وأنت قد نجوت من هذا، ولهذا ذكرهم الله هذه النعمة وهي: أن عدوهم أغرق وهم
ينظرون.
ففي هذه الآية الكريمة أيضًا من فوائدها:
تذكير بني إسرائيل بما أنعم الله تعالى به عليهم حين فرق بهم البحر.
ووجه توجيه الخطاب إلى من كانوا موجودين في عهد الرسول أن إنعام الله على الأمة
في أولها إنعام عليها في آخرها، هذا وجه، وجه آخر أيضًا أذكره الآن وهو ينسحب على
ما سبق: أن هؤلاء الموجودين ذرية السابقين، ولو هلك السابقون ما وجد الآخرون، فيكون
إنجاء الأولين إنجاء لهم في الواقع لكنه غير مباشر، فصار خطاب هؤلاء بالنعم السابقة
من الإنجاء -من الغرق أو من قتل فرعون- له وجهان: الوجه الأول: أن ما حصل لأول
الأمة؟
طالب: نعمة على آخرها.
الشيخ: فهو لآخرها.
الوجه الثاني: أن هؤلاء ذرية السابقين،
ولو هلك السابقون ما بقي هؤلاء، فيكون في بقائهم بقاء هؤلاء المتأخرين.
من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، وجه
ذلك: أن هذا الجوهر السيال -وهو الماء- بمجرد أن ضرب موسى عصاه به تمزق، وأنتم
تعلمون البحر الأحمر، كم طوله؟ يعني: طوله طبعًا طويل، لكن عرضه مثلا من أفريقيا
إلى آسيا عرضه طويل، أنا لا أعرف، لكنه لا شك تجري فيه السفن، وبلحظة واحدة ضربة
واحدة انفلق كل البحر وصار طريقًا يبسًا، ففيه دليل على كمال قدرة الله عز وجل.
ومن فوائدها: الرد على علماء الطبيعة وقولهم: إن
الأشياء تجري على طبائعها، وإن الماء سيال هو سيال، يجمد عند البرودة يجمد، نقول
لهم: الله سبحانه وتعالى خلق للماء طبائع، وهو سبحانه وتعالى قادر على أن يغير هذه
الطبائع.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشيء
المعلوم يصح أن يؤتى به مبهمًا، لقوله: الْبَحْرَ؛ لأن
(أل) في البحر للعهد الذهني، وإلا معلوم أننا لو قلنا: إنها للعموم لكان الذهن يذهب
كل مذهب أيّ بحر هو؟ لكن لما كان معلومًا لم يحتج إلى تخصيص، اكتفاء بأيش؟ بأل التي
للعهد الذهني.
يتفرع على هذه الفائدة: أنه لو قال
شخص: والله لأكلمن القاضي اليوم بما جرى في البلد، ثم ذهب إلى رجل من القضاة ما هو
من القضاة الشرعيين، يعني: من القبيلة التي تعرف بالقاضي، وذهب وأخبر أحدهم بما
جرى، هل يكون بارًّا بالحلف باليمين أو حانثًا؟
الطلبة: حانثًا.
الشيخ: حانثًا،
يكون حانثًا؛ لأن ظاهر اللفظ أن (أل) للعهد الذهني.
لكن اعلموا أن اليمين تقيد
بالنية، ويحسن هنا أن نستطرد لهذا الموضوع، يرجع في الأيمان إلى نية الحالف إذا
احتملها اللفظ، ثم إلى سبب اليمين وما هيجه، السبب، ثم بعد ذلك إلى التعيين، ثم إلى
ما يحتمله اللفظ، أربع مراتب، الأيمان يرجع فيها قبل كل شيء إلى النية، ثم؟
الطلبة: السبب.
الشيخ: ثم
التعيين، ثم ما يحتمله اللفظ، وإنما قدمت النية؛ لأن الله نص عليها لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ [المائدة: ٨٩]، فجعل المرجع
إلى ما اعتقده الإنسان، وفي الآية الثانية قال: وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة: ٢٢٥].
فلو أن رجلا
قال: والله، لا أبيتن الليلة إلا على وتد، والله لا أنام الليلة إلا على وتد، قلنا:
أيش الكلام هذا؟ لا ينام على الأوتاد إلا الطيور، تعرفون الوتد؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: عبارة عن.
طالب: قطعة حطب.
الشيخ:
إي نعم، عن خشبة تدق في الجدار، تثبت في الجدار عشان تعلق عليها الثياب، نعم هو
قال: والله لا أنام الليلة إلا على وتد، إذن هذا يا ولد كيف تنام على وتد؟ أنت طير
من الطيور؟ فذهب إلى جبل حوله ونام عليه، بر بيمينه أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لأيش؟ لأنه هذا
هو اللي نوى، وإن كان ظاهر اللفظ خلافه، لكن هذا هو اللي نوى، واضح؟
وقال:
والله لا أنام الليلة إلا على فراشي، ثم خرج إلى خارج البلد ونام على الأرض، لأيش
ما فرشت؟ يقول: أنا نويت أن الأرض فراشي؛ لأن الله يقول: جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا [البقرة: ٢٢]، المهم إذا احتملها اللفظ يرجع إلى
النية.
