شرح أصول في التفسير (الشرح الأول) - 6
عدد الزيارات 3085

عناصر المادة :
أنواع التشابه في القرآن
الحكمة في تنوع القرآن إلى محكم ومتشابه
موهم التعارض في القرآن
القسم

الطالب: ولا يلزم من قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ [يونس: ٩٤] أن يكون الشك جائزًا على الرسول صلى الله عليه وسلم أو واقعًا منه؛ ألا ترى قوله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١] هل يلزم منه أن يكون الولد جائزًا على الله تعالى أو حاصلًا؟ كلا، فهذا لم يكن حاصلًا ولا جائزًا على الله تعالى، قال الله تعالى: وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٢، ٩٣].
ولا يلزم من قوله تعالى: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة: ١٤٧]: أن يكون الامتراء واقعًا من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن النهي عن الشيء قد يوجه إلى من لم يقع منه؛ ألا ترى قوله تعالى: وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [القصص: ٨٧]، ومن المعلوم أنهم لم يصدوا النبي صلى الله عليه وسلم عن آيات الله، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع منه شرك.
والغرض من توجيه النهي إلى من لا يقع منه التنديد بمن وقع منه، والتحذير من منهاجهم، وبهذا يزول الاشتباه وظن ما لا يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم.

الشيخ: هذه الآية كما عرفتم أهل الزيغ يتخذون منها طعنًا بمن؟
الطلبة: بالرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: بالرسول صلى الله عليه وسلم، ومعلوم إذا ثبت الطعن لم يصح أن يكون رسولًا، لكن نقول: إنه لا يلزم من قوله: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَأن يكون الشك جائزًا ولا أن يكون واقعًا من الرسول عليه الصلاة والسلام، لا يلزم، لكن إن فرض أن يكون فَاسْأَلِ [يونس: ٩٤].
ولهذا فرق العلماء بين (إنْ) و(إذا) وكلاهما شرطيتان؛ قالوا: (إذا) تفيد الوقوع، و(إن) لا تفيده، بل قد تأتي في أمحل المحال؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ، هل يلزم من هذا أن يتخذ الله ولدًا؟ لا يلزم، ولا يمكن أن الله يتخذ ولدًا؛ لقوله تعالى: وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا [مريم: ٩٢]، إذن ما معنى الآية: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ؟ معناها: إن فرض أن له ولد فأنا أول العابدين لهذا الولد، فلا أنكره، لكن هذا أمر غير ممكن، وإذا كان غير ممكن؛ يعني: إذا امتنع الشرط امتنع المشروط، كقول الشاعر:

إِذَا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْتُ أَهْلِي وَصَارَ الْقَارُ كَاللَّبَنِ الْحَلِيبِ

ومعلوم أن الغراب لا يشيب، وأن القار الأسود لا يكون كاللبن الأبيض.
فكذلك هنا؛ يعني على فرض أن له ولدًا فأنا أول من يعبد هذا الولد؛ لأنه -ولد الله- جزء منه، ولكن هذا مستحيل.
هذا القول هو أحسن الأقوال، ولا يحتاج إلى تقديم ولا إلى تمهل.
وقيل: إن (إن) نافية، والمعنى: قلْ: ما كان للرحمن ولد؛ لأن (إن) تأتي بمعنى النفي، وهي كثيرة في القرآن، فيكون قل: ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين، يشكل وجه ارتباطها بالجملة بالتي قبلها؛ يعني: ما هي المناسبة أن أقول: ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين؟ هذه لا يمكن إلا إذا أوَّلنا (العابدين) بمعنى المؤمنين، ما كان للرحمن ولد فأنا أول المؤمنين بذلك؛ أي بأنه لا ولد له، وتكون العبادة مطلقة على أيش؟ على الإيمان بجامع الذل في كل منهما.
فهذان قولان هما أشهر الأقوال في هذه الآية، وهي من أعوص آيات القرآن الكريم.
يقول الملحد: سلمنا ما ذكرت في قوله: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ، وأنه لا يلزم من هذا الشرط وقوع المشروط، لكن ماذا تقول: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ؟
أجاب عنه المؤلف بقوله: (ولا يلزم من قوله تعالى: فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَأن يكون الامتراء واقع من الرسول؛ لأن النهي عن الشيء قد يوجه إلى من لم يقع منه؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، ومن المعلوم أنهم لم يصدوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن آيات الله، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع منه شرك).
فالنهي عن الشيء لا يلزم منه وقوع الشيء، ولا جواز وقوع الشيء أيضًا، انظر: وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ، هذا نهي عن الصد، فهل هذا يعني أن الصد واقع؟
طالب: لا يستلزم أنه واقع.
الشيخ: لا يلزم، وهل يلزم أن يجوز؟ لا يلزم أنه جائز أن يصدوه، بل ولا يمكن أن يصدوه؛ لأن الله تعالى قال: وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا [الإسراء: ٧٤، ٧٥]، لَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَإذن الرسول مثبَّت، لا يمكن أن يصده هؤلاء، وعلى هذا فلا يلزم من النهي عن كونه من الممترين أن يقع منه الامتراء أو أن يجوز عليه الامتراء، كما أن قوله: وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَلا يلزم منها أيش؟ وقوع الشرك، ولا جواز وقوع الشرك من الرسول عليه الصلاة والسلام.
إذن ما الغرض؟ وما الفائدة أن يوجه النهي إلى من لا يمكن أن يقع منه ما نهي عنه؟
استمع إلى الجواب: والغرض من توجيه النهي إلى من لا يقع منه التنديد بمن وقع منهم والتحذير بمنهاجهم، على حد قول القائل: إياك أعني، واسمعي يا جارة، يعني: ما هو الرسول هو اللي يمتري أو يشرك، لكن التنديد بهؤلاء الذين امتروا وشكوا وأشركوا، وبهذا يزول الاشتباه وظن ما لا يليق بالرسول صلى الله عليه وسلم.

