طالب: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ [البقرة: ٢٢٢].
الشيخ: قلناها.
طالب: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا [النازعات: ٤٢].
الشيخ: ذكرناها.
طالب: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى [البقرة: ٢٢٠]
الشيخ: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىسبعة.
الطالب: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا [طه: ١٠٥]
الشيخ: نعم، ثمانية.
الطالب: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ [البقرة: ٢١٧]
الشيخ:
تسعة.
الطالب: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [الإسراء: ٨٥]
الشيخ: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِعشرة.
طالب: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ [المائدة: ٤]
الشيخ: نعم، إحدى عشر.
طالب: (...).
الشيخ:
ذكرناها، ما بقي إلا واحدة.
طالب: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [الكهف: ٨٣]
الشيخ: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِهذه اثنا عشر.
طالب: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة: ١٨٦]
الشيخ: لا ما هي منها.
طالب: يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ [النساء: ١٢٧].
الشيخ: طيب، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّيما تصلح؟
طالب: لا تصلح.
الشيخ: تصلح؟
طالب: مثل يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ.
الشيخ: نعم هم سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟
لكن
ما قالوا: يسألونك.
طالب: يَسْتَفْتُونَكَ(...).
الشيخ:
طيب الاستفتاء مبني على السؤال، لكن بس الإنسان، إن كان مراد ابن عباس السؤال بهذا
اللفظ، احنا نسقط يَسْتَفْتُونَكَمرتين يبقى عندنا
واحدة.
طالب: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا.
الشيخ:
ذكرناها، هي اللي عدت.
طالب: (...).
الشيخ: إذا كان المعنى واحد ما في عبرة في (...).
طالب: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ [البقرة: ٢١٥]
الشيخ: قلناها،
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ [الأنفال: ١] قلتوها؟
الطلبة: ما قلناها.
الشيخ: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِاثنا عشر، بإسقاط يَسْتَفْتُونَكَ، طيب، على كل حال هنا أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا، الصحابة رضي الله عنهم بقي
فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام كم من سنة؟ ثلاث وعشرين سنة، ما سألوه إلا اثني
عشر سؤالًا، هذا كما جاء في القرآن، وأما في السنة فكثيرًا ما يسألون الرسول عليه
الصلاة والسلام عن أشياء.
طالب: يا شيخ؟ الأقرع بن
حابس الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سراقة؟
الشيخ: لا الأقرع بن حابس، سراقة سأله لما أمر بالتمتع، قال:
ألعامنا هذا أم لأبد؟ قال: «بَلْ لِأَبَدٍ» .
طالب: هل السؤال للرسول صلى الله عليه وسلم خاص أم
عام؟
الشيخ: أيش؟
الطالب:
خاص أم عام؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: (...)
الشيخ: هو بعد وفاة
الرسول ما هو ممكن هذا، بعد وفاة الرسول ما يمكن يحرم شيء ولا يحلل شيء؛ لأن الحرام
والحلال قد ثبت، ولهذا بعد وفاة الرسول اسأل ولا حرج عليك، لكن ما ينبغي عاد أن
تسأل الأغلوطات، هؤلاء الذين يأتون بهذه الأشياء التي تحرج ولا يكون فيها خير، تجده
مثلًا يسأل: ما لون كلب أصحاب الكهف؟
طالب: ما لونه؟
الشيخ: دوّر، راجع بالكتب كتب التاريخ، يمكن يمضي خمسة
أيام ستة أيام وهو يطالع كتب التاريخ، والفائدة؟ لا شيء، الفائدة لا شيء، ومن هذا
أيضًا عناية بعض المحدثين بالمبهَمين، جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله
كذا وكذا، جاء أعرابي فقال: يا رسول الله كذا وكذا، بعض الناس يكون عنده نهمة ليطلع
من هذا السائل؟ ومن هذا الرجل؟ هذا بالحقيقة لا شك أن العلم به خير من الجهل به،
لكنه من فروع العلم، بمعنى إنه ما ينبغي أن نمضي أعمارنا بطلب مَن هذا القائل من
هذا السائل.
