شرح أصول في التفسير (الشرح الثاني) - 1
عدد الزيارات 4113

عناصر المادة :
المقدمة
القرآن الكريم
أول ما نزل من القرآن
نزول القرآن ابتدائي وسببي
فوائد معرفة أسباب النزول
عموم اللفظ وخصوص السبب

 


المقدمة
00:00:03

طالب: (من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا، أما بعد:
فإن من المهم في كل فن أن يتعلم المرء من أصوله ما يكون عونًا له على فهمه وتخريجه على تلك الأصول؛ ليكون علمه مبنيًّا على أسس قوية، ودعائم راسخة، وقد قيل: من حُرِم الأصول حُرم الوصول.
ومن أَجَلِّ فنون العلم، بل هو أجَلُّها وأشرفها: علم التفسير، الذي هو تبيين معاني كلام الله عز وجل، وقد وضع أهل العلم له أصولًا كما وضعوا لعلم الحديث أصولًا، ولعلم الفقه أصولًا.
وقد كنت كتبت من هذا العلم ما تيسر لطلاب المعاهد العلمية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وطلب مني بعض الناس أن أكملها في رسالة ليكون ذلك أيسر وأجمع، فأجبته إلى ذلك، وأسأل الله تعالى أن ينفع بها، ويتلخص ذلك فيما يأتي
).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
استمعتم إلى هذه الخطبة والمقدمة، ومضمونها أن علم التفسير هو أجَلُّ العلوم؛ لأن العلم يَشْرُف بشرف موضوعه، وموضوع علم التفسير هو كلام الله عز وجل، وكلام الله تعالى أشرف الكلام، وهو أحق الكلام أن يفهم، وأوجب الكلام أن يعمل به، وعلى هذا فيكون علم أصول التفسير من أجَلِّ العلوم.
والعلماء رحمهم الله وضعوا للعلوم كلها بأصنافها أصولًا ترجع إليها؛ فأهل الفقه وضعوا أصول الفقه، وأهل الحديث وضعوا مصطلح الحديث، حتى يرجع الإنسان إلى أسس وأصول؛ لأن الرجوع إلى الأصول في نظري ونظر غيري هو العلم حقيقة، دون العلم بالجزئيات والمسائل المفردات.
العلم: هو العلم بالأصول حقيقة، ولذلك إذا مَنَّ الله عز وجل على الإنسان بمعرفة الأصول انفتح له من أبواب العلم شيء كثير، لذلك وضعنا هذه الأصول على حسب منهج الثانوية في المعهد العلمي، لكن هي وإن كانت لهذا المستوى من الطلاب لكنها مفيدة إن شاء الله؛ لذلك قررنا أن تكون القراءة فيها في هذه الجلسات.

