تفسير سورة الفاتحة - 1
عدد الزيارات 20239

عناصر المادة :
تفسير الآيات (1-7)

 

تفسير الآيات (1-7)
00:00:09

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: ١].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
أما بعد أيها الإخوة، فلقد تكرمتم علينا بالمشاركة لكم في مثل هذه الأمسية لأجل اللقاء بكم، وإننا لنحمد الله عز وجل أن جعل في هذا البلد وفي غيره من بلاد هذه المملكة، بل وفي غيرها من بلاد الإسلام، جعل فيهم في هذا العهد القريب صحوة إسلامية شبابية، والشباب هم رجال المستقبل؛ هذه الصحوة- ولله الحمد- لا نشك في أن وجهتها وهدفها الوصول إلى تطبيق كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تطبيقًا مترجمًا بعقيدة القلوب وأقوال الألسن وأعمال الجوارح، هذا الهدف الأسمى الذي سادت به هذه الأمة في صدرها جميع أمم العالم، هذا الهدف الذي أرسل الله من أجله الرسل، وأنزل من أجله الكتب؛ فإن الله عز وجل يقول: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة: ٢١٣]، وبين الله عز وجل في آيتين من القرآن الكريم أن الله أرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: ٣٣]، أتدرون ما الهدى؟ وما دين الحق؟
إن الهدى هو العلم النافع؛ لأن العلم النافع يهتدي به الإنسان في ظلمات الجهل، وأما دين الحق فإنه العمل الصالح، العمل الصالح الموافق لمرضات الله عز وجل؛ لأن الدين يُطلق على العمل، ويطلق على الجزاء على العمل؛ ففي قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: ٣]، الدين هنا هو العمل الذي يعمله الإنسان ليُدان به، وأما الدين في قوله تعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: ٤] وفي قوله تعالى: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: ١٧ - ١٩] الدين في هذه الآيات يُراد به الجزاء على الأعمال، ومن الحكم المشهورة «كَمَا تَدِينُ تُدَانُ» .
أيها الإخوة، إنني أحمد الله وأشكره أن جعل في بلادنا هذه وفي بلاد عامة المسلمين تلك الصحوة الشبابية التي هدفها الوصول إلى تطبيق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في العقيدة وفي القول وفي العمل، وإنه يجب على العلماء أمام تلك العزمة من أولئك الشباب، يجب على العلماء الذين وفقهم الله عز وجل وهداهم بما بنوا عليه علمهم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يجب على العلماء أمام هذه الصحوة وأمام تلك العزيمة أن يكونوا قادة لهؤلاء الشباب يقودونهم إلى الحق وإلى الطريق المستقيم وإلى اتباع الحكمة، والحكمة هي العلم والصواب، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرًا.
إن العلم وحده بدون العمل لا يجدي شيئًا، وإن العلم وحده بدون الحكمة قد يكون الإنسان فيه إما متجاوزًا لحده في تقصير أو زيادة.
أيها الإخوة، وإن من نِعمة الله علينا في هذه البلاد أن يسّر الله لنا الوصول إلى ما نريده في أي مكان من ربوع هذه البلاد لسهولة المواصلات ولله الحمد، فينبغي بل يجب على أهل العلم أن يكونوا دائمًا مع هؤلاء الشباب حتى يكون في مسيرهم أو حتى يجتمع في مسيرهم حكمة الشيوخ ونشاط الشباب وقوتهم وعزمهم، ولقد كانت هذه المحاضرة، وأنا لا أعتقدها محاضرة، ولكني أسميها مقابَلة، حتى لا تُحسب عليَّ ولا عليكم، إنها مقابلة أريد أن أتكلم فيها على شيء عام ولم يكن في ذهني شيء إلا أنني أردت الآن أن أتكلم عن هذه الصلوات التي نصليها كل يوم، فرْضًا ونفلًا في المساجد وفي البيوت، لا أريد أن أتكلم عن حكمها فالحكم فيها بيِّن، وهي أحد أركان الإسلام العظيمة بل هي الركن العملي الوحيد الذي يكون تاركه كافرًا بالله تعالى كفرًا مخرجًا عن الملة؛ لأن أركان الإسلام هي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، فالأركان الثلاثة الأخيرة: إيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت اختلف العلماء -رحمهم الله- في حكم تاركها لا جحدًا لوجوبها ولكن تهاونًا بها، ولكن القول الراجح: أن تاركها لا يكفر، وأما الصلاة فإن الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما حُكي من إجماع الصحابة رضي الله عنهم يدل على أن تارك الصلاة كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، وإن كان مُقرًّا بوجوبها، ولكني أريد أن أتكلم عن هذه الصلاة ماذا يُقال فيها؟ وماذا يُفعل فيها؟ وما الهدف منه؟ وكيف كانت صلةً بين الإنسان وبين ربه؟ ولماذا اعتنى الشارع فيها هذه العناية العظيمة؟
ذلك لأن الله -عز وجل- فرض على محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله فرض عليه هذه الصلاة من الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم من غير واسطة، وفي أي مكان فرضها عليه؟ هل فرضها عليه ومحمد في الأرض؟
لا، فرضها عليه ومحمد صلى الله عليه وسلم فوق السماوات السبع، وفي أي زمن فرضها عليه؟
فرضها عليه في أفضل ليلة كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهي ليلة المعراج، وكم فرضها عليه؟ ما هو العدد الذي فرضه الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؟ فرض عليه أن يصلي في اليوم والليلة خمسين صلاة، من هذه الأمور الثلاثة: شرف المكان، وشرف الزمان، وكثرة العدد نأخذ منها أهمية الصلاة ومحبة الله عز وجل لها، ولكن من نعمة الله على هذه الأمة أن موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله والتقى بموسى وهو في السماء السادسة قال له: مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: «فَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». قَالَ لَهُ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ؛ فَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعَالَجْتُهُمْ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. فَمَا زَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرَاجِعُ رَبَّهُ حَتَّى جَعَلَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَمْسًا بِالْفِعْلِ وَخَمْسِينَ فِي الْمِيزَانِ . وليس هذا من باب جزاء الحسنة بعشر أمثالها؛ لأن كل العمل الصالح الحسنة بعشر أمثالها، ولكن هذه الخمس كأننا صلينا خمسين صلاة، ولكل صلاة عشر حسنات، اضرب خمسين في عشرة كم تبلغ؟ خمسين في عشرة بكم؟ خمس مئة حسنة في هذه الصلوات الخمس، والله يضاعف لمن يشاء.
إذن لا بد أن نعرف ما هي الحكمة في عناية الله عز وجل في هذه الصلاة، لننظر هذه الصلوات الخمس موقّتة بأوقات أفقية على مدار الشمس فعند إقبال الشمس على الأرض تكون صلاة الفجر؛ لأن هذا تغير عظيم أفقي ليس بالهين، مَن الذي يستطيع من الخلق أن يأتي بهذه الشمس لتنير للعالم؟ لا أحد.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ}. لا إله إلا الله، لا أحد يأتي بضياء إلا الله عز وجل أَفَلَا تَسْمَعُونَ} [القصص: ٧١].
ثم بعد ذلك يأتي وقت زوال الشمس وهو انحرافها من الجهة الشرقية إلى الجهة الغربية من الأفق، ومن الذي يستطيع أن يزحزح هذه الشمس العظيمة من شرق السماء إلى غربه؟ قل لي بالله عليك مَنْ؟ قولوا: لا إله إلا الله.
الطلبة: لا إله إلا الله.
الشيخ: لا أحد يستطيع أن ينقل هذه الشمس من شرق السماء إلى غربه إلا خالقها عز وجل، رب العالمين الذي يقول للشيء: كن، فيكون، وعند هذا التحول من شرق السماء إلى غربه تكون صلاة الظهر، ثم بعد ذلك تأتي صلاة العصر، إلى أن تصفرّ الشمس وتقرب من الغروب والضرورة إلى غروب الشمس، ثم بعد مغيب الشمس يتغير الجو، وما أعظم الأرض لو شاهدتها وأنت في الطائرة وقد غابت الشمس عن الأرض، والله إنك لتعرف الحكمة في قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} [الشمس: ٤]، إذا يغطيها.
