نَجِد في أوائل السُّوَر مثلًا سورة كذا مكية إلا بعض الآيات مدنية ويذكر الرقم، فإن صح الأمر نعتمد عليه.
الشيخ: لا هذا يحتمل، يعني ما هي بسَنَدٍ بيِّن، إذا تتبَّعها الإنسان وصارتْ بسَنَدٍ صحيحٍ قُبِلتْ، وإلا فالأصل أن السورة المكية كلُّها مكية، كلُّ آياتها، وأن السورة المدنية كلُّ آياتها مدنية، فهذه الاستثناءات التي تُذكر غير مُسلَّم بها حتى يتبيَّن أنها بسَنَدٍ صحيحٍ.
طالب: شيخ، سلَّمكم الله، بالنسبة للطِّيب الذي فيه الكحول؛ إذا كانت نسبة الكحول قليلة بحيث لا يُسْكِر فهلْ يكون هذا جائزًا؟
الشيخ: بلى، إذا كانت نسبة الكحول قليلةً بحيث لا يُسْكِر كثيرُه فهو حلال ولا إشكال فيه.
طالب: ترتيل القرآن هل يجب يا شيخ الترتيب فيه؟
الشيخ: التجويد قل.
الطالب: التجويد.
الشيخ: التجويد لا يجب، يجوز للإنسان أن يقرأ القرآنَ غيرَ مُجَوَّد ما دام نَطَق بحروفه وحركاته، فإن التجويد عبارة عن تحسين الصوت بالقرآن.
الطالب: وهلْ جائزٌ اللحن فيه؟
الشيخ: لا، اللحن ما يجوز، ما يجوز تقول: (الحمد لله ربَّ العالمين).
الطلبة: يقصد تحسينَ الصوت.
الشيخ: التحسين، هذا طيِّب، الرسول عليه الصلاة والسلام أثنى على أبي موسى الأشعري قال: «لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ». فقال: لو عَلِمْتُ يا رسول الله أنك تستمعُ لحبَّرتُهُ لك تحبيرًا . وأمَّا أن يجعل بُوقًا في فمه وهو يقرأ فهذا خِلاف السُّنَّة.
طالب: شيخ، الآن هناك (...) يُستعمَل أيضًا في تلحين الأغاني، فهذا يدخل في تحسين الصوت أيضًا؟
الشيخ: لا يا شيخ، ما أظُنُّ هذا يكون.
الطالب: يا شيخ، الإنسان يخشع للقراءة هذه أكثر، تكون على الإيقاعات هذه.
الشيخ: أظنك لم تدخلْ كنيسة النصارى.
الطالب: لا، ما دخلتُ يا شيخ، الحمد لله.
الشيخ: لو دخلتَها لوجدتَ خُشوعًا عظيمًا وبُكاءً حَفَر الخدودَ من الدموع، ومع ذلك لا حظَّ لهم في الآخرة.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، مِنفي قوله جل وعلا: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ [الحج: ٣٠]، تفسير مِنهذه؟
الشيخ: إي نعم، هذه بيانيَّة؛ لأن الرِّجْس قد يكون من الأوثان وقد يكون من غيرها.

***

ترتيب القران
01:00:40

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال شيخنا حفظه الله تعالى في كتابه (أصولٌ في التفسير):
ترتيب القرآن
ترتيب القرآن: تلاوته تاليًا بعضه بعضًا حسب ما هو مكتوب في المصاحف ومحفوظ في الصدور.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم
قبل أن نبدأ بدرس جديد سبق لنا فوائد أيش؟ فوائد نزول القرآن مُفَرَّقًا، وذَكَرْنا منها التدرُّج في التشريع، وضربْنا لهذا مثالًا بماذا؟
الطلبة: بالخمْر.
الشيخ: بالخمْر، حيث نَزَل تحريمه تدريجًا، هذا هو أهمُّ ما يكون من الفوائد والباقي معروف؛ تثبيت قلب النبي عليه الصلاة والسلام، وأنْ يتلقَّاه الناس شيئًا فشيئًا.
أمَّا الآن ففي ترتيب القرآن.

