شرح أصول في التفسير (الشرح الأول) - 4
عدد الزيارات 3203

عناصر المادة :
التفسير
الواجب على المسلم في تفسير القرآن
المرجع في تفسير القرآن
الاختلاف الوارد في التفسير المأثور
ترجمة القرآن

لو قال لك قائل: مكبر الصوت الآن بدعة لا يجوز؛ لأنه ليس بعهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ماذا تقول؟
طلبة: ليس ببدعة، خطأ.
الشيخ: بس، خطأ ما يكفي، إذا قال: خطأ، قال: أنت المخطئ، هذا بدعة.
طالب: نقول: (...) وسيلة.
الشيخ: نعم، نقول: وسيلة، صحيح، والدليل على أن رفع الصوت مقصود -لكن في عهد الرسول ما في وسائل- أنه في غزوة حنين أمر العباس بن عبد المطلب أن ينادي في الناس؛ لأنه كان جهوري الصوت، يقول: يا أهل البقرة، يا أهل السمرة، يا أصحاب سورة البقرة، هلموا؛ ارجعوا؛ لأن الناس فروا ولم يبق من اثني عشر ألفًا مع الرسول إلا نحو ثمانين رجلًا، كلهم فروا، حتى أنزل الله سكينته عليهم ورجعوا .
الحاصل أن الوسائل ليست غايات، واضح يا جماعة؟
ثم نقول مثلًا: في مسألة خطوط الصفوف هذه في عهد الصحابة إذا قال الرسول: «اسْتَوُوا» .
طلبة: استووا.
الشيخ: استووا، حتى إن الواحد يلصق كعبه بكعب أخيه، ومنكبه بمنكبه.
لكن الآن إذا قلت: استووا، ينظر المأمومين إليك أنت، كأنك تقول: استووا في النظر إليَّ، هذا خطأ، إذا قيل: استووا، معناه: أنك تنظر إلى صاحبك وجارك هل أنت مساوٍ له أو لا؟
وهذه قاعدة ينبغي لنا أن نفهمها حتى لا نقع في خطأ، وحتى لا نجعل كل شيء بدعة، فنفرق بين الغايات وبين أيش؟
الطلبة: الوسائل.
الشيخ: وبين الوسائل، لكن إذا كانت الوسيلة محرمة، فمن المعلوم أننا لا نتخذها ولا يجوز، عرفتم؟
مثال ذلك: لو قال قائل: الدعوة إلى الله عز وجل وإلى الخير وسائلها كثيرة، لكن عندي أناس لا يتجهون إليَّ إلا إذا ضربت الموسيقى والعود والكمنجة والكمان، وجبت آلات اللهو التي يطربون لها، حينئذٍ يلتفون حولي، فهل أفعل ذلك؟
طلبة: لا.
الشيخ: واللهِ الجواب ضعيف يعني.
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، يلا تقولون: لا، وكلا؛ لأن الوسائل المحرمة لا تجوز، ولا يمكن أن تكون الوسيلة المحرمة نتيجتها خير أبدًا، أما الوسائل المباحة فإنها إذا أدت إلى الغرض المقصود شرعًا، فالأصل أنها مطلوبة، وهذه قاعدة ينبغي لنا أن نفهمها.
انظر إلى الصحابة رضي الله عنهم؛ حاصروا الناس على مصحف واحد وعلى حرف واحد، وهو لغة قريش، بينما كان الناس الأول كل يقرأ على لغته بدون أن يكون هناك حصر، لكن لما كان يخشى من هذا الخلاف أجمع الصحابة على ذلك.
طالب: جاوبت السؤال؟
الشيخ: لا، ما جاوبت السؤال.
طالب: الإجابة.
الشيخ: ما سمعته؟ سمعتم حجتنا.
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ الآن نقول..
الشيخ: كملنا الموضوع الآن ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: إلا اللي كملناه.
طالب: نقول: الآن في عصرنا هذا صارت القراءات اقتسم أهل المشرق والمغرب، قراءة القرآن، أهل المغرب يقرؤون بقراءة بهم في حرف واحد، وأهل المشرق يقرؤون بقراءة؛ يعني: لو قرأ أحد من أهل المغرب عند أهل المشرق يفتتنون به؟
الشيخ: نعم، نقول: نمنع هذا الشيء، ونقول: أنت يا صاحب المغرب، لا تقرأ بقراءتك إلا في مكانك، وكذلك صاحب المشرق، لكن اعلموا أن هذه القراءات السبع على حرف واحد؛ على حرف قريش، ما هي على سبعة أحرف.
فمن قال: إن القراءات السبع هي سبعة أحرف فقد أبعد النجعة؛ لأنها على حرف واحد، لكن اختلف القراء فيها حسب الرواية وحسب الكتابة، والكتابة -كتابة القرآن فيما سبق- ليست مشكلة ولا منقطة.
طالب: غفر الله لكم، شيخ، هذه كانت أذهان الناس قديمًا قوية ثاقبة، كانت تحفظ الكلمة أول ما تسمعها، والكلام الآن تبلد الناس؛ ويعني: وضاع حفظهم، ما تنصحون الطلاب على من الأمور المحسوسة في لتثبيت الحفظ والذاكرة؟
الشيخ: إي، يعني أكلفكم تحفظون، الآن، أنت أول من أكلف.
الطالب: الأسباب المعينة على الحفظ؟
الشيخ: لا، هو الآن نطالبه بحفظ أصول التفسير، وكذلك عمدة الأحكام.
طالب: والبرهانية.
الشيخ: والبرهانية، ثلاثة.
طالب: شيخ، أنا أعرف واحدًا من الطلاب تعرفت عليه، هذا يشدد ويغلظ علي، يقول: أنت لا تشتت نظرك إلى أي مكان، انظر قدامك، وإذا لم تحتج النظر أغلق عينيك، ويقول: هذا وهو (...) يحفظون، ولكن يتغافل ما معروف، هل الكلام صح هذا؟
الشيخ: كيف يعني؟
الطالب: يقول: لا تنظر لأي مكان، خلِّ نظرك قدامك، لا تشتت نظرك.
الشيخ: إلى من؟ تنظر إلى من قدامك؟
الطالب: هذا يعني يضيع الحفظ.
الشيخ: حال الحفظ يعني؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ربما، هذا صحيح؛ لأن القلب يتبع العين.
طالب: (...) يا شيخ، بعضهم يقول مثلًا: إن (...) قيام المقتضى في عهد الرسول مع وجود الدافع، وفي ذلك تفريق الناس (...) مع السنة، ولا (...) مثلًا هنا يقولون: هذه بدعة.
الشيخ: يقال في هذه: ما هي موجودة في عهد الرسول، المقتضى في عهد الرسول غير موجود، بالنسبة للخطوط.
أما بالنسبة للمحراب؛ فإن المحراب ليس من السنة لكنه مباح؛ يعني لا نقول: نأمر الناس بالمحراب، ولا ننهاهم عنه، نقول: هو من الأمور الجائزة؛ لما فيه من العلامة والاهتداء إلى موضع القبلة، ألم تعلم أن بعض الناس في هذا المكان دخل ثم صلى إلى مكاننا هذا؟ وألم تعلم أن الفرش كانت تفرش في المساجد هنا بفرش فيها محاريب، فجاء الفرَّاش وفرش المحاريب وجوهها خلف القبلة، فدخل الناس وصاروا يصلون والقبلة وراءهم، شاهدنا هذا في الرياض، هذه المحاريب لا نقول: إنها سنة، لكنها مباحة، ولا نقول: إنها مكروهة، وأنت الآن لو فرضنا أنك دخلت المسجد ولَّا في محراب ولَّا في هذه الخطوط المعلمة على محل الصفوف، إلى أي شيء تتجه؟
طالب: علامته المنبر يا شيخ.
الشيخ: المنبر، وهل كل مسجد فيه منبر؟ المنبر للجمعة فقط، لما فيه الجمعة.
طالب: شيخ قولك: إن عثمان رضي الله عنه جمع القرآن على لغة قريش فقط، هل يعارضه وجود بعض الآيات الكريمة في القرآن بغير قريش؟
الشيخ: هذه التي بغير لغة قريش لا يعارض ما فعله عثمان؛ إما أن يقال: الحكم على الأغلب، وإما أن يقال: إن هذه الكلمات أصلها غير عربي، لغة قريش، ولكن قريشًا تكلموا بها.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، حكوا الإجماع على أن (...)؟
الشيخ: ما هو بصحيح، ولا أجمعوا عليه.
طالب: (...)؟
الشيخ: ما هو بصحيح، من أبطل السنة فهو أشد من البدعة؛ يعني اللي يبطل السنة ويقول: هذا غير مشروع، يقول: ليس محل اجتهاد، خطأ.