أنا مرة قمت من المطار من القصيم قبل غروب الشمس بدقائق، وأقلعت الطائرة وغابت الشمس على أهل الأرض، ولكننا في السماء نشاهد الشمس، لكن سبحان الله الليل على الأرض كأنه ثوب أسود قد غطيت به الأرض، سبحان الله العظيم! وهذا يتبين لك عظمة قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا}، عند هذا التغير العظيم فرض الله علينا صلاة وهي صلاة المغرب، ثم عند مغيب الشفق هناك تغيُّر أيضًا، فإن الشفق الأحمر بقية شعاع الشمس، تكون صلاة العشاء إلى متى؟ إلى نصف الليل، وبعد نصف الليل ينتهي وقت العشاء، ولا يبقى وقت للصلوات المفروضة، لكنه وقت لصلاة التطوع، كما سُئل النبي عليه الصلاة والسلام، بل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُدَ؛ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ» .
عند منتصف الليل ليس هناك وقت للفريضة، لكنه وقت للتطوع، ثم يدور فيأتي وقت الفجر عند تغيُّر الأفق وعند تهيئه لاستقبال الشمس، فبهذا نعرف حكمة الله عز وجل في فرض الصلاة في هذه الأوقات، ثم إن الصلاة يتقدمها -أيها الإخوة- التطهير؛ تطهير للقلب وتطهير للبدن، بماذا يكون تطهير البدن؟ بماذا؟ بالوضوء من الحدث الأصغر والغُسل من الحدث الأكبر، وتطهير البدن من النجاسات، وتطهير الثياب وتطهير البقعة، كل هذا تعظيمًا لشأنها، فما هو التطهير القلبي أو المعنوي الذي يتقدم هذه الصلاة؟
أولًا: التطهير البدني استمِع إليه في قول الله تعالى حين ذكر آية الوضوء والغسل والتيمم قال: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة: ٦].
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ؛ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيَّتِهَا شَاءَ» .
ما نوع هذا التطهير بالشهادتين العظيمتين؟ تطهير قلبي ولَّا لا؟ تطهير قلبي، فاجتمع في مقدمة هذه الصلوات التطهير البدني والتطهير القلبي، حتى يدخل الإنسان في صلاته ويقف بين يدي ربه وهو طاهر القلب طاهر البدن طاهر المكان، ماذا يدل عليه هذه العناية؟ على أهمية هذه الصلاة، ثم عند الإقبال على الله عز وجل والوقوف بين يديه تقول: الله أكبر، أكبر من كل شيء عظمة وكبرياءً جل وعلا، لا أحد أكبر من الله تعالى عظمة وكبرياءً، فهو أكبر من كل شيء، وسبحان الله العظيم ما أعظم حكمة الله! لماذا اختير التكبير هنا على التسبيح؟ لأن التكبير يدل على علو الشأن والارتفاع، ولهذا كان من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه أنهم إذا علوا مرتفعًا وهم سائرون في السفر إِذَا عَلَوْا مُرْتَفِعًا يَقُولُونََ: اللَّهُ أَكْبَرُ، يُكَبِّرُونَ ، ما أدري أنت إذا ركبت الطائرة وأقلَّتك من الأرض تُكبر؟ سؤال لمن ركب الطائرة، إذا ركبت الطائرة واستقلت ارتفعت عن الأرض هل تكبر؟
طالب: نعم.
الشيخ: على كل حال، من لم يكبر فليعلم أن هذا موضع تكبير؛ لأنك ارتفعت، وإذا نزلوا واديًا ماذا يصنعون؟ يُسبِّحون، إذا نزلت منهبطًا تقول: سبحان الله؛ لأن الإنسان إذا اعتلى قد يتعاظم في نفسه ويظن العلو فيقول: الله أكبر؛ حتى يحد من علوائه وغلوائه، لكن إذا نزل سَفُل فيقول: سبحان الله؛ أي تنزيها لله عز وجل عن السفول؛ فالسفول من صفة الآدمي بل من صفة المخلوق عامة، لكن العلو لله عز وجل فتقول: سبحان الله عند النزول تنزيهًا لله عز وجل عما أنت عليه الآن من السفول.
أقول: إن اختيار التكبير عند ابتداء الصلاة مناسب تمامًا لهذه الحكمة، ثم تستفتح الصلاة، وقد سأل أبو هريرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أبو هريرة من أحرص الناس على العلم؛ قال للنبي صلى الله عليه وسلم يومًا: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ شوف السؤال لأيش سأل؟ علشان يعلم من هو أسعد الناس؛ ليكون ذلك مستقِرًّا في ذهنه أو لأجل أن يعمل بما أرشد إليه الرسول؟ للأمرين جميعًا حتى يعرف من أسعد الناس بشفاعته فيقوم بالعمل بذلك، قال: «لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْهَا غَيْرُكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ لِمَا أَرَى مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْعِلْمِ؛ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» .
أبو هريرة رضي الله عنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام يكبر للصلاة ويسكت، فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» .
تستفتحون بهذا؟
السؤال للعموم، تستفتحون بهذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: أكثر الناس لا يستفتح إلا بقوله: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ ونِعم الاستفتاح هو، لكن يجب أن نعرف السنة حتى نعمل بكلتا السنتين، «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» . أعيدها للمرة الثالثة لأشوف من غيبها منكم.
«اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» ، ثلاث مرات قلتها، من منكم يعيدها عليَّ؟ تفضل لو تقف يسمعون الناس.
طالب: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» .
الشيخ: أحسنت، طيب « بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ» هذا قبل مباشرة الخطايا، اجعلها بعيدة عني حتى لا أباشرها بعد المباشرة نقّني منها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اجعلني نقيًّا منها، لماذا اختار الرسول صلى الله عليه وسلم الثوب الأبيض؟ لماذا؟ لأن أدنى وَسَخ في الثوب الأبيض يظهر فيه، لكن الأسود أو الأحمر لا يظهر فيه أثر الوسخ إلا إذا كان وسخ ثقيل جدًّا. «اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» قد تقول: الماء الحار أبلغ في التنظيف، صح ولَّا لا؟ الماء الحار أبلغ في التنظيف ولَّا لا؟ عندما نغسل الثوب بالصابون نجيب ماء بارد ثلج ولّا نسخن الماء ونغسل؟
طالب: التسخين.
الشيخ: التسخين، فلماذا قال: «بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ واَلْبَرَدِ؟» . قال العلماء: لأنه يقول: «اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ» ، ما هو من أوساخ حسية، والخطايا عقوبتها النار، فناسب أن يكون ما يزيل هذه الخطايا حارًّا ولَّا باردًا؟
الطلبة: بارد.
الشيخ: باردًا، باردًا هذه هي الحكمة.
وإن شئت فقل: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكُ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ . هذا صحيح؛ الأول حديث أبي هريرة أصح سندًا من هذا، لكن هذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستفتح به جهرًا ليعلمه الناس، فهل أجمع بينهما؟
لا، إن جمعت بينهما خالفت السنة، لكن تقول هذا مرة وهذا مرة، أحيانًا هذا وأحيانًا هذا لتعمل بالسنتين جميعًا، بعد هذا، بعد الاستفتاح -وعرفنا معنى الاستفتاح- «وجهت وجهي»، هذا غالبًا في صلاة الليل، عرفنا الآن معنى الاستفتاح؛ أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقرؤه قبل قراءة الفاتحة بين التكبير وبين القراءة.