***

الطالب: وهو ثلاثة أنواع:
النوع الأول: ترتيب الكلمات بحيث تكون كلُّ كلمة في موضعها من الآية، وهذا ثابتٌ بالنص والإجماع، ولا نعلم مخالفًا في وجوبه وتحريم مخالفته، فلا يجوز أن يُقرأ: (لله الحمد رب العالمين) بدلًا من: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢].
النوع الثاني: ترتيب الآيات بحيث تكون كلُّ آيةٍ في موضعها من السورة، وهذا ثابتٌ بالنص والإجماع، وهو واجبٌ على القول الراجح وتحرم مخالفتُه، ولا يجوز أن يُقرأ: (مالك يوم الدين، الرحمن الرحيم) بدلًا من الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٣، ٤]؛ ففي صحيح البخاري أنَّ عبد الله بن الزبير قال لعثمان بن عفَّان رضي الله عنهما في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ [البقرة: ٢٤٠]: قد نسختها الآيةُ الأخرى -يعني قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: ٢٣٤]، وهذه قبلها في التلاوة- قال: فلِمَ تكتبها؟ فقال عثمان رضي الله عنه: يا ابن أخي، لا أُغيِّر شيئًا منه من مكانه .
وروى الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث عثمان رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه السُّوَر ذواتُ العَدَدِ، فكان إذا نَزَل عليه الشيءُ دعا بعض مَن كان يَكتب فيقول: «ضَعُوا هَذِهِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا».
النوع الثالث: ترتيب السُّوَر بحيث تكون كلُّ سُورةٍ في موضعها من المصحف، وهذا ثابتٌ بالاجتهاد فلا يكون واجبًا.
وفي صحيح مسلمٍ عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنَّه صلَّى مع النبي صلى الله عليه وسلم ذاتَ ليلةٍ، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم البقرةَ ثم النساءَ ثم آلَ عمرانَ.
وروى البخاري تعليقًا عن الأحنف أنَّه قرأ في الأولى بالكهف وفي الثانية بيوسف أو يونس، وذَكَر أنَّه صلَّى مع عُمَرَ بن الخطاب الصبحَ بهما .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: تجوز قراءة هذه قبل هذه، وكذا في الكتابة، ولهذا تنوَّعتْ مصاحف الصحابة رضي الله عنهم في كتابتها، لكن لَمَّا اتفقوا على المصحف في زمن عثمان رضي الله عنه صار هذا مِمَّا سَنَّهُ الخلفاءُ الراشدون، وقد دلَّ الحديث على أن لهم سُنَّةً يجب اتباعها.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم
(ترتيب القرآن) هناك أربعة أنواعٍ من الترتيب؛ أولًا: ترتيب الحروف في الكلمة، والثاني: ترتيب الكلمات بعضها مع بعض، والثالث: ترتيب الآيات بعضها مع بعض، والرابع: ترتيب السُّوَر بعضها مع بعض.
هذه أربعة أنواعٍ، لكننا لم نَذكُر النوعَ الأولَ لأنه لا أحدَ يتجرَّأ عليه، فالنوع الأول لا شكَّ في تحريمه وهو مخالَفة الترتيب في الحروف في الكلمة الواحدة؛ فإنَّ ذلك بالنصِّ والإجماعِ غيرُ جائزٍ؛ لأنه تحريفٌ للكَلِمِ عن مواضعه.
والثاني: ترتيب الكلمات بعضها مع بعض، فهذا على القول الراجح توقيفيٌّ لا يجوز تقديمُ كلمةٍ في آيةٍ على كلمةٍ أخرى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تلاه كذلك ونَزَل عليه كذلك، فلا يجوز أن نغيِّر فيه.
والثالث: ترتيب أيش؟
الطلبة: الآيات.
