شرح مقدمة التفسير - 3
عدد الزيارات 1752

عناصر المادة :
النوع الثاني: الاختلاف في التفسير باختلاف طُرُق الاستدلال

(أكتب حديث الرجل لأعتبره).
ويش معنى (لأعتبره)؟ ليس معناه أحتج به، لكن المعنى أنني أطلب له شواهد ومتابعات، ولهذا يأتينا -إن شاء الله- في النخبة قول ابن حجر: وتتبع الطرق لذلك يُسمى الاعتبار، شاهد هو الاعتبار.
فيه عندنا شاهد ومتابِع؛ الشاهد: أنه يأتي حديث مستقل بغير هذا السند يكون شاهدًا للحديث الذي نحن نطلب له ما يؤيده.
والمتابعات تكون في السند؛ بمعنى أن الراوي يجد متابعًا له في الحديث عن هذا الرجل الثقة، لو روى إنسان غير ثقة عن الزهري مثلًا، الزهري ثقة ولَّا غير ثقة؟
طلبة: ثقة.
الشيخ: ثقة، روى عنه إنسان غير ثقة، يحتاج أن نشوف هل أحدٌ تابع هذا الراوي عن الزهري في روايته عن الزهري، إذا وجدنا متابِعًا قوي الحديث، أو مثلًا نجد حديثًا آخر من طريق آخر غير طريق الزهري يشهد لهذا الحديث، يُسمّى هذا شاهدًا، تتبُّعنا لهذه الطرق أو للطرق لأجل وجود متابِع أو شاهد يُسمى الاعتبار، وهذا معنى قول الإمام أحمد: (لأعتبره)؛ أي: لأجل أن أنظر هل له من يتابعه؟ أو له حديث شاهد؟

***

طالب: وكما أنهم يستشهدون ويعتبرون بحديث الذي فيه سوء حفظ، فإنهم أيضًا يُضعِّفون من حديث الثقة الصدوق الضابط أشياء تَبيَّن لهم غلطُه فيها بأمور يستدلون بها، ويسمون هذا "علم علل الحديث"، وهو من أشرف علومهم، بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط، وغلطه فيه عرف إما بسبب ظاهر؛ كما عرفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حَلَالٌ ، وأنه صلَّى في البيت ركعتين ، وجعلوا رواية ابن عباس لتزوِّجها حَرَامًا ، ولكونه لم يُصلِّ مما وقع فيه الغلط، وكذلك أنه اعتمر أربع عُمَر ، وعلموا أن قول ابن عمر : إنه اعتمر في رجب مما وقع فيه الغلط.
الشيخ: إذن مع أن هؤلاء كلهم ثقات، لكن الغلط لا يسلم منه أحد، وعلى هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلَال؛ لأنها هي بنفسها قالت: إنه تَزَوَّجَها وَهُوَ حَلَال ، وكذلك قال أبو رافع وهو السفير بينهما: إنه تزوجها وهو حلال .
وأما صلاته في البيت -يعني في الكعبة- فهذا لا شك فيه ثابت، ونفي ابن عباس له يُحمل على أنه نفى علمه به.
وأما رواية: أنه أعتمر أربع عمر؛ فهو ثابت أيضًا، اعتمر أربع مرات؛ العمرة الأولى: عمرة الحديبية، والثانية: عمرة القضاء، والثالثة: عمرة الجِعِرَّانة، والرابعة: العمرة التي كانت مع حجِّه، فإنه كان قارنًا، فهذه أربع عُمَر، ولم يعتمر النبي عليه الصلاة والسلام سواها أبدًا، فقول ابن عمر: إِنَّه اعْتَمَر في رجب، هذا مما وهم فيه رضي الله عنه.
طالب: عائشة رضي الله عنها ردَّت حديث ابن عمر؟
الشيخ: نعم.

***

الطالب: وعلموا أنه تمتع وهو آمِن في حجَّة الوداع، وأن قول عثمان لعلي: كُنَّا يومئذٍ خائفين ؛ مما وقع فيه الغلط، وإنما وقع في بعض طرق البخاري..
الشيخ: واضح هذا؟
طلبة: لا، ما هو بواضح.
الشيخ: عثمان رضي الله عنه لا يرى التمتع، ويقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام تمتَّع لأنه كان خائفًا، ولكن هذا ليس بصواب، فإن الرسول كان تمتع وهو آمَن ما يكون، وليس فيه خوف.

***

الطالب: وأن ما وقع في بعض طرق البخاري: أَنَّ النَّارَ لَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا آخَرَ ، مما وقع فيه الغلط، وهذا كثير.
الشيخ: هذا أيضًا مما نعلم أنه غلط أن النار يبقى فيها فضل عمن دخلها، فينشئ الله لها أقوامًا فيدخلهم النار، هذا ليس بصواب، بل النار لا تزال يوضع فيها وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع الله عليها رجله -سبحانه وتعالى- فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قَطْ قَطْ.
ولأن النار لو أنشئ لها أقوام لإحراقهم بها لكان ذلك منافيًا للعدل والرحمة، فهذا مما يُعلم أنه ليس بصواب، حتى وإن ورد في صحيح البخاري، وقال: هذا الراوي فيه وهم، والطريق الآخر أصح منه.
طالب: ما معنى (قط)؟
الشيخ: يعني حسب، كفاية.

***

الطالب: والناس في هذا الباب طرفان: طرف من أهل الكلام ونحوهم ممن هو بعيد عن معرفة الحديث وأهله، لا يُميِّز بين الصحيح والضعيف، فيشك في صحة أحاديث أو في القطع بها مع كونها معلومة مقطوعًا بها عند أهل العلم به، وطرف ممن يدعي اتباع الحديث والعمل به كلما وجد لفظًا في حديث قد رواه ثقة، أو رأى حديثًا بإسناد ظاهره الصحة، يريد أن يجعل ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته حتى إذا..
الشيخ: وهذا الذي قاله الأخير؛ وحكم بأنه طرف يقع فيه كثير من الناس اليوم، تجدهم يعتمدون على ظاهر الإسناد، ويصحِّحون الحديث بناءً على ظاهره، ولا ينظرون إلى الأحاديث الصحيحة التي تُعتبر في السنة كالجبال، وهذه المسألة أنا دائمًا أُحذِّركم منها، وأقول: إن مثل هذه الأحاديث التي ليست في الكتب المعروفة المتلقَّاة عند أهل العلم إذا وردت ولو بسند ظاهره الصحة، وهي تعارِض الأحاديث الواضحة البيِّنة المتلقاة بالقبول؛ فإنه لا ينبغي للإنسان أن يعتمد عليها، فكما أننا لا نعتمد على ظاهر الإسناد -لا تصحيحًا ولا تضعيفًا- فإنه يجب أن نُحيل هذه المسائل إلى القواعد العامة في الشريعة والأحاديث التي تعتبر جبالًا راسية، فالشيخ الآن بيَّن -رحمه الله- أنه قد يكون السند صحيحًا والمتن غير صحيح، كما سبق من ذِكر الأوهام.
كذلك بعض الناس من اللي يدَّعون علم الحديث، وأنهم أهله ورجاله، تجدهم يعتمدون على حديث رواه ثقة، وظاهره الصحة فيجعلونه معارضًا للأحاديث المتلقَّاة بالقبول المتفق على صحتها.

***

الطالب: حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذ يتكلف له التأويلات الباردة، أو يجعله دليلًا له في مسائل العلم، مع أن أهل العلم بالحديث يعرفون أن مثل هذا غلط.
وكما أن على الحديث أدلة يُعلم بها أنه صدق، وقد يُقطع بذلك، فعليه أدلّة يُعلم بها أنه كذب، ويُقطع بذلك مثلما يُقطع بكذب ما يرويه الوضَّاعون من أهل البدع والغلو في الفضائل، مثل حديث يوم عاشوراء، وأمثاله مما فيه أن من صلَّى ركعتين كان له كأجر كذا وكذا نبيًّا، وفي التفسير من هذه الموضوعات قطعة كبيرة مثل الحديث الذي يرويه الثعلبي، والواحدي، والزمخشري في فضائل سور القرآن سورة سورة، فإنه موضوع باتفاق أهل العلم.
والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، ولكنه كان حاطبَ ليل ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع.