ثم إننا عند التكبير: ماذا نصنع بالعمل؟ هل هناك فعل يقارن التكبير ولَّا لا؟ هل هناك فعل يقارن التكبير أوْ لا؟
الجواب: نعم، هناك فعل يقارن التكبير، ما هو؟ أن ترفع يديك مضمومة الأصابع هكذا مبسوطة إلى حذو منكبيك، أو إلى فروع أذنيك، هكذا، لكن لا تمسح أذنيك بهما، بعض الناس نشوفه يرفع إيديه يقول كذا، هذا ما له أصل، ارفعها هكذا وكبِّر، وقد وردت أحاديث بعضها يدل على أن ابتداء الرفع مع ابتداء التكبير، وبعضها يدل على أن التكبير بعد الرفع، وبعضها يدل على الرفع بعد التكبير، والأمر في هذا واسع، لكن الحكمة من رفع اليدين هكذا ما هي؟
قال العلماء: إشارة إلى تعظيم الرب عز وجل، وإلى رفع الحجاب بينك وبينه حتى تستحضر بأنك واقف بين يديه تناجيه، تناجي ربك مناجاة المخاطِب للمخاطَب، واستمع ما ثبت به الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام حديث أبي هريرة: قال النبي عليه الصلاة والسلام عن ربه تبارك وتعالى: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» «قسمت الصلاة» ويش الصلاة؟ الصلاة كلها، الصلاة: الفاتحة، وأطلق الله عليها اسم الصلاة؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بها، ولهذا قال الله عز وجل أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} [الإسراء: ٧٨] يعني وأقم قرآن الفجر، والحكمة في أنه يقول في الصلوات الأربع أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ}وفي الفجر يقول: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ}؛ لأن قرآن الفجر مشهود إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}؛ ولأنها تُطوَّل فيها القراءة، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي الذي رواه عنه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي» . قال مَن؟ المصلي، من الذي يجيبه؟ الرب عز وجل فوق عرشه فوق سماواته يسمعه ولو كان خافتًا ويقول: «حَمِدَنِي عَبْدِي» طيب المصلون قد يكونون ألف واحد في المسجد، واحد يقول: الحمد لله رب العالمين، والثاني يستفتح الآن ما بعد كمل، وواحد يقرأ آخر الفاتحة قد انتهى أو قرب من الانتهاء، كيف هذا؟ نقول: إن الله عز وجل وسع كل شيء رحمة وعلمًا، كل واحد لهم آلاف مؤلفة، ولو اختلفت أقوالهم، كل يجيبه «إذا قال: الحمد لله رب العالمين، يقول: حمدني عبدي»، سبحان الله العظيم! ما أوسع عظمة الرب عز وجل! يقول: «حَمِدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}» . الآن زاد في الوصف، وصف الله عز وجل بأنه ذو رحمة واسعة بالغة تبلغ المرحوم، ففي قوله: (الرحمن) إشارة إلى سعة الرحمة، وفي قوله: (الرحيم) إشارة إلى بلوغها لمن رُحِم الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، إذا قالها الإنسان أجابه جل وعلا بقوله: «أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي» «أثنى عليَّ» ويش معنى أثنى؟ يعني أعاد الحمد مرة ثانية؛ لأنه مأخوذ من الثني وهو الرجوع؛ يعني رجع مرة ثانية ليحمدني، «فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}» ماذا يقول الرب جل وعلا؟ يقول: «مَجَّدَنِي عَبْدِي» يعني وصفني بالمجد وهو العظمة مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ،«فَإِذَا قَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}قال الله: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» أيش اللي بينه وبين عبده؟ إِيَّاكَ نَعْبَدُلله، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُلمن؟ للمخلوق، تستعين به على أمورك كلها؛ على العبادة، وعلى الأكل والشرب والنوم والخروج والذهاب وعلى كل شيء فهي لك إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}قال الله: «هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}كم قرأنا من آية؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}كم دول؟ كم دول يا جماعة؟ كم؟
الطلبة: أربعة.
الشيخ: كم؟ أربعة اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}خمس صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}ست غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}كم دول؟
الطلبة: سبعة.
الشيخ: سبع تمام، سورة الفاتحة سبع آيات وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: ٨٧] فسر النبي عليه الصلاة والسلام السبع المثاني بأنها الفاتحة ، وهي سبع آيات، ولكن قد يكون في أيدي بعضكم مصحف فتراجعه فإذا قوله: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}إذا هي آية واحدة، فإذا جعلناها آية واحدة وقد ابتدأنا بالحمد كم تكون آياتها؟ تكون آياتها ستًّا وهذا مشكل.
والجواب على ذلك أن العدد الذي في المصاحف المطبوعة الآن مبني على أن البسملة من الفاتحة، ولهذا مكتوب في البسملة رقم واحد، و الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}رقم اثنين، ولكن الصواب -بلا شك- أن البسملة ليست من الفاتحة، وأنها آية تُبتدأ بها السور إلا سورة براءة؛ والدليل على ذلك هذا الحديث حديث أبي هريرة، وهو ثابت في الصحيح «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» ولم يقل: فإذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم. إذن ما أول الفاتحة؟ مش أول آية فيها، أولها الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}أيضًا «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» نجد أن الآية التي بين الله وبين عبده نصفين هي الآية التي تنصف الفاتحة تمامًا؛ لأن قبلها ثلاث آيات، وبعدها ثلاث آيات فتكون نصف الفاتحة، ويكون هذه الآية التي هي النصف أولها لله وآخرها للعبد، وأيضًا لو كان صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}لو كانت آيتين لكانت آية طويلة بالنسبة للآيات السابقة، لكن إذا قسمت الآية الأخيرة هذه نصفين صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}صارت الآيات الآن متناسبة في الطول؛ فالدلالة اللفظية والمعنوية والأثرية كلها تدل على أن أول الفاتحة ما هو؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، وأن البسملة ليست منها، ولهذا كان الصواب أن الإنسان إذا قرأها -أي قرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية- يجهر بالفاتحة، إن غلطت فردوا عليَّ، ولهذا كان الصواب أن الإنسان إذا قرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية فإنه يجهر بالبسملة، صح ولَّا لا؟
طالب: لا لا يا شيخ.
الشيخ: يا إخواني، قلنا: البسملة ليست من الفاتحة. إذا كانت البسملة ليست من الفاتحة هل يجهر فيها؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، ما يُجهر فيها، كما أننا لا نجهر بالاستفتاح لأنه خارج عن الفاتحة، فلا نجهر بالبسملة أيضًا، هذا هو الصواب؛ ولهذا قال أنس رضي الله عنه: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَخَلْفَ عُمَرَ فَلَمْ يَكُونُوا يَقْرَؤُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . هذا في صحيح مسلم ، لكن المعنى لا يجهرون بها، تُحمل رواية مسلم هذه على أن المعنى لا يجهرون بها، وهو كذلك.
لنعد -يا إخواني- مرة ثانية على هذه السورة العظيمة التي جعلها النبي عليه الصلاة والسلام السبع المثاني، ولننظر ما فيها من المعاني التي احتوت عليها هذه السورة، وهي المعاني التي يدور عليها القرآن كله، شوف سبحان الله! هذه السورة القصيرة كل معاني القرآن تجتمع فيها، ولهذا لم يُوجب الله علينا أن نقرأ سورة في الصلاة إلا هذه السورة؛ لأنها قد حوت كل معاني القرآن، ففيها ذكر الربوبية والألوهية والأسماء والصفات والجزاء والعمل وأقسام الناس، إلى كم ينقسم الناس في سورة الفاتحة؟
طالب: إلى ثلاثة.
الشيخ: إلى ثلاثة أقسام اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}هذا الأول غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}هذا الثاني وَلَا الضَّالِّينَ}الثالث، إذن نفهم أن أقسام الناس ثلاثة: أنعم الله عليهم؛ وهم الذين علموا الحق وعملوا به غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}مغضوب عليهم وهم الذين علموا الحق ولم يعملوا بت، وعلى رأسهم مَن؟
طالب: اليهود والنصارى.
الشيخ: لا، اليهود فقط، وضالُّون جهلوا الحق فعملوا بالباطل مَنْ؟
الطلبة: النصارى.
الشيخ: النصارى، ولهذا قال سفيان بن عيينة رحمه الله قال: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عُبَّادنا ففيه شبه من النصارى.
اللي يفسد من العلماء يكون قد علم بالحق وخالفه والعياذ بالله، نسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، والذين فسدوا من العُباد يحرصون على الخير ويبغون العبادة لكنهم جُهّال يعبدون الله على ضلالة، هؤلاء فيهم شبه ممن؟
طالب: من النصارى.
الشيخ: من النصارى، ما هو واجبك أيها المؤمن بالله ورسوله؟ واجبك أن تعلم لتعمل أن تعلم لتعمل، تعلم لتخرج من مشابهة مَن؟ أن تعلم لتخرج من مشابهة مَن؟ قولوا يا جماعة؟
طالب: من مشابهة النصارى.
الشيخ: من مشابهة النصارى، وتعمل لتخرج من مشابهة اليهود، يا ويل العلماء إذا لم يعملوا بما علموا، يا ويلهم، إنهم أشباه اليهود، إنهم أصل الضلال؛ لأن العامة تقتدي بمَن؟ بعلمائها، فإذا ضل العلماء أضلوا غيرهم، إذا ضل العلماء -والعياذ بالله- ولم يعملوا بالحق أضلوا غيرهم، نعوذ بالله من هذه الحال، أضلوا غيرهم، ولا تظنوا أن العالِم هو الذي يحمل شهادة الدكتوراه، أو الذي يتخرج من كلية، أو الذي يلزم ركب العلماء حتى يقال: فلان طالب علم، كل من علم مسألة فهو عالم بهذه المسألة؛ يعني لو تعلم مسألة واحدة فأنت عالم بها؛ ولهذا قال إمامنا ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام ويش قال؟ قال: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» ولَّا قال: بلغوا عني إذا كنتم علماء فطاحل؟ أجيبوا يا جماعة؟
الطلبة: لا.
