لكن حكمها شامل له ولغيره بدليل ما رواه البخاري من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه أن عويمرًا
العجلانيَّ جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ
اللهِ، رَجُلٌ وَجَدَ مع امرأتِهِ رَجُلًا، أيقتلُهُ فتقتُلُونَهُ؟ أَمْ كيفَ
يصنعُ؟ مُشكِل، يقول: أيقتلُهُ؟ يعني يقتل مَن
رآه على زوجته، فتقتلُونَهُ؟ تقتلونَ مَن؟ الزوجَ الذي
قتلَ الرجلَ الذي وجده مع أهلِهِ.
فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْقُرْآنَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ».
فأمرهما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالملاعنة بما سمى الله في كتابه، فلاعنها،
فجعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم حُكْمَ هذه الآيةِ شاملًا لهلالِ بن أمية
وغيرِه.
كلام عويمر: أيقتلُهُ فتقتلونه؟ لو أن رجلًا
وجد شخصًا على زوجته -نعوذ بالله ونسأل اللهَ لنا ولكم السلامةَ- فهل له أن
يقتلَه؟
طلبة: نعم.
الشيخ:
هل هو قتْلُ صائلٍ أو قتْلُ حدٍّ؟ الثاني؛ لأنه لو كان قتْلَ صائلٍ لقال له: يا
فلان اتق الله، كيف تفعل هذا؟ هذا يقوم على طول، ويروح، يعني قتْل الصائل لا يجوز
إلا إذا تعذَّر دفعُ صولِهِ إلا بالقتل، هذا بكل سهولة، بل لو يسمع صوت قرطاسك في
الريح لهرب، لكن له أن يقتلَه حدًّا وانتقامًا.
رُفع إلى أمير المؤمنين عمر رضي
الله عنه رجلٌ قتلَ رجلًا، فتخاصموا عند عمر فقال: يا أميرَ
المؤمنينَ، واللهِ ما ضربتُ إلا بين فخِذَيْ زوجتي، فإن كان بين فَخِذَيْها رجلٌ
فأنا قتلتُه. قال لأولياءِ المقتولِ: ما
تقولونَ؟ قالوا: نعم، الأمرُ كذلك. فأخذَ السيفَ
منَ الرجلِ وهزَّهُ. عمرُ قويٌّ رضي الله عنه، هزَّه وقال: إنْ
عادوا فَعُدْ .
يعني
إنْ أحدٌ جاء لامرأتك ثانية فالقتل؛ فلهذا كان القول الراجح أنَّ قتلَه من باب
الحد، وحمايةِ العِرض، فلك قتلُه، لكن المشكل إذا ادَّعى أولياء المقتول أنه ما فعل
وقالوا: أبدًا هذا ما هو صحيح، تُضبَطُ القضيةُ، ويُؤتى للمكان ويُنظر، والقرائنُ
تؤيد.
ومثل ذلك: لو أن رجلًا قتل رجلًا وادَّعى أنه صائلٌ عليه، من المعلوم أننا
لا نقبل دعواه، لو أننا قَبِلْنا دعواه لكان كل واحد يقتل شخصًا يقول: صال عليَّ.
فيجب أن نقتلَه.
يجب أن نقتلَ هذا الذي ادَّعى أنه دفْعُ صائلٍ؛ حمايةً للأنفس،
لكن لو فُرِض أن هناك قرائنَ قويةً تدل على أن مُدَّعي دفع الصول صادقٌ، هل نقبل
قوله؟ نعم، نقبل قوله؛ لأن الحكم بالقرائن ثابت، شاهِدُ موسى ويش قال؟ إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ [يوسف: ٢٦] أيش؟
طلبة: شاهِد يوسف.
الشيخ:
نعم، صاحب يوسف، الشاهد اللي حكم، قال: إِنْ كَانَ قَمِيصُهُيعني: يوسف قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ [يوسف: ٢٦، ٢٧] حَكمَ
بالقرائن.
وسليمانُ بنُ داود لما تنازعتِ امرأتان في طفل وكانتا قد خرجتا إلى
البر فأكل الذئب وَلدَ إحداهما، فتنازعتا عند داود عليه الصلاة والسلام فحكم به
للكبرى، ثم حكم بينهما سليمانُ بحكم آخر، فدعا بالسكين، قال: هات السكينَ، الولد
الآن كل منكما ادَّعاه، نبغي نشقه نصفين، كل واحدة نعطيها النصف، الكبيرة ليست أمه،
باركَتْ هذا الحكم ووافقَتْ عليه؛ لأنه إذا راح فولدُها قد راح من قبلُ، وذهب على
أمِّه؛ الصغيرة قالت: لا يا نبي الله، الولد لها .
ولا شيء، الآن لو كان الأمر أمامكم لمن تحكمون؟
الطلبة:
للصغرى.
الشيخ: للصغرى، نعم للصغرى، ولذلك حكم به
للصغرى، فالمقصود أن القرائن بمنزلة البينات، فإذا ادعى رجلٌ معروف بالصلاح أن
المقتول الذي قتله هذا الرجل معروف بالفساد والصِّيالة، ولا سيما إن سبقه توعُّدُ
المقتول بقتل الذي قتله، فلا شك أننا نحكم بصدق مَن قال: إنه قتله، أيش؟ دفاعًا عن
نفسه، والله الموفق، نسأل الله لنا ولكم السلامة.
طالب:
شيخ ذكرت (...) وجَّهْتَنا في هذا يعني ذكرتَ مثلًا للصحابة (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: المعاصي
(...).
الشيخ: أيش؟
الطالب:
(...) يعني وقوعهم في المعاصي ما هو حجة لنا، يعني بعض الناس يعني يقولون
(...).
الشيخ: إي نعم، ما ننكر هذا، الواجبُ القولُ ولو
على أنفسنا، القول بالحق ولو على أنفسنا، لكن الصحابة كما ذكرت لكم عندهم ما
يُبرِّئُهم من هذه الذنوب؛ إما توبة نصوح، وإما عمل مشكور، وإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: ١١٤].
ونقول لمن احتج: بسم الله الرحمن الرحيم، ماعز رضي الله عنه حصل منه
الزنا، وأقرَّ، وأنت الآن تريد أن تحتج بفعل ماعز على إباحة الزنا، فرْقٌ بين هذا
وهذا، أنت الآن أقِرَّ كما أقَرَّ ماعز، والحجارة موجودة إن كنت ثَيِّبًا، والرماح
موجودة إن كنت غير ثيب، موافق على هذا ولَّا لا؟
طالب:
شيخ بارك الله فيك، قلنا في أسباب النزول: إن الحادثة تحتاج إلى بيان، والآية:
قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [التوبة: ٦٥] هل يدخل الآن يعني بعض الناس يستهزئ بصاحب
اللحية، يستهزئ بالثوب القصير؟
الشيخ: نعم، لا ما يدخل
في هذا؛ لأن كثيرًا من هؤلاء إنما يستهزؤون بالفاعل لا بالفعل، ولذلك لو كانت
اللحية على رجل يوقرونه أو عالم أو ما أشبه ذلك ما استهزؤوا به، ولو كان الثوب
القصير على عالم أو إنسان مُبَجَّل عندهم ما استهزؤوا به، ففَرْقٌ بين الذي يستهزئ
بالفعل والذي يستهزئ بالفاعل، إن كان يستهزئ بالرجل بقطع النظر عن الفعل، لكن يقول
هذا غير قابل عليه، فهذا لا يكفر.
الطالب: حتى ولو
بُيِّنَ له؟
الشيخ: ولو بُيِّنَ؛ لأنه هل كل من رفع
ثوبه أو أعفى لحيته، هل يكون في قلبه من اليقين ما لا يستحق أن يوصف بالعيب؟ ما هو
على كل حال، بعض الناس الذين يظهر منهم الصلاحُ يُذكر عنهم أشياء يَشيب منها الرأس.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين. قال المصنف حفظه الله تعالى:
المكي والمدني
المكيُّ: ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قبل هجرته إلى المدينة.
والمدنيُّ: ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة، وعلى هذا فقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣] من القسم المدني وإن كانت قد نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بعرفة.