الشيخ: (حاطب ليل)، ويش هو حاطب الليل؟
طالب: ما يميز..
الشيخ: اللي يحطب بالليل ما في شيء، بيتدفأ، ما يميز بين؟
الطلبة: الرطب، وما هب ودب.
الشيخ: بين الرطب واليابس، وبين الحطب والحي وغيرها (...).

***

الطالب: والواحدي صاحبه كان أبصرَ منه بالعربية..
الشيخ: ويش السبب أنها أبصرَ؟ (...)

***

الطالب: والبغوي تفسيره مختصر من الثعلبي، لكنه صان تفسيره عن الأحاديث الموضوعة والآراء المبتدعة، والموضوعات في كتب التفسير كثيرة.
الشيخ: هذا تقويم من شيخ الإسلام لهذه الكتب، تقويم من الشيخ رحمه الله، وتكلم على الثعلبي، والواحدي، والبغوى. ومتقضى كلامه أن البغوي أحسن هذه التفاسير.
طالب: يا شيخ، قوله: في الثعلبي أنه حاطب ليل. قد يعترض عليه بأن (...) ينكر الأسانيد؛ ينكر إسناد الحديث إذا روي في تفسيره فيعني يحيل يقال: (...)؟
الشيخ: إي، لكن هذا وإن كان قد تبرأ ذمته به؛ لكنه ما ينبغي أن يجيب الموضوعات، الضعيف أهون، الموضوع ما ينبغي أن يأتي به.

***

الطالب: ومنها الأحاديث الكثيرة الصريحة في الجهر بالبسملة، وحديث علي الطويل في تصدُّقه بخاتمه في الصلاة فإنه موضوع باتفاق أهل العلم.
الشيخ: عندكم حديث علي يذكره؟
طالب: (...).
الشيخ: الحديث بس.
طالب: يقول: روي من عدة طرق أخرجها الطبري وغيره في تفسير قوله تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ [المائدة: ٥٥]، وفحواها أن سيدنا عليًّا -كرم الله وجهه- مرَّ به سائل في حال ركوعه فأعطاه..
الشيخ: أيهما أحسن؛ كرم الله وجهه ولَّا رضي الله عنه؟
الطلبة: رضي الله عنه.
الشيخ: إي، رضي الله عنه، إي نعم.
الطالب: فأعطاه خاتمه فنزلت الآية . قال ابن كثير في هذه الروايات: وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها وجهالة رجالها، وعلَّق المرحوم الشيخ أحمد شاكر على هذه الآثار التي أخرجها الطبري بقوله: وهذه الآثار جميعًا لا تقوم بها حجة في الدين .
الشيخ: شيخ الإسلام يرى أنها موضوعة، والموضوع معناه المكذوب على الرسول صلى الله عليه وسلم.

***

الطالب: ومثلما روي في قوله: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد: ٧]، إنه علي وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ [الحاقة: ١٢] أذنك يا علي .
الشيخ: أعوذ بالله!! الظاهر أن هذا من تفسير الرافضة، هم الذين يدسون مثل هذه الأشياء، ولا شك أن لكل قوم هاديًا، لكن ليس هو علي فقط، كل قوم ييسر الله لهم من يهديهم، وعلى رأس الهداة الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌأي: أُذُن هي؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، أي أذن واعية تعي القول وتفهمه فهي داخلة في هذا.
طالب: ذكر أحاديث السبب في نزول هذه الآية.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ؛ يقول: أخرج ابن جرير، وابن مردويه، وأبو نعيم وغيرهم من حديث ابن عباس، قال لما نزلت: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد: ٧] وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره فقال: «أَنَا الْمُنْذِرُ»، وأومأ بيده إلى منكب علي فقال: «أَنْتَ الْهَادِي يَا عَلِيُّ، بِكَ يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ مِنْ بَعْدِي» .
قال الحافظ ابن كثير: وهذا الحديث فيه نكارة شديدة.
النوع الثاني: الاختلاف في التفسير باختلاف طُرُق الاستدلال
00:17:48

فصل في النوع الثاني: الخلاف الواقع في التفسير من جهة الاستدلال
وأما النوع الثاني: من سببي الاختلاف وهو ما يُعلم بالاستدلال لا بالنقل، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين؛ حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فإن التفاسير التي يُذكر فيها كلام هؤلاء صِرفًا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين، مثل تفسير عبد الرزاق، ووكيع، وعبد بن حميد، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، ومثل تفسير الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه.

الشيخ: عندي عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري الصنعاني أحد الأئمة الأعلام الحفاظ، أخذ عن ابن جريج، وهشام بن حسان، وثور بن يزيد، ومعمر، ومالك، ورحل إليه أئمة المسلمين وثقاتهم، وأخذوا عنه.
قال الإمام أحمد: لم أسمع منه شيئًا، لكنه رجل يعجبه أخبار الناس، وُلد سنة مئة وستة وعشرين، وتوفي سنة مئتين وإحدى عشرة، ووكيع بن الجراح بن مليح الرقاشي الكوفي أحد الأئمة الأعلام، أخذ عن هشام بن عروة وابن عون وشعبة، وهو من شيوخ الإمام أحمد وطبقته.
قال أحمد: ما رأيت مثله في العلم والحفظ والإتقان مع خشوع وورع، توفي سنة مئة وستة وتسعين، وعبد بن حميد بن نصر الكسي أخذ عن علي بن عاصم، ومحمد بن بشر، وعبد الرزاق، والنضر بن شميل، وأخذ عنه مسلم، والترمذي، قال ابن حجر في التقريب: ثقة حافظ، تُوفّي سنة مئتين وتسعة وأربعين.

***

الطالب: ومثل تفسير الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وبقيّ بن مخلد، وأبي بكر بن المنذر، وسفيان بن عيينه، وسُنيد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبي سعيد الأشج، وأبي عبد الله ابن ماجه، وابن مردويه.
أحدهما: قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها.

الشيخ: (قوم اعتقدوا) هاه؟
طالب: عندنا بعد (مردويه، أحدهما).
الشيخ: إي، ثانيهما، يبقى الأول، الأول قال: (فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة).

***

الطالب: أحدهما: قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها.
والثاني: قوم فسّروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه والمخاطَب به فالأولون..

الشيخ: إذن الأول: أنهم اعتقدوا شيئًا فأرادوا أن يحملوا معاني الكلام عليه، وهذا كما يكون في العقائد والأمور العلمية يكون كذلك في الأحكام والأمور العملية، تجد الرجل يعتنق مذهبًا معينًا، ثم يحاول أن يصرف معاني النصوص إلى ذلك المعنى المعين الذي كان يعتقده سواء في أسماء الله وصفاته، أو في التوحيد، أو ما أشبه ذلك.
فمثلًا: يقول أنا أجيز التوسل حتى بالجن والشياطين؛ لأن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة [المائدة: ٣٥]، فأتوسل بكل شيء، وكذلك أيضًا ينكر صفات الله عز وجل يقول: لأن الله يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشوري: ١١]، وأنا إذا أثبت الصفة مثَّلت، تكون معتقدًا هذا الاعتقاد، ثم يحمل القرآن على ذلك.
القسم الثاني: ما عنده اعتقاد سابق، ليس عنده اعتقاد سابق، لكنه يُفسِّر القرآن بحسب ما يدل عليه اللفظ، بقطع النظر عن المتكلم به وهو الله، وعن المنزَّل عليه وهو الرسول، وعن المخاطب به وهم المرْسَل إليهم، يَنظر إلى الكلام من حيث هو كلام فقط، وهذا أيضًا خطأ، فإنه بلا شك عند جميع الناس أن الكلام يختلف معناه بحسب المتكلّم به، وبحسب المخاطَب به أيضًا.
لو جاءتك كلمة نابية من شخص محترم، وجاءتك مثل هذه الكلمة من شخص ساقط، أيهما أشد تأثيرًا؟
طلبة: المحترم، الأول.
طلبة آخرون: الساقط.
الشيخ: الأول، لا، المحترم؛ لأن كلمة المحترم لها وزن، فإذا وصفني بعيب مثلًا معناه أنه حط من قدري، لكن إذا جاء واحد ساقط يسب كل أحد، وسبني ما يهمني، أليس كذلك؟ مع أن الكلمة واحدة.
كذلك أيضًا، لو أن واحدًا تكلم مع شخص قال: والله هذا (رجيل)! رجيل تصغير رجل، يتحدث عن صبي صغير يقول: هذا (رجيل)، صارت مدحًا ولَّا لا؟ مدحًا، لكن لو يقولها لرجل عاقل كبير صارت ذمًّا.
إذن فالكلمة الواحدة تجدها تختلف بحسب المخاطَب بها، حتى إن الكلمة التي تُصغَّر تكون أحيانًا معناها عظيمًا وكبيرًا كما مر علينا:
وَكُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تَدْخُـــــــــلُ بَيْنَهُــــــــمْ دُوَيْهِيَـــــــــةٌ تَصْفَـــــرُّ مِنْهَـــــــــا الْأَنَامِـــــــــــلُ