طالب: شيخ، ممكن السؤال هذا يترتب عليه
أشياء مفيدة؟
الشيخ: احنا قلنا: إن معرفته خير، لكن ما
هو معنى أن نمضي أعمارنا عشان نفهمه، فالحاصل إن السؤال عن الأشياء التي تعتبر
أغلوطات وألغاز وأحاجي حتى بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام ما ينبغي، ولهذا
كان بعض السلف إذا سُئل عن شيء قال للسائل: أوقعت بك؟ إن قال: نعم، قال: سيعين
الله، الله ما ينزل بلية إلا أنزل لها حلًّا، وإن قال: ما وقعت بي، قال: ما أنا
مفتيك؛ لأنهم ما (...) يتعبون أنفسهم مثلًا في طلب الحكم إذا كانوا ما يحسنونه، أو
أنهم يضعون حكمًا قد يتغير رأيه فيه فيما بعد، ويكون هذا السائل قد أخذ به، إلا في
أمر وقع، يعني إذا وقع الأمر لا بد من إيجاد الحل، فالمسائل الأغلوطات التي يأتي
بها بعض الناس ويسألون إذا كان ليس فيها مصلحة فلا تنبغي، أما إذا كان فيها مصلحة
مثل إنسان بيمرن طلبته على هذه المسائل، فهذا لا شك إنه من باب العلم، وهو طريق من
طرق التعليم، وقد ألقى النبي عليه الصلاة والسلام على أصحابه لغزًا، ما هو؟
الطلبة: الشجر.
الشيخ:
الشجر. أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ [البقرة: ١٠٨] رَسُولَكُمْأضافه الله تعالى إليهم،
فقال: رَسُولَكُمْ، مع أنه في آيات كثيرة أضافه الله
إلى نفسه يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ [المائدة: ١٥]، فما هو الجمع بين ذلك، هل هذا من باب التعارض
والتناقض؟ أو أن كل واحدة من الإضافتين تُنَزَّل على حال؟ نقول: كل واحدة من
الإضافتين تنزل على حال، فهو رسول الله باعتبار أنه أرسله، وهو رسولنا باعتبار أنه
أُرسل إلينا، نعم، والمراد به محمد صلى الله عليه وسلم بالإجماع، كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ، هو موسى سُئِل؟
الطلبة: كثير أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء: ١٥٣]
الشيخ: إي نعم، إلى
هذا الحد أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء: ١٥٣]،
والبقرة عدة أسئلة وردت فيها، واجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨]، وغير ذلك، فبنو إسرائيل هم المشهورون
بالأسئلة والتعنت والإعياء والإعجاز، أما هذه الأمة فإنها قد أدبها الله عز وجل
فأحسن تأديبها، ما يسألون إلا عن أمر لهم فيه حاجة، كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ، الاستنباط بيأتي بعد، وهذا إنكار من الله عز
وجل على هذه الأمة أن يكون دأبهم السؤال للرسول صلى الله عليه وسلم كما كان دأب بني
إسرائيل.
وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ، يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ، يعني يأخذه بديلًا، شو عنه؟ عن الإيمان، وهذا يشمل من بقي على
كفره بعد عرض الإيمان عليه، ومن ارتد بعد إيمانه فإنه في الحقيقة تبديل؛ لأن كل
مخلوق يولد على الفطرة، كل مولود يولد على الفطرة، فإذا كفر فقد تبدل الكفر
بالإيمان، وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ، طيب، ما مناسبة آخر الآية لأولها؟ مناسبتها
ظاهرة؛ لأن كثيرًا من الناس الذين يسألون قد يسألون ولا يعملون، لا سيما في الوقت
الحاضر، فإن كثيرًا من الناس يسأل فلان وفلان وفلان وفلان، ما يريد أن يعمل، يريد
أن يعلم ما عند الناس فقط، أما العمل فلا، ولهذا نحن جربنا ذلك في مواسم الحج، تجد
السؤال يُطرح على عدة علماء، ومعنى ذلك أن السائل ما أراد الحق؛ لأنه لو أراد الحق
لكان إذا استفتى من يثق به أخذ به وانتهى، لكن يجي يسأل هذا ويسأل هذا، وتجد هذا
السؤال يتردد بين علماء كثيرين، كلما بحثنا عالم ولا عنده علم منه؛ لأنه مسؤول عنه،
ربما يبحث عن الأسهل نعم، وربما إذا كلهم ما جازوا له، قال: خلاص، دول متناقضين ما
عندهم علم، والعلم براسنا (...) وهذا أمر معروف، فالإنسان الذي يتبدل الكفر
بالإيمان، بمعنى أنه لا يتبع الحق بعد ظهوره فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ، ضَلَّبمعنى: تاه، وسَوَاءَبمعنى: وسط، والسَّبِيلِالطريق، يعني: خرج عن وسط الطريق إلى حافات الطريق وإلى شُعَبها، وطريق الله تعالى
واحد، فالواجب عليك أن تمشي في سواء الصراط، في الوسط حتى لا تضل.