وفي صحيح البخاري عن عمر رضي الله عنه أنه قال: قد عرَفْنَا ذلك اليومَ والمكانَ الذي نزلَتْ فيه على النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ؛ نزلت وهو قائمٌ بعرفةَ يومَ جُمُعةٍ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، سبق لنا أنه إذا وردت آيات على سبب خاص فالعبرة؟ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فما هو الدليل الذي يؤيد هذه القاعدةَ؟
طالب: الدليل (...).
الشيخ: مَن؟
الطالب: قصة عويمر العجلاني.
الشيخ: نعم.
الطالب: عندما خانت امرأتُهُ النبي صلى الله عليه وسلم حكم به في الآية التي نزلت في..
الشيخ: عويمر العجلاني سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد رجلًا مع امرأته، فقال:
الطالب: أيقتله أم كيف يصنع به؟
الشيخ: أيقتلُهُ فتقتلونه؟ أم ماذا يصنع؟
الطالب: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «قَدْ أَنْزَلَ اللهُ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ» ؛ قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [النور: ٦ - ٨].
الشيخ: هذا يدل على أن العبرة؟
الطالب: بعموم اللفظ.
الشيخ: لأن سبب نزولها؟
الطالب: هلال بن أمية.
الشيخ: في قصة هلال بن أمية، إذن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، بدليل أثري، وهناك دليل نظري أيضًا أشرنا إليه، يعني تعليلًا.
طالب: لأننا لو قلنا بأن كل دليل يُخص بالسبب الذي ورد عليه ولم يُعمم، لاحتيج في ذلك في كل واقعة إلى دليل معين بها.
الشيخ: لا ما هو هذا، هو موجود في الكتاب عندك أن هذا القرآن نزل لمن؟ لعموم الأمة، فالحكم الثابت لشخص يكون له وللأمة جميعًا.
(المكيُّ والمدنيُّ)
يقول المؤلف:
(نزل القرآنُ على النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مُفرَّقًا في خلالِ ثلاثٍ وعشرين سنةً)
لأنه ابتدأ نزولُه وله أربعون سنة، وتُوفِّي وله ثلاث وستون سنة، فيكون زمنُ إنزال القرآن ثلاثًا وعشرين سنةً.
(قضى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أكثرَها بمكة)
كم قضى بمكة؟ ثلاث عشرة سنة، وعشر سنوات في المدينة.
(قال الله تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ)
أي: فرَّقناه وجعلناه مفرقًا.
(لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ)
يعني: على مَهلٍ، فيقرؤُوه شيئًا فشيئًا، فيرسخ في قلوبهم، ويكون عملُهم به أيضًا ليس جملةً واحدةً، بل على التدريج.
(وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا)
نَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا، قال العلماء: التنزيل: هو نزول الشيء شيئًا فشيئًا، يعني: نزلناه شيئًا فشيئًا.
(ولذلك قسم العلماء رحمهم الله القرآن إلى قسمين؛ مكي ومدني:
فالمكيُّ: ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قبل هجرته إلى المدينة)
هذا مكيٌّ.
(المدنيُّ: ما نزل على النبيِّ صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة)
هذا هو الضابط، وهو ضابطٌ جامعٌ مانعٌ، ولكن هل السورة يمكن أن يكون فيها مكيٌّ ومدنيٌّ؟
قال بعض العلماء: يمكن. وأكثرَ بعضُ العلماء من ذلك، وسيأتينا إن شاء الله تعالى بيانُ أن كلَّ منِ ادَّعى أن هذه الآية مكية وهي في سورة مدنية أو بالعكس فعليه الدليل.
(وعلى هذا فقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: ٣] من القسم المدني، وإن كانت قد نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بعرفة)
قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْالْيَوْمَ: (ال): هنا للعهد الحضوري، أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ: يعني: جعلته كاملًا، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي: بإكمال الدين، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا: يعني: ولم أرضَ غيرَه، ويدل على هذا قولُه تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥]
يقول:
(من القسم المدني وإن كانت قد نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بعرفة، ففي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قد عرَفْنَا ذلك اليومَ والمكانَ الذي نزلَتْ فيه على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، نزلَتْ وهو قائمٌ بعرفةَ يومَ جمعةٍ)
فصار فيها شرفُ الزمان من وجهين: أنه يوم عرفة، وأنه يوم جمعة. وشرفُ المكان أيضًا؛ لأن عرفة هي المشعر الحلال، قال ذلك رضي الله عنه ردًّا على قول يهودي قال له: لقد نزلت عليكم آية لو نزلت على اليهود لاتخذوا ذلك اليوم عيدًا، فبيَّن عمر رضي الله عنه أنها نزلت في عيد، في يوم عيد، يوم جمعة يوم عيد، ويوم عرفة يوم عيد للحجاج، فقد نزلت في يوم عيد.
(ويتميز القسم المكي على المدني من حيث الأسلوب والموضوع)
لأن كلَّ واحد منهما له مميزات، حتى يكاد الإنسان الذي يقرأ القرآن ويكرره دائمًا يعرف أن هذه الآية مكية أو مدنية، أو السورة مكية أو مدنية، وإن لم يرجع إلى التاريخ؛ لأن مَن داومَ على الشيء وكرره صار في نفسه انطباع في معرفته بدون أن يبحث عن أصله وثبوته.
ولهذا نجد العلماء الْحُفَّاظ ربما يحكمون على الحديث بأنه موضوع وإن لم يراجعوا سنده، بأي سبب؟ بأسلوبه وموضوعه وما أشبه ذلك، لكن هذا يحتاج إلى أن يكون الإنسان دائمًا يكرر كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
نجد أيضًا أن بعض الناس يكون يكثر المطالعة في كتب بعض المؤلفين كشيخ الإسلام ابن تيمية، فإذا مر عليه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عرفه، وإذا نُسب إليه كلام ولكنه ليس على أسلوبه عرف أنه ليس من كلامه، لكن لا بد من الممارسة الكثيرة في القرآن الكريم حتى تعرف المكي والمدني.
(الغالب في المكي: قوة الأسلوب، وشدة الخطاب؛ لأن غالب المخاطبين معرضون مستكبرون، ولا يليق بهم إلا ذلك، اقرأ سورتي المدثر والقمر)
تجد أن فيهما قوة الأسلوب وشدة الخطاب: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا [المدثر: ٨ - ١٦] إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ [المدثر: ١٨ - ٢٣] يعني كلمات كأنها شظايا نار من شدتها، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر: ٢٦ - ٣٠] فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [المدثر: ٤٩ - ٥١] شديد شديد.
أما (اقتربت) حدِّث ولا حرج، تجد قصص الأنبياء التي تكون مطولة في بعض السور تجدها مختصرة: كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [القمر: ١٨ - ٢٠]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ [القمر: ٩ - ١١] أو قال: {فتَّحْنَا} -قراءة أخرى- أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا [القمر: ١١، ١٢] لم يقل: فجرنا عيونًا في الأرض، الأرض كلها كانت عيونًا تنبع، ما فيها ولا شبر إلا ينبعُ ماءً، حتى التنور الذي محل الإيقاد وأبعد ما يكون عن الماء صار يفور، كلمات عظيمة.
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: ٤٩- ٥١]
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [القمر: ٤٧، ٤٨] هكذا، هذا الأسلوب الشديد العظيم يناسب لحال المشركين؛ لأنهم أشداء على المؤمنين، مستكبرون عن طاعة رب العالمين، ولكل مقامٍ مقالٌ، ولهذا أنت في مخاطبتك للناس العادية تخاطب هذا باللين وذاك بالقسوة حسب ما يقتضيه المقام والحال، هذا واحد، الغالب في المكي إذن أيش؟ قوة الأسلوب، وشدة الخطاب، وكلمات عظيمة جدًّا تهدُّ الجبالَ.
(أما المدني فالغالب في أسلوبه اللين)-والسهولة- (وسهولة الخطاب؛ لأن غالب المخاطبين مقبلون منقادون)
المدنيُّ يخاطب المهاجرين، المهاجرون عندهم استكبار؟ لا، ما عندهم استكبار، عندهم القبول والإذعان، فصار المناسب لمخاطبتهم أيش؟ اللين، ولهذا تجد الآيات المدنية التي يخاطب الله بها اليهود تجدها شديدة، لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [المائدة: ٧٨] إلى آخره، لكل مقام له مقال، وهذا من بلاغة القرآن.
