شرح أصول في التفسير (الشرح الثاني) - 6
عدد الزيارات 3763

عناصر المادة :
القسم
القصص
تكرار القصص
الإسرائيليات

عجيب، ثلاثة يا شيخ؟! إنني خاطبت رجلًا من البلاد المجاورة -ولا أحب أن أسمي البلاد- يُكْثِر فيها الحلف بالنبي، فقال: والنبي أفتني، قلت: اصبر أفتيك قبل، قولك: (والنبي) هذا شرك ما يجوز، لكن إن شاء الله لن تعود إليه، قال: والنبي لا أعود إليه، سبحان الله! أتحلف بما أنهاك عنه؟! فهو أنت الآن.
فائدة ضمير الفصل، ثلاثة؟
طالب: التوكيد.
الشيخ: التوكيد.
الطالب: والحصر.
الشيخ: والحصر.
الطالب: وتمييز الصفة..
الشيخ: من الخبر، صحيح، تمييز؛ يعني الفصل بين الخبر والصفة، ونضرب مثلًا يتبين به ذلك؛ إذا قلت: زيد الفاضل، فهنا (الفاضل) يحتمل أن تكون صفة لزيد والخبر لم يأت بعد، فإذا قلت: زيد هو الفاضل، تَعَيَّن أن تكون (الفاضل) خبر المبتدأ، هذا الفصل.
أيضًا إذا قلت: زيد هو الفاضل، فقد حصرت الفضل في زيد دون غيره، إذا قلت: زيد هو الفاضل، كأنك تُؤَكِّد أنه هو الفاضل.
يقولون: وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢]، وفي آية أخرى: وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ [لقمان: ٣٠] بدون ضمير الفصل.

***

يقول: (ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ [الأعراف: ٢٨]، وقوله: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا [الإسراء: ١٦]والفسق فحشاء، وهذا يقول: (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا؛ ففي الآية الأولى: نفى الله عز وجل أن يأمر بالفحشاء، وظاهر الثانية أن الله تعالى يأمر بما هو فسق)؛ لقوله: إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا، (والجمع بينهما: أن الأمر في الآية الأولى هو الأمر الشرعي، والله تعالى لا يأمر شرعًا بالفحشاء؛ لقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل: ٩٠]، والأمر في الآية الثانية: هو الأمر الكوني، والله تعالى يأمر كونًا بما شاء حسب ما تقتضيه حكمته؛ لقول الله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]).
هذه الآية: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَاقال بعض العلماء: معناها أن الله إذا أراد أن يهلك قرية أرسل إليها الرسل، فأمروهم ليفسقوا؛ فيهلكهم، وهذا معنى باطل لا يليق بالله عز وجل، هل يليق بالله إذا أراد أن يهلك القرية أن يرسل الرسل ليدعوهم إلى عبادة الله ثم يفسقوا فيؤاخذوا أو لا؟ لا، أبدًا، هذا خلاف حكمة الله، ولا يليق بالله أبدًا، لكن إذا أراد الله أن يهلك قرية، أمر مترفيها أمرًا كونيًّا قدريًّا، والعباد يأتمرون بأمر الله القدري، فيأمرهم أمرًا كونيًّا قدريًّا فيفسقوا، وحينئذٍ تحل بهم العقوبة فَفَسَقُوا فِيهَافَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا.
وبهذه المناسبة، أود أن أقول لكم: بعض العلماء رحمهم الله عند المضايقة والمخاصمة والمجادلة يحاولون أن يفروا من الضيق إلى منفذ وإن كان ضيِّقًا، فهل من الممكن أن نقول: إن الله إذا أراد أن يُهْلِكَ قومًا، أرسل إليهم الرسل، من أجل أن يخالفوه فيُهْلِكَهم؟
لا والله، إنما أرسل الرسل مبشرين ومنذرين؛ ليحكموا بين الناس بالحق؛ فالصواب إذن أن الأمر أمر أيش؟ كوني.
فإذا قال قائل: أين الدليل على أن الأمر منه ما هو كوني؟ الدليل قوله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا [يس: ٨٢] أي: أراد شيئًا بالإرادة الكونية أن يقول له: كُنْ فَيَكُونُ(ومن رام زيادةَ أمثلةٍ، فليرجع إلى كتاب الشنقيطي المشار إليه آنفًا).
الطالب: ما الفرق بين التناقض والتعارض؟
الشيخ: التناقض معناه أنه لا يمكن أن يجتمع الحكمان أبدًا، والتعارض يكون بينهما تعارض، لكن قد يكون التعارض بين العموم والخصوص، أو التَّقْيِيد والإطلاق أو ما أشبهه، فالتعارض أهون.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، (...) شيخ الإسلام في مقدمة التفسير قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم بَيَّن للصحابة معاني القرآن كما بَيَّن لهم ألفاظه، هل التَّبْيِين هذا تَبْيِينٌ كليّ؟
الشيخ: أولًا: يجب أن تعلم أن الصحابة لا يُشْكِل عليهم شيء في القرآن؛ لأنه نزل بلغتهم وفي عصرهم، ويعرفون معانيه بالقرائن والألفاظ، وإذا وقع في القرآن شيء مُشْكِل بَيَّنَه الرسول عليه الصلاة والسلام مثل قوله: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» ، وقوله: في لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦] الزيادة: النظر إلى وجه الله.
طالب: ما الفرق بين قولهم: إن العقد فاسد، والعقد باطل؟
الشيخ: عند الحنابلة لا فرق لا يفرقون بين فاسد وباطل إلا في موضعين: في النسك وفي النكاح؛ ففي النُّسُك قالوا: الفاسد هو الذي جَامَع فيه قبل التَّحَلُّل الأول يكون فاسدًا ويمضي فيه ويقضيه، والباطل هو الذي ارتد في أثنائه مثل أن يُحْرِم بالحج ثم يَسُبُّ الله -والعياذ بالله- فنقول: بَطَلَ حجُّه الآن ولا يمكن يكمل، والأول الذي جامع نقول: فسد ويَمْضِي ويَقْضِي.
في النكاح قالوا: إذا أجمع العلماء على فساد العقد فهو باطل، وإن اختلفوا فيه فهو فاسد؛ فنكاح الأخت؟ ويش تقول فيه؟ باطل؛ لأنه لا خلاف في فساده، ونكاح الزانية؟
طالب: باطل.
الشيخ: لا، ما هو باطلًا؛ لأنهم اختلفوا فيه. النكاح بلا ولي؟ فاسد؛ لأن الناس مختلفون فيه. النكاح بلا شهود؟ فاسد؛ لأن العلماء مختلفون فيه. نكاح المرتضعة من أُمِّ الرجل ثلاث مرات؟ فاسد؛ لأنه مختلف فيه.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ما فهمت الخلاف أو الإشكال في قوله تعالى: خَالِدًا فِيهَا [النساء: ١٤] (...).
الشيخ: ويش الإشكال؟
الطالب: ما فهمته يا شيخ، كيف أن أرد عليه.
الشيخ: الإشكال يكون خَالِدًامعناه أنه مخلد في النار؛ لأن الأصل في الخلود هو الدوام.
الطالب: حين يرد عليهم بآيات المشيئة.
الشيخ: المبتدعة، كل المبتدعة لازم لهم دليل مشتبه، هم ما ينظرون للآيات الأخرى، وهذا هو النقطة؛ يعني: لو أن المستدلين جمعوا بين النصوص ما حصل هذا الإشكال.
طالب: فيه يا شيخ، أشكل علي (...) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ [آل عمران: ١٢٤]، قال: فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال: ٩] ما المناسبة بينهم؟
الشيخ: ويش الإشكال؟
الطالب: كيف..؟
الشيخ: اقرأ الآية.
الطالب: الآية الأولى؟
الشيخ: إي.
الطالب: إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ، الآية الثانية: أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ.
الشيخ: هذه في غزوتين، ما هي غزوة واحدة، في غزوتين.
طالب: ذكر الله تعالى عن زكريا أنه سأله الذرية الصالحة.
الشيخ: الطيبة هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران: ٣٨].
الطالب: ثم بعد أن استجاب الله دعاءه قال: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ [آل عمران: ٤٠]، كيف يعني يسأل الله عز وجل الابن الصالح ثم لما رزق له قال: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ؟
الشيخ: هذا من باب التَّأَكُّد من الشيء؛ لأن التأكد العلمي ليس كالتأكد العَيْني؛ ولهذا يقول العلماء: التأكد العلمي علم اليقين، والعيني عين اليقين، والحق الحقيقة حق اليقين.
فإذا قال لك قائل: معي تفاحة، هذا وهو صادق من الناس الذين هي تصدقهم فهذا علم اليقين، وإذا أخرجها من جيبه وقال: هذه التفاحة، فهذا عين اليقين، وإذا أكلتَها صار حق اليقين؛ لأن بالأول ربما يوريك إياها -ولا سيما في عصرنا الحاضر الآن- يورِّيك صورة التفاحة، وهي من البلاستيك، فإذا أكلتها أيش يصير؟ حق اليقين.
طالب: أحسن الله إليك، شو الفرق بين الفسخ والطلاق؟
الشيخ: الفسخ والطلاق أصلًا ما بينهم اشتباه، الطلاق: هو إطلاق المرأة بلفظ الطلاق، والفسخ لا بد يكون له سبب، وهو فسخ يعني: فسخ نكاح لكنه لا يحسب من الطلاق، ولو فُسِخَ عشرين مرة لا تحرم عليه المرأة، وأيضًا الفسخ: ما فيه إلا استبراء فقط، إذا فسخ المرأة تَعْتَدُّ بحيضة استبراءً فقط، لا بثلاث حِيَض.
الطالب: شيخ، عندي إشكال ثان وهو السحرة مع موسى في آية سورة طه: قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى [طه: ٦٥]، في سورة أخرى موسى هو الذي طلب منهم الإلقاء؟
الشيخ: مثل أيش؟
طلبة: فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى [يونس: ٨٠]
الشيخ: إي نعم.
طالب: يعني: كيف الجمع بينهما؟
الشيخ: ما هو مشكلة، هذا بإشكال؟! يعني: في النهاية أن موسى قال: ألقوا، بعد أن سألوه وشاوروه هل يُلقون هم أو يُلْقي هو، قال: ألقوا، بعض الآيات، حدث استشارتهم وذكر النتيجة، وبعض الآيات ذكر الاستشارة لكن النتيجة أن موسى قال لهم: أَلْقُوا.
طالب: النكاح بلا ولي فاسد، كيف نجمع من حديثه صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» .
الشيخ: نعم، هذا إشكال وارد، اعلم أن الفقهاء -رحمهم الله- يصطلحون على أشياء قد لا تكون مطابقة لما في السنَّة من حيث اللفظ؛ فهم يرون أن قوله صلى الله عليه وسلم: «فَنِكَاحُها بَاطِلٌ» أي: فاسد، وأن الفساد في لسان الشرع والبطلان معناهما واحد، كقوله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» ، ويُسَمَّى شرطًا فاسدًا، لكن الاصطلاح غير، وكلامنا نحن على الاصطلاح.
فيه اصطلاح آخر غير الذي ذكرت لكم؛ أنا ذكرت لكم أن كل فاسد فهو باطل، وكل باطل فهو فاسد، ولا فرق إلا في موضعين.
فيه اصطلاح آخر يقول: ما نُهي عنه بذاته فهو باطل، وما نُهي عنه بوصفه فهو فاسد، فصاع من البر بصاعين من البر فاسد، وبيع الميتة باطل، لكن الأقرب ما ذكره الحنابلة؛ أن ما أجمع العلماء عليه فهو باطل، وما اختلفوا فهو فاسد في باب النكاح.