***

أنواع التشابه في القرآن
00:08:21

الطالب:
أنواع التشابه في القرآن
التشابه الواقع في القرآن نوعان:
أحدهما: حقيقي، وهو ما لا يمكن أن يعلمه البشر، كحقائق صفات الله عز وجل، فإننا وإن كنا نعلم معاني هذه الصفات، لكننا لا ندرك حقائقها وكيفيتها؛ لقوله تعالى: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]، وقوله تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الأنعام: ١٠٣]؛ ولهذا لما سئل الإمام مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[طه: ٥]: كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة . وهذا النوع لا يسأل عن استكشافه؛ لتعذر الوصول إليه.
الشيخ: (التشابه الواقع في القرآن نوعان):
الأول: حقيقي، وهو ما يخفى على كل أحد ولا يمكن الوصول إلى معرفته، هذا مشتبه حقيقي.
موقفنا منه أن نكل علمه إلى الله عز وجل، ونقول: الله أعلم.
مثاله: حقائق صفات الله عز وجل؛ فإن حقائق هذه الصفات لا تعلم، نحن نعلم المعنى، ولكن لا نعلم الكنه والحقيقة.
دليل ذلك قوله تعالى: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا، مهما كان الإنسان عالمًا وذكيًّا، فإنه لا يمكن أن يحيط بالرب علمًا، أبدًا، ولا يعلم من علم الله إلا ما علمه الله، كما قال تعالى: وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَالأبصار لا تدركه ولا (...)، وهو يدرك الأبصار.
وقد استدل بهذه الآية من يرى أن الله لا يرى في الآخرة، وقال: إن الله يقول: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ، والحقيقة أن الآية حجة عليه وليست حجة له؛ لأن نفي الإدراك يدل على وجود أصل الرؤية، ولو كان أصل الرؤية غير موجود لكان نفي الإدراك قصورًا ولغوًا من القول لا فائدة منه.
ولما سئل الإمام مالك رحمه الله عن قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىكيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول. ما معنى غير مجهول؟
الطلبة: معلوم المعنى.
الشيخ: أي: معلوم المعنى في اللغة العربية.
والكيف غير معقول؛ أي: لا يدرك بالعقل، وإذالم يثبت بالعقل، فلا مرد إلا إلى السمع، والسمع لم يرد به.
وهنا أقول: إن بعض الطلبة لا يدري ما معنى السمع أو العقل؟
والجواب: ما كان دليله الكتاب والسنة فهو ثابت بالسمع؛ لأن الكتاب والسنة مسموعان، وما كان دليله النظر فهو بالعقل؛ ولهذا يسمى المتكلمون النظار؛ لأنهم ادعوا أنهم هم أهل العقول.
إذن الكيف غير معقول، ما الذي يبقى من الاستدلال عليه؟
طالب: السمع.
الشيخ: السمع، والسمع لم يرد به، فوجب الكف عنه.
والإيمان به واجب؛ أي: بالاستواء، والسؤال عنه؛ أي: عن كيفيته بدعة.
هذا النوع يقول المؤلف: (لا يُسأل عن استكشافه)، والنفي هنا للكراهة أو للتحريم؟
الطلبة: للتحريم.
الشيخ: هي تحتمل المعنيين، لكن الظاهر أنها للتحريم؛ لأن مالك بن أنس رحمه الله اشتد في السؤال عن الكيفية، وقال للسائل: ما أُراك -أو ما أَراك- إلا مبتدعًا، وأمر به أن يخرج من المسجد.
طالب: عفا الله عنك، أكثر (...) السود والزرق، (...)، ومجمعها عند العرب (...)، وهذه جمع يا شيخ، الجمع لا أسود ولا أزرق؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يجمعونها بكلمة (...)؟
الشيخ: إي، بس هذه اصطلاح في الإبل خاصة.
على كل حال، الجمع عرفتموه؛ إما أن يقال: إنه تكون سودًا في بعض الوقت، وزرقًا في بعض الوقت، أو أنها من شدة الزرقة صارت سوداء، أو بعضهم يقول: زرق العيون، سود الوجوه، المهم أنه لا بد من الجمع.
طالب: يا شيخ، نقرن، قولهم: أحدهما الحقيقي، أن هناك آيات في كتاب الله عز وجل متشابهة على عموم الأمة ما يعلمها أحد؛ يعني نقرن بهذه الأمثلة.
الشيخ: إي، بس ما هو بالمعنى الكنه والحقيقة، أما المعنى فلا يوجد كلمة واحدة في كتاب الله مجهولة لكل أحد.
الطالب: طيب، إذا قلنا: بالكنه والحقيقة يصير غالب القرآن متشابه.
الشيخ: عليك.
الطالب: (...).
الشيخ: كيف هذا، أكثر القرآن أوامر ونواهٍ، وهي معلومة، لكن أمور الغيب صحيح مجهولة لنا؛ كنهها مجهول.
الطالب: أهل التفويض يقولون: إن التشابه الحقيقي في هذه الصفات يستلزم أن نفوض في هذه المعنى، فما الرد عليهم؟
الشيخ: أهل التفويض يقولون: نفوض المعنى، لو قالوا: نفوض الحقيقة والكنه التي عليها لصاروا موافقين لأهل السنة، لكن يقال: معنى ما ندري، أيش معنى اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤]؟ قال: ما ندري، أيش معنى بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤] قال: ما ندري، ويقول شيخ الإسلام: إن مذهب أهل التفويض من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، وإنه هو الذي فتح الباب للفلاسفة، وقالوا: إذا كنتم أنتم لا تعرفون معنى، روح صف لي اللي صار، نحن لا نعلم معناها.
طالب: تكون بدعتهم مكفرة يا شيخ؟
الشيخ: من أشد ما يسيء، لكن ما رأيت أحدًا كفَّرهم، إنما هذا كلام الشيخ.

***

الطالب: النوع الثاني: نسبي، وهو ما يكون مشتبهًا على بعض الناس دون بعض، فيكون معلومًا للراسخين في العلم دون غيرهم، وهذا النوع يُسأل عن استكشافه وبيانه لإمكان الوصول إليه؛ إذ لا يوجد في القرآن شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس، قال الله تعالى: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران: ١٣٨].
الشيخ: شوف بَيَانٌ لِلنَّاسِكل الناس، وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌلمن؟ لِلْمُتَّقِينَيعني: لا يهتدي به ويتعظ به إلا المتقون، أما البيان فهو بيِّن.

***

الطالب: وقال: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، وقال: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة: ١٨، ١٩]، وقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء: ١٧٤]، وأمثلة هذا.
الشيخ: قوله: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، إذن هو بيِّن؛ لأن المبين للشيء لا بد أن يكون هو بيِّنًا.
وقال تعالى: فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُإِذَا قَرَأْنَاهُيعني: إذا قرأه جبريل عليك، ونسب الله قرءاة جبريل إليه؛ لأنه رسوله إلى محمد.
قال: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُبيانه لفظًا أو معنًى؟
الطلبة: كلاهما.
الشيخ: كلاهما؛ لفظًا ومعنًى.
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا، والبرهان والنور لا بد أن يكون بينًا، ولا يمكن أن يوجد في القرآن شيء لا يعلم أحد معناه، أبدًا.

***

الطالب: وأمثلة هذا النوع كثيرة؛ منها: قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، حيث اشتبه على أهل التعطيل ففهموا منه انتفاء الصفات عن الله تعالى، وادعوا أن ثبوتها يستلزم المماثلة، وأعرضوا عن الآيات الكثيرة الدالة على ثبوت الصفات له، وأن إثبات أصل المعنى لا يستلزم المماثلة.
الشيخ: هذه الآية ضلَّ فيها طائفتان؛ طائفة غلوا في إثباتها وقالوا: إنها تدل على أيش؟
طالب: على المماثلة.
الشيخ: لا، على نفي كل صفة، ليش؟
الطلبة: (...).
الشيخ: قالوا: لأنك إذا أثبتَّ أي صفة فقد مثلته، وهؤلاء هم أهل التعطيل.
وبعضهم قال: إنه ليس كمثله شيء في الصفات الخبرية فقط، كالوجه واليدين، وأشباه ذلك.
وبعضهم قال: إنه ليس كمثله شيء في كل الصفات، وإن نفي المثل يدل على ثبوت أصل المعنى؛ لأنه لولا ثبوت أصل المعنى لكان نفي المثل أيش؟ لكان لغوًا لا فائدة منه.

***

الطالب: ومنها قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣] حيث اشتبه على الوعيدية ففهموا منه أن قاتل المؤمن عمدًا مخلد في النار، وطردوا ذلك في جميع أصحاب الكبائر، وأعرضوا عن الآيات الدالة على أن كل ذنب دون الشرك فهو تحت مشيئة الله تعالى.
الشيخ: من هم الوعيدية؟ هم المعتزلة والخوارج، هم الوعيدية؛ لأنهم قالوا بنصوص الوعيد، وأعرضوا عن نصوص الرجاء.
فالمعتزلة قالوا: فاعل الكبيرة مخلد في النار، والخوارج قالوا: فاعل الكبيرة مخلد في النار، لكن الخوارج أجرأ على حكم من المعتزلة؛ قالوا: هو كافر؛ لأن حكم الخلود لا يكون إلا للكافرين، وكفَّروا كل فاعل كبيرة، واستحلوا دماء المسلمين بناءً على هذا الأصل الخبيث.
والمعتزلة كانوا جبناء؛ قالوا: لا نقول: مؤمن ولا كافر، هو في منزلة بين منزلتين، فلا يجوز أن نصفه بالإيمان، ولا أن نصفه بالكفر، لكن في الآخرة يوافقون أيش؟
الطلبة: الخوارج.
الشيخ: يوافقون الخوارج ويقولون: هو مخلد في النار.

***

الطالب: ومنها: قوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: ٧٠] حيث اشتبه على الجبرية ففهموا منه أن العبد مجبور على عمله، وادعوا أنه ليس له إرادة ولا قدرة عليه، وأعرضوا عن الآيات الدالة على أن للعبد إرادة وقدرة، وأن فعل العبد نوعان: اختياري، وغير اختياري.
والراسخون في العلم أصحاب العقول يعرفون كيف يخرجون هذه الآيات المتشابهة إلى معنًى يتلاءم مع الآيات الأخرى، فيبقى القرآن كله محكمًا لا اشتباه فيه.