فبعض الناس يأخذ القرآن والحديث يفسّره بحسب ما يقتضيه ذلك اللفظ الظاهر بقطع النظر عن أيش؟ عن المتكلِّم به، والمخاطَب، والمنزَّل عليه، وقرائن الأحوال، وهذا خطأ.

***

الطالب: فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان، والآخرون راعوا مجرد اللفظ..
الشيخ: راعَوْا؟
الطالب: راعَوْا.
الشيخ: راعوْا ليش؟
الطالب: راعوْا خافوا يعني.
الشيخ: لا، راعوا من المراعاة، لا من الخوف، لكن لماذا قلت: راعوْا، دون راعوُا؟
طالب: لم تحكم في الماضي.
الشيخ: إي، لكن جرِّد الفعل من الضمير، ويش تقول؟
الطالب: راعى.
الشيخ: راعى، فإذا كان آخر الفعل ألفًا فإن الذي قبل الواو يكون مفتوحًا؛ ولهذا نقول: (صلَّوْا)، أو لا؟ لأن الفعل (صلَّى)، ونقول: (زكَّوْا)؛ لأن الفعل (زكَّى)، ونقول: عمُوُا، ولا عمَوْا؟
الطلبة: عمُوُا.
الشيخ: لأن الفعل عمِيَ، ما هي عمَى؛ لو كانت عمَى لقلنا: عمَوْا.
نقول: رضُوُا ولا رضَوْا؟
الطلبة: رضُوُا.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: لأن الماضي بالياء.
الشيخ: لأن الفعل ما هو بآخره ألف.
فالمهم إذا كان آخر الفعل ألفًا؛ فإن الألف تُحذف وتبقى الفتحة، ويُؤتى بالواو. هذه قاعدة مضطردة، نقول: زكَّوْا، ولا زكُّوا؟
طلبة: الأول.
الشيخ: زكَّوْا؛ لأنها مِن؟
طلبة: مِن (زكَّى).
الشيخ: من زكاء؟!
طلبة: مِن (زكَّى).
الشيخ: مِن (زكَّى)، جلَوْا، جلُوُا؟
الطلبة: جلَوْا.
الشيخ: لأنها من (جلا)، وهكذا، إذن هنا نقول؟
الطالب: راعَوْا.
الشيخ: راعَوْا، إي نعم.

***

الطالب: والآخرون راعوا مجرد اللفظ، وما يجوز أن يريد به عندهم العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم وسياق الكلام، ثم هؤلاء كثيرًا ما يغلطون في احتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة، كما يغلط في ذلك الذين قبلهم، كما أن الأولين كثيرًا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن كما يغلط في ذلك الآخرون، وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق، ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق، والأولون صنفان..
الشيخ: ولكن الواجب أن الإنسان ينظر إلى اللفظ، وينظر إلى قرائنه المحتفة به، من حال المتكلم به والمخاطَب والمنزَّل عليه، وما أشبه ذلك، وهذا الشيء معروف لكل أحد؛ أن الكلام يختلف، بل إن الكلام حتى في نبرات المتكلم يختلف، ولَّا لا؟ إذا مثلًا تكلم بعنف، واحمرار عين، وانتفاخ أوداج، وانتشار شعر، ما هو مثل إذا تكلم بهدوء ولَّا لا؟ إي نعم، تجد الأول كأنما يرمي بشرر، والثاني: لا، ولكن.. نعم؟
طالب: من يقل بقولك: (...) هؤلاء (...)؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: قولك..
الشيخ: الشيخ -رحمه الله- ذكر دولا قسمين: قسم ينظرون إلى المعنى، لكن يحاولون أن يجعلوه على ما يريدون هم، وقسم ينظرون إلى اللفظ فقط، ما عندهم اعتقاد سابق، لكن ينظرون إلى مجرد اللفظ بقطع النظر عن الأحوال والقرائن، فهو يقول: هؤلاء ينظرون إلى المعنى، وهؤلاء ينظرون إلى اللفظ.
الطالب: أقوال الأولين والآخرين؟
الشيخ: الأوّلون اللي ينظرون اللي عندهم اعتقاد القسم الأول.

***

الطالب: والأولون صنفان تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأُريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه، ولم يُرَد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلًا، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حقًّا فيكون خطؤهم فيه في الدليل لا في المدلول، وهذا كما أنه وقع في تفسير القرآن فإنه وقع أيضًا في تفسير الحديث.
فالذين أخطؤوا في الدليل والمدلول، مثل: طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذهبًا يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة كسلف الأمة وأئمتها.
وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم، تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه، ومن هؤلاء فرق الخوارج والروافض..

الشيخ: الفرق بين الأول والثاني (يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه).
ونضرب مثلًا لذلك بالمعطِّلة مثلًا، يقولون: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، هذا يدل على أننا لا نثبت أي صفة تكون للمخلوق، هل هذا صحيح أن الآية تدل على ما قالوا؟
لا، وتارة يحرفون الكلم فيقولون: المراد باليد: القدرة أو النعمة، هم يثبون هذا، لكن يحرفونه، فتارة يُحمِّلون اللفظ، ما لا يحتمله، وتارة يصرفونه عن معناه.
ومن هذا ما وقع أخيرًا في أولئك الذين فسروا القرآن بما يسمي بالإعجاز العلمي، حيث كانوا يحمِّلون القرآن أحيانًا ما لا يتحمل، صحيح أن لهم استنباطات جيدة تدل على أن القرآن حق ومن الله عز وجل، وتنفع في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام ممن يعتمدون على الأدلة الحسية في تصحيح ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، لكنهم أحيانًا يحمِّلون القرآن ما لا يتحمله، مثل قولهم: إن قوله تعالى: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: ٣٣]، إن هذا يُعني به الوصول إلى القمر وإلى النجوم وما أشبه ذلك؛ لأن الله قال: لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍوالسلطان عندهم العلم.
هذا لا شك أنه تحريف، وأنه حرام أن يُفسَّر كلام الله بهذا؛ لأن من تدبر الآية وجدها يوم القيامة، السياق كله يدل على هذا.
ثم إنه يقول: أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِوهؤلاء ما نفذوا من أقطار السماوات، بل ولا وصلوا إلى السماء.
وأيضًا يقول: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌوهؤلاء لم يرسل عليهم، والمهم: أن من الناس من يتجاوز ويغلو في إثبات أشياء من القرآن ما دل عليها القرآن.
ومنهم من يفرط، وينفي أشياء دل عليها القرآن، لكن يقول: هذا ما قاله العلماء السابقون ولا نقبله، لا صرفًا ولا عدلًا، وهذا خطأ أيضًا، فإذا دل القرآن على ما دل عليه العلم الآن من دقائق المخلوقات، فلا مانع من أن نقبله، وأن نصدق به إذا كان اللفظ يحتمله، أما إذا كان اللفظ لا يحتمله فلا يمكن أن نقول به.
طالب: تأخير الفاء في قوله: (...) السماء؛ ما يدل هذا قبل القيامة؟
الشيخ: لا، ما يدل على هذا.
الطالب: فائدة التأخير؟
الشيخ: لأن السماء إذا انشقت فكانت وردة؛ تكون في أثناء ذلك اليوم.
طالب: وليس المعنى (...) في القرآن؟
الشيخ: لا، بس هنا ما يستقيم؛ لأنه مثلما قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن بعض الناس يفسر اللفظ بما يدل عليه ظاهر اللفظ بقطع النظر عن السياق، والسياق يُعيِّن المراد.