الشيخ: الآيات، فقد اختلف العلماء هلْ هو بالاجتهاد أو بالنصِّ، والصحيح أنَّه ثابتٌ بالنصِّ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نَزَلتْ عليه الآيةُ قال: «ضَعُوا آيَةَ كَذَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا»، وللحديث الذي رواه البخاري عن عبد الله بن الزبير أنَّه سأل عثمان عن آيتين في كتاب الله إحداهما نَسَختْ الأخرى والناسخة متقدِّمة في الترتيب وهي قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ [البقرة: ٢٤٠]، فهذه الآيات تدلُّ على أن الإنسان إذا مات فإنه يجب عليه أن يُوصي وصيةً تكون لِزوجته عامًا كاملًا تبقى في بيته، فإنْ خرجتْ فلا جُناح عليها كما قال تعالى: فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ [البقرة: ٢٤٠]، هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: ٢٣٤]، وهذه الآية الثانية قَبْلها في الكتابة، فسأل عثمانَ رضي الله عنه: لماذا؟ فقال: يا ابن أخي، لا أُغيِّر شيئًا عن مكانه، أو: من مكانه. وهذا يدلُّ على أن ترتيب الآيات توقيفيٌّ وليس باجتهادٍ، وإذا كان توقيفيًّا -أي: موقوفًا على النصِّ- فإنَّه لا يجوز أن يُقدَّم بعضُ الآيات على بعض.
بقينا بالنوع الثالث..
طالب: الرابع.
الشيخ: النوع الرابع على حَسَب ما ذَكَرْنا -النوع الثالث في الكتاب- ترتيب السُّوَر، فيقول: (هذا ثابتٌ بالاجتهاد فلا يكون واجبًا) فلَكَ أن تقرأ آل عمران قبل البقرة، وأن تقرأ النساء قبل آل عمران، وأن تقرأ (قُلْ أعوذُ بربِّ الناس) قبْل سورة الفلق، وهلُمَّ جرًّا؛ لأن ذلك ثابتٌ بأيش؟ بالاجتهاد، هذا ما قررناه في هذا الكتاب.
لكنْ يظهر لي أن منه ما هو ثابتٌ بالاجتهاد وهو الأكثر، ومنه ما هو ثابتٌ بالنصِّ مثل الجمعة والمنافقون؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الجمعة بـ(الجمعة) وفي الثانية بـ(المنافقين) ، ومثل (سَبِّح) و(هَلْ أتاكَ حديثُ الغاشية)؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهما في صلاة الجمعة وفي العيدين مرتَّبتينِ ، فقد يقول قائل: إن ترتيب السور منه ما هو ثابتٌ بالنص ومنه ما هو ثابتٌ بأيش؟ بالاجتهاد، وهذا هو الأكثر.
واستدلَّ القائلون بأنه بالاجتهاد بحديث حذيفة أنَّه صلَّى مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلةٍ، فقرأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم البقرةَ ثم النساءَ ثم آلَ عمرانَ، فبدأ بالنساء قبل آل عمران مع أنها في الترتيب في المصحف بعدها، وكذلك أيضًا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قرأ في الأولى بالكهف وفي الثانية بيوسف أو يونس. الكهف ويوسف أيُّهما الأولى؟
الطلبة: يوسف.
الشيخ: يوسف. يونس؟ كذلك، وهذا يدلُّ على أن الترتيب بين السُّوَر ليس بتوقيف، وهذا لا شكَّ هو الأصحُّ أنه ليس بتوقيف، اللهمَّ إلا أن يدَّعي مدَّعٍ أن ما قرأه النبي صلى الله عليه وسلم من السُّوَر مرتَّبًا فإنه يكون أيش؟ مرتَّبًا بالتوقيف.
بَقِيَ أن يُقال بعد اتِّفاق الصحابة على هذا الترتيب العثماني: هلْ نقول: إن هذا مِمَّا سَنَّه الخلفاء الراشدون وأجمعتْ عليه الأُمَّة بعد العصر الأول فيلزم اتِّباعه؟
قد يُقال هذا، وقد يُقال: إن هذا إجماعٌ خالَفه الخِلافُ قبْله، وكذلك اختلاف مصاحف الصحابة رضي الله عنهم فإنها كانتْ مختلفةً في الترتيب، إلا أنَّه فيما يتعلَّق بقراءتها أمام العوامِّ فإنه لا ينبغي أن يُخالِف الإنسان الترتيب الذي في المصحف، واستثنى بعضُ العلماء من ذلك مجالَ التعليم وقالوا: إنه في مجال التعليم لا حَرَجَ أن نبدأ بالمتأخِّر قبل المتقدِّم، ولذلك كان المسلمون يُعلِّمون الصبيان بادئين بماذا؟
الطلبة: بـ(الناس).
الشيخ: بسورة الناس ثم يصعدون، فهذا للحاجة لا بأس به.
طالب: ما زالتْ تجيء يا شيخ بعضُ الآيات منسوخةً لا حُكْم لها، لماذا وضعوها في القرآن؟
الشيخ: لِمَ وُضِعَتْ؟ سيأتينا إنْ شاء الله في باب النَّسْخ أنَّ من الحكمة في ذلك أن يتذكَّر الناسُ نعمةَ الله عليهم في النَّسْخ من الأشَدِّ إلى الأخَفِّ.