***

التفسير
00:09:53

الطالب:
قال شيخنا حفظه الله تعالى في كتابه أصول في التفسير: التفسير: لغة من الفسر.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
سبق لنا أن القرآن جمع مرتين: المرة الأولى على عهد من؟
طالب: (...).
الشيخ: سببه؟
الطالب: (...) في غزوة اليمامة قتل كثير من..
الشيخ: لما استحرَّ القتل في وقعة اليمامة في القراء أمر أبو بكر بجمعه ، والمرة الثانية؟
طالب: في عهد عثمان رضي الله عنه.
الشيخ: في عهد عثمان رضي الله عنه، سببه؟
طالب: خوفه من حصول الفتنة بين المسلمين للاختلاف..
الشيخ: لاختلاف القراءات، يؤخذ من فعل عثمان رضي الله عنه وغيره من الخلفاء: أن الشيء وإن كان مشروعًا إذا كان يخشى منه فتنة، فإن الأولى تركه، بل قد يجب تركه إذا كانت الفتنة كبيرة، وهذه مسألة قلما يتفطن لها، بعض الناس يقول: سأفعل السنة ولو حصل ما حصل ولو بسفك الدماء، وهذا غلط عظيم؛ لأن أصل الشريعة مبنية على أيش؟
طالب: جلب المصالح.
الشيخ: على جلب المصالح وتحصيلها، ودرء المفاسد وتقليلها، فإذا كان يترتب على إبقاء القرآن كما هو عليه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وعهد أبي بكر وعمر خلاف المسلمين وتنازعهم في كتاب الله، فهذه مفسدة عظيمة، ندع الأول وإن كان فيه تيسير على الناس؛ حيث إنه على سبعة أحرف، فإننا ندع الأول ونأخذ بالثاني، وهذه قاعدة أود منكم يا طلبة العلم أن تكون لكم على بال، وألَّا تهملوا وتغفلوا هذه القاعدة العظيمة، ترك النبي عليه الصلاة والسلام بناء الكعبة على قواعد إبراهيم خوفًا؟
طالب: من الفتنة.
الشيخ: خوفًا من الفتنة، وكذلك أيضًا عثمان رضي الله عنه ترك إبقاء القراءات على ما هي عليه في عهد الرسول وأبي بكر وعمر، كله اتقاء الفتنة؛ لأن جمع كلمة المسلمين أمر مهم.

***

الطالب: التفسير لغة من: الفسر، وهو الكشف عن المغطى، وفي الاصطلاح: بيان معاني القرآن الكريم.
وتعلم التفسير واجب؛ لقوله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص: ٢٩]، ولقوله تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: ٢٤].
وجه الدلالة من الآية الأولى: أن الله تعالى بيَّن أن الحكمة من إنزال هذا القرآن المبارك أن يتدبر الناس آياته ويتعظوا بما فيها، والتدبر هو: التأمل في الألفاظ للوصول إلى معانيها، فإذا لم يكن ذلك فاتت الحكمة من إنزال القرآن، وصار مجرد ألفاظ لا تأثير لها؛ ولأنه لا يمكن الاتعاظ بما في القرآن بدون فهم معانيه.
ووجه الدَّلالة من الآية الثانية: أن الله تعالى وبَّخ أولئك الذين لا يتدبرون القرآن، وأشار إلى أن ذلك من الإقفال على قلوبهم وعدم وصول الخير إليها.