الشيخ: قال «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» واحدة، ولهذا من حفظ من دين الله مسألة واحدة قامت عليه الحجة بهذه المسألة ووجب عليه أن يعمل بها، ووجب عليه أن يبلغها «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» ، ولكن احرص على أن تفهم الحق كما هو لا تخطئ في الفهم؛ لأن كثيرًا من الناس قد يخطئون في الفهم بناء على ظنهم، حتى في الصحابة قد يخطئون في الفهم يا إخوان، الإنسان غير معصوم من الخطأ في الفهم.
لما رجع النبي عليه الصلاة والسلام من غزوة الأحزاب ووضع لامة الحرب جاءه جبريل وأمره أن يخرج إلى بني قريظة، من هم بنو قريظة؟ قبيلة من اليهود غدرت وخانت النبي عليه الصلاة والسلام، أمره جبريل أن يخرج إلى بني قريظة، فندب النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى الخروج وقال لهم: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» تظنون أن الصحابة رضي الله عنهم قال واحد منهم: (...) أتلين وأطلع بكرة، هل قالوا ذلك؟ لا، ما قالوا ذلك، أنا أشكر الذي يسكت إذا لم يكن عنده علم، لكن كلنا يعلم أن حال الصحابة ما يمكن تكون هكذا، لما قال «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» خرجوا كلهم، أدركتهم صلاة العصر، اختلفوا على قسمين؛ قسم منهم اتبعوا النص حرفيًّا وقالوا: ما نصلى العصر إلا في بني قريظة ولو في وسط الليل، ما يمكن نصلي العصر إلا في بني قريظة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» إذن ما نصلي، لو غابت الشمس ما نصلي، وقال آخرون: الرسول عليه الصلاة والسلام قال هكذا، ما قال: لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة، يعني أخِّروا العصر، وإنما أراد منا أيش؟
الطلبة: المسارعة.
الشيخ: أن نبادر ونسارع حتى لا يأتي علينا العصر إلا ونحن في بني قريظة، وأظن هذا الأسلوب في الكلام موجود الآن، أنا إذا أردت أن أبعثك إلى بلد ما قلت: شوف لا يطلع الفجر إلا أنت في البلد الفلاني، أو لا تصلي الفجر إلا هناك، أيش المعنى؟
يعني يقعد ينم ولا تصلي الفجر إلا الظهر؟! لا، المعنى: أسرع.
الصحابة اختلفوا في الفهم يا إخوان، اختلفوا، والمصيب على القول الراجح من أقوال أهل العلم، المصيب من صلوا في الوقت.
آلى النبيُّ عليه الصلاة والسلام من أمهات المؤمنين شهرًا، آلى من زوجاته أمهات المؤمنين شهرًا أن لا يعاشرهن، ويش معنى آلى؟ معناه حلف، حلف عليه الصلاة والسلام أنه ما يعاشرهن شهرًا كاملًا، وهذا حدث هام في نظر الصحابة رضي الله عنهم، شاع الخبر أن الرسول صلى الله عليه وسلم طلق زوجاته حتى جاء عمر دخل المسجد وجد أناسًا عند المنبر يقولون: الرسول صلى الله عليه وسلم طلق زوجاته. ولكن عمر رضي الله عنه بعد ذلك استثبت ودخل على الرسول عليه الصلاة والسلام ووجد أن ما فيه طلاق، وإنما فيه اعتزال فقط؛ اعتزلهن شهرًا، هؤلاء الذين حدثوا عمر بأن الرسول طلق زوجاته معناه أنهم لم يفهموا القصة تمامًا ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: أنا أقول عودًا على كلامي الأول: يجب على من علم مسألة أن يتحقق من فهمها حتى يُبلغ الناس، لا يأخذها سطحيًّا ثم يروح يبلغ، قد يبلغ خطأً، ولكن تحقق من المسألة من عالم أو إن كنت تستطيع أن تستخلصها من الكتب من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام وما يتعلق بهما من تفسير أو شرح، فإذا تحققت أنها حق فبلغ وادعُ الناس إليها.
أقول: أيها الإخوة، هذه السورة العظيمة (الفاتحة) اشتملت على كل معاني القرآن الكريم، ولهذا تسمى بتسمية النبي صلى الله عليه وسلم لها أيش؟
الطلبة: أم القرآن.
الشيخ: تسمى أم القرآن، وأم الكتاب، وأم الشيء: مرجعه الذي يرجع إليه، كما قال الشاعر:

عَلَى رَأْسِهِ أُمٌّ لَنَا نَقْتَدِي بِهِ ................................

يعني علامة نتجه إليها ونقصدها، الفاتحة عندما تقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}ويش معناها؟ مَن يجيبني على معنى الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}؟ كلنا نقرؤها يا إخواني.
طالب: الوصف.
الشيخ: معناها الوصف الكامل بأكمل الصفات مستحق لمن؟
الطلبة: لله عز وجل.
الشيخ: لله عز وجل. لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}ويش معنى رب العالمين؟ الرب هو الخالق المالك المدبر، والعالَم من هم؟ لو سمحت أعطنا عالم، أيش معنى العالم؟
الطالب: (...).
الشيخ: هه اللي جنبه.
طالب: (...).
الشيخ: يا سبحان الله! العالم، رَبِّ الْعَالَمِينَ}؟ لو قلت لك: رب الخلق، تعرف الخلق ويش هو؟
طالب: مَن سوى الله.
الشيخ: من سوى الله، إذن العالَم، رَبِّ الْعَالَمِينَ}يعني كل المخلوقات، كذا ولَّا لا؟
الطلبة: صحيح.
الشيخ: فهمنا رب العالمين؛ يعني أنني أصف الله بأكمل الأوصاف؛ لأنه رب العالمين جل وعلا.
طيب الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}ويش معناها الرحمن الرحيم؟ قال العلماء: معنى الرحمن أي واسع الرحمة؛ الرحمن يعني واسع الرحمة؛ لأن كلمة (فعلان) تدل على الامتلاء والسعة، عندما نشوف واحد قد انتفخت أوداجه واحمرت عيناه وانفعل ويش نقول؟ نقول: غضبان؛ يعني ممتلئ غضبًا، شوف كلمة (فعلان) تدل على الامتلاء؛ أي أن الله عز وجل ذو رحمة واسعة.
الرَّحِيمِ}ويش معناها؟ الرحيم يعني الموصل الرحمة من يشاء.
يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ} [العنكبوت: ٢١] فاجتمع في هذين الاسمين الكريمين وصف الله عز وجل بسعة الرحمة، وأن هذه الرحمة قد وصلت إلى عباده المؤمنين وغير المؤمنين؛ لأن الله تعالى يرحم من يشاء ويعذب من يشاء، والرحمة العامة التي هي رحمة الدنيا للمؤمنين وللكافرين؛ فالكافر مرحوم رزقه الله وأمده وأعده، لكن في الآخرة ليس له رحمة وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: ١٥٦].
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}سؤال ما معنى؟ ما هو يوم الدين؟ كلكم تقرؤونها يا إخوان مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}يعني مالك يوم القيامة الذي فيه الجزاء على الأعمال. والسؤال: هل الله ما يملك الدنيا؟
طالب: يملك.
الشيخ: يملك الدنيا والدين، كل شيء يملكه عز وجل، لكنه ذكر يوم الدين يوم القيامة؛ لأنه لا ملك لأحد في ذلك اليوم، كما قال الله تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: ١٦] نحن في الدنيا لنا ملوك، أليس كذلك؟ لنا ملوك ولاهم الله علينا، ولكن في الآخرة ما فيه مالك إلا الله عز وجل، ما فيه من الخلق مالك أبدًا، ولهذا نقول: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}.
تدرون ماذا يتضمن قولنا: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}؟ يتضمن الإيمان باليوم الآخر والإيمان بالجزاء على الأعمال، وأن الذي يجازي على الأعمال مَنْ؟
الطلبة: الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: الله هو مالك يوم الدين.
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.
