تفسير سورة البقرة - 12
عدد الزيارات 3741

طالب: (...) ذكره الله سبحانه وتعالى أنه لا تخرج الأسماك على ظهر الماء إلا (...) فيها الأسماك بكثرة، فهم أرادوا أن يحتالوا على الله سبحانه وتعالى، (...) صادوا شباكًا تدخل فيها الأسماك فتصيبها، ثم يأتون يوم الأحد، ويأخذون هذه الأسماك، فهم احتالوا على الله الحيلة.
الشيخ: هي كيف الحيلة؟
الطالب: الحيلة بأنهم اصطادوا الأسماك في يوم السبت، وأخذوها يوم الأحد.
الشيخ: كيف يعني؟
الطالب: يضعون شبكًا تدخل فيه، فهم الصيد حصل يوم السبت وكانوا أخذوا يوم الأحد.
الشيخ: هذه (...) حيلة.
طالب: (...) أنهم فتحوا الترع من خارج البحر، وجعلوا لها سواقي، فالموج يأتي ويدفع بالماء المحمل بالسمك، ويدخل داخل هذه السواقي فتسقط في الترع، ثم في اليوم الثاني تنحسر الماء، ويبقى السمك لا يستطيع الرجوع ويأخذوه يوم الأحد.
الشيخ: إي نعم، هاتان صفتان بعضهم قال: إنهم يضعوا شباكًا تدخل فيه السمك في يوم السبت ولا تخرج منه، وبعضهم يقول: لا، إنهم يفتحون السواقي على مجتمع من الماء، ثم تدخله الأسماك، فبهذا الفعل يعتبر؟ ويش الحكم، حلال ولَّا حرام؟
طالب: لا، حرام.
الشيخ: كيف حرام؟ هم ما صادوا إلا يوم الأحد.
الطالب: إنهم صادوا يوم السبت واحتالوا بأنهم صادوا يوم الأحد، لكن الصيد حصل في يوم السبت.
الشيخ: إي نعم، يعني حيلة هذه؟
الطالب: هذه حيلة.
الشيخ: هذه حيلة، والحيل محرمة؟
الطالب: والحيل محرمة.
الشيخ: هل العقوبة من جنس الفعل؟
طالب: العقوبة (...).
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: لأنهم عوقبوا بأن مسخوا قردة، فصارت أشكالهم أشكال الحيوانات (...).
الشيخ: أو أقرب ما يكون من الإنسان؟
الطالب: إي نعم، وهو أقرب ما يكون.
الشيخ: أقرب ما يكون للإنسان في الظاهر، نعم، وعملهم هذا أقرب ما يكون للحلال، ولكنه في حقيقته حرام، وهكذا القرود ظاهرها أنها تشبه الآدمي؛ لأنها تفهم، حتى إنهم يقولون: إنه قد يحصل اجتماع جنسي بين القرد والمرأة أحيانًا، يشتهيها كما يشتهيها الرجل، ولكنهم في الحقيقة، حقيقتهم أيش؟ حيوان، بهائم.
انقسم أصحاب هذه القرية إلى كم؟
طالب: إلى ثلاثة أقسام: ناس اعتدوا، وأناس نهوا عن المنكر، وأناس سكتوا.
الشيخ: سكتوا، الذين سكتوا هل كان لهم دور؟
طالب: الذين سكتوا قالوا: كفوا عن ناس الله سبحانه وتعالى معذبهم.
الشيخ: مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ.
الطالب: مُهْلِكُهُمْ.
الشيخ: عَذَابًا شَدِيدًا.
الطالب: عَذَابًا شَدِيدًا.
الشيخ: الغرض من هذا القول النهي عن موعظتهم أو أيش؟
الطالب: الظاهر أنه النهي عن الفعل (...) يئسوا من رحمة الله.
الشيخ: أيش قولك؟
طالب: الظاهر أنهم يئسوا من الاستجابة.
الشيخ: يعني: ما قصدهم النهي، يعني: ما قصدهم أنهم رضوا بالمنكر؟
الطالب: ما رضوا.