الشيخ: ولم يذكر المؤلف كيف تخرج هذه الآيات، مع أنه في القسم الأول خرجها؛ من أجل أن يكون الطالب هو الذي يحاول أن يخرجها، فيكون الأول فتحًا للباب، والثاني؟
طالب: سدًّا للباب.
الشيخ: لا، ما هو سد للباب، الثاني يأتي والباب مفتوح، ما يحتاج إلى فتح.
فمن يخرِّج لنا الآية الأولى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا؟
طالب: تخريجها هذه الآية؛ لأن هذا يكون وعيدًا شديدًا على من يقتل مؤمنًا متعمدًا، فيكون هذا سدًّا للذريعة للناس.
الشيخ: يعني إذن هو وعيد لا يراد ظاهره.
الطالب: لا يراد فيه ظاهر، إنما يراد به التهديد و..
الشيخ: التهديد والتنفير، طيب، أعرفتم الجواب؟
الطلبة: نعم، عرفنا.
الشيخ: عرفتم، يقول: هذا من باب التهديد وليس على سبيل الحقيقة، وإنما هو للمبالغة في التنفير عنه، طيب، هذا (...).
طالب: تخرج في قوله: فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَاأي: خالدًا فيها إلى ما شاء الله.
الشيخ: ويش الفائدة؟
الطالب: أنه ما قال أبدًا.
الشيخ: مطلقة؟! على كل حال هذا جواب أعرج، يحتاج إلى عصا يجبره.
طالب: نقول بما قال ابن عباس: إنه هذا جزاؤه (...)، ونقول: إنه قد تجتمع أسباب وقد توجد موانع تمنع وقوع هذا العذاب من الإيمان ونحوه، وقد لا تكتمل الصورة.
الشيخ: يعني معناه: أن هذا سبب للخلود، لكن قد توجد موانع تمنع منه وهو الإيمان، ولا مانع أن يرتب المسبب على السبب، ثم يأتي المانع فيمنع، أرأيتم القرابة سبب من أسباب الإرث، أليس كذلك؟
وربما يكون القريب مخالف لمورثيه في الدين فلا يرث، إذا هلك هالك عن ابن، فالابن يرثه، أليس كذلك؟ لكن إذا كان مخالفًا له في الدين فإنه لا يرث، فيكون هذا من باب الأسباب.
والقتل عمدًا -قتل المؤمن عمدًا- سبب للخلود، لكن قد يوجد موانع تمنع منه، ثلاثة؟
طالب: مستحلًّا دمه.
الشيخ: أنا أردت ما هو (...).
طالب: كيف نقول: إن معنى قوله تعالى: خَالِدًا فِيهَاأي: هو المكث الطويل، وليس على التأبيد؟
الشيخ: طيب، أن الخلود يراد به المكث الطويل دون التأبيد، وهذا إساءة في اللغة العربية، طيب، الأخ؟
طالب: مُتَعَمِّدًاأي: يستحل دمه، يكون خَالِدًابمعنى: الخلود الحقيقي.
الشيخ: نعم، يعني معناه: أنه وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًامستحلًّا دمه، فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا، وهذا الجواب ذكر للإمام أحمد رحمه الله فتعجب منه، تعجب منه استنكارًا لا إقرارًا، وقال: إنه إذا استحل قتل المؤمن عمدًا كفر وإن لم يقتله. فإذن هذا مردود.
ونظير هذا التأويل الذي ذكره الأخ تأويل بعضهم لنصوص كفر تارك الصلاة إلى أن المعنى من؟
طالب: استحل.
الشيخ: استحل ذلك وأنكر وجوبها، فيقال: سبحان الله! إذا أنكر وجوب الصلاة فإنه كافر ولو صلى وراء الإمام كل وقت، ولا يستقيم هذا.
على كل حال هذه أربعة أجوبة، أقربها إلى الصواب أن يقال: إن هذا من باب الأسباب، والأسباب قد يوجد لها موانع تمنع.
أو يقال: إن هذا من باب المكث الطويل، لكن هذا يرد عليه فيمن قتل نفسه؛ فإنه جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر التأبيد مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِهِ فِي جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا أَبَدًا» .
طالب: أحسن الله إليك، قلت: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ(...) نمرُّها كما جاءت (...) ما ذكرتم (...)؟
الشيخ: ما يستقيم هذا إطلاقًا؛ لأنا إذا قلنا: نمرُّها كما جاءت، فهي جاءت بالخلود، فيعود الإشكال.
الطالب: نترك هذا الإشكال؟
الشيخ: لا، ما (...) ويش الفائدة إذا قلنا: نتركه هكذا؟ فأبشر بكثرة القتل.
طالب: أليس الحروف المقطعة من المتشابه؟
الشيخ: عند قوم، والصحيح: أنها ليست من المتشابه، الحروف الهجائية المبدوءة بها السور الصحيح أنها ليست من المتشابه، بل من الواضح، وأنه ليس لها معنى.
طالب: شيخ، قلنا: فيه إشكال بالنسبة للقول بأن القاتل خالد في النار؛ يعني: يمكث مكوثًا طويلًا، فيمن قتل نفسه، فهل يقال يا شيخ: إن الذي يقتل نفسه إثمه أشد، فيستحق الخلود الأبدي؟
الشيخ: نعم، هو ربما يقال هذا، ربما يقال: إن الذي يقتل نفسه أشد ممن قتل غيره؛ لأن الإنسان مأمور بالمحافظة على نفسه، لكن مع ذلك فيها شيء من إشكال؛ لأن قاتل نفسه لا يخرج من الإسلام؛ ولهذا يصلى عليه، ويكفَّن ويغسَّل، ويدفن في مقابر المسلمين.
طالب: من له وجه الذي يقول: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًاأي: لإيمانه لا لسبب آخر؟
الشيخ: يعني: لأنه كره إيمانه، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: كراهة في الإيمان وإن لم يقتله توجب الكفر.
خرَّجنا الأولى؛ قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا.
الثانية: ومنها قوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌالاستفهام هنا للتقريب، والخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو لكل من يتأتى خطابه، وقد مر علينا القاعدة في ذلك كثيرًا، فلا حاجة للتكرار.
يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ(ما) اسم موصول يدل على العموم.
إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍيعني: ما في السماء والأرض مكتوب في اللوح المحفوظ.
إِنَّ ذَلِكَأي: كتابة ما في السماء والأرض، عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ؛ حيث اشتبه على الجبرية ففهموا منه أن العبد مجبور على عمله، وادعوا أنه ليس له إرادة ولا قدرة، الجبرية الآن يقولون: الإنسان مجبر على عمله، ليس له إرادة ولا اختيار، وإن حركاته كتحرك الريش في الهواء، وإن من نزل من السقف في الدرج درجة درجة كالذي ألقي من السطح، كلاهما ليس له أيش؟
الطلبة: إرادة.
الشيخ: كلاهما ليس له إرادة.
ولا شك أن هذا قول باطل، يبطله الحس، ويبطله العقل، ويبطله السمع.
أما السمع؛ فإن الله أثبت في عدة آيات المشيئة للعبد وإرادة، فقال: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، وقال: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، وقال: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩]، وقال: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ [هود: ١٥]، والآيات في هذا كثيرة.
وأما العقل؛ فإنه من المعلوم لو كان الله تعالى مجبرًا عباده على ما يفعلون ثم يعذبهم في المخالفة، لكان هذا أمرًا لا يليق بالله عز وجل؛ لأنه ظلم.
وأما الحس فظاهر؛ كل إنسان يعرف أنه يخرج ويدخل، ويذهب ويجيء باختياره، ولا يرى أن أحدًا يكرهه على هذا، ويفرق بين الفعل الاختياري والفعل الإجباري.
فهؤلاء اشتبه عليهم، وأعرضوا عن الآيات الدالة على أن للعبد إرادة وقدرة، وقد ذكرنا الآن الإرادة، مثل؟
طالب: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا.
الشيخ: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ. والقدرة وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ [القلم: ٢٥]، وأن فعل العبد نوعان: اختياري، وغير اختياري، وهذا الصحيح؛ ولذلك كان النوع غير الاختياري غير مؤاخذ عليه، ليش؟ لأنه ليس من فعله، ما أراده ولا اختاره، مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل: ١٠٦].
ثلاثة أمثلة وانتهينا منهم؛ الأول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، والثاني: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، والثالث: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ.