***

القسم
00:15:55

طالب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
قال المصنف رحمه الله عز وجل: القَسَم بفتح القاف والسين: اليمين، وهو تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّم بالواو أو إحدى أخواتها.
وأدواته ثلاث: الواو، مثل قوله تعالى: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ [الذاريات: ٢٣]، ويكتب معها العامل وجوبًا، ولا يليها إلا اسم ظاهر.
والباء، مثل قوله تعالى: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [القيامة: ١]، ويجوز معها ذكر العامل كما في هذا المثال، ويجوز حذفه كقوله تعالى عن إبليس: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص: ٨٢]، ويجوز أن يَلِيَها اسم ظاهر كما مثَّلنا، وأن يَلِيَها ضمير كما في قولك: الله ربي وبه أحلف ولينصرن المؤمنين.
والتاء، مثل قوله تعالى: تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ [النحل: ٥٦]، ويحذف معها العامل وجوبًا ولا يليها إلا اسم الله أو رب مثل: تَرَبِّ الكعبة لأحُجَّنَّ إن شاء الله، والأصل ذكر المقسم به، وهو كثير كما في المثل..
الشيخ: يكفي، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى ووفقه: (القسم) هنا نذكر صيغ القسم وفائدة القسم لا حكم القسم، ولكن ينبغي أن نذكر الحكم للفائدة؛ أولًا: لا ينبغي للإنسان أن يُكْثِر الحلف بالله؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ [المائدة: ٨٩] قال بعض العلماء -علماء التفسير-: أي لا تُكْثِروا الأَيمان، فلا يحلف إلا عند الحاجة أو الضرورة.
ثانيًا: ينبغي لمن حلف أن يستثني فيقول: إن شاء الله؛ لأنه يستفيد من ذلك فائدتين عظيمتين؛ الفائدة الأولى: تسهيل أمره، والفائدة الثانية: أن لا كفارة عليه لو حنث؛ فيقول مثلًا: والله إن شاء الله لأفعلن، أو والله لأفعلن إن شاء الله، أو إن شاء الله والله لأفعلن، يعني سواء قَدَّم الاستثناء أو وَسَّطَهُ أو أَخَّرَه.
ثالثًا: لا يجوز الحلف بغير الله مهما كانت منزلته، حتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يجوز أن يحلف الإنسان به، ولا بالشمس ولا القمر ولا غير ذلك، بل قد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ قَالَ: وَاللَّاتِ» يعني: حالِفًا بها «فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ؛ حتى ينفي عنه الشرك ويحقق التوحيد.
رابعًا: الحلف بالله عز وجل يكون بالله، أي: بهذا اللفظ، ويكون بكل اسم يختص به الله كالرحمن ورب العالمين وما أشبه ذلك، ويكون كذلك بالصفات صفات الله المعنوية كعلمه وسمعه وبصره وعزته وقدرته وقهره وما أشبه ذلك.
أما الصفات الخبرية فإن كان يعبر بها عن ذاته جاز الحلف بها، الصفات الخبرية هي التي نظير مسماها أعضاء لنا مثل الوجه، العين، اليد، القدم، هذه تسمى صفات خبرية؛ إن كانت تقوم مقام الذات صح الحلف بها، مثل الوجه؛ فإن الله تعالى يعبر بوجهه عن ذاته فيقول جل وعلا: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن: ٢٧] يعني نفسه تبارك وتعالى، وإن كانت لا تقوم أو لا يعبر بها عن ذات الله فإنه لا يجوز الحلف بها، فلا يجوز أن تحلف تقول: ويد الله بمعنى اليد التي بها يقبض ويأخذ، ولا عين الله، ولا ساق الله، ولا قدم الله.
إذن بالنسبة للصفات يحلف بأيش؟ بالصفات المعنوية؛ كالسمع، والعلم، والقدرة، وما أشبه ذلك، وبالصفات الخبرية التي يعبر بها عن الذات مثل الوجه.
خامسًا: الحلف إما أن يكون على شيء ماض، وإما أن يكون على شيء مستقبل؛ فالحلف على الشيء الماضي لا كفارة فيه مطلقًا، سواء كان صادقًا أم كاذبًا، لكن إن كان صادقًا فلا إثم عليه، وإن كان كاذبًا فعليه الإثم، وإن تضمن يمينُه الكاذب أكلَ مال الغير بغير حق كانت اليمينَ الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار والتي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلِفَ عَلَى يَمِينٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِها مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» ، أعوذ بالله، إذن الحلف على الماضي ما فيه إلا الإثم أو السلامة وليس فيه الكفارة.
الحلف على المستقبل هذا هو الذي ينقسم إلى قسمين: لغو، ومعقود؛ اللغو لا كفارة فيه، وهو الذي يجري على اللسان بلا قصد، مثل قول الإنسان في أثناء حديثه: لا والله، بلى والله، وما أشبه ذلك.
لو قال قائل مثلًا: أتريد أن تذهب إلى فلان؟ قلت: لا والله، ما أنا رايح، ثم ذهبت، أعليك كفارة؟ لا، هذا لأنه لغولم تعقده، ومن ذلك قول الأب لأبنائه والأم لبناتها: والله لئن فعلت كذا، إن فعلت كذا وكذا والله لأكسر رجليك، وما أشبه ذلك، هذا لغو أو معقود؟ لغو؛ لأنا نعلم أنه ما قصد هذا.
اللغو يقول الله عز وجل فيه: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة: ٢٢٥]، وفي الآية الأخرى: بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ [المائدة: ٨٩].
المنعقدة: المنعقدة على شيء مستقبل؛ يعني: إذا قصد عقده؛ إما أن يريد بها الخبر عما في نفسه فهذه لا يحنث فيها، وإما أن يريد بها إيقاع الإيقاع أي: إيقاع الفعل الذي حلف عليه، فهذه إذا خالف ما حلف عليه وجبت عليه الكفارة، وإن حلف على مستقبل ظانًّا وقوعه فلم يقع؛ يعني: ظانًّا أنه يقع ولم يقع، فالصحيح أنه لا كفارة عليه كرجل قال: والله ليَقْدُمَنَّ زيدٌ غدًا، ولم يَقْدُم زيد، فلا شيء عليه، لماذا؟ لأنه لم يحنث، هو حقيقة لم يحنث؛ أخبر عما في نفسه أنه يعتقد أن زيدًا يَقْدُم غدًا ولم يقدم فلا كفارة عليه، هذا خلاصة ما ينبغي أن نعرفه عن الأَيْمان.
أما ما نريد أن نتكلم عليه في باب أصول التفسير فنقول: (القَسَم بفتح القاف والسين)، وإنما احتجنا إلى ضبطها؛ لأنك لو قلت: (القِسْمُ) صار بمعنى الجنس أو الصنف أو ما أشبه ذلك، ولو قلت: (القَسْمُ) صار بمعنى تقسيم الشيء، ولو قلت: (القِسَم) صار معناه ما يُقَدَّر لبني آدم.
لكن (القَسَمُ) بفتح القاف والسين: اليمين، هذا القسم.
(وهو تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّم بالواو أو إحدى أخواتها)، هذا هو القسم، (تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّم) سواء كان مُعَظَّمًا مما يستحق التعظيم أو لا؛ فالذين يحلفون باللات والعزى ومناة هؤلاء قَسَمُهم صحيح؛ يعني: من حيث إنه قسم؛ لأنهم يعظمونهم.
وقولنا: (بذكر مُعَظَّم): إذا كان المُقْسَم به سوى الله فإن اعتقد المُقسِم بأنه يستحق من التعظيم كما يستحق الله فهذا شرك أكبر، وإلا فإنه شرك أصغر.
وقوله: (بالواو أو إحدى أخواتها) أخواتها هي الباء وأيش؟ والتاء وهاء يقسم بها أحيانًا؛ هالله لأفعلن، فكلمة أخواتها تشمل كل حرف يقسم به في اللغة العربية، وهذه حروف ولا أسماء؟
طلبة: حروف.
الشيخ: حروف.
(وأدواته): يعني الأدوات المشهورة (ثلاث): (الواو: مثل قوله تعالى: فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ) وهي أكثر ما يُقْسَم به؛ (الواو)، وقد أمر الله تعالى نبيَّه بالقسم في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع، من يَعُدُّهم؟
طالب: قوله تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي [يونس: ٥٣].
الشيخ: في قوله تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي.
طالب: قوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن: ٧]
الشيخ: وفي قوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ، الثالث؟