ثم قال
تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا، وَدَّبمعنى: أحب، بل إن الود خالص المحبة، خالص المحبة يسمى
ودًّا، والمعنى أن كثيرًا من أهل الكتاب يودون بكل قلوبهم أن يردوكم كفارًا، ويردوا
بمعنى يُرجعوا، وعلى هذا فهي تنصب مفعولين؛ الأول: الكاف في يَرُدُّونَكُمْ، والثاني كُفَّارًا، يردونكم، أي: يرجعونكم كفارًا، وقوله: لَوْهذه مصدرية ولّا شرطية؟
طالب: مصدرية.
الشيخ: هذه مصدرية،
يعني: ودوا ردَّكم كفارًا، فهي مصدرية، وهي كلما أتت بعد ما يدل على المودة والمحبة
فإنها مصدرية، أحب لو تفعل كذا وكذا، أود لو تفعل كذا وكذا، وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [الممتحنة: ٢]، فتكون مصدرية كلما
جاءت بعد فعل يدل على المحبة. وقوله: يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ، وهذا أشد إن الإنسان - والعياذ بالله - بعد أن يؤمن
يرتد، ولهذا الكافر الأصلي اللي ما آمن من قبل يُقَرّ على كفره، وأما الذي آمن ثم
كفر فإنه لا يقر، بل يقال: إما أن ترجع إلى الإسلام الذي خرجت منه، وإما أن تُضرب
عنقك.
وقوله: كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، حَسَدًاهذه مفعول من أجله، أي:
لأجل الحسد، وعامله قوله: وَدَّ، يعني: هذا الود لا
لشيء، ولكن حسدًا؛ لأن أهل الكتاب يعلمون أن الإيمان سعادة في الدنيا والآخرة.
في هذه الآية، أولًا: إثبات النسخ، وأنه جائز عقلًا وواقع شرعًا، وهذا ما اتفقت
عليه الأمة إلا أبا مسلم الأصفهاني فإنه زعم أن النسخ مستحيل، وأجاب عما ثبت نسخه
بأن هذا من باب التخصيص وليس من باب النسخ، وذلك لأن الأحكام النازلة ليس لها أمد
تنتهي إليه، بل أمدها إلى يوم القيامة، فإذا نُسخت فمعناه أننا خصصنا الزمن الذي
بعد النسخ، أخرجناه من الحكم، فمثلًا وجوب مصابرة الإنسان لعشرة حين نزل كان واجبًا
إلى متى؟ إلى يوم القيامة، شاملًا لجميع الأزمان، فلما نُسخ أُخرج بعض الزمن الذي
شمله الحكم، فصار هذا تخصيصًا، فيسميه تخصيصًا، وعلى هذا فيكون الخلاف بين أبي مسلم
وبين جمهور الأمة بل عامة الأمة خلافًا لفظيًّا؛ لأنهم متفقون على جواز مثل هذا
الأمر، إلا أنه هو يسميه تخصيصًا وغيره يسميه نسخًا، والصواب تسميته نسخًا؛ لأنه
صريح القرآن، مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا،
ولأنه هو الذي جاء عن السلف ثبوت النسخ، فالصواب إذن جواز النسخ، وقوع النسخ شرعًا،
وجوازه عقلًا، ولا مانع.
ومن فوائد الآية: أن
الشريعة تابعة للمصالح؛ لأن النسخ لا يكون إلا لمصلحة، فإن الله لا يبدل حكمًا بحكم
إلا لمصلحة.
ومنها من فوائد الآية: أن الناسخ خير من المنسوخ؛ لقوله: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا، أو مماثل له عملًا، وإن كان خيرًا
منها مآلًا، لقوله: أَوْ مِثْلِهَا.
ومن فوائد
الآية أيضًا: أن أحكام الله سبحانه وتعالى تختلف في الخيرية من زمان إلى زمان،
بمعنى أنه قد يكون الحكم خيرًا للعباد في هذا الوقت، ويكون غيره خيرًا لهم في وقت
آخر، أليس كذلك؟ إي نعم. أليس كذلك؟ إي نعم.
ومنها من فوائد الآية: عظمة الله
عز وجل في قوله: مَا نَنْسَخْ، فإنه الضمير هنا ضمير
تعظيم، ما قال: ما أنسخ، قال: مَا نَنْسَخْ، الضمير هنا
ضمير تعظيم، وهو سبحانه وتعالى أهل العظمة.