***

الحكمة في تنوع القرآن إلى محكم ومتشابه
00:34:26

الطالب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال شيخنا حفظه الله تعالى: الحكمة في تنوع القرآن إلى محكم ومتشابه، لو كان القرآن كله محكمًا لفاتت الحكمة من الاختبار به تصديقًا وعملًا؛ لظهور معناه وعدم المجال لتحريفه، والتمسك بالمتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ولو كان كله متشابهًا لفات كونه بيانًا وهدًى للناس، ولما أمكن العمل به، وبناء العقيدة السليمة عليه، ولكن الله تعالى بحكمته جعل منه آيات محكمات يرجع إليهن عند التشابه، وأخر متشابهات امتحانًا للعباد؛ ليتبين صادق الإيمان ممن في قلبه زيغ، فإن صادق الإيمان يعلم أن القرآن كله من عند الله تعالى، وما كان من عند الله فهو حق، ولا يمكن أن يكون فيه باطل أو تناقض؛ لقوله تعالى: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢]، وقوله: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢].
وأما من في قلبه زيع فيتخذ من المتشابه سبيلًا إلى تحريف المحكم، واتباع الهوى في التشكيك في الأخبار، والاستكبار عن الأحكام؛ ولهذا تجد كثيرًا من المنحرفين في العقائد والأعمال يحتجون على انحرافهم بهذه الآيات المتشابهة.
الشيخ: نعم، هذه لو كان القرآن كله محكمًا لفاتت الحكمة من الاختبار والامتحان، ولو كان كله متشابهًا لفات البيان للناس والإيضاح، فكان من حكمة الله عز وجل أن جعل بعضه محكمًا وبعضه متشابهًا، والمؤمن يعلم أن كلًّا من عند الله، وأنه لا يمكن أن يكون فيه تناقض، ثم يحاول أن يرد المتشابه إلى المحكم؛ ليكون الجميع محكمًا.
والذي في قلبه زيغ يأخذ بالمتشابهات؛ إما قهرًا عليه، وإما اختيارًا، لكنه يأخذ أولًا اختيارًا بالمتشابهات، ثم يزيغ قلبه فيلتبس عليه الأمر؛ ولهذا قال الله تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ [الأنعام: ١١٠] لماذا؟ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، ويقول عز وجل: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥].
فإذا لم يؤمن الإنسان بالوحي أول مرة زاغ قلبه، نسأل الله العافية؛ فلذلك كان هؤلاء الذين يتبعون المتشابه ويأخذون منه سبيلًا إلى الطعن في القرآن كانوا هم الذين لم يفتح لهم باب البيان ولا الهدى، بل ضلوا في طغيانهم يعمهون، فتبين أن الحكمة من ذلك هو الامتحان والاختبار بين المؤمن الراسخ في العلم وبين من في قلبه زيغ.
طالب: قول الله عز وجل: كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِيعني: بسبب أنهم لم يؤمنوا؟
الشيخ: إي نعم، كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فالكاف هنا للتعليل، كقوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ [البقرة: ١٩٨] على أحد الوجهين فيها؛ أي: واذكروه؛ لأنه هداكم، أو واذكروه ذكرًا كما هداكم له.
طالب: بارك الله فيك، عندما قسمنا المتشابه إلى حقيقي ونسبي والنسبي يعلمه..
الشيخ: الراسخون في العلم.
طالب: بعض أهل العلم يقول: إن الراسخين في العلم اللي لا يعلمون المتشابه مطلقًا، يقولون: لأن الآية سبقت بـ(أما) وهي تدل على التفريق؟
الشيخ: التقسيم ما فيه شك.
الطالب: يقولون مثلًا: لو كانوا يعلمونه لما ذم الله عز وجل الذين يبتغون التأويل كانوا ممدوحين يعني؟
الشيخ: لا، هم يعلمون كيف يجمعون بينه وبين المحكم، هؤلاء يأخذون المتشابه ويعرضون عن المحكم، وأما الراسخون في العلم فيقولون: آمنا به كل من عند ربنا، ومقتضى هذا الإيمان أن يلحقوا المتشابه بالمحكم، فيبقى كله محكمًا.
طالب: يا شيخ، يقول الله سبحانه وتعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢ - ٢٤]، ألا يستدل بهذه الآية برؤية الله سبحانه وتعالى، على عكس ما قالت الفرقة التي تنكر؟
الشيخ: بلى، ما فيها شك، في أربع آيات من القرآن.
طالب: نعم، نحن ذكرنا البارح أن فرقة تنكر رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة فنصدهم بهذه الآية؟
الشيخ: إي نعم، بهذه الآية وغيرها في آيات أربع، أربع آيات كلها تدل على ذلك.

***

موهم التعارض في القرآن
00:40:02

الطالب:
موهم التعارض في القرآن.
التعارض: أن تتقابل آيتان بحيث يمنع مدلول إحداهما مدلول الأخرى.
الشيخ: التعارض في القرآن، كذا عندكم؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: لأن هذا التعريف قاصر؛ لو جعلنا تعريف التعارض مطلقًا، التعارض في القرآن.

***

الطالب: التعارض في القرآن: أن تتقابل آيتان بحيث يمنع مدلول إحداهما مدلول الأخرى، مثل أن تكون إحداهما مثبِتة لشيء والأخرى نافية له، ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين.
الشيخ: هذا تعريف التعارض، التعارض: التقابل من كل وجه بحيث يمنع مدلول إحداهما مدلول الأخرى.
وأما إذا كان التقابل من بعض الوجوه، فهذا ليس بتعارض، كما يكون بين العام والخاص؛ فإن العام يدل على شمول الحكم للأفراد، والخاص يدل على اختصاصه بأحدها، وهذا في الحقيقة ليس بتعارض، لماذا؟ لأنه ليس تقابل من كل وجه.

***

الطالب: ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما خبري؛ لأنه يلزم كون إحداهما كذبًا، وهو مستحيل في أخبار الله تعالى، قال الله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء: ٨٧]، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: ١٢٢].
ولا يمكن أن يقع التعارض بين آيتين مدلولهما حكمي؛ لأن الأخيرة منهما ناسخة للأولى، قال الله تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة: ١٠٦]، وإذا ثبت النسخ كان حكم الأولى غير قائم ولا معارض للأخيرة، وإذا رأيت..

الشيخ: إذن التعارض ممنوع، سواء كان في أمر خبري أو أمر حكمي.
أما في الأمر الخبري؛ فلو وقع التعارض بحيث تكون آيةٌ من كتاب الله تثبت شيئًا والأخرى تنفيه، لزم من ذلك أن يكون إحدى الآيتين كاذبة، وهذا مستحيل في خبر الله عز وجل.
في الأمر الحكمي أيضًا لا يمكن التعارض؛ لأن التعارض من كل وجه لا بد أن تكون إحداهما ناسخة للأخرى، ونسخ الأحكام جائز، فالمتأخر ناسخ، والمنسوخ غير قائم، فلا تعارض.
والمقصود هنا: أن نقرر أنه لا يمكن أن يبقى التعارض بين آيتين في كتاب الله بدون حل.
الخبر قلنا: لا يمكن، لماذا؟
طالب: يستلزم أن تكون إحداهما..
الشيخ: لأنه يلزم بذلك تكذيب إحداهما للأخرى.
الحكم أيضًا لا يمكن؛ لأنه إذا وقع التعارض من كل وجه، فالمتأخر ناسخ، فيبقى الثاني لا مقاوم له ولا تعارض.
وقد مر علينا بالأمس أن الله تعالى ذكر أنه يحشر المجرمين يوم القيامة زرقًا، وأخبر أنه في ذلك اليوم تسود وجوه وتبيض وجوه، وذكرنا الجمع، وإذا أمكن الجمع فهل هناك تعارض؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، طيب.