القرآن الكريم
00:03:09

فنقول: (القرآن الكريم)، ما هو القرآن الكريم؟
يقول: (القرآن الكريم في اللغة: مصدر قرأ، بمعنى تلا، أو بمعنى جمع)؛ لأن قرأ تكون بمعنى تلا، مثل قول الله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [النحل: ٩٨]؛ يعني: إذا تلوت القرآن، وتكون بمعنى جمع، ومنه القرية؛ لأنها تجمع السكان، وعليه: يكون القرآن إذن له معنيان: معنى المتلو، ومعنى الجامع، واستمع:
(أو بمعنى جمع، تقول: قَرَأَ قَرْءًا وقُرآنًا، كما تقول: غفَرَ غَفْرًا وغفرانًا) فصارت كلمة قرآن مصدرًا بمعنى اسم المفعول، وبمعنى اسم الفاعل، إن كان من التلاوة، فهي بمعنى أيش؟ بمعنى اسم المفعول، إن كان من الجمع فهي بمعنى اسم الفاعل، فلا يكون مصدرًا بمعنى اسم.. نعم، تلا، أيش تلا؟
طالب: (فعلى المعنى الأول).
الشيخ: إي، (فعلى المعنى الأول (تلا) يكون) -تلا يعني التلاوة- يكون (مصدرًا بمعنى اسم المفعول أي بمعنى مَتلُوّ، وعلى المعنى الثاني جمع يكون مصدرًا بمعنى اسم الفاعل أي بمعنى جامع؛ لجمعه الأخبار والأحكام).
قال -عندي بالحاشية، وأظنها أصلًا لكنهم غلطوا-: (ويمكن أن يكون بمعنى اسم المفعول أيضًا؛ أي بمعنى مجموع؛ لأنه جمع في المصاحف والصدور.
والقرآن في الشرع
) وهذا هو الذي يهمنا (القرآن في الشرع: كلام الله تعالى المنزل على رسوله وخاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم، المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس)، هذا هو القرآن.
إذن القرآن كلام الله، لفظه ومعناه أو اللفظ فقط؟
طلبة: لفظه ومعناه.
الشيخ: لفظه ومعناه، نحن نؤمن بأن الله تكلم بهذا القرآن الذي نقرؤه، تكلم بقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، تكلم بقوله: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: ٢٥٥]، وما أشبه ذلك، تكلم به عز وجل كلامًا مسموعًا منقولًا إلينا عن طريق رسولين كريمين؛ رسول مَلَكِيّ، ورسول بَشَرِي، الرسول الملكي: من؟
طلبة: جبريل.
الشيخ: جبريل، والرسول البشري: محمد صلى الله عليه وسلم، وقد نسب الله القرآن إليهما في الكتاب، فقال عز وجل: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ١٩ - ٢١]، من المراد بالرسول؟
طلبة: جبريل.
الشيخ: جبريل، وقال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ [الحاقة: ٤٠، ٤١] من الرسول؟ محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهما بلغاه، لكن هل الكلام ينسب إلى المبلِّغ أو المبلَّغ عنه؟
طلبة: المبلغ عنه.
الشيخ: نعم، ينسب إلى المبُلَّغ عنه ابتداءً، وإلى المبلِّغ تبليغًا، ولهذا نسبه الله إلى جبريل وإلى محمد عليهما الصلاة والسلام، لكن الحقيقة أن الكلام ينسب حقيقة إلى من قاله أيش؟ مبتدِئًا، لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا.
فهو (كلام الله تعالى المنزل على رسوله) صلى الله عليه وعلى آله وسلم (وخاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم)، قال: (على رسوله وخاتم أنبيائه) ولم يقل: وخاتم رسله؛ لأنك إذا نفيت النبي نفيت الرسول من باب أولى، لكن لو نفيت الرسول هل ينتفي النبي؟ لا، وما أبلغ الكتاب العزيز: وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠]، ولم يقل: رسول الله وخاتم المرسلين، خَاتَمَ النَّبِيِّينَ؛ لأنه لا يمكن أن ينبأ أحد بعد الرسول عليه الصلاة والسلام لا برسالة ولا بغيرها.
(محمد صلى الله عليه وسلم، المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس) إذن أول القرآن هو الفاتحة كتابة وتلاوة، أما نزولًا فأوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق: ١].
(المختوم بسورة الناس) وليس بعدهما شيء من القرآن، وهذا القرآن -ولله الحمد والمنة- محفوظ في الصدور، مكتوب في السطور، منقول بالتواتر القطعي اليقيني، ومن أنكر منه حرفًا مُجمَعًا عليه بين القراء فإنه كافر، حرف واحد إذا كان مجمعًا عليه عند القراء فهو كافر، أما المختلف فيه فعلى الاختلاف.
يقول: (قال الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا[الإنسان: ٢٣]، وقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف: ٢]) فهو نازل من عند الله سبحانه وتعالى.
(وقد حمى الله تعالى هذا القرآن العظيم من التغيير والزيادة والنقص والتبديل) التغيير بالنسبة للحركات والنقط، الزيادة: زيادة كلمة أو حرف، النقص: نقص كلمة أو حرف، التبديل: أن تبدل كلمة بكلمة، وهو غير التغيير اللي سبق في أول الكلام، محفوظ من هذا.
(حيث يتكفل الله تعالى بحفظه فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[الحجر: ٩]) وعليه فمن ادعى أن هناك شيئًا من القرآن مكتوم فهو أيش هو؟
طلبة: كافر.
الشيخ: كافر، مكذب لله عز وجل؛ لأنه من لازم أن يكون كذلك أن الله إما عاجز عن حفظه، وإما كاذب في قوله: وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، ومن وصف الله بالعجز أو بالكذب فهو كافر حلال الدم والمال.
(ولذلك مضت القرون الكثيرة ولم يحاول أحد من أعدائه أن يغير فيه أو يزيد أو ينقص أو يبدل إلا هتك الله ستره وفضح أمره) والحمد لله، حتى التغيير المعنوي ييسر الله تعالى من عباده من يبين بطلانه، شوف التغيير اللفظي ما حاول أحد أن يغير اللفظ أبدًا، التغيير المعنوي، فيه محاولة؟ نعم، فيه محاولة وفعلًا وقعت، لكن الله يقيد من يبين الحق، وهذا تعرفونه من كتب التاريخ ومجاري العلماء رحمهم الله.
(وقد وصفه الله تعالى بأوصاف كثيرة تدل على عظمته وبركته وتأثيره وشموله، وأنه حاكم على ما قبله من الكتب.
قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ[الحجر: ٨٧]).
سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِيما هي السبع المثاني؟ الفاتحة، ونص عليها؛ لأنها أم القرآن، وأعظم سورة في القرآن هي الفاتحة، وهي رقية من كل داء، لكن بشرط أن يكون الراقي مؤمنًا موقنًا، والمرقي عليه كذلك مؤمنًا موقنًا، هذا وصفه بأيش؟ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ.
وقال تعالى: (وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ[ق: ١]) في أي سورة وردت؟
طالب: (ق).
الشيخ: في سورة (ق)، سورة (البروج)، في كلتا السورتين بيان قهر الله تبارك وتعالى لأعدائه، وعقوبتهم؛ ووصف القرآن بأنه مجيد مناسب تمامًا لهذا؛ لأن المجد هو العظمة والسلطان، وهلاك من يضاد القرآن، يعني لأن القرآن أيش هو؟ مجيد.
(وقال تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ[ص: ٢٩]، وقال تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[الأنعام: ١٥٥])، واللهِ القرآن مبارك من كل وجه، مبارك في تأثيره على القلب كما قال جل وعلا: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٧]، وقال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍأيش؟ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر: ٢١].
فهو مبارك في تأثيره، لا شيء يؤثر مثل القرآن، وما نتأثر به أحيانًا إذا سمعنا قصيدة واعظة أو كلامًا واعظًا نتأثر ونبكي، وربما نقرأ شيئًا من القرآن ولا يحصل لنا هذا، وسببه: كثرة ترداد القرآن، كثرة ترداد القرآن تجعل القلب يقبله وكأنه شيء لا يؤثر عليه.
ولهذا، الآن، إذا صادفت إنسانًا لأول مرة احتشمت به وأكرمته، وإذا لقيته الثانية كالأولى أو أقل، وإذا جاءك الثالثة؛ أقل، وإذا جاءك الرابعة، قل له: يا ليت بيني وبينك بُعْد المشرقين؛ لأنه أتعبك، لكن القرآن سبحان الله لا يَخْلَق على كثرة الترداد، لو تكرر الآية أو السورة مائة مرة ما تَمَل، لكن لو تكرر غيره مهما كان من الفصاحة لمللته، إذن فالقرآن مبارك في تأثيره مبارك في أثره، كم فتح المسلمون به من مدينة وبلد، من المشرق إلى المغرب؟ فتحوا هذه البلاد بالقرآن الكريم، بآدابه، بأخلاقه، بعقائده، بشمائله، بكل ما يتضمنه، فهو مبارك في تأثيره وفي أثره.
وقوله: (فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، هذه من بركته، أن اتباعه واتقاء مخالفته سبب للرحمة.
وقال تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ[الواقعة: ٧٧]) مر علينا: العظيم، المجيد، المبارك، الكريم، القرآن الكريم، وكرم كل شيء بحسبه، فهو كريم يفتح المدارك ويوسع العلوم، كما أن الكريم يعطي المال ويبذل، والبحر كريم؛ لأن فيه من السمك والحيتان ما لا يحصى، القرآن كريم؛ فيه من المعاني وفيه من العلوم العظيمة ما لا يوجد في غيره.
انظر إلى قول الله تبارك وتعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٨]، كم تضمنت هذه الكلمة: وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَمن كل أنواع المركوبات من حين نزوله إلى يوم القيامة، فالسيارات والطائرات والبواخر وغيرها كلها داخلة في قوله: وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠] القوة: الرمي ، ماذا يتضمن من الرمي؟ كل ما يمكن أن يرمى به إلى يوم القيامة من أسلحة عظيمة فتاكة.
فالقرآن في الواقع كريم، فيه من المعاني والعلوم ما لا يوجد في غيره، اللهم اجعلنا من تاليه حق تلاوته.
من أوصافه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ[الإسراء: ٩]) سبحان الله، ما قال: لأهدي للملة القيمة، قال: لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، وأقوم اسم أيش؟
طالب: اسم تفضيل.
الشيخ: اسم تفضيل، كل خُلُقٍ فَاضِل فالقرآن يهدي إلى أقومه، كل عبادة فالقرآن يهدي إلى أقومها، وهكذا، لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُمن كل شيء.
(وقال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[الحشر: ٢١]) اللهم ارزقنا التفكر، لو أنزل الله هذا القرآن على جبل لرأيته من حين ما أنزل عليه خاشعًا مساويًا للأرض، متصدعًا من خشية الله، والقلوب نسأل الله السلامة قاسية أقسى من الجبال إلا من شاء الله.
هذه الآيات الأخيرة في تأثير القرآن، كيف يؤثر هذا التأثير؟
وقال تعالى: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا) [التوبة: ١٢٤]، مِنْهُمْأي: من المنافقين، مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًاأين الإيمان الذي يزيد بالسورة؟ هل زادتك يا فلان إيمانًا؟ ويش يقول؟ منافق.
طلبة: لا.
الشيخ: يقول: لا، هل زادتك إيمانًا؟ لا، هل زادتك إيمانًا؟ لا، إذن ما فيه فائدة، هذا معنى الآية: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًاوالاستفهام للتحدي.
يقول الله عز وجل: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [التوبة: ١٢٤]، ولهذا أرجو أن ننظر لقلوبنا، هل نحن إذا قرأنا القرآن نزداد إيمانًا؟ إن كنا كذلك فنحن مؤمنون؛ لأن الله يقول: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَبما وعد به القرآن من النصر في الدنيا والفلاح في الآخرة، كيف يستبشرون؟ لأنهم موقنون به، فيستبشرون بما جاء فيه.
(وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) [التوبة: ١٢٥] نسأل الله العافية، أي شك ونفاق.
(وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ) [التوبة: ١٢٥] الله أكبر، كيف تزيدهم رجسًا إلى رجسهم؟ وهي نفسها الآية تبين نور وضياء، تزيدهم رجسًا إلى رجسهم؛ لأنهم يكذبون بها، وإذا كذبوا بها أيش؟ (زَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ[التوبة: ١٢٥]) أعوذ بالله، وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَأسأل الله العافية.
وقال تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ[الأنعام: ١٩]).
أُوحِيَ إِلَيَّمن أوحى به؟
طلبة: الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: الله عز وجل، لِأُنْذِرَكُمْ بِهِأحذركم به من المخالفة، وَمَنْ بَلَغَمن بلغه القرآن.
وفي قوله: وَمَنْ بَلَغَإشارة إلى أن من لم يبلغه القرآن لم تقم عليه الحجة، لم تقم عليه الحجة، وكذلك من بلغه القرآن على وجه مشوش، فالحجة لا تقوم عليه لكنه ليس كعذر الأول الذي لم تبلغه نهائيًّا؛ لأن من بلغته على وجه مشوش يجب عليه أن يبحث، لكن قد يكون في قلبه من الثقة بمن بلغه ما لا يحتاج معه في نظره إلى البحث، الآن الدين الإسلامي عند الكفار هل بلغ عامتهم على وجه غير مشوش؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، أبدًا، ولما ظهرت قضية الإخوان الذين يتصرفون بغير حكمة ازداد تشويه الإسلام في نظر الغربيين وغير الغربيين، وأعني بهم أولئك الذين يلقون المتفجرات في صفوف الناس زعمًا منهم أن هذا من الجهاد في سبيل الله، والحقيقة أنهم أساءوا إلى الإسلام وأهل الإسلام أكثر بكثير مما أحسنوا، ماذا أنتج هؤلاء؟ أسألكم، هل أقبل الكفار على الإسلام أو ازدادوا نفرة منه؟
الطلبة: ازدادوا نفرة.
الشيخ: ازدادوا نفره منه، وأهل الإسلام يكاد الإنسان يغطي وجهه؛ لئلا ينسب إلى هذه الطائفة المرجفة المروعة، والإسلام بريء منهم، الإسلام بريء منهم، حتى بعد أن فرض الجهاد ما كان الصحابة رضي الله عنهم يذهبون إلى مجتمع الكفار يقتلونهم أبدًا، إلا بجهاد له راية من ولي قادر على الجهاد، أما هذا الإرهاب فهو والله نقص على المسلمين، أقسم بالله؛ لأننا نجد نتائجه، ما فيه نتيجة أبدًا، بل هو بالعكس فيه تشويه السمعة، ولو أننا سلكنا الحكمة فاتقينا الله في أنفسنا وأصلحنا أنفسنا أولًا ثم حاولنا إصلاح غيرنا بالطرق الشرعية لكان نتيجة هذا نتيجة طيبة.
وقال تعالى: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ) [الفرقان: ٥٢]؛ يعني الكافرين بك وبالقرآن.
(وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا[الفرقان: ٥٢]) معنى جَاهِدْهُمْ بِهِ؛ يعني بالتمسك به وبشرائعه، وبعرض ما جاء فيه من الآداب والأخلاق، فإن ذلك من أكبر جهادهم، ومن المعلوم أنه لا أحد يفهم من قوله: جَاهِدْهُمْ بِهِ، يعني: ارمهم بالقرآن، ما حد يقول هذا، إذن كيف أجاهدهم به؟ بنشر تعليماته، وبيان آدابه وأخلاقه وعباداته، وأنه يحرر القلوب ويحرر الجوارح من عبادة غير الخالق، أفهمتم؟
إذن القرآن الكريم يجاهد به الأعداء، وهذا من آثاره الحميدة، أسأل الله أن يرزقني وإياكم التمسك به ظاهرًا وباطنًا، والوفاة عليه، إنه على كل شيء قدير، بارك الله فيكم، أرغبتم هذا أو لا؟
طلبة: (...).
الشيخ: بارك الله فيكم، أنا أرجو الله أن ينفع به وأن ييسر الإتيان عليه.