(الغالب في المكيِّ: قِصَرُ الآيات وقوةُ المحاجة؛ لأن غالب المخاطبين معاندون مشاقُّون، فخوطبوا بما تقتضيه حالهم، اقرأ سورة الطور)
الغالب في المكي أن الآيات قصيرة، وأن المحاجة قوية، اسمع قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَإلى آخره [الواقعة: ٥٨ - ٦١] ، ولهذا لما سمع جبير بن مطعم رضي الله عنه هذه الآية: أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ [الواقعة: ٥٩].
طالب: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: ٣٥].
الشيخ: نعم، خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ-أنا ذهبت إلى الواقعة، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ- قال: كادَ قلبي يطيرُ ؛ لأنه شديد، محاجة قوية.
آخرها: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ [الطور: ٣٥ - ٣٧] الأموال والنفقات أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ [الطور: ٣٧] عندهم قوة السلطان أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ [الطور: ٣٨] فإن كان: فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ [الطور: ٣٨ - ٤٠] والرسول عليه الصلاة والسلام لا يسألهم أجرًا، بل يعطيهم أجرًا، أليس يعطي المؤلفة قلوبهم الأموال الكثيرة؟ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا [الطور: ٤١، ٤٢] أيش؟ فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ [الطور: ٤٢].
انظر: جملة اسمية مؤكدة بضمير الفصل؛ فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ، إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: ١٥، ١٦] أعظم منه، سبحان الله العظيم، تجد القرآن مناسبًا تمامًا لمقتضى الحال، وهذا غاية ما يكون من البلاغة، والمؤلف يحيل على الآيات أو على السور التي تدل على هذا.
(أما المدنيُّ: فالغالب فيه طولُ الآيات، وذِكْرُ الأحكام مرسلةً بدون محاجة؛ لأن حالهم تقتضي ذلك، اقرأ آيةَ الدَّيْنِ في سورة البقرة)
طويلة، وسهلة، ولا فيها إلا أحكامٌ وتوجيهٌ؛ لأن القوم أيش؟ منقادون، مستسلمون، لا يناضلون ولا يجادلون. يقول:
(وأما من حيث الموضوع)
إذن من حيث الأسلوب ذكر فقرتين، الأولى والثانية. من حيث الموضوع:
(الغالب في المكيِّ تقرير التوحيد والعقيدة السليمة خصوصًا ما يتعلق بتوحيد الألوهية والإيمان بالبعث؛ لأن غالب المخاطبين ينكرون ذلك)
ولهذا يُبدِئ الله عز وجل ويُعيد في إثبات البعث؛ لأن القوم ينكرونه، حتى يجيء أحدهم إلى الرسول عليه الصلاة والسلام بعظام بالية يُفتِّتها بين يديه ويقول: مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٧٨] من يحيي هذه؟ فقال الله عز وجل: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس: ٧٩] هذا الدليل؛ لأن القادر على ابتدائها قادر على إعادتها كما قال عز وجل: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧].
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌهذا دليل آخر، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا [يس: ٨٠] هذا دليل ثالث.
وجه الدلالة: أن الشجر الأخضر يا إخواني فيه رطوبة وبرودة، تتولد من الرطوبة والبرودة حرارةٌ ويبوسة، هذا من أعظم ما يكون من القُدَرِ، ثم أكَّد قال: فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَولا يمكنكم إنكار هذا، أنتم تستعملونه، توقدون منه.
أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [يس: ٨١] الجواب: بَلَى [يس: ٨١] أيضًا هذا دليل رابع، وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ [يس: ٨١] دليل خامس، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢] سادس، لا يعجزه، كُنْ فَيَكُونُ.
وانظر إلى القدرة العظيمة الإلهية؛ أنها زجرة واحدة تقيم الناس من قبورهم فإذا هم جميعٌ، يقول الله عز وجل: فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: ٥٣] كلهم، ما يتخلف أحد، زجرة واحدة، كلمة، وهل يتباطأ المفعول؟ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر: ٥٠] الله أكبر! سبحان الله!
أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨١، ٨٢] ، هذا السادس، السابع هو التالي:
فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [يس: ٨٣] والذي بيده ملكوت كل شيء مُنَزَّهٌ عن العجز عن التصرف فيه، فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَهذا أيضًا دليل.
وجه الدلالة: أنه لو لم نرجع إلى الله عز وجل وكان منتهى أمرنا أن نُدفَن تحت التراب لكان هذا مُنافيًا للحكمة، فلا بد من الرجوع إلى الله عز وجل فيحاسبنا على أعمالنا. فتجد أن القرآن الكريم في السور المكية فيه محاجة.
كذلك أيضًا القدرة على البعث: ذكر الله عز وجل من القدرة على البعث أدلةً حسية؛ الأرض، ترى الأرض هامدة، يقول الله عز وجل: فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [الحج: ٥] اهْتَزَّتْبأشجارها وزروعها، وَرَبَتْعَلَتْ، قيل: إن عُلُوَّها هو قشرة الأرض يدفعها النبات، وقيل: إن عُلوها عُلو النبات، إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا [فصلت: ٣٩] أيش؟
طلبة: لَمُحْيِ الْمَوْتَى.
الشيخ: لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فالمهم أن الآيات المكية لها وضْعٌ خاص في المحاجة والمجادلة.
(أما المدنيُّ: فالغالب فيه تفصيل العبادات والمعاملات؛ لأن المخاطبين قد تقرر في نفوسهم التوحيد والعقيدة السليمة، فهم في حاجة لتفصيل العبادات.
ثانيًا: الإفاضة في ذكر الجهاد وأحكامه، والمنافقين وأحوالهم في القسم المدني، لاقتضاء الحال ذلك، حيث شُرِع الجهاد وظهر النفاق بخلاف القسم المكيِّ)
(الإفاضة في ذكر الجهاد وأحكامه، و-ذِكْر- المنافقين وأحوالهم)
هذا في أي السور؟
الطلبة: المدنية.
الشيخ: المدنية؛ لأن المقام يقتضي هذا، قد يشير الله عز وجل في المكي إلى ذكر النفاق، لكن لا يسهب فيه ولا يُطوِّل، وإنما يكون ذلك في القسم المدني.
أما النتيجة والثمرة من معرفة المكي والمدني ذكر المؤلف قال:
(معرفة المكي والمدني نوع من أنواع علوم القرآن المهمة؛ وذلك لأن فيها فوائد منها:
أولًا: ظهور بلاغة القرآن في أعلى مراتبها: حيث يخاطب كل قوم بما تقتضيه حالهم من قوة وشدة أو لين وسهولة)
وهذه هي البلاغة، ولهذا فسر علماء البلاغة: أن البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال. هذه البلاغة -والفصاحة: موافقته لقواعد اللغة العربية- فالقرآن الكريم لا شك أنه يأتي مطابقًا لمقتضى الحال، وذلك من معرفة المكي والمدني.