***

كتابة القرآن وجمعه
01:13:48

الطالب:

كتابة القرآنِ وجَمْعُه

لكتابة القرآن وجَمْعِه ثلاثُ مراحل:
المرحلة الأولى: في عَهْد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الاعتماد في هذه المرحلة على الحفظ أكثرَ من الاعتماد على الكتابة؛ لقوَّة الذاكِرة، وسرعة الحفظ، وقِلَّة الكاتبين ووسائل الكتابة، ولذلك لم يُجمَع في مصحفٍ، بلْ كان مَن سَمِع آيةً حَفِظها أو كَتَبها فيما تيسَّر له من عُسُب النخل ورِقاع الجلود ولِخاف الحجارة وكِسَر الأكتاف، وكان القُرَّاء عددًا كبيرًا؛ ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بعث سبعين رجلًا يُقال لهم القُرَّاء، فعَرَضَ لهم حيَّانِ مِن بني سُلَيمٍ -رِعْلٌ وذَكْوانُ- عند بئر معونةَ فقتلوهم . وفي الصحابة غيرُهم كثيرٌ كالخلفاء الأربعة، وعبدِ الله بن مسعود، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، وأُبَيِّ بن كعب، ومعاذِ بن جبل، وزيدِ بن ثابت، وأبي الدرداء رضي الله عنهم.
المرحلة الثانية ..