لو قال: والله لأشترين اليوم خبزًا، فذهب واشترى سيارة، وانتهى اليوم
ولم يشتر خبزة واحدة، قلنا: الآن عليك كفارة حنث، قال: أنا نويت بالخبز السيارة،
يصلح؟
الطلبة: ما يصلح.
الشيخ: لأيش؟
الطلبة: لا يحتملها
اللفظ.
الشيخ: لا يحتملها اللفظ، هذا لا يحتملها اللفظ
إطلاقًا، فلا يقبل.
بعد ذلك السبب، وهذه أيضًا مهمة، وتقع كثيرًا من بعض الناس
في مسألة الطلاق، يقول مثلا لزوجته: إن كلمت أخاك فأنت طالق، بناءً على أنه قيل له:
إن أخا زوجتك هو الذي يفسدها عليك، فقال بناءً على هذا: إن كلمت أخاك فأنت طالق، ثم
تبين أن أخاها بريء من ذلك، فلا تطلق، لو كلمته لا تطلق، لماذا؟ لأن السبب تبين
خلاف ما بنى عليه الطلاق.
ومثل ذلك لو قال: والله، لا أدخل هذا البلد، بناءً
على أن أمير البلد يطلبه، يبحث عنه، نعم. قال: والله ما أدخلها، ثم تبين أن أمير
البلد لا يطلبه، يدخل البلد أو لا؟
الطلبة: يدخل.
الشيخ: السبب؟ لأنه مبني على أيش؟ على سبب لم يكن.
التعيين، التعيين مثل أن يكون عنده طلي صغير، أيش الطلي؟
الطلبة: الخروف.
الشيخ: لا، ما هو
الخروف، صغار الخرفان، قال: والله لا آكل لحم هذا الحمل، كبر الطلي وصار خروفًا،
صار كبشًا، وأكله، يحنث أو لا يحنث؟
الطلبة: لا يحنث.
الشيخ: التعيين يا إخوان؟ عين قال: هذا، فيحنث إلا إذا
نوى: ما دام على هذه الصفة.
مثال آخر قال: والله لا ألبس هذا القميص، ويعين، ثم
حوله وجعله سراويل، يلبسه أو لا؟ لو لبسه كفّر؛ لأنه عين قال: هذا القميص، إلا إذا
نوى ما دام قميصًا فلا. واضح؟
بعد هذا نرجع إلى أيش؟
طالب: ما يحتمله اللفظ.
الشيخ: إلى
ما يحتمله اللفظ، اللفظ له معنى في اللغة، ومعنى في الشرع، ومعنى في العرف، أحيانًا
تتطابق الثلاثة، وأحيانًا تختلف، إذا تطابقت الثلاثة واضح: السماء، الأرض، الصلاة،
لا الصلاة تختلف اللغة والشرع، إذا تطابقت فالأمر واضح، لكن إذا اختلفت في الأيمان
فماذا نقدم؟ هل نقدم العرف أو نقدم اللغة أو نقدم الشرع؟
طالب: الشرع.
الشيخ: لا، نقدم
العرف، فإذا قال: والله لأهبن لفلان شاة، ثم وهبه عنزًا، يكون بر بيمينه أو لم يبر؟
الطلبة: (...).
الشيخ:
العرف عندنا أنه لم يبر؛ لأن الشاة عندنا أنثى الضأن، وهذه أنثى ماعز، فلا يبر، إلا
إذا قال: أنا قصدت بالشاة مدلولها اللغوي، فحينئذٍ يكون قد بر؛ لأنه أراد المدلول
اللغوي.
فكذلك أيضًا قال: والله لا أصلي على فلان، فذهب وصلى عليه، يحنث أو لا
يحنث؟
طالب: يحنث.
الشيخ:
يحنث، لكن لو قال الرجل: أنا أردت الدعا، لا أدعو له، وأردت أيضًا لا أدعو له في
غير الصلاة عليه، نقول: النية مقدمة على كل شيء.
المهم أن مراتب الأيمان خمس؟
الطلبة: أربعة.
الشيخ:
أربعة.
الشيخ: الأول؟
الطلبة: النية.
الشيخ: ثم؟
الطلبة: السبب.
الشيخ:
السبب، سبب اليمين، ثم؟
الطلبة: التعيين.
الشيخ: التعيين، ثم؟
الطلبة: ما
يحتمله اللفظ.
الشيخ: ما يحتمله اللفظ، نعم.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة: ٥١ - ٥٤].
الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةوكان الله تعالى وعده قبل ذلك ثلاثين ليلة وأتمها بعشر، فتم ميقات ربه أربعين ليلة، وعده الله تعالى لمناجاته هذه المدة، وأناب أخاه هارون على قومه، وقال: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف: ١٤٢]، فكان هارون خليفة موسى في قومه حين ذهب لميعاد الله عز وجل، ثم إن بني إسرائيل -لعتوهم وعنادهم- اتخذوا عجلا من الذهب، اتخذوه إلهًا، وكان صاحب هذه الفكرة رجلا يقال له: السامري، صنعوا من الحلي الذي قيل: إنهم أخذوه من حلي آل فرعون، صنعوا منه ثورًا عجلا، وجعلوا له جوفًا تدخل منه الريح من الدبر وتخرج من الفم، فإذا دخلت الريح سمعوا له صوتًا كخوار الثور، فقال السامري: هذا إلهكم وإله موسى، موسى ذهب يطلب إلهه فضل؛ ولهذا مضت ثلاثون ليلة وزادت يطلب هذا الإله ولكنه نسي وضل وتاه، وهذا إلهكم وإله موسى، فجعل هارون يذكرهم بذلك ويقول: إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي [طه: ٩٠]، وهو نبي، ولكنهم أصروا استكبارًا وقالوا: لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [طه: ٩١]، وأصروا على عبادة العجل، رجع موسى عليه الصلاة والسلام ووجدهم على حالٍ ليست مرضية، على خلاف ما تركهم عليه وغضب، ألقى الألواح، وهي التوراة التي كتبها الله عز وجل بيده، ألقاها من شدة الغضب، وأخذ برأس أخيه ولحيته يجره إليه بشدة ويقول: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ [طه: ٩٢، ٩٣]، وكان هذا من شدة الغضب، وإلا في حال الرضا لا بد أن يسأل أولا: كيف ضلوا؟ قبل أن يقول: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ، لكن الإنسان بشر يعتريه ما يعتريه من الحال البشرية، قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [طه: ٩٤]، شوف هو خشي من موسى عليه الصلاة والسلام أن يقول: فرقت بين بني إسرائيل؛ لأنه لو قال أو زاد في وعظهم لانقسموا قسمين: قسمًا يكون مع هارون، وقسمًا آخر مع السامري، فكأنه عليه الصلاة والسلام ترك ذلك خوفًا من هذا، ومع ذلك هم أيضًا مصرون على ما هم عليه، اتخذوه إلهًا حتى عبدوه، والقصة مبسوطة في سورة طه.
اتخذوه إلهًا؛ ولهذا قال: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِالْعِجْلَمفعول اتَّخَذْتُمُالأول، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير: ثم اتخذتم العجل إلهًا، وقوله: مِنْ بَعْدِهِتفيد أنهم لم يتخذوه من أول وهلة، بل هناك مسافة وهي -كما قلت لكم- أنه لما مضت المدة التي حددها موسى عليه الصلاة والسلام، ثم زاد الله تعالى فيها، قالوا: هذا الإله ولكنه نسي.
وقوله: وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَالواو هنا للحال، حال من فاعل اتَّخَذْتُمُيعني: والحال أنكم ظالمون، ليس لكم عذر، وكيف يكون لهم عذر ونبيهم هارون يقول: يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي [طه: ٩٠].
وبعد هذا -الفعلة القبيحة الشنيعة- قال الله عز وجل: ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَوانظر إلى قوله: وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَهل هم ظالمون لأنفسهم؟ أو ظالمون لغيرهم؟ ظالمون لأنفسهم؛ فإن كل عاصٍ ظالم لنفسه، فإن تعدت مضرة معصيته إلى غيره صار ظالمًا لنفسه ولغيره.
ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْأي: تجاوزنا عن هذا الفعل، ورفعنا عنكم العقوبة، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَأي: لأجل أن تشكروا، ولعل هنا للتعليل، وكما أسلفنا من قبل ترد لعل لعدة معان منها: التعليل، وذلك كثير في القرآن الكريم، ومنها: الرجاء، ومنها: التمني، ومنها: الإشفاق والخوف، ومنها: التوقع، وكل هذا يعرف بالسياق.
وقوله: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَالشكر هو العمل الصالح، هكذا جاء في القرآن، دليله: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، وَقَالَ فِي الْمُؤْمِنِينَ: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ» . وهذا يدل على أن الشكر هو العمل الصالح، وهو كذلك لا شك فيه.