الشيخ: ما رضوا بالمنكر.
الطالب: لكنهم يئسوا.
الشيخ: لكنهم يئسوا، وقالوا: كيف تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا؟ والدليل على أنهم ما رضوا بالمنكر أنهم ذكروا عقوبتهم اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} [الأعراف: ١٦٤].
طالب: هذا يعتبر تثبيط؟
الشيخ: فيه نوع من التثبيط ما فيه شك، فيه نوع تثبيط، وقد يكون إنهم لما أيسوا أنهم ظنوا أن التذكير ما يجب إلا إذا نفع، كما في قوله تعالى : فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} [الأعلى: ٩].
الطالب: (...).
طالب: الطائفة الثالثة فيها اختلاف (...) بين حال الطائفة التي اعتدت، وحال الطائفة التي.
الشيخ: نهت، أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: ١٦٥].
الطالب: فالطائفة الثالثة فيها اختلاف، هل هي تدخل في الذين ظلموا، أو أن الله عز وجل سكت عنها فنسكت عنها كما سكت، (...) أنها تدخل مع الظالمين (...).
الشيخ: يعني: حتى إذا قلنا: إنه أخذت الثالثة فهم أخذوا بعذاب بئيس؛ لأن الذين قلبوا قردة هم الذين اعتدوا وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً} [البقرة: ٦٥]، وقال: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الأعراف: ١٦٦].
وحينئذٍ يبقى النظر: هل تدخل الطائفة التي قالت: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا}في قوله: أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ}؟ أو ما تدخل؟ قلنا: إن فيها خلافًا بين أهل العلم؛ لأن الله تعالى ذكر طائفتين أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا}، فصار عندنا منجَّى ومؤاخذ ومقلوب، المقلوب قطعًا هي الطائفة الثالثة المعتدية، والناجي الطائفة الناجية هذه واضحة، بقين: الذين ظلموا هل هم داخلون أو لا؟ كان نقول: ما يدخلون قطعًا؛ لأنهم ما هم بظالمين، لكن لما قال: أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ}قد يقول قائل: إن مفهوم ينهون هو قوله: الَّذِينَ ظَلَمُوا}؛ لأن الله جعله قسيمًا له، أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا}، فجعلهم قسيمًا له، وقسيم الذين ينهون عن السوء يشمل النوعين، الطائفتين: المعتدية، والتي قالت: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا}، ونحن نقول: الحمد لله، ما هو هذا الشيء من الأمور التي يلزمنا أن نرجح، نقول: الله أعلم، إذا ما تبين لنا ظاهرًا من القرآن فنقول: الله أعلم.
ثم قال الله تعالى: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} [البقرة: 66] فَجَعَلْنَاهَا}اختلف في قوله: فَجَعَلْنَاهَا}على من يعود الضمير في (ها)، (جعلناها) هل هي القرية لقوله: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ}، ويكون مرجع الضمير مفهومًا من السياق؟ أو هي عائد على العقوبة؟ فجعلنا العقوبة؛ لأن الله يقول: قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}، فَجَعَلْنَاهَا}أي: هذه العقوبة.
نمشي على الأول: فَجَعَلْنَاهَا}أي: هذه القرية، نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا}ويش معنى النكال؟ التنكيل بمعنى أن يعامل الإنسان بما لا يمكنه أن يرجع إلى ما عوقب به، نكلته يعني: عاملته بعمل لا يمكنه أن يرجع إلى ما عاقبته به، فقوله: نَكَالًا}يعني: جعلناها عقوبة تنكل ما بين يديها وما خلفها، أي: تمنعهم من أن يعودوا إلى نفس هذا العمل.
وقوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا}إذا قلنا: ضمير (ها) يعود على القرية، ويش معنى مَا بَيْنَ يَدَيْهَا؟ ويش يقصد بها؟ ما بين يديها من القرى وما خلفها، يعني: ما كان قريبًا منها؛ لأنهم علموا بها، وسينتهون.