الشيخ: أعوذ بالله، بسم الله الرحمن الرحيم.
التفسير لغة من: الفسر، وهو الكشف عن المغطى، ومنه: فسر القشر -قشرة الثمرة- عن الثمرة حتى يتبين ما بداخل القشر.
في الاصطلاح: بيان معاني القرآن الكريم، وبيان معاني غيره يسمى تفسيرًا في الواقع، ويصح أن نسميه تفسيرًا، لكن في العرف يسمون ما سوى القرآن شرحًا؛ ولهذا قلَّ أن تجد من يقول: شرح الآية الكريمة، بل يقول: تفسير، أو يقول: تفسير الحديث، بل يقول: شرح، وهذه مسألة عرفية، وإلا فمعنى (تفسير) و(شرح) واحد: بيان معاني القرآن الكريم.
وتعلم التفسير واجب يأثم الإنسان بتركه، لكن هل هو واجب عيني أو واجب كفائي؟
نقول: أما ما لا يسوغ جهله فهو واجب أيش؟ عيني. يجب على كل إنسان أن يعرف ما أمر به في القرآن الكريم.
مثلًا: أقيموا الصلاة؛ يجب أن يعرف كيف إقامة الصلاة، آتوا الزكاة؛ يجب أن يعرف إذا كان عنده مال، حج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا؛ يجب أن يعرف كيف يحج إذا كان مستطيعًا، وهلم جرًّا.
وما زاد عن ذلك فإنه فرض كفاية، ولا يمكن للمسلمين أن يدَعو كتاب ربهم بدون فهم لمعانيه.
إذن واجب يشمل أيش؟
الطلبة: العيني.
الشيخ: الواجب العيني، والواجب الكفائي؛ لقول الله تبارك وتعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِوصف الله هذا القرآن بأنه مُبَارَكٌمبارك من كل ناحية؛ من جهة تلاوته والتعبد به، ومن جهة صلاح القلب وصلاح العمل، وكان خلق النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، وهو أكمل الناس خلقًا عليه الصلاة والسلام.
لِيَدَّبَّرُوااللام هنا للتعليل، وهو بيان الحكمة من إنزاله.
لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِيتعظ، أُولُو الْأَلْبَابِيعني: أولو العقول؛ لأن العقل هو اللب، فرجل بلا عقل ليس برجل في الواقع؛ ولقوله تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، والهمزة هنا للاستفهام الذي يراد به التوبيخ، أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(أم) هنا هل هي متصلة أو منقطعة؟
طالب: منقطعة.
الشيخ: الضابط إذا كانت (أم) بمعنى (بل) و(الهمزة)، فهي منقطعة، وإذا كانت بمعنى (أو) فهي متصلة، فإذا قلت: أجاء زيد أم عمرو، فهي؟
الطلبة: متصلة.
الشيخ: متصلة، وفي هذه الآية: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَاأي: بل، أعلى قلوب أقفالها؟ والجواب: الثاني ولَّا الأول؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ قلوبهم مقفلة عن تدبر القرآن.
وجه الدلالة من الآية الأولى: أن الله تعالى بيَّن أن الحكمة من الإنزال هذا القرآن المبارك أن يتدبر الناس آياته ويتعظوا بما فيها، هذه الحكمة، وليست الحكمة أن يتبركوا به أو أن يتلوه تلاوة مجردة، هذه لا شك أنها منفعة ومصلحة ورحمة بالخلق، لكن المهم أن يتدبروه، ما معناه؟ ماذا أراد الله به؟ ثم يتعظوا.
أرأيت لو إنسان أعطاك كتاب طب مثلًا، قال: خذ هذا الكتاب، هل يمكن أن تنتفع بما فيه من الإرشادات الطبية إلا بعد أن تدبره وتفهمه، نعم ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا يمكن، إذن القرآن الكريم لا يمكن أن ينتفع به الإنسان تمام الانتفاع إلا بالتدبر، حتى يتدبر ماذا أراد ربنا بهذا؟ ثم بعد ذلك يتعظ.
يقول: إن الله بيَّن أن الحكمة من إنزال هذا القرآن المبارك أن يتدبر الناس آياته ويتعظوا بما فيها.
والتدبر هو التأمل في الألفاظ للوصول إلى معانيها، هذا التدبر؛ أنك تتأمل، وسمي تدبرًا؛ لأن الإنسان يجول من هنا ومن هنا حتى يصل إلى أيش؟ المعنى المراد، فهو تدبر، يجول في معاني اللفظ حتى يصل إلى المراد.
فإذا لم يكن ذلك -يعني: التدبر- فاتت الحكمة من إنزال القرآن، وصار مجرد ألفاظ لا تأثير لها، وهذا واضح؛ أن الله لم يكن لينزل قرآنًا يقول للناس: اقرؤوا ألفاظه دون أن تفهموا معانيه، أبدًا، ولأنه لا يمكن الاتعاظ بما في القرآن بدون فهم معانيه، هذا صحيح؟
الطلبة: (...).
الشيخ: هل يمكن أن تتعظ بالقرآن وتعمل بما أراد الله منه إلا أن تفهم معانيه؟ لا يمكن؛ لذلك تبين وجه الدلالة من وجوب التدبر من قوله تعالى: لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ.
ووجه الدلالة من الآية الثانية: أن الله وبخ أولئك الذين لا يتدبرون القرآن، وبَّخ كيف؟
الطلبة: (...).
الشيخ: لأن الهمزة أيش؟
الطلبة: (...).
الشيخ: للاستفهام المراد به التوبيخ، وأشار إلى أن ذلك من الإقفال على قلوبهم وعدم وصول الخير إليهم.
وكان سلف الأمة على تلك الطريقة الواجبة يتعلمون القرآن ألفاظه ومعانيه؛ لأنهم بذلك يتمكنون من العمل بالقرآن على مراد الله به، فإن العمل بما لا يعرف معناه غير ممكن.
ودليل هذا؛ أن طريقة السلف على ذلك: ما قاله أبو عبد الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان رضي الله عنه، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما رضي الله عنهم: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات، لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا .
هذا الأثر على ما فيه من خلاف في صحته نقول: إنه يدل على أن عادة السلف أنهم إذا تعلموا عشر آيات أيش؟
الطلبة: (...).
الشيخ: تعلموا معناها، ثم عملوا بها، وهكذا ينبغي لنا نحن أن نتعلم المعنى ثم نعمل، حتى يكون القرآن نزل مباركًا يتدبر الناس آياته ويتذكرون به.
قال شيخ الإسلام رحمه الله ابن تيمية: والعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم كالطب والحساب ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله تعالى الذي هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم؟!
هذا مثال من شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: العادة أن الإنسان إذا قرأ كتابًا في فن الفنون، هل يقرؤه قراءة مجردة لفظية؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ولو فعل لم ينتفع به، بل لا بد أن يستشرحه؛ أي: يطلب من يشرحه له، فيطلب من المعلم أن يعلمه المعنى، ويطلب من التلميذ الذي فوقه أن يعلمه، وهلم جرًّا.
(ويجب على أهل العلم أن يبينوه للناس عن طريق الكتابة أو المشافهة؛ لقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: ١٨٧]، وتبيين الكتاب للناس شامل لتبيين ألفاظه ومعانيه، فيكون تفسير القرآن مما أخذ الله العهد على أهل العلم ببيانه؛ لأنه قال: لَتُبَيِّنُنَّهُ).
فإذا قال قائل: هل يجب على أهل العلم أن يبينوا للناس معنى القرآن سواء سئلوه أم لا؟
نقول: يجب إذا سأله الناس بلسان الحال أو بلسان المقال، فمثلًا: إذا سمع الإنسان أن الناس يفسرون بعض الآيات على غير ما أراد الله، فالواجب عليه أن يبين المعنى الذي أراد الله؛ لأن العوام أحيانًا يفسرون الآيات بغير ما أراد الله، بل أحيانًا يصنعون آيات من عندهم؛ تجده مثلًا يقول: صدق الله العظيم (وجعلنا لكل شيء سببًا)، من أين الآية هذه؟ ما فيه، ما في القرآن هكذا، لكن هم يعلمون أن الأشياء بأسبابها، ويمكن مرَّ عليهم في أذهانهم في تلك الساعة وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا [الكهف: ٨٤]، فحولوها إلى أن قالوا: وجعلنا لكل شيء سببًا.
فالمهم إذا رأى الإنسان أنه لا بد أن يبين معنى القرآن بلسان الحال أو بلسان المقال وجب عليه البيان، وينبغي أن يجعل للعامة مجلسًا لتفسير القرآن، وكان شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله يفعل ذلك، كان بين العشاءين يفسر القرآن من أوله إلى آخره، لكنها قراءة عامة، يكون في المحراب، ويقرأ عليه أحد الطلاب ويشرح الآيات فيبينه، ويحضر العامة فيفهمون، وهذا طيب، لو جعل طالب العلم مثلًا في مسجده الخاص درسًا في تفسير القرآن لانْتَفَع ونَفَع.
قال: (والغرض من تعلم التفسير هو الوصول للغايات الحميدة والثمرات الجليلة).
هذا الغرض من علم التفسير الوصول إلى الغايات الحميدة والثمرات الجليلة، وهي التصديق بأخباره، أخبار أيش؟
الطلبة: أخبار القرآن.
الشيخ: أخبار القرآن والانتفاع بها، وتطبيق أحكامه على الوجه الذي أراد الله؛ ليعبد الله بها على بصيرة، وهذا غرض سامٍ يتحقق به قول الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦]. وخلاصة هذا الباب: أن تفسير القرآن هو بيان معناه، وأن تعلم التفسير أيش؟
طالب: واجب.
الشيخ: واجب، وأن الوجوب عيني.
طلبة: وكفائي.
الشيخ: وكفائي.
وأن عادة السلف في القرآن: أنهم إذا تعلموا عشر آيات أو نحوها تعلموا معانيها وعملوا بها، وأنه ينبغي لخلف الأمة أن يتبعوا أثر سلفهم؛ لأنه هو الخير.
الواجب على المسلم في تفسير القرآن
00:28:40

ثم قال: (الواجب على المسلم في تفسير القرآن).
يعني: متى قلنا: إن تفسير القرآن واجب، فكيف الطريق إلى ذلك؟ وهذا أيضًا بحث مهم جدًّا.
هل نفسر القرآن بآرائنا؟ لا، «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ، فما هو الواجب؟
الواجب على المسلم في تفسير القرآن أن يُشعِر نفسه حين يفسر القرآن بأنه مترجم عن الله، شاهد عليه بما أراد من كلامه، وهذه مسؤولية عظيمة، أنت أيها المفسر لكلام الله، أنت بمنزلة المترجم، وهو نقل الكلام من لغة إلى أخرى؛ لأنك تقول للناس: أراد الله كذا وكذا، فاحذر أن تكذب أن تقول أراد الله كذا وهو لم يرده، فتكون كاذبًا على الله عز وجل.
أيضًا يقول: شاهد عليه بما أراد من كلامه؛ لأنك إذا فسرت كلام الله فقد شهدت على ربك بأنه أراد كذا وكذا.
مثال ذلك: ذهب بعض المتأخرين إلى أن قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً [النمل: ٨٨] أن المراد بها في الدنيا، وأن هذا إشارة إلى أن الأرض تدور، نقول: أنت الآن مترجم، هل الترجمة مطابقة للمترجم؟ الجواب: يجب أن تكون مطابقة، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: ثانيًا: أنت الآن تشهد على الله بأنه أراد هذا المعنى الذي ذكرت؛ أراد أن الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ [النمل: ٨٨] في الدنيا، وأنه كناية عن دوران الأرض، تشهد على الله بهذا؟ وسوف يسأل الإنسان عن هذه الشهادة.
كذلك لما ظهرت الأقمار الصناعية فيما سبق، وظهر الوصول إلى الفضاء الخارجي تحذلق بعض الناس وقال: هذا موجود في القرآن؛ الناس سيخرجون إلى الغلاف الخارجي، وأين الدليل؟
قال: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا [الرحمن: ٣٣]، وهؤلاء الذين خرجوا عن الغلاف الجوي؛ نفذوا من أقطار السماوات والأرض، فالآية تدل على أنه سيكون أناس يخرجون على هذه السفن الفضائية وينفذون من أقطار السماوات والأرض.
من قال هذا؟ تشهد أن الله أراد ذلك؟ سيقول -إذا كان مفسرًّا حقيقة- أيش؟ أشهد أن الله أراد ذلك، وهذا لا شك أنه تحريف، نقول: أولًا بدأ الله بالسماوات قبل الأرض، فهل نفذ هؤلاء من أقطار السماوات؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، حتى هم يقولون: ما نفذنا من أقطار السماوات، ولا قربنا من الشمس، لو قربنا من الشمس لذُبنا على السطح.
فعلى كل حال أقول: إن المفسر يجب أن يشعر هذا الشعور؛ الأول أنه أيش؟
طلبة: مترجم.
الشيخ: مترجم عن الله. والثاني أنه؟
طلبة: شاهد.
الشيخ: شاهد على الله بأنه أراد كذا، وبهذا نعرف عظم التفسير، وعظم القول به.
إذن لا بد من الشعور عند تفسير القرآن بهذين الأمرين: أنه مترجم عن الله، وشاهد على الله بما أراد من كلامه، فيكون مُعظِّمًا لهذه الشهادة، خائفًا من أن يقول على الله بلا علم، فيقع فيما حرم الله، فيخزى بذلك يوم القيامة.
قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: ٣٣]، وقال تعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر: ٦٠]، والذي يفسر القرآن بغير ما أراد الله كاذب على الله بلا شك، فتكون وجوههم ممن قال الله فيهم: وُجُوهُهُمْ؟
طلبة: مُسْوَدَّةٌ.
الشيخ: مُسْوَدَّةٌ.
فإن قال قائل: وهل يجوز لي أن أفسره بما تقتضيه اللغة؛ لأنه بلسان عربي؟
قلنا: إذا كنت تعلم ذلك فلا بأس، أما إذا كنت لا تعلم فاتركه لغيرك لمن يعلم.
المرجع في تفسير القرآن
00:33:53