***

الطالب: ومن هؤلاء فرق الخوارج، والروافض، والجهمية، والمعتزلة، والقدرية، والمرجئة وغيرهم، وهذا كالمعتزلة مثلًا فإنهم من أعظم الناس كلامًا وجدالًا، وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم، مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان..
الشيخ: مثلًا الخوارج يأخذون بنصوص الوعيد وما ظاهره الكفر، فيُكفِّرون المسلمين بالكبائر، والرافضة يُحرِّفون القرآن أيضًا: يقولون في قوله تعالى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ [الرحمن: ١٩]، المراد بذلك عليّ، وفاطمة، ويقولون: وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ [الإسراء: ٦٠] المراد بها: بنو أمية، ولهم تفاسير غريبة -والعياذ بالله- منكرة، فهم يحرّفون الكلم عن مواضعه في تفسير الآيات الدالة على الذم وتأويلها إلى خصومهم، والآيات الدالة على المدح يجعلونها لمن ينتصرون له.
وكذلك الجهمية -والعياذ بالله- أصحاب الجهم بن صفوان كل آيات الصفات يحرفونها؛ لأنهم يعتقدون أن الله ليس له صفة، وأن أسماءه مجرد أعلام، ومنهم من يقول: إنه ليس له اسم ولا صفة، وأن هذه الأسماء أسماء لمخلوقاته، ليست أسماء له، وعلى كل حال الحمد لله: هَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢١].
وأما المعتزلة أصحاب واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، فهم كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: (من أعظم الناس كلامًا وجدالًا)؛ لأنهم دائمًا يرجعون إلى العقل ولا يعبؤون بالنصوص إطلاقًا، حتى فيما لا تدركه العقول يُحكِّمون العقل.
وقد مر علينا القاعدة عندهم في الصفات، يقولون: إن ما أثبته العقل فهو ثابت سواء كان موجودًا في الكتاب والسنة أو لم يكن موجودًا، وما نفاه العقل فهو منفي سواء كان موجودًا في الكتاب والسنة أم لا، وما لا يقتضي العقل إثباته ولا نفيه، فهم أكثرهم نَفاه؛ لأنهم قالوا: لا نثبت إلا ما أثبته العقل، وبعضهم توقف فيه، قال: ما دام العقل لا يدل على إثباته ولا نفيه نتوقف، وهم يجادلون في هذا جدالًا عظيمًا، وإذا رأيتهم تعجبك أقوالهم، ولكنها أقوال باطلة، كما قيل فيها:
حُجَجٌ تَهَافَـــــت كَالزُّجَـــــــــاجِ تَخَالُهَـــــــا حَقًّــــا وَكُــــــــلٌّ كَاسِــــــــــرٌ مَكْسُــــــــــــــــــــــــــــــورُ

فهم يتناقضون، تجد الواحد منهم يرى أن من الواجب أن يُوصف الله بكذا، والآخر يرى أنه من المستحيل أن يُوصف الله بكذا، وتناقض الأقوال يدل على بطلانها.

***

الطالب: وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم، مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم شيخ إبراهيم بن إسماعيل ابن عُلية الذي كان يناظر الشافعي، ومثل كتاب أبي على الجبائي، والتفسير الكبير للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذاني، والجامع لعلم القرآن لعلي بن عيسى الرماني، والكشاف لأبي القاسم الزمخشري، فهؤلاء وأمثالهم اعتقدوا مذاهب المعتزلة، وأصول المعتزلة خمسة..
الشيخ: الكشاف لأبي القاسم الزمخشري، كتاب معروف مُتداول، هو جيد في اللغة والبلاغة، لكنه على أصول المعتزلة مثلما قال الشيخ، ولا تكاد تعرف كلامه في ذلك إلا إذا كان عندك علم بمذهب المعتزلة، ومذهب أهل السنة والجماعة؛ لأنه رجل جيد وبليغ، يدَخِّل عليك الشيء وأنت لا تشعر به، حتى إنك تظن أن هذا هو الكلام الصحيح السداد، لكن فيه بلاء.
يُقال: إنه قال: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران: ١٨٥]، قال: أي فوز أعظم من دخول الجنة والنجاة من النار؟! كلام طيب أو لا؟
إي، لكنه يريد نفي رؤية الله عز وجل؛ لأن رؤية الله عز وجل أعلى شيء، كما قال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس: ٢٦]، أنت إذا قرأت ها الكلام قلت: هذا هو صحيح، ما هناك فوز أعظم من دخول الجنة والنجاة من النار، ويش يدريك أن هذا الرجل يشير إلى أنه لا رؤية، أن الله لا يُرى؟
لأن رؤية الله أعظم من دخول الجنة، وأعظم من كل شيء، وله أشياء عجيبة عند التصرف، يتلاعب بالعقول، إذا لم يكن عندك حذر منه ومعرفة بأصول المعتزلة، وأصول أهل السنة والجماعة، تضل، هذا إذا تكلم فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته وما يتعلق بمذهبهم، أما إذا تكلم في البلاغة والعربية فهو جيد.

***

الطالب: وأصول المعتزلة خمسة، يسمونها هم: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوحيدهم هو توحيد الجهمية الذي مضمونه نفي الصفات.
الشيخ: الآن إذا قال: إحنا من أصولنا التوحيد، تقدر تقول شيئًا؟ ما تقدر، هم يقولون: نحن نوحّد الله، ونقول: من أصولنا التوحيد، لكن التوحيد اللي هم يريدون له معنى آخر.
كذلك أيضًا: (العدل)، العدل هذا أصل عظيم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإحْسَانِ [النحل: ٩٠].
الثالث: أيش؟ (المنزلة بين المنزلتين)، هذه قد ويش معنى المنزلة بين المنزلتين؟
يقولك: أنا أعلمك المنزلة بين المنزلتين؛ هذا رجل محافظ على الطاعات متجنِّب للمعاصي، ورجل آخر يفعل الكبائر وهو مؤمن، ويش تقول؟ هل تجعلهم سواء؟ ورجل ثالث كافر، تجعل الثلاثة سواء؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما تجعلهم سواء؛ إذن هذا المؤمن اللي يفعل الكبائر يصير في منزلة بين المنزلتين، ما نقول: مؤمن ولا كافر. وترى نبغي نبطل هذه الأشياء، هذه لا تأخذونها على القبول.
(إنفاذ الوعيد) الله عز وجل يتوعَّد على فعل المعاصي التي لا تُخرج من الإسلام، مثل: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣]، ومثل: «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَقَاطِعُ الرَّحِمِ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ» ، ومثل: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ؛ الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» .
يقولون: نحن ننفذ هذا الوعيد؛ لأن الذي قال هذا الوعيد مَنْ؟ الله عز وجل وهو قادر، فلا بد من إنفاذه، فهم يقولون: ننفذ الوعيد.
(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) هذا من أصولهم، ونعم الأصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولَّا لا؟
ما فضلنا على الأمم إلا بهما؛ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن سيأتينا ويش يريدون به؛ يريدون به معنى باطلًا، فشوف كيف يلبّسون على الناس (...).