***

أول ما نزل من القرآن
00:26:18

طالب: ..فذكر الحديث وفيه: «فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا»، وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُإِلَى قَوْلِهِ: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ .
فهذه هي الأولية التي ذكرها جابر رضي الله عنه، باعتبار أول ما نزل بعد فترة الوحي، أو أول ما نزل في شأن الرسالة؛ لأن ما نزل من سورة (اقرأ) ثبتت به نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وما نزل من سورة المدثر ثبتت به الرسالة في قوله: قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر: ٢]، ولهذا قال أهل العلم: إن النبي صلى الله عليه وسلم نبئ بـ(اقرأ) وأرسل بـ(المدثر).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا بيان أول ما نزل، وآخر ما نزل من القرآن.
أول ما نزل من القرآن، هناك بعض الأحاديث تقول: أول ما نزل غير ما ذكرناه، فما الجواب؟
أن نقول هذه أولية أيش؟ نسبية، باعتبار شيء معين، فمثلًا: أول ما نزل يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر: ١] ، جاء في الحديث هكذا، كيف يمكن هذا ونحن نقول أول ما نزل: (اقرأ)، لا بد من الجواب؟
الجواب: اسمع: قال: (وثمة آيات يقال فيها: أول ما نزل، والمراد أول ما نزل باعتبار شيء معين) قد يقول مثلًا: أول ما نزل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة: ٢٧٨]، يريد أول ما نزل من آيات الربا مثلًا، يعني لو مثَّلْنا بهذا ولكن نقول: أول ما نزل بالربا، أول ما نزل في المحرمات في النكاح: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [النساء: ٢٣]، فهي أولية أيش؟ نسبية، مثل حديث جابر رضي الله عنه في الصحيحين، أن أبا سلمه بن عبد الرحمن -رحمه الله- سأله: أي القرآن أنزل أول؟ قال جابر: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، هذه أول ما نزل، قال: أبو سلمه: أنبئت أنه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق: ١]، قال جابر: لا أخبرك إلا بما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال رسول الله: «جَاوَرْتُ فِي حِرَاءٍ، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ»، فذكر الحديث هو فيه: «فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا، وَأُنْزِل عَلَيَّ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، إِلَى قَوْلِهِ: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ» .
وجه الاستدلال أنه قال: «جَاوَرْتُ فِي حِرَاءٍ، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ» إلى آخره.
وهذا ظاهره أن المدثر أيش؟ أول ما نزل، لكن نقول فهذه الأولية التي ذكرها جابر رضي الله عنه باعتبار أول ما نزل بعد فترة الوحي؛ لأن الوحي أول ما أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم انقطع، قال بعضهم: انقطع ثلاث سنوات، وقال بعضهم: دون ذلك، والحكمة من هذا؛ ليشتد شوق النبي صلى الله عليه وسلم إلى تطلع الوحي ونزول الوحي، وكان الأمر كذلك حتى صار يخرج إلى غار حراء، ويرفع بصره إلى السماء يترقب أن ينزل عليه الوحي، فنقول: أول ما نزل عليه بعد أيش؟
طلبة: بعد فترة الوحي.
الشيخ: بعد فترة الوحي، وهذا الصحيح.
(أو أول ما نزل في شأن الرسالة)؛ لأن فيه التصريح: قُمْ فَأَنْذِرْوهذا الإرسال.
يقول: (أو أول ما نزل في شأن الرسالة؛ لأن ما نزل من سورة اقرأ ثبتت به نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وما نزل من سورة المدثر ثبتت به الرسالة في قوله: قُمْ فَأَنْذِرْ، ولهذا قال أهل العلم: إن النبي صلى الله عليه وسلم نبئ بـ(اقرأ)، وأرسل بـ(المدثر))، -مجعولة بين قوسين كأنها قرآن، وده غلط- (نبئ بـ (اقرأ)) يعني بهذه السورة، فالأقواس هذه تُغَيَّر، يُكتب أقواس عادي (وأرسل بـ(المدثر)).