الشيخ: هذه المرحلة الأولى التي كُتِب فيها القرآنُ، وهذه الكتابة أو هذه المرحلة تعتمد على الحفظ أكثر من الكتابة للأسباب التي ذَكَرناها في هذا:
أولًا: قوَّة الذاكرة؛ فإن الذاكرة في الصحابة قويَّةٌ جِدًّا لا يكاد الواحد منهم يَنْسى ما حفظه.
الثاني: سرعة الحفظ؛ فإن حِفْظهم سريعٌ، ولهذا تَجِدُ الواحدَ منهم يَروِي الحديثَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَبْلُغ الصفحةَ أو الصفحتينِ مع أنه لم يَسْمعه إلا مرةً واحدةً.
ومنها أيضًا: قِلَّة الكاتبينَ ووسائلِ الكتابة؛ الكُتَّاب كانوا قليلينَ، وسائل الكتابة أيضًا قليلةٌ؛ ما فيه وَرَق، ما فيه حِبْر، ما فيه أقلام، فلذلك صاروا يعتمدون على الحفظ؛ لأن الحاجة أمُّ الاختراع، فإذا احتاج الناسُ إلى الحفظ صارتْ حافظتهم قويةً لأنهم يعتمدون عليها، ولهذا تَجِدُون الآن الذين يعتمدون في الحساب على الآلة الحاسبة تجدهم يَقِلُّ تصوُّرهم للأشياء ومعرفتهم بها، ولَمَّا ظَهَر الكمبيوتر في الفرائض أَشَرْنا على الذين أخرجوه بألَّا يُخرِجوه على وجْهٍ عامٍّ شاملٍ؛ لأنَّ هذا يُميتُ أذهانَ الطَّلَبة، يُميتها مرةً واحدةً، دَع الطَّلَبةَ يفكِّرون ويقدِّرون ويحلُّون المسائل بأنفسهم دون الاعتماد على الآلة الكاتبة، فلمَّا قلَّت الوسائل في عهد النبي عليه الصلاة والسلام -وسائل الكتابة- احتاج الناسُ إلى أيش؟
الطلبة: إلى الحفظ.
الشيخ: إلى الحفظ، فحفظوا.
طيِّب، فيه كلمات تحتاج إلى شرح، يقول -فيما تيسَّر له-:
(مِن عُسُبِ النَّخل). تعرفون العَسيب؛ عَسيبَ النَّخل فيه أوراق يُكتب فيها، فيه أيضًا: يُلْحَى العَسيب الذي هو منبت الأوراق، يُلْحَى ويُكتب فيه، إلى هذا الحد.
طالب: (...)؟
الشيخ: يعني يُقْشَر، لَحْيُ الغُصنِ: قَشْره.
كذلك أيضًا (رِقاع الجلود)؛ رُقْعة الجلد يأخذها مدبوغةً فيكتب فيها.
كذلك أيضًا: (لِخَاف الحجارة)؛ لِخَاف الحجارة هي عبارة عن حجارة مَلْساء تُشْبه العَظْم يكتبون فيها.
الرابع: (كِسَر الأكتاف)، أيُّ أكتاف؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما هي أكتاف الإنسان.
الطلبة: البعير، الحيوان.
الشيخ: إي، أكتاف الحيوان؛ البعير، الشاة، البقرة، فهذه هي أوراقهم في ذلك الوقت.
طلبة: (رِعْلٌ) أو رِعْلًا.
الشيخ: رِعْل، (حيَّانِ مِن بني سُلَيمٍ: رِعْلٌ وذَكْوانُ).