واعلم أن الشكر لا يكون إلا في مقابلة إحسان، بخلاف الحمد، الحمد يكون لكمال المحمود ولإفضال المحمود، فسببه أعم من الشكر، ولكن الشكر أعم من الحمد من حيث تعلقه بالقلب واللسان والجوارح، كما قال القائل:
| أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّــــــي ثَلَاثَـــــــــةً | يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا |
ومن فوائدها: إثبات كلام الله عز وجل؛ لقوله: وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَة، والوعد يكون بين متواعدين في الغالب بالقول، ثم إن هذا الميعاد اللي حصل كلمه الله عز وجل، حتى إن موسى عليه الصلاة والسلام من شدة شفقته على رؤية الله قال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف: ١٤٣].
ومنها: بيان سفه الأمة الغضبية -اليهود- حين اتخذوا العجل إلهًا، والعجيب أنهم هم الذين صنعوا العجل بأيديهم ثم اتخذوه إلهًا، ولكن لا تستغرب؛ فإن من يضلل الله فلا هادي له، والجاهليون من العرب يفعلون مثل هذا أو أشد، يقال: إنهم يصنعون من التمر إلهًا وإذا جاعوا؟ إذا جاعوا أكلوه، ما يدعونه إنه يأتيهم برزق، يعرفون أنه لن يملك ذلك، لكن يأكلونه، ويقولون: إنهم إذا نزلوا أرضًا أخذوا أربعة أحجار، واختاروا أحسنها أن يكون إلهًا، والثلاثة الباقية يجعلونها أثافي للقدر ينصبون القدر عليها.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ليس لبني إسرائيل عذر في اتخاذهم العجل إلهًا؛ لأن الحجة قد قامت عليهم؛ لقوله تعالى: وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ.
هل يستفاد من هذه الآية أنهم لو اتخذوا العجل إلهًا بدون ظلم لم يلاموا؟ أو يقال: إن هذا بيان لحالهم فقط؟ يحتمل هذا وهذا، يحتمل أن هذا بيان لحالهم وأنهم اتخذوه إلهًا من غير عذر، ويحتمل أن يكون دليلًا على أنه إذا كان الإنسان معذورًا فإنه لا يؤاخذ، ويدل لهذا قوله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص: ٥٩].
وعلى هذا فيكون في الآية دليل على أن من عمل عملا سيئًا -الشرك فما دونه- وهو معذور فإنه لا عقوبة له، ثم إن كان منتسبًا إلى الإسلام حكم له بظاهره بأنه مسلم، وإن كان منتسبًا إلى دين آخر ولم يبلغه دين الإسلام، فيعامل في الدنيا حسب دينه الذي هو عليه، وأمره في الآخرة إلى من؟ إلى الله عز وجل، فصار هذا هو التفصيل في مسألة العذر بالجهل.
إذا كان يتسمى بالإسلام، ويشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويحج ويعتمر، ويقول: إنه مسلم، لكن فيه شيء من الشرك بغير علم، عاش في هذه البلد التي فيها هذا الشرك ولا علم أن هذا شرك، فهذا يعامل معاملة أيش؟ المسلمين على ظاهر حاله، وكذلك أيضًا في الآخرة لا يؤاخذه الله؛ لأنه معذور.
وأما من كان معذورًا لكنه لا ينتسب للإسلام، على دين معين، فهذا يعامل في الدنيا معاملة الكافرين، يعني: أهل ذلك الدين، وفي الآخرة يقال: أمره إلى الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الثانية: بيان تفضل الله تعالى على بني إسرائيل، أنه بعد أن فعلوا ما فعلوا من هذا الشرك المبني على الضلال في الدين والسفه في العقل عفا الله عنهم؛ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يعفو عن الذنوب جميعًا بدون استثناء، لكن بعد التوبة، كما قال الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣].
لكن لو قال قائل: ليس في الآية الكريمة ما يدل على أنهم تابوا، فيقال: دلت الآية الأخرى على أنهم تابوا إلى الله عز وجل، وأنابوا إلى الله، وأنه أخذتهم ظلة، وأمروا أن يقتل بعضهم بعضًا، فلما علم الله منهم صدق الرجوع إليه، وأنهم امتثلوا حتى القتل، عفا الله عنهم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أنعم الله عليه نعمة دينية وجب عليه شكرها، كالنعمة الدنيوية؛ لقوله: ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وأيهما أعظم منة؟ الدينية لا شك أنها أعظم منة، فإذا من الله عليك بنعمة دينية، فاعتبرها من أكبر النعم وقم بشكرها، وشكر النعم الدينية من جنسها، فمثلا مَن منّ الله عليه بعلم، فإن من شكر نعمة الله عليه أن؟ أن يعلم، وينشر علمه، وكذلك مَن منّ الله عليه بمال، فإنه من شكر نعمة الله عليه بهذا المال أن يتصدق منه وينفع الفقراء ويصل الرحم ويبر بوالديه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العلل لأفعال الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، ولا شك عندنا في هذا: أن جميع أفعال الله وأحكام الله كلها مبنية على علل ومصالح، لكن منها ما يعلم، ومنها ما لا يعلم، وأما من قال: إن أفعال الله تعالى وأحكامه ليست مبنية على حكمة ولا تعلل بعلة، فلا شك أنه ضال في دينه، سفيه في عقله.