***

الطالب: وإذا رأيت ما يوهم التعارض من ذلك فحاول الجمع بينهما، فإن لم يتبين لك وجب عليك التوقف، وتكلَ الأمر إلى عالمه، وقد ذكر العلماء رحمهم..
الشيخ: (وتكلَ)، ليش بالنصب وهي فعل مضارع؟
الطالب: مصدر توقفًا.
الشيخ: كيف؟ لا، (وتكلَ).
الطالب: أقول: سبقت بمصدر.
الشيخ: يعني عطفت.
طالب: على اسم خالص.
الشيخ: يعني: عطفت على مصدر
وَإنْ عَلَى اسْمٍ خَالِصٍ فِعْلٌ عُطِفْ نَصَبَهُ (أَنْ) ثَابِتًا أَوْ مُنْحَذِفْ

ومنه قوله:
وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي .................

***

الطالب: وقد ذكر العلماء رحمهم الله أمثلة كثيرة لما يوهم التعارض، وبينوا الجمع في ذلك، ومن أجمع ما رأيت في هذا الموضوع كتاب دفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، فمن أمثلة ذلك قوله تعالى..
الشيخ: وهل هذا البحث هو مهم بالنسبة للقرآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، مهم؛ لأن الإنسان يتعود به كيف يجمع بين الآيات، ويوقن بأن القرآن ليس فيه تعارض، فهو مهم جدًّا؛ لذلك ينبغي للإنسان أن يطالع مثل هذه الكتب التي فيها الجمع بين الآيات التي ظاهرها التعارض.

***

الطالب: فمن أمثلة ذلك قوله تعالى في القرآن: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢]، وقوله فيه: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ [البقرة: ١٨٥]، فجعل هداية القرآن في الآية الأولى خاصة بالمتقين، وفي الآية الثانية عامة للناس، والجمع بينهما: أن الهداية في الأولى هداية التوفيق والانتفاع، والهداية في الثانية هداية التبيين والإرشاد، ونظير هاتين الآيتين..
الشيخ: واضح؟ هُدًى لِلْمُتَّقِينَوهُدًى لِلنَّاسِبينهم تعارض فيما يظهر؛ لأن المتقين أخص من عموم الناس، فيقال: الجمع بينهما أن الهداية هدايتان؛ هداية توفيق وعمل، وهذا للمتقين، وهداية بيان وإرشاد، وهذا لجميع الناس.

***

الطالب: ونظير هاتين الآيتين قوله تعالى في الرسول صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص: ٥٦]، وقوله فيه: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: ٥٢]، فالأولى هداية التوفيق، والثانية هداية التبيين، ومن أمثلة ذلك قوله..
الشيخ: قوله: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَأين عائد (مَن)؟
طالب: محذوف، تقديره: أحببته.
الشيخ: إنك لا تهدي من أحببته، طيب، في وجه آخر؟
طالب: تقديره: من أحببت هدايته.
الشيخ: تقديره: من أحببت هدايته، هذان قولان، فأيهما الأصح؟
الطلبة: الأول يا شيخ.
الشيخ: إن نظرنا إلى أن الأصل عدم التقدير قلنا: الأصح الأول؛ أي: من أحببته.
وإن ورد علينا إشكال وقال: هذا يقتضي أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يحب أبا طالب، ولا نتخلص من هذا الإيراد إلا إذا قلنا: إن التقدير: من أحببت هدايته، فأيهما ترجحون؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: ولو كان فيه تقدير؟ هل يلام الإنسان على محبة شخص أحسن إليه محبة إحسان لا محبة دين؟
الطلبة: لا يلام.
الشيخ: لا يلام؛ يعني: من أحسن إليك فإنك تحبه لإحسانه لا لدينه، والظاهر -لي أنا- أن الأصل عدم الحذف، وأن التقدير: من أحببته، ولكن حب الرسول لأبي طالب ليس حب دين، ولكنه حب قرابة وإحسان؛ لأن الرجل أحسن إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إحسانًا عظيمًا، ودافع عنه مدافعة عظيمة، وله اللامية المشهورة التي قال عنها ابن كثير في البداية والنهاية: إنها أحق أن تكون من المعلقات؛ لأن المعلقات عندهم، عند العرب كم؟ سبع قصائد عظيمة معلقة في جوف الكعبة؛ لعظمها عندهم، هذه أحق من المعلقات أن تعلق في الكعبة.
المهم لَا تَهْدِيوَإِنَّكَ لَتَهْدِينفي وإثبات؛ النفي في قوله: لَا تَهْدِي، والإثبات في قوله وَإِنَّكَ لَتَهْدِيومؤكد، إثبات مؤكد بـ(إن) واللام، فما الجمع؟
نقول: الأولى إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَهداية التوفيق، والثانية لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍهداية الدلالة؛ ولهذا تعدت بـ(إلى)؛ أي: لتدل إلى هذا.

***

الطالب: ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ [آل عمران: ١٨]، وقوله: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: ٦٢]، وقوله: وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [القصص: ٨٨]، وقوله: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [هود: ١٠١].
ففي الآيتين الأوليين نفي الألوهية عما سوى الله تعالى، في الأخريين: إثبات الألوهية لغيره.
والجمع بين ذلك: أن..

الشيخ: واضح هذا؟
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ، وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُفي كلتا الآيتين نفي الألوهية عما سوى الله.
وفي الآية الثالثة: وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، فأثبت الألوهية لغيره، وفَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍأيضًا أثبت الألوهية لغيره، وظاهر هذا التعارض، إذن لا بد من جمع.

***

الطالب: والجمع بين ذلك: أن الألوهية الخاصة بالله عز وجل هي الألوهية الحق، وأن المثبتة لغيره هي الألوهية الباطلة؛ لقوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج: ٦٢].
الشيخ: واضح؟ إذن المنفي غير المثبت، ما هو المثبت؟
الطلبة: ألوهية الحق.
الشيخ: ألوهية الحق، والمنفي؟
الطلبة: ألوهية الباطل.
الشيخ: ألوهية الباطل، فصار النفي واردًا على غير ما ورد عليه الإثبات، وحينئذٍ لا تعارض.

***

الطالب: ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ [الأعراف: ٢٨]، وقوله: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء: ١٦].
ففي الآية الأولى: نفى أن يأمر الله تعالى بالفحشاء، وظاهر الثانية: أن الله تعالى يأمر بما هو فسق.
والجمع بينهما: أن الأمر في الآية الأولى هو الأمر الشرعي، والله تعالى لا يأمر شرعًا بالفحشاء؛ لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل: ٩٠].
والأمر في الآية الثانية هو الأمر الكوني، والله تعالى يأمر كونًا بما شاء، حسب ما تقتضيه حكمته؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، ومن رام زيادة أمثلة فليرجع إلى كتاب الشنقيطي المشار إليه آنفًا.