***

الطالب: المرحلة الثانية: في عَهْد أبي بكرٍ رضي الله عنه في السنة الثانيةَ عشرةَ من الهجرة، وسَبَبُه أنَّه قُتِل في وقْعَةِ اليمامة عددٌ كبيرٌ من القُرَّاء منهم سالمٌ مولَى أبي حذيفة أحدُ مَن أَمَر النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآنِ منهم، فأَمَر أبو بكر رضي الله عنه بِجَمْعِه لئلَّا يضيع؛ ففي صحيح البخاري أنَّ عُمَر بن الخطاب أشار على أبي بكر رضي الله عنهما بجمع القرآن بعْد وقعة اليمامة، فتوقَّف، فلمْ يَزَلْ عُمَر يراجعه حتى شَرَح اللهُ صدرَ أبي بكر لذلك، فأَرْسلَ إلى زيد بن ثابتٍ فأتاه وعنده عُمَر، فقال له أبو بكر: إنك رجلٌ شابٌّ عاقلٌ لا نَتَّهِمُك، وقد كنتَ تكتب الوحيَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبَّع القرآنَ فاجمعْه. قال: فتتبَّعتُ القرآنَ أجمعُهُ مِن العُسُبِ واللِّخافِ وصدورِ الرِّجالِ، فكانتْ الصُّحُفُ عند أبي بكر حتى توفَّاه الله، ثم عند عُمَر حياتَه، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه. رواه البخاري مُطَوَّلًا . وقد وافَقَ المسلمون أبا بكرٍ على ذلك وعَدُّوه مِن حسناته، حتى قال عليٌّ رضي الله عنه: أَعظَمُ الناسِ في المصاحف أجرًا أبو بكر، رحمةُ اللهِ على أبي بكر، هو أوَّلُ مَن جَمَعَ كتابَ الله .
الشيخ: إن هذه المرحلة الثانية على يد أبي بكرٍ الصديقِ بمشورة عُمَر الفاروقِ، لَمَّا قُتِل مِن اليمامة عددٌ كبيرٌ مِن القُرَّاء خافَ الخليفةُ الراشدُ أبو بكر أن يضيع القرآنُ، فأشار عليه عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه أن يجمعه ويكتبه فتوقَّف، لماذا؟ توقَّفَ تَوَرُّعًا؛ لأنَّ هذا لم يكُنْ على عهْد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فخافَ أن يكون إذا جَمَعَهُ تصرَّفَ في كتاب الله بما لم يفعلْه الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن عُمَر ما زال به حتى شَرَحَ اللهُ صدرَ أبي بكرٍ لذلك فجَمَعَهُ، فدَعَوْا هذا الشابَّ زيدَ بن ثابتٍ رضي الله عنه، وجَمَعَهُ من العُسُب واللِّخافِ كما سبق، وصارتْ المصاحف عند أبي بكرٍ حتى توفَّاه الله، ثم عند عمر، ثم عند حفصة.
مَنْ حفصة؟
الطلبة: زوج النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: وعلاقتها بعُمَر؟
الطلبة: ابنته.
الشيخ: ابنته، فهي أمُّ المؤمنين، وبنتُ أمير المؤمنين، وهي ذاتُ ذكاءٍ وفِطْنةٍ، ولذلك لَمَّا وقَّفَ أرضَه في خيبر -أعني عُمَر- جَعَلَ الناظر عليه ابنتَه حفصة، ولم يَجْعل الناظرَ ابنَه عبدَ الله ولا غيرَهُ من أولاده، بلْ جعلَ الناظرَ حفصةَ؛ لأنها ذاتُ دِيانةٍ وأمانةٍ وعقْلٍ وحُسْنِ تصرُّفٍ، فبقيتْ عند حفصةَ حتى تولَّى عثمانُ رضي الله عنه.