وقيل: إن المراد: لما بين يديها زمنًا لا مكانًا، ولكن فيه إشكال؛ لأننا إذا قلنا ما بين يديها هو مستقبلها، فكيف يصح أن يكون ما خلفها ينكل وقد مضت؟ أوما فهمتم؟ عندنا الآن: ما بين يديها مكانًا، أو ما بين يديها زمانًا، إذا قلنا: مكانًا، فالأمر واضح ولا فيه إشكال، إذا قلنا: زمانًا، فإن فيه إشكالًا؛ لأنك إذا جعلت مَا بَيْنَ يَدَيْهَا}مستقبلها، وَمَا خَلْفَهَا}ماضيها، لم يصح أن تكون نكالًا لماضيها؟ ويش السبب؟ لأن الذين مضوا ما هم منتفعين بها، مضوا وانتهوا، ولكنهم قالوا: إننا نجيب عن هذا الإشكال بأن نجعل مَا بَيْنَ يَدَيْهَا}للحاضرين في عصرهم، وَمَا خَلْفَهَا}لما بعدها، كقوله تعالى: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف: ٧٩]، فالخلف والوراء قد يراد به الأمام، المستقبل، وعلى هذا القول ما يكون فيه إشكال، لا يكون فيه إشكال.
فأيهما أعم: أن تُجعل نكالًا لما حولها من القرى، أو نكالًا لمن في عصرها ومن بعدهم؟
الطلبة: الثانية أعم.
الشيخ: الثانية أعم، نعم؛ لأن كل من يأتي بعدك فهو خلفك، ولَّا لا؟ فمن يأتي بعدك فهو خلفك، فعلى هذا يكون القول الثاني أرجح: أن المراد بما بين يديه والخلف زمنًا لا مكانًا، وتكون هذه العقوبة نكالًا لمن كان في عصرهم ومن كان بعدهم إلى يوم القيامة.
هذا إذا قلنا: إن الضمير في (ها) يعود على القرية، وفهمتم الإشكال الذي يرد على هذا القول، ويش الإشكال الذي يرد على هذا القول؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: العقوبة.
الشيخ: إن (ها) تعود على القرية، وفيه إشكال وأجبنا عنه.
طالب: الإشكال على القرية؟
الشيخ: الإشكال على القرية: إنه لم يسبق لها ذكر، ما سبق لها ذكر، قولوا ما سبق لها ذكر، لكن أجبنا عنه شو هو؟
طالب: بأنه مفهوم.
الشيخ: بالسياق، مفهوم من السياق، بدليل قوله تعالى في سورة الأعراف: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ}.
إذا قلنا بأن الضمير (ها) يعود على العقوبة، فجعلنا هذه العقوبة نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا}، يصير المراد: لما بين يديها وما خلفها من الأعمال، لا من الزمان ولا من المكان، يعني: جعلنا هذه العقوبة تنكِّلهم عما بين يديها من المعاصي وما خلفها، يعني: المعاصي اللي سبق أن فعلوها ما يفعلوها، ما يفعلونها، والمعاصي المستقبلة أيضًا ما يفعلونها؛ لأنهم كلما تذكروا هذه العقوبة خافوا منها، فهمتم ولَّا لا؟
ونحن قد ذكرنا فيما مر: أنه إذا كانت الآية القرآنية تحتمل معنيين لا يتنافيان وجب حملها عليهما، وإذا كانا يتنافيان وجب الترجيح، فيعمل بالراجح، فإن لم يوجد مرجح وجب التوقف، ولَّا لا؟ مرت علينا هذه القاعدة وهي نافعة في التفسير، وفي الحديث أيضًا، أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين أيش؟
طلبة: وجب، لا يتنافيان.