الشيخ: هذا أيضًا مثال، وهو قوله: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ [الأعراف: ٢٨]، ردًّا على قولهم إذا فعلوا فاحشة: وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا، فاعتلوا بأمرين:
أولًا: أنهم وجدوا عليها آباءهم.
والثاني: أن الله أمرهم بها، فأبطل الله الباطل، وأحقَّ الحق، فقال: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، ولم يقل: لم يجدوا عليها آباءهم، لماذا؟ لأنه حق.
وفي الآية دليل على قبول الحق من غير أهل الحق؛ لأن المشركين ليسوا أهل حق، لكن إذا قالوا الحق نقبله، وقد قَبِلَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من اليهودي الذين قال: إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، وذكر بقية الحديث، فضحك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى بدت نواجذه، تصديقًا لقول الحبر.
بل زِدْ على ذلك أنه أقر الحق من الشيطان في حديث أبي هريرة حينما قال: ألا أدلك على آية من كتاب الله تقرؤها فلا يقربك الشيطان حتى تصبح: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ[البقرة: ٢٥٥]، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.
وفي هذا دليل على أن الحق يقبل من أي إنسان، بعض الناس إذا جاء الحق من فاسق وهو حق واضح يقول: لا، أبدًا، هذا ما فيه خير، ولا يمكن أن يأتي بخير، وهذا غلط، العدل أن يكون الحق ضالتك متى وجدته فخذ به.
الشاهد قوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، وقال: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا، ففي الأول نفى أن يأمر بالفحشاء، وفي الثانية أثبت أنه يأمر بالفسق أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا، فكيف الجمع؟
الجمع هو: أن الأمر في الآية الأولى -الأمر المنفي- الشرع؛ يعني: لا يأمر شرعًا بالفحشاء، بل هو ينهى عن الفحشاء والمنكر، والأمر في الثانية الأمر الكوني؛ فإن كل ما وقع في السماء والأرض فهو بأمره الكوني؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وبهذا انتفى أيش؟
طالب: التعارض.
الشيخ: وما ذكرناه في الآية الثانية -أمر مترفيها- هو الحق الذي لا يجوز سواه.
وذهب بعض العلماء إلى أن معنى أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا: أمرًا شرعيًّا، ففسقوا فيها، وهذا غلط في الواقع؛ لأنه يلزم من أن الله يرسل الرسل لأجل أن يفسق الناس ويدمرهم، وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةًأرسلنا الرسل إليهم، فَفَسَقُوافدمرناهم، وهذا غلط، هذا ما فيه الحكمة، كيف يرسل الله الرسل من أجل أن يعصي الناس ويفسقوا فيهلكهم؟! لكن المعنى: إذا أردنا أن نهلك قرية -وقد وجهنا إليهم الأوامر والنواهي- أمرنا مترفيها أمرًا كونيًّا، ففسقوا فيها.
وفي هذا الحذر والتحذير من الترف، وأن المترف على خطر عظيم؛ لأنه هو الذي يفسق، ومن ثم قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاللَّهِ، مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسَهَا مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» ، وهذا هو الواقع؛ كلما ازدادت النعم على الإنسان ازداد طغيانًا؛ لأنه يرى أنه استغنى وليس بحاجة لأحد، كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: ٦، ٧].
طالب: مدلول الآية الحكمي ما يندرج تحت المدلول الخبري من حيث التقسيم؟
الشيخ: لا، الحكمي يقابله الاستكبار من العبد، والخبري يقابله التكذيب؛ ولهذا تكذيب خبر واحد وإن قلَّ كفر، ومخالفة حكم واحد قد لا يقتضي الكفر، بل ولا الفسق أيضًا، فرق بين الأمر الخبري والأمر الحكمي.
الطالب: الحكم حينما يأتي في الآية يأتي على صيغة الإقرار.
الشيخ: لا، يُجعل على: افعل، أو لا تفعل.
طالب: غفر الله لكم، يا شيخ، أحيانًا بدافع الاضطراب يفسر كثير من السلف أو العلماء من أهل السنة كلهم يذهب إلى ناحية في تفسير؛ يعني الذي دفعه، وكل يتكلم في الآخر ويقول: إن خصمي على خطأ، وكلاهما ليس من (...)، كيف نأخذ أحد غيره؟
الشيخ: فتح الله علينا وعليك، الإنسان إذا كان عنده ملكة في استعمال النصوص وتطبيقها سهل عليه أن يرجح ما اختلف فيه العلماء، وإن لم يكن عنده ملكة فليتبع من يرى أنه أقرب إلى الصواب؛ لغزارة علمه وقوة أمانته.
طالب: قوله تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء: ٧٩] شيخ، هنا بعض الناس يحتج بالقدر على المعصية، وبعضهم قال: إن الحسنة هو يشبهها الغنيمة، والسيئة يشبهها بالمصائب؛ المصيبة التي وقعت، على هل (...) الذين قالوا يا شيخ: معنى الحسنة هي المعروفة، والسيئة هي المعروفة؟
الشيخ: رد السيئة.
الطالب: كيف نجيب على شبهة هؤلاء؟
الشيخ: أي شبهة؟
الطالب: شبهة جواز احتجاجهم بالقدر على المعصية؟
الشيخ: إي، نقول لهم: لا شك أن المصائب سببها عمل العبد؛ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠]، شوف عامة مَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ، جاءت (من) الزائدة بعد النفي؛ لتأكيد العموم، فأسباب المصائب هي المعاصي، ولكن لا يلزم أن تكون المعصية من كل فرد؛ يعني قد تكون المعصية من العموم، وبعض الأفراد لم يعصِ، لكن العقوبة تكون شاملة، كما قال تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: ٢٥].

***

القسم
01:03:07

الطالب:
القسم.
القَسَم بفتح القاف والسين: اليمين، وهو تأكيد الشيء بذكر معظَّم، بالواو أو إحدى أخواتها، وأدواته ثلاثة: الواو..

الشيخ: القَسَم غير القِسْم؛ القَسَم هو: اليمين والحلف، وله ألفاظ متعددة، وهو تأكيد الشيء بذكر معظَّم، لكن بصيغ مخصوصة، وهي حروف القسم الثلاثة.
وعلى هذا؛ فإذا قال الإنسان: حرام عليَّ أن أفعل، فهذا ليس قسَمًا، وليس قسَمًا بغير الله، وليس شركًا، لكن حكمه حكم اليمين؛ لأن الله تعالى قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: ١] إلى أن قال: قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ [التحريم: ٢]، فالقسَم الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم من الشرك إنما هو تأكيد الشيء بذكر معظَّم بالواو أو إحدى أخواتها، وكم لها من أخت؟
طالب: ثلاثة.
طالب آخر: لها أختان.
الشيخ: لا، لها أختان وهي الثالثة؛ ولذلك قال: (أدواته ثلاثة).

***

الطالب: وأدواته ثلاث: الواو، مثل قوله تعالى: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ [الذاريات: ٢٣]، ويحذف معها العامل وجوبًا، ولا يليها إلا اسم ظاهر.
الشيخ: انظر إلى خصائصه، يحذف معها العامل وجوبًا، فلا يصلح أن تقول: أقسم واللهِ لتقومن، بخلاف الباء تقول: أقسم باللهِ، أما هذه لا يجوز.
فلو قلت: أقسم واللهِ، لكان هذا التركيب غير عربي؛ لأنه لا بد أن يحذف معها فعل القسم.
أيضًا لا بد أن يليها اسم ظاهر، فلا يجوز أن يليها ضمير، بخلاف الباء، فإنه يجوز أن تقول: اللهِ أقسم به لتفعلن كذا، واضح؟

***

الطالب: والباء، مثل قوله تعالى: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [القيامة: ١]، ويجوز معها ذكر العامل، كما في هذا المثال، ويجوز حذفه، كقوله تعالى عن إبليس: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٢]، ويجوز أن يليها اسم ظاهر، كما مثلنا، وأن يليها ضمير، كما في قولك: الله ربي وبه أحلف لينصرن المؤمنين.
الشيخ: طيب، الآن الباء أوسع من الواو؛ لأنه يذكر معها فعل القسم، والواو لا يذكر، يليها الظاهر والمضمر، والواو لا يليها إلا الظاهر.
لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِهذا قسم مثبت ولَّا منفي؟
طالب: مثبت.
الشيخ: يا إخوان، لَا أُقْسِمُ(لا) نافية.
الطلبة: (...).
الشيخ: نعم، هذا موجود في القرآن بكثير؛ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد: ١]، لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ [الحاقة: ٣٨]، فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ [المعارج: ٤٠]، فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ [الواقعة: ٧٥]، كثير.
وقد اختلف المفسرون في (لا)؛ فقيل: نافية لفعل محذوف، والتقدير في قوله: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ: لا صحة لما تزعمون من إنكار البعث، أقسم بيوم القيامة.
وقيل: إن (لا) نافية لفعل محذوف أيضًا أو لمنفي محذوف، والتقدير: لا أقسم على كذا، أنا قلت: لشيء محذوف ولكن لشيء موجود، التقدير: لا أقسم بكذا على كذا؛ لأنه لا يحتاج إلى قسم، هذان رأيان.
الرأي الثالث يقول: (لا) للتنبيه، والجملة جملة ثبوتية لا جملة منفية. فالأقوال كم؟
الطلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة؛ الأول: أن (لا) نافية، والمنفي محذوف، فـ(لا) تكون داخلة على أُقْسِمُ.
الثاني: أن (لا) نافية داخلة على أُقْسِمُ، والمعنى: لا أقسم؛ لأن الأمر أبين وأظهر من أن يحتاج إلى قسم.
والثالث: أن (لا) للتنبيه، وأُقْسِمُقسم مثبت، وهذا أصح وأقل تكلفًا، وكما نعلم أن (ألا) تأتي للتنبيه، فكذلك (لا) التي ليس معها الهمزة تأتي للتنبيه.
يجوز معها ذكر العامل، كما في هذا المثال، أين العامل؟
الطلبة: أُقْسِمُ.
الشيخ: وين العامل في لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ؟
الطلبة: أُقْسِمُ.
الشيخ: طيب، ويجوز حذفه، كقوله تعالى عن إبليس: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٢]، أين القسم؟
الطلبة: فَبِعِزَّتِكَ.
الشيخ: فَبِعِزَّتِكَ، حرف القسم الباء، والمقسَم به العزة، والمقسم عليه لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، أين فعل القسم؟
طالب: محذوف.
الشيخ: محذوف، والتقدير: فبعزتك أقسم لأغوينهم أجمعين.
فقالوا: يجوز أن يليها اسم ظاهر، كما مثلنا، وأن يليها ضمير، كما في قولك: الله ربي وبه أحلف لينصرن المؤمنين، الله ربي وبه، الباء هنا؟
الطلبة: للقسم.
الشيخ: للقسم، بدليل قوله: أحلف لينصرن المؤمنين.