(ثانيًا: ظهور حكمة التشريع في أسمى غاياته: حيث يتدرج شيئًا فشيئًا بحسب الأهم)
تدرج شيئًا فشيئًا بحسب الأهم فالأهم، وهذا من حكمة الله عز وجل؛ لأن الناس لو أتاهم الشرعُ جملةً واحدةً لشق عليهم ذلك، فلا بد أن يأتيهم شيئًا فشيئًا، وما هي الحكمة: أن نبدأ بالأهم فالأهم، أو بالمهم دون الأهم؟ أجيبوا:
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، الأول هو الحكمة، أقول: الحكمة في التشريع أن يُبدأ بالأهم فالأهم، فهل ينطبق هذا على حال المدعوّ الآن؟ بمعنى: إذا رأينا شخصًا عنده منكرات متعددة، هل نبدأ بالأهم؟ بنصيحته يعني الأهم فالأهم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، بالأهم فالأهم، حتى أيضًا في الأوامر، ما نعطيه الأوامر جملةً، نعطيه الأوامر شيئًا فشيئًا، حتى يلين، ومن ذلك لو أن رجلًا ذهب إلى قوم يدعوهم إلى الله عز وجل، ورأى ما هم عليه من البدع والخرافات والأشياء، فأراد أن يتكلم بأشياء يطمئنون إليها أولًا؛ مثل أن يتكلم عن الصلاة، عن الجنة، عن النار، أشياء متفق عليها، حتى تلين قلوبهم لموعظته، أو يبدأ من الأول يقول: أيها المبتدعون المخالفون الضالون: كل بدعة ضلالة، أيّهنَّ؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول؛ لأنه لو بدأ بمهاجمتهم ما قبلوا منه، وانظر إلى قوله تعالى: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ [الأنعام: ١٠٨]، ابدأ بالشيء المتفق عليه أولًا، الذي لا يكون فيه المعارضة، وفَتِّح لهم أبوابَ العلم التي أعطاك الله حتى يعرفوا أنك رجل عالم، ويُقبلوا ويَقبلوا منك، يبدأ بالأهم فالأهم.
(ثالثًا: تربية الدعاة إلى الله تعالى، وتوجيههم إلى أن يتبعوا ما سلكه القرآن في الأسلوب والموضوع من حيث المخاطبين؛ بحيث يبدأ بالأهم فالأهم، وتستعمل الشدة في موضعها، والسهولة في موضعها)
والإنسان الحكيم الذي آتاه الله الحكمة وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة: ٢٦٩] يعرف كيف يتصرف، انظر إلى حال الرسول صلى الله عليه وسلم، يُنزل الجاهل منزلته، وما يظهر منه العناد منزلته.
جاء رجل أعرابي، أعرابي فاحتاج إلى قضاء الحاجة فتنحى ناحية في المسجد وجعل يبول، يظن أن المسجد كالبَر كالخلاء، فصاح به الناس وزجروه، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تُزْرِمُوهُ»، يعني: دَعُوهُ يقضي بوله.
فلما قضى بوْلَه أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُراقَ على بوله ذنوبٌ من ماء، فزالت المفسدة التي حصلت، زالت المفسدة من هذا البول بتطهيره، ثم دعا الرجل وقال له: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالصَّلَاةُ» أو كما قال.
ماذا قال الأعرابي؟ الأعرابي انشرح صدرُه لكلام النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد ضاق صدرُه بزجر الصحابة له، فظهر ما في الباطن على اللسان، وقال: اللهُمَّ ارْحَمْنِي ومُحمدًا ولا تَرحمْ مَعَنا أحدًا . ضيَّقَ الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء؛ لأن هؤلاء ضيَّقُوا صدرَه؛ الصحابة، لكن الصحابة معذورون؛ لأن هذا منكر يجب إنكاره، إلا أن الحكمة فيما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام.
يقول العلماء: لو قام هذا الرجل صار فيه مفاسد؛ لأنه إما أن يقوم كاشفًا عورتَه لئلا يصيب ثيابَه البولُ، وهذه مفسدة، وإما أن يغطي عورته فيصيب ثيابَه البولُ، وهذه مفسدة.
ثانيًا: إذا قطع بوله فهو ضرر على القنوات قنوات البول؛ لأنها ستُحْبَس بعد أن انصبَّ البولُ من المثانة فيها، وهذا يؤدِّي إلى ضرر.
ثالثًا: لو قام عادة يحصل نُقَط، فتتسع رقعة النجاسة. فانظر إلى الحكمة النبوية كيف كانت هي المطابِقة لحال هذا الأعرابي.
أما الموضع الثاني؛ موضع الشدة: فإن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بعث رجلًا يقال له: عبد الله بن اللُّتْبِيَّةِ على الصدقة، فلما رجع رجع بإبل الصدقة وقال: هذَا لكُمْ وهذَا لِي. غضب النبيُّ عليه الصلاة والسلام وخطَبَ، وقال: «مَا بَالُ أَحَدِكُمْ نَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْعَمَلِ، فَيَرْجِعُ وَيَقُولُ: هَذَا لِي وَهَذَا لَكُمْ، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟» . شف كلمات قوية؛ لأن المقام يقتضي ذلك.
ولما رأى رجلًا عليه خاتم ذهب، وكان خاتم الذهب محرمًا أخذه هو بيده الكريمة، أخذ الخاتم نزعه ورمى به، وهذه أسلوب شديد أو خفيف؟
طلبة: شديد.
الشيخ: شديد، وقال: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ فَيَضَعُهَا فِي يَدِهِ؟»، ولما انصرف النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم قالوا للرجل: خذ خاتمك انتفع به، قال: وَاللهِ لا آخذُ خاتمًا رَمى به النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم ؛ غضبًا على نفسه أن وصلت الحال إلى هذا.
إذن أرجو من إخواني الدعاة -وأسأل الله أن يجعلنا وإياكم من دعاة الخير وأنصاره-: أن نستعمل هذا الأمر وأن نتأنى ونصبر، نصبر على ما ينالنا من الأذى، ونصبر على ما كان عليه إخواننا المدعوُّون من المخالفة، نصبر، لا يمكن أن تأتي الأمورُ بين عشية وضحاها.
(رابعًا: تمييز الناسخ من المنسوخ فيما لو وردت آيتان مكية ومدنية يتحقق فيهما شروط النسخ فإن المدنية ناسخة للمكية لتأخر المدنية عنها)
النسخ ثابت في الشريعة الإسلامية وفيما قبلها أيضًا، اقرأ قول الله تعالى: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَأيش؟ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ [آل عمران: ٩٣].
واقرأ قوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: ١٦٠] كانت بالأول حلالًا حُرِّمت عليهم.
واقرأ قوله تعالى عن عيسى: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران: ٥٠]. فالنسخ إذن ثابت في جميع الشرائع، لكن له شروطًا:
من شرطه وهو من أهم الشروط: أن نعلم التاريخ، أن هذا بعد هذا، فإن جهلنا فلا يجوز أن نقول: هذا ناسخ لهذا؛ لأن يا إخواننا معنى النسخ: أن هذا النص الآخَر باطلٌ مُلغى؛ لأن النسخ فيه إلغاء، وهل يسوغ للإنسان إذا عجز عن الجمع بين النصين أن يلجأ إلى مَصعد وَعِر، فيقولَ: هذا منسوخ؟
وما أكثر هذا في عبارات كثير من الناس، تجده إذا عجز عن الجمع أيش يقول؟ هذا منسوخ. وهذا غلط عظيم؛ لأن قولك: هذا منسوخ، يتضمن الكذب على الله عز وجل أنه نسخ هذا بهذا، فأبطل الحكم الأول وأثبت الثانيَ.
ويقول ابن القيم: إن النسخ لا يبلغ أكثر من عشرة مواضع. مع أنك لو أردت أن تنظر إلى كلام كثير من العلماء لوجدت أشياء كثيرة، وذلك أن بعض الناس إذا عجز عن الجمع بين النصوص قال: هذا منسوخ. المهم أنه من أهم ما يكون في النسخ أن نعلم التاريخ.
(الحكمة من نزول القرآن مفرقًا:
من تقسيم القرآن إلى مكي ومدني يتبين أنه نزل على النبي صلى الله عليه وسلم مفرقًا. ولنزوله على هذا الوجه حِكَمٌ كثيرة، منها:
أولًا: تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم)
ولا شك أن الوحي إذا كان ينزل عليه كل يوم، أو في اليومين مرة، أو في الثلاثة مرة، أنه يزداد أيش؟ ثبوتًا، يزداد ثبوتًا، أنت إذا كلَّمك صاحبك في كل يوم مرة، أو في اليومين مرة، ازددت تمسكًا به ومحبة له، وإذا بَقِيَ شهرًا أو شهرين وما كلَّمك إلا مرة، ماتت المودة.
فإذن: من فوائد نزول القرآن مفرقًا:
(أولًا: تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً [الفرقان: ٣٢])
شوف شبهة! هذه شبهة منهم، يقول الذين كفروا: الرسل كلهم تنزل عليهم الكتب مرة واحدة، فَلِمَ هذا الرجل مفرقًا؟ شبهة ولا ما شبهة؟
طلبة: شبهة.