الشيخ: لا، لازم من شرط: لا يتنافيان، وجب حملها عليهما؛ لأن كلام الله أوسع من مفهومنا، وإذا كانا يتنافيان -يعني: كالضدين والمتناقضين مثلًا- فإنه لا يمكن أن نحملها على معنيين متضادين، تحمل على الراجح منهما إن وجد مرجح، فإن لم يوجد مرجح وجب علينا أن نتوقف.
طالب: ذكرت أنه إذا كانت هاء الضمير تعود على العقوبة لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا}، يعني: إذا أرادوا أن يفعلوا معصية تذكروا هذه العقوبة؛ لأنه هو نزل فيهم العقوبة وأصبحوا قردة مع الحيوانات، فكيف تذكروا؟
الشيخ: إي نعم، هؤلاء القردة ماتوا صحيح، هذا وارد، لكن هؤلاء الجماعة ثلاثة أصناف: صنف سكتوا، وصنف نهوا، وصنف اعتدوا فقلبوا قردة وماتوا، هؤلاء الأصناف الآخرين الذين بقوا، يعني يَرِد عليهم أن يخطئوا فيعصوا الله، أليس كذلك؟ يمكن أن يخطئوا فيعصوا الله، ولكن يذكرون هذا الشيء فيمتنعون منه.
طالب: (...).
الشيخ: عملًا، لكن الأخير ما يصح إلا إذا جعلنا (ها) تعود على العقوبة.
الطالب: عودها على العقوبة ماذا يكون المعنى؟
الشيخ: يكون المعنى: جَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا}من الأعمال، يعني: تُنَكِّلُهم عن الأعمال، والمراد جنسهم؛ لأن السؤال الذي أورده الأخ وارد، لكن المراد جنسهم ولَّا اللي انقلبوا قردة ماتوا ما بقوا، فالمعنى أنهم يتذكرون إن أرادوا معصية سبق أن فعلوا جنسها تذكروا فارتدعوا، أو أرادوا معصية جديدة لم يسبق لها فعل جنسها أيضًا تذكروا وتركوا،
وقوله: وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ}جعلناها موعظة، أي: مكان اتعاظ، مكان اتعاظ لمن؟ للمتقين الذين يتقون الله، أما الذين قلوبهم قاسية ما عندهم تقوى، فإنهم لا يتعظون بهذه الأدلة، ودائمًا يقيد الله سبحانه وتعالى المواعظ بالمتقين، ومن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وما أشبه ذلك؛ لأن القاسي قلبه لا يلين -نسأل الله العافية- إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: ٩٦، ٩٧].
من هذا النوع: ما يوجد الآن في عصرنا، توجد الزلازل والكسوفات والفيضانات والرياح العاصفة، المتقي يتعظ بها ويخاف، ويعلم أن الله أرسلها عقوبة، وغير المتقي لا يلين قلبه ولا يتعظ ويقول: هذه مسائل طبيعية، ما لعقاب الله سبحانه وتعالى فيها أثر أبدًا، هؤلاء ليسوا بمتقين في الحقيقة، وإلا فالزلازل من العقوبات فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ}، والزلازل رجفة، رجفة في الأرض تزلزل بها فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [العنكبوت: ٣٧].
ولهذا بعض الكتبة ما حذروا الناس من هذه الزلازل، ما حذروهم المعاصي، وإنما جعلوا يتكلمون ويقولون: هذه عبارة عن سلسلة زلازل ستمتد إلى جدة وإلى كذا وإلى كذا، أنا ذكروا لي واحدًا أمس يقول: كتبوا في الصحف أنها ستمتد إلى جدة وتروح كذا، وأن أهل جدة أخذهم من الخوف ما غاب وما حضر، وأنهم قالوا: سنرحل إلى مكة؛ لأن مكة ما جاءها زلزال، هكذا قالوا، وواحد حدثني من أهل جدة أمس عندنا يقول: حتى إنها اضطرت وزارة الإعلام أن تكذب هذا الخبر وتخلي ناس من الخبرا يتكلمون بالتلفزيون عن الزلازل وعن جدة ما يجيئها زلازل، وأن الزلازل أكثرها في البحار -من نعمة الله أنها أكثرها تكون في البحار، ما تكون في اليابس- هكذا سمعت ولا ما تبعت الخبر هذا؟ لكن كان الواجب على المسلمين، يا جماعة الواجب عليهم مو بهذا، الواجب أنهم يخوفون الناس مهما قلنا: إنها أسباب طبيعية، فمن الذي قدر أن يكون السبب الطبيعي في هذا الوقت المعين، وفي هذه الأمة المعينة إلا الله، معصيتهم مكتوبة، والطائفة مكتوبة، والزمن مقرر، والمكان مقرر، من قديم في الأزل، لنفرض أن هذه لها أسباب حسية، لكن تقديرها في زمن وفي الأمة التي سكنت على هذا الجزء الذي اهتز؟ هذا مو بتقدير الله؟ بتقدير الله عز وجل، إذن فهذا شيء مكتوب من قبل.