ثم قال عز وجل -مبينًا نعمة أخرى من أكبر النعم-: وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَآتَيْنَا مُوسَىأي: أعطيناه، وآتينا بالمد تنصب مفعولين، بخلاف أتينا؛ فإنها لا تنصب إلا مفعولا واحدًا؛ لأن آتى بالمد بمعنى أعطى، وأتى بمعنى جاء، يقول: آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَأعطيناه، وأل في الكتاب للعهد، أيّ العهود؟ الذهني، يعني: الكتاب المعروف عندكم وهو التوراة، وسمي كتابًا لأنه مكتوب، فقد كتب الله التوراة بيده جل وعلا.
وَالْفُرْقَانَالواو حرف عطف، والفرقان معطوف على الكتاب، وهل هو غيره؟ أو هو ولكنه من باب عطف الصفة على الموصوف؟ الجواب: الثاني، فالفرقان هو نفس الكتاب، فإن التوراة فرقان، فرق الله بها بين الحق والباطل، وبين العدل والجور، وبين أولياء الله وأعداء الله، إلى آخر ما يكون به التمييز والفرق، فعلى هذا يكون عطفها من باب عطف الصفة على الموصوف، أرأيت قول الله تبارك وتعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى: ١ - ٣]، والذي قدر فهدى هو الله عز وجل، لكن هذا من باب عطف الصفة على الصفة.
يقول جل وعلا: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَلعل هذه للتعليل كما سبق، وتَهْتَدُونَأي: تسلكون مسلك الهداية، والمراد بالهداية هنا التي ذكرها الله عز وجل: هداية الإرشاد وهداية التوفيق؛ وذلك لأن ما أوتيه موسى علم، فمن اهتدى به فقد علم، وكذلك علم يثمر عملا لمن وفق، فنفسر الهداية هنا بأيش؟ بهداية العلم وهداية التوفيق، العلمية والعملية.
في الآية الكريمة دليل على فوائد:
أولا: أن موسى نبي، بل رسول؛ لأن الله آتاه الكتاب، وكل من آتاه الله الكتاب فهو رسول، كما قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد: ٢٥].
ومنها: الثناء على التوراة؛ حيث سماها الله تعالى فرقانًا.
ومنها: الحكمة في إيتاء الكتاب والفرقان لموسى وهو الهداية.
ومنها: أن العلم سبب للهداية، لأجل التعليل في قوله: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، لكن هل السبب لا بد أن يكون مسببه أو قد يوجد مانع؟ قد يوجد مانع، وعلى هذا فلا يرد علينا أن يقول قائل: إننا نجد في العلماء من لم يهتد، نقول: لوجود مانع، وإلا فالأصل أن العلم سبب الهداية، وأن الهداية تقع بالعلم، لكن قد يكون هناك عوارض وصوارف توجب أن لا ينتفع الإنسان بما أعطاه الله تعالى من العلم كما هو معروف.
وتَهْتَدُونَالمراد بها هنا هداية العلم، أو العلم والتوفيق؟ العلم في كل حال، والتوفيق لمن شاء الله، (...) للهداية لكن من الناس من يهتدي ومنهم من لا يهتدي.
ثم ذكر نعمة أخرى أيضًا فقال: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْوَإِذْ قَالَيعني: واذكروا إذ قال موسى لقومه، والقوم بمعنى القبيلة، والفقهاء يقولون: إن القوم من الجد الرابع فما دونه، هؤلاء القوم في اللغة العربية.
قال: لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِناداهم بوصف القومية تحببًا وتوددًا وإظهارًا لأنه ناصح لهم؛ لأن الإنسان ينصح لقومه، يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْأكد الجملة لبيان حقيقة ما هم عليه وظَلَمْتُمْبمعنى: نقصتم أنفسكم حقها؛ لأن الظلم في الأصل بمعنى النقص، قال الله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [الكهف: ٣٣] يعني: تنقص، هذا هو الأصل، ولكن قد يراد به أكثر من النقص، إنما هنا ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْنقصتموها حقها، وذلك بمخالفة التوحيد.
فقال: بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَالباء هنا للسببية، أي: بسبب اتخاذكم العجل، واتخاذ مصدر، وفعلها اتخذ، وهو مضاف إلى فاعله، الكاف فاعل، والْعِجْلَمفعول أول، والمفعول الثاني؟
طالب: إلهًا.
الشيخ: محذوف، تقديره؟
طالب: إلهًا.
الشيخ: إلهًا، ظلمتم أنفسكم بسبب اتخاذكم العجل إلهًا تعبدونه من دون الله.