ثم إذا أردنا أن نرجع إلى تفسير الآية فممن نأخذ التفسير؟
يقول: نرجع أولًا إلى كلام الله عز وجل، فيفسر القرآن بالقرآن، وهذا هو أعلى مراتب التفسير: أن يفسر القرآن بالقرآن؛ لأن الله تعالى هو الذي أنزله، وهو أعلم بما أراد به، ولذلك أمثلة.
المثال الأول: قوله تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: ٦٢]، فمن أولياء الله؟
طالب: الذين آمنوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ.
الشيخ: فسرها الله بقوله: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، فقد فسر أولياء الله بقوله في الآية التي تليها: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ.
إذن لا أحسن من هذا التفسير، لو أراد أحد أن يفسر أولياء الله بغير ذلك، أيش؟ لرددناه عليه؛ لأن الذي أنزل القرآن قال هم: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، وقد أخذ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله من هذه عبارة لطيفة فقال: من كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا، وهذا من القرآن لا شك، لكنها إذا أردت أنها قاعدة: من كان مؤمنًا تقيًّا، كمل؟
طالب: كان لله وليًّا.
الشيخ: من كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا، مأخوذ من الآية.
ثانيًا: المثال الثاني قوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ [الطارق: ٢]، فقد فسَّر الطارق بقوله في الآية الثانية: النَّجْمُ الثَّاقِبُ.
لو سألنا: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِوأيش الطارق؟ الطارق: المسافر يطرق ليلًا، الجواب؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا شك أن الطارق معناه: الذي يطرق ليلًا، لكن هنا لا، فسرها بقوله: النَّجْمُ الثَّاقِبُ.
المثال الثالث: قوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [النازعات: ٣٠] أيش معنى دَحَاهَا؟ فقد فسَّر دَحَاهَابقوله في الآيتين بعدها: أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا [النازعات: ٣١، ٣٢].
إذن إذا وجدنا تفسير القرآن بالقرآن فإننا لا نعدل به شيئًا، لماذا؟
طلبة: لأن الله فسَّره.
الشيخ: لأن الله هو الذي فسره، وهو الذي أنزله، وهو أعلم بما أراد.
الثاني: كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي نرجع في تفسير القرآن إلى كلام الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام أعلم الخلق بكلام الله، ولا منازعة في ذلك، فنرجع، فيفسر القرآن بالسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مبلِّغ عن الله تعالى، فهو أعلم بمراد الله تعالى بكلامه، ولذلك أمثلة.
منها: قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]، ما هي الزيادة؟
طلبة: (...).
الشيخ: الزيادة: شيء زائد، لكن ما هذا الزائد؟
فسَّرها النبي صلى الله عليه وسلم بالنظر إلى وجه الله تعالى، فيما رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم صريحًا من حديث أبي موسى، وأبي بن كعب، ورواه ابن جرير من حديث كعب بن عجرة ، وفي صحيح مسلم عن صهيب بن سنان، عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث قال فيه: «فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ»، ثم تلا هذه الآية: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ. وعلى هذا فيكون ما في صحيح مسلم مؤيدًا لما رواه ابن جرير وغيره، فالزيادة إذن هي: النظر إلى وجه الله سبحانه، من فسَّرها؟
طلبة: الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: الرسول صلى الله عليه وسلم.
المثال الثاني: قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠]، (القوة) هذه مجملة فسرها النبي صلى الله عليه وسلم القوة بالرمي، رواه مسلم وغيره من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه فقال: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» ؛ ولهذا كان الرمي أبلغ من الملاقاة باليد؛ لأن الرامي يكون في الغالب سالِمًا؛ إذ هو يرسل السهم على عدوه، فالقوة هي الرمي.
ومن ثَم أجاز الشرع المسابقة بالرمي بعوض؛ لما في ذلك من تعلم الرمي والاستعانة به على الجهاد في سبيل الله.
إذن نفسر القرآن أولًا؟
طالب: بالقرآن يا شيخ.
الشيخ: ثم؟
الطالب: بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: ثم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
ثالثًا: كلام الصحابة رضي الله عنهم، لا سيما ذوي العلم منهم والعناية بالتفسير، انتبه، الصحابة، لكننا أضفنا إليها كلمة (لا سيما ذوي العلم والعناية بالتفسير)؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم -كما تعلمون- منهم قليل العلم، ومنهم متوسط، ومنهم من فضل أقرانه، ومنهم من اعتنى بالفقه، ومنهم من اعتنى بالتفسير، يختلفون، لكن ذوي العلم المعتنين بالتفسير هم أعلم الناس بتفسير كلام الله عز وجل، فيرجع إليهم؛ لأن القرآن نزل بلغتهم وفي عصرهم، ولأنهم بعد الأنبياء أصدق الناس في طلب الحق، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أصدق الناس في طلب الحق الصحابة بعد الأنبياء؛ لأن من بعدهم قد يكون يبحث عما يؤيد قوله، لا ما يؤيد الحق، وهذا كثير في أهل الأهواء وأهل البدع؛ تجدهم يتَّبعون المتشابه ليضلوا الناس بغير علم.
ولأنهم أطهرهم من المخالفات التي تحول بين المرء وبين التوفيق للصواب، وأسلمهم من الأهواء، ذكر ثلاث علل:
العلة الأولى: أن الصحابة أصدق الناس في طلب الحق، وهذا بلا منازع، ونشهد الله تعالى على ذلك؛ أن أصدق الناس في طلب الحق هم؟
طلبة: الصحابة.
الشيخ: الصحابة.
ثانيًا: أسلمهم من الأهواء؛ فإنه بعد الصحابة انتشرت الأمة وافترقت وكثرت الأهواء، أما في عهد الصحابة فهذا قليل إن لم نقل معدوم.
الثالث: أطهرهم من المخالفات التي تحول بين المرء وبين التوفيق للصواب، مخالفات من؟ مخالفات أمر الله عز وجل؛ لأن مخالفات أمر الله ومعصيته تحول بين المرء وبين التوفيق للصواب، وكم حُرِم الإنسان من الوصول إلى الصواب بمعصية فعلها، كم حُرِم من النصر بمعصية فعلها، المعاصي تحول بين الإنسان وبين التوفيق، أعاذنا الله وإياكم من شرورها، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
واستمع إلى قول الله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧]، منطوق الآية: أن من اهتدى بما أنزل الله زاده الله هدًى، مفهومها أيش؟ من لم يهتد لم يزده الله، بل ينقصه.
واستمع إلى ذلك في قوله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً [المائدة: ١٣] لا تلين للحق، يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ.
فأطهر الناس من المخالفات التي تحول بين المرء وبين التوفيق للصواب من هم؟
طلبة: الصحابة.
الشيخ: إذن لا شك أنهم أعلم الخلق بتفسير كلام الله بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا سيما فيما يتعلق بالأحكام، أما ما يتعلق بالعلوم الفلكية أو الأرضية فقد يكون من بعدهم عنده علم كثير؛ لأنهم أوتوا من وسائل الوصول إلى هذه المعلومات ما لم يُؤتَ الصحابة رضي الله عنهم، لكن مسائل ما يتعلق بفقه الدين والعقيدة لا شك أن الصحابة هم أعلم الخلق، أفهمتم يا جماعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ولذلك أمثلة كثيرة جدًّا.
منها: قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء: ٤٣]، فقد صح عن ابن عباس رضي الله عنه –والصواب: عنهما- أنه فسَّر الملامسة بالجماع.
هذه الآية لما ذكر الله تعالى وجوب الطهارة بالماء قال: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَىيعني: فلا تستطيعون الطهارة بالماء، أَوْ عَلَى سَفَرٍفليس عندكم ماء، أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ(أو) هنا بمعنى (الواو)؛ يعني: وجاء أحد منكم من الغائط، أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ.
فإن قال قائل: وهل (أو) تأتي بمعنى (الواو)؟ قلنا: نعم، تأتي بمعنى (الواو)، واقرأ الحديث حديث ابن مسعود رضي الله عنه: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ؛ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَك» .
قوله: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ؛ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ»، (أو) هنا بمعنى؟
طلبة: (الواو).
الشيخ: (الواو) ولا بد؛ لأن «أَوْ أَنْزَلْتَهُ» ليست قسيمة لما سمَّى به نفسه، بل هو ما سمَّى به نفسه، وعلى هذا فتكون (أو) بمعنى؟
طلبة: (الواو).
الشيخ: (الواو)؛ سميت به نفسك وأنزلته في كتابك، «أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَك».
إذن قوله: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِمعناها؟
طالب: الواو.
الشيخ: الواو؛ يعني: وجاء أحد منكم من الغائط، وهذا إشارة إلى مُوجِب؟
طالب: مُوجِب الوضوء.
الشيخ: مُوجِب الوضوء، أحسنت.
أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ(أو) هذه للتقسيم، فتكون إشارة إلى موجب؟
طالب: الغسل.
الشيخ: الغسل، واضح؟ ومن أجل هذا الفهم الدقيق قال ابن عباس: لَامَسْتُمُ النِّسَاءَجامعتموهن .