هؤلاء كتب عليهم أن يعصوا، ولكن طبعًا معلوم أنهم بين لهم الحق، لو اهتدوا لرفع عنهم العذاب مثل ما رفع عن قوم يونس، قوم يونس أخذهم العذاب لكن آمنوا، فرفع الله عنهم فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ} [يونس: ٩٨]، فَلَوْلَا}بمعنى: ما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها بعد أن نزل بأس الله بها إلا قوم يونس.
أنا قصدنا: أن المواعظ الشرعية التي تكون بالوحي أو المواعظ الكونية التي تكون بالفعل، بالتقدير، هذه ما ينتفع بها إلا المتقون المؤمنون العارفون بالله، أما غيرهم فلا ينتفعون بها، وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا}قطعة من العذاب تنزل عليهم من السماء يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ} [الطور: ٤٤]، نعم، نسأل الله العافية.
قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: ٦٧] وهذه من بلايا بني إسرائيل، استمعوا إليه: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ}قومه إضافة القوم إليه؛ لبيان أنه عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يقول لهم إلا ما فيه الخير؛ لأن الإنسان سوف ينصح لقومه أكثر مما ينصح لغيرهم، مع أن الرسل عليهم الصلاة والسلام ينصحون لأممهم عمومًا.
طالب: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً}إذا كان هذا الضمير يعود إلى القرية، فكيف تكون القرية هي الموعظة؟
الشيخ: قلنا: موعظة: مكان اتعاظ.
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} [البقرة: ٦٧] من قومه؟ بنو إسرائيل، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}قالها في جوابٍ ذكره الله في أثناء القصة: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: ٧٢].
قُتِلَ منهم نفس، وقد ذكر المفسرون هنا إسرائيليات كثيرة حول هذا الموضوع، ولكننا نحن لا يعنينا أن نعين من هذا القاتل ومن هذا المقتول، هل هو ابن عم؟ وهل هو يريد ماله؟ وهل هو يريد كذا؟ ما علينا من هذا، نعم، إنما قتلت نفس فَادَّارَؤوا فيها، يعني: تخاصموا وتدافعوا حتى كادت تثور الفتنة بينهم، ولا حاجة بنا إلى أن نعلل لماذا قتل أو لأي غرض، هذا ما هو من شؤوننا؛ لأن القرآن ما تكلم به، ولكن غاية ما يكون أن نأخذ عن بني إسرائيل ما لا يكون فيه قدح في القرآن أو تكذيب له، هم قتلوا نفسًا فادارؤوا فيها واختصموا، كل يدعي أن هؤلاء قتلوه، وكادت الفتن تقوم بينهم، فقالوا: ما حاجة إلى أننا نتقاتل ويُذهِب بعضنا بعضًا، نذهب إلى نبي الله موسى ويخبرنا من الذي قتله، فذهبوا إليه، فقال لهم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}صدّر الأمر من الله، ما قال: آمركم، ولا قال: اذبحوا، قال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}؛ ليكون أدعى إلى قبولهم وامتثالهم؛ لأنه لو قال: اذبحوا بقرة، قد يتوهم متوهم أن هذا من اجتهاداته، من موسى، لكن إذا قال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ}ارتفع إيهام الاجتهاد، ولَّا لا؟ ووجب أن يكون قولًا جادًّا لا هُزْءًا، شوف إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ}، ومع هذا اللفظ الصريح أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةًقالوا: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا}-أعوذ بالله- أتهزأ بنا؟ مع أنه أسنده إلى الله، وهذا -والعياذ بالله- من عتوهم، كيف هو نبيهم ويعرفون أنه نبي ومؤمنون به، ويسند الأمر إلى الله، ثم يقولون: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا}هل هذا ممكن؟ ما يمكن، لو نسب الفعل إليه لقلنا، وإن كان بعيدًا، لكن قد يكون أنه يريد أن..، لكن هذا بعيد، يعني باعتبار أنه نبي ومعصوم عن أن يهزأ بالخلق ما يمكن يقع، لكننا نقول لهؤلاء تنزُّلًا مع عقولهم: لو أن موسى صلى الله عليه وسلم قاله من عند نفسه لقلتم: لعل هذا اجتهاد منه وليس بأمر من الله، لكن إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ}ثم يقولون: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} {هُزُوًا}هذه مصدر، وهي بمعنى اسم المفعول، أي: أتتخذنا مهزوءًا به، ويجوز أن تكون هزءًا على بابها ويصير المعنى: أتتخذنا ذوي هزء، فحُذِف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، على كل حال هي بمعنى: أتهزأ بنا؟ لكنها أشد؛ لأن اتخاذ الشيء معناه: الاستمرار فيه، اتخذت الشيء، أي: جعلته مأخوذًا لي، كأنه أمر أقبله وأستمر فيه، فهو أعظم من قولهم: أتهزأ بنا؟ يعني: كأنك اتخذتنا ألعوبة، ألعوبة لك، تقول: أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً؟ ويش علاقة البقرة بهذا المقتول؟ هذا هزء، لكن ماذا أجاب؟
قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}، ولم يقل: من المستهزئين قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}، والمراد بالجهل هنا ليس ارتكاب الخطأ عن غير عمد، ولكنه ارتكاب الخطأ عن عمد؛ لأن الجهل يطلق على السفه، كما في قوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء: ١٧]، يعني: أعوذ بالله أن أكون من ذوي الجهل والسفه، فأتخذ عباد الله هزوًا، ولا سيما وأنا أسندت الأمر إلى الله، هذا أمر مستحيل؛ ولهذا استعاذ منه؛ لأنه أمر لا يليق، أولًا: لا يجوز بالنسبة إلى إسناد الأمر إلى الله وهو ليس منه، والشيء الثاني: أنه لا يجوز أن يتخذ الإنسان أحدًا من عباد الله هزوًا، لا سيما في مثل هذا المقام.
وفي هذا دليل على أن الهزء بالخلق من السفه.
طالب: لم يقل: من المستهزئين، لأيش؟
الشيخ: لأجل أن يبين أن الاستهزاء بالخلق أو اتخاذهم هزوًا من الجهالة والسفه.
طالب: أنت قلت شيخنا: الاتخاذ بمعني الاستمرار في الفعل، إذن قول الله عز وجل: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} [الأعراف: ١٤٨] فهم ما استمروا على ذلك؟
الشيخ: لا لا، حتى جاء موسى.
الطالب: يعني: ما استمروا طول حياتهم على ذلك.
الشيخ: إي، ما هو لازم؛ لأن الاستمرار بحسب الشيء، ما هو بلازم أنهم يستمروا طول حياتهم، المعنى: أنهم بس مستمرين؛ لأن الفعل يدل على الاستمرار، اتخذت هذا ثوبًا، يعني: معناه بلبسه دائمًا حتى يبلى، وهؤلاء اتخذوه، ولولا أن موسى جاء لاستمروا عليه.
