تفسير سورة البقرة - 4
عدد الزيارات 6452

عناصر المادة :
تفسير الآية (26)
تفسير الآية (27)
تفسير الآية (28)
تفسير الآية (29)
تفسير الآية (30)
تفسير الآيتين (31-32)

الجنة أهلها خالدون فيها بإجماع أهل السنة أبد الآبدين، والنار كذلك على القول المتعين، ما هو الراجح أنها تفنى، النار على القول المتعين أنها لا تفنى، وأنها باقية أبد الآبدين بنص كلام رب العالمين عز وجل، وقد بيّنّا أن الله نص على ذلك في ثلاث آيات من كتاب الله، وكررنا هذا كثيرًا وما كنا نظن أن أحدًا من الناس يقول بأنها تفنى من أهل السنة والجماعة، وقد استغرب شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله كون ابن القيم -عفا الله عنه- حاول أن يرجح القول بفنائها في كتابه شفاء العليل، وقال شيخنا: إن هذه تعتبر كبوة من هذه الجواد وغلطًا عظيمًا. كتبه على هامش الكتاب، ولا شك أن ما قاله شيخنا حق، وأن الإنسان يستغرب أن مثل هذا الفحل من العلماء يذهب هذا إلى تقوية هذا المذهب وإن كان لم يصرح بأنه اختاره، لكن يذهب إلى تقويته مع أنه باطل بنص القرآن: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]، وقال تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣]، كيف يصح لنا أو يستقيم لنا أن نقول: إن النار تفنى، والله تعالى يقول: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، ما الفائدة من قوله: أَبَدًا؟ على كل حال مذهب أهل السنة والجماعة الذي يكاد يكون إجماعًا هو أن النار لا تفنى، كما أن الجنة لا تفنى بالاتفاق الواضح.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان لو أمضى عمره بطاعة الله عز وجل راكعًا ساجدًا قائمًا لكان ذلك قليلًا بالنسبة لهذا الثواب العظيم الذي يحصل له في يوم يشقى فيه من يشقى من عباد الله، ويكون في نار الجحيم والعياذ بالله، فنسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته. جزاكم الله خيرًا.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لو قال المخالف: إن المقصود بقوله عز وجل: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِأن ذلك في الشرائع، وإلا فالحجة قائمة في التوحيد وفي أصول الدين بالميثاق والفطرة كما قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣] فهنا أثبت أنه الميثاق..؟
الشيخ: الميثاق الذي أُخِذ عليهم أن يؤمنوا بما جاءت به الرسل، فلا بد من الرسل، والآية عامة رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥] عامة، وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥]، وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا [القصص: ٥٩]، وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص: ٥٩]، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ [التوبة: ١١٥]، والآيات في هذا كثيرة.

***

تفسير الآية (26)

طالب:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا [البقرة: ٢٦].
الشيخ: لا مَثَلًاقف.
الطالب: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: ٢٦ - ٢٨].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا، لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا، ولو كان مثلًا حقيرًا ما دام يثبت به الحق فالعبرة بالغاية، وقوله: أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا، كلمة (ما) هنا يقولون: إنها نكرة واصفة، أي: مثلًا أيّ مثل، وقوله: بَعُوضَةًعطف بيان لـ(ما)، أي: مثلًا بعوضة فما فوقها، وقوله: بَعُوضَةًالبعوضة معروفة، ويضرب بها المثل في الحقارة.
وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية : أن المشركين اعترضوا كيف يضرب الله المثل بالذباب في قوله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣]، قالوا: ذباب يذكره الله عز وجل في مقام المحاجة؟! فبيّن الله عز وجل أنه لا يستحيي من الحق، حتى وإن ضرب المثل بالبعوضة فما فوقها.
وقوله: مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا، فَمَا فَوْقَهَاهل المراد بما فوق أي فما فوقها في الحقارة، فيكون المعنى أدنى من البعوضة، أو فما فوقها في الارتفاع فيكون المراد ما هو أعلى من البعوضة؟ فأيهما مثلًا أعلى خلقة الذباب أو البعوضة؟ الذباب أكبر وأقوى لا شك، لكن مع ذلك يمكن أن يكون معنى الآية فما فوقها، أي فما دونها؛ لأن الفوقية تكون للأدنى وللأعلى، كما أن الوراء تكون للأمام وللخلف، كما في قوله تعالى: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا [الكهف: ٧٩].
بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُأي المثل الذي ضربه الله الحق من ربهم، ويؤمنون به، ويرون أن فيه آيات بينات، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا؛ لأنه لم يتبين لهم الحق لإعراضهم عنه، وقد قال الله تعالى: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٣، ١٤]، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا، مَاذَا أَرَادَ اللَّهُكلمة (ما) هنا اسم موصول؟
الطلبة: استفهام.
الشيخ: استفهام، و(ذا) اسم إشارة، أي ما هذا أراد الله، ولكن يقال: إن (ذا) هنا اسم موصول، أي: ما الذي أراد الله بهذا مثلًا؟ كما قال ابن مالك:
وَمِثْلُ مَا ذَا بَعْدَ مَا اسْتِفْهَامِ أَوْ مَنْ إِذَا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلَامِ

فلنا في إعرابها وجهان: أن نجعل (ماذا) كلمة واحدة، ونقول: كلها اسم استفهام، أو أن نجعل (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(الذي) خبره، أي ما الذي أراد الله بهذا مثلًا؟
طالب: (ذا) يا شيخ.
الشيخ: نعم (ذا)، (ذا) التي بمعنى (الذي).
مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا، مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَاحال كونه مثلًا، فـ (مثلًا) هذه حال مِن (ذا)، قال الله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًاهذا ليس من قول الذين كفروا، ولهذا ينبغي الوقوف على قوله: مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا، يُضِلُّ بِهِأي بالمثل، كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، فذكر الله عز وجل أن الناس في مقابلة الأمثال ينقسمون إلى قسمين: قسم يضل -والعياذ بالله- وقسم يهتدي، فمن الذي يضل؟ قال: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ؛ لأن الله تعالى لا يُضل أحدًا إلا إذا كان فيه زيغ كما قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]، فليس إضلال من يضله الله عز وجل لمجرد المشيئة، بل لأنه ليس أهلًا للهداية، فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَأي الخارجين عن طاعة الله، والمراد هنا الخروج المطلق الذي هو الكفر؛ لأن الفسق قد يراد به الكفر، وقد يراد به ما دونه، ففي قوله تبارك وتعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ [السجدة: ٢٠]، المراد بالفسق هنا أيش؟ الكفر، وكذلك هنا المراد به الكفر.
في هذه الآية الكريمة: إثبات الحياء لله؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا، وهل الحياء الثابت لله كحياء المخلوق؟ لا؛ لأن حياء المخلوق انكسار لما يدهمه أي يدهم الإنسان ويعجز عن مقاومته، فتجده ينكسر ولا يتكلم، أو لا يفعل الشيء الذي يستحى منه، وقد جاء في السنة إثبات الحياء صريحًا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ» ، ولكن كما هي القاعدة عندنا أن كل صفة أثبتها الله لنفسه فهي مفارقة لصفات المخلوق؛ لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١].
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يضرب الأمثال؛ لأن الأمثال أمور محسوسة يُستدل بها على الأمور المعقولة، انظر إلى قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا [العنكبوت: ٤١]، هل هذا البيت يمنعها (...) من كوارث الدهر؟ لا، وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ، وقال تعالى: وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ [الرعد: ١٤]، إنسان بسط كفيه إلى الماء، غدير مثلًا أو نهر، بسط كفيه هكذا إلى الماء يريد أن يصل الماء إلى فمه، هذا لا يمكن، هؤلاء الذين يمدون أيديهم إلى الأصنام كالذي يمد يديه إلى النهر ليبلغ فاه، فالأمثال لا شك أنها تقرّب المعاني إلى الإنسان؛ إما لفهم المعنى، وإما لحكمتها وبيان وجه هذا المثل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن البعوضة من أحقر المخلوقات؛ لقوله: بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا، ومع كونها من أحقر المخلوقات فإنها تقضّ مضاجع الجبابرة، أليس كذلك؟ نعم، وربما تهلك لو سُلِّطت على الإنسان لأهلكته، وهي هذه الحشرة الصغيرة المهينة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان، وأن المؤمن لا يمكن أن يعارض ما أنزله الله عز وجل بعقله؛ لقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ، ولا يعترضون ولا يقولون: لم ولا كيف؟ يقولون: سمعنا وآمنا وصدقنا؛ لأنهم يؤمنون بأن الله عز وجل له الحكمة البالغة فيما شرع وقدّر.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله: مِنْ رَبِّهِمْ، واعلم أن ربوبية الله تنقسم إلى قسمين: عامة، وخاصة، وقد اجتمعا في قوله تعالى: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: ١٢١، ١٢٢]، فالأول ربوبية عامة والثاني خاصة، كما أن مقابل ذلك العبودية تنقسم إلى عبودية عامة كما في قوله تبارك وتعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السماوات وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]، وخاصة كما في قوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن ديدن الكافرين الاعتراض، الاعتراض على حكم الله وحكمة الله؛ لقوله: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا، وكل من اعترض ولو على جزء من الشريعة ففيه شبه بالكفار، فمثلًا لو قال: لماذا ينقض الوضوءَ لحمُ الإبل ولا ينقض الوضوء لحمُ الحمار مثلًا؟ ماذا نقول؟ نقول: هذا اعتراض، وهو دليل على نقص الإيمان، وإنما قلت: ولا ينقض لحم الحمار؛ لأن الحمار لحمه خبيث نجس، فلو أكله الإنسان للضرورة لم ينتقض وضوؤه ولغير ضرورة لا يجوز أكله.
والدليل على أن الاعتراض على شريعة الله عز وجل وحكمه من ديدن الكفار قوله: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن لفظ الكثير لا يدل على الأكثر؛ لقوله: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا، فهنا لو أننا أخذنا بظاهر الآية لكان الضالون والمهتدون سواء، وليس كذلك؛ لأن بني آدم تسع مئة وتسعة وتسعون من الألف ضالون وواحد من الألف مهتدي، فكلمة (كثير) لا يعني الأكثر، وعلى هذا لو قال إنسان: عندي لك دراهم كثيرة، وأعطاه ثلاثة، يصح؟
الطلبة: (...).
الشيخ: لأيش؟ لأن الكثير يُطلق على القليل وعلى الكثير، وعلى الأكثر يعني.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن إضلال مَن ضل ليس لمجرد المشيئة، بل لوجود العلة التي كانت سببًا في إضلال الله العبد؛ لقوله: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدرية الذين قالوا: إن أفعال العباد لا علاقة لها بفعل الله؛ لقوله: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ.