الشيخ: شبهة عند الجاهل. قال الله تعالى:
(كَذَلِكَيعني كذلك نزلناه مفرقًا)
ولهذا يحسن أن تقف على قوله: جُمْلَةً وَاحِدَةً، قِفْ عليها، كَذَلِكَيعني نزلناه كذلك مفرقًا؛
(لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ)
وهذا من عناية الله برسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يثبت الله فؤاده بنزول القرآن مفرقًا.
ومن نعمة الله علينا نحن أن تَرِدَ على قلوبنا ما تكون سببًا لتثبيت القلب، وحياتِه بعد موته، وذِكْرِه بعد غفلته؛ وذلك يحصل بالتأمل، أحيانًا الإنسان تأتيه الساعات يتأمل في مخلوقات الله مثلًا، فيجد قلبه قد ازداد إيمانًا، هذا التفكير بمنزلة السقْيِ؛ سقْيِ الشجرة إذا كانت عَطْشَى، ولهذا يجب أن (...) قلوبنا في هذه الناحية، حتى لا تستوليَ عليها الغفلة.
(وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ)
اللهم لك الحمد، هذا من نصر الله لنبيه، يعني أي مثل يأتون به ليصُدُّوا الناس عن سبيل الله، فإن الله تعالى يأتي بالحق
(وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا)
أَحْسَنَ تَفْسِيرًا: أي بيانًا ووضوحًا.
(ثانيًا: أن يسهل على الناس حفظُه وفهمُه والعملُ به، حيث يُقرأ عليهم شيئًا فشيئًا؛ لقوله تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: ١٠٦])
وهذه فائدة عظيمة، أنْ إذا نزل شيئًا فشيئًا سهُلَ على الناس حفظُه، وكذلك سهُل على الناس فهمُه، وسهُل على الناس العملُ به، ثلاثة أشياء: الحفظُ، والفهمُ، والعملُ به.
***
من حِكَمِ نزولِ القرآن الكريم مفرقًا:
ثالثًا: تنشيط الهمم لقبول ما نزل من القرآن وتنفيذه؛ حيث يتشوق الناس بلهف وشوق إلى نزول الآية لا سيما عند اشتداد الحاجة إليها، كما في آيات الإفك واللعان.
رابعًا: التدرج في التشريع حتى يصل إلى درجة الكمال كما في آيات الخمر الذي نشأ الناس عليه وأَلِفُوهُ، وكان من الصعب عليهم أن يُجَابَهُوا بالمنع منه منعًا باتًّا:
فنزل في شأنه أولًا قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة: ٢١٩]، وكان في هذه الآية تهيئة للنفوس لقبول تحريمه، حيث إن العقل يقتضي ألَّا يمارس شيئًا إثْمُه أكبرُ من نفعه.
ثم نزل ثانيًا قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء: ٤٣] فكان في هذه الآية تمرين على تركه في بعض الأوقات وهي أوقات الصلوات.
ثم نزل ثالثا قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [المائدة: ٩٠ - ٩٢] فكان في هذه الآيات المنعُ من الخمر منعًا باتًّا في جميع الأوقات بعد أن هُيِّئَتِ النفوس ثم مُرِّنَت على المنع منه في بعض الأوقات.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، من فوائد نزول القرآن مفرقًا:
(التدرج في التشريع حتى يصل إلى غاية الكمال)
وهذا من الحكمة العظيمة؛ ألَّا يجابَهَ الناس بالشرائع مرة واحدة، فإنهم إن حصل لهم ذلك صعُبَ عليهم الأمرُ، ولكن بالتدريج، والشريعة كلها مبنية على هذا، أرأيت قولَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ»، متى؟
طلبة: «لِسَبْعٍ».
الشيخ: «لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» . هذا تدريج، أولًا: أَمْرٌ، ثم ضَرْبٌ.
طالب: لا بد أن يتحقق (...).
الشيخ: نعم، ما في مشكلة، فالتدرج في التشريع من الحكمة، كذلك التدرج في الأمر والنهي فيما كمُلَ تشريعُه، كحالنا اليوم، الشريعة اليوم تَمَّت، فإذا وجدنا أحدًا مقصرًا في شيء من الأمور، وإيمانه ضعيف، ولو أوردنا عليه الأمور جميعًا لانتكس، فهل لنا أن نُدَرِّجَه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم لنا ذلك؛ لأننا الآن لا نحاول انسلاخَه من الدين أو إقرارَه على معصية، نحاول انتشالَه من المعصية لكن بطريق، أيش؟ يسهل عليه.
لو رأينا مبتلًى بشرب الدخان، وقلنا له: اترك الدخانَ. لا يسهل عليه أن يتركه مرة واحدة، فإذا قال: أَرْخِصُوا لي أشربْ باليوم مرتين؟ نقول: نعم ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، لو قلنا: لا (...). لو قلنا: نعم، اشرب مرتين. وبالتدريج ربما ينتفع.
فالمهم متى كان التدريج في تغيير المنكر أنفعَ فإننا نفعل، أما الواجب فلا نتساهل في الواجب، نقول: قم بالواجب، لو قال: اسمحوا لي أصلي الظهرَ والعصرَ والمغربَ، والعشاءُ والفجرُ صعبٌ عليَّ، تبغون أصلي الثلاث (...) ساعة، أصلي الجميع لا، ماذا نقول؟
الظاهر أنه يلزمنا أن نقول: صلِّ الجميع. وإن كان جاء في الحديث رواه أهل السنن أن قومًا أتوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ليُسْلِموا فاشترطوا على ألَّا يصلُّوا، قال: «لَكُمْ هَذَا». فقيل: يا رسولَ اللهِ كيف؟ قال: «إِنَّهُمْ إِذَا أَسْلَمُوا صَلَّوْا».
هذا الذي يقول: أشترط عليكم ألَّا أصلي العشاء والفجر، نقول: إذا صلى الثلاث وهو عن إيمان ويقين لا بد أن يصلي العشاء والفجر، لكن مع ذلك لا تطمئن نفسي أن أقول: لا بأس أن نوافقه على هذا الشرط، بل نقول: إن الصلوات خمس وهي سهلة، ونُرَغِّبُه، لكن مسألة المحرمات التدريج فيها واضح.
(كما في آيات الخمر، الذي نشأ الناسُ عليه وأَلِفُوه، وكان من الصعب عليهم أن يُجَابَهُوا بالمنع منه منعًا باتًّا، فنزل في شأنه أولًا قوله تعالى..)
أولًا: لا بد أن نعرف ما هو الخمر؟ هل هو عصير العنب، أو عصير الرطب، أو عصير البُرِّ، أو الشعير أو ما أشبه ذلك؟
نقول: إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» . فالخمر كل مسكر، كل ما أسكر فهو خمر. فما معنى الإسكار؟
الإسكار: هو تغطية العقل، تغطية العقل على وجه الطَّرَب واللذة؛ لأن تغطية العقل قد يكون على هذا الوجه وقد يكون على وجه آخر، ولذلك لا نقول: إن البَنْجَ خمر، لماذا؟
طلبة: ليس على وجه الطَّرَب واللذة.
الشيخ: لأنه يغطي العقل لكن ليس على سبيل الطرب واللذة، السكران -والعياذ بالله- يجد نشوة عظيمة وكأنه يطير بين السماء والأرض، وكأنه ملك من الملوك، هذا هو البلاء، ويقول الشاعر الجاهلي:
| وَنَشْرَبُهَـــــــا فَتَتْرُكُنَــــا مُلُوكًـــا | ................... |
واحد يتخيل أنه ملك وأنه فوق الناس، وانظر إلى قصة حمزة عم الرسول عليه الصلاة والسلام، وأشرفُ أهل بيته بعد عليٍّ، جاء عليٌّ يشكو عمَّه حمزة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن عليًّا كان له ناضحان، يعني: بعيرين، فمر بحمزة وهو سكران وعنده جارية تُغَنِّيه فتقول:
| ألَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ | ................... |
تحثه على أيش؟ على نحرهما، فقام وجَبَّ أَسْنِمَتَهما، وبقَرَ بطونَهما، وأكل من أكبادهما، أين ذهبت الإبل؟ ماتت. فجاء عليٌّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو عليه عمَّه، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم إليه ومعه أناس، لما أقبل عليه وإذا هو قد ثَمِلَ: سَكِر، فقال: «يَا عَمِّ مَا هَذَا؟» قال: اذهبْ فهل أنتمْ إِلَّا عبيدُ أَبِي؟ من يعني؟
طلبة: الرسول.