نزول القرآن ابتدائي وسببي
00:31:12

ثم قال المؤلف: (نزول القرآن ابتدائي وسببي.
ينقسم نزول القرآن إلى قسمين: القسم الأول ابتدائي، وهو ما لم يتقدم نزوله سبب يقتضيه، وهو غالب آيات القرآن
)، هذا يسمى ابتدائيًّا، يعني الذي ليس له سبب نسميه ابتدائيًّا، (ومنه قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ [التوبة: ٧٥]) الآيات، (فإنها نزلت ابتداءً في بيان حال بعض المنافقين، وأما ما اشتهر من أنها نزلت في ثعلبة بن حاطب، وفي قصة طويلة ذكرها كثير من المفسرين وروجها كثير من الوعاظ فضعيف لا صحة له).
أي نعم، نحن نصصنا على هذا، وإلا فلم ترد كثيرًا للإشارة إلى أن هذه القصة غير صحيحة؛ لأن هذا الرجل بعد ذلك جاء إلى الرسول ورَدَّه، وجاء إلى أبي بكر ورَدَّه، وجاء إلى عمر ورَدَّه، وهذا لا شك أنه غير صحيح؛ لأن من تاب تاب الله عليه ولو كان منافقًا، حتى المنافقون، قال الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ١٤٥، ١٤٦] فالتوبة مقبولة من كل إنسان، ومن أي ذنب.
الخلاصة: القرآن ينقسم في نزوله إلى قسمين: ابتدائي: وهو ما لم يتقدم نزوله سبب يقتضيه، والثاني: سببي، وسنذكره في قوله:
(القسم الثاني: سببي، وهو ما تقدم نزوله سبب يقتضيه، والسبب إما سؤال يجيب الله عنه)، (أو حادثة وقعت تحتاج إلى بيان) (أو فعل واقع يحتاج إلى معرفة حكمه).
ثلاثة أشياء:
الأول: سؤال يجيب الله عنه، مثاله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩]، هذا واضح أنه قد سبق سبب يقتضيه، أليس كذلك؟ الصحابة يسألون الرسول عليه الصلاة والسلام عن الأهلة لماذا خلقها الله عز وجل؟ فقال الله له: قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِفي معاملاتهم، يقول مثلًا: هذا عليه دين إلى كذا، وما أشبه ذلك.
وَالْحَجِّ؛ يعني أن الحج أشهر معلومات، وما اشتهر من أن الصحابة رضي الله عنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الأهلة لماذا تبدو صغيرة ثم تكبر؟ فأجاب الله بفائدتها، دون سبب نقصان الهلال وزيادته، لا صحة له ، وأهل البلاغة يدعون هذا، ويقولون إن إجابتهم بغير ما سألوا من أسلوب الحكيم، وليس كذلك، الصحابة سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الأهلة ما سببها؟ يعني لماذا خلق الله هذه الأهلة، لأي سبب؟ لأي فائدة؟ فأجابهم الله عز وجل، والله الموفق.
طالب: بالنسبة لكتب السِّيَر يذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما آتاه الوحي ثم انقطع عنه أنه كاد أن يتردى من جبل، فهل هذا صحيح؟
الشيخ: هذا صحيح، لكن المعنى من شدة شوقه، فهذا من باب المبالغة، من شدة شوقه لهذا كاد يعني يلقي نفسه من الجبل، وليس المراد الحقيقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن هذا ليس من الحكمة.
طالب: يا شيخ، قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ [البقرة: ١٤٢] هل هذا سببي أو لأي شيء؟
الشيخ: ماذا تفهم منها أنت؟
الطالب: (...) نزلت..
الشيخ: لكن سَيَقُولُ.
الطالب: سَيَقُولُولكن..
الشيخ: هل قالوا؟ إذن ابتدائية، إخبار الله عما سيقع.
طالب: في الآية اللي هي في سورة (...) وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ [التوبة: ٧٥]، الوعاظ كما ذكرتم منهم كثير من الوعاظ يذكرونها، فإذا نبهوا إلى أن هذه القصة ضعيفة ويصرون على ذكرها، يعني ما حكم فعلهم؟ يستندون لأقوال ضعيفة.
الشيخ: والله هذا غلط، شوف بارك الله فيكم جميعًا، الاعتماد على ما صح أبرك من الاعتماد على أشياء ضعيفة، وإن كان هذه الأشياء الضعيفة فيها ترغيب أو ترهيب لكن يكفينا ما صح، ولهذا لا ينبغي لنا أن نعتمد على ما يسوقه الوعاظ من الأحاديث أو الآثار؛ لأنهم يأتون بأشياء لا زمام لها، وسمعتم قبل أظن البارحة عن قصة الإمام أحمد ويحيى بن معين حين قام الرجل يحدث عنهما وهما جالسان، يقول: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وساق سندًا كله خفاشة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أن من قرأ (قل هو الله أحد) خلق الله من كل حرف كذا وكذا ملكًا ويسبحون له، إلى آخره، ولما قضى الحديث ناداه الإمام أحمد، فأقبل الرجل -والله أعلم- أنه أقبل مهرولًا، يظن أنه سيعطيه شيئًا، فقال: من حدثك بهذا؟ قال: أحمد بن حنبل إمام أهل السنة، قال: أنا أحمد بن حنبل، وهذا يحيى بن معين، ما حدثناك. لا والله حسبك عاقل، ما خلق الله أحمد بن حنبل إلا أنت؟ يقول: غطى وجهه ليضحك عليه ، مشاكل.