وليس المراد اللمس باليد؛ لأنه لو كان المراد اللمس باليد لصارت الآية مكررة لموجبين، ومغفلة لموجب آخر، وهذا خلاف البلاغة.
الكلام معلوم ولَّا لغة أخرى؟
طلبة: (...).
الشيخ: نعيد، أقول: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِقلنا: (أو) بمعنى (الواو)، وجَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِإشارة إلى موجب أيش؟ الوضوء.
أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ(أو) للتقسيم، لَامَسْتُمُ النِّسَاءَإشارة إلى موجب؟
طلبة: الغسل.
الشيخ: الغسل، وهو الجماع، واضح؟
لو قلنا: لَامَسْتُمُ النِّسَاءَأي: لامستموهن بأيديكم، وأنه يدل على أن لمس المرأة يوجب الوضوء، لنقصنا دلالة الآية؛ حيث كانت على هذا التقدير ذكرت أيش؟
طالب: موجبًا واحدًا.
الشيخ: موجبًا واحدًا، وهو موجب الوضوء مع التكرار، وأغفلت؟
طلبة: الغسل.
الشيخ: موجبًا آخر لا بد منه، وهو موجب الغسل، مع أن الآية ذكرت الطهارة من النوعين؛ من الوضوء، ومن الغسل، حيث قال: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا [المائدة: ٦]، وذكرت التطهر بنوعين أيضًا وهو التطهر بالماء وأيش؟ والتراب.
إذن الآية الكريمة، شوف، سبحان الله! بلاغة عظيمة؛ ذكرت نوعين مما يتطهر به، ونوعين مما يتطهر منه، ونوعين في كيفية الطهارة، صح؟ نوعين في كيفية الطهارة، والغسل، نوعين فيما يتطهر به؛ الماء والتراب، نوعين فيما يتطهر منه؛ موجب الحدث الأصغر، وموجب الحدث الأكبر.
وبهذا يتبين كمال فقه ابن عباس رضي الله عنه أن المراد في لَامَسْتُمُأي: جامعتم.
فهنا لو أحد من الناس قال: لَامَسْتُمُيعني: باليد، يفسرها قوله تعالى في نفس الآية قراءة سبعية: {أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ}؟
قلنا: كلام الله يفسِّر بعضه بعضًا، فـ{لَمَسْتُمُ} ولَامَسْتُمُمعناهما؟
طلبة: واحد.
الشيخ: معناهما واحد، لكن لما كان الجماع قد يحصل به تلذذ من جانب واحد ومن الجانبين، وأيهما أغلب؟
طالب: من الجانبين.
الشيخ: من الجانبين؛ ولهذا جاءت المفاعلة لَامَسْتُمُ. وقد يكون من جانب واحد؛ قد تكون المرأة لا تريد الجماع بسبب من الأسباب، فيتلذذ الرجل ولا تتلذذ المرأة، وحينئذ يصدق قوله: (أو)؟
طلبة: {لَمَسْتُمُ}.
الشيخ: {لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ}، وعلى هذا فتكون الآية معناها الجماع على كل تقدير، فلا نعدل إلى غيرها.
والعجيب أن العلماء في هذه المسألة اختلفوا في مسألة لمس النساء من المتوضئ انقسموا في ذلك إلى ثلاثة أقسام:
قسم قالوا: بمجرد ما يلمسها؟
طلبة: انتقض الوضوء.
الشيخ: ينتقض وضوؤه، حتى لو أن الرجل قدم من سفر وهو متوضئ، فلاقته ابنته وقالت: مرحبًا بأبي، فصافحها، قلنا: يجب عليك؟
طالب: الوضوء.
الشيخ: أن تتوضأ، سبحان الله!
وآخر يقول: لا يجب الوضوء مطلقًا من مس المرأة ولو لشهوة.
والثالث يقول: إن مسها لشهوة وجب الوضوء، وإلا فلا.
والصحيح: أنه لا يجب الوضوء ولو لشهوة، لكن إن حدث منه حدث بمذي أو نحوه، وجب عليه ما يقتضيه ذلك الحدث، أما مجرد التشهي فإنه لا يوجب الوضوء؛ ولهذا قال بعضهم في هذا وفي باب القبلة للصائم قال: لا أبالي أقبلت امرأتي أم شممت ريحانًا ، وأيش الجامع بينهما؟
طلبة: التلذذ.
الشيخ: التلذذ، الإنسان حتى إذا شم الريحان يتلذذ وينشط، هل نقول: يجب عليه الوضوء؟ لا يجب، فكذلك إذا مس المرأة وتلذذ بذلك، فإنه لا يجب عليه الوضوء ولا يفسد به الصوم، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة.
الرابع: كلام التابعين -لكن ليس كل التابعين- الذين اعتنوا بأخذ التفسير عن الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن التابعين خير الناس بعد الصحابة، يحتاج إلى دليل، فما هو الدليل؟
طالب: قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» .
الشيخ: نعم، «خَيْرُ النَّاسِ»، أو قال: «خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»، فهم خير الناس بعض الصحابة رضي الله عنهم، والمراد الجنس؛ لأن التابعين رضي الله عنهم جنسهم بعد الصحابة، لكن قد يوجد في التابعين من هو خير من بعض الصحابة في العلم والدين، لا في الصحبة؛ لأن الصحبة لا يمكن أن يساورهم أحد بها.
يقول في أخذ التفسير عن الصحابة: لأن التابعين خير الناس بعد الصحابة، وأسلم من الأهواء ممن بعدهم.
هذا صحيح، أسلم الناس في الأهواء من مَن بعدهم، لا ممن قبلهم، وهذا أيضًا لا شك فيه؛ ولهذا تجد كلام بعض التابعين يكاد يكون كلام الصحابة، حتى إنك أحيانًا لا تميز بين الأثر التابعي والأثر الصحابي، ولم تكن اللغة العربية تغيرت كثيرًا في عصرهم، هذا أيضًا مميز وموجِب للرجوع إلى تفسيرهم؛ أن اللغة العربية لم تكن تغيرت كثيرًا، واللي حصل بها التغير؛ لما فتح المسلمون البلاد وامتزجوا بأهلها أخذوا منهم كلمات، كما أن أهل البلاد الأخرى أخذوا كلمات، وليس كلمات، أخذوا لغة بجملتها، صاحب القاموس أعجمي ولَّا عربي؟
طلبة: أعجمي.
الشيخ: أعجمي، صاحب القاموس يفسر لكم اللغة وأنتم عرب وهو أعجمي، لكن اعتنوا عناية تامة باللغة العربية، سيبويه إمام أهل النحو أعجمي، وما أكثر الأعاجم الذين حققوا من اللغة العربية ما لم يحققه علماء العربية.
لكن تأخر الزمان، وبدأنا نحن العرب على تغير لساننا وفساد لغتنا، صرنا الآن نشتاق إلى أخذ لغة الغير، والرجل إذا تكلم باللغة الأجنبية رأى أنه قد شمخ على قومه، وارتفع عليهم، وفخر عليهم بذلك، والحقيقة أنه لم يفخر بما هو خير، ولكنه كمن قال الله فيهم: فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ [غافر: ٨٣]، نجد الآن في أسواقنا مع الأسف أنه يكتب على اللافتات على المتاجر باللغة الإنجليزية وليس فيه لغة عربية، كأنك تجول في أسواق لندن، يعني بلاد عربية ما في اللافتة حرف عربي؟ سبحان الله! يعني الناس -نسأل الله العافية- طمس على قلوبهم.
وكان عمر يضرب الناس إذا تكلموا برطانة الأعاجم.
ومن أعظم فخر الأمم أن يتكلم الناس بلغتهم؛ يعني الأمة التي تتكلم بلغة عربية أو غير عربية تفخر أن الناس يتكلمون بلغتهم؛ لأنها تشعر بأنهم تابعون لها، وأنهم أذناب لها؛ ولهذا لو أن هؤلاء الذين كتبوا اللافتات على متاجرهم كتبوا تهنئة لرئيس وزراء بريطانيا: أننا كنا نفخر بلغتكم، فنكتبها على متاجرنا في قعر أرضنا.
هناك مشكلة، جهل عظيم، حتى رأينا من يعلم أبناءه الصغار أن يتكلموا باللغة الأعجمية، بدل أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أيش يقول؟
طالب: ?How are you
الشيخ: bye bye، نسأل الله السلامة. وbye bye أيش معناها؟ أبوي أبوي يعني أيش؟
طالب: مع السلامة.
الشيخ: مع السلامة.
كذلك أيضًا في التلفون؛ الآن مع الأسف عامة الناس إذا رفع السماعة أيش يقول؟
طلبة: (آلو).
الشيخ: (آلو)، لا إله إلا الله! وأين السلام الذي هو من السُّنة؟ إذا رفعت السماعة فقل: السلام عليكم، وهي أفضل بكثير من (آلو)؛ يعني (آلو) تعريبها أظن: أهلًا، فأيهما أولى: السلام عليكم أو أهلًا؟ السلام عليكم.
بعض الناس عكس القضية؛ صار إذا رفع السماعة قال: السلام عليكم، فيسلم مع أنه هو الذي مورود عليه، وهل السلام من الوارد أو من المورود عليه؟
طلبة: الوارد.
الشيخ: ومن الوارد في التليفون؟
طالب: المتصل.
الشيخ: المتصل، إذن هو الذي يسلم.
ولماذا لا تنقضون عليّ حينما قلت: التلفون؟
طالب: الهاتف.
الشيخ: الظاهر؛ لأنه معرَّب، والمعرَّب موجود حتى في القرآن الكريم، يعني الآن الناس كلهم لو قلت: الهاتف عند العامي ما يعرفش الهاتف، لا يعرف الهاتف إلا المطر إذا كان يهتف وينزل، لكن مع ذلك: (الهاتف) خير من (التلفون).
ولو أن اللسان تكلم وقال: التلفون، فلا أرى في ذلك بأسًا؛ لأنها كلمة واحدة معرَّبة، وليست جملًا مركبة، والأمر الذي يخشى منه أن تكون كلمات مركبة وجملًا مفيدة، أما مجرد كلمة عربها الناس وأخضعوها للعربية فهذا لا بأس به.
وفي القرآن كلمات معربة، والنبي عليه الصلاة والسلام يتكلم، لكن أحيانًا يتكلم باللغة غير العربية، كما قال لأم خالد حين قدمت من الحبشة، ولبست ثوبًا جديدًا، قال: «سَنَا، سَنَا» ؛ يعني: حسنًا حسنًا، لكنها جاءت من الحبشة وقد أخذت من كلمات، خاطبها بما تفهم.
إذن المهم أننا نعود إلى ما نحن فيه، يقول: (ولم تكن اللغة العربية تغيرت كثيرًا في عصرهم، فكانوا أقرب إلى الصواب في فهم القرآن ممن بعدهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إذا أجمعوا؛ يعني التابعين)
.
طالب: المدرس إذا كان يفسر للطلبة (...) هل يدخل فيمن يفسر بالرأي؟
الشيخ: لا، هو يدخل في هذا، لكنه معفو عنه؛ لقول الله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦]، لكن يجب على الطلبة أن يبينوا ذلك.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، يجب أن يصحح، حتى الصغير إذا فهمها أو قرأها على غير الصواب مشكلة.
طالب: الذي يجيد اللغة العربية ويتكلم باللغة غير العربية؟
الشيخ: إذا كان لتفهيم الحاضرين بحيث لا يفهمون إلا هذا، فلا بأس، أحيانًا لو تكلم باللغة العربية عند بعض الناس ما يفهمون، والمقصود تفهيم الكلام، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بيان هذه المسألة، هل يتكلم الإنسان بغير العربية؟