طالب: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ [سبأ: ٣]
الشيخ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ، وفي هذا دليل على أن الشيء المهم ولا سيما فيما يتعلق بالعقيدة، أنه يُؤمر الإنسان أن يُقْسِم عليه لتثبيته في النفوس.
(ويُحْذَف معها العاملُ وجوبًا ولا يليها إلا اسم ظاهر)، تميزت بوجوب حذف العامل فيها، لو قلت: حلفت والله لأفعلن، عُد ذلك لحنًا وغلطًا في العربية،؛ لأن العامل معها يحذف وجوبًا، كذلك أيضًا: لا يليها إلا اسم ظاهر، لا يمكن يليها ضمير.
فإن قال قائل: ما الدليل؟ قلنا: الدليل التتبع؛ أن أهل العلم تتبعوا كلام العرب فلم يجدوا واو القسم يُذْكر معها العامل ولا يليها الضمير.
(والباء: مثل قوله تعالى: لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) اخترنا هذا المثال بسبب أن فيه (لا)، فقد يتوهم الواهم أن هذا نفيٌ للقسم وليس بقسم، ولكن الصحيح أنه قسم لا شك، لكن كيف نصنع بـ(لا)؟ اختلف مَن خرَّجوا هذا على ثلاثة أقوال؛ القول الأول: قالوا: إنها للتنبيه، هذا القول سهل ويسير، وليس بغريب أن يقع التنبيه بـ(لا) كما أنه يقع بـ(ألا)، وحينئذٍ تكون الجملة ثبوتية أو سلبية؟
الطلبة: ثبوتية.
الشيخ: ثبوتية، والمعنى أقسم بيوم القيامة.
القول الثاني: أن (لا) نافية، والمراد نفي القسم؛ لأن هذا المقسم عليه لا يحتاج إلى قسم لكونه أمرًا واضحًا، فكأنه قال: لَا أُقْسِمُبأن الأمر أوضح من أن يُقْسِم عليه، وهذا لا شك أنه ضعيف؛ لأنه قد يكون الشيء الواضح منكَرًا من قِبَل أقوام، فيحتاج إلى إثباته بالقَسَم، كم هذا؟ هذان قولان.
القول الثالث: أن (لا) نافية لشيء محذوف، والتقدير لا صحة لما تقولون من إنكار البعث، أقسم بيوم القيامة لتبعثن، وعلى هذا فيكون المنفيُّ محذوفًا، وهذا أضعفهم، وأسَدَّها وأسْهَلَها وأَيْسَرها أيش؟
الطلبة: الأول.
الشيخ: القول الأول؛ أن تكون (لا) للتنبيه، وأن تكون الجملة ثبوتية لا سلبية.
(بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) يوم القيامة هو اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم لرب العالمين؛ وسُمِّي يوم القيامة لوجوه ثلاثة؛ الأول: أنه اليوم الذي يقوم فيه الناس من قبورهم لرب العالمين، كل الناس يقومون قيام رجل واحد في صيحة واحدة وزجرة واحدة، كل الخلائق تقوم -يا إخواني- قدرة إلهية عظيمة، قال الله تعالى: إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس: ٥٣]، وقال جل وعلا: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣، ١٤]، هذا وجه.
الوجه الثاني: أنه اليوم الذي يُقامُ فيه العدل، كما قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧].
الوجه الثالث: أنه اليوم الذي يقوم فيه الأشهاد؛ تَشْهَد الرسل على أممهم، وتشهد هذه الأمة على أمم الرسل، ويشهد الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم على هذه الأمة، قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣]، إذن سُمِّي يوم القيامة لوجوه ثلاثة.
قال: (ويجوز معها) أي: مع الباء (ذكرُ العامل كما في هذا المثال، ويجوز حذفُه كقوله تعالى عن إبليس: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) أي: فأحلف بعزتك، شوف الشيطان، ليش حلف بالعزة؟ ليتناسب المحلوف والمحلوف عليه؛ لأن إغواء بني آدم يحتاج إلى عزة وغلبة، فلهذا أقسم بأيش؟ بعزة الله، لم يقسم بالله ولا بالرحمن ولا برب العالمين، ولكن بعزة الله.
(ويجوز أن يَلِيَها اسم ظاهر كما مثلنا، وأن يَلِيَها ضمير في قولك: الله ربي وبه أحلف لينصرن المؤمنين) الشاهد قوله: (وبه أحلف)، إذن أوسع هذه الحروف هي؟
طلبة: الواو.
الشيخ: لا.
طلبة: الباء.
الشيخ: الباء، وأكثرها استعمالًا؟
الطلبة: الواو.
الشيخ: الواو.
قال: (والتاء) هذا الثالث: (مثل قوله تعالى: تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَويحذف معها العامل وجوبًا) ما نظيرها في هذا الحكم؟
طلبة: الواو.
الشيخ: الواو.
(ولا يليها إلا اسم الله أو رب) فهي أضيق حروف القسم، (الله مثل: تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ، رب: مثل: تَرَبِّ الكعبة لَأَحُجَّن إن شاء الله)
المُقْسَم به وعليه متناسب؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن الطواف بالكعبة ركن من أركان الحج، فبينهما مناسبة.
واعلم أن كل قَسم في القرآن لا بد أن يكون بينه وبين المقسَم عليه مناسبة، هذه قاعدة، لكن قد تكون ظاهرة وقد تكون خفية.
(والأصل ذكر المقسَم به وهو كثير كما في المثل السابقة، وقد يُحذَف وحده مثل قولك: أحلف عليك لتَجْتَهِدَن) (أحلف عليك لتجتهدن) وين المحذوف به؟ أين المحذوف به؟
الطلبة: (...).
الشيخ: التقدير؟ أحلف بالله عليك لتجتهدن.
وقد يُحْذَف مع العامل، وهو كثير كقوله تعالى: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ، ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّالعامل وين؟ عامل القسم؟
الطلبة: محذوف.
الشيخ: محذوف، والمقسم به؟
الطلبة: محذوف.
الشيخ: محذوف أيضًا، وهذا كثير في القرآن؛ لأن تقدير الجملة (ثم أقسم بالله لتسألن)، فحذف عامل القسم والمقسم به.
(والأصل ذكر المقسَم عليه وهو كثير) الأصل أن المقسم عليه يذكر؛ لأنه هو المقصود في الأصل فلا يُحْذَف (وهو كثير مثل قوله تعالى: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن: ٧]، وقد يُحْذَف جوازًا مثل قوله تعالى: وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق: ١] وتقديره: لَيُهْلَكُنَّ).
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِهذا قسم، أين الجواب؟
طالب: محذوف.
الشيخ: محذوف، والتقدير: (والقرآن المجيد لَيُهْلَكُنَّ)، واعلموا أن المقدَّر لا بد أن يكون متناسبًا مع سياق الكلام؛ ولذلك يصعب أحيانًا التقدير.
(وقد يُحْذَف وجوبًا إذا تقدمه أو اكتنفه ما يغني عنه، قاله ابن هشام في المغني) (ابن هشام) أحد أئمة النحو، وله مؤلفات في النحو كثيرة؛ من أهمها: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ومنها: المغني، على اسمه مغنٍ، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب كتاب جيد في بابه، سمع رجلٌ طائفًا يطوف بالكعبة يقول: اللهم إني أسألك نحوًا كنحو ابن هشام، وفقهًا كفقه شيخ الإسلام؛ لأنه درس مؤلفاتهما، فسأل ربه، وليس ذلك بعزيز، الذي أخرج شيخ الإسلام ابن تيمية وأخرج ابن هشام قادر على أن يخرج مثلهما أو أعلم.
الشاهد أن المغني كتاب لا يستغني عنه الإنسان، لكن الإنسان الذي أخذ شوطًا كبيرًا في النحو، أما الذي لا يعرف أن يعرب (قال الله تعالى)، فهذا لا يَقُرُب المغني، لا بد أن يكون عنده علم.
(قاله ابن هشام في المغني، ومثَّل له بنحو: زيد قائم والله، وزيد والله قائم) الآن المقسَم عليه وين؟
طالب: القيام.
الشيخ: محذوفٌ وجوبًا دل عليه السياق.
(وللقسم فائدتان؛ إحداهما: بيان عظمة المقسَم به)؛ لأننا ذكرنا أن تعريف القسم هو تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّمٍ، فإذا أقسم الإنسان بشيء علمنا أنه عظيم عنده.
(والثاني: بيان أهمية المقسَم عليه وإرادة توكيده؛ ولهذا لا يَحْسُن القسم إلا في الأحوال التالية:
الأولى: أن يكون المقسم عليه ذا أهمية.
والثانية: أن يكون المخاطَب مُتَرَدِّدًا في شأنه.
والثالثة: أن يكون المخاطَب مُنْكِرًا له).