الشيخ: الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعلي بن أبي طالب والقرابة، هل أنتم إلا عبيد أبي؟ فتراجع النبي عليه الصلاة والسلام ؛ لأن هذا القول لو قاله عن صحوة لكان.
طالب: كافرًا.
الشيخ: كفرًا، لكان كفرًا؛ لأنه في غاية ما يكون من الإيذاء للرسول عليه الصلاة والسلام، لكنه عرف أنه سكران لا يؤخذ بقوله.
إذن الخمر يغطي العقل على وجه اللذة والارتفاع والسلطان والنشوة، كان حلالًا في أول الإسلام؛ لأن الله أقرهم عليه، وقيل: إنه كان حلالًا بقوله تعالى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا [النحل: ٦٧] وأن هذا إباحة لهم صريحة.
أنزل الله فيه قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة: ٢١٩]، يعني: عن حكمهما، قال الله تعالى: قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَاولم يقل حرام، عرَّضَ، عَرَّضَ عز وجل بتحريمهما، إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِوهذا ليس تحريم؛ لأن الله قال: إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَاولم يقل: فاجتنبوهما.
وتأمل قوله: إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُمنافع: صيغة جمع، صيغة منتهى الجموع، والإثم واحد، لكنه بالكيفية أشد من قوله: مَنَافِعُ؛ لأن مَنَافِعُ: من حيث الكمية أكثر، والإثم الكبير من حيث الكيفية أعظم، ولهذا قال: إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا، ولم يقل: أكثر؛ لأن هذا في الكيفية لا في الكمية.
عرفنا الخمر، فما هو الميسر؟
الميسر: هو القمار، وهو كل معاملة يكون فيها الإنسان بين غارم أو غانم، كل معاملة يكون الإنسان فيها بين غانم وغارم فهي أيش؟
طالب: ميسر.
الشيخ: ميسر.
(فكان في هذه الآية تهيئةٌ للنفوس لقبول تحريمه) -حيث أن العقل، أو:- (حيث إن العقل)؟
طالب: إِنَّ (...).
الشيخ: إِنَّ؛ لأن (إِنَّ) إذا وقعت بعد (حيث) فإنها مكسورة، إذ إنها تكون في صدْر جملتها، حيث (إِنَّ)، مكتوبة عندنا (أَنَّ).
(حيث إن العقل يقتضي ألَّا يمارسَ شيئًا إثْمُه أكبرُ من نفعه)
فالعاقل امتنع منه.
(ثم نزل ثانيًا قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء: ٤٣] فكان في هذه الآية تمرينٌ على تركه في بعض الأوقات، وهي أوقات الصلوات)
أوقات الصلوات الخمس لا بد من تجنبه فيها، والنوافل تطوع.
قوله جل وعلا: وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ، فيه دليل على أن السكران لا يعلم ما يقول.
فيستفاد منه فوائد كثيرة؛ منها: لو أن السكران أعتق جميع عبيده، أيَعْتِقُون؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طالب: لا يعلم ما يقول.
الشيخ: لا يعلم ما يقول.
ومنها: لو طلق نساءه، أيَطْلُقْنَ؟ لا؛ لأنه لا يعلم ما يقول.
ومنها: لو أَوْقفَ أموالَه؟ لا يَنْفُذ؛ لأنه لا يعلم ما يقول.
ويقاس عليه الغضبان إذا كان لا يعلم ما يقول من شدة الغضب، فإنه يُلحَق بذلك، ولهذا كان القول الراجح أن طلاق الغضبان الذي لا يعلم ما يقول لا يقع.
ويؤخذ من هذا: أنه يجب أن يصلي وهو يعلم ما يقول، فيكون في هذا دليل على وجوب الخشوع في الصلاة، وهو إحضار القلب؛ لأنه لا يمكن أن يعلم ما يقول إلا إذا كان قلبه حاضرًا، فإن لم يكن حاضرًا صار ركوعُه وسجودُه وتسبيحُه وقرآنُه من غير قصد، بل هو عبارة عن آلة ميكانيكية.
وقد ذهب إلى هذا بعض العلماء، وقال: إنه إذا غلب الوسواس -يعني: الهواجيس على أكثر الصلاة- فإنها تبطل. هل نقول على هذا القول: إنه يستلزم أن تبطل صلواتُ الناس الآن؟ أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لا، لا يلزم، بل يلزم على هذا القول: أن الناس يستقيمون على إحضار قلوبهم؛ لأنه لو جاء يستفتيك وقال: والله يا فلان، أنا صليت لكن كل صلاتي غائب، ما استحضرت إلا التشهد الأخير؟ فقلتَ: أَعِد الصلاة. ما ظنكم في الصلاة المقبلة، ها، أيوسوس أو لا؟
طلبة: يوسوس.
طلبة آخرون: لا يوسوس.
الشيخ: لا يا أخي، ما يوسوس، إذا كان يعرف إذا وسوس أكثرَ الصلاة تقول له: أعد الصلاة، ما يوسوس. ولهذا كان هذا القول على أنه ضعيف فيما نعتقد كما سنبين، هذا القول فيه أنه يَحزِم الناس على أيش؟
طالب: حضور القلب.
الشيخ: حضور القلب، لكن القول الراجح أنه لا تبطل الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر: أَنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ أَدْبَرَ وَلَهُ ضُرَاطٌ، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْأَذَانِ أَقْبَلَ عَلَى الْإِنْسَانِ، فَإِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَلَّى، فَإِذَا انْتَهَتِ الْإِقَامَةُ حَضَرَ، وَصَارَ يَقُولُ لِلْإِنْسَانِ فِي صَلَاتِهِ: اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا ، يعني: يُذَكِّرُه بالأشياء، ولم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: إن صلاته تبطل.
المهم إن الآية هذه فيها دليل على مسائل غير مسألة الخمر والميسر يستطيع الإنسان اللي يعطيه الله فهمًا أن يستنبط منها أشياء كثيرة.
(ثم نزل ثانيًا قولُه تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء: ٤٣] فكان في هذه الآية تمرين على تركه في بعض الأوقات وهي أوقات الصلوات.
ثم نزل ثالثًا قولُه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ [المائدة: ٩٠])
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) يقول ابن مسعود رضي الله عنه، يقول: إذا سمعْتَ اللهَ يقولُ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافَأَرْعِهَا سَمْعَكَ –يعني: استمعْ- فَإِنَّهَا إِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ.
هنا قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواثم قال: (لَا تَقْرَبُوا) فيكون من أيش؟ من باب أيش؟ شرّ يُنْهَى عنه.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ) -إلى قوله:- (فَاجْتَنِبُوهُ)
فهو شرٌّ يُنهى عنه. الخمر واضح عرفناه، الميسر عرفناه.
الأنصاب: ما يُعْبَد من دون الله، الأزلام: ما يُسْتَقْسَم به، وكانوا في الجاهلية يستقسمون بالأزلام، بدلًا من أن يصلوا سُنَّة الاستخارة يستقسمون بالأزلام.
هنا قرن الله تعالى هذه الأربعة بحكم واحد، فهل هي متساوية في هذا الحكم؟ الجواب: لا؛ لأنه معلوم أن الأنصاب أشد من الخمر والميسر؛ إذ إن الأنصاب كفْرٌ، والأزلام دون الأنصاب، والميسر والخمر دونهما، وعلى هذا فيكون الاشتراك في أصل الحكم، لا في نوعه، وإنما قرن الله تعالى ذلك بالأنصاب التي هي عبادة الأصنام؛ لشدة التحذير منها، وأنها تنافي كمال التوحيد.