***

الطالب: (...) وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال شيخنا حفظه الله تعالى في معرض ما يرجع إليه في تفسير القرآن الكريم قال: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إذا أجمعوا -يعني التابعين- على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا؛ فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك.
وقال أيضًا: من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئًا في ذلك، بل مبتدعًا، وإن كان مجتهدًا مغفورًا له خطؤه.
ثم قال: فمن خالف قولهم وفسَّر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعًا
.
الشيخ: الرابع فيما يرجع إليه في تفسير القرآن: أقوال التابعين، ولا سيما الذين أخذوا التفسير عن الصحابة واعتنوا به، كمجاهد بن جبر وغيره.
(شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إذا أجمع التابعون على تفسير الآية فلا يرتاب أحد أنه حجة، وإذا اختلفوا؛ فليس قول أحدهم حجة على الآخر ولا حجة على من بعدهم؛ لعدم الإجماع، ولكن ينظر إلى ما يرجحه الدليل).
فإلى أي شيء يرجع؟
يقول: (يرجع إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة).
يعني إذا اختلف التابعون على قولين فإنه ليس قول أحدهم حجة على الآخر ولا على من بعدهم، بل لا بد من الترجيح. نرجح بماذا؟
ذكر أربعة أشياء: لغة القرآن وهي الحقيقة الشرعية، أو السنة كذلك، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة.
والظاهر -والله أعلم- أن عموم لغة العرب مع أقوال الصحابة ليست على الترتيب الذي ذكره رحمه الله؛ فإن أقوال الصحابة مقدم على مقتضى اللغة العربية.
وقال أيضًا: (من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئًا في ذلك، بل مبتدعًا).
كونه مخطئًا واضح، لكن كونه مبتدعًا؛ لأنه أقرب إلى السنة، وإن كان مجتهدًا مغفورًا له خطؤه.
ثم قال: (فمن خالف قولهم وفسَّر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل وأخطأ في المدلول جميعًا).
أخطأ في الدليل؛ حيث حمله على ما لم يعرفه الصحابة رضي الله عنهم، وأخطأ في المدلول؛ حيث أحدث ما لم يكن معروفًا عند الصحابة.