***

فهمت!
طالب: مثاله؟
الشيخ: مثاله عند النحويين: جاء القوم إلا حمارًا، الحمار الدابة المعروفة، هل الحمار من جنس القوم؟ لا، فهذا منقطع، نحن نقول بدل إلا حمارًا، إلا..
طلبة: (...).
الشيخ: لا، ولا بعيرًا، راحت البعير الآن، إلا..
طالب: سيارة.
الشيخ: إلا سيارة، أي نعم، المتصل: أن يكون من جنسه، مثال: أن تقول قام القوم إلا زيدًا، فزيد من القوم.
طالب: (...) يكون معنى.
الشيخ: المعنى أن المنقطع تكون (إلا) بمعنى (لكن)، فتقول: القوم جاء القوم إلا حمارًا، أي جاء القوم لكن حمارهم لم يأت معهم.
طالب: (...) المتصل.
الشيخ: لا، المتصل (إلا) على بابها أداة استثناء، ما هي أداة استدراك، (إلا) المنقطعة أداة استدراك.
طالب: (...).
الشيخ: سبق لنا، العام يشمل جميع أفراده على وجه الشمول، يعم جميع أفراده على وجه الشمول، والمطلق يعم جميع أفراده على وجه البدل، إذا قلت: لا تكرم رجلًا وجب أن تمتنع عن إكرام جميع الرجال، وإذا قلت: أكرم رجلًا كفى أن تكرم رجلًا واحدًا.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (القسم الثاني: سببي، وهو ما تقدم نزوله سبب يقتضيه، والسبب إما سؤال يجيب الله عنه، مثل: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩].
أو حادثة وقعت تحتاج إلى بيان وتحذير، مثل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ [التوبة: ٦٥].
الآيتان نزلتا في رجل من المنافقين قال في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن، فجاء الرجل يعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيجيبه: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [التوبة: ٦٥] .
أو فعل واقع يحتاج إلى معرفة حكمه، مثل: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١]).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن القرآن ينزل تارة على سبب، وتارة بغير سبب، الثاني يقال له؟
طلبة: ابتدائي.
الشيخ: ابتدائي، والأول يقال له: سببي، ما نزل على سبب، وإذا نزل على سبب، فهل العبرة بخصوص السبب أو بعمومه؟
طلبة: بالعموم.
الشيخ: بعموم اللفظ.
يقول المؤلف رحمه الله: (القسم الثاني: سببي، وهو ما تقدم نزوله سبب يقتضيه) هذا السببي، (ما تقدم نزوله سبب يقتضيه)، وهو (إما سؤال يجيب الله عنه، مثل قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ) هذا واضح أن سبب نزول هذه الآية؟
طلبة: سؤالهم.
الشيخ: سؤالهم، يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [البقرة: ٢٢٠]، وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة: ٢٢٢]، وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [البقرة: ٢١٩].
والثاني: (حادثة وقعت تحتاج إلى بيان وتحذير)، فيتحدث الله عنها، مثل قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ).
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْالخطاب هنا للرسول صلى الله عليه وسلم، والغيبة في قول الله: سَأَلْتَهُمْتعود على المنافقين.
هؤلاء المنافقون اجتمعوا في مجلس، ومجالس المنافقين إما استهزاء بالإسلام، أو بالرسول، أو بالقرآن، أو بالصحابة، أو ما أشبه ذلك؛ لأنه بذلك تعمر مجالسهم.
(نزلتا في رجل من المنافقين قال في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء) يريد الرسول صلى الله عليه وسلم، (أرغب بطونًا) يعني أوسع، وهو كناية عن كثرة الأكل، وكذب المنافقون، وصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله سلم، إن النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا يعصب الحجر على بطنه من الجوع وينفق المال، أين رغبة البطون؟ وحثَّ على قلة الطعام والشراب، فقال: «حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ؛ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» .
نسأل الله أن يعيننا على هذا، أكثر الناس الآن إذا جلس للأكل يحتاج إلى أحد يعمده حتى يقوم من كثرة أكله، إلا من شاء الله، ولذلك كَثُرت الأمراض، كَثُر الضغط، كثر المرض السكري، وغير ذلك، كله بأسباب البطنة، كثر الكسل، لو أننا مشينا على الحديث؛ ثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس بقينا أصحاء، والعجب أن غيرنا يطبق هذا.
حدثني أناس كثيرون، يقولون: إن الغرب لا يأكلون ويشبعون، يأكل الواحد قليلًا ثم يقوم ويعمل، وإذا جاع رجع وأكل قليلًا، قام يعمل إذا جاع، حتى يكون لهم خمس أكلات في اليوم، أما نحن ما شاء الله فصحيح ينطبق علينا رغبة البطون.
بماذا نتعلل؟ يتعلل بعضنا يقول: الحمد لله، إن أبا هريرة شرب من اللبن حتى ملأ بطنه، فقال له الرسول «اشْرَبْ»، قال: لا أجد مساغًا ، ما فيه مكان، فيتعلل بقصة وقعت من شخص ميت من الجوع، يسقط من الجوع إذا أقاموه، وجاء الله له بلبن فشرب، يقيسون هذه الحالة النادرة، يقيسون عليها كل الأحوال الآن، نسأل الله أن يعيننا يا إخواني على قلة الأكل، وأن نقتصر على الأكل النافع.
هؤلاء يقولون: (ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونًا)، أصدقوا في ذلك؟ لا والله، كذبوا.
قالوا: (ولا أكذب ألسنًا) قاتلكم الله أيها المنافقون، والله ما في الدنيا أكذب من المنافقين، هم يقولون: ما رأينا أكذب ألسنًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
(ولا أجبن عند اللقاء) الله أكبر، من أحق الناس بهذه الأوصاف؟
الطلبة: هم.
الشيخ: هم المنافقون، هم الذين لا يريدون إلا الدنيا وشبع البطون، وشهوة الفروج، والرئاسة المذمومة، لكن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يريدون هذا، وإن أرادوه فالإرادة ثانوية، الأمر عندهم أعظم من هذا، يريدون الحياة الآخرة.
(يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم) من أخبره؟ من هو؟
طلبة: الله.
الشيخ: لا، أحد الصحابة زيد بن أرقم، جاء وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بالقصة الثانية: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون: ٨]، أخبره الله بهذا.
يقول: (فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن، فجاء الرجل) وهو المنافق (يعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيجيبه) الرسول صلى الله عليه وسلم بما أمره به ربه، بماذا؟ بقوله: (أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ[التوبة: ٦٥، ٦٦])، لا يزيد على هذا، وكفى بذلك ردعًا وتوبيخًا وخزيًا والعياذ بالله.
وعلم من الآية الكريمة أن من استهزأ بالله أو بآياته أو رسوله فهو كافر؛ لقوله: لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْفمن استهزأ بالله فهو كافر، حلال الدم والمال، ولا ينبغي أن نقتصر على حبسه، ثم نحابي الأمة في إطلاقه، أبدًا، يجب أن نقتله، وهل تقبل توبته؟
اختلف العلماء في هذا؛ منهم من قال: لا تقبل؛ لعظم ردته والعياذ بالله، ومنهم من قال: تقبل، وهو الصحيح؛ لقول الله تعالى: إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة: ٦٦]، ولعموم قول الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣]، ولكن التوبة هنا توبة مغلظة، لا بد أن يظهر من هذا الرجل الثناء على الله وآياته ورسوله، ضد أيش؟
طالب: الاستهزاء.
الشيخ: الاستهزاء، وإلا فهو كاذب، متى؟
الثانية من الأسباب: (أو فعل واقع يحتاج إلى معرفة حكمه، مثل: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ) ما سببه؟ هو ظهار أوس بن الصامت من زوجته.
الظهار في الجاهلية يا طلابنا، الظهار في الجاهلية طلاق بائن، فإذا قال الرجل منهم لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، طلقت منه طلاقًا بائنًا ما فيه رجعة، أفهمتم؟
لما ظاهر أوس من زوجته، جاءت الزوجة تشتكي للرسول صلى الله عليه وسلم، تقول: ظاهر مني بعد أن كبر سني، ورق عظمي، وكثر ولدي، فتشكي إلى الرسول، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يجبها ، بل في بعض الروايات أنه قال: «مَا أُرَى زَوْجَكِ إِلَّا قَدْ طَلَّقَكِ» ، أنزل الله الآيات في بيان حكم هذه أيش؟ الواقعة، التي أشكلت على الرسول صلى الله عليه وسلم، وأجاب فيها بقوله: «مَا أُرَى زَوْجَكِ إِلَّا قَدْ طَلَّقَكِ»، حتى أنزل الله هذه الآيات.
بعد أن فهمنا ذلك هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟
طلبة: بعموم اللفظ.
الشيخ: العبرة بعموم اللفظ.