وقوله:
(رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) الرجس: النجس، سواء كان رجسًا حسيًّا، أو رجسًا معنويًّا. فالرجس الآن نوعان: رجس حسيٌّ وهي النجاسة الحسية، رجس معنويٌّ وهي النجاسة المعنوية، فقول الله تبارك وتعالى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام: ١٤٥] أيُّ الرجسين؟
طالب: الحسي.
الشيخ: الحسية. وقوله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [الأحزاب: ٣٣]؟
طلبة: المعنوية.
الشيخ: معنوية. وقوله تعالى: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ [الحج: ٣٠]؟
طلبة: معنوية.
الشيخ: معنوية. هذه الآية: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِهل هي معنوية أو حسية؟
طلبة: معنوية.
طلبة آخرون: (...).
الشيخ: لا. معنوية، معنوية يا إخواني، معنوية ما هي حسية؛ ولهذا قُيِّدَت: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، فالرجس هنا معنويٌّ وليس حسيًّا، بدليل هل في الميسر نجاسة حسية؟
طالب: لا.
الشيخ: مغالبة بالدراهم، مغالبة بالأموال.
هل في الأنصاب نجاسة حسية؟ لا، النُّصُب إما خشبة وإما شجرة وإما حجر، نجاسةٌ معنوية.
هل في الأزلام نجاسة حسية؟
طالب: لا.
الشيخ: لا. هل في الخمر نجاسة حسية؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا، أبدًا. ما فيه دليل على النجاسة الحسية في الخمر.
إخراجُه من بين أخواته في هذه الآية والقولُ بأن نجاسته حسية معنوية دون بقية أخواته غيرُ مقبول إلا بدليل، ولا دليل على نجاسة الخمر، أعني نجاسته النجاسة الحسية، أبدًا. فتِّش، وإذا لم يكن دليل على نجاسته النجاسة الحسية، فهو أيش؟
طالب: طاهر.
الشيخ: فهو طاهر، لو أصاب الثياب ما ينجسها. فإن قال قائل: أليس هو حرامًا؟ فالجواب؟
طالب: بلى.
الشيخ: بلى، لكن هل يلزم من التحريم النجاسة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لا يلزم. فها هو السمُّ حرام، وليس بنجس، الدخان حرام وليس بنجس. فلا يلزم من التحريم النجاسةُ.
إذا قال قائل: إن الرسول سماه أمَّ الخبائث، ونقول: أمُّ الخبائث، أي الخبائث؟ المعنوية، ما هي الخبائث الحسية؟ هل هو أمٌّ للبول والعذرة؟ لا، فإذن نقول: ائت لنا بدليل على أن الخمر نجس نجاسة حسية، وإلا فهو طاهر.
ثم نقول: وقد جاءت السُّنة ببيان طهارته، وهذا زيادة على قولنا بالأصل، وهو أن الأصل الطهارة، جاءت السنة ببيان طهارته، أين هي؟ حُرمت الخمر وهي في أواني الصحابة، في أوانيهم، وخرجوا بها إلى السوق وأراقوها ولم يغسلوها، ولم يُؤْمَروا بغسلها، ولو كانت نجسة لأُمِرُوا بغسلها.
فإن قال قائل: حُكِم بنجاستها بعد أن تخمَّرت، فتكون في أول الأمر طاهرة، ولذلك لم يؤمروا بغسلها.
نقول: هذا ينتقد بلحومِ الْحُمُرِ، حرمت الحمر ولحمُها يغلي في القدور، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقتها وكسر القدور، فقالوا: يا رسول الله، أوَنغسِلُها؟ قال: «أَوِ اغْسِلُوهَا» . فأمر بغسلها مع أنها لم تُحرَّم إلا بعد أن كانت في القدور.
ثم نقول: الصحابة رضي الله عنهم بعد أن حُرمت أراقوها في الأسواق، وهل يمكن أن يُراق الشيء النجس في أسواق المسلمين؟
طالب: لا.
الشيخ: لا يمكن، فيلوث عليهم ثيابهم وأبدانهم.
ثم نقول ثالثًا: أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم براوية من خمر، الراوية ما هي؟
طالب: (...).
الشيخ: قِربة كبيرة، قل: قِرْبة كبيرة، أو قِرْبتان خُرِزَ بعضهما ببعض.
أتى بالراوية راوية خمر يريد أن يتودد بها إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يهديها عليه، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا حُرِّمَتْ». والمحرم لا يجوز قبولُه، فتكلم معه أحد الصحابة سرًّا؛ مع الرجل: فقال: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟» يقولها الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: قلت: يا رسولَ الله، بِعْهُ. فقال: «لَا، إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ».
ففتح الرجل فم القِرْبة بل فم الراوية وأراق الخمر بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يقل له: اغسل الراوية. وهذا دليل واضح على عدم نجاستها؛ لأن هذا الرجل لا يعرف ولا التحريم فضلًا عن النجاسة، ولو كانت الخمر نجسة نجاسة حسية، ها؟ لوجب أن يُعْلِمه الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه جاهل.
وهذه أدلة واضحة، والقول بأنها نجسة نجاسة حسية لا يقتضي أن نُلزم الناس بتجنبها، يكفي أن نقول: إنها نجاسة نجاسة معنوية لمن كان مؤمنًا، وإلَّا غير المؤمن لا يهمه، إنك لترى أناسًا يبولون ويقومون من البول بدون استنجاء ولا استجمار، لا يهمهم.
إذن الخمر طاهرة طهارة حسية، نجسة نجاسة معنوية لا شك في هذا، وكيف يُطَهَّر الناسُ منها؟ يُطَهَّرون منها بالردع، بالردع يعني التأديب.
كان الرجل يؤتَى به على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام شاربًا، فيقوم الناس إليه، هذا يضربه بيده، وهذا يضربه بنعله، وهذا يضربه بثوبه، وهذا يضربه بسوطه نحو أربعين جلدة.
وفي عهد أبي بكر تقرَّر أربعون جلدة، وفي عهد عمر في أول خلافته تقرر أربعون جلدة، ثم كثُر شرْبُ الناس للخمر لأنهم حديثو عهد بإسلام، وتعرفون أن الفتوحات في عهد عمر كثرت، فدخل في الدين مَن إيمانُه ضعيفٌ، وكثر شرب الخمر.
وكان من عادة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه على كونه صائب الرأي من عادته أن الأمور العامة المشكلة يجمع الناس لها ليشاورهم، فجمع الناس وقال: إن الخمر قد كثُر، فما ترون؟ فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: يا أميرَ المؤمنينَ أَخَفُّ الحدودِ ثمانون . ماذا يعني به؟ حدَّ القذف، أخف الحدود ثمانون، فجعل عمر رضي الله عنه عقوبة الخمر إلى ثمانين.
وهذا مع ما سبق يدل على أن عقوبة شارب الخمر ليست حدًّا، وإنما هي ردْعٌ وتعذير؛ لأن عبد الرحمن بن عوف طرح القضية وقال: أخفُّ الحدودِ ثمانون. وكل الصحابة وافقوا على هذا، على أن أخف الحدود ثمانون، لو كانت عقوبة شارب الخمر حدًّا لكان أخف الحدود أربعين.
فعُلِمَ بهذا اتفاقُ الصحابة على أن عقوبة شارب الخمر ليست حدًّا، لكنها تعذير إلا أنه لا يقِلُّ عن الأربعين، هذا دليل واضح يا إخوان، ويدل له أيضًا -أي على أن شارب الخمر جَلْدُه عقوبةٌ- أنه لو كان حدًّا أربعين هل يمكن لعمر أو غير عمر أن يرفعه إذا كثر الناس فيه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا. ولهذا لو كثر الزنا -والعياذ بالله- في الناس هل نقول بدل مائة جلدة مائتين جلدة؟ لا؛ لأن الحدود ما تتعدى، وهذا أيضًا دليل واضح.