أولًا: أنا أسأل: ما هي العبادة؟ ولا أسمح لطلبة العلم أن يجيبوا عنها.
طالب: (...).
الشيخ: لا لا، طالب العلم لا أسمح أنه يجيب عنها، (...) طالب علم، ويش العبادة؟ أجيبوا عنها بالمثال، قولوا: مثل كذا ما هو بالتعريف، نعيِّن اللي نبغي نقومه يجيب؟ العبادة مثل؟
طالب: الصلاة.
الشيخ: أحسنت، العبادة مثل الصلاة، الصلاة عبادة ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب الزكاة؟
الطلبة: عبادة.
الشيخ: عبادة، الصيام، الحج، الوضوء، كله عبادة. إذن من هذه الأمثلة الكثيرة نستنتج أن كل ما أمر الله به لنتقرب به إليه فهو عبادة، إذن العبادة اسم جامع لكل ما أمر الله به للتقرب إليه، وكلمة للتقرب إليه؛ لأن الله قد يأمرنا بشيء لا للتقرب إليه ولكن لمصلحتنا الخاصة كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: ٣١] إِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: ٢] وما أشبه ذلك، الأصل في هذه الأوامر الإباحة، لكن مع ذلك ربما ينقلب الأكل والشرب عبادة، كيف يمكنك أن تجعل عشاءك الليلة عبادة يا أخ؟
الطالب: إذا كان نويت به التقرب إلى.. التقوى به بجسمك إلى طاعة الله.
الشيخ: الأكل والشرب يمكن يصير عبادة، كيف؟ عندما تأكل وأنت تريد امتثال أمر الله، تكون عبادة ولَّا لا؟
طيب عندما تأكل لتحفظ نفسك من الضرر تكون عبادة؟ لأن الله عز وجل يقول: لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: ٢٩] ولو الإنسان ما أكل حتى لمات جوعًا، عندما تأكل للتنعم بنعمة الله عليك عبادة؟ كيف عبادة؟! تنعم بنعمة الله عليك ويكون عبادة؟!
نعم، لأن الله إذا أنعم على عبده نعمة يحب أن يرى أثر نعمته عليه، ولأن الكريم إذا أُكلت مَكرمته أو تكرمته يحب ذلك ولَّا ما يحب؟
الطلبة: يحب.
الشيخ: لو واحد من الناس كريم قدم لكم طعام هل يحب أن تأكلوه ولا تبقوه؟
الطلبة: نأكله.
الشيخ: إي نعم، لكن لو واحد من الناس بخيل وقدم لكم خبز ما نقول يعنى ما نقول: يعني مرقوق، لكنه خبز، يمكن نقول: كل اثنين يأكلون واحدة فقط، علشان يرجع ببقية الخبز.
فالكريم يحب من الناس أن يتنعموا بكرمه فأنت الآن عندما تأكل تحب أن تتنعم بكرم الله عز وجل، وهذا لا شك أنه يقربك إلى الله.
رابعًا: إذا نويت بأكلك الاستعانة على طاعة الله أيش يكون؟
الطلبة: عبادة.
الشيخ: يكون عبادة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً».
إذن العبادة يا إخوان نرجع إلى الآية الكريمة إِيَّاكَ نَعْبُدُ}ما هي العبادة؟ كل ما يتقرب به الإنسان إلى الله عز وجل من الأعمال. وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}ويش معنى نستعين؟ ما معنى نستعين؟ أنت سيارتك غرّزت في النفوط، عندكم النفط قريب، غرزت السيارة في النفوط، شوفت اثنين يمشون أو ثلاثة أو أربعة قلت: تعالوا ساعدوني عليها، ويش هذا يسمى أيش؟
الطلبة: استعانة.
الشيخ: استعانة. إذن وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}يعني نطلب العون منك على أي شيء؟ على العبادة وعلى جميع الأمور. وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}أي نطلب العون منك.
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} {اهْدِنَا}الآية الكريمة يقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ}ولم يقل: اهدنا إلى الصراط، وقد قال الله لنبيه: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: ٥٢] ولم يقل: وإنك لتهدي صراطًا مستقيمًا، لكنه قال لنبيه أيضًا وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [الفتح: ٢].
ما الفرق بين (هداه إلى الصراط) و(هداه الصراط)؟ الفرق بينهما؛ (هداه إلى الصراط) دلَّه إليه فقط دلالة، و(هداه الصراط) أي: هداه إليه وفيه؛ ولهذا حُذف حرف الجر ليكون عامًّا.
فمعنى اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}: دلنا عليه ووفقنا للعمل به، فتكون في هذا الدعاء سائلًا الله العلم النافع ويش بعد؟
الطلبة: والعمل.
الشيخ: والعمل الصالح. ثم الْمُسْتَقِيمَ}، الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، فيه الصراط المعوج؟ نعم، كل ما خرج عن دين الله فهو صراط معوج، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: ١٥٣] فكل ما خرج بك عن سبيل الله فهو من غير الصراط المستقيم.
متابعة المؤذن سنة مؤكدة أن تقول مثل ما يقول إلا في (حي على الصلاة) (حي على الفلاح) فتقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، والمراد بــ(لا حول ولا قوة إلا بالله) الاستعانة بالله عز وجل؛ يعني أنك تتبرأ من الحول والقوة إلا بالله عز وجل، إذا لم يقوِّك الله عز وجل على طاعة الله ما تستطيع، والرجل المؤذن يقول (حيّ) بمعنى أيش؟
طالب: أقبل.
الشيخ: يعني أقبل، الإقبال على الطاعة لا بد له من معونة الرب عز وجل فتقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وفي قول المؤذن في صلاة الفجر (الصلاة خير من النوم) تقول: الصلاة خير من النوم؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «قُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» ولم ترد السنة بالاستثناء إلا في (حي على الصلاة)، (حي على الفلاح)، وأما قول بعض العلماء أنك تقول: صدقت وبررت، فلا وجه له، لا شك أنه صادق في قوله: (الصلاة خير من النوم) كما أنه صادق في قوله: (الله أكبر) ولكننا نقول: تقول مثل ما يقول (الصلاة خير من النوم).
إذا كنت في صلاة هل تجيب المؤذن؟
طالب: لا (...).
الشيخ: إي نعم، لا تجيب المؤذن؛ لأنك مشغول بصلاتك، لكن إذا انتهيت فقد قال العلماء: إن المصلي والمتخلي-المتخلي اللي في بيت الخلاء- يقضيانه؛ يقضيان متابعة المؤذن، فإذا فرغت تقول: اللهم صلِّ على محمد، اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد .
هل تجيب المؤذن في حال الخطبة؟ في حال خطبة الصلاة يوم الجمعة؟ إن قلت: لا أخطأت، وإن قلت: نعم أخطأت، هل تجيب المؤذن والإمام يخطب يوم الجمعة؟
طالب: ما يخالف.
الشيخ: الجواب: ما فيه أذان يوم الجمعة والإمام يخطب.
طالب: ما فيش أذان ساعة الجمعة. ما فيه أذان عند الخطبة.
الشيخ: لكن ما فيه أذان والإمام يخطب إلا كان بمسجد آخر، أقول لكم: يمكن.
طيب إذا دخلت يوم الجمعة والمؤذن يؤذن هل تصلي تحية المسجد أو تجيب المؤذن وبعد الفراغ تصلي تحية المسجد؟
من العلماء من قال: تجيب المؤذن، وبعد الفراغ تصلي تحية المسجد، ومنهم من يقول: تصلي تحية المسجد وتستمع للخطبة؛ لأن استماع الخطبة أهم؛ حيث إن الاستماع للخطبة واجب، وإجابة المؤذن -على القول الراجح- ليست بواجبة، هذا من جهة، من جهة أخرى أنك إذا بادرت وأتيت بالركعتين وهو يؤذن كان أفضل؛ فالمبادرة بهما أفضل من التأخر، وعلى كل حال الذي أدعو نفسي وإياكم إليه أن لا نُفوت هذه الفرصة؛ نتابع المؤذن ونقول مثلما يقول، إلا في الحيعلتين، ثم نصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة، إلى آخره، فإن من فعل ذلك فما جزاؤه؟ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» اللهم اجعلنا من هؤلاء.
نعود إلى الفاتحة وأنا حاسس إني بأكمل الصلاة، لكن ما أدري يمكن ما (...) نكمل كل أركان الصلاة.
يقول الله عز وجل: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}
من الذين أنعم الله عليهم؟ ممكن نسأل واحد يعرف قرأ القرآن، تمام.