فوائد معرفة أسباب النزول
00:51:19

ثم قال المؤلف: (فوائد معرفة أسباب النزول:
معرفة أسباب النزول مهمة جدًّا؛ لأنها تؤدي إلى فوائد كثيرة منها:
بيان أن القرآن نزل من الله تعالى، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل عن الشيء فيتوقف عن الجواب أحيانًا حتى ينزل عليه الوحي، أو يخفى عليه الأمر الواقع فينزل الوحي مبينًا له
).
وهذا يدل على أن القرآن نزل من عند الله؛ لأنه لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم كاذبًا -وحاشاه من ذلك- ما انتظر نزول الوحي لبت بالأمر، ولهذا لما سألوه عن أصحاب الكهف، قال: «أُخْبِرُكُمْ غَدًا» ؛ لأن ما عنده علم، قال: «أُخْبِرُكُمْ غَدًا»، جاء الغد لم ينزل شيء من القرآن، ثانٍ، ثالث، إلى خمسة عشر يومًا، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينزل عليه شيء؛ لأنه صادق، ما يمكن أن يتقول على الله، حتى نزلت قصتهم، فقصها على الناس.
فمعرفة أسباب النزول تبين أن القرآن من عند الله تبارك وتعالى، ينزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
(مثال الأول: قوله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا[الإسراء: ٨٥]).
المراد بالروح؟
تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر: ٤]، وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، ما المراد بالروح؟
طالب: روح الإنسان.
الشيخ: إذن تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُيعني روح الإنسان.
الطالب: لا، هي روح القدس في الآية.
الشيخ: ماذا رأيت في منامك؟
هنا يقول: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِيعني روح الإنسان، ما هذه الروح؟ التي إذا كانت في البدن فهو إنسان حي متحرك فاهم واعٍ، وإذا ذهبت عن البدن صار جثة، كومة من اللحم والعظام والدم، ما هذا؟
(ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رجلًا من اليهود قال: يا أبا القاسم: ما الروح؟ فسكت).
من؟ الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو كان كاذبًا يريد أن يمشي نفسه، لقال: الروح كذا وكذا؛ لأن السائل الآن يهودي، واليهودي يسأل للاسترشاد أو للتحدي؟
طلبة: للتحدي.
الشيخ: للتحدي لا شك، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ما أجاب.
(-وفي لفظ: فأمسك- النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليهم شيئًا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا» )، فقطع الله العلم بها، الروح من أمر الله، لا يعلمها إلا الله عز وجل.
وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًاوهذا التوبيخ للسائل عن الروح، كأنه يقول: ما بقي عليك من العلم إلا الروح حتى تسأل عنها؟ وقد فاتك من العلم.. أجيبوا؟
طلبة: الكثير.
الشيخ: الشيء الكثير؛ لأنه قال: مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، وبهذه الآية يمكن أن نجيب هؤلاء الذين يسألون عن كيفية صفات الله، أو عن كيفية ما يقع من أمور الغيب، نقول: مَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا.
إذا قال: كيف كان الحر في الدنيا من فيح جهنم أيش لون؟ منين جاء؟ نقول: ما بقي عليك من العلم إلا هذا، حتى تسأل؟ ونتلو عليه: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، ونقول: تعال، تعال أيها الحادي، أيها الحريص على العلم، أخبرني عن روحك، يستطيع أن يجيب؟ ما يستطيع، لا يستطيع أبدًا، فنقول: إذا عجزت عن فهم ما كان بين جنبيك وبه حياتك، فكيف تسأل عما فوق ذلك؟
المهم، أن هذا قاعدة تنير القلب وتشرح الصدر، أن الشيء الذي لا يمكن إدراكه لا تسأل عنه؛ لأنه بكل سهولة نقوله له -للسائل- أيش؟ ماذا نقول؟ نقول: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، هل ما بقي عليك من العلم إلا هذا تسأل عنه؟ اسأل عن وضوئك، عن صلاتك، عن زكاتك، عن صيامك.
(ومثال الثاني: قول الله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ[المنافقون: ٨])، من الذين يقولون؟
طلبة: المنافقون.
الشيخ: المنافقون، المنافقون أغنياء، المنافقون أعزاء بأنفسهم وهم أذلة، ماذا قالوا؟ قالوا: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون: ٧]؛ يعني: وإذا انفضوا فأنفقوا عليهم؟
طلبة: لا.
الشيخ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا(حتى) هنا للتعليل، وليست للغاية، بخلاف قوله تعالى: قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [طه: ٩١]، فهنا: حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىللغاية، انتبهوا للفرق.
لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّواحتى يتركونه، أجابهم الله: وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ [المنافقون: ٧]، الرزق ليس بأيديهم، بأيدي الله عز وجل، وما رزقهم الله المال إلا فتنة لهم.
ثانيًا: يقولون: (ففي صحيح البخاري : أن زيد بن أرقم رضي الله عنه سمع عبد الله بن أُبي، رأس المنافقين)، عبد الله بن أُبي له ولد طاهر، اسمه: عبد الله؛ عبد الله بن عبد الله بن أُبي، أبوه رأس المنافقين، وهو من صالح المؤمنين؛ أعني ابنه.
(يقول ذلك) ما هو؟ يقول: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، يعني بالأعز: نفسه وأصحابه، وبالأذل: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم.
(يريد أنه الأعز، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأذل، فأخبر زيد عمه بذلك، فأخبر)؛ يعني عمه (به النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم زيدًا) ليستثبت بالخبر، (فأخبره بما سمع، ثم أرسل إلى عبد الله بن أُبَيّ وأصحابه فحلفوا ما قالواوَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [المجادلة: ١٤].
(حلفوا ما قالوا) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحكم إلا بما يسمع، مع أن زيد بن أرقم أخبره، لكنه كان صلى الله عليه وسلم لا يقبل الدعوة إلا ببينة، صدقهم عليه الصلاة والسلام، وهذا من الحكمة أنه يصدقهم.
(فأنزل الله تصديق زيد في هذه الآية، فاستبان الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم).
المنافقون أنزل الله فيهم سورة كاملة وهي سورة (المنافقون)، وأنزل في فضائحهم عدة آيات في سورة (براءة)، ولهذا كانت (براءة) من أشد السور على المنافقين؛ لأنها فضحتهم، وأنزل الله تعالى في واحد من الكافرين سورة كاملة من هو؟
طلبة: أبو لهب.
الشيخ: أبو لهب، أولًا: لأن أبا لهب عم الرسول صلى الله عليه وسلم، كان يجب عليه أن يكون أول الناس مؤمنين به، ويدافع عنه، لا أن يكون أشد الناس عداءً له وكفرًا به والعياذ بالله، فاستحق بفعله القبيح الشنيع أن تنزل فيه سورة كاملة، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من النفاق، إنه على كل شيء قدير.
(فوائد معرفة أسباب النزول:
بيان أن القرآن نزل من الله
).
ثانيًا: (بيان عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم في الدفاع عنه).
إذا عرفنا سبب النزول عرفنا عناية الله عز وجل برسوله في الدفاع عنه، مثاله (قوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: ٣٢]).
من شُبَه الكفار ما قد يروج على أهل الجهل، قال الذين كفروا: الكتب التي نزلت على الرسل السابقين تنزل جملة واحدة، ومحمد ينزل عليه كتابه مُفرَّقًا، فهلا أنزل عليه القرآن جملة واحدة؟ ماذا يريدون بهذا الكلام؟ التشكيك في كون هذا الوحي من عند الله، أجاب الله عنه: قال: كَذَلِكَأي: أنزلناه كذلك، لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَنقويه.
أرأيتم لو نزل القرآن جملة واحدة؟ لكان فيه مفاسد، لكان تنزل الأحكام كلها من أولها إلى آخرها جملة واحدة في أناس وثنيين لا يعرفون الحق، هل يكون هذا مقبولًا أو يتردد فيه الكثير؟ الثاني، يتردد فيه الكثير، والله يقولون هذه أوامر كثيرة وحبس حريات كما يقولون، لكن إذا نزل كاللبن للرضيع يمتصه شيئًا فشيئًا، نفع أو لا؟ نفع.
ولهذا قال: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَنقويه، كلما فتر الوحي ازداد النبي صلى الله عليه وسلم شوقًا إلى الوحي، فنزلت الآيات تثبيتًا للرسول صلى الله عليه وسلم.
أيضًا: رَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا؛ يعني: أنزلناه على مهل وعلى مكث، كما قال تعالى في آية أخرى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ؛ يعني: فرَّقناه؛ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦].
وكونه يأتي شيئًا فشيئًا مرتلًا لا شك أنه أسهل على الناس في حفظه، وتعلمون أن الصحابة الكتابة فيهم قليلة، فأكثر ما يكون عندهم الحفظ.
وفي قوله تعالى: وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا، وقوله: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: ١ - ٤]، يعني: اقرأه على مهل.
وأما زعم أهل التجويد أن المراد به: جَوِّدْهُ، فاقْرَأْه بصيغة التجويد، فليس كذلك، بل التجويد قد يكون مع الإسراع وعدم الترتيل، فالمراد بالترتيل أن تقرأه على مهل.
يقول: (وكذلك آيات الإفك فإنها دفاع عن فراش النبي صلى الله عليه وسلم) وتطهير ولّا تطهيرًا؟
الطلبة: تطهيرًا.
الشيخ: هذه لا بد أن نقدر، يعني: ونزلت (تطهيرًا له عما دنسه به الأفاكون).
الآن لا يخفى علينا جميعًا أن رجلًا قيل له في امرأته، وهي أحب النساء إليه: إنها ذات بغاء، ماذا يكون الموقف؟ سيكون حَرِجًا صعبًا، ولهذا فتر الوحي وأصاب النبي صلى الله عليه وسلم من الهم والغم ما لا يشعر به أحد، زوجته، وبنتُ صدِّيقِه، وأحب النساء إليه، ترمى بهذا الفعل الشنيع، والعياذ بالله، فكان في قلق، وكان يدخل عليها وهي مريضة؛ لأنها أول ما رجعت المدينة أصابتها الحمى، ثم لما سمعت بالقضية ازدادت، وصارت تبكي ليلًا ونهارًا لا يرقأ لها دمع، وكان النبي عليه الصلاة والسلام عادته إذا دخل عليها وهي مريضة أن يسأل ويتحفَّى، وفي تلك الأيام إذا دخل قال: «كَيْفَ تِيكُمْ؟» ، باسم الإشارة للبعيد، ولا يتحدث إليها ولا يستأنس معها؛ لأن الأمر عظيم، نسأل الله أن يحمينا وإياكم.