وفيها أيضًا: رد على الجبرية؛ لأن فسق هؤلاء الفاسقين كان سببًا وبإرادته، فيكون فيها رد على الطائفتين: القدرية النُّفَاة، والقدرية المثبِتة.
تفسير الآية (27)

ثم قال تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ، مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ، أي العهد الذي بينهم وبين الله عز وجل، وهو الإيمان بالرسل إذا جاءتهم بالحق، فإن هذا مأخوذ على كل إنسان إذا جاء رسول مصدَّق ومصدَّق بما معه من الآيات فإن الواجب على كل إنسان أن يؤمن به، هؤلاء نقضوا عهد الله ولم يؤمنوا برسله. وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ، المراد أيش؟ من الأرحام؟ أو كل ما أمر الله به أن يوصل؟ العموم: الأرحام، ونصرة الرسل، ونصرة الحق، والدفاع عن الحق، كل ما أُمِرنا أن نصله فإنه يدخل في هذه الآية: يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ. وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، الإفساد في الأرض هنا المراد به الإفساد الحسي أو المعنوي؟ المراد به الإفساد المعنوي، والإفساد الحسي يتضمن الإفساد المعنوي؛ لأنه عدوان وظلم، لكن المراد بالإفساد في الأرض هو إفسادها بالمعاصي؛ لأن المعاصي سبب للفساد، بدليل؟
طالب: قوله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١].
الشيخ: نعم، بدليل قوله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ، ولهذا قال العلماء السلف في قوله تعالى: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا [الأعراف: ٥٦] قالوا: إفسادها بالمعاصي؛ لأن المعاصي سبب لكل بلاء، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦]، إذن يفسدون في الأرض بماذا؟ بالمعاصي، وهذا الإفساد إفساد معنوي يلحقه إفساد حسي، هم لا يأخذون الجرافات يقطعون الأشجار ويفسدون الزروع، لا، لكنهم يفعلون ما يكون سببًا لذلك.
أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ، جملة اسمية مؤكدة بمؤكِّد، أين هو؟
طالب: ضمير الوصل.
الشيخ: إي (هم) ضمير الفصل؛ لأن ضمير الفصل له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: التوكيد، والفائدة الثانية: الحصر، والفائدة الثالثة: إزالة اللبس بين الصفة والخبر، مثال ذلك تقول: زيدٌ الفاضل، كلمة (الفاضل) يحتمل أن تكون خبرًا، ويحتمل أن تكون وصفًا، فتقول: زيدٌ الفاضل محبوبٌ، إذا قلنا: زيدٌ الفاضل محبوبٌ، تعين أن تكون صفة، وإذا قلت: زيدٌ الفاضلُ، يحتمل أن تكون صفة وأن الخبر لم يأت بعد، ويحتمل أن تكون خبرًا، فإذا قلت: زيدٌ هو الفاضل، تعين أن تكون خبرًا، نعم؛ لوجود ضمير الفصل، ولهذا سمي ضمير الفصل.
ثانيًا: يفيد التوكيد، يقول: زيدٌ هو الفاضل، أكدت فضله، والثالث: يفيد الحصر. هل له محل من الإعراب؟ الجواب: لا، كما في قوله تعالى: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء: ٤٠]، ولو كان له محل من الإعراب لقال: هم الغالبون، فهو ليس له محل من الإعراب، لكن أُتِيَ به في الأسلوب العربي لهذه الفوائد الثلاث، وربما يضاف إليه اللام إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ [الصافات: ١٠٦]، فيكون في إضافة اللام إليه زيادة توكيد.
وقوله: الْخَاسِرُونَالخاسر هو الذي فاته الربح، وذلك لأن هؤلاء فاتهم الربح الذي ربحه من؟ الذي ربحه من لم ينقض عهد الله من بعد ميثاقه، ومن لم يقطع ما أمر الله به أن يوصل.
في هذه الآية فوائد، منها: أن نقض عهد الله من علامات الفسق؛ لقوله: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ، فكلما رأيت شخصًا قد فرط في واجب أو فعل محرمًا فإن هذا نقض للعهد من بعد الميثاق.
ومنها: التحذير من نقض عهد الله من بعد ميثاقه؛ لأن ذلك يكون سببًا للفسق.
ومنها أيضًا: التحذير من قطع ما أمر الله به أن يوصل من الأرحام، أي الأقارب وغيرهم؛ لأن الله ذكر ذلك في مقام الذم، أي ذكر قطع الصلة في مقام الذم، وقطع الأرحام من كبائر الذنوب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ» ، يعني قاطع رحم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعاصي والفسوق سبب لفساد الأرض؛ لقوله تعالى: وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، ولهذا إذا قحط المطر وأجدبت الأرض، ورجع الناس إلى ربهم وأقاموا صلاة الاستسقاء وتضرعوا إليه وتابوا إليه، أيش؟ أغاثهم الله، وقد قال نوح عليه السلام لقومه: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح: ١٠: ١٢]، فإن قال قائل: أليس يوجد في الأرض من هم صلحاء قائمون بأمر الله مؤدون لحقوق عباد الله، ومع ذلك نجد الفساد في الأرض؟ قلنا: إن هذا الإيراد أوردته زينب رضي الله عنها على النبي عليه الصلاة والسلام، حيث قال: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ»، قَالَتْ: أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ» ، وكثر الخبث يحتمل أنه وصف للفاعل ووصف للفعل، يعني إذا كثر الخبث حتى بين الصالحين، أو الخبث من الناس أجمعين، فمثلًا إذا كثر الكفار في أرض كان ذلك سببًا للشر والبلاء؛ لأن الخبث كثر، وإذا كثرت أفعال المعاصي كان ذلك سببًا أيضًا للشر والبلاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين اعترضوا على الله ونقضوا عهده، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل وأفسدوا في الأرض يظنون أنهم يحسنون صنعًا، ولكنهم حقيقة هم الخاسرون الذين خسروا الدنيا والآخرة، قال الله تبارك وتعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ١٥]، وقال تعالى: وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: ١ - ٣]، جعلنا الله وإياكم من هؤلاء بمنه وكرمه.