طالب: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: ٦٩].
الشيخ: نعم، أخوكم يقول: إن الذين أنعم الله عليهم هم المذكورون في قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}منين؟ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ}.
كم صنف؟ أربعة أصناف؛ القرآن يفسر بعضه بعضًا، فإذا سألك سائل: من الذين أنعم الله عيهم؟ اقرأ عليه الآية الثانية: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ}. النبيون يدخل فيهم الرسل؛ لأن كل رسول فهو نبي، ولا عكس، الصديقون كأبي بكر، الشهداء كعمر وعثمان وعلي وغيرهم كثير، لكن هذا على سبيل التمثيل.
صعد النبي صلى الله عليه وسلم جبل أحد، وكثير منكم يعرفون جبل أحد، أين يقع؟ في مكة؟
الطلبة: في المدينة.
الشيخ: في المدينة؟ نعم في المدينة، صعد النبي صلى الله عليه وسلم عليه، ارتج الجبل بالرسول عليه الصلاة والسلام هو وأبو بكر وعمر وعثمان أربعة ارتج بهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اسْكُنْ أُحُدُ؛ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» اللهم صلِّ وسلم على رسول الله، الله أكبر، الجبل ارتج، يظهر لي -والله أعلم، والعلم عند الله- أنه ارتج فرحًا بهؤلاء الذين ركبوا على ظهره أو لإظهار آية من آيات الله، فقال: «اسْكُنْ أُحُدُ؛ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» أبو بكر الصديق، والشهيدان: عمر وعثمان؛ عمر رضي الله عنه شهيد الصلاة؛ طُعن وهو بين يدي ربه عز وجل، كان رضي الله عنه إذا دخل المسجد يسوي الصفوف كما كان إمامنا ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام يسوي الصفوف، أتدرون كيف يسويها الرسول عليه الصلاة والسلام؟ يسويها بيده؛ يمسح المناكب والصدور حتى تكون مستوية تمامًا، ولما كثر الناس أقام عمر وعثمان رجالًا ينظرون الصفوف، فإذا جاؤوا وقالوا: استوت الصفوف كبّر، أنتم قد تستغربون على بعض الأئمة إذا أبطأ يقول: استووا، ويسوي الصفوف، وهذا لا غرابة فيه، في رواية أبي داود يقول: فَإِذَا اسْتَوَيْنَا كَبَّرَ ، لما تقدم وكبر لصلاة الفجر رضي الله عنه صرخ وقال: أَكَلَنِي الْكَلْبُ ، مو هو بيعني الكلب البهيم هذا؛ يعني هذا الخبيث اللّي هو أخبث من الكلب؛ وهو أبو لؤلؤة المجوسي؛ لأن المجوس لا شك أن في صدورهم حنقًا على مَن؟
على شريعة الإسلام، وخصوصًا على عمر الذي أسقط الله على يديه إيوان كسرى، فطعن عمر بخنجر له وجهان وممساكة في الوسط؛ لأنه هو الخبيث يبغي عشان كل ما أحد جاء حوله قال هكذا وهكذا، ولكن الصحابة لحقوه، وطعن أكثر من عشرة، ولكنهم ألقوا عليه بساطًا حتى نحر نفسه والعياذ بالله، عمر شهيد الصلاة، عثمان شهيد المصحف، دخل عليه الخوارج وهو يقرأ فقتلوه في بيته، حتى ذكر بعض المؤرخين أن قطرة من دمه سقطت على قوله تعالى: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: ١٣٧].
«نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» لكن قد تقول: كيف الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أعقل الناس يخاطب جمادًا يقول له: «اسْكُنْ» ؟ فالجواب: هذا الجماد يعقل؛ الدليل قال الله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: ٤٤] كل شيء يسبح الله بلسان الحال ولَّا بلسان المقال؟
الطلبة: (...).
الشيخ: بلسان الحال والمقال، إلا في الكفار من بني آدم ومن الجن فيسبحون الله بلسان الحال دون لسان المقال، وأيضًا الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» الله أكبر، حكمة عظيمة، هذا المكان لو كان في زمن المتأخرين يتخذونه شؤمًا؛ لأنه حصل بها أيش؟ حصل فيها ما حصل على المسلمين من الاستشهاد والقتل والجراحة والتعب والنصب. أقول: لو عند هؤلاء المتأخرين كان هذا المكان يكون مشؤمًا عندهم، لكن الرسول قال في أحد: «جَبَلٌ يُحِبُّنَا» وليس بغريب أن يحب رسول الله والمؤمنين، لكن: «وَنُحِبُّهُ» أثبت للجبل إرادة ولَّا لا؟ ويش هي؟ المحبة، جماد يحب النبي عيه الصلاة والسلام والمؤمنين. وأيضًا لعل بعضكم سمع قصة وقعت لموسى عليه الصلاة والسلام، موسى نبي الله، وكان بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى صلى الله عليه وسلم لا يغتسل عريانًا أبدًا، ما يغتسل بحضرة أحد، ويش قال بنو إسرائيل؟ قالوا: موسى لولا أنه فيه بلاء ما راح يتستر عنا عند الاغتسال، إن موسى آدر، ويش معنى (آدر)؟ أي كبير الخصية، شوف والعياذ بالله بني إسرائيل يقولون لنبيهم ها الكلام!!
أراد الله عز وجل أمرًا ليس باختيار موسى، دخل موسى يومًا يغتسل ووضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه، هرب، الله أكبر!! فجعل موسى يتبعه يركض وراءه يقول: «ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ» ، يعني (...) ثوبه، يخاطب الحجر، كيف يخاطبه وهو حجر؛ لأن الحجر ركض بثوبه، هرب به حتى وصل إلى الملأ من بني إسرائيل وشاهدوا موسى فإذا موسى سليمًا بريئًا مما قالوا، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا} [الأحزاب: ٦٩]. فإذا موسى سليم عليه الصلاة والسلام، لما شاهد الناس وقف الحجر، فأخذ موسى ثوبه وجعل يضرب الحجر، كيف يضربه وهو حجر؛ لأنه في نظر موسى أساء إليه حيث هرب بثوبه وجعل بني إسرائيل ينظرون إلى عورته، ما أدري لما كنا صغار إن منا طحنا، نحن صغار إذا طحنا بحجر ولَّا شيء، جاءت الأم تضرب الحجر، تضربه تقول: اديني أدقه عشان تسكتنا، هل هذا من هذا القبيل ولَّا لا؟
الشيخ: لا؛ لأن ذاك آية من آيات الله، لكن هذا ما نعرف أيش؟ مجهول لدينا.
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}قد تقول: ألا يُكتفى بقوله: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}؛ لأن الذين أنعم الله عليهم هم الأصناف الأربع الذين علموا الحق وعملوا به، فكيف جاءت غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}؟ نقول: هذا من باب تأكيد كمال المثبت، ما هو المثبت؟ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}. حتى لا يكون في هذا الصراط ولا جزء يسير من صراط المغضوب عليهم والضالين، فهذا من باب تأكيد الكمال، وأظن كثيرًا من طلبة العلم يفهمون الآن أن صفات الله السلبية النفي تتضمن ثبوت كمال ضدها، فإذا قيل: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: ٤٩] فالمعنى أنه لكمال عدله ليس هناك ظلم في فعله ولا في حكمه.
إذن غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}تأتي لأجل كمال ذلك الإثبات في قوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}حتى لا يكون في هذه الهداية شيء من الضلال أو شيء من موجبات الغضب. وأرجو الله عز وجل أن ينفعني وإياكم بما سمعنا من هذه السورة العظيمة المتضمنة لمعاني القرآن على سبيل العموم، وفي الحقيقة لو أن أحدًا من الناس تيسر له أن يقرأ هذه السورة عن تمعُّن ونظر ومراجعة لكلام أهل العلم فيها لوجد فيها معاني عظيمة جدًّا، ولهذا هي أم الكتاب التي لا بد من قراءتها في كل ركعة من الصلاة، ومع ذلك فهي رُقية عظيمة للمرء.
نزل الصحابة يومًا وهم في سرية بعثهم النبي عليه الصلاة والسلام على قوم، نزلوا على قوم واستضافوهم الصحابة استضافوا الجماعة دول، لكنهم ما أعطوهم الضيافة، وهذا لؤم وبخل، العرب في جاهليتها تكرم الضيف، لكن هادولا ما أكرموا سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بعثها الرسول، ليس معهم لكن بعثهم.