***

الطالب: فإن أعلم الناس به أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس؛ كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس؛ كطاووس، وأبي الشعثاء، وسعيد بن جبير وأمثالهم، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب عبد الله بن مسعود ومن ذلك..
الشيخ: التفسير أعلم الناس به أهل مكة بخلاف المغازي فأعلم الناس به أهل المدينة، لماذا؟
قال: (لأنهم أصحاب ابن عباس) رضي الله عنه، وعن أبيه، (كمجاهد، وعطاء بن أبي رباح) نشوف تراجمهم.
مجاهد هو أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي مولى السائب بن أبي السائب، ولد سنة واحد وعشرين، وتوفي بمكة وهو ساجد سنة مئة واثنين، وكان من تلاميذ ابن عباس، وأم سلمه، وأبي هريرة، وجابر، ومن تلاميذه: عكرمة، وعطاء، وقتادة، والحكم بن عتيبة، وأيوب، وثَّقه ابن معين وأبو زرعه.
يقول: عرض في خلاصة تهذيب الكمال أنه عرض القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة.
فيه أيضًا يقول المؤلف: (وعطاء بن أبي رباح) يمني من الجند التي كان قد نزلها معاذ بن جبل مبعوثًا من النبي صلى الله عليه وسلم، وتحول عطاء إلى مكة، وبلغ مرتبة الإمامة والفقه، وانتهت إليه الفتوى بمكة، قال فيه ابن عباس لأهل مكة: تجتمعون عليَّ وعندكم عطاء؛ توفي سنة مئة وأربعة عشر، ولهذا كان عطاء -رحمه الله- من أعلم الناس بالمناسك.
يقول: (وعكرمة مولى ابن عباس): هو أبو عبد الله عكرمة البربري أحد الأئمة الأعلام، قال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة، توفي في سنة مئة وخمسة.
وطاووس بن كيسان يمني من الجند أيضًا أدرك خمسين من الصحابة، وبلغ منزلة الأئمة الأعلام، وأخذ عن الصفوة من أئمة التابعين، قال ابن عباس: إني لأظن طاووسًا من أهل الجنة، تُوفي يوم التروية من سنة مئة وستة، وصلى عليه هشام بن عبد الملك.
فيه أيضًا: أبو الشعثاء: جابر بن زيد الأزدي البصري، قال ابن عباس: هو من العلماء، تُوفّي سنة ثلاث وتسعين، وقيل: بعد ذلك.
وسعيد بن جبير: مولى بني والية من بني أسد بن خزيمة، أخذ العلم عن ابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن المغفل المزني، وعدي بن حاتم، أقام في الكوفة، وكان في أول أمره كاتبًا لعبد الله بن عتبه بن مسعود، ثم لأبي بردة الأشعري، ثم تفرغ للعلم والقرآن حتى صار إمامًا عالمًا، وحتى كان ممن أخذ عنه العلم أمثال أبي عمرو بن العلاء، والمنهال بن عمرو، وسليمان الأعمش، وأيوب السختياني، وعمرو بن دينار، ولما ثار عبد الرحمن بن محمد بن أشعث على عبد الملك بن مروان انضم إليه سعيد بن جبير، وكانت وقعة دير الجماجم التي قُتل فيها عبد الرحمن، وانهزم أصحابه، فذهب سعيد بن جبير إلى مكة، وقبض عليه واليها خالد بن عبد الله القصري، وأرسله إلى الحجاج، فذكر له الحجاج ما سبق من إحسانه إليه، وسأله: فما أخرجك عليّ؟ فقال سعيد: بيعة كانت في عنقي لابن الأشعث فغلب الحجاج، وقال: أفما كانت بيعة أمير المؤمنين عبد الملك في عنقك؟! وأمر بقتله، وكان ذالك بواسط في شعبان سنة خمس وتسعين. ويرى أعلام الدين وأئمتهم أن الحجاج ارتكب أعظم الإثم بهذه الفعلة المنكرة.
قال الإمام أحمد: قتل الحجاجُ سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه.
طالب: المحقِّق يقول: روى الطبري عن أبي كريب بسنده إلى مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، تفسير الطبري.
الشيخ: على كل حال الخلاصة راجعوها إذا كان كذلك، ولَّا نصحح نسختنا.
طالب: طاووس واو ولَّا واوين؟
الشيخ: واوين، يمكن بعضهم يكتبها بواو مثل داود.
الطالب: (...).
الشيخ: مثل داود، أحد يكتبها بواوين، وأحد يقول: ما دام معروفه ما حاجة إلى واو أخرى.

***

الطالب: ومن ذلك ما تميزوا به على غيرهم، وعلماء أهل المدينة في التفسير، مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير، وأخذه عنه أيضًا ابنه عبد الرحمن، وعبد الله بن وهب.
الشيخ: إذن زيد بن أسلم مدني كان أبوه مولى عمر بن الخطاب، أخذ العلم عن أبيه، وعن عبد الله بن عمر، وعائشة، توفي سنة مئة وستة وثلاثين.

***

الطالب: المراسيل إذا تعددت طرقها، وخلت عن المواطأة قصدًا أو الاتفاق بغير قصد، كانت صحيحة قطعًا، فإن النقل إما أن يكون صدقًا مطابقًا للخبر، وإما أن يكون كذبًا تعمد صاحبه الكذب، أو أخطأ فيه، فمتى سلم من الكذب العمد والخطأ كان صدقًا بلا ريب، فإذا كان..
الشيخ: انتبه الآن للكلام هذا، المراسيل هل تكون صدقًا، أو هل تكون صحيحة أم لا؟
ونحن نعرف مما سبق أن المراسيل هي التي رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم من لم يسمع منه؛ من تابعي –وهو لم يسمع منه- أو صحابي.
فالمرسل: هو ما رفعه التابعي أو الصحابي الذي لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، فلو روى محمد بن أبي بكر حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم سميناه مرسلًا؛ لأنه لم يسمع منه قطعًا، محمد بن أبي بكر وُلد في عام حجة الوداع.
لكن مع ذلك قال أهل العلم: إن مراسيل الصحابة حُجّة، وأما مرسل التابعي، فالتابعون يختلفون؛ فمنهم من يُقبل مرسله، ومنهم من لا يُقبل، فالذين تُتُبِّعوا وعُرف أنهم لا يرسلون إلا عن صحابي مثل: سعيد بن المسيب، فإنه قد قيل: إنه لا يرسل إلا عن أبي هريرة، فيكون مرسله صحيحًا، والذين ليسوا على هذه الحال يُنظر في المرسل نفسه، إذا تعدَّدت الطرق وتلقته الأمة بالقبول فإنه يكون صحيحًا، وقد مر علينا مثال من ذلك في حديث عمرو بن حزم، أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابًا فيه ذكر الديات والزكاة، ومنه: «أَلَّا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ» .

***

الطالب: والمراسيل إذا تعددت طرقها، وخلت عن المواطأة قصدًا أو الاتفاق بغير قصد، كانت صحيحة قطعًا، فإن النقل إما أن يكون صدقًا مطابقًا للخبر، وإما أن يكون كذبًا تعمد صاحبه الكذب أو أخطأ فيه، فمتى سلم من الكذب العمد والخطأ كان صدقًا بلا ريب.
فإذا كان الحديث جاء من جهتين أو جهات، وقد عُلم أن المخبرين لم يتواطؤوا على اختلاقه، وعُلِم أن مثل ذلك لا تقع الموافقة فيه اتفاقًا بلا قصد، عُلِم أنه صحيح، مثل شخص يُحدِّث عن واقعة جرت، ويذكر تفاصيل ما فيها من الأقوال والأفعال، ويأتي شخص آخر قد عُلم أنه لم يواطئ الأول، فيذكر مثل ما ذكره الأول من تفاصيل الأقوال والأفعال، فيعلم قطعًا أن تلك الواقعة حق في الجملة، فإنه لو كان كل منهما كذب بها عمدًا أو خطأ لم يتفق في العادة أن يأتي كل منهما بتلك التفاصيل التي تمنع العادة اتفاق الاثنين عليها بلا مواطأة من أحدهما لصاحبه، فإن الرجل قد يتفق أن ينظم بيتًا وينظم الآخر مثله، أو يكذب كذبة ويكذب الآخر مثلها، أما إذا أنشأ قصيدة طويلة ذات فنون على قافية ورويٍّ فلم تجرِ العادة بأن غيره ينشئ مثلها لفظًا ومعنى مع الطول المفرط، بل يُعلم بالعادة أنه أخذها منه، وكذلك إذا حدَّث حديثًا طويلًا فيه فنون، وحدث آخر بمثله، فإنه إما أن يكون واطأه عليه أو أخذه منه، أو يكون الحديث صدقًا، وبهذه الطريق يُعلم صدق عامة ما تتعدد جهاته المختلفة على هذا الوجه من المنقولات، وإن لم يكن أحدها كافيًا إما لإرساله وإما لضعف ناقله، لكن مثل هذا لا تضبط..