ومنها أيضًا، من فوائد الآية: إثبات
تمام قدرة الله عز وجل؛ لقوله: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ومنها: أن القدرة عامة شاملة؛ لقوله:
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ومنها: أن القادر على
تغيير الأمور الحسية قادر على تغيير الأمور المعنوية، فالأمور القدرية الكونية الله
قادر عليها، فإذا كان قادرًا عليها فكذلك الأمور الشرعية المعنوية، وهذا فائدة قوله
بعد ذكر النسخ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ لأنه قد يقول قائل: ما الفائدة من قوله: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؟
والفائدة أن القادر على تغيير الأمور الحسية قادر على تغيير الأمور المعنوية.
ثم قال تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍمن فوائد الآية أيضًا: تقرير عموم ملك الله؛ لقوله: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ.
ومنها، من فوائد الآية: اختصاص الملك لله، يُستفاد من أين؟ من اين يُستفاد
اختصاص الملك لله؟
طالب: مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.
طالب: لَهُ مُلْكُ، تقديم (...).
الشيخ: تقديم الخبر، تقديم الخبر يدل على الحصر، له
وحده ملك السماوات والأرض.
ومنها: أن إضافة الملك إلى العباد إضافة مقيدة،
فالله أضاف الملك للعباد، أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: ٣]، ولكنها إضافة مقيدة، تؤخذ من قوله؟
طالب: مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
الشيخ: لا.
الطالب: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: ٣]
الشيخ: لا.
الطالب: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ.
الشيخ:
نعم لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، أنا مثلًا
عندما يضاف الملك لي ملك مقيد، ما هو ملك مطلق، الملك المطلق لله وحده لا شريك له.
ومنها: أن من ملك الله أنه ينسخ ما يشاء ويُثبت؛ لأن هذا كالتعليل لقوله: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ، فالمالك للسماوات والأرض يتصرف
فيهما كما يشاء.
ومنها، من فوائد الآية أيضًا: أنه لا أحد يدفع عن أحد أراد
الله به سوءًا، وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.
ومنها: أنه يجب على المرء أن يلجأ إلى ربه في طلب
الولاية والنصر، تؤخذ من أين؟ إنه يجب على الإنسان إنه يرجع إلى الله في طلب
الولاية والنصر من أين تؤخذ؟
طالب: وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ.
الشيخ: إي نعم؛ لأنا متى علمنا ذلك، احنا ما نطلب من
أحد يتولانا إلا الله، ولا أحد ينصرنا إلا الله، طيب، فإذا قال قائل: إن الله يقول:
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٢]، ويقول: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ [التوبة: ٤٠]، فأثبت نصرًا لغير الله؟ فالجواب على ذلك: أن إثبات
النصر لغير الله إثبات السبب، سبب فقط وليس مستقلًّا، والنصر المستقل من عند الله،
أما انتصارنا بعضنا ببعض فإنه من باب الأخذ بالأسباب، ليس على وجه الاستقلال.
طالب: شيخ، إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد: ٧] (...)؟
الشيخ:
إي نعم، نفس الشيء، يعني تنصروا دينه، تفعل ما يكون به نصر الدين.
الطالب: هل يجوز إن الواحد يقول: مولانا؟
الشيخ: إي، يجوز، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ [التحريم: ٤]، ويقول
سبحانه وتعالى: وَمَوَالِيكُمْ [الأحزاب: ٥]، وإِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ [المائدة: ٥٥]، طيب.
***
الشيخ: قال تعالى: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [البقرة: ١٠٨]يستفاد من هذه الآية إنكار كثرة الأسئلة؛ لأن هذا الاستفهام أَمْ تُرِيدُونَيقصد به الإنكار، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام محذرًا من ذلك: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا أَهَلَكَ الذَّيِنَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِم وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيائِهِم» وأخبر صلى الله عليه وسلم: «أَنَّ أَعْظَمَ المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» .