طالب: هزوًا بضم الزاي، ولا؟
الشيخ: هزوًا بضم الزاي، ما هي عندكم بضم الزاي؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: وعندي فيها قراءتان أيضًا: {هُزْءًا} و{هُزُؤًا} ، ثلاثة، عندي فيها قراءتان غير اللي في الأصل.
وفيها أيضًا إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ}فيها قراءة التسكين {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرْكُمْ} ، {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرْكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} (...).
طالب: أيش وجهه؟
الشيخ: وجه هذا التخفيف، ولا ما لها وجه؟
(...)
قوله: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ} {أَعُوذُ}بمعنى أعتصم بالله، والاستعاذة ما تكون إلا بالله سبحانه وتعالى، أو بأحد فيما يقدر عليه ولَّا لا؟ إي نعم «مَنِ اسْتَعَاذَكُمْ فَأَعِيذُوهُ» .
قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}إذن، تبرأ من اتخاذهم هزوًا، بل أبلغ من التبرؤ، سأل الله أن يعصمه منه، وأنه أمر جدير بأن يستعيذ المرء منه.
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ}ما رأيكم لو أنهم ذهبوا وذبحوا بقرة، وامتثلوا ما أمروا به؟ انتهى الأمر؛ لأن (بقرة) مطلقة أيسر، لكن بقرة مطلقة ما فيها أي وصف، لكنهم -والعياذ بالله- شددوا فشدد الله عليهم، وهكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ» . نعم، كل أمور الإنسان اللي تطلب فيها التشديد تصاب بأشد، حتى في أمور الطهارة، نعم، بعض الناس مثلًا قد يصاب بوساوس، ثم ينفتح عليه ما هو أشد، أو يروح بيغسل ثوبه من شيء فيه شبهة (...) أصيب بنجاسة محققة، فيشتد عليه الأمر، فالحاصل لو أنهم ذبحوا بقرة -أي بقرة كانت- انتهى الموضوع، لكنهم -والعياذ بالله- قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ}، شوف هذا الأسلوب الجاهل: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ}ما قالوا: ربنا، ولا ادع الله، كأنهم بعيدون من موسى ومن ربه سبحانه وتعالى، ادْعُ لَنَا رَبَّكَ}جعلوه في منزلة المرسول لهم الخادم، نعم، الذي يدعو ربه هو -نسأل الله العافية- وهذا من عتوهم يدلك على أن بني إسرائيل -والعياذ بالله- عندهم عتو، وأن الله سبحانه وتعالى جعل موسى نبيًّا لهم، وأنهم جديرون بأن يكون لهم مثل موسى عليه الصلاة والسلام في القوة.
فوائد في هذه الآية:
أولًا: أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم أحدًا، فكل من آمن بالله واليوم الآخر، فإن له أجرًا.
الفائدة الثانية: ثمرة الإيمان بالله واليوم الآخر وهو ثبوت الأجر وانتفاء الخوف والحزن، الخوف من أين؟ مما يستقبل، والحزن على ما مضى.
الفائدة الثالثة: أنه لا فرق في ذلك بين جنس وآخر، فالذين هادوا والنصارى والصابئون مثل المؤمنين إذا آمنوا بالله واليوم الآخر، وإن كان المؤمنون من هذه الأمة يمتازون على غيرهم وهم أكثر أجرًا، لكن لهم أجرهم.
طالب: (...) الصابئون، القول الصحيح فيهم؟
الشيخ: القول الصحيح أنهم من لا ينتسبون إلى دين في أصلهم، ما ينتسبون إلى دين، فإذا آمنوا بالله واليوم الآخر، يعني: مثل ما جاءتهم رسل ينتسبون إليهم.
الفائدة الرابعة: أن الجزاء قد يختلف بحسب الأمم؛ لقوله: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ}أجرهم، ما قال: الأجر وأطلق، أَجْرُهُمْ}، هذه الأمة يضاعف أجرها، والأمم السابقة لا يضاعف، أليس كذلك؟ إذن أَجْرُهُمْ}تفيد هذا ولَّا لا؟ تفيد؛ لأنه أضاف الأجر إلى نفس المأجورين، فيعطون الأجر الذي قدر لهم وكتبه الله لهم، إن كان مضاعفًا فهو مضاعف، وإن كان غير مضاعف فهو غير مضاعف.