***

الطالب: المرحلة الثالثة: في عهْد أمير المؤمنين عثمان بن عفَّانَ رضي الله عنه في السنة الخامسة والعشرين، وسَبَبُه اختلافُ الناسِ في القراءة بحسب اختلاف الصُحُفِ التي في أيدي الصحابة رضي الله عنهم، فخِيفَتِ الفتنة، فأَمَرَ عثمانُ رضي الله عنه أن تُجْمَع هذه الصُّحُفُ في مُصحَفٍ واحدٍ لئلَّا يختلف الناس فيتنازعوا في كتاب الله تعالى ويتفرَّقوا؛ ففي صحيح البخاري أنَّ حذيفة بن اليمان قَدِم على عثمان من فتْحِ إِرْمِينِيَةَ وأَذْرَبِيجانَ وقد أفزعه اختلافهم في القراءة، فقال: يا أمير المؤمنين، أَدْرِكْ هذه الأُمَّةَ قبْل أن يختلفوا في الكتاب اختلافَ اليهودِ والنصارى. فأَرْسلَ عثمان إلى حفصة أنْ أَرْسِلي إلينا بالصُّحُف ننسخها في المصاحف ثم نردُّها إليكِ. ففعلَتْ، فأَمَرَ زيدَ بن ثابت وعبدَ الله بن الزبير وسعيدَ بن العاص وعبدَ الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وكان زيدُ بن ثابتٍ أنصاريًّا والثلاثةُ قُرَشِيِّينَ، وقال عثمان للرَّهْطِ الثلاثةِ القُرَشيِّينَ: إذا اختلفتم أنتم وزيدَ بنَ ثابت في شيءٍ من القرآن فاكتبوه بلسان قُريش؛ فإنما نزل..
الشيخ: الرفع أحسن؛ قال الله تعالى: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ [البقرة: ٣٥].
الطالب: إذا اختلفتم أنتم وزيدُ بنُ ثابت في شيءٍ من القرآن فاكتبوه بلسان قُريش؛ فإنما نَزَل بلسانهم. ففعلوا، حتى إذا نَسَخُوا الصُّحُفَ في المصاحف رَدَّ عثمانُ الصُّحُفَ إلى حفصة، وأَرْسَلَ إلى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصحَفٍ مما نَسَخوا، وأَمَر بما سواه من القرآن في كُلِّ صحيفةٍ أو مصحفٍ أن يُحرَق .
وقد فَعَل عثمانُ رضي الله عنه هذا بعد أن استشار الصحابةَ رضي الله عنهم؛ لما روى ابنُ أبي داود عن عليٍّ رضي الله عنه أنه قال: واللهِ ما فَعَلَ الذي فَعَلَ في المصاحفِ إلا عن مَلَأٍ منَّا. قال: أرى أن نجمع الناسَ على مصحفٍ واحدٍ فلا تكون فُرقةٌ ولا اختلافٌ. قلنا: فنِعْمَ ما رأيتَ .
وقال مصعب بن سعد: أدركْتُ الناسَ متوافرينَ حين حرق عثمانُ المصاحف فأعجبهم ذلك، أو قال: لم يُنكِر ذلك منهم أحدٌ .
وهو مِن حسنات أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه التي وافَقَه المسلمون عليها وكانَتْ مُكمِّلةً لِجمْع خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بكرٍ رضي الله عنه، والفرق بين جَمْعِهِ وجَمْعِ أبي بكرٍ رضي الله عنهما أن الغرض من جَمْعه في عهد أبي بكرٍ رضي الله عنه تقييدُ القرآنِ كلِّه مجموعًا في مصحفٍ حتى لا يضيعَ منه شيءٌ دون أن يَحمِل الناسَ على الاجتماع على مصحفٍ واحدٍ؛ وذلك أنه لم يظهر أثرٌ لاختلاف قراءاتهم يدعو إلى حَمْلهم على الاجتماع على مصحفٍ واحدٍ، وأمَّا الغرض من جَمْعه في عهد عثمان رضي الله عنه فهو تقييدُ القرآنِ كلِّه مجموعًا في مصحفٍ واحدٍ يَحمِل الناسَ على الاجتماع عليه؛ لظهور الأَثَرِ الْمُخيفِ باختلاف القراءات.
وقد ظهرتْ نتائجُ هذا الجمع حيث حَصَلتْ به المصلحةُ العُظْمى للمسلمين من اجتماع الأُمَّة واتِّفاقِ الكَلِمة وحُلول الألفة، واندفعَتْ به مَفْسدةٌ كُبرَى من تَفرُّقِ الأُمَّة واختلافِ الكلمة وفُشُوِّ البغضاء والعداوة، وقد بَقِي على ما كان عليه حتى الآن مُتَّفَقًا عليه بين المسلمين، متواتِرًا بينهم، يَتَلَقَّاهُ الصغيرُ عن الكبير، لم تعبثْ به أيدي المفسدين، ولم تَطْمسه أهواءُ الزائغين، فلله الحمدُ ربِّ السماوات وربِّ الأرض ربِّ العالمين.