ومنها، هل نقول: هذا الحكم جارٍ حتى الآن؟ نقول: نعم، هو جارٍ حتى الآن، فلا ينبغي كثرة السؤال إلا لمصلحة، إما رجل وقعت به مسألة فيسأل عن حكمها، أو طالب علم يتعلم ليستنتج المسائل من أصولها، وأما الأسئلة التي مجرد استظهار ما عند الإنسان فقط، أو أقبح من ذلك مَن يستظهر ما عند الإنسان ليضرب آراء العلماء بعضها ببعض، وما أشبه ذلك، أو لأجل إعنات المسؤول وإحراجه فكل هذا من الأشياء المذمومة التي لا ينبغي، فالسؤال نقول: لا ينبغي إلا في حالين: حال رجل وقعت به مسألة يحتاج إلى معرفة حكمها، والحال الثانية طالب علم يحتاج إلى معرفة أحكام المسائل لينتفع وينفع، ويعرف كيف يستنتج المسائل من أصولها، وأما مجرد كثرة الأسئلة للنظر ما عند الإنسان، أو لضرب آراء العلماء بعضها ببعض، أو لإعنات الإنسان وإحراجه، وما أشبه ذلك، فهذا من الأمور المذمومة.
طالب: لكن لو كان مثلًا طالب عند معلم يريد أن يختبر المعلم هذا ليثق بأقواله (...)؟
الشيخ: هذا أيضًا قد يكون هذا لمصلحة، لكن هذا بعيد، كيف متعلم يبي يختبر معلم؟
الطالب: قد يكون عالمًا بمسألة.
الشيخ: لكن أنت تأخذ المتعلم ولا المعلم؟
الطالب: متعلم عالم بمسألة، يعني بحث في مسألة، أراد أن يختبر هذا الإنسان ليثق بأقواله ليأخذ بها؟
الشيخ: على كل حال إذا كان لمصلحة ما فيه بأس، إن كان يريد أن يُظهر أيضًا إن كان يريد أن يظهر عجزه وغلطه فهذا غلط أيضًا ما يجوز؛ لأن هذا من باب محاولة إظهار عيوب المسلمين.
ومن فوائد الآية: أن اليهود كانوا أيضًا سألوا موسى، سألوا موسى عن أشياء، فكان العاقبة فيها سليمة ولا وخيمة؟ وخيمة، يسألون عن أشياء بُيِّنت لهم لكنهم ما عملوا بها، فكان نتيجة السؤال الخيبة.
ومن فوائدها أيضًا: إثبات رسالة موسى عليه الصلاة والسلام، تؤخذ من أين؟
طالب: كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ.
الشيخ: كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ، أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ، يعني وهو رسول.
ومن فوائد الآية أيضًا: ذم من استبدل الكفر بالإيمان، بمعنى أخذ الكفر بديلًا عنه؛ لقوله: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ.
ومن فوائدها: عكس هذه المسألة أن من يتبدل الإيمان بالكفر فقد هُدِي إلى سواء السبيل، أي إلى وسطه وخياره.
ومنها: أنه يجب على السائل أن يعمل بما سأل وأجيب به؛ لأنه إذا علم ولم يعمل فقد تبدل الكفر بالإيمان، بعد ما تبين له أنكر، فالواجب على المرء إذا سأل أن يعمل، ولهذا قال العلماء: ومن سأل مفتيًا ملتزمًا بقوله حَرُم عليه أن يسأل غيره؛ لأنه لما سأله ملتزمًا قوله وأيش صار يعتقد؟ أن ما قاله فهو الشرع، إذا كان تعتقد هذا لا تسأل غيره، نعم إذا سألت إنسان تثق به وأفتاك وبناء على أن فتواه هي الشرع، ولكنك سمعت في مجلس عالم آخر حكمًا نقيض ما أُفتيت به مدعمًا بالأدلة، فحينئذ لك أن تنتقل، أو سألت عالمًا مقتنعًا بقوله للضرورة، ما عندك مثلًا في البلد أعلم منه وسألته على أساس أنك إذا وجدت من هو أعلم سألته، فهذا أيضًا يجوز أنك تسأل غيره إذا وجدت أعلم منه؛ لأن الإنسان أحيانًا يقول: أنا بسأل هذا العالم اللي عندنا على أنني في اعتقادي إني إذا وجدت من هو أعلم سأبحث عن الحق، فهذا لا بأس به، وإلا فلا ينبغي، على أنه أيضًا إذا سألت عالمًا ملتزمًا بقوله وذهبت تسأل آخر ربما تختلف الفتوى، وحينئذ تبقى متذبذبًا، من تتبع؟ فأنت الحمد لله ما دام أنك فعلت ما أوجب الله عليك، فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣] (...) ومن أهل الذكر فامش على قوله ولا تسأل ولا تبحث.
طالب: هل في فرق بين خير وأخير؟
الشيخ: لا، الخير والأخير.
الطالب: وأبلغ أخير؟
الشيخ: لا، أصل خير هي أخير، بس إنها حذفت الهمزة تخفيفًا مثل شر وأشر.