لو أن الإنسان ركن إلى زوجته الباغية لقيل: هذا ديوث، فالمسألة لا تتصور، ولهذا قال الله عز وجل: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا [النور: ١٥، ١٦] مَا يَكُونُ؛ يعني: ممتنعًا أشد الامتناع، مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَتنزيهًا لك أن تكون زوجة نبيك بهذه المثابة، ينزه الله عز وجل أن يكون هذا، سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ.
لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا [النور: ١٢] بِأَنْفُسِهِمْ؛ يعني: برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأم المؤمنين، أو بِأَنْفُسِهِمْ؛ يعني: لظنوا بالرسول وبأم المؤمنين كما يظنون بأنفسهم، وهم يظنون بأنفسهم البراءة من هذا، فالمسألة عظيمة.
لما نزل الوحي، سبحان الله، ونزل وهو في بيت عائشة، عشر آيات محكمات عظيمات، يتقرب المسلمون بهن إلى الله عز وجل، ولهم بكل حرف منهن حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، شوف الفرج من الله عز وجل، نزلت هذه الآيات العظيمة.
ولهذا أجمع المسلمون على أن من قذف عائشة بما برأها الله منه فإنه كافر مرتد، يُقتل على كل حال، بل قالوا: لو قذفها بغير ذلك أو قذف واحدة من أمهات المؤمنين فهو كافر مرتد، لا تقبل منه توبة، يقتل بكل حال، ولا كرامة، وهو أذل عندنا من الجعلان.
آيات الإفك نزلت نعرف سبب النزول، سبب النزول: خوض هؤلاء المنافقين ومن اغتر بهم في هذا الأمر العظيم، إذن فيه بيان عناية الله عز وجل برسوله صلى الله عليه وسلم، ونعم المرسل ونعم الرسول، وعناية الله تعالى بفراش الرسول عليه الصلاة والسلام أن يُدنس، والله لو دنس فراش واحد من الناس لكان عظيمًا، فكيف بفراش النبي صلى الله عليه وسلم؟
ولهذا أنزل الله الآيات في الدفاع عن فراش الرسول صلى الله عليه وسلم، وتطهيرًا له؛ أي للرسول عما دنسه به هؤلاء الأفاكون، هو تطهير لعائشة ولَّا لا؟ نعم، لكن تطهير أيضًا للرسول عليه الصلاة والسلام أن يكون فراشه بَغِيًّا، فحصل بذلك طمأنينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيان عناية الله به، وخذلان هؤلاء الخبثاء الذين قال الله فيهم: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور: ١١].
الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُهو؟ عبد الله بن أُبي، لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌفي الآخرة، في الدنيا لم يَحُدّه الرسول عليه الصلاة والسلام، ما أقام عليه الحد، مع أنه أقام الحد على مسطح بن أثاثة وامرأتين، لكنه لم يقم الحد على عبد الله بن أُبي، مع أنه هو الذي تولى كبره، ليش؟ اكتفاءً بقوله تعالى: لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، ولم يقل: اجلدوه، هذا واحد.
ثانيًا: الحد تطهير، وعبد الله بن أبي الخبيث أهل للتطهير؟ أبدًا، رجس، هذا سبب أيضًا.
سبب ثالث: عبد الله بن أُبي زعيم قومه، والنبي صلى الله عليه وسلم يحب التأليف، وربما يحصل من قومه ما لا تحمد عقباه لو أقيم عليه الحد، فتركه الرسول عليه الصلاة والسلام.
رابعًا: أن الخبيث عبد الله بن أُبي مَكّار خادع؛ ليس يصرح بهذا الأمر، لكنه يجلس مجالس يقول: ما سمعتم ويش قيل؟ (...)، قال: قيل إن عائشة كذا وكذا، فهو يشي بالحديث لكن لا يصرّح، وما كان كذلك فإنه لا يُحَد، فالمهم أن ترك حد النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الخبيث له أسباب.
المقصود من هذا في الحقيقة أنا سقتها؛ لأن الأمر –والله- عندي عظيم، يتفطر القلب منه، وشاهده من درسنا هو: (بيان عناية الله تبارك وتعالى برسوله صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه).
ثالثًا: (بيان عناية الله سبحانه وتعالى بعباده في تفريج كرباتهم وإزالة غمومهم، مثال ذلك: آية التيمم)؛ يعني: بدلًا عن الماء.
(ففي صحيح البخاري : أنه ضاع عقد لعائشة رضي الله عنها وهي مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في بعض أسفاره، فأقام النبي صلى الله عليه وسلم لطلبه، وأقام الناس على غير ماء، فشكوا ذلك إلى أبي بكر، فذكر الحديث، وفيه: أنزل الله آية التيمم، فتيمموا).
شف، سبحان الله، فرج، الناس ضاق عليهم الأمر، ما عندهم ماء، ولا يمكن أن يعصوا الرسول صلى الله عليه وسلم فيدفعوا عن هذا المكان، والنبي صلى الله عليه وسلم حبسهم على هذا العقد.
أولًا: لأنه مال، والمال قليل.
ثانيًا: أن عائشة تتحلى به لمن؟ للرسول عليه الصلاة والسلام أشرف الخلق، فهو عقد ذو قيمة.
ثالثًا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم مربٍ لأمته بمقاله وفعاله؛ حتى يعلموا ما للزوجات من الحقوق، وأنه تجب مراعاتهن، وحتى يعرفوا قدر المال فلا يضيعوه بلا فائدة، فالمهم أنه حبسهم عليه الصلاة والسلام على هذا، وليس معهم ماء، والصلاة قد حانت، ما الحل؟ أنزل الله آية التيمم، فكان فيها فرج عظيم، وهي مصداق قوله تبارك وتعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥، ٦].
ما أكثر الشواهد لهذه القاعدة العامة، في إرضاع المرأة ولدها –المطلقة- يقول عز وجل: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ.
الطلبة: فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى [الطلاق: ٦]
الشيخ: فلن يضيع الولد، لا بد أن ييسر الله تعالى من يرضعه، فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىوالسين للقرب والتحقيق، فإذا تعاسر الأبوان في مقدار النفقة أو ما أشبه ذلك فالحل قريب جدًا.
فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىمنين؟ من فاطر السماوات والأرض، ييسر الله له ذلك؛ لأن وعد الله حق.
(فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر). صدق رضي الله عنه.
آل أبي بكر لهم بركات، لا على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا على الأمة، ولو لم يكن من بركات آل أبي بكر على الأمة إلا خلافة أبي بكر لكفى بها بركة، حصل بها خير كثير، قتال أهل الردة، وعزة المسلمين، وتولية الفاروق، تولية الفاروق رضي الله عنه هذه من حسنات أبي بكر، أنه حسم النزاع بولاية العهد لعمر، وأنه وضع الحق في نصابه تمامًا، ولهذا تُعد خلافة عمر من مناقب أبي بكر رضي الله عنه، فبركتهم كثيرة.
وفي هذا الحديث دليل على أنه لا بأس أن تقول للإنسان: هذه من بركتك، لكن ليست بركة الصوفية الذين يتبركون حتى بالنعال، لا، البركة بركة علم، بركة تيسير الأمور، كثيرًا ما تتيسر الأمور في قدوم شخص، كثيرًا، يكون هذا من باب التفاؤل، وكثيرًا ما يكون الإنسان سببًا لخير كثير في وجاهاته لمظلوم، أو إعانته لمحتاج، أو تعليمه لجاهل، كل هذه بركات، فقول الناس للشخص هذه من بركاتك، هذا إذا صدق فهو حقيقة، إذا كان هذا الرجل إذا حضر، حضر أناس في المجلس وعلمهم وأرشدهم أو أشار بشيء، فهذه أيش؟
طلبة: من البركة.
الشيخ: من البركة.
رابعًا: (فهم الآية على الوجه الصحيح).
هذا من فوائد معرفة أسباب النزول، أن تفهم الآية على وجه صحيح، (مثال ذلك قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة: ١٥٨]؛ أي: يسعى بينهما)، الصفا أين يقع؟
طالب: في مكة.
الشيخ: أنا عارف أنه بمكة لكن هو في الحجون ولّا في أي مكان؟
طالب: يقع عند المسعى.
الشيخ: يقع شرقًا عن الكعبة، الصفا، وأعلاه جبل أبي قُبيس، المروة يقع عنها شرقًا شمالًا، أعلاه الجبل الذي يسمى قُعيقعان، هذا جبل أبي قبيس وذاك قُعيقعان.
قال الله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، شُف مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا؛ أي: يسعى بينهما، فإن ظاهر قوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَاأن غاية أمر السعي بينهما أن يكون من قسم المباح، صحيح؟ نعم.
لكن لا جناح عليك أن تطوف؛ يعني: هو ليس بواجب، هذا ظاهر الآية، لكن إذا عرفت السبب بطل العجب.
(ففي صحيح البخاري ، عن عاصم بن سليمان، قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه عن الصفا والمروة، فقال: كنا نُرى أنهما من أمر الجاهلية).
نُرى: يعني نظن، أو نَرى بمعنى: نعتقد ونعلم (أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما، فصاروا يطوفون بالبيت ولا يسعون، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) جعلهما من الشعائر.
ويقول: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِنفيًا لما يتوهم من أيش؟ من الإثم بالطواف بهما، وليس نفيًا لأصل الحكم، بل هو نفي، لما يتوهم من الإثم بالطواف بهما.
والآية تدل على هذا؛ لأنه قال: مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، وما كان من شعائر الله فهل يقتصر بحكمه على أن يُقال: لا جناح عليك أن تفعل؟ لا، بل هو مطلوب.
(فأنزل الله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِإلى قوله: أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وبهذا عرف أن نفي الجناح ليس المراد به بيان أصل حكم السعي، وإنما المراد به نفي تحرجهم وإمساكهم عنه، حيث كانوا يرون أنهما من أمر الجاهلية، أما أصل حكم السعي فقد تبين بقوله: ..)
طالب: شيخ (...).
الشيخ: (بقوله) ما فيها ضمير عندي، (فقد تبين بقوله: مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ)، إذن صار فائدة معرفة بيان السبب فوائده أربعة، احفظوها بارك الله فيكم.