الشيخ: أفهمتم الكلام هذا؟ القطعة هذه مفهومه؟
التوضيح: رحمه الله يقول: (إن المراسيل إذا تعددت طرقها)، وليس فيها اتفاق أو مواطأة عليها، فإنه يُعلم بأنها صحيحة، ثم ضرب مثلًا: لو أن رجلًا أخبرك بخبر عن واقعة، وفصَّل ما فيها تفصيلًا كاملًا عن كل ما جرى فيها من قول وفعل، وإن زدت فقل: ومن حضور، ثم جاء آخر -وهذا الرجل ضعيف عندك ما تثق بخبره- لكن جاءك رجل آخر، وحدَّثك بنفس الحديث، وأنت تعلم أنه ما حصل بينه وبين الأول مواطأة ولا اتفاق، ثم جاء ثالث ورابع وهكذا، وإن كان هؤلاء كلهم ضعاف، لكن كون كل واحد منهم يذكر القصة على وجه مطابق للآخر مع طولها، هذا يبعد أن يكون الخبر مختلقًا.
لكن لو كانت القضية واقعة صغيرة مثلًا، وجاء إنسان وحدَّث بها، ثم آخر وهكذا، وكلهم ضعاف؛ فإنها قد لا تصل إلى العلم وإلى الجزم بأنها حق؛ لأن مثل الكذبة الواحدة قد تقع، قد يقولها قائل، ثم يقولها الثاني، ثم يقولها الثالث، وهي ما لها أصل؛ مثل أن يكون أناس يريدون أن يروعوا الناس فقالوا: إنه سقطت مثلًا قذيفة في مكان، ولكن ما وصفوها، وجاء آخرون وهكذا، ربما يكون هؤلاء قصدوا بذلك الترويع، وكذبوا في هذا، لكن يأتون ويحكون لنا قصة بتفاصيلها القولية والفعلية، هذا يبعد أن يكون ذلك على سبيل الكذب إلا إذا علمنا أن بينهم اتفاقًا أو مواطأة على ذلك.
هذا هو حاصل ما ذكره المؤلف رحمه الله، وكل ذلك يريد به أن يؤيد أن المراسيل إذا تعدَّدت طرقها، وعُلم أنه ليس هناك مواطأة ولا اتفاق فإنه تكون صحيحة.
طالب: مراسيل التابعين قلنا: احتمال أن تكون للصحابة عن التابعين؛ يعني كونهم تابعين احتمال أنها تكون صحيحة أو (...)؟
الشيخ: إي، ما فيه شك.
الطالب: لكن كيف نقبلها مع تعدد الطرق والاحتمال؟
الشيخ: نعم؛ لأن كلًّا منهم يذكرونها عن الرسول عليه الصلاة والسلام، وكونهم يتفقون على هذا من طرق متعددة يدل على أن لها أصلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يبعد في العادة أن مثل هؤلاء كلهم ينسبونها إلى الرسول عليه الصلاة والسلام بدون أن تصل إليهم من طريق موثوق.
ثم اذكر أيضًا أن المؤلف -رحمه الله- يقول: العادة، العادة؛ لأن مثل هذه المسائل الخبرية -كما قال ابن حجر- لا مدخل للعقل فيها، ولو أننا أخذنا بكل احتمال عقلي ما بقي علينا خبر يمكن صِدقه، ولا حكم يمكن إثباته؛ لأنه في المجادلة كل إنسان يورد لك احتمال، يقول: يحتمل كذا وكذا.

***

الطالب: لكن مثل هذه لا تُضبط به الألفاظ والدقائق التي لا تُعلم بهذه الطريق، بل يحتاج ذلك إلى طريق يُثبت بها مثل تلك الألفاظ والدقائق.
الشيخ: المعنى أن هذا اللي ذكره المؤلف رحمه الله؛ أنه ما يمكن أن تثبت به الألفاظ والدقائق التي لا تُعلم بهذه الطريق؛ يعني فيه دقائق ثانية غير مثلًا المجمل اللي اتفقوا عليه، فهذه الدقائق ما تثبت بمثل هذا الطريق، بل يحتاج إلى طريق آخر أصح منها.
طالب: (...).
الشيخ: هؤلاء الذين اتفقوا على الحادثة، هو الآن يتكلم ما هو عن المراسيل، يتكلم عن الحادثة التي وقعت وحصل فيها التفصيل، فيه دقائق مثلًا تفصيلية من هذه الحادثة، قد لا تثبت بهذه الطريق، بل تحتاج إلى نقل صحيح يُعتمد عليه بإثباتها؛ لأن هذه الدقائق في ضمن الحادثة، ونحن نتكلم عن الحادثة عمومًا، فالحادثة عمومًا تثبت بهذا الطريق التي تواطؤوا فيها، لكن الدقائق والتفاصيل ما تثبت إلا بطريق يثبت به مثل هذه الدقائق والتفاصيل.

***

الطالب: بل يحتاج ذلك إلى طريق يثبت بها مثل تلك الألفاظ والدقائق؛ ولهذا ثبتت غزوة بدر بالتواتر، وأنها قبل أُحد، بل يُعلم قطعًا أن حمزة، وعليًّا، وعبيدة برزوا إلى عتبة وشيبة والوليد، وأن عليًّا قتل الوليد، وأن حمزة قتل قِرْنه، ثم يشك في قِرْنه هل هو عتبة أو شيبة؟!
وهذا الأصل ينبغي أن يعرف، فإنه أصل نافع في الجزم بكثير من المنقولات في الحديث والتفسير والمغازي، وما يُنقل من أقوال الناس وأفعالهم وغير ذلك، ولهذا إذا رُوي الحديث الذي يتأتى فيه ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجهين -مع العلم بأن أحدهما لم يأخذه عن الآخر- جُزم بأنه حق، لا سيما إذا عُلم أن نَقَلَته ليسوا ممن يتعمد الكذب، وإنما يُخاف على أحدهم النسيان والغلط، فإن من عرف الصحابة كابن مسعود، وأُبي بن كعب، وابن عمر، وجابر، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وغيرهم علم يقينًا أن الواحد من هؤلاء لم يكن ممن يتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلًا عمن هو فوقهم، كما يعلم الرجل من حال من جرَّبه وخبره خبرة باطنة طويلة أنه ليس ممن يسرق أموال الناس، ويقطع الطريق ويشهد بالزور، ونحو ذلك.
وكذلك التابعون بالمدينة ومكة والشام والبصرة، فإن من عرف مثل أبي صالح السمان، والأعرج، وسليمان بن يسار، وزيد بن أسلم وأمثالهم علم قطعًا أنهم لم يكونوا ممن يتعمد الكذب في الحديث، فضلًا عمن هو فوقهم..

الشيخ: يقول: عندي أبو صالح السمان: هو ذكوان المدني، أخذ عن بعض الصحابة، وشهد الدار، وسمع منه الأعمش ألف حديث، قال أحمد: ثقة ثقة، تُوفِّي سنة مئة وواحد.
والأعرج: عبد الرحمن بن هرمز المدني القاريّ، أخذ عن بعض الصحابة، وأخذ عنه الزهري، وأبو الزبير محمد بن مسلم المكي، وأبو الزناد المدني.
قال البخاري: أصح الأسانيد أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.
توفي الأعرج في الإسكندرية سنة مئة وسبعة عشر.
وسليمان بن يسار المدني -مولى ميمونة- أحد الفقهاء السبعة، أخذ عن بعض الصحابة، وأخذ عنه قتادة، والزهري، وعمرو بن شعيب حفيد عبد الله بن عمرو بن العاص، تُوفّي سنة مئة، أو بعدها عن ثلاث وسبعين سنة. وزيد بن أسلم تقدم التعريف به.
طالب: الأعرج هو (...) ولَّا غيره؟
الشيخ: لا، غيره، عبد الرحمن بن هرمز هو الأعرج.
طالب: أبو حازم.
الشيخ: أبو حازم؟
الطالب: اللي هو أبو حازم عبد الرحمن بن هرمز.
الشيخ: كنيته، لكن اسمه، ويش اسمه؟
الطالب: عبد الرحمن.