الفائدة الخامسة: أنه إذا ذُكِر الثناء في الشر على طائفة، وكان منهم أهل خير، فإنه ينبغي ذكر أولئك الذين اتصفوا بالخير حتى لا يكون (...)؛ لأنه بعد ما قال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [البقرة: ٦١] بين أن منهم من آمن بالله واليوم الآخر، وأن من آمن بالله واليوم الآخر، فله أجره ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
طالب: (...).
الشيخ: لا؛ لأنه من تمام الإيمان بالله: الإيمان بالرسل، والإيمان بملائكته، وكتبه، والقدر خيره وشره، كل هذا داخل في الإيمان بالله؛ لأن الله أخبر عنه.
قال: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} [البقرة: ٦٣، ٦٤].
في هاتين الآيتين:
أولًا: تذكير الله تبارك وتعالى لهذه الأمة –يعني: بني إسرائيل- بما أخذ عليهم من عهد في قوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ}، وهذا التذكير معناه الالتزام، يعني: فالتزموا بالميثاق، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ : ثانيًا ، عتو بني إسرائيل حيث لم يؤمنوا إلا من تحت السياط، كما يقولون، لماذا؟ ما آمنوا إلا حينما رفع فوقهم الطور، وقيل: إما أن تأخذوا ما آتيناكم بقوة، وإلا أسقطناه عليكم، فحينئذٍ آمنوا، وهذا الإيمان في الحقيقة شبه اضطراري، وكل إنسان بيؤمن على الأقل خوفًا من الهلاك.
وفيه أيضًا: دليل على قوة الله عز وجل؛ لقوله: وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ}، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} [الأعراف: ١٧١]، من يحمل جبل الطور؟ ما أحد يستطيع، ما أحد يستطيع من الخلق أن يحمله، ولكن الله تعالى بقدرته حمله وصار كالظلة، الأحجار العظيمة الثقيلة الكبيرة أمسكها الله بقدرته، كما أنه جل وعلا يمسك الطير صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} [الملك: ١٩] إذا صار يقبض تقول: نعم يقبض إذا كان هكذا يدخل الهواء وحمل نفسه، لكن غريب أنه صافات، صافات ما تتحرك أجنحته، ومع ذلك تندفع أو تقف أحيانًا، من الذي أمسكهن؟ ما يمسكهن إلا الله. ففيها أيضًا: دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى.
وفيه أيضًا: دليل على أن الواجب على أهل الملة أن يأخذوا كتابهم بقوة مو بضعف ولين ومداراة، لا، لا بد بقوة، بالتطبيق والدعوة، تطبيق على أنفسهم والدعوة إلى ذلك بقوة بدون فتور، وبدون تراخي؛ لأنه ما تتم المسألة إلا بهذا.
وفيه أيضًا: دليل على أن الأخذ بالكتاب المنزل يوجب التقوى، من أين نأخذه؟ من قوله: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} {لَعَلَّكُمْ}أي: لأجل أن تكونوا من المتقين لله عز وجل.
الفائدة السادسة: لؤم بني إسرائيل أنهم بعد هذا لما رجع الجبل إلى مكانه، ماذا كان؟ تولوا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}، وهذا من اللؤم؛ لأن الواجب أن يذكروا الأمر الأول حتى يستقيموا ويستمروا على الأخذ بقوة، لكن هم تولوا من بعد ذلك، من بعد ما رأوا الآيات تولوا.
الفائدة السابعة: بيان فضل الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل؛ لقوله: فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، وهذه الأمة -ولله الحمد- فضل الله عليها أكبر من فضل بني إسرائيل.
وفيه: دليل على أن الإنسان لا يستقل بنفسه في التوفيق، من أين؟