دليل أيضًا آخر: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال في شارب الخمر: «إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِذَا شَرِبَ فَاقْتُلُوهُ» . هل حدَّد الجلد؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما حدَّد (اجْلِدُوهُ) يعني الجلْدَ الرادع، ما دام الرسول أطلق ولم يَرِد عنه حديثٌ صحيح ولا ضعيفٌ في التحديد فهو إذن عقوبة، في الرابعة يُقْتَل، إذا جُلِد ثلاث مرات ولم ينتزع -أو: ولم يَنزِع- ما بقي لبقائه فائدة، وبقاؤه في الدنيا ضرر على نفسه، وإعدامه خير من إبقائه، فلهذا كان في الرابعة أيش؟ يُقْتَل.
وهل يُقْتل وجوبًا أو بحسب ما يراه الإمام من المصلحة؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: إي، الثاني.
لكن ابن حزم عليَّ بن محمد رحمه الله -منجنيق العرب، وسليط اللسان عفا الله عنه- أبى ذلك وقال: يُقْتل في الرابعة وجوبًا حدًّا، وكيف نخالف أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، والخير فيما أمر به فيُقْتل بكل حال.
وكلامه جيد في الواقع، كلامه جيد، إذا صححنا الحديث فليس لنا بُدٌّ من العمل به، والحديث صحيح، لكنه عند الجمهور منسوخ، والنسخ في هذه المسألة أبعد من الثريا عن الثرى، ليش؟ يحتاج إلى العلم بالتاريخ، ويحتاج إلى تعذر الجمع، فأين هذا؟
أما شيخ الإسلام رحمه الله حَبْر زمانه ففصَّل قال: إذا لم ينتهِ الناس إلا بالقتل في الرابعة قُتِل، فجعله -أعني: شيخ الإسلام- جعله تعذيرًا راجعًا إلى الإمام، وأنه إذا رأى الإمام أن الناس لا يرتدعون إلا بقتل الشارب في الرابعة فإنه يجب قتلُه.
كلام الشيخ رحمه الله كلام جيد، ولا مانع من أن يُحمل الحديث على هذا؛ لأن هذا الذي تكرر منه شربُ الخمر ثلاث مرات ويُجلد في كل مرة معناه ما هو منتهٍ، والثلاث غاية لأشياء كثيرة، الثلاث جعلها الشارع غاية لأشياء كثيرة، الاستئذان كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: والسلام؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: وإعادة الكلام لمن يفهمه؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، أشياء كثيرة، فالذي يترجح عندي كلام شيخ الإسلام رحمه الله؛ أنه إذا لم ينته الناس بدون القتل في الرابعة قُتِل، وإذا قتلناه أحيينا أمة كثيرة، وخلَّصناهم من شرب هذا الخبيث، ومع الأسف الذي يأسف له الإنسان ويحزن أنه يوجد في البلاد الإسلامية اليوم مَن يُحِلُّون الخمر بأيش؟
طلبة: (...).
الشيخ: في قولهم حلال؟
طلبة: لا.
الشيخ: قد لا يستطيع الحاكم أن يقول حلال؛ لأنه لو قال: حلالًا، قتله خادمه الذي عنده، ما يستطيع، لكن تمكينه من إعلان هذا الخمر، ووضْعِه بالبقَّالَات، وفي البرَّادات، هذا بمنزلة أيش؟
طلبة: استحلال.
الشيخ: استحلاله، بل هو استحلال له في الواقع، لكنه استحلال عمليٌّ لا قوليٌّ، أقول: إن هذا يُؤسَف له، ولذلك مع الأسف كُتِبَ الذلُّ على مَن جوازاتُهم مسلم مسلم؛ لأنه ما بقي من الإسلام؟
طالب: إلا اسمُه.
الشيخ: إلا اسمُه، ولا من القرآن إلا رَسْمُه، ولهذا كُتب الذلُّ والعارُ والخزيُ على هذه الأمة التي تتسمى بالإسلام، لو كانت مسلمة حقيقة أيلعب عليها نذْلٌ من الأنذال، خبيث من الخبثاء، خنزير من الخنازير؟ رئيس دولة هم أشباه القردة والخنازير؟ لا، ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها، لكن ذَلوا فأذلهم الله عز وجل.
ويُذكر عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: نحنُ قومٌ أذِلَّاء، أعَزَّنا اللهُ بالإسلامِ، فمتى ابتغينا العزةَ بدونِهِ فأيش؟
الطلبة: أذلَّنا اللهُ.
الشيخ: أذلَّنا اللهُ . وصدق رضي الله عنه.
طالب: (...).
الشيخ: ها.
الطالب: أنتم ترجون (...).
الشيخ: ما هو إحنا اللي نتكلم؟ اللي يتكلم الله: فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
الطالب: يعني إذا اجتنبتم نرجو لكم الفلاح.
الشيخ: إيه نرجو لكم! إذن الله يرجو!
الطالب: لا، ترجون فلاح العباد.
الشيخ: لا، ويش معناها؟
طلبة: التعليل.
الشيخ: التعليل، فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَيعني: لتفلحوا. والفلاح: هو حصول المطلوب، والنجاة من المرهوب.
(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ) شوف، كيف إرادة الشيطان بنا ونحن كثيرٌ منا يتبعه!
(إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ) إذن كل عمل يوجب العداوة بيننا فهو من وحي الشيطان، وهو من مرادات الشيطان، وهو من محبوبات الشيطان.
(أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) العداوة: ضد الولاية، والبغضاء: ضد المحبة، فلا محبة ولا ولاية وإنما هي العداوة، ولهذا تجد الشيطان يلعب ببني آدم، إذا سمع من أخيه كلمة تحتمل الخير والشر يوسوس له الشيطان ويقول: احملها على الشر!
(وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) الله أكبر! يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِولهذا يقول لي بعض الناس: إنه يلحقه الأرقُ عند النوم، ما ينام سريعًا، فإذا شرع يُسبِّح: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، نام على طول، أتى الشيطان له بالنوم، ليش؟
طلبة: ليصُدَّه عن ذكر الله.
الشيخ: ليصده عن ذكر الله، وهذا واقع حتى في غير هذه الحال، الشيطان حريص منا أن يصدنا عن ذكر الله، وقد لا يصدنا عن الذكر باللسان، ولكن يصدنا عن الذكر بالجَنان، بالقلب، وهذا هو البلاء.
(يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) باللسان والجوارح وأيش؟ والقلب، لكن قال: (وَعَنِ الصَّلَاةِ) وهل الصلاة إلا من ذكر الله؟ بل هي أفضل أنواع الذكر؛ لأن فيها قرآنًا، تسبيحًا، دعاءً، هيئاتٍ تدل على التعظيم وعلى الذل، أليست من ذكر الله؟ بلى، لكن نص عليها لشرفها؛ لأن ذِكْرَ الخاص بعد العام يدل على شرَفِه، ومنه قوله تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ [القدر: ٤] المراد بالروح: جبريل، وهو منهم، من الملائكة، لكن التنصيص عليه يدل على شرفه.
(وَعَنِ الصَّلَاةِ) وهل الشيطان يصدُّنا عن الصلاة؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، كثيرًا، كثيرًا، إذا أذَّن والإنسان يكتب شيئًا، أو يراجع شيئًا، أو يخيط شيئًا، أو يغسل شيئًا، أو يعمل شيئًا قال: سهلة بقضيها على سرعة، وإذا به أيش؟ تفوته الصلاة، هذا واقع ولَّا غير واقع؟
طلبة: واقع.
الشيخ: واقع كثيرًا، ثم إذا قُدِّر أن الإنسان دحر الشيطان وذهب يصلي صدَّه من جهة أخرى وهي الوسوسة.
ولهذا شكى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك -أي: الوسوسة- فقال له: «ذَلِكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خِنْزَبٌ». اللهم صل وسلم على رسول الله، عَلِمَ هذا الاسم بالوحي، «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَه: خِنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَ بِهِ فَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًا وَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْهُ».
ففعل الرجل يقول: فذهب عني ما أجد ، لماذا؟ لأنه فعل ذلك عن إيمان وتصديق فصار الدواء ناجعًا، أما الواحد من الناس فقد يتفل عن يساره ثلاث مرات ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ولكن من حين ما يلتفت إلى الصلاة، ها، يأتيه؛ لأن الإيمان بهذا الدواء ضعيف.