عموم اللفظ وخصوص السبب
01:22:50

ثم قال: (عموم اللفظ وخصوص السبب
إذا نزلت الآية لسبب خاص، ولفظها عام، كان حكمها شاملًا لسببها، ولكل ما يتناوله لفظها؛ لأن القرآن نزل تشريعًا عامًّا لجميع الأمة، فكانت العبرة بعموم لفظه لا بخصوص سببه
).
وهذه قاعدة معروفة والحمد لله، وأكثركم يجيدها ويجيد تطبيقها.
(مثال ذلك: آيات اللعان) اللعان يكون بين الزوجين، وسببه قذف الزوج زوجته بالزنا، وسمي لِعانًا؛ لأن الزوج يقول فيه: وأن لعنة الله عليّ، ولم يسمَّ غضبًا، آية الغضب؛ لأن اللعان يُبتدأ به أولًا؛ ولأنه بحق الرجل، والرجل أشرف من المرأة.
يقول: (ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء) كلاهما صحابي، لكن الصحابة ليسوا معصومين من كبائر الإثم والفواحش، ليسوا معصومين، قد يوجد فيهم من يزني ويقتل النفس ويشرب الخمر، أليس كذلك؟ لكن هذه الأشياء التي تقع منهم لا بد أن يكون لها ما يكفرها، لا بد.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه العقيدة الواسطية أسبابًا متعددة لتكفير ما وقع منهم.
منها: أن الله قال لأهل بدر: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ».
وتعلمون ما جاء في قصة حاطب، وجاسوسيته على النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل مكة، لما قال عمر: دعني أضرب عنقه، قال: «لَا»؛ لأن الجاسوس يُقتل، الذي يجس على المسلمين للكفار يُقتل، يجب أن يُقتل وجوبًا، حتى لو تاب؛ لأنه لو تاب فإن مضرته لا ترتفع، بل يُقتل حتى لا يعود غيره إلى ذلك، لكن الرسول منع عمر، وقال له: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ، فوقع هذا الذنب، أيش؟ مغفورًا من قبل، «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»؛ أي: غفرت لكم ما تعملون بعد هذه المعركة التي أعز الله بها المسلمين عزًّا عظيمًا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اَلْبَيِّنَةَ، أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ»، البينة: يعني أقم البينة على أن امرأتك زنت، وكم البينة؟
طالب: البينة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: أربعة شهود.
الشيخ: أربعة شهود رجال عدول يشهدون أنهم رأوا ذكر الزاني في فرج الزانية، رأوا الذكر في الفرج، من بيشهد؟ ما حد يشهد، صعب.
ولهذا لما وقعت هذه القضية في زمن عمر، قوم شهدوا على أحد الصحابة بأنه زنى، جابهم عمر، قال: تشهدون؟ قالوا: نشهد. تشهدون أنكم رأيتم ذكره في فرجها؟ قالوا: نعم نشهد، ثلاثة كلهم ثبتوا على هذه الشهادة، الرابع: لما جاء يشهد قال له المشهود عليه: اتق الله، اتق الله، والله لو كنت بين أفخاذنا ما شهدت هذه الشهادة؛ لأنها صعبة، قال: والله يا أمير المؤمنين وقّف، أنا رأيت استًا تنبو وذكرًا ينزو ؛ يعني: رجلًا ينزو، لكن إلى حد أن ذكره في فرجها ما أستطيع، ما أشهد؟ كبر عمر تكبيرًا عظيمًا أن نَجَّى الله أحد الصحابة من هذه الفرية، ثم جلد الثلاثة على ثمانين جلدة، وبرّأ الرابع، وبرأ المكذوب عليه، إحنا نقول المكذوب عليه ولَّا لا؟ نقولها بملء أفواهنا؛ لقوله تعالى: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور: ١٣].
هلال بن أمية رضي الله عنه وتعرفون أنه أحد الثلاثة الذين نزلت توبتهم من عند الله، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةَ، أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ»، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد ، الله أكبر، ثقة بالله عز وجل وحسن ظن، أكد أن الله سينزل ذلك، بماذا أكده؟ بـ(القسم) و(اللام) و(نون التوكيد)، فلينزلن الله؛ لأن الجملة هذه مؤكدة بهذه الثلاثة؛ القسم واللام ونون التوكيد، فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ [النور: ٦]، فقرأ حتى بلغ: إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور: ٩].
تقول المرأة: أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور: ٩].
قال: (فهذه الآيات نزلت بسبب قذف هلال أمية لامرأته، لكن حكمها شامل له ولغيره، بدليل ما رواه البخاري من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن عويمر العجلاني جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلًا، أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يصنع؟).
مشكلة، يقول: (أيقتله؟)؛ يعني يقتل من رآه على زوجته (فتقتلونه؟) تقتلون من؟ الزوج الذي قتل.