إذا كان الشيء ذا أهمية فأكَّده بالقسم حتى عند من يُقِرُّ به؛ وذلك ليعرف المخاطب أنه ذو أهمية؛ ولذلك أقسم عليه.
الثانية: (أن يكون المخاطب مُتَرددًا في شأنه) قال أهل البلاغة: إنه يَحْسُن التوكيد ولا يجب؛ لأن المتردِّدَ قد يكفيه الخبر المجرد.
الثالثة: أن يكون المخاطب مُنْكِرًا له، فهنا يَتَعَيَّن أن تَحْلِف؛ حتى يكون المخاطب مطمئنًا، فمثلًا الذين زعموا أن لن يُبْعَثوا، قال الله تعالى لنبيه: قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن: ٧]؛ لأنهم منكرون.
فإن قال قائل: كلامك هذا منقوض؛ لقوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ [المؤمنون: ١٥]، فهنا مؤكَّد لكن (...) القسم مع أنه لا أحد ينكره؟
أجاب أهل البلاغة عن هذا فقالوا: نُزِّل المخاطب مَنْزِلَة المنكِر؛ لأنه لم يعمل لهذا اليوم الذي هو يوم موته؛ ولهذا يَحْسُن أن نقرأ البلاغة، البلاغة مفيدة وأيضًا فن لذيذ، بعض الفنون مفيد لكنه ما هو لذيذ، لكن هي لذيذة.
إذن القسم له فائدتان؛ الأولى: بيان عظمة المقسَم به، والثاني: بيان أهمية المقسم عليه وإرادة التوكيد.