***

الطالب: ما تقتضيه الكلمات من المعاني الشرعية أو اللغوية حسب السياق؛ لقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ [النساء: ١٠٥]، وقوله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣]، وقوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤]، فإن اختلف المعنى الشرعي واللغوي أخذ بما يقتضيه الشرعي؛ لأن القرآن نزل لبيان الشرع لا لبيان اللغة، إلا أن يكون هناك دليل يترجح به المعنى اللغوي فيؤخذ به.
الشيخ: هذا الأخير، وهو تفسيره بمقتضى اللغة العربية؛ لأن القرآن نزل أيش؟
طلبة: باللغة العربية.
الشيخ: باللغة العربية، فإذا لم يكن هناك عرف شرعي يخالف مقتضى اللغة أخذنا باللغة؛ لقول الله تبارك وتعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ، وقوله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَجَعَلْنَاهُبمعنى: صيرناه؛ ولهذا نقول: (الهاء) مفعول أول، وقُرْآنًا عَرَبِيًّامفعول ثانٍ.
وليس كما قالت الجهمية: إِنَّا جَعَلْنَاهُبمعنى: خلقناه، فإنه على رأيهم نجعل (الهاء) مفعولًا به، وقرآنًا عربيًّاحالًا، لكن هذا خطأ عظيم؛ فإن قوله: جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّاكقوله: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا [النبأ: ١٠] أي: صيرناه لباسًا، وهذا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّاأي: صيرناه قرآنًا عربيًّا بلغة العرب.
وأما قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَفـ(جعل) هنا لا تتعدي إلا لواحد، فهي بمعنى خلق.
وقوله: مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤] بِلِسَانِ قَوْمِهِأي: بلغتهم، واللغة تسمى لسانًا؛ لقوله تعالى: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٥]، ويستفاد من قوله تعالى: إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْأنه يجوز أن يخطب الإنسان إذا كان يخاطب غير عرب أن يخطب بلغة هؤلاء المخاطبين؛ لأنه إذا خاطبهم بلغة العرب لم يفهموا شيئًا ولم يستفيدوا.
طالب: شيخ، لما قلنا: إِنَّا جَعَلْنَاهُبمعنى صيرناه، يقول: إن الصيرورة تكون بالانتقال من شيء لشيء، معناه أنه كان من قبل غير عربي؟
الشيخ: أخذها، غلط، ما هو صحيح، جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا [النبأ: ١٠] هل المعنى: صيره لباسًا، وهو قبل لم يكن لباسًا؟ ما هو بصحيح، هذه دعوى باطلة.

***

الطالب: مثال ما اختلف فيه المعنيان وقدم الشرعي: قوله تعالى في المنافقين: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا [التوبة: ٨٤]، فالصلاة في اللغة: الدعاء، وفي الشرع هنا: الوقوف على الميت للدعاء له بصفة مخصوصة، فيقدم المعنى الشرعي؛ لأنه المقصود للمتكلم المعهود للمخاطب، وأما منع الدعاء لهم على وجه الإطلاق فمن دليل آخر.
الشيخ: لو رجعنا إلى اللغة لكان قوله: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا؟
طالب: لا تدعو لهم.
الشيخ: لا تدعو لهم، وليس كذلك، بل المراد: لا تقم عليهم مصليًّا كما يصلى على الجنائز، فقدم هنا المعنى؟
طلبة: الشرعي.
الشيخ: الشرعي.
فإن قال قائل: إذا حملته على المعنى الشرعي، فهل ذلك يعني أنه يجوز الدعاء لهم على سبيل الإطلاق؟ الجواب.
طالب: لا.
الشيخ: لا يجوز، لكن من دليل آخر، وهو قوله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى [التوبة: ١١٣].

***

الطالب: ومثال ما اختلف فيه المعنيان وقدم فيه اللغوي بالدليل: قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْفالمراد بالصلاة هنا: الدعاء، بدليل ما رواه مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بصدقة قوم صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقته، فقال: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» . وأمثلة ما اتفق فيه المعنيان.
الشيخ: إذن، هنا قدمنا المعنى اللغوي؛ صَلِّ عَلَيْهِمْأي: ادع لهم، قدمنا المعنى اللغوي بدليلٍ، وهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا جاءه الناس بصدقاتهم دعا لهم، وإلا لكان قوله: صَلِّ عَلَيْهِمْصلاة مخصوصة شرعية.
والخلاصة الآن: أن المرتبة الخامسة في تفسير القرآن: الرجوع أيش؟
طلبة: إلى اللغة العربية.
الشيخ: إلى اللغة العربية، فإذا اختلف مدلول اللغة العربية ومدلول الشرع قُدِّم؟
طلبة: الشرع.
الشيخ: الشرع، إلا بدليل، هذا خلاصة الكلام.
طالب: ما وجه الدلالة في قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ [النساء: ١٠٥]؟
الشيخ: بِمَا أَرَاكَ اللَّهُأي: بما أعلمك من مدلول اللغة.
طالب: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» الصلاة هنا بمعنى الدعاء من الله عز وجل؟
الشيخ: نعم، الثناء عليهم؛ تدعو بأن الله يثني عليهم.

***

الطالب: وأمثلة ما اتفق فيه المعنيان الشرعي واللغوي كثيرة، كالسماء والأرض، والصدق والكذب، والحجر والإنسان.
الاختلاف الوارد في التفسير المأثور
.
الشيخ: طيب، إذن ما هو السماء؟ كل ما علا فهو سامٍ، أو السماء: السقف المرفوع، في اللغة ولَّا في الشرع؟
طالب: بهما.
الشيخ: بهما جميعًا، طيب، الأرض كذلك.
الصدق: الإخبار بما يطابق الواقع، هذا هو الصدق، في اللغة أو في الشرع؟
طلبة: فيهما.
الشيخ: في اللغة والشرع.
وكذلك الكذب: الإخبار بما يخالف الواقع، في اللغة وفي الشرع. الحجر؟
طالب: كلاهما.
الشيخ: هو الحجر، في اللغة والشرع، وكذلك الإنسان.

***

الاختلاف الوارد في التفسير المأثور
01:14:19

الطالب:
الاختلاف الوارد في التفسير المأثور على ثلاثة أقسام:
الأول: اختلاف في اللفظ دون المعنى، فهذا لا تأثير له في معنى الآية.
مثاله: قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣]، قال ابن عباس: قَضَىأمر ، وقال مجاهد: وصَّى ، وقال الربيع بن أنس: أوجب .
وهذه التفسيرات معناها واحد أو متقارب، فلا تأثير لهذا الاختلاف في معنى الآية
.
الشيخ: ويسمى هذا الاختلاف اختلاف؟
طلبة: لفظي.
الشيخ: لفظي، لا يؤثر ولا يضر، ولا يصح أن نقول: في الآية ثلاثة أقوال؛ قول بمعنى أمر، وقول بمعنى وصَّى، وقول بمعنى أوجب؛ لأن المعنى؟
طلبة: واحد.
الشيخ: المعنى واحد.

***

الطالب: الثاني: اختلاف في اللفظ والمعنى، والآية تحتمل المعنيين؛ لعدم التضاد بينهما، فتحمل الآية عليهما وتفسر بهما، ويكون الجمع بين هذا الاختلاف: أن كل واحد من القولين ذكر على وجه التمثيل لما تعنيه الآية أو التنويع.
مثاله: قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦]، قال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل ، وقال ابن عباس: إنه رجل من أهل اليمن ، وقيل: رجل من أهل البلقاء.
والجمع بين هذه الأقوال: أن تحمل الآية عليها كلها؛ لأنها تحتملها من غير تضاد، ويكون كل قول ذكر على وجه التمثيل
.
الشيخ: هذا اختلاف في اللفظ والمعنى، كيف كان اختلاف في اللفظ والمعنى؟ لأن الرجل من بني إسرائيل غير الرجل من أهل اليمن، والرجل من أهل اليمن غير الرجل من أهل البلقاء، إذن فالآية تحتمل المعاني كلها، فتحمل أيش؟
طالب: عليها.
الشيخ: عليها كلِّها، ويكون هذا الاختلاف من باب التمثيل؛ يعني مثال الرجل الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، مثاله الرجل الذي من بني إسرائيل، مثاله الرجل الذي من أهل اليمن، مثاله الرجل الذي من أهل البلقاء.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، ما فيه شك، المقصود هو المعنى والقصة، لكن قد يكون بعض الناس سمع من بني إسرائيل أنه رجل من أهل اليمن، أو أهل البلقاء، أو من بني إسرائيل.

***

الطالب: ومثاله الآخر: قوله تعالى: وَكَأْسًا دِهَاقًا [النبأ: ٣٤]، قال ابن عباس: دِهَاقًامملوءة ، وقال مجاهد: متتابعة ، وقال عكرمة: صافية .
ولا منافاة بين هذه الأقوال، والآية تحتملها، فتحمل عليها جميعًا، ويكون كل قول لنوع من المعنى
.
الشيخ: دِهَاقًامملوءة، دِهَاقًامتتابعة؛ يعني يأتي كل واحد ورا الآخر، دِهَاقًاصافية.
هذه الأقوال لا منافاة بينها، أليس كذلك؟ لأنه يمكن أن تكون مملوءة ومتتابعة وصافية، فتحمل الآية على المعاني الثلاثة كلها، ويكون المقصود ذكر كل نوع؛ يعني كل واحد ذكر نوعًا من المعنى، واضح؟
هذا يختلف عن الأول؛ الأول كل واحد من الرجال الثلاثة غير الثاني، أما هذا فكل واحد هو الثاني، لكن هذا الكأس موصوف بأنه مملوء، موصوف بأنه صافٍ، الكؤوس موصوفة بأنها متتابعة.