***

تفسير الآية (28)

طالب:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة: ٢٨- ٣٣].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، الاستفهام هنا للإنكار والتعجب، وإن شئت فقل: للإنكار والتعجيب، أي ليعجّب غيرهم في هذه الحال، كَيْفَ تَكْفُرُونَ، والكفر بالله هو الإنكار والتكذيب، مأخوذ من كَفَر الشيءَ إذا ستره؛ ومنه الكُفُرّى لغلاف الطلع الذي يكون في النخل، كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ، أي: تجحدونه وتكذبون به، وتستكبرون عن عبادته مع أنكم تعلمون نشأتكم، وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًاوذلك قبل نفخ الروح في الإنسان هو ميت، جماد، فَأَحْيَاكُمْبنفخ الروح، ثُمَّ يُمِيتُكُمْثانية، وذلك بعد أن تُنفَخ فيه الروح يموت إما في بطن أمه ويخرج ميتًا، وإما بعد أن يخرج إلى الدنيا، ثُمَّ يُحْيِيكُمْالحياة الآخرة التي لا موت بعدها، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، بعد الإحياء الثاني تُرْجَعون إلى الله فينبئكم بأعمالكم ويجازيكم عليها.
في هذه الآية الكريمة: الإنكار على من كفر بالله عز وجل وهو يعلم حاله ومآله.
ومنها، من فوائد هذه الآية: أن الموت يطلق على ما لا روح فيه ولو لم تحله الروح أولًا، يعني لا يُشترط للوصف بالموت تقدم الحياة، بدليل قوله: كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ، وأما ظن بعض الناس أنه لا يقال ميت إلا لمن سبقت حياته، فهذا ليس بصحيح، بل إن الله تعالى أطلق وصف الموت على الجمادات، فقال تعالى في الأصنام: أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ [النحل: ٢١]
ومن فوائد هذه الآية: أن الجنين لو خرج قبل أن تنفخ فيه الروح فإنه لا يثبت له حكم الحي، ولهذا لا يُغَسَّل ولا يُكَفَّن ولا يُصَلَّى عليه ولا يرث ولا يورَث، لماذا؟ لأنه ميت، جماد، ما استحق شيئًا مما يستحقه الأحياء.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل، فإن هذا الجسد الميت ينفخ الله فيه الروح فيحيا ويكون إنسانًا يتحرك ويتكلم ويقوم ويقعد، ويفعل ما أراد الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله بعد الموتة الثانية: ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَوالبعث أنكره من أنكره من الناس واستبعده، وقال: مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس: ٧٨]، فأقام الله تبارك وتعالى على إمكان ذلك ثمانية أدلة في سورة يس في آخرها: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس: ٧٩]، هذا دليل على أنه يمكن أن يحيي العظام وهي رميم، وقوله: أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍدليل قاطع وبرهان جلي على إمكان إعادتها، كما قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [الروم: ٢٧]، وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: ٧٩]، هذا دليل ثاني، يعني كيف يعجز عن إعادتها وهو سبحانه وتعالى بكل خلق عليم، يعلم كيف يخلق الأشياء وكيف يكوِّنها، فلا يعجز عن إعادة الخلق، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [يس: ٨٠]، الشجر الأخضر فيه البرودة وفيه الرطوبة، والنار فيها الجفاف واليبوسة، هذه النار اليابسة الجافة تخرج من شجر بارد رطب، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا، كيف ذلك؟ كان الناس فيما سبق يضربون أغصانًا من أشجار معينة، يضربونها بالزَّند، شيء يسمى الزند عندهم، فإذا ضربوها انقدح، انقدحت النار، ويكون عندهم شيء قابل للاشتعال يشتعل بسرعة، ولهذا قال: فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَتحقيقًا لذلك، هذا الشجر يختلف، بعضه واضح وسهل استخراج النار منه، وفي ذلك يقولون؛ يعني العرب: (في كل شجر نار واستْمجَدَ المرخُ والغفَار)، استمجد يعني علا على غيره وصارت النار فيه أكثر.
أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السماوات وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [يس: ٨١]، بَلَى، هذا الدليل الرابع، الخامس وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ، وفي أول الآيات: وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس: ٧٩]، وهنا قال: الْخَلَّاقُ، فالخلّاق صفته ووصفه الدائم، وإذا كان خلّاقًا ووصفه الدائم هو الخلق فلن يعجز عن إعادة الإنسان بعد موته، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، هذا أيضًا دليل إذا أراد شيئًا مهمًّا كان، و(شيئًا) تعلمون أنها نكرة في سياق الشرط فتكون للعموم، أَمْرُهُ، أي: شأنه في ذلك أن يقول له: كن، فيكون، أو أَمْرُهُالذي هو الأمر واحد الأوامر، فيكون المعنى: إنما أمره أن يقول: كن، فلا يعيدها مرة أخرى. فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ [يس: ٨٣] هذا الدليل السابع، كل شيء فهو مملوك لله عز وجل، الموجود يعدمه والمعدوم يوجده؛ لأنه رب كل شيء، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَهذا الدليل الثامن؛ لأنه ليس من الحكمة أن يخلق الله هذه الخليقة ويأمرها وينهاها ويرسل إليها الرسل، ويحصل ما يحصل من القتال بين المؤمن والكافر، ثم يكون الأمر هكذا يذهب سدى، بل لا بد من الرجوع، وهذا دليل عقلي، المهم أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يعيد الأموات إلى الحياة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخلق مآلهم ورجوعهم إلى من؟ إلى الله عز وجل.
تفسير الآية (29)

ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، لما ذكر عز وجل أنه قادر على الإحياء والإماتة بيَّن منّته على العباد بأنه خلق لهم ما في الأرض جميعًا، خلقه أوجده على غير مثال سبق، بل على ما اقتضته حكمته جل علا وعلمه، وقوله: لَكُمْاللام لها معنيان هنا: المعنى الأول: الإباحة، كما تقول: أبحت لك، والمعنى الثاني: التعليل، أي: خلق لأجلكم ما في الأرض جميعًا.
وقوله: مَا فِي الْأَرْضِهذه (ما) هذه اسم موصول تعم كل ما في الأرض، فهو مخلوق لنا، من الأشجار والزروع والأنهار والجبال، وكل شيء، ثُمَّ اسْتَوَى، يعني بعد أن خلق ما في الأرض جميعًا، اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، استوى إليها، أي علا إليها، هذا ما فسرها به ابن جرير رحمه الله، وقيل: استوى إليها، أي قصد إليها، وهذا ما اختاره ابن كثير رحمه الله. فللعلماء في تفسير اسْتَوَى إِلَىقولان: الأول أن الاستواء هنا بمعنى القصد، وإذا كان القصد تامًّا قيل: استوى؛ لأن الاستواء كله يدل على الكمال، كما قال تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى، أي: كمل، فمن نظر إلى أن هذا الفعل عُدِّي بـ (إلى) قال: إن (استوى) هنا ضُمِّن معنى (قصد)، ومن نظر إلى أن الاستواء لا يكون إلا في علو جعل (إلى) بمعنى (على)، لكن هذا ضعيف؛ لأن الله تعالى لم يستو على السماء أبدًا وإنما استوى على العرش، فالأقرب أن الصواب ما ذهب إليه ابن كثير رحمه الله وهو أن الاستواء هنا بمعنى القصد التام والإرادة الجازمة. وقوله: إِلَى السَّمَاءِأي العلو، وكانت السماء دخانًا، أي مثل الدخان، فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍطباقًا قوية متينة، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ومن علمه عز وجل أنه علم كيف يخلق هذه السماء.
في الآية الكريمة فوائد، منها: منة الله تعالى على عباده بأن خلق لهم ما في الأرض جميعًا، فكل شيء مسخَّر لنا والحمد لله، والعجب أن بعضنا صار مسخَّرًا لما سُخِّر له، فخدم الدنيا ولم تخدمه، وصار أكبر همه هو الدنيا، جمع المال وتحصيل الجاه، وما أشبه ذلك.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأصل فيما في الأرض الحِل، كل ما في الأرض الأصل فيه الحل، من أشجار ومياه وثمار وحيوان، وغير ذلك، الأصل فيه الحل، وهذه قاعدة عظيمة، وبناء على هذا لو أن إنسانًا أكل شيئًا من الأشجار، فقال له بعض الناس: هذا حرام، فأيهما يطالب بالدليل؟ المحرِّم يطالب بالدليل، لو أن إنسانًا وجد طائرًا يطير فرماه وأصابه ومات وأكله، فقال له الآخر: هذا حرام، من المطالب بالدليل؟ المحرِّم، المطالب بالدليل المحرم؛ ولهذا لا يحرم شيء في الأرض إلا ما قام عليه الدليل.
ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد هذا العموم بقوله: جَمِيعًا، مع أن (ما) موصولة تفيد العموم، لكنه سبحانه وتعالى أكده حتى لا يورِد مورِد بأن شيئًا من أفراد هذه العموم قد خرج من الأصل.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، أي أنه يفعل ما يشاء؛ لقوله: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ، واستوى فعل، فهو جل وعلا يفعل ما يشاء، ويقوم به من الأفعال ما لا يحصيه إلا الله، كما أنه يقوم به من الأقوال ما لا يحصيه إلا الله.
ومن فوائد الآية الكريمة:
أن السماوات سبع؛ لقوله: سَبْعَ سَمَاوَاتٍ.
ومن فوائدها: كمال خلق السماوات؛ لقوله: فَسَوَّاهُنَّ، أي جعلها سوية متطابقة غير متنافرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عموم علم الله؛ لقوله: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
لنا أن نستفيد فوائد مسلكية من هذه الآية، منها: أن نشكر الله على هذه النعمة أن خلق لنا كل ما في الأرض، كل ما في الأرض فهو مخلوق لأجلنا ومحلَّل لنا، فعلينا أن نشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة.
كذلك أيضًا من الفوائد المسلكية: أن نخشى ونخاف، لماذا يا إخوانّا؟ لأن الله بكل شيء عليم، فإذا كان الله عليمًا بكل شيء حتى ما نخفي في صدورنا أوجب لنا ذلك أن نحترز مما يُغضب الله عز وجل سواء في أفعالنا أو في أقوالنا أو في أي شيء مما يتعلق بنا.
ثم قال تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِإلى آخره.
طالب: شيخ بارك الله فيك، ذكر بعض أهل العلم أن سماء الدنيا هي أصغر السماوات، وأنها محيطة بالأرض في كل جهة، أي أنها كالبيضة ثم التي بعدها كذلك، يعني السماء كالبيضة ونحن بداخلها، فما هو الدليل الذي استدلوا به؟
الشيخ: واضح هذا، الآن السماء محيطة بالأرض من كل جهة، أليس كذلك؟
الطالب: بلى.
الشيخ: من كل جهة، والسماء الدنيا بينها وبين السماء الثانية مسافة، مسافة خمس مئة عام إن صح الحديث أو أقل أو أكثر، المهم أن بينها مسافة بدليل حديث المعراج، قال: «ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»، وهكذا، وعلى هذا يكون الكون محيطًا بعضه ببعض إلى السماء السابعة، ولهذا سُمِّيت السدرة التي هناك سدرة المنتهى؛ لأنه ينتهي إليها كل شيء.
الطالب: شيخ، معنى هذا كأن فيه دوائر صغيرة وأكبر وأكبر وأكبر؟
الشيخ: إي نعم، وأيش المانع؟ كون عظيم هذا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، السماوات يعنى نقول: جرم ولا هناك مانع.
الشيخ: السماوات جرم، ما فيها شيء، جرم له أبواب، إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ [الأعراف: ٤٠].
طالب: شيخ، هل لقائل أن يقول: إن مناسبة الآية لما قبلها أن تكون خلق السماوات والأرض واستواء الله على السماء، ثم ذِكْر قصة آدم..
الشيخ: ثم ذكر أيش؟
الطالب: ذكر قصة آدم بعد هذه الآية التي تتضمن خلق السماوات، هل دليل على البعث؟
الشيخ: تحتاج إلى تأمل، يعني مثلًا إن الله أراد أن يبيّن قدرته على البعث بأنه خلق ما في الأرض جميعًا، ثم ذكر قصة آدم، تحتاج إلى تأمل، ما هي بواضحة.
طالب: ظاهر الآية يدل على أن الأرض خُلقت قبل السماوات، هناك بعض آيات تدل على أن الأرض خُلقت بعد السماوات، فما رأيكم؟
الشيخ: هذه تحتاج إلى جواب، قال الله عز وجل: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [النازعات: ٢٧ - ٣٠]، هذه البعدية هل هي بعدية زمن؟ أو بعدية ذِكر؟ منهم من قال إنها بعدية ذكر، يعني وزيادة على ذلك دحا الأرض، ومنهم من قال: إن الله عز وجل خلق الأرض قبل السماوات، كما هي العادة في البناء، يكون أسفله هو الأول، ثم بعد ذلك دحا الأرض، ويقول: الدحو معناه فُسِّر بنفس الآية، أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا [النازعات: ٣١]، وهذا أقرب؛ لأن الأصل أن البعدية بعدية الزمن لا بعدية الذِّكر.
طالب: أحسن الله إليك شيخ، الذين يجوِّزون استخدام القات.
الشيخ: أيش؟
طالب: الذين يجوزون استخدام القات، شجر القات، هل هذه الآية لهم دليل؟
الشيخ: إي نعم، القات غير معروف عندنا والحمد لله، وهو معروف في اليمن ويستعملونه، لكن المحققين من علماء اليمن نظرًا لما شاهدوه مما يحدث منه يرون أنه حرام وأنه لا يحل، طيب لو قال قائل مثلًا: الدخان حلال؛ لأنه مما خلق الله في الأرض، ماذا نقول له؟ نقول: نعم، هذا هو الأصل، لكن دلت الأدلة على تحريمه مما يحصل منه من الضرر وإضاعة المال، وإضاعة الأوقات أيضًا، وأشياء كثيرة ذكرناها فيما سبق.
طالب: يستدلون يا شيخ بقوله تعالى أيضًا: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ [الأنعام: ١٤٥]، يستدلون بهذه الآية؟
الشيخ: هذا ذُكِر بعد ذكر الحيوان، قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُمن الحيوان، ولهذا قال: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً، والشجر ما فيه ميت، أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ.
طالب: شيخ إذا كان إنسان..
الشيخ: أيش؟
الطالب: إذا كان الرجل مثلًا عامي جاهل يعني كثيرًا بالشريعة ومثلًا انتقل في الأرض..
الشيخ: أيش سوى؟
الطالب: انتقل في الأرض.
الشيخ: انتقل؟
الطالب: يعني يكون مثلًا سافر أو كذا.
الشيخ: تجوّل؟
الطالب: تجول، فتطبيقًا لهذه الآية فجعل..
الشيخ: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ [البقرة: ٢٩] هذه التي تقصد؟
الطالب: إي نعم هذا الذي، الآية ما أذكرها، تقول حلال كل شيء حلال للإنسان، فالآن مثلًا ارتاب في شيء، فهل يعمل؟ هل يكون يستعمله تطبيقًا للآية؟
الشيخ: إي نعم، لو شككنا في حل مطعوم أو مشروب فالأصل الحِل، إي نعم.