***

القصص
00:45:31

ثم قال المؤلف: (القَصَص والقَصُّ لغة: تَتَبُّع الأثر) كما قال الله تعالى عن موسى وفتاه: فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا [الكهف: ٦٤]) يعني: يتتبعان الأثر.
(وفي الاصطلاح: الإخبار عن قضية ذات مراحل يتبع بعضها بعضًا) الإخبار عن قضية لها مراحل يَتْبَع بعضها بعضًا، وعلى هذا لو قلت: جاء زيد، يكون قصة؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لو قلت لواحد من الناس: تعال، أبغي أقص عليك قصة، سيشرئب، ويَظُنُّ أنها صفحات، قال: تفضَّل: قام زيد. تكون قصة ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: (...).
الشيخ: ما هي قضية، ولا ذات مراحل، لا بد أن تكون قَضِيَّة ذات مراحل يتبع بعضها بعضًا.
(وقَصَصُ القرآنِ أصدقُ القصص) الدليل (قوله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء: ٨٧]، وذلك لتمام مطابقتها للواقع)، واللَّهِ لَمَا أخبر اللهُ به أَوْكَدُ عندنا مما شاهدناه بأعيننا؛ لأن ما أخبر الله به لا يعتريه لَبْس، وما شاهدناه بأعيننا قد يعتريه لَبْسٌ؛ قد يرى الإنسان الشيء المتحركَ ساكنًا، أو الساكنَ متحركًا، فلا أحد أصدق من الله حديثًا؛ إذن القصص الواردة في القرآن كلها أيش؟ حق وصِدْق ليس فيها مرية بوجه من الوجوه.
(وأحسن القصص) أيضًا، أحسن القَصَص في أسلوبها وفي سياقها وفي آثارها وفي لذة قراءتها، قال الله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِبأيش؟ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ [يوسف: ٣]؛ وذلك لاشتمالها على أعلى درجات الكمال في البلاغة وجلال المعنى.
والثالث (وأنفع القصص؛ لقول الله تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ) [يوسف: ١١١] فهذا أثر عظيم أن يَعْتَبِر الإنسان بقصص هؤلاء، إذن هي أنفع القصص فاشتملتت على ثلاثة أوصاف؛ أولًا: الصدق، والثاني: الحُسْن، والثالث: النَّفْع والتأثير، فهي على هذه المنزلة العالية من القصص؛ ولذلك يَحْسُن بالواحد منا أن يأخذ قصة من القصص يَتَتَبَّعُها بتفسيرِها ومعناها الإجمالي وفوائدها وما تتضمنه من أحكام وحِكَم، يعني: لو عَوَّدْتُم أنفسكم هذا حصَّلتم خيرًا كثيرًا؛ لأنه -كما سمعتم- صدق، حُسْن، ونفع.
(وذلك لقوة تأثيرها في إصلاح القلوب والأعمال والأخلاق) انظر خطاب إبراهيم لأبيه، محاورته لأبيه، قال إبراهيم لأبيه: يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ [مريم: ٤٣] معنى العبارة: أنك جاهل، وأنا أعلم منك، لكنه تحاشى أن يقول هذه العبارة، لأنها شديدة على الأب، وربما تنفره، بل قال: قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ، وهذا بمعنى أيش؟ بمعنى أنا أعلم منك، والتَّفَنُّن في الأسلوب ومراعاة الحال، هذا أمر له وَزْنُه.
ذكر -أظنه- في غذاء الألباب: أن أحد الخلفاء رأى رؤيا؛ أن أسنانه قد انقلعت كل الأسنان، فاهتم لهذه الرؤيا وقال: ائتوني بعابر، فأَتَوْا إليه بعابر، فقال: ما تقول في هذه الرؤيا التي أرقتني؟ قال: أقول: إن حاشيتك ستموت كلها، قال: ويش تقول؟ يعني: هذا من عندي؛ يعني ما أدري أنه قال: هذا الكلام ولَّا لا؛ المهم فزع الملك، وقال: اضربوه؛ لأنه رَوَّعه، كل حاشيتي تروح! مشكلة، هاتوا عابرًا آخر، فأتوا بعابر آخر وقال ما تقول؟ قال أقول: إن الملك سيكون أطول حاشيته عمرًا، قال: بارك الله فيك، وأعطاه جائزة، والمعنى؟
الطلبة: واحد.