الشيخ: هذه الْجَمْعة الثالثة التي أجمعَ المسلمون عليها وبقِيتْ إلى يومنا هذا والحمد لله محفوظةٌ بحفظ الله، وهو أن القُرَّاء في عهْد أبي بكرٍ وفي عهْد عُمَر وفي أوَّلِ خلافة عثمانَ كُلٌّ يقرأ بما سَمِع من النبي عليه الصلاة والسلام، فاختلفوا؛ لأن القرآن نَزَل على سبعة أحرفٍ، فخاف المسلمون من هذا الاختلاف أن يؤدِّي إلى اختلاف القلوب واختلاف الآراء وأن يؤدِّي إلى القتال، فرَأَوْا أن يُجمَع على حرفٍ واحدٍ، فأَمَر عثمانُ بن عفان هؤلاء -زيد بن ثابت ومَن معه- أن يجمعوه على حرفٍ واحدٍ، وإذا اختلفوا فلْيجمعوه على حرفِ مَن؟
الطلبة: قُريش.
الشيخ: قُرَيش؛ يعني: على لُغتها؛ لأن القرآن نَزَل بِلُغتِهم، ففعلوا، وبقي هكذا ولله الحمد مجموعًا على ما جَمَعه عليه أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، وفي هذا دليلٌ على أن تغيير ما كان في عهد النبي عليه الصلاة والسلام لوسائل حِفْظه لا بأسَ به.
يعني لو قال قائل لماذا لَمْ يُترك القرآن على سبعة أحرفٍ وكلٌّ يقرأ بحرفٍ ووسَّعوا على الأُمَّة ولَمْ يَحصُروها في واحدٍ؟
قلنا: مِن أجْل اجتماع الكلمة وعدم التفرُّق، وهذا أعظم من مُراعاةِ التوسعة على بعضهم، وبذلك نعرف أنَّ ما يُنكره بعض الناس اليوم من هذه الخطوط التي تُسَوَّى بها الصفوف ومِن الخطوط التي يُستدَلُّ بها على القِبْلة في المسجد الحرام وما أَشْبَه ذلك؛ نعلم أنَّ هذا بعيدٌ عن الفقه في الدين، لأنَّ هذه الوسائل في عهْد الرسول عليه الصلاة والسلام لم تتوفَّر، مسجد الرسول مفروش بماذا؟
طلبة: الحَصْباء.
الشيخ: بالحَصْباء، فكيف يُمْكن أن يوجد خَطٌّ؟ قالوا: نجعله خيطًا، أيش نجعله خيطًا؟ الخيط أيضًا فيه مَضَرَّة، ما هي؟ أنْ يَعْثُر الناس به؛ كلُّ مَن مشى عليه أو حوْلَه مسك رِجْله، ثم مُراعاة هذا الخيط أيضًا فيه صعوبة.
وهكذا أيضًا ما وُضِع في المسجد الحرام الآن من الخطوط الزرقاء التي يُستدَلُّ بها على الاتجاه الصحيح إلى الكعبة، في عهْد الرسول عليه الصلاة والسلام ما احتاجوا إلى ذلك، كان المسجد الحرام صغيرًا جدًّا، ولا يُنسب إلى هذا، وكان الناس أيضًا أشدَّ دِينًا وأقوى وَرَعًا مِن الناس اليوم، الناسُ اليومَ يأتي الإنسانُ ويُكبِّر على الجهة حتى وإنْ كانتْ الكعبة على يمينه أو يساره، لا يتحَرَّوْنَ لدِينهم، لكنْ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يتَحَرَّوْنَ، وقد قال العلماء رحمهم الله: إن الإنسان يدخل إذا قدِم مكَّة معتمرًا أو حاجًّا يدخل مِن باب بني شَيْبة؛ يعني البابَ الذي يُسَمَّى باب بني شَيْبة، وباب بني شيبة أتدرون أين موضعه؟
طالب: الصَّحْن.
الشيخ: الصَّحْن، صَحْن المطاف، أنا أدْرَكتُه قريبًا مِن مقام إبراهيم، يعني بينه وبين مقام إبراهيم مِثل ما بيني الآن والعمود هذا الذي عن يساري، هذا يدلُّ على أنَّ المسجد كان؟
الطلبة: صغيرًا.
الشيخ: كان صغيرًا جدًّا، ومِثل هذا لا يَحصُل فيه الاختلاف، لكن الآن اتَّسعَ المسجد اتِّساعًا باهرًا، وضعُفَ الوَرَع في كثيرٍ من الناس، فكان وضْع هذه الخطوط مِن أَحْسنِ ما يكون.
فالوسائل يجب أن يعرف الإنسانُ أنها ليستْ غايات، فنحن مثلًا لن نتعبَّد لله تعالى بوضْع هذه الخطوط الصُفْر مثلًا في المسجد، أو وضْع الخطوط الزرقاء التي تدلُّ على الاتجاه الصحيح بالمسجد الحرام، لم نتعبَّد بها لِذاتها، ولكنَّنا اتخذناها وسيلةً، كما جَمَع الصحابةُ رضي الله عنهم القرآنَ على حرفٍ واحدٍ، مع أنه في عهْد الرسول عليه الصلاة والسلام على أحرفٍ سبعة، وكذلك أُلِّفَتْ الكُتُب وبُوِّبتْ المعاني والموضوعات ..