***

تفسير الآية (30)

طالب:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة: ٣٠ - ٣٣].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، (إذ) تأتي دائمًا في القرآن الكريم، قال المعرِبون: وهي مفعول لفعل محذوف، التقدير: اذكر إذ قال، فهي منصوبة بفعل محذوف هذا تقديره.
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ، الخطاب في قوله: رَبُّكَللنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولما كان الخطاب له صارت الربوبية هنا من أقسام الربوبية الخاصة، إذ قال لِلْمَلَائِكَةِ، اللام للتعدية، أي تعدية القول للمقول له، والملائكة جمع (مَلْأَك) وأصله (مَأْلَك)؛ لأنه مشتق من (الْأَلُوكَة) وهي الرسالة، لكن صار فيها إعلال بالنقل، أي نقل حرف مكان آخر، مثل (أشياء) أصلها (شَيْئَاء)، ولذلك قد تتعجب تقول: كيف لا ينصرف (أسماء) جمع (اسم)، ولا ينصرف (أشياء) جمع (شيء)؟ والسبب في ذلك أن (أسماء) التي هي جمع (اسم) الهمزة فيها أصلية، وأن (أشياء) الهمزة فيها همزة التأنيث، طيب المهم (الملائكة) نقول: مشتق من أيش؟ (الألوكة) وهي الرسالة، ولهذا قال الله تعالى: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا [فاطر: ١]. والملائكة عالم غيبي خُلقوا من نور لا يحتاجون إلى أكل وشرب، وهم عالم الغيب لا يُرَون، وإلا فهم موجودون معنا ويحضرون مجالس العلم، ويحضرون مجالس الذكر، ويقفون عند أبواب المساجد يوم الجمعة يكتبون الأول فالأول، ثم إذا حضر الإمام طووا الصحف ثم أتوا يستمعون الخطبة، لكن هل نحن نراهم؟ لا نراهم، وهذه من حكمة الله عز وجل وابتلائه أن يخبرنا الله ورسوله عن هؤلاء بهذه الصفات ليبتلينا هل نؤمن أو لا نؤمن، لكن مع ذلك أحيانًا يتشكلون بصور البشر، كما قال الله تعالى عن جبريل حين قابل مريم: تَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [مريم: ١٧]، بشر عادي ما فيه شيء، وكما جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو جالس في أصحابه بصورة رجل كما قال عمر رضي الله عنه: شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرَى عليه أثر السفر ولا يعرفه من الصحابة أحد، وجلس إلى النبي عليه الصلاة والسلام جلسة المتأدب، أسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وسأله الأسئلة المعروفة ، وكما أتى ملك الموت إلى موسى عليه الصلاة والسلام ليقبض روحه بصورة الإنسان، وكان موسى عليه السلام شديدًا قويًّا فصكه دفاعًا عن نفسه ؛ لأنه لم يعلم أنه رسول الله عز وجل، وإلا لو علم ما فعل هذا، لكن كعادة البشر يدافع الإنسان عن نفسه، وكما هو معهود من موسى صلى الله عليه وسلم أنه رجل قوي شديد، لما استغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه وَكَزَه وكزة واحدة فقضى عليه، هلك.
فعلى كل حال الملائكة الأصل فيهم أنهم عالم غيبي. قال لهم: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، خليفة يخلف الله؟ أو يخلف مَن سبقه؟ أو يخلف بعضهم بعضًا يتناسلون؟ أم ماذا؟
أما الأول فيحتمل أن الله تعالى أراد من هذه الخليقة آدم وبنيه أن يجعل منهم الخلفاء يخلفون الله تعالى في عباده بإبلاغ شريعته والدعوة إليها، لا عن جهل بالله سبحانه وتعالى، وحاشاه من ذلك، ولا عن عجز، لكنه يمن على من يشاء من عباده، كما قال تعالى: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ [ص: ٢٦]، هو خليفة يخلف الله في الحكم بين عباده، وكذلك أيضًا يخلفون مَن سبقهم، خَلِيفَةًيخلفون مَن سبقهم، وعلى هذا فتكون خَلِيفَةًهنا على هذا الاحتمال بمعنى الفاعل أو المفعول؟ الفاعل، وعلى الأول بمعنى المفعول.
أو أنهم يخلف بعضهم بعضًا، بمعنى أنهم يتناسلون، هذا يموت وهذا يحيى، وعلى هذا التقدير أو على هذا التفسير تكون (خليفة) صالحة لاسم الفاعل واسم المفعول، كل هذا محتمل وكل هذا واقع.
لكن قول الملائكة: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَيدل على أنهم خليفة لمن؟ أيش؟ لمن سبقه، وأنه كان على الأرض مخلوقات قبل ذلك تسفك الدماء وتفسد فيها، فسألت الملائكة ربها عز جل: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، يعني: وستتغير الحال ولا تكون كالتي سبقت، وقولهم: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ: نسبح بمعنى: ننزه، والذي يُنَزَّه الله عنه شيئان؛ أولًا: النقص، والثاني: النقص في كماله، وزد ثالثًا إن شئت: مماثلة المخلوقين،كل هذا يُنَزَّه الله عنه. النقص يعني كل صفة نقص لا يمكن أن يوصف الله بها أبدًا، لا وصفًا دائمًا ولا خبرًا، الثاني أيش؟ النقص في كماله، فلا يمكن أن يكون في كماله نقص، قدرته لا يمكن أن يعتريها عجز، قوته لا يمكن أن يعتريها ضعف، علمه لا يمكن أن يعتريه نسيان، وهلم جرّا، ولهذا قال عز وجل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السماوات وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨]، لا قليل ولا كثير، فهو عز وجل كامل الصفات لا يمكن أن يعتري كماله نقص، الثالث؟
الطلبة: مشابهة المخلوقين.
الشيخ: عن مماثلة المخلوقين، مماثلة، ولا تقل مشابهة، عن مماثلة المخلوقين، هذه إن شئنا أفردناها بالذكر؛ لأن الله تعالى أفردها بالذكر، فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، وقال: وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [الروم: ٢٧]، وقال: فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ [النحل: ٧٤]، وإن شئنا جعلناها داخل في أي أقسام؟ القسم الأول: النقص؛ لأن تمثيل الخالق بالمخلوق يعني النقص؛ بل إن المفاضلة بين الكامل والناقص تجعل الكامل ناقصًا، كما قال القائل:
أَلَــمْ تَـــرَ أَنَّ السَّـيْـفَ يَنْقُــصُ قَــدْرُهُ إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَ الْعَصَا