***

الطالب: ما فيه عِبْرة، فنقله الله تعالى عنهم كقصة مريم ولقمان والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها وذي القرنين وقارون وأصحاب الكهف وأصحاب الفيل وأصحاب الأخدود وغير ذلك، وقسم عن حوادث وأقوام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كقصة غزوة بدر وأُحُد والأحزاب وبني قريظة وبني النضير وزيد بن حارثة وأبي لهب وغير ذلك، وللقصص في القرآن حِكَمٌ كثيرة عظيمة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله ووفقه: فيها ثلاثة أقسام، القصة ثلاثة أقسام (قسم عن الأنبياء والرسل، وما جرى لهم مع المؤمنين بهم والكافرين) وهذا كثير، وقد جاء في القرآن مبسوطًا يعني: مُوَسَّعًا، وجاء مختصرًا، ومن أَشَدِّه اختصارًا وأعظمه تأثيرًا ما جاء في سورة (اقتربت الساعة وانشق القمر)؛ ذكر الله عز وجل مُجْمَل قصص الأنبياء المذكورين في الآية لكنه على وجه مختصر إلا أنه مؤثر جدًّا، مؤثر وقوي وصعب.
(وقسم عن أفراد وطوائف جرى لهم ما فيه عبرة فنقله الله تبارك وتعالى عنهم، كقصة مريم) قصة مريم جاءت مُطَوَّلة ومختصرة؛ وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَاإلى آخره [التحريم: ١٢] مختصرة، وجاءت مطولة في سورة (آل عمران)، كقصة لقمان ذُكرت في في سورة (لقمان)، وعُلِمَ من التمثيل بـ(لقمان) أنه ليس بنبي وهو كذلك.
(والذي مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها) هذا رجل مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها أشجارها ميتة هامدة، فقال: إما بلسانه أو بنفسه: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة: ٢٥٩] يعني: كيف تعود هذه حية وقد ماتت هذا الموت؟ فأراه الله آية؛ أماته الله مئة عام، مئة سنة، وكان معه حمار ومعه طعام قابل للتغير قالوا: إنه عنب أو تين أو غير ذلك، ما يهم، المهم أنه طعام قابل للتغير، ثم بَعَثَه، لما بعثه رأى عجبًا؛ رأى الطعام لم يتغير والحمار ميِّتًا تلوح عظامه، وسأله الله: كَمْ لَبِثْتَ؟ قال: يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [البقرة: ٢٥٩]، والظاهر أنه لم ير الحمار؛ لأنه لو رأى الحمار ما قال هذا، أراه الله الحمار، وأراه الطعام، وإذا الطعام لم يتغير، وقد بقي الطعام كم؟
الطالب: مئة سنة.
الشيخ: مئة سنة، لم يتغير لا من الشمس ولا من الريح ولا من التراب كأنه الآن، الحمار رآه عظامًا تلوح، قال الله تعالى: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا [البقرة: ٢٥٩]، فرأى العظام يجتمع بعضها إلى بعض، ويُنْشِزُها الله عز وجل بالعصب يشد بعضها ببعض، ثم كساها لحمًا ثم قام الحمار، الآن أحياه الله بعد موته وأحيا حماره أمام عينه بعد موته، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: ٢٥٩]، الله أكبر، سبحان القادر!
وفي البقرة خَمْسُ قصص كلها فيها إحياء الموتى، خمس قصص، الأخ: اكتبها لنا غدًا إن شاء الله، أنت، إي نعم، سورة البقرة فيها خمس قصص كلها فيها إحياء الموتى أيضًا: مثل قصة الذي مر على قرية.
(وذي القرنين) قِصَّتُه ليست بعيدةً عنا، (ذي القرنين) ويش معناه صاحب القرنين، أيش هما القرنان؟ ذكرناها لكم.
طالب: قيل: المشرق والمغرب.
الشيخ: نعم، هذا واحد.
طالب آخر: قيل: إنه صاحب تاج له قرنان.
الشيخ: جُعِلَ له تاجٌ له قرنان، والقرنان خارجان عن المألوف؛ لأنه لو كان المألوف ما نص عليهم، أقرب شيء أنه ملك المشرق والمغرب.
(وقارون) قارون صاحب المال الخبيث الذي لم يشكر الله على نعمه، ماذا قال: قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: ٧٨] عَلَى عِلْمٍ عِنْدِييعني: بالتجارة والصناعة وغيرها وليس من فضل الله، فخسف الله به وبداره الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، والعياذ بالله، من أي قوم هو؟
طالب: موسى.
الشيخ: كان من قوم موسى.
(وأصحاب الكهف) وقصتهم ليس بعيدة منا، لبثوا في كهفهم نيامًا ثلاث مئة وتسع سنوات، لم يحتاجوا إلى أكل ولا شرب ولا لباس ولا يقظة، يقلبهم الله ذات اليمين وذات الشمال؛ لئلا تستقر الدماء في جانب واحد فيهلكوا.
(أصحاب الفيل) وما أدراك ما أصحاب الفيل، نزل فيهم سورة كاملة جاؤوا بفيلهم وجنودهم يريدون أن يهدموا الكعبة بيت الله؛ لأن بعض العرب ذهب إلى اليمن، وكان ملك اليمن قد بنى بيتًا وقال: إنه الكعبة اليمنية، وطلب من الناس أن يحجوا إليها؛ علشان إيه؟ يقطع الرزق عن قريش، فغضب رجل من العرب وذهب إلى اليمن، وقال: لَأُقَذِّرَن في هذا البيت، فذهب إلى هذا البيت وقضى حاجته فيه، الغرض إهانة البيت وبانيه، ما هو الغرض إنه يُنَجِّسُه ويُغْسَل، فأقسم ملك اليمن أن يهدم الكعبة، وجاء بجنوده ومعه فيل عظيم على أنه يريد أن يهدم به الكعبة، ولكن الله تعالى حبسه في مكان يقال له: المُغَمَّس بين عرفة والشرائع معروف بهذا الاسم إلى اليوم، أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل يعني: جماعات متفرقة، وقال: جاء (طيرًا أبابيل) لمناسبة آخر الآيات، أصحاب الفيل جعل كيدهم في تضليل، أرسل عليهم طيرًا أبابيل تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل: ٤، ٥] كله (...)، فجعلها الله بهذا اللفظ مراعاة لفواصل الآيات، وامتحانًا للعبد إذا سمع أبابيل، ما هي أبابيل؟ ذهب يبحث في اللغة، هذه الأبابيل كل طير في منقاره أو بين رجليه حجر قوي جدًّا أشد من الرصاص.
مِنْ سِجِّيلٍيعني: طوب مشوي قوي، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ [الفيل: ٤] يقولون: إنها تضرب الواحد على رأسه، وتخرج من دبره، فجعلهم أيش؟ كعصف مأكول.
والعجيب، سبحان الله! أن الفيل إذا أقاموه ووجهوه إلى الكعبة برك وأبى أن يمشي! يحبسه مَن؟
الطلبة: الله.
الشيخ: الله عز وجل، فإذا أقاموه ووجهوه لليمن هرول وأسرع.
ووقع لناقة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثله في غزوة الحديبية، إذا وجهوا الناقة للكعبة بركت، وإذا وجهوها للمدينة مشت، فقال الصحابة رضي الله عنهم: خلأت القصواء، خلأت يعني: حرنت، فدافع عنها النبي صلى الله عليه وسلم، دافع عنها وهي بهيمة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يُقَرُّ على الكذب قال: «وَاللَّهِ مَا خَلَأَتْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لَهَا بِخُلُقٍ» مدح للناقة «وَإِنَّمَا حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ» هذه قصة أصحاب الفيل، فنأخذ من هذا عبرًا عظيمة.
الثالثة: أصحاب الأخدود فعلوا بالمؤمنين أفاعيل؛ خدوا أخدودًا في الأرض، حفروا سواقي عميقة وملأوها حطبًا، وعرضوا عليها المؤمنين، ومن بقي على إيمانه ألقوه في النار،
وصبروا على الإلقاء في النار؛ لأنهم يعلمون أنهم إن احترقت أجسامهم تنعمت أرواحهم، ففعلوا ما فعلوا، ومع ذلك قلوب أحجار والعياذ بالله؛ هم على النار قعود مترفين متنعمين، وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ [البروج: ٧]، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ [البروج: ٨] إلا ما يوجب الثناء والمدح إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج: ٨]، ومع هذا يقول الله عز وجل وهو أرحم الراحمين: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠] سبحان الله! يفتنون عباده ويحرقونهم بالنار ثم يعرض عليهم التوبة، أتجدون أرحم من هذا؟ لا والله ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ، وأشياء من هذا نوع كثير.
المهم أن القصص ينبغي للإنسان أن يتأملها، وليس في الأمر سعة في هذه الإجازة، لنعطي كل واحد منكم قصة يتكلم عليها وما يُسْتَخْرج منها من الفوائد حكمًا وأحكامًا، لكن الإجازة قصيرة كما تعلمون، وربما أنتم في أنفسكم تفعلون هذا، إن شاء الله.
القسم الثالث: عن حوادث وأقوم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا أيضًا كثير كقصة غزوة بدر وأحد والأحزاب وبني قريظة وبني النضير وزيد بن حارثة، وأبي لهب وغير ذلك، هذا كثير.
(يقول: وللقصص في القرآن حكم كثيرة عظيمة منها؛ أولًا: بيان حكمة الله تعالى فيما تضمنته هذه القصص؛ لقوله تعالى: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر: ٤، ٥])
جَاءَهُمْيعني قريشًا مِنَ الْأَنْبَاءِأخبار الأمم السابقة مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌيعني: ازدجار عن المعاصي والتكذيب، حِكْمَةٌ بَالِغَةٌأي: هذا الذي جاءهم حكمة بالغة مؤثرة، فَمَا تُغْنِ النُّذُرُاستفهام ولا نفي، هل المعنى: لم تغن عنهم النذر شيئًا؟ أو المعنى: فأي شيء أغنت عنهم النذر؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الظاهر الثاني، والأول يؤيده قوله تعالى: فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [هود: ١٠١]، لكن الاستفهام أقوى؛ يعني: أي شيء أغنت النذر؟ لم تغن شيئًا عند هؤلاء.
(ثانيًا: بيان عدله تبارك وتعالى لعقوبة المكذبين؛ لقوله تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ [هود: ١٠١])
بيان العدل التام.
(الثالث: بيان فضله تعالى بمثوبة المؤمنين؛ لقوله تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ [القمر: ٣٤، ٣٥])
(رابعًا: -وهي من أهمها- تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عما أصابه من المكذبين له لقول الله تبارك وتعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [فاطر: ٢٥، ٢٦]ولا شك أن هذا تسلية، ومثل ذلك قوله تعالى: كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات: ٥٢] يعني: فلا تتعجب يا محمد، وكما في قوله تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا [الأنعام: ٣٤].
(خامسًا: ترغيب المؤمنين في الإيمان بالثبات عليه والازدياد منه إذا علموا نجاة المؤمنين السابقين وانتصار من أمروا بالجهاد لقوله تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: ٨٨])
ولهذا قال من قال هذه الكلمة: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) وهو في غَمٍّ وهو مؤمن أن الله ينجيه بها نجاه الله؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ [الأنبياء: ٨٧، ٨٨] بعدَها وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: ٨٨].
وقال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم: ٤٧].
حَقًّا عَلَيْنَاأوجب الله على نفسه أن ينصر المؤمنين.
قد يقول قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين إخباره أن من الناس مَنْ قَتَل النبيين بغير حق؟
فالجواب أن نقول: النصر نوعان: نصر في الدنيا والآخرة، ونصر في الآخرة دون الدنيا؛ فيكون هؤلاء الذين قتلوا من الأنبياء والمصلحين يكون نصرهم في الآخرة قطعًا، وفي الدنيا أيضًا ربما يكون نصرهم بنصر أقوالهم وما دعوا إليه؛ لأن هذا من أعظم النصر، الآثار التي تبقى بعد الإنسان هذه تعتبر نصرًا، فهمتم؟ ولهذا قال أحد الشعراء، وأظنه المتنبي:
ذِكْرُ الْفَتَى عُمْرُهُ الثَّانِي وَحَاجَتُهُ مَا قَاتَهُ......................