والعجل هذا سبق أنه عجل من ذهب صورة، وأن الذي فتن الناس بها رجل يقال له: السامري، اتخذوه إلهًا والعياذ بالله، فأرشدهم موسى صلى الله عليه وسلم إلى الخلاص من هذا الظلم العظيم قال: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْتُوبُواأمر بمعنى ارجعوا؛ لأن التوبة والأوبة معناها الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، والتوبة تكون بالإقبال على الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، إذا كان الظلم بترك واجب، فالتوبة بفعله، وإذا كان الظلم بفعل معصية، فالتوبة بتركها والإقلاع منها.
فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْما قال: إلى الله، ولا قال: إلى ربكم؛ لإظهار لومهم وتوبيخهم؛ لأن البارئ بمعنى الخالق المعتني، خالق معتني، فكأنه يقول: كيف تتخذون العجل إلهًا وتَدَعون خالقكم الذي يعتني بكم، وهذا كقول إلياس لقومه: أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ [الصافات: ١٢٥]، إِلَى بَارِئِكُمْأي خالقكم، أيش بعد؟
طالب: المعتني بكم.
الشيخ: المعتني بكم.
فَاقْتُلُواالفاء هنا تفسيرية؛ لأن قوله: اقْتُلُواتفسير للمجمل في قوله: تُوبُوا، وعلى هذا فالفاء للتفسير، أي: فتوبوا بهذا الوصف.
اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْأي: ليقتل بعضكم بعضًا، وليس المعنى أن كل واحد يقتل نفسه بالإجماع، ما أحد من المفسرين قال: إن معنى قوله تعالى: اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْأي: كل واحد يقتل نفسه، وإنما المعنى: يقتل بعضكم بعضًا، يقتل الإنسان ولده والده أخاه، المهم أنكم تستعدون وتتخذون سلاحًا -خناجر وسكاكين وسيوف- وكل واحد منكم يهجم على الآخر ويقتله، فهمتم؟
اختلف المفسرون هل هذا القتل وقع في ظلمة أو وقع جهارًا بدون ظلمة؟ فقيل: إنه لما أمروا بذلك، قالوا: لا نستطيع أن يقتل بعضنا بعضًا، فينظر الإنسان إلى ابنه فيقتله، وإلى أبيه فيقتله، وإلى أخيه، وإلى صديقه، هذا شيء ما يمكن، فألقى الله عليهم ظلمة وصار يقتل بعضهم بعض ولا يدري من قتل.
وقيل: بل إنهم قتلوا جهرًا بدون ظلمة، وإن هذا أبلغ في الدلالة على صحة توبتهم، إن الإنسان يقتل أي واحد أمامه، وأنه لما رأى موسى صلى الله عليه وسلم أنهم سينتهون؛ لأنه إذا صار بعضهم يقتل بعضًا من يبقى؟
طالب: يبقى واحد.
الشيخ: يبقى واحد، فلما رأى أنهم سينتهون ابتهل إلى الله سبحانه وتعالى أن يرفع عنهم الإصر، فأمروا بالكف، وقيل: بل سقطت منهم أسلحتهم، سقطت من أيديهم، والله أعلم، المهم أن ظاهر القرآن إنه ما حصل شيء، يعني: ما حصل ظلمة ولا شيء، وأنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضًا، وهذا أبلغ في الدلالة على صدق توبتهم ورجوعهم إلى الله سبحانه وتعالى.
وذهب بعضهم إلى أن المراد: يقتل البريء منكم المجرم، يعني: الذين دعوا إلى عبادة العجل وعكفوا عليه يُقتلون، والذين تبرؤا منه يَقتلون، والله أعلم، لكن الظاهر الأول؛ لأن قتل البريء للمجرم ما فيه دلالة على صدق التوبة من المجرمين؛ لأن الإنسان قد يُقتل وهو مصر على الذنب، ولا يدل ذلك على توبته، قال عليه الصلاة والسلام: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ.
طالب: قال عليه الصلاة والسلام في الحديث؟
الشيخ: إي، قال موسى.
طالب: إي.
الشيخ: نعم، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ، ذَلِكُمْالمشار إليه القتل، وهنا قال: ذَلِكُمْ، ولم يقل: ذلك؟ لماذا؟
طالب: جماعة.
طالب: لأنهم قوم.
طالب: شبه جماعة.
الشيخ: لأنه شبه جماعة لا.
طالب: خبر جماعة.
الشيخ: خطأ، انتبه، قال: ذَلِكُمْ، ولم يقل: ذلك، ولا يشير إلى جماعة.
طالب: يخاطب جماعة ويشير إلى واحد.
الشيخ: صحيح يخاطب جماعة ويشير إلى واحد وهو القتل، المشار إليه واحد، مفرد مذكر وهو القتل، والمخاطب؟
طالب: جماعة.