لو قلت: فلان عنده سيف أمضى من العصا ماذا تقول؟ يتبين لك أن السيف هذا قوي ولا رديء؟ رديء، أمضى من العصا؟! معناه أنه ليس بشيء، فربما ندخل هذا القسم الثالث ربما ندخله في القسم الأول وهو النقص.
على كل حال التسبيح، ينبغي لنا عندما نقول: سبحان الله، أو: أسبح الله، أو ما أشبه ذلك، ينبغي لنا أن نستحضر هذه المعاني، يعني لا نقولها على أنها ذكر، نقولها على أنها ذكر وعلى العين والرأس، لكن نستحضر ما دلت عليه من المعاني، وأنك إذا قلت: سبحان الله، فالمعنى أن الله عز وجل مُنَزَّه عن كل نقص، مُنَزَّه عن كل عيب، منزه عن نقص في كماله.
وقوله: بِحَمْدِكَنُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، قال العلماء: إن الباء هنا للمصاحبة، أي تسبيحًا مصحوبًا بالحمد، فتكون الجملتان تتضمن التخلية وأيش؟ والتحلية، يعني نفي النقص وإثبات الكمال؛ لأن الحمد وصف المحمود بالكمال، ولا تقل: هو الثناء بالجميل على الفعل الاختياري، كما يقوله بعض المتكلمين، بل هو وصف المحمود بالكمال، زد على ذلك محبة وتعظيمًا، فإن وصفت مرة أخرى بكمال فسمِّه ثناء، والدليل على هذا ما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَقَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِقَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي» .
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، وقدَّم التسبيح على الحمد من أجل أن التخلية تكون قبل التحلية، يعني نفي النقص يكون قبل إثبات الكمال من أجل أن يَرِد الكمال على محلٍّ خال من النقص، نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ. وقوله: وَنُقَدِّسُ لَكَ، التقديس معناه التطهير، وهو أمر زائد علي التنزيه؛ لأن التنزيه تبرئة وتخلية، والتطهير أمر زائد، ولهذا نقول في دعاء الاستفتاح: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» ، فالتقديس يعني التطهير، فيجمع الإنسان بين تنزيه الله عز وجل عن كل عيب ونقص وتطهيره، أنه لا أثر إطلاقًا لما يمكن أن يعلق في الذهن من النقص، وَنُقَدِّسُ لَكَ، اللام هنا للاختصاص، فتفيد الإخلاص، وهي أيضًا للاستحقاق؛ لأن الله جل وعلا أهل لأن يقدس، ماذا أجابهم الله؟ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، قف، ما بعد هذا كلام إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، (ما) هنا اسم موصول أو نكرة موصوفة؟ هل المعنى إني أعلم شيئًا لا تعلمونه؟ أو المعنى إني أعلم الذي لا تعلمون؟ تحتمل هذا وهذا، وهي صالحة لهذا وهذا، طيب إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَوسوف تتغير الحال. 
في هذه الآية الكريمة: إثبات القول لله عز وجل، وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ، وهذا هو الذي عليه السلف الصالح أننا نؤمن بأن الله تعالى له قول، يقول.
وإثبات أن قوله بحرف وصوت، من أين أخذنا أنه بحرف؟ من قوله: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، وجملة: إِنِّي جَاعِلٌمقول القول، وهي حروف، إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، ونأخذ أنه بصوت أنه قال للملائكة، أي قولًا واصلًا إلى الملائكة، ولا يمكن أن يكون قوله واصلًا إلى الملائكة إلا إذا كان أيش؟ بصوت، وهو كذلك، ثم الصوت قد يكون خفيًّا وقد يكون قويًّا؛ لقوله تعالى: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا [مريم: ٥٢]، وهذا هو الذي عليه أهل السنة، وهو الحقيقة هو غاية الكمال لله عز وجل، بل هو من أعظم صفات الكمال أن يكون الله عز وجل متكلمًا بما يشاء كونًا وشرعًا، فكل ما يحدث في الكون فهو كائن بكلمة، الدليل إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢]، وكل شيء فهو مراد لله، إذن كل شيء فهو بقول، وأما القول الشرعي فهو ما أنزله الله على الرسل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة ذوو عقول، وجهه أن الله تعالى وجّه إليهم الخطاب وأجابوا، ولا يمكن أن يوجه الخطاب إلا لمن يعقله، ولا يمكن أن يجيبه إلا من يعقل الكلام والجواب عليه، خلافًا لمن قال: إن الملائكة لا يوصفون بذلك، أو قال إنهم عقول لا أجساد.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الفعل الاختياري لله عز وجل، وهذا يتكرر عليكم كثيرًا، فما معنى الفعل الاختياري؟ معناه أن من أهل البدع من يقول: إن الله لا تقوم به الأفعال الاختيارية، فلا يجيء ولا ينزل ولا يستوي ولا يتكلم ولا يضحك ولا يفرح ولا يعجب؛ لأن هذه أمور اختيارية تقع بالمشيئة، ولو صح أن يوصف الله بها لكان حادثًا؛ لأن هذه حوادث، والحوادث لا تقوم إلا بحادث، قياس فاسد في مقابلة نص، وسبحان الله العظيم! ما أعظم أن يصفوا الله عز وجل بأنه لا يفعل، هذا أكبر عيب أن يكون الرب عز وجل لا يفعل، ولهذا فسر بعض السلف (الحي) في قوله تعالى: الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة: ٢٥٥]، قال: الْحَيُّهو الفعَّال؛ لأن من كمال الحياة أن يفعل ما يشاء، وإذا لم يفعل ما يشاء فهو ناقص لا شك، فهؤلاء -والعياذ بالله- سلبوا بعقولهم الواهية الضعيفة الفاسدة سلبوا الله عز وجل كماله، أضف إلى هذا القول إذن ينفون عن الله القول والفعل؛ لأنه ما يتكلم، لا يتكلم كلامًا اختياريًّا، فنفوا عن الله القول والفعل. وأيش بقي؟ ما بقي شيء، هذا أكبر نقص يوصف الله به أن يقال: لا يتكلم ولا يفعل، وهذه الآية تدل علي ثبوت الأفعال، إِنِّي جَاعِلٌ، وجَاعِلٌاسم فاعل للمستقبل ولّا للماضي؟
الطلبة: للمستقبل.
الشيخ: ما دليلكم على المستقبل؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، أنها نصبت، واسم فاعل لا ينصب إلا إذا كان للمستقبل، وعلى هذا ففيه دليل على ثبوت الأفعال الاختيارية لله عز وجل.
طالب: شيخ بارك الله فيك، كثير من أئمة التفسير يذهبون إلى الاحتمال الأول الذي قلناه أن خليفة هنا بمعنى خليفة عن الله، ومشوا على هذا، لكن قرأت لشيخ الإسلام ابن تيمية إنكارًا شديدًا على هذا القول، ويقول: لا يكون الخليفة، لا يعني يستخلف إلا من كان مثلًا ناقصًا أو يحتاج إلى.. أو غائبًا أو كذا؟
الشيخ: لا، ما هو صحيح، الشيخ له كلام غير هذا.
الطالب: أنا قرأته، شيخ.
الشيخ: يمكن كلام آخر في موضع ثان، إنما نقول نحن كما قال الله: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ [ص: ٢٦].
الطالب: والذي قلته يا شيخ يعني مقتنع به.
الشيخ: إحنا نقول: الآية فيها احتمال الثلاثة.
الطالب: لكن ماذا نقول عن قول شيخ الإسلام، أما تفسير الذي ذكرتموه..؟
الشيخ: ما نقول هذا، له كلام في موضع آخر، أو ربما أنه، ليس الكتاب بين يدي الآن عشان أشوف قد يكون هناك قرائن تدل على أن المقام مقام إنكار من أجل تفسير هؤلاء.
طالب: شيخ، قدس يا شيخ، نُقَدِّسُ لَكَالبيهقي بقي شيخ قدوس معنى أنه وصفه بصفات الكمال هذا معناه..
الشيخ: إي نعم، الطاهر.
الطالب: مفسرة عكس..
الشيخ: القدوس يعني الطاهر من كل عيب.
الطالب: إثبات صفة الكمال عكس تسبيح؟
الشيخ: لأنه ما يمكن يوجد صفة منفية عن الله إلا وهي متضمنة للكمال، ما فيه نفي محض.
طالب: شيخ إذا قائل: إنكم قلتم: إن للملائكة عقولًا، واستدللتم بتوجه الخطاب إليهم واستيعابهم، طيب يا شيخ إذا قال النملة استوعبت سليمان قال يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ [النمل: ١٨]؟
الشيخ: تخاطب (...).
الطالب: إي يا شيخ بس..
الشيخ: أنا كنت أتوقع أنك تقول: إن الله قال للأرض: ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: ١١]، فنقول: هذه المخلوقات بالنسبة لله عز وجل كلها لها عقول، والأصل أن من يخاطبه الله فهو عاقل، لكن إذا صار هناك أشياء تدل على أن العقل بالنسبة لمخاطبة الله له فقط عملنا به، وإلا فالأصل أنه لا يخاطَب إلا من يعقل.
طالب: لم يثبت استدلالنا يا شيخ؟
الشيخ: ما يثبت؛ لأن الذي أخرج الأرض عن ذلك هو أن نشاهدها، ما هي عاقلة، لكن بالنسبة لخطاب الله عاقلة.
طالب: أحسن الله إليك، قولنا بأن الملائكة ذوو عقول هل يستلزم هذا أن يكونوا ذوي قلوب أيضًا؟
الشيخ: لا ما يستلزم.
الطالب: يا شيخ، الله عز وجل يقول: لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا [الأعراف: ١٧٩]؟
الشيخ: مَن يخاطب؟
الطالب: يخاطب الناس.
الشيخ: يخاطب الناس.
الطالب: في موضع يا شيخ في شرح كتاب التوحيد عند قول الله عز وجل: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ [سبأ: ٢٣] أثبتم أثابكم الله بأنه يؤخذ من هذه الآية أن للملائكة قلوب..
الشيخ: الله لا يثبتها بذلك لكن ليست القلوب عضوا، قد يقال: إن القلوب معناه هنا القلب المعنوي؛ لأن المشهور عند السلف أن الملائكة صُمْد ما لهم أجواف، ولهذا لا يأكلون ولا يشربون ولا يحتاجون للأكل والشرب.
الطالب: إذن ما الذي يثبت يا شيخ القلب المعنوي دون الحسي.
الشيخ: إي نعم، القلب المعنوي، نعم، لكن قوله تعالى: وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦] هذا القلب الحسي؛ لأنه وصفها بمكانها.
طالب: (...).
الشيخ: إي ما قلنا هذا؟ قلنا هذا.
طالب: يا شيخ ما وصلنا لهذا؟
الشيخ: إلى الآن ما وصلنا له، وصلنا إلى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةًما وصلناها في الفوائد.