يعني: وبقية العيش إفضال، يعني: ليس بلازم.
(ذِكْرُ الْفَتَى عُمْرُهُ الثَّانِي) ولو قصر عمره إذا بقي ذكره فهذا عمره.
(وَحَاجَتُهُ مَا قَاتَهُ) يعني: قوته فقط يكفي، والباقي زيادة.
على كل حال نقول في الجواب عن هذا الإشكال: أن من النبيين من قتل، إن نصره في الآخرة مؤكد، ونصره في الدنيا يمكن أن يكون بماذا؟ بما دعى إليه، فيكون نصرًا لقوله وما جاء به.
(سادسًا: تحذير الكافرين من الاستمرار في كفرهم؛ لقوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد: ١٠]).
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِسير أقدام أو سير قلوب؟ أو هما؟
طلبة: أقدام وقلوب.
الشيخ: هما أو أحدهما، وأيهما أعم؟ سير الأقدام أو القلوب؟ سير القلوب؛ لأن القلوب تصل بسيرها إلى ما لا يصل إليه الأقدام؛ ولأن سير القلوب يكون حتى في الماضي بخلاف سير الأقدام.
فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْيعني: أفسد عليهم أمرهم ولم ينجحوا.
وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَايعني: للكافرين الموجودين الآن أمثال ما كان للسابقين.
(سابعًا: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم)، كيف ذلك؟
لأن أخبار الأمم السابقة لا يعلمها إلا الله عز وجل كقوله تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا [هود: ٤٩]، وقوله: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ [إبراهيم: ٩]، فكون هذا النبي الأمي الذي لم يقرأ ولا يكتب يُخْبِر عن أمم سابقة خبرًا صادقًا مطابقًا للواقع دليل على أيش؟ على صحة رسالته صلى الله عليه وسلم وأن رسالته ثابتة.
هذه سبع فوائد للقصص في القرآن الكريم، احفظوها، وربما يحصل بعد التأمل ما هو أكثر من هذا.
بقي علينا إشكال آخر أو موضوع آخر في القصص:
تكرار القصص
01:12:50

تكرار القصص

يقول: (من القصص القرآنية ما لا يأتي إلا مرة واحدة مثل قصة لقمان وأصحاب الكهف، ومنها ما يأتي متكررًا حسب ما تدعو إليه الحاجة وتقتضيه المصلحة، ولا يكون هذا المتكرر على وجه واحد، بل يختلف في الطول والقِصَر، واللِّين والشِّدَّة، وذكْرِ بعض جوانب القصة في موضع دون آخر) هذا هو خلاصة ما في القرآن؛ قسم لا يتكرر مثل: قصة لقمان وأصحاب الكهف ما يتكرر، يأجوج ومأجوج، مكرر ولا واحدة؟
طالب: واحدة.
طلبة: مكرر.
الشيخ: مكرر يا أخي، مكرر، منها أيضًا ما يأتي متكررًا، والآتي متكررًا لا يمكن أن يأتي بصيغة واحدة في كل المواضع أبدًا، لا بد أن يختلف؛ فمثلًا: في سورة الأعراف: قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ [الأعراف: ١٠٩] يعني: ملأ فرعون، وفي سورة الشعراء: قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ [الشعراء: ٣٤] في القصة الأولى ذكر قول أصحاب فرعون، وفي الثانية ذكر قول فرعون، لأن فرعون قال وصَدَّقه هؤلاء، وأخذوا يطنطنون ويدندنون بقوله، فصار القائل الأول من؟
الطلبة: فرعون.
الشيخ: فرعون، ثم تابعه جنوده.
فأنت ترى أن هذه القصص المكررة تختلف، يقول المؤلف: (بحسب ما تدعو إليه الحاجة وتقتضيه المصلحة، بل يَخْتَلِفُ في الطول والقصر، واللين والشدة، وذكر بعض جوانب القصة في موضع دون آخر)، وهذا ظاهر لمن تأمله، ومن الحكمة في هذا التكرار:
(أولًا: بيان أهمية تلك القصة لأن تكرارها يدل على العناية بها)، وهذا واضح، أنت الآن إذا أخبرت صاحبك بخبر وهو خبر جيد في نظرك، ثم جلست مجلسًا آخر، تعيده أو لا؟ تعيده؛ لأنه قد أهمك.
(ثانيًا: توكيد تلك القصة لتثبت في قلوب الناس) معلوم؛ أنه كلما كررت وأعيدت زادت ثباتًا في قلوب الناس واهتماما بها.
(ثالثًا: مراعاة الزمن وحال المخاطبين بها)؛ ولهذا تجد الإجازة والشدة غالبًا فيما أتى من القصص في السور المكية، والعكس فيما أتى في السور المدنية؛ يعني أن الله قد يكرر القصة في المدينة، تجد أسلوبها لينًا يعني: مبسوطًا؛ لأن المقام يقتضي هذا.
(رابعًا: بيان بلاغة القرآن في ظهور هذه القصص على هذا الوجه وذاك الوجه على ما تقتضيه الحال).
ولهذا ذكرنا لكم فيما مضى أن البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
(خامسًا: ظهور صدق القرآن وأنه من عند الله)؛ حيث تأتي هذه القصص متنوعة بدون تناقض؛ لأن الغالب من الكاذب إذا أعاد الكلام وجدت في كلامه اختلافًا وتناقضًا، فإذا لم نجد ذلك في قصص القرآن، دل على أنها من عند الله وأنها حق، الحمد لله.

***


الإسرائيليات
01:18:39

(الإسرائيليات)
الإسرائيليات منسوبة إلى إسرائيل، وإسرائيل عليه الصلاة والسلام أحد الأنبياء، لكن سُمِّيَ ما ينقله بنو إسرائيل إسرائيليًّا من باب النسبة إلى المضاف إليه لا إلى المضاف.
وقد ذكر علماء النحو: أن النسبة إلى المضاف والمضاف إليه، تكون إما لهما مُرَكَّبَيْن، وإما للأول إذا كان أشهر، وإما للثاني.
(الإسرائيليات أخبار منقولة عن بني إسرائيل من اليهود وهو الأكثر أو من النصارى)؛ لأن النصارى من بني إسرائيل؛ لقوله تعالى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [الصف: ٦] فما نقل عن بني إسرائيل فهو إسرائيليٌّ.
(تنقسم هذه الأخبار إلى ثلاثة أنواع؛ الأول: ما أقره الإسلام وشهد بصدقه فهو حق) لا شك، إذا أقره الإسلام وشهد بصدقة فهو حق بلا شك؛ لشهادة القرآن له.
(مثاله: ما رواه البخاري وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر من الأحبار) يقال: حَبرٌ، ويقال: حِبرٌ، ويقال: حُبرٌ. وكلها صحيحة، والأكثر الفتح.
قال: (جاء حبر من الأحبار) أي: عالم من علماء اليهود.
(إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إننا نجد أن الله يجعل -نجد في التوراة يعني- أن الله يجعل السماوات على إصبع) السماوات على أُصبع صح؟
طلبة: صح.
الشيخ: إصبع.
الطلبة: صح.
الشيخ: كم هي من لغة؟
الطلبة: تسعة، سبعة، عشرة.
الشيخ: عشر لغات مجموعة في بيت واحد، بالإضافة إلى أنملة فيها تسع لغات، مجموعة مع ذي في بيت واحد في قوله:
وَهَمْزَ أنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثالِثَهُ ..............................