الشيخ: جماعة، وهم قومه. ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْقوله: خَيْرٌ لَكُمْيعني: من عدم التوبة، أو من عدم القتل، وهذا من التفضيل بما ليس في الطرف الآخر منه شيء، فهمتم؟ والتفضيل بما ليس في الطرف الآخر منه شيء هذا وارد في اللغة العربية، لكن بعضهم يقول: إنه يسلب منه التفضيل هنا، ويكون دليلًا على وجود الخير في هذا الأمر بدون تقدير المفضل عليه، فمثلا هنا يقول قائل: لو لم يقتلوا أنفسهم هل في ذلك خير؟
طالب: لا.
الشيخ: ما فيه خير؛ فلماذا قال: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ؟ نقول فيها جوابان:
أحدهما: أن هذا من باب التفضيل بما ليس في الطرف المفضل عليه منه شيء، كقوله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤]، خير مستقرًّا من أهل النار، مع أن أهل النار ليس في مستقرهم خير.
وبعضهم يقول: إنه هنا ليس اسم تفضيل لمثل هذا، بل فيه وصف هذا الشيء في الخيرية فقط، وليس من باب المفضل والمفضل عليه في شيء، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ.
ثم قال الله تعالى -ما نقول: قال صلى الله عليه وسلم، نقول: قال الله تعالى-: فَتَابَ عَلَيْكُمْهذا محط ذكر النعمة ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: لأن الأول: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِذكر الذنب والتوبة منه، لكن النعمة بأي شيء؟
طالب: بالتوبة.
الشيخ: بتوبة الله عليهم؛ ولهذا قال: فَتَابَ عَلَيْكُمْ. وتوبة الله على عبده معناه: أنه يرضى عنه بعد الغضب، ويقبل إليه بعد التولي عنه والإعراض عنه، إيه فَتَابَ عَلَيْكُمْهذا من كلام الله.
طالب: (...) وعد منه صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: لا، اذكر نعمة الله إذ قال: فَتَابَ عَلَيْكُمْفهي من كلام الله.
وقوله: فَتَابَ عَلَيْكُمْأيش معني تاب؟ أقبل إليكم بعد أن كان معرضًا عنكم، أو أن المعنى: تاب، أي: قبل التوبة، قبل التوبة منكم، ومن لازم قبول التوبة منهم أن يقبل الله إليهم.
ثم قال الله تعالى: إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُهو ضمير فصل، ويسميه بعض النحويين ضمير عماد؛ لاعتماد الخبر عليه، وضمير فصل؛ لأنه فصل بين الصفة والخبر.
وقد ذكرنا أن فيه ثلاث فوائد، من يذكرها؟ ضمير الفصل فيه ثلاث فوائد ذكرناها سابقًا، وأيش؟
طالب: الفصل.
الشيخ: إي نعم.
طالب: تعيين الخبر لما بعده.
الشيخ: إيه يعني: فصل، تعيينها لما بعدها خبر (...)، لا بأس، والثالث؟
طالب: التوكيد.
الشيخ: التوكيد، نعم.
وقوله: التَّوَّابُصيغة مبالغة، ولم يقل: التائب، نعم؛ لأن التائب تدل على مطلق الفعل، لكن التواب تدل على كثرته، تدل على كثرته، والله سبحانه وتعالى كثير التوبة لكثرة توبته على عبده، وكثير التوبة لكثرة من يتوب عليهم من الناس، فهو يتوب بالمرات المتعددة على عبده، ويتوب للأشخاص الكثيرين الذين يكثر توبتهم؛ لهذا جاءت الصيغة التواب.
وقوله: الرَّحِيمُأي: ذو الرحمة الواصلة للمرحوم؛ لأنها هنا صفة مشبهة لكن تدل على الفعل، يعني: أنه سبحانه وتعالى رحيم، يعني: راحم بالفعل.
توبة الله سبحانه وتعالى، وصف الله بالتوبة، ينبغي أن يعلم بأن توبة الله على العبد نوعان: توبة سابقة على توبة العبد، وتوبة لاحقة، أما توبته على السابقة على توبة العبد، فهي توفيقه للتوبة، وأما توبته اللاحقة بعد توبة العبد، فهي قبول التوبة؛ قال الله تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ [التوبة: ١١٧] إلى أن قال: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة: ١١٨]، قبله: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: ١١٨] تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم.
طالب: سؤال بخصوص العجل، هل كان هذا العجل يعني فيه نوع حياة؟
الشيخ: لا، الله بين: لَهُ خُوَارٌ [الأعراف: ١٤٨]، والحياة ما فيه حياة؛ لأن الله قال: عِجْلًا جَسَدًا [الأعراف: ١٤٨] ما فيه روح.