***

الطالب: فضلًا عمن هو فوقهم مثل محمد بن سيرين، وأبو القاسم بن محمد، أو سعيد بن المسيب أو علقمة أو الأسود أو نحوهم.
الشيخ: (علم قطعًا أنهم لم يكونوا ممن يتعمد الكذب في الحديث، فضلًا عمن هو فوقهم مثل محمد بن سيرين) البصري مولى أنس، ومن أقران الحسن بن أبي الحسن، أخذ عن بعض الصحابة، وأخذ عنه طائفة من أئمة التابعين.
قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا عاليًا رفيعًا فقيهًا إمامًا كثير العلم، توفي سنة مئة وعشرة.
والقاسم بن محمد حفيد أبي بكر الصديق، وأحد الفقهاء السبعة، أخذ عن بعض الصحابة، وأخذ عنه طائفة من أعلام التابعين.
قال أبو الزناد: ما رأيت أحدًا أعلم بالسنة من القاسم، توفي سنة مئة وستة.
وسعيد بن المسيب المخزومي المدني رأس علماء التابعين، وفردهم، وفاضلهم، وفقيهم.
قال عبد الله بن عمر: هو -والله- أحد المقتدى بهم.
وقال أبو حاتم: هو أثبت التابعين عن أبي هريرة؛ لأنه كان صهره، ولد سنة خمسة عشرة، وتُوفي سنة ثلاث وتسعين.
وعبيدة بن عمرو السلماني (من قبائل مراد)، تُوفي النبي صلي الله عليه وسلم وهو في الطريق إليه، أخذ عن عليّ وابن مسعود، وأخذ عنه الشعبي والنخعي وابن سيرين، كان يوازي شريحًا في القضاء والعلم، توفي سنة اثنين وسبعين.
وعلقمة هو ابن قيس النخعي الكوفي أحد الأعلام، روى عن الخلفاء الراشدين الأربعة وطبقتهم، وأخذ عنه الأئمة، كإبراهيم النخعي، والشعبي، توفي سنة اثنين وستين عن تسعين سنة.
والأسود هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، أخذ عن ابن مسعود، وعائشة، وأبي موسي، وأخذ عنه إبراهيم النخعي وطبقته، كان يختم في كل ليلتين، وحج ثمانين حجة، وتوفي سنة أربعة وسبعين. الله أكبر!
طالب: كان يختم..
الشيخ: كل ليلتين.
طلبة: ثمانين حجة؟!
الشيخ: ثمانين حجة، الله أكبر!!
طالب: عمره كام يعني يا شيخ؟
الشيخ: ما ذكر عمره، يقول: توفي سنة أربعة وسبعين.
طالب: عَبِيدة السلماني يا شيخ ولا عُبَيدة؟
الشيخ: لا، عَبِيدة.

***

الطالب: وإنما يخاف على الواحد من الغلط؛ فإن الغلط والنسيان كثيرًا ما يعرض للإنسان، ومن الحفاظ من قد عَرف الناس بُعدَه عن ذلك جدًّا، كما عرفوا حال الشعبي، والزهري، وعروة، وقتادة، والثوري، وأمثالهم، لا سيما الزهري في زمانه، والثوري في زمانه.
الشيخ: عندي قتادة بن دعامة السدوسي البصري الأكمه أحد الأئمة الأعلام، وأيش معنى الأكمه؟
طلبة: الذي ولد أعمى.
الشيخ: ولد أعمى، سبحان الله!! أحد الأئمة الأعلام روى عن أنس، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، وروى عن الحفاظ والأئمة، واحتج به أصحاب الصحاح، وتوفي سنة مئة وسبعة عشر.
وسفيان الثوري من بني ثور ابن عبد مناة بن أد بن طابخة، كوفي من أعلام الأئمة الحفاظ المتميزين بالمعرفة والزهد والورع، ولد سنة سبع وسبعين، وتوفي بالبصرة سنة مئة وواحد وستين.
طالب: سبعة وسبعين خطأ.
الشيخ: متى ولد؟
الطالب: يعني غير هذا سبعة وسبعين.
الشيخ: متى؟

***

الطالب: لا سيما الزهري في زمانه، والثوري في زمانه، فإنه قد يقول القائل: إن ابن شهاب الزهري لا يعرف له غلط مع كثرة حديثه وسعة حفظه.
والمقصود أن الحديث الطويل إذا رُوي مثلًا من وجهين مختلفين من غير مواطأة امتنع عليه أن يكون غلطًا كما امتنع أن يكون كذبًا.

الشيخ: يقول عندي (مع كثرة حديثه وسعة حفظه) في سيرة عمر بن عبد العزيز رحمه الله لابن الجوزي صفحة (٢٨)، عن الليث بن سعد إمام أهل مصر، أن إبراهيم بن عمر بن عبد العزيز حدثه أنه سمع أباه يقول لابن شهاب الزهري: ما أعلمك تعرض عليَّ شيئًا -أي: من سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم- إلا شيئًا قد مر على مسامعي، الله أكبر!!
اللي يقوله مَن؟ عمر بن عبد العزيز، معناه أنه عالم في الحديث رضي الله عنه.
إلا شيئًا قد مر على مسامعي، إلا أنك أوعى له مني، وروي مثله عن معمر، عن الزهري، عن عمر بن عبد العزيز، الله أكبر، رحمة الله.

***

الطالب: والمقصود أن الحديث الطويل إذا رُوي مثلًا من وجهين مختلفين من غير مواطأة امتنع عليه أن يكون غلطًا، كما امتنع أن يكون كذبًا فإن الغلط لا يكون في قصة طويلة متنوعة، وإنما يكون في بعضها، فإذا روى هذا قصة طويلة متنوعة، ورواها الآخر مثلما رواها الأول من غير مواطأة امتنع الغلط في جميعها، كما امتنع الكذب في جميعها من غير مواطأة، ولهذا إنما يقع في مثل ذلك غلط في بعض ما جرى في القصة مثل حديث اشتراء النبي صلى الله عليه وسلم البعير من جابر ، فإن من تأمّل طُرُقه علم قطعًا أن الحديث صحيح.
الشيخ: هذا هو اللي قلنا قبل قليل، إذا كان في القصة شيء من الدقائق ما يكفي هذا النقل، بل لا بد من طريق آخر يثبت به.

***

الطالب: وإن كانوا قد اختلفوا في مقدار الثمن، وقد بيَّن ذلك البخاري في صحيحه، فإن جمهور ما في البخاري ومسلم مما يُقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله؛ لأن غالبَه من هذا، ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول والتصديق، والأمة لا تجتمع على خطأ، فلو كان الحديث كذبًا في نفس الأمر، والأُمّة مصدقة له قابلة له لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب، وهذا إجماع على الخطأ، وذلك ممتنع.
وإن كنا نحن بدون إجماع نُجوِّز الخطأ أو الكذب على الخبر فهو كتجويزنا قبل أن نعلم الإجماع على العلم الذي ثبت بظاهر أو قياس ظني أن يكون الحق في الباطل بخلاف ما اعتقدناه، فإذا أجمعوا على الحكم جزمنا بأن الحكم ثابت باطنًا وظاهرًا، ولهذا كان جمهور أهل العلم.

الشيخ: وهذا واضح، أحيانًا يمر عليك الحديث، وتعلم أن معناه كذا وكذا، لكن فيه احتمال أن يكون خلاف ذلك، أن يكون معناه الباطن -اللي هو خلاف الظاهر- على خلاف ما فهمت، فإذا انعقد الإجماع على ما يقتضيه ظاهر الحديث علمنا بأنه لا يحتمل المعنى الباطن الذي نُقدِّره في أذهاننا؛ لأن الأمة لا تجتمع على خطأ.
اختلاف الرواة في مقدار ثمنه جمل جابر يجعله مضطربًا؟
لا، السبب: أن هذا الاضطراب لا يعود إلى أصل الحديث، وإنما يعود إلى مسألة جزئية فيه، وهو لا يضر، وكذلك اختلافهم في حديث فضالة بن عبيد في قيمة القلادة؛ هل هي اثنا عشر دينارًا أو أقل أو أكثر؟ هذا أيضًا لا يضر؛ لأن هذا الاختلاف ليس في أصل القصة.