ماذا حصل؟ قدَّر العزيز الحكيم جل وعلا أن لُدِغ رئيسهم، لدغته حية، نظروا من يقرأ، قالوا: لعل هؤلاء الركب الذين جاؤوا لعل فيهم من يقرأ، ابعثوا بهم، ابعثوا إليهم، فجاؤوا إليهم، قالوا: فيكم أحد يقرأ؟ قالوا: نعم، فينا أحد يقرأ، قالوا: اقرؤوا على سيدنا أو صاحبنا. قالوا: ما نقرأ، أنتم أضعتم الواجب وفرطتم الواجب عليكم بالضيافة ما نقرأ إلا بجُعل. قالوا: جعل نعطيكم هذا الغنم، نعطيكم هذا القطيع من الغنم، قالوا: طيب إذن نقرأ، فذهب أحدهم إلى هذا اللديغ، وجعل يقرأ عليه الفاتحة؛ سورة الفاتحة، فقام هذا اللديغ الذي لدغته أيش؟ نملة صح نملة ولَّا لا؟ عقرب؟ زُنبور؟ حيّة حيّة، قام لما قرأ الفاتحة كأنما نُشط من عقال، ويش معنى (نشط من عقال)؟ يعني كأنه بعير فُك عقاله فقام، ما فيه إلا العافية، بس بقراءة الفاتحة، لكن الصحابة لورعهم قالوا: ما يمكن نأكل من هذا الغنم حتى نرجع إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ونسأله، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم: «خُذُوا» أو قال: «كُلُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» سبحان الله!! شوف قال: «اضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» لماذا؟ لأجل أن يطمئنوا؛ لأن المفتي إذا فعل ما يفتي به صار ذلك أبلغ طمأنينة في المفتَى، ولهذا يذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حين حاصر التتار حاصروا دمشق في رمضان، العلماء قالوا: ما يمكن تفطرون، يقولوا للجند: ما يمكن تفطرون، لستم مرضى ولا على سفر، ما نرى لكم رخصة في الإفطار، قاتِلوا وأنتم صائمون، قالوا: يا جماعة نتعب، قالوا: قاتلوا، لا تفطروا، الله يقول: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [البقرة: ١٨٤]، أنتم لا أنتم مرضى ولا على سفر، لكن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: لا، أفطروا، أفطروا وكلوا، تستعينوا بذلك على القتال. واستنبط ذلك رحمه الله من غزوة الفتح، غزوة الفتح نعلم جميعًا أن الرسول خرج إليها متى؟ في رمضان، وصام الناس وأمرهم بالفطر، ثم لما دنوا من عدوهم قال: «إِنَّكُمْ لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا فَأَفْطِرُوا؛ فَإِنَّ الْفِطْرَ أَقْوَى لَكُمْ» ما قال: فإنكم مسافرون، الفطر أقوى «لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا فَأَفْطِرُوا؛ فَإِنَّ الْفِطْرَ أَقْوَى لَكُمْ» فأفطر الصحابة. كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وجزاه عن الإسلام خيرًا كان بين الجنود وهو رجل شجاع وعالم، كان بين الجنود يمشي في رمضان ومعه كِسرة خبزة يأكلها أمام الناس علشان أيش؟
لأجل أن يطمئنوا ويعلموا أن هذا الرجل أفتى عن قناعة، وهكذا الرسول صلى الله عليه وسلم قال قبله، وهو إنما فعله اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ قال: «اضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» . ثم قال للذي قرأ الفاتحة على هذا اللديغ قال: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ» أنها رقية، إذن فأحسن ما نقرأ على مرضانا وعلى من أُصيب منا في مثل هذه الأمور أيش نقرأ عليه؟
الطلبة: الفاتحة.
الشيخ: الفاتحة، لكن نسأل الله أن يرحم ضُعفنا، يمكن يجي واحد يقرأ الفاتحة عشرين مرة ما يستفيد المريض لماذا؟ هل لأن الفاتحة غير الفاتحة الأولى ولَّا لأن القارئ غير القارئ؟ القارئ غير القارئ.
والقراءة لا تنفع إلا بثلاثة شروط: قابلية المحل، وأهلية القارئ، وصلاحية القراءة، بثلاثة شروط، فلو قرأ الإنسان ما لا يصلح من هذه العزائم وما أشبه ذلك ما تنفع، ولو كان الإنسان المقروء عليه غير قابل -وهو ما نقول عنه: قابلية المحل- ما نفع؛ يعني لو قرأت على مريض والمريض بيشك، قال: والله ما أدري عن هذه القراءة، أروح المستشفى أحسن، ينتفع ولَّا ما ينتفع؟
ما ينتفع، ولو كان القارئ غير أهل ما نفعت أيضًا، فلا بد من أهلية القارئ وقابلية المحل وصلاحية المقروء بمعنى أنه ثبت به الشرع وإلا فإنه لا ينفع، لو قرأت ألف مرة وأنت في شك ما نفعك، وبالمناسبة أحب أن أبيِّن أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأن «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ حَتَّى يُصْبِحَ» فينبغي أن نقرأها كل ليلة لكن بإيمان، ما كل واحد يقول: أبغي أجرب دي تنفع ولَّا ما تنفع، اللي يقول: أبغي أجرب معناه الشك، يقرؤها الإنسان بإيمان؛ بأنه إذا قرأها لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح، وآية الكرسي معروفة في أول الجزء الثالث من القرآن.
ولعل الشيخ عبد الله الآن كأنه في يده شيء من الأسئلة ولنقتصر على هذا، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يتوفانا على الإيمان، اللهم صلِّ وسلِّم على رسول الله.
الطالب: جزى الله فضيلة الشيخ عنا كل خير، وأمد الله في حياته على عمل صالح، ونفعنا بما سمعنا، وجعل ما قال في موازين أعماله يوم يلقى الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: آمين.
الطالب: أيها الأحباب، الأسئلة كثيرة جدًّا، والإخوة الذين فرزوا الأسئلة حرصوا على استيفاء أكثرها ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفق الشيخ للإجابة على جميع ما فرز منها.
الشيخ: وعلى الصواب.
الطالب: وعلى الصواب إن شاء الله أن يهديه للصواب في القول.
الطالب: هذه شابة تسأل تقول: في وجهي شامة في الجبهة وهي تُكلل الجبهة كلها، وأريد أن أزيلها بعملية جراحية، هل يسوغ ذلك أم لا؟
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
الجواب: نعم، يجوز للإنسان إذا كان فيه عيب في الخِلقة أن يزيل ذلك العيب؛ فالشامة إذا كانت في الجبهة كما ذكرت السائلة وكانت قد عمت الجبهة أو أكثرها أو شوَّهت المنظر فإنه يجوز لها أن تزيلها بعملية جراحية بشرط أن لا يلحقها ضرر في بدنها، فإذا قال الأطباء: ممكن إزالة هذا بالعملية فلا حرج في ذلك، وهكذا لو كان في الإنسان أسنان متراكبة بعضها راكب لبعض وتؤذيه عند الأكل أو تشوه منظره فلا حرج عليه أن يزيل ذلك الراكب، وأما تجميل الأسنان بالوشر والتصغير؛ يصغرها فإن ذلك محرم، بل ومن كبائر الذنوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لَعَنَ الْوَاشِرَةَ وَالْمُسْتَوْشِرَةَ ففرق بين أن يتخذ الإنسان شيئًا يجمل أو أن يعمل شيئًا يزيل العيب، فإزالة العيب لا بأس بها، وأما زيادة التجميل فإنها لا تجوز وقد أذِن النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قُطع أنفُهُ أن يتَّخذَ أنفًا من فضَّةٍ فأنتَنَ فاتَّخذَ بدَلَهُ أنفًا من ذسهَبٍ.
الطالب: جزاكم الله خيرًا. فضيلة الشيخ، كثر الكلام حول اللوحات التي كُتب عليها آيات قرآنية، هل يجوز بيعها وشراؤها، وإذا تورط المسلم فيها في شرائها، فهل يلزم من باعها بإعادتها إليه، أم يبيعها، أم ماذا يتصرف فيها؟ أفيدونا أثابكم الله.