ما هو ثالثه؟ الميم.
......................... التِّسْعُ فِي أصْبع واخْتِمْ بأُصْبُوعِ

التسع في إصبع: يعني همزة إصبع ثلثها، وثلث ثالثه وهي الباء، تعلمون جميعًا: ثلاثة في ثلاثة بتسعة.
إذن ما تغلط بـ(إصبع) إلا في آخر حرف منه؛ آخر حرف هذا شأنه الأعراب، لكن أوله وثالثه وثانيه ما تغلط فيه.
يقول هذا الحبر: (إن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع) كم هذه؟
طالب: خمسة.
الشيخ: خمسة أصابع.
قال: (فيقول: أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه؛ تصديقًا لقول الحبر) (ضحك حتى بدت نواجذه) النواجذ: أقصى الأضراس، والأنياب: جنب أوائل الأضراس، أو ما يلي أوائل الأضراس من نحو الثنايا.
يقول: حتى بدت نواجذه؛ تصديقًا لقول الحبر.
وهذا واقع، إذا إنسان تكلم بكلام يصدقك، فإنك تضحك سرورًا بما قال؛ حيث قال ما يشهد بصدقك.
(يقول: تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ-أي: ما عظموه حق تعظيمه- وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ» ).
إذن هذا نوع من قصص بني إسرائيل، ما حكمه؟
طلبة: حق.
الشيخ: حق ومقبول؛ لشهادة الكتاب والسنة له.
(الثاني: ما أنكره الإسلام وشهد بكذبه) فهذا مردود عكس الأول.
(مثاله: ما رواه البخاري عن جابر رضي الله عنه قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها -يعني امرأته- مِنْ وَرائِها جاء الولد أحول، فنزلت: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْكذب الخبر أو لا؟
اليهود يقولون: إن الرجل إذا جامع زوجته من ورائها، لكن في فرجها؛ يعني يقولون: جاء الولد، ولا يمكن أن يجيء الولد إلا إذا كان جماع من الفرج من القُبُل، يقولون: إذا جامعها من القُبُل من الخلف، صار الولد أحول، فأنزل الله تكذيبهم: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ.
وفي هذه الآية إشارة إلى أن المأذون فيه لا يمكن أن يحدث شرًّا، وهذه القاعدة تفيدكم في شيء تكلمت عليه فيما سبق وهو الحديث الموضوع المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن لحم البقر داء، ولبنها شفاء ؛ لأنه لا يمكن أن يكون لحمها داءً وقد أحله الله، كيف يحل الله لعباده ما يضرهم ويوجب الأمراض لهم؟!
على كل حال هذه نأخذها من الحديث هذا؛ أن الله لما أباح أن نأتي حرثنا من حيث شئنا دل ذلك على أن وطء المرأة في قُبُلِها من خلفها أيش؟ هو جائز ولَّا حرام؟
الطلبة: جائز.
الشيخ: جائز.
(الثالث: ما لم يُقِرَّه الإسلام ولم ينكره، فيجب التوافق فيه؛ لما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسِّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ» .
قوله: (يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية)، فيه دليل على أن الترجمة؟
طالب: تفسير.
الشيخ: أن الترجمة تفسير، وهو كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ»؛ لأنكم إن صدقتموهم فقد تصدقوهم بباطل، وإن كَذَّبتموهم فقد تكذبوهم بحق، «وَلَكِنْ وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ».
فتسلم من الاحتمال السيء، ولكن التحدث بهذا النوع جائز إذا لم يخشَ محذورًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» .
الآن ما موقفنا مما تَحَدَّث به بنو إسرائيل ولم يَرِد في القرآن والسنة إنكارُه ولا إثباتُه؟
الطلبة: التوقف.
الشيخ: التوقف، نتوقف فيه، لكن لا بأس أن نتحدث به بدون أن نعتقد مدلوله؛ لأنه قد يكون فيه عِبَر، قصص تنفع القلب.
يقول: (وغالب ما يُرْوَى عنهم من ذلك ليس بذي فائدة في الدين) غالب ما يروى عن الإسرائليين ليس له فائدة في الدين، مثاله: كتعيين لون كلب أصحاب الكهف ونحوه، تعيين لون أصحاب الكهف؛ أحمر، أبيض، أصفر، أسود، ما علينا منه، هل يمكن أن نزداد فائدة في كونه أسود دون أحمر أو بالعكس؟ لا يمكن؛ إذن فهذه أخبار إسرائيليَّة لا نصدِّقُها ولا نكذِّبها.
وأما سؤال أهل الكتاب عن شيء من أمور الدين فإنه حرام، انتبه لهذه النقطة: سؤال أهل الكتاب عن شيء من أمور الدين حرام.
فإن قيل: أليس بعض الناس يذهب إلى أمريكا ليأخذ شهادة الدكتوراه في الفقه؟
طلبة: بلى.
الشيخ: بلى، هذا الواقع، سبحان الله! متى كانت أمريكا تعرف الفقه الإسلامي حتى يؤخذ منها الشهادة والإجازة؟!
يقولون: إن فيه علماء من علماء المسلمين ساكنين هناك يُعَلِّمون الناس الفقه، فإذا صح هذا، صرنا لن نأخذ عن بني إسرائيل، ولن نسأل بني إسرائيل، وإنما أخذنا عن رجل من أمة محمد عليه الصلاة والسلام.
لما رواه الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ»، شوف: لا تسألوا، في الأول قال: «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ»، لكن السؤال قال: «لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ؛ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا» صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، ما يمكن أن نسألهم عن شيء في أمور الدين؛ لأنهم لا يمكن أن يهدونا وقد ضلوا، «فَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ أَوْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، وَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظُهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي» عليه الصلاة والسلام، موسى هو نبيهم، ومنه يتلقَوْن الأحكام والشرائع، ولو كان حيًّا حرم عليه أن يخالف النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال: «مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي».
وروى البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عن شيء، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ؟
لماذا صار أحدث الأخبار؟ لأنه آخر ما نزل، فهو أقرب الكتب إلى الله عز وجل.
أَحْدَثُ الأَخْبارِ بِاللَّهِ مَحْضًا لَمْ يُشَبْ؛ يعني: أنه خالص، ما فيه شائبة، لا تزويد، ولا زيادة، ولا نقص.
وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ بَدَّلُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ، وَغَيَّرُوا فَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ وَقَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِذَلِكَ ثَمَنًا قَلِيلًا، أَوَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ؟ فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ .
رضي الله عنه، هذا كلام عظيم فيه التحذير وفيه الإغراء؛ يقول: إذا كان هم ما يسألونكم عَمَّا أُنْزِل إليكم، فكيف تسألونهم؟
وفي هذا نَعْيٌ لعقول مَنْ في عصرنا، ممن يذهبون ليأخذوا النظم..