ثم قال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَدَّ كَثِيرٌوَدَّ، المودة خالص الحب، يعني: أحب، وقوله: كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، والمراد بالكتاب الجنس، أو نقول (أل) للعهد، والمراد بالكتاب التوراة والإنجيل، وقوله: كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، يعني: لا كلهم، فإن بعض أهل الكتاب لا يودون أن ترتدوا كفارًا بل يحبون أن تبقوا مسلمين ويسلمون أيضًا هم، ولكن كثير منهم يودون هذا.
وقوله: كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ، (لو) هذه شرطية ولّا مصدرية؟
الطلبة: مصدرية.
الشيخ: مصدرية، والغالب أن (لو) التي تأتي بعد (ود) تكون مصدرية، وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩]، وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ [الممتحنة: ٢]، وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا [النساء: ٨٩]، وغير ذلك، فالغالب أن (لو) إذا جاءت بعد (ود) فهي مصدرية، وقوله: لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا، الكاف مفعول أول لـ(يردون)، و(كفارًا) مفعول ثان، يعني: لو يُرجعونكم كفارًا، وهذان المفعولان أصلهما المبتدأ والخبر، نعم أصلهما المبتدأ والخبر؛ لأنك لو حذفت الفعل وقلت: أنتم كفار، استقام الكلام، فعلى هذا يكون أصلهما المبتدأ والخبر.
وقوله: مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ، لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ؛ لأن الارتداد ما يكون إلا بعد إيمان، أما الكافر فهو كافر، لكن بعد أن صح إيمانكم وخلص وتبين هم يودون أن يغيّروكم ويحولوكم إلى الكفر كفارًا، وقوله: حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، حَسَدًامفعول لأجله عامله قوله: وَدَّ، وَدَّ كَثِيرٌأي: ودوا حسدًا، أي: من أجل الحسد؛ لأن ما أنتم عليه نعمة عظيمة، وهؤلاء الكفار أعداء، والعدو يحسد عدوه على ما أصابه من نعمة الله، وقوله: حَسَدًا، ما معنى الحسد؟ الحسد هو تمني زوال نعمة الغير، سواء تمنى أن تكون له أو لغيره أو لا لأحد، المهم الإنسان اللي يتمنى أن تزول نعمة غيره، يعني نعمة الله على غيره، هذا هو الحاسد، والواجب على المرء إذا رأى أن الله أنعم على غيره نعمة أن يسأل الله من فضله الذي أعطاه يعطيه، قال الله تعالى: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: ٣٢]، خل نعمة الله على أخيك له، ولكن الذي أعطاه قادر على أن يعطيك وأكثر، ولا تحسد؛ لأنك مهما حسدت فلن ترد نعمة الله على غيرك، مهما حسدت ما يمكن تردها، الحاسد في الحقيقة ما يزداد بحسده إلا نارًا تتلظى في جوفه، وكلما ازدادت نعمة الله على عباده ازداد حسرة، فهو في الحقيقة مع أنه كاره لنعمة الله على هذا الغير هو مضاد لله في حكمه وقدره؛ لأنه يكره أن ينعم الله على هذا الشخص والله تعالى قد أنعم وقدر عليه النعمة، فيكون مضادًّا لله في حكمه، ثم إن الحاسد الحسود أو الحاسد مهما أعطاه الله من نعمة ما يرى لله فضلًا فيها؛ لأنه يرى أن غيره أفضل منه، يعني حتى لو فرضنا إنه تميز بأموال كثيرة، وجاء إنسان تاجر وربح، كسب مكسب في سلعة معينة، مكسبًا كبير في سلعة معينة، تجد هذا الحاسد يحسده على هذا المكسب، بينما إن عنده هو ملايين عظيمة، وكذلك أيضًا بالنسبة للعلم، بعض الحاسدين مثلًا إذا برز أحد في مسألة من مسائل العلم تجد لو أن هذا الرجل أعلم منه وأنفع للناس منه مثلًا تجده يحسده على هذه المسألة التي برز بها أو صارت حديث الناس من أجل أنه كتب فيها مثلًا أو ما أشبه ذلك أو قالها، هذا أيضًا معناه أنه ما رأى نعمة الله عليه بهذا الذي أعطاه، فالحسد يا إخواننا أمره عظيم، وعاقبته وخيمة، والناس في خير والحسود في شر، الناس مطمئنون مستريحون، لكن هذا الحسود - والعياذ بالله - يتتبع النعم، نعم الله على العباد، وكلما رأى نعمة صارت جمرة في قلبه، فلهذا يجب أن الإنسان يقول: هذا من فضل الله على هذا الرجل، أسأل الله أن يعطيني مثل ما أعطاه، فيسأل الله من فضله، والله أرشدنا إلى هذا، وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: ٣٢]، ولو لم يكن من خُلُق الحسد إلا أنه من صفات اليهود لكان كافيًا في التنفير منه، هم الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، فالحاصل إن هؤلاء اليهود والنصارى يودون أن يردوا المؤمنين بعد إيمانهم كفارًا، واعلم أن من أحب شيئًا سعى في تحصيله، سعى في تحصيله، ولّا لا؟ إذن هؤلاء اليهود والنصارى يسعون بكل ما يستطيعون من قوة مادية أو أخلاقية أو غيرهما، وأيش يبغوا؟ ليردوا المسلمين بعد الإيمان كفارًا، شوف، ولم يقل الله: يردوكم يهودًا أو نصارى، كُفَّارًا؛ لأنهم النصارى الآن واليهود يعرفون أن المسلم بعيد أن يتهود أو يتنصر، لكن يقولون زعماؤهم يقول: فيكم أن تردوا المسلم عن الإيمان، بس أخرجوه من الإيمان بس، ويروح (...)، أخرجوه من الإيمان فقط أو شككوه في الدين لأجل أن يكون مرحلة ثم بعد ذلك ينكرون - والعياذ بالله - فعلينا أن نحذر؛ لأن الله يقول: وَدَّ، والود خالص المحبة، والمحب للشيء لا بد أن يسعى إلى أيش؟ إلى تحصيله.
وقوله تعالى: مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، يعني هذا الحسد الذي أو هذه المودة التي يودونها ليست لله ولا من الله، ولكن من عند أنفسهم، وهو إشارة إلى أن هذا خُبث في أنفسهم، خبث، أنفسهم خبيثة ما تريد الحق، ولا تريد الخير لهذه الأمة، بل إنهم يريدون أن ترتد الأمة حسدًا من عند أنفسهم.
وقوله: مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ، مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ، أي: ظهر، لَهُمُ، لمن؟ لهؤلاء الكثيرين، هم بعد ما تبين لهم الحق وعرفوا أنكم على حق أحبوا أن ترتدوا كفارًا، لو كانوا جاهلين أنكم على حق قالوا: ما ودنا أن يكونوا على دين مشكوك فيه، لكان لهم بعض العذر، لكن هم قد تبين لهم الحق، وعلموا أن الرسول عليه الصلاة والسلام حق، وأن دينه حق، وأن المؤمنين على حق، ومع ذلك يودون هذه المودة ويسعون في كل سبيل إلى أن يصلوا إلى غايتهم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ، والحق ذكرنا فيما سبق أنه الشيء الثابت، وأنه إن وُصف به الحكم فالمراد به العدل، وإن وُصف به الخبر فالمراد به الصدق، فالحق الصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام، ودين الإسلام على هذا، وما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام على هذا، فإن أخباره صدق وأحكامه عدل.
قال الله تعالى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَاعْفُواالخطاب للمؤمنين عامة، ويدخل فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم، والعفو بمعنى ترْك المؤاخذة على الذنب، ترك المؤاخذة عليه، كأنه من عفا الأثر إذا زال؛ لتقادمه.
وقوله: وَاصْفَحُواقيل إنه من باب عطف المترادفين، كقول الشاعر:
| ....................... | وَأَلْفَى قَوْلَها كَذِبًا وَمَيْنَا |
الْمَين والكذب معناهما واحد، فقال بعضهم: إن اعْفُوا وَاصْفَحُوامعناهما واحد، ولكن الصواب أن بينهما فرقًا، فالعفو ترك المؤاخذة على الذنب، والصفح الإعراض عنه، مأخوذ من صفحة العنق، وهو أن الإنسان يلتفت ولا كأن شيئًا صار، يوليه صفحة عنقه، فالصفح معناه الإعراض عن هذا بالكلية، وكأنه لم يكن، فعلى هذا يكون بينهما فرقًا، العفو لا تؤاخذه بذنبه، ولكن لا حرج إن بقي في نفسك شيء أو تذكُّر له، والصفح معناه تعرض عن هذا إطلاقًا ولا كأن شيئًا جرى، وعلى هذا فالصفح أكمل ولّا لا؟ الصفح أكمل، أكمل إذا اقترن بالعفو وهو أكمل، وإن تعفوا فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا، إلى متى؟ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، وهذه إشارة بشرى للمؤمنين، إن المسألة لها منتهى، أنتم الآن اعفوا واصفحوا، حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ(يأتي) منصوبة بأيش؟ بـ(أن) مضمرة بعد (حتى) أو بـ(حتى) نفسها على خلاف بين الكوفيين والبصريين.