الشيخ: الإجابة على هذا السؤال؛ أولًا: الواقع أن هناك لوحات متعددة، وكل هذه اللوحات واردة علينا وجديدة في ديننا، ولم تكن في عهد الصحابة ولا مَن بعدهم من التابعين الذين هم خير القرون، وتعليقها على الجدر تزيينًا للجدار لا شك أن هذا ابتذال لكلام الله عز وجل، كيف تجعل كلام الله الذي هو أشرف الكلام تجعله نقوشًا في بيتك؟ وتعليقها للتبرك بها هذا أيضًا من البدع، الصحابة ما كانوا يتبركون بالقرآن على هذا النحو، وتعليقها لتحميك وتحفظك هذا أيضًا من البدع؛ فالصحابة ما كانوا يحتمون بما يعلقونه ببيوتهم، ثم إنه يصد الإنسان عن المشروع وهو أن يقرأ القرآن هو بنفسه يقول: بدل من أني أقرأ آية الكرسي كل ليلة أعلقها في الحجرة يكفي، ثم إن فيها امتهانًا للقرآن من جهة أخرى؛ فإن هذا المجلس قد يكون مجلس سوء، قد يكون فيه غيبة أو لعب محرم، أو ما أشبه ذلك، فيكون في هذا نوع من الاستهزاء بآيات الله عز وجل، وقد صدر فتوى من الهيئة الدائمة للبحوث العلمية بمنع مثل هذا الشيء، وأقبح من ذلك أنه يوجد أواني صغيرة مكتوب عليها آية الكرسي، منقورة نقر، هذا لا شك أن فيه امتهان للقرآن إناء يُلقى في الأرض، وربما يُضرب بالرجل، وربما يأخذه (...) الصغير، يكتب فيه آية من أعظم الآيات، بل هي أعظم آية في كتاب الله؛ آية الكرسي، فالذي أراه أنه لا ينبغي تعليقها إطلاقًا، وأن الإنسان إذا كان عنده شيء منها أن يحرقه، ولا حرج عليه في ذلك؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم أحرقوا نسخ القرآن التي اتفقوا على خلافها، وهي ما فيها اختلاف، لكن فيه بعض السور تقدم على بعض، وبعض اللهجات وما أشبه ذلك، وإذا كان الإنسان قد اشتراها من قبل أن يعلم بالحكم فالشراء صحيح؛ لأنه ما علم بأنها حرام، وظن أن ذلك من المباح، ولكنه كما قلت: يحرقها الآن، وإذا كان لا يمكن إحراقها فليطمسها بأن يرشها بالبوية حتى تزول الكتابة، وهناك شيء آخر يعلقه بعض الناس أيضًا، فيه بعض اللوحات مكتوب (الله) على اليمين، (محمد) على اليسار، موجود هذا ولَّا لا؟
طالب: موجود.
الشيخ: طيب الإنسان اللي يشاهد اللوحة هذه، يقول: إن الله ومحمدًا سواء، وأن محمدًا ند لله عز وجل، نسأل الله العافية، الله عز وجل لا نِدَّ له، ولهذا لما قال رجل للرسول عليه الصلاة والسلام: ما شاء الله وشئت. ماذا قال الرسول له؟ قال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا!» . والاستفهام هنا للإنكار، «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا! بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» كيف يكون أمامنا (الله - محمد)، كما لو كُتب (الملك - ولي العهد)؟ ما هو صحيح هذا، هذا خطأ، لا يجوز تعليق هذا إطلاقًا، ويجب أن تزال وأن تُكسر؛ لأنها واضح أن فيها شركًا، ترضى أن تعلق في بيتك ما يتضمن الشرك بالله؟
ما أظن أحدًا يرضى بذلك، ثم لو فرض أنك علقت كلمة (الله) بس، الله، أنا أخشى أن تكون هذه الكلمة مأخوذة من الصوفية، الصوفية كيف ذكرهم لله؟
يقولون: الله الله الله الله الله، والغالي منهم ما يقول: الله، لا يصح تقول: الله، إذا قلت: الله أشركت أو عطلت، ويش أقول؟ قال: هو هو هو هو هو، هذا ذكرهم ويش معنى (هو هو) عندهم؟ يعني هو الكون كله؛ ولذلك الصوفية تؤدي بأصحابها إلى القول بوحدة الوجود نسأل الله العافية، وأن الكون شيء واحد؛ فالرب هو المربوب والخالق هو المخلوق؛ لهذا أقول أنا أولًا: إنكاري لهذه اللافتات إذا قرن الله بمحمد صلى الله عليه وسلم، فإن هذا نوع من الشرك فيجب إزالته، إذا كُتب (الله) وحده فهذا ليس بمشروع، وهو بدعة، ويش معنى أنك تقول: (الله) بس؟ أو حتى لو قلت: الله جل جلاله، ويش معنى هذا؟
فلهذا كل هذه إنما جاءت من هؤلاء الجهَّال من الباكستانيين وغيرهم الذين اتخذوا مثل هذا الشيء سلعة لأجل أن عواطف المسلمين تحب الإسلام وتحب الله عز وجل، وتحب الرسول، وتحب أن تشاهد اسم الله واسم الرسول، لكن لا بد في العبادة من أن تكون مبنية على الاتباع لا على الابتداع؛ فالذي أنصح إخواني المسلمين به أن يدعوا ذلك كله، ولا تظنوا أنني حينما مثَّلت بأن هذه ترد من باكستان أن معناها أنها تختص بهؤلاء لا، تأتي من الباكستان ومن غير الباكستان؛ فهي قد تأتي من عدة جهات، ولا يهمنا أن تأتي من الجهة الفلانية أو الفلانية إنما يهمنا هل توافق الشرع أو لا توافقه.
طالب: طيب بالنسبة لكتابة الآيات في المساجد؟
الشيخ: الحكم في المساجد وغيرها سواء، فكتابة الآيات في المساجد صحيح أن المكان لا يمتهن في الغالب مع أنه قد يمتهن المسجد، يوجد ناس من الإخوان الطيبين اللي يتقدمون إلى المسجد يجلس بعضهم إلى بعض وهم ناس طيبون، ثم يتكلمون في أعراض الناس، هل هذا ما موجود؟ يمكن يوجد، ما أقول موجود مئة بالمئة، لكن يمكن يوجد، التكلم في أعراض الناس من كبائر الذنوب، كبيرة من كبائر الذنوب، ما تغفر إلا بتوبة، لا تكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة، ما تُكفر إلا بتوبة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ» من يعرف تكملة الحديث؟ «مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» والغِيبة من كبائر الذنوب، قال الله عز وجل: وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا}أكمل الآية أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} [الحجرات: ١٢]. تصوَّرْ هذه الحالة: أخوك -إن شئت من الدين، وإن شئت من النسب- قُدّم لك ميتًا، هل يمكن تقطع لحمه وتاكله؟ قل لي: يمكن ولَّا ما يمكن؟
الطلبة: لا.
الشيخ: أبدًا مستحيل، ولهذا قال الله عز وجل: فَكَرِهْتُمُوهُ}. والذي يغتاب أخاه كالذي يأكل لحمه ميتًا، لماذا لم يقل: أن يأكل لحم أخيه حيًّا؟ لأيش قال: مَيْتًا}؟
لأن المغتاب غير حاضر ما يدافع عن نفسه كما أن الميت لا يدافع عن نفسه، ولأجل المبالَغة في التنفير من هذه الخصلة الذميمة، ومع ذلك الله يهدينا جميعًا وينجينا من الناس وينجي الناس منا نجد أن كثيرًا من الناس أهل الخير والدين لا يهتمون بغِيبة الناس.
الطالب: أثابكم الله، فضيلة الشيخ، نسمع كثيرًا عن زرع الأعضاء وتبادلها وبيعها وإهدائها، فما حكم ذلك جزاكم الله خيرًا؟
الشيخ: الحكم في ذلك صدر فيه فتوى من هيئة كبار العلماء فيما أظن، وأظنها نُشرت في مجلة البحوث، وأما علماء الحنابلة -رحمهم الله- فقد صرحوا بأن ذلك حرام، وقالوا: لا يجوز أن يقطع عضو من ميت ولو أوصى به، وقد ذكر ذلك صاحب الإقناع في كتاب الجنائز؛ لأن الإنسان محترم، والإنسان نفسه أمانة عنده، لو أن أحدًا قال: أنا جسمي لي أبغي أحرقه بالنار ويش يصير؟ حرام ولا حلال؟
الطلبة: حرام حرام.
الشيخ: حرام، لو قال: جسمي لي أبغي أذبحه، قلنا: افعل وستُعذب بما قتَلت به نفسك في نار جهنم، حرام عليك.