***

الطالب: والتاء، مثل قوله تعالى: تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ [النحل: ٥٦]، ويحذف معها العامل وجوبًا، ولا يليها إلا اسم الله أو رب، مثل: ورب الكعبة لأحجن إن شاء الله.
الشيخ: هذه هي أضيقها، التاء أضيقها؛ أولًا: أنه يحذف معها العامل وجوبًا، ويشاركها في هذا الواو.
ثانيًا: لا يليها إلا اسم الله أو الرب، بخلاف الواو، قال ابن مالك:
................... ..... وَالتَّاءُ لِلَّهِ وَرَبْ

مثل: ورب الكعبة لأحجن إن شاء الله.
طالب: (...) ورب الكعبة (...)؟
الشيخ: إي، خلينا نشوف الأصل، جزاك الله خيرًا.
طالب: شيخ، هل يجوز القسم بصفات الله تعالى؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (...)؟
الشيخ: بصفات الله المعنوية لا الخبرية، مثل القدرة، والعزة، والحكمة، والرحمة، أما اليد والعين فلا.
طالب: الحلف بالطلاق؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: هل يدخل في اليمين أو على حسب النية؟
الشيخ: ما هو الحلف بالطلاق، مثل ما يقول أيش؟
طالب: عليَّ الطلاق؟
الشيخ: هذا ليس قسمًا، لكن حكمه حكم اليمين، هو لم يقل: والطلاق لأفعلن كذا، فهو مثل التحريم. انتبهوا يا إخوان، التحريم أو الطلاق بمعنى اليمين، وليس يمينًا، لكن له حكم اليمين؛ ولهذا إذا قال الإنسان: إن فعلت كذا فامرأتي طالق، فهذا له حكم اليمين، لكن لا يسمى يمينًا، ولا يعد الرجل مشركًا حالفًا بغير الله.
طالب: جزاك الله خيرًا، بمناسبة ذكر آية التحريم سمعت أحد طلبة العلم في شريط مسجل يتكلم على تفسيرها، سئل عن قوله: عليَّ الحرام، فقال: أنا لا أرى في هذا شيئًا، وأما ما يستدلون بهذه الآية في التحريم فلم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: عليه الحرام، إنما حلف يمينًا، فهل قوله هذا صحيح؟
الشيخ: الآية صريحة لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ، والذي قال: «لَنْ أَعُودَ إِلَى أَكْلِ الْعَسَلِ» «لَنْ أَعُودَ»، ومثل هذا -كلام الرسول- بمنزلة التحريم.
لكن في مسألة: أنت عليَّ حرام، هي حسب النيات، إذا قال: أنت عليَّ حرام، فقد قال ابن عباس: ليس بشيء ، وقال مرة: عليه كفارة يمين ؛ لأنه إذا قال: أنت عليَّ حرام وأراد أنها حرام عليه فقد كذب.
نقول: إذا قلت لزوجتك: أنت عليَّ حرام، فأنت كاذب؛ يعني: أي: إذا أراد الخبر فهو كاذب، لماذا؟ لأنها حلال له.
وكذلك لو قال: الخبز عليَّ حرام، ماذا نقول؟
الطلبة: كذب.
الشيخ: نقول: هذا كذب، ما دمت تخبر خبرًا، فإن قلت: إنه حرام إنشاءً، وأراد تحريم ما أحل الله كان كافرًا؛ لأن العلماء يقولون: إذا أنكر حل ما كان حله معلوم بالضرورة من الدين فهو كافر.
وإذا قال: هو عليَّ حرام، إنشاءً، بقصد الامتناع منه، فهو يمين، حكمه حكم اليمين إذا أكل منه، إن كان الخبز، أو إذا أتى أهله إذا كان في المرأة، لزمه كفارة يمين. فالمهم أن النية لها أثر في هذه الألفاظ.