***

الطالب: ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له أو عملًا به؛ أنه يوجب العلم، وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك، ولكن كثيرًا من أهل الكلام -أو أكثرهم- يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف على ذلك، وهو قول أكثر الأشعرية؛ كأبي إسحاق وابن فورك، وأما ابن الباقلاني فهو الذي أنكر ذلك، وتبعه مثل أبي المعالي، وأبي حامد، وابن عقيل، وابن الجوزي، وابن الخطيب، والآمدي، ونحو هؤلاء، والأول هو الذي ذكره الشيخ أبو حامد، وأبو الطيب، وأبو إسحاق، وأمثاله من أئمة الشافعية، وهو الذي ذكره القاضي عبد الوهاب، وأمثاله من المالكية، وهو الذي ذكره شمس الدين السرخسي، وأمثاله من الحنفية، وهو الذي ذكره أبو يعلى، وأبو الخطاب، وأبو الحسن بن الزاغوني، وأمثالهم من الحنبلية.
الشيخ: أقول: إن المؤلف -رحمه الله- ذكر عن علماء المذاهب الأربعة، وهو يدل على سعة اطلاعه رحمه الله، وهذه المسألة من مسائل أصول الفقه وأصول الحديث؛ أي: في المصطلح، وفي أصول الفقه.
هل خبر الآحاد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقًا له إن كان خبرًا، وعملًا به إن كان طلبًا، هل ذلك يفيد العلم واليقين؟
فيه الخلاف اللي ذكره المؤلف، ولكن جمهور علماء المسلمين على أنه يفيد العلم واليقين، وقد سبق لنا هذا في المصطلح، وذكر ابن حجر أنه يفيد العلم (...) فيه بالقرائن، وهذا هو الحق، فإن أحدًا لا يتطرق إليه الشك في أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . مع أنه خبر آحاد، ولا نشك في أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» مع أنه خبر آحاد، إلى غير ذلك مما هو خبر آحاد، ومع ذلك يفيد العلم اليقيني لكثرة الشواهد التي تثبته، ولتلقي الأمة له بالقبول.
طالب: شيخ، ما (...) بأبي إسحاق (...)؟
الشيخ: الإسفرائيني.
طالب: (...) العقيدة؟
الشيخ: لا، السَّفَّاريني، متأخِّر.
طالب: الخطيب من الحنبلية؟
الشيخ: لا، الأخير أبو الخطاب، لكن الخطيب؛ الظاهر أن هو الرازي.
الطالب: ابن الخطيب.
الشيخ: ابن الخطيب.
الطالب: (...) الأول.
الشيخ: إي نعم، أبو المعالي، وأبو حامد هؤلاء شافعية، وابن عقيل، وابن الجوزي، هؤلاء حنابلة، وكذلك الآمدي من الحنابلة، أما ابن الخطيب ما أدري.
طالب: البغدادي.
الشيخ: لا.

***

الطالب: وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجبًا للقطع به؛ فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث، كما أن الاعتبار في الإجماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي والإباحة، والمقصود هنا أن تعدد الطرق مع عدم التشاعُر.
الشيخ: المؤلف -رحمه الله- يريد أن إجماع كل ذي فن بفنه؛ فمثلًا في علم الحديث نرجع إلى إجماع أهل الحديث، إذا أجمع أهل الحديث على أن خبر الواحد إذا تلقي بالقبول، واحتفت به القرائن أفاد العلم، فلا يهمنا من خالفهم من الفقهاء.
كذلك أيضًا الاعتبار بالإجماع في الأحكام الشرعية –كالواجب، والحرام، والمندوب، والمكروه، والمباح- أن الْمُعتبر في ذلك علماء الأحكام الفقهاء.
الإجماع في مسألة نحوية، الاعتبار بإجماع أهل النحو، وعلى هذا فقس؛ لأن صاحب كل علم أدرى بما يحصل فيه، فالإنسان الفقيه ما يعرف إجماع أهل النحو، ولا يعرف إجماع أهل الحديث، ولا الأصوليين مثلًا؛ فالمهم أننا نعتبر إجماع كل قوم في علمهم، وفنهم الذي يُجمعون عليه.
فإذا قال لنا قائل مثلًا: إن الفقهاء، أو إن أهل الكلام خالفوا في خبر الواحد، وقالوا: لا يمكن أن يفيد العلم.
قلنا: لا يهمنا مخالفتهم، إنما نحن ننظر إلى إجماع من؟ إجماع أهل الحديث، وعلى هذا فقِسْ.

***

الطالب: والمقصود هنا أن تعدد الطرق مع عدم التشاعر أو الاتفاق في العادة يُوجِب العلم بمضمون المنقول، لكن هذا ينتفع به كثيرًا من عَلِم أحوال الناقلين.
الشيخ: لو جاء مثلًا واحد من أهل النحو وقال: أجمع العلماء على وجوب ستر العورة في الصلاة، نقول له: ما هذا عُشُّك فادرجي، جابك للكلام هذا أنت؟ قل: أجمع العلماء على رفع الفاعل ونصب المفعول به، نقول: على العين والرأس، ولَّا لا؟ ولهذا يقول: (ينتفع به كثيرًا من عَلِم أحوال الناقلين).
ويش حال هذا؟ هل هو من الفقهاء؟ هل هو من الأصوليين؟ هل هو من النحويين؟
فإذا قال النحوي: أجمع العلماء على رفع الفاعل ونصب المفعول به؛ وأن من قال: أكل الطعامُ زيدًا. فقد أخطأ، ويش نقول؟
طالب: أكل الطعامَ زيدٌ.

***

الطالب: لكن هذا ينتفع به كثيرًا من عَلِم أحوال الناقلين، وفي مثل هذا ينتفع برواية المجهول والسيئ الحفظ، وبالحديث المرسل ونحو ذلك، ولهذا كان أهل العلم يكتبون مثل هذه الأحاديث ويقولون: إنه يصلح للشواهد والاعتبار ما لا يصلح لغيره.
قال أحمد: قد أكتب حديث الرجل لأعتبره، ومثّل ذلك بعبد الله ابن لهيعه قاضي مصر؛ فإنه كان من أكثر الناس حديثًا، ومن خيار الناس، لكن بسبب احتراق كتبه وقع في حديثه المتأخر غلط، فصار يعتبر بذلك، ويستشهد به، وكثيرًا ما يقترن هو والليث بن سعد، والليث حُجَّة.

الشيخ: ولهذا عبد الله بن لهيعة يُكثر الإمام أحمد من الرواية عنه في المسند كثيرًا جدًّا، لكن عبد الله بن لهيعة من عُلِم أنه سمع منه قبل احتراق كتبه كان حُجّة، ومن عُلِم أنه بعد كان مشكوكًا فيه وغير موثوق به؛ لأنه -رحمه الله- اختلفت حاله بعد احتراق كتبه، وإذا شككنا هل هو ممن سمع منه قبل أو بعد؛ فإننا نتوقف فيه بدون أن نُرجِّح، لكن القسم الثاني نُرجِّح أنه خطأ.

***

الطالب: وكثيرًا ما يقترن هو والليث بن سعد، والليث حجة ثَبَتٌ إمام.
الشيخ: حَرِّك التاء، (ثَبَتٌ) بالرفع.
طالب: الباء تسكن ولَّا..؟
الشيخ: لا، ثبَتٌ، فهم يرونها صفة مشبهة مثل: بطلٌ، أما ثبْت؛ فلا يقولونها، يشكلونها بالفتح.
ويقولون: هذا معناها المبالغة في تثبُّته.
الطالب: لكن ما يخالف مرجع هنا إلى أهل الحديث.
الشيخ: لا، أهل الحديث يقولون هكذا.
الطالب: يقولون: ثبْت؟
الشيخ: لا، يقولون: ثبَتٌ بالفتح.

***

الطالب: والليث حجة ثَبَتٌ إمام، وكما أنهم يستشهدون، ويعتبرون بالحديث الذي فيه سوء حفظ.
الشيخ: الإمام أحمد يقول: قد أكتب حديث الرجل..