***

الطالب: القسم الثالث: اختلاف اللفظ والمعنى والآية لا تحتمل المعنيين معًا للتضاد بينهما، فتحمل الآية على الأرجح منهما بدلالة السياق أو غيره. مثال ذلك: قوله تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: ١١٥].
قال ابن عباس: غَيْرَ بَاغٍفي الميتة، وَلَا عَادٍفي أكلها ، وقيل: غير خارج على الإمام، ولا عاصٍ بسفره .
والأرجح الأول؛ لأنه لا دليل في الآية على الثاني، ولأن المقصود بحل ما ذكر دفع الضرورة، وهي واقعة في حال الخروج على الإمام، وفي حال السفر المحرم، وغير ذلك.
ومثال آخر: قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [البقرة: ٢٣٧].
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِهو الزوج ، وقال ابن عباس: هو الولي .
والراجح الأول؛ لدلالة المعنى عليه، ولأنه قد روي فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم
.
الشيخ: هذا هو القسم الثالث: إذا اختلف اللفظ والمعنى والآية لا تحتمل إلا معنًى واحدًا، فماذا نصنع؟ يجب أن ننظر في المرجح فنأخذ به، والمرجوح ندعه؛ لأنه لا يمكن الجمع بين القولين.
مثال ذلك: قول الله تبارك وتعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ [البقرة: ١٧٣] إلى آخره.
الْمَيْتَةَتفسيرها: ما مات حتف أنفه، أو بغير ذكاة شرعية، هذه الميتة.
ما مات حتف أنفه؛ يعني جاءه مرض ومات، أو بغير ذكاة شرعية؛ يعني ذُكِّي، لكن بغير ذكاة شرعية، ويستثنى من الميتة السمك والجراد، كما جاء في الحديث.
(الدم) المراد به؟
طالب: المسفوح.
الشيخ: المسفوح، كما قال تعالى في آية الأنعام: أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام: ١٤٥]، ويستثنى منه؟
طلبة: الكبد والطحال.
الشيخ: الطحال والكبد.
وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِمعروف، ولا يستثنى منه شيء، وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [المائدة: ٣] أي: سمي عليه غير اسم الله، ولو كان في الأصل حلالًا، فَمَنِ اضْطُرَّأي: ألجأته الضرورة هي الأكل.
غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قال ابن عباس: غَيْرَ بَاغٍفي الميتة، وَلَا عَادٍفي أكلها؛ يعني: غير طالب للميتة، ما تقصد أن تأكل شيئًا ميتًا، وَلَا عَادٍفي أكله؛ يعني: وإنما أكل بقدر الضرورة فقط.
وهذا التفسير أرجح؛ لأنه يؤيده قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣]، والقرآن يفسر بعضه بعضًا.
وقيل: إن غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍغير خارج على الإمام، أخذوه من البغاة، وهم الذين يخرجون على الإمام، والعادي: المعتدي العاصي في سفره.
وقالوا: من كان خارجًا على الإمام فإنه لا يأكل من الميتة ولو اضطر إليها، بل نقول: تُبْ، ثم كل. وكذلك من عصى بسفره فإننا نقول: لا يحل لك أكل الميتة حتى تتوب.
وقلنا: إن الأول أصح؛ لأنه لا دليل في الآية على الثاني، ولأن المقصود بحل ما ذكر دفع الضرورة، وهي واقعة في حال الخروج على الإمام، وفي حال السفر المحرم، وغير ذلك.
مثال آخر: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [البقرة: ٢٣٧].
(نصف) مبتدأ، والخبر؟
طلبة: محذوف.
الشيخ: محذوف، التقدير؟
طلبة: واجب.
الشيخ: لكن واجب لمن؟
طلبة: (لهنَّ).
الشيخ: أو (لكم).
طلبة: المعنى واحد.
الشيخ: يحتمل، لكن إن جعل النصف للأزواج صار النصف للزوجات، وإن جعل للزوجات صار النصف الباقي للأزواج؛ ولهذا الآية تصلح: فنصف ما فرضتم لهن، أو فنصف ما فرضتم لكم، لكن (لهن) أقرب إلى المعنى.
إِلَّا أَنْ يَعْفُونَيعني: عن النصف الذي لهن، وهنا فيه إشكال يا جماعة وهو أن (أنْ) هنا مصدرية، ومع ذلك وجدت النون؟
طالب: النون هنا نون الإناث ليست نون الرفع.
الشيخ: إي، ليست نون الرفع، بل هي نون النسوة، صح.
أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِفمن الذي بيده عقدة النكاح؟
طالب: الزوج.
الشيخ: هل هو الولي أو الزوج؟ يقول فيه قولان؛ قال علي بن أبي طالب في الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِهو الزوج، وقال ابن عباس: هو الولي، وكلاهما إمام في التفسير.
والراجح الأول؛ لدلالة المعنى عليه، ولأنه قد روي فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الراجح الأول؛ لأنه لما قال: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَيعني: النساء، أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِيعني؟
طلبة: يعني الزوج.
الشيخ: الأزواج، وهذا واضح، والتقسيم يدل عليه، ثم إن الولي في عقد النكاح يغني عنه قوله: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ، ولو قلنا: أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِلكان ذكر العفو من جانب واحد، وهو جانب أيش؟
طالب: الزوجة.
الشيخ: المرأة، إِلَّا أَنْ يَعْفُونَالنساء، أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِالأولياء، فيكون ذكر العفو من جانب واحد.
وإذا قلنا: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَأي: النساء، أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِصار العفو من جانبين، فيكون أولى؛ لأن الأصل في الكلام التأسيس وعدم التكرار والتوكيد، ولأن الذي بيده عقدة النكاح هل يملك أن يعفو عن نصف مهر المرأة؟
طالب: لا يملك.
الشيخ: إن كان الأب ففيه نظر، هل يملك أن يسقط حقها؟
وإن كان غير الأب فلا حق له إطلاقًا أن يعفو، لو كان الأخ أو الابن ما له يعفو، فتبين الآن أن القول بأن الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِهو الزوج هو الصحيح، والزوج هو الذي إن شاء قَبِل، وإن شاء لم يقبل، لو قال الولي للزوج: زوجتك بنتي، سكت ما تكلم، ينعقد؟
طلبة: لا.
الشيخ: قال: زوجتك بنتي، أوجب مرة ثانية، وهذا ساكت؟
طلبة: لا ينعقد.
الشيخ: إذن من الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ؟
طلبة: الزوج.
الشيخ: الزوج، إذا شاء قال: قبلت، وإذا شاء لم يقل: قبلت.
ثم إذا قَبِل من الذي يملك الطلاق؟
طلبة: الزوج.
الشيخ: الزوج، إذن يملك، بيده عقدة النكاح عقدًا وفسخًا، ومثل ذلك أيضًا: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] ما المراد بالقروء؟
اختلف فيها السلف والخلف؛ فقيل: هي الحيض، وقيل: هي الأطهار، والصواب أنها الحيض، كما دلت على ذلك السنة في المستحاضة وغيرها.

***

ترجمة القرآن
01:28:39

الطالب:
ترجمة القرآن، الترجمة لغة: تطلق على معانٍ ترجع إلى البيان والإيضاح.
وفي الاصطلاح..

الشيخ: وعلى هذا فالتفسير؟
طالب: ترجمة.
الشيخ: يسمى ترجمة؛ ولهذا إذا كلمك إنسان بكلام لا تعرف معناه تقول له: ترجم لي هذا، حتى وإن كان بلغتك، تقول: ترجم؛ أي: بيِّن، فالترجمة والتفسير في اللغة معناهما واحد، في الاصطلاح؟

***

الطالب: وفي الاصطلاح: التعبير عن الكلام بلغة أخرى وترجمة القرآن.
الشيخ: التعبير عن الكلام بلغة أخرى، وهذا أصح من قول بعضهم: نقل الكلام من لغة إلى أخرى؛ لأن الكلام الأول ما نقل، ولكن عبر عنه، وعلى هذا فهو التعبير عن الكلام بلغة أخرى؛ يعني غير لغة الكلام. واضح؟

***

الطالب: وترجمة القرآن: التعبير عن معناه بلغة أخرى، والترجمة نوعان:
أحدهما: ترجمة حرفية؛ وذلك بأن يوضع ترجمة كل كلمة بإزائها.
الثاني..