***

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال شيخنا حفظه الله تعالى في كتابه أصول في التفسير في بحث القسم، قال:
والأصل ذكر المقسَم به، وهو كثير، كما في المثل السابقة، وقد يحذف وحده، مثل قولك: أحلف عليك لتجتهدن، وقد يحذف مع العامل، وهو كثير، مثل قوله تعالى: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر: ٨]، والأصل ذكر المقسَم عليه، وهو كثير، مثل قوله تعالى: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن: ٧].
وقد يحذف جوازًا مثل قوله تعالى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق: ١]، وتقديره: ليهلكن.
وقد يحذف وجوبًا إذا تقدمه أو اكتنفه ما يغني عنه، قال ابن هشام في المغني: ومثل له بنحو: زيدٌ قائمٌ واللهِ، وزيدٌ واللهِ قائمٌ. وللقسم فائدتان.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، لما ذكر حروف القسم وأنها ثلاثة، ذكر حكم حذف القسم وما يتعلق به، سواء كان أداة القسم، أو الفعل، أو المقسم عليه، فقال: (والأصل ذكر المقسم به وهو كثير كما في المثل السابقة).
المثل السابقة: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [الذاريات: ٢٣]، أين المقسم به؟
الطلبة: رب السماء والأرض.
الشيخ: الثاني: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [القيامة: ١].
الطلبة: يوم القيامة.
الشيخ: الثالث: تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ.
الطلبة: لفظ الجلالة.
الشيخ: طيب، هذا هو الأصل؛ أن المقسم به مذكور، وقد يحذف وحده، مثل قولك: أحلف عليك لتجتهدن، حلفت لتقومن، أين المقسم به؟
الطلبة: محذوف.
الشيخ: محذوف، وهذا جائز وسائغ في اللغة العربية، وكثير.
وقد يحذف مع الفعل وهو كثير أيضًا، مثل قوله: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ، اللام هذه واقعة في جواب القسم، فأين المقسم به؟ محذوف، التقدير: ثم واللهِ لتسألن.
وإنما كثر الحذف في ذلك؛ أي: في صيغ القسم؛ لأنها ترد كثيرًا في لسان العرب، فتكون معلومة؛ فلهذا تجدون حذفها كثيرًا، لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ.
فإذا سئلنا: ما الأصل في المقسم به؟
الطلبة: ذكره.
الشيخ: ذكره هذا الأصل، وقد يحذف.
ما الأصل في المقسم عليه؟ الأصل أيضًا ذكره، وقد يحذف ذكره، (والأصل ذكر المقسم عليه وهو كثير مثل قوله تعالى: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ) هذا الأصل، الأصل ذكر المقسم عليه، وهو كثير، مثل قوله تعالى: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ، والمقسم عليه هو محط الفائدة؛ ولهذا كان ذكره كثيرًا.
(قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ) الخطاب في قوله: قُلْ؟
طالب: للرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: للرسول صلى الله عليه وسلم، قل للذين زعموا ألن يبعثوا: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ، فأمره الله تعالى أن يقول لهؤلاء الذين زعموا أنهم لا يبعثون: وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ.
فإن قال قائل: أي فائدة في هذا القسم لقوم منكرين؟
قلنا: إنه من أسلوب اللغة العربية أن الكلام يؤكد بالقسم، وإذالم ينتفع هؤلاء بالتأكيد انتفع غيرهم، فيكون تأكيده حجة عليهم من وجه، ونبراسًا لغيرهم من وجه آخر.
في القرآن الكريم أمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يقسم في ثلاثة مواضع، الأول؟
طالب: وَرَبِّي.
الشيخ: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ، عرفت؟ فأمر الله أن يقسم على أن البعث حق، وأنه لا بد أن يكون. الثاني؟
طالب: قوله: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي [يونس: ٥٣].
الشيخ: أحسنت، وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ. الثالث؟
طالب: سورة سبأ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ [سبأ: ٣].
الشيخ: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ.
فأمر الله نبيه يقسم في هذه المواضع الثلاثة، وكلها إما على البعث، أو على القرآن.
(وقد يُحذَف جوازًا) يُحذَف، نائب الفاعل ما هو؟
الطلبة: المقسم عليه.
الشيخ: المقسم عليه، قد يحذف جوازًا، مثل قوله تعالى: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْإلى آخره [ق: ١، ٢] (ق) من الحروف الهجائية، وهي كثيرة في عدة سور من القرآن، وقد سبق أن القول الراجح أنها في حد ذاتها ليس لها معنًى.
وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِهذا المقسم به، المقسم عليه محذوف، تقديره: ليهلكن، وهذا أحد القولين، بل أحد الأقوال، وقيل: إنه لا حاجة لذكر المقسم عليه؛ لأنه مفهوم من السياق، السياق هو أن الآية تدل على إثبات البعث؛ لقوله: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا [ق: ٢، ٣]؛ ولذلك لو كان التقدير: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِليبعثُن، لكان أقرب إلى السياق من قوله: ليهلكن؛ لأن الكلام هنا في تقرير أيش؟
الطلبة: البعث.
الشيخ: في تقرير البعث، طيب، فصار الآن عندنا ثلاثة أقوال:
القول الأول: محذوف، تقديره: ليهلكُن.
الثاني: محذوف، تقديره: ليبعثُن.
الثالث: أنه لا حاجة لذكره ولا تقديره؛ لأنه معلوم من السياق.
(وقد يحذف وجوبًا إذا تقدمه أو اكتنفه ما يغني عنه، فإنه يحذف وجوبًا لأن ذكره يكون تكرارًا بلا فائدة، مثاله: زيد قائم والله).
هذا تقدمه ما يدل عليه؛ لأن معنى (زيدٌ قائمٌ واللهِ) معناه: واللهِ إن زيدًا لقائمٌ، فقد تقدمه ما يدل عليه فلا يحتاج إلى ذكره، وذكره لغو؛ لأنك لو قلت: زيد قائم واللهِ ليقومَنَّ زيد، شوف الكلام ركيك، ما يستقيم.
(أو اكتنفه ما يدل عليه) اكتنفه؛ يعني: صار القسم بين أجزاء الجملة التي تدل عليه.
(مثاله: زيدٌ واللهِ قائمٌ) الآن القسم؟
الطلبة: بينهم.
الشيخ: في الوسط؛ بين المبتدأ والخبر، لو قيل: زيدٌ واللهِ قائمٌ، إنه لقائم؟ صار لغوًا لا فائدة منه، وكلامًا ركيكًا.
بقي عندنا الآن: القسَم؛ إما متأخر، وإما متوسط، وإما متقدم. إذا تقدم فليس الجواب بمحذوف، لو قال: واللهِ إن زيدًا قائمٌ، ما في حذف؛ ولذلك لو قال قائل: إن القسمة تقتضي أن يكون المقسم به متوسطًا، أو متأخرًا، أو متقدمًا، ماذا نقول؟
نقول: إذا كان متقدمًا فلا حذف؛ واللهِ لزيدٌ قائمٌ، ما في حذف.
إذا كان متأخرًا أو متوسطًا، فهذا هو الذي يكون فيه الحذف، ويقول ابن هشام: إنه يحذف أيش؟ وجوبًا؛ لأن ذكره لغو لا فائدة منه، بل لا يزيد الكلام إلا ركاكة.
صار إذن الذي يحذف المقسم به والمقسم عليه، كذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب، والمقسَم؟
الطلبة: (...).
الشيخ: المقسم ما يمكن يحذف؛ لأنه هو المتكلم.
قال: (وللقسم فائدتان إحداهما).

***

الطالب: وللقَسَم فائدتان:
إحداهما: بيان عظمة المقسَم به، والثانية: بيان أهمية المقسَم عليه، وإرادة توكيده؛ ولذا لا يحسن القسم إلا في الأحوال التالية:
الأولى: أن يكون المقسَم عليه ذا أهمية.
الثانية: أن يكون المخاطب مترددًا في شأنه.
الثالثة: أن يكون المخاطب منكرًا له.
الشيخ: يعني: القسَم لا يحسن إلا في الأحوال التالية:
أن يكون المقسم عليه ذا أهمية، ولو كنت تخاطب من لا ينكر؛ لأنك تقسم لا لإثباته في ذهن المخاطب، ولكن لبيان أهميته؛ إذ إن الذي ليس له أهمية لا يقسَم عليه؛ لأنه يقال سواء صدق أو لم يصدق ما يهم.
لكن إذا كان له أهمية فإنه يقسم عليه، وإن لم يستقسم، وإن لم ينكر المخاطب؛ ألم تروا إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» ، هل أحد ينكر ممن يخاطبهم؟ لا، هل أحد متردد؟ لا، لكن لأهمية الأمر أقسم، وهذا يمر بكم كثيرًا؛ أنه يكون القسم بدون تردد من المخاطب، وبدون إنكار منه، وبدون طلب له؛ يعني: ما يمكن ما يقول له: اقسم، احلف.
إذن يحسن القسم أيش؟ في ثلاثة مواضع:
أن يكون المقسم عليه ذا أهمية، وإن كنت تخاطب من يعترف به.
الثاني: أن يكون المخاطب مترددًا في شأنه، فهنا تحلف؛ ليطمئن ويزول عنه الشك.
الثالث: أن يكون المخاطب منكرًا له.
وقد قال أهل البلاغة: إنه إذا كان المخاطب منكرًا وجب تأكيد الكلام، سواء بالقسم أو بغيره، وهذا حقيقة؛ ولهذا نحن قلنا: لا يحسن القسم، وإنما لم نقل: إنه يجب القسم في مخاطبة المنكر؛ لأنه يمكن أن يؤكد له بأيش؟
طالب: بغير القسم.
الشيخ: بغير القسم، أفهمنا فائدة القسم الآن؟
الأولى: بيان عظمة المقسم به، والثاني: بيان أهمية المقسم عليه.
ولهذا لا يجوز للمخلوق أن يحلف بغير الله، مستفادًا من قولنا: بيان عظمة المقسم به، لكن يجوز لله أن يحلف بما شاء من المخلوقات أو بنفسه سبحانه وتعالى، وحلفه ببعض المخلوقات يدل على عظمة هذا المخلوق، وأنه جدير بأن يكون مقسمًا به.
طالب: هل يجوز أن يقسم بـ(لعَمْر)، هل هو من القسم بغير الله؟
الشيخ: نعم، يجوز أن يقول: لَعَمْرُكَ، أو لَعَمْرِي، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة: لَعَمْرِي ؛ لأن هذا في الواقع ما هو القسم الذي يكون الحلف به شركًا أو كفرًا؛ إذ إن صيغة القسم لا تكون إلا بأيش؟ بالواو، والباء، والتاء.
أما لَعَمْرُكَ فإنه قسم؛ أي: بمعنى القسم؛ ولهذا لو قال: وعَمْرِك؛ صار مقسمًا به وصار حرامًا.
طالب: ما صحة قول بعض العلماء: إنهم جعلوا الهمزة من أدوات القسم؟
الشيخ: يمكن أن تكون من أدوات القسم، لكنها المعروف أنها من أدوات النداء.
طالب: شيخ، صيغة القسم: يمين الله وايم الله، السؤال يجوز القسم به؟
الشيخ: هذه أيضًا قالوا: إن قول الإنسان: يمين الله، مثل: عهد الله لأفعلن، فهي بمعنى القسم، أما القسم لا يكون إلا بالصيغة التي عرفتم، حروف القسم ثلاثة فقط.