***

طالب: قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٣٢ - ٣٤].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، عَلَّمَالفاعل هو الله عز وجل.
طالب: ما أخذنا الفوائد يا شيخ.
الشيخ: أيهم
طالب: الآية السابقة.
الشيخ: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةًأخذنا منها أربع فوائد.
طالب: ثلاثة يا شيخ.
الشيخ: عدها؟
طالب: إثبات القول لله عز وجل، إثبات أنه بحرف وصوت، أن الملائكة ذوو عقول، إثبات الفعل الاختياري لله عز وجل، هذا اللي أخذناه يا شيخ.
الشيخ: من فوائد الآية الكريمة: أن بني آدم يخلف بعضهم بعضًا على أحد الأقوال في معنى خليفة، وهذا هو الواقع أن بني آدم يخلف بعضهم بعضًا فتجد من له مئة سنة مع من له سنة واحدة، وما بينهما، وهذا من حكمة الله عز وجل؛ لأن الناس لو بقوا مَن ولد بقي لضاقت الأرض بما رحبت، ولما استقامت الأحوال، ولا حصلت الرحمة للصغار، ولا الولاية عليهم، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة.
ومن فوائد الآية الكريمة: قيام الملائكة بعبادة الله عز وجل؛ لقولهم: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ.
ومنها: كراهة الملائكة للإفساد في الأرض لقولهم: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ.
ومن فوائد هذه الآية: أن وصف الإنسان نفسه بما فيه من الخير لا بأس به؛ لقولهم: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، فإذا كان المراد مجرد الخبر فلا بأس، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ» ، وأما إذا كان المقصود الافتخار وتزكية النفس فهذا لا يجوز.
ومن فوائد الآية الكريمة: شدة تعظيم الملائكة لله عز وجل، حيث قالوا: نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، والثاني: نُقَدِّسُ لَكَ، فهو يشبه قوله: «نَقِّنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا... وَاغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المفاضلة بين الله وبين الخلق؛ لقوله: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَوأَعْلَمُ:اسم تفضيل وهذا هو الحق، وخالف بعض من يقولون: إنهم ينزِّهون الله، وقالوا أَعْلَمُليست على بابها، بل هي بمعنى عالم، وما علموا أنهم إذا فسروها بعالم صار هذا أشد تنقصًا لله؛ لأن كلمة (عالم) لا تمنعه المشاركة، ومن المعلوم أن الخلق فيهم من هو عالم، كما قال الله تبارك وتعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: ٧٨]، وقال لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: عَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء: ١١٣].
وقال تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ [الممتحنة: ١٠]، وعليه فنقول أَعْلَمُهنا على بابها، كما يقال: إن الله أرحم الراحمين، وفي القرآن الكريم: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨].
طالب: (...).
الشيخ: استنباط الفوائد ما فيه أسئلة.
طالب: (...).
الشيخ: أيها.
طالب: (...).
الشيخ: إي، أحسنت، هذه النتيجة.
طالب: لا يا شيخ إحنا أخدنا..
الشيخ: على كل حال خير إن شاء الله، توهمنا فيه خير، (أعلم) لا بأس أن نقول: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [النحل: ١٢٥]، أقول: بعض العلماء فسر (أعلم) بمعنى عالم، وقال: إنه لا تجوز المفاضلة بين الله وبين الخلق في الصفات، ولكن هذا قول باطل؛ لأن الأدلة تدل على بطلانه، أما الآية التي معنا إِنِّي أَعْلَمُفهي فعل مضارع. ثم قال وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، عَلَّمَالفاعل من؟ الله عز وجل، وآدم هو أبو البشر.
طالب: يعني نسقط الفائدة هذه الأخيرة.
تفسير الآيتين (31-32)
الشيخ: أيهم، الفائدة الأخيرة في مثل (أعلم)، نعم لكنها فيها فائدة لكم، لكنها ما تلحق بالتفسير. وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، علم الله تعالى آدم وهو أبو البشر الأسماء كلها، الْأَسْمَاءَ(أل) هنا هل هي للعموم كما يفيد قوله: كُلَّهَاأو هي لعموم؟ الأسماء أي أسماء ما حضر، بدليل قوله: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ، وقوله: الْأَسْمَاءَ كُلَّهَاأي كل الحاضرة، وذلك أن الله تعالى خلق أشياء وقال لآدم: هذه كذا، وهذه كذا، وهذه كذا، مما يحتاج إليه مع بنيه. ثُمَّ عَرَضَهُمْ، عَرَضَهُمْالميم هنا علامة الجمع، ولا تكون إلا لما يَعقل، والأسماء ليست تعقل، فكيف الجواب؟ الجواب أن نقول: إنه عرض المسميات ولم يعرض الأسماء؛ لقوله: أَنْبِئُونِيبأيش بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ، فيكون هنا عَرَضَهُمْأي عرض المسميات على الملائكة، وقال: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ، فلم يعلموا، ما عرفوا، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا، ثم قال: يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، وأراد بذلك عز وجل أن يعرف الملائكة أنهم ليسوا محيطين بكل شيء علمًا، وأنهم يفوتهم أشياء يفضلهم آدم فيها. فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ، أَنْبِئُونِيهذه هل هي فعل أمر يراد به قيام المأمور بما وُجِّه إليه، أو هي تحدي؟ الظاهر الثاني، أنها تحدي، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَأن لديكم علمًا في الأشياء فأنبئوني بأسماء هؤلاء؛ لأن الملائكة قالت فيما سبق، أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، فقال الله: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، ثم امتحنهم بهذا. فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، هَؤُلَاءِالمشار إليه من؟ المسميات الحاضرة، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَفي أن لديكم علمًا، قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا، أي تنزيهًا لك عن العبث وعن السفه، فأنت يا ربنا لم تفعل هذا إلا لحكمة عظيمة، وقوله: لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَااعتراف من الملائكة أنهم ليسوا يعلمون إلا ما علمهم الله، هذا مع أنهم ملائكة مقربون إلى الله، ومع ذلك لا يعلمون إلا ما علمهم الله عز وجل، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، إِنَّكَالجملة هذه مؤكدة بـ (إنّ) و بـ (أنت) الذي هو ضمير الفصل؛ لأن الكاف اسم (إن)، و(أنت) ضمير فصل لا محل له من الأعراب والْعَلِيمُخبر (إنّ)، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ، يعني ذا العلم الواسع الشامل المحيط بالماضي والحاضر والمستقبل.
وقوله: الْحَكِيمُيعنى ذا الحكمة والحُكم؛ لأن الحكيم مشتقة من الحُكم والحكمة، فهذان اسمان من أسماء الله هما العليم والحكيم.
في هاتين الآيتين بيان أن الله تعالى قد يمن على عباده أو على بعض عباده بعلم لا يعلمه الآخرون، وجهه أن الله علّم آدم بأسماء مسميات كانت حاضرة والملائكة تجهل ذلك.
ومنها: أن اللغات توقيفية وليست تجريبية، توقيفية يعني معناها أن الله هو الذي علم الناس إياها، ولولا تعلم الله إياها ما فهموها. وقيل: إنها تجريبية بمعنى أن الناس كوَّنوا هذه الحروف والأصوات من التجارب، فصار الإنسان أولًا أبكم لا يدري ماذا يتكلم، لكن يسمع صوت الرعد، يسمع حفيف الأشجار، يسمع صوت الماء وهو يسري على الأرض، وما أشبه ذلك، فاتخذ مما يسمع أصواتًا تدل على مراده، ولكن هذا غير صحيح.
الصواب أن اللغات مبدؤها توقيفي، وكثير منها كسبي تجريبي يعرفه الناس من مجريات الأحوال، ولذلك تجد أن أشياء تحدث ليس لها اسم من قبل، ثم يُحدث الناس لها اسمًا إما من التجارب أو لغير ذلك من الأشياء، ولهذا غالب ما تجد من أسماء المسميات الحديثة إلا وجدته مطابقًا للمعنى الذي سُميت به.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الامتحان، امتحان الإنسان بما يدعي أنه مجيد فيه، ونحن في هذه الأيام في زمن امتحانات، وسيلقى عليكم أسئلة يقال: أخبروني بحكم كذا وكذا، نعم، امتحانًا إن أجبتم لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، فأنتم أخذتم أيش؟ صفر، وإن أجبتم بما فتح الله عليكم فهذا عدل كلٌّ في درجته.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التحدي بالعبارات التي يكون فيها شيء من الشدة؛ لأنه لم يقتصر على قوله: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ، بل قال: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة تتكلم، من أين تؤخذ؟ من قوله أيش؟ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا، وقوله: أَنْبِئُونِيأيضًا بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: اعتراف الملائكة عليهم الصلاة والسلام بأنهم لا علم لهم إلا ما علّمهم الله عز وجل. ويتفرع على ذلك أنه ينبغي للإنسان أن يعرف قدر نفسه، فلا يدعي ما ليس له، ولا يدعي ما لم يدركه.
ومن فوائد الآية الكريمة: شدة تعظيم الملائكة لله عز وجل، حيث اعترفوا بكماله وتنزيهه عن الجهل في قولهم: سُبْحَانَكَ، واعترفوا لأنفسهم بأنهم لا علم عندهم، واعترفوا لله بالفضل في قوله: إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما العليم، والثاني الحكيم، طيب العليم من الأسماء اللازمة ولّا المتعدية؟
طالب: اللازمة.
طالب: المتعدية.
الشيخ: المتعدية، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [البقرة: ٢٥٥]، فهي من الأسماء المتعدية، يقول العلماء: الاسم المتعدي لا يتم الإيمان به إلا بأمور ثلاثة: إثباته اسمًا لله، وإثبات ما دل عليه من صفة، والثالث: إثبات الحكم أو الأثر الذي يترتب على ذلك، فمثلًا العليم، نثبت العليم اسمًا من أسماء الله، ولا بد نثبت العلم الذي دل عليه العليم وهي الصفة، نثبت الأثر.