طالب: قول السامري: فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ [طه: ٩٦] تفسيرها (...) صح؟
الشيخ: الله أعلم، من الإسرائيليات اللي ما تصدق ولا تكذب، لكن ظاهر القرآن إنه ما فيه إلا مجرد صوت فقط، صوت كصوت العجل، أما أن يكون فيه روح فلا؛ لأن وصفه بالجسد دليل على أنه لا روح فيه؛ لأنه لو أطلق وقيل: عجلا، لظن الظان أن فيه روح، فخرج دفع هذا الوهم بقوله: جَسَدًا.
طالب: والقبضة.
الشيخ: نعم.
طالب: هذه القبضة؟
الشيخ: القبضة ما تعرف شو أثرت فيه، هل أثرت حسنًا بأن جملته وطلته مثلا أو أن هذه القبضة صار فيها تأثير بالصوت صوت هذا العجل، وكثير من المفسرين يقولون: إن هذا الصوت ما هو الطبيعي في هذا الشيء، وأن الريح تدخل من دبره وتخرج من فيه، فيكون لها صوت.
طالب: شيخ، التوبة بالنسبة للعبد وأيش الفرق بينها وبين التوبة بالنسبة لله (...)؟
الشيخ: لا فرق بينهما، كله الرجوع، إلا إذا قلنا: إن التوبة من الله معناها قبول توبة العبد، إي نعم، يكون معناها غير الرجوع، أما إذا قلنا: إن الله تاب عليهم، بمعنى رجع عن إعراضه عنهم بالإقبال عليهم، فيكون معناها واحد.
قال: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىيعني: واذكروا أيضًا يا بني إسرائيل، والخطاب لمن كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن إنعامه على الأمة أولها إنعام على آخرها، وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىلن تفيد النفي، لكنها تقتضي التأبيد ولَّا ما تقتضيه؟
طالب: ما تقتضي.
الشيخ: ما تقتضي التأبيد، إلا إذا قيدت به، ولكنها لها ثلاث حالات: تارة تقيد بما يدل على الغاية، كقوله هنا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ، لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى [طه: ٩١]، هذه واضحة إذا قيدت بما يدل على الغاية إنها لا تدل على التأبيد ولا تحتمل التأبيد، ولَّا لا؟
وتارة تقيد بما يدل على التأبيد، كقوله تعالى: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [البقرة: ٩٥].
والثالث: أن تأتي مطلقة: لن يقوم فلان. نعم، فهذه إن دلت القرينة على أنها تقتضي التأبيد فهي للتأبيد، وإن دلت القرينة على أنها لا تقتضي فهي محتملته، فمثلا: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة: ٢٤] هذي أيش (...)؟
طالب: تأبيد.
الشيخ: تأبيد، ما فيها أبدًا.
طالب: القرينة.
الشيخ: لكن القرينة تقتضي ذلك، إذن هذا حكم لن؛ ولهذا قال ابن مالك في الكافية:
| وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِلَنْ مُؤَبَّدَا | فَقَوْلَهُ ارْدُدْ وَسِوَاهُ فَاعْضُدَا |
قوله: اردد؛ لأن المعتزلة بل الأشعرية يقولون: لن للتأبيد؛ ولأجل ذلك استدلوا بقول الله تعالى لموسى: لَنْ تَرَانِي [الأعراف: ١٤٣] أن الله لن يرى، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولكن قولهم بلا شك مردود.
إذن لَنْ نُؤْمِنَ لَكَأي: لن ننقاد، ولن نصدق، ولن نعترف لك بما جئت به، حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، نرى بمعنى نبصر؛ ولهذا ما تنصب إلا مفعولا واحدًا؛ لأنها رؤية بصرية، فاعلها؟
طالب: نحن.
الشيخ: وين؟ مستتر جوازًا تقديره: نحن.
اللَّهَمفعول به، نعم، نَرَىفعل مضارع فاعله مستتر وجوبًا تقديره: نحن، نحن قلنا لكم: إذا كان الضمير تقديره: أنا أو أنت أو نحن، فهو واجب، وإذا صار هو أو هي فهو مستتر جوازًا، لكن (...) هذه مسائل بدهية ما هي صعبة، يعني من المسائل النحوية الصعبة، هذه يمكن اللي في الابتدائي يعرفها، وما يرضينا منكم هذا. كل ما كان الضمير تقديره: أنا أو نحن أو أنت فهو؟ مستتر وجوبًا، وإذا كان تقديره: هو أو هي، فهو مستتر جوازًا. هذا تقديره: نحن، فيكون مستترًا وجوبًا.
وقوله: جَهْرَةًهذه حال أو هي مفعول مطلق، أي: رؤية جهرة، متى قالوا ذلك؟ قيل: إنهم قالوا ذلك حينما اختار منهم موسى صلى الله عليه وسلم سبعين رجلًا...