وقوله: يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، اعلم أن الإتيان المضاف إلى الله سبحانه وتعالى نوعان: أحدهما مطلق، والثاني مقيد، فأما المطلق مثل قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام: ١٥٨]، فإذا كان مطلقًا هكذا فإن المراد به إتيان الله حقيقة، إتيانه تعالى بنفسه حقيقة، فإن الله تعالى يأتي على الوجه الذي يليق بجلاله، قال الله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢]، فهذا الإتيان عند أهل السنة والجماعة وهم السلف خاصة، وليس أهل السنة والجماعة على مذهبين كما قاله بعض الواهمين إن أهل السنة والجماعة لهم مذهبان؛ مذهب التفويض - كما يقول- ومذهب التأويل، هذا كذب، وليس التأويل بشيء بالنسبة للسنة والجماعة، فإن التأويل تحريف في الحقيقة، تحريف للكلم عن مواضعه، أهل التأويل والأصح أن نقول: أهل التحريف، كما سماهم شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية يقولون: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] مثلًا، جاء أمر ربك؛ لأن الله ما يمكن يأتي، هو نفسه لا يمكن أن يأتي، وإنما الذي يجيء أمره، وهذا لا شك أنه كذب على الله، فإن الله تعالى خاطبنا بلسان عربي مبين، واللسان العربي يقتضي أنه إذا قيل: جاء فلان، فالمعنى جاء هو بنفسه، هذا مقتضى اللسان العربي، فإذا قالوا: جاء أمر ربك، قلنا: كذبتم على الله، كذبتم من وجهين في الواقع: من جهة أنكم قلتم: ما أراد كذا، وهذا قول على الله بلا علم، من الذي قال لكم إنه ما أراد هذا؟ بأي كتاب أو بأية سنة؟ وكذبتم كذبًا آخر حين قلتم: المراد جاء أمره، إذا صرفتموها عن ظاهرها وأنه ما جاء هو من الذي يقول: جاء أمره؟ قد يكون جاء ملك من ملائكته، نعم، ما هو أمره، فحينئذ يكونون كل مؤول محرِّف فقد قال على الله بلا علم من وجهين: (...) الله بأمره، فالمراد يأتي ذلك الأمر، المراد يأتي ذلك الأمر، والدليل على هذا أن إتيان أمر الله هنا الذي جعله الله غاية هو الأمر بالقتال، ويصح أن أقول: جاء الله بأمره، حيث أمر بالقتال، طيب إذا جاءت المسألة مطلقة من وجه، مقيدة من وجه، مثل: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة: ٢١٠]، فِي ظُلَلٍفهنا نقول: هي كالمطلقة؛ لأن (في) هنا بمعنى (مع)، يعني يأتيهم الله مع ظلل من الغمام، ويمكن أن نجعلها على ظاهرها، لكنها إذا جعلناها على ظاهرها صار فيها معنى لا يصح، وهو إحاطة الغمام بالله، والله سبحانه وتعالى لا يحيط به شيء من مخلوقاته، فالمهم أن هذا الإتيان يأتيهم الله في ظلل، مثل: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] المراد: يأتي الله بنفسه في ظلل من الغمام، يعني أن الظلل تتقدم مجيء الله، ثم يجيء الله سبحانه وتعالى على الوجه الذي أراد.
قوله: حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، ما المراد بالأمر هنا؟ المراد به الأمر بالقتال، مثل قوله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ [التوبة: ٢٩]، قاتلوهم حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، هذا من أمر الله سبحانه وتعالى الذي أتى به، فالرسول عليه الصلاة والسلام امتثل وعفا وصفح، ويحتمل أن يكون المراد بالأمر هنا الأمر الكوني، الأمر الكوني، يعني حتى يأتي الله بالسبب الذي من أجله تقاتلونهم، وذلك في مثل نقض العهد من بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما قدم المدينة ماذا صنع مع هؤلاء اليهود؟ عاهدهم، ثم نقضوا العهد قبيلةً قبيلة، حتى حصل ولله الحمد النصر عليهم، فقد يكون المراد بالأمر هنا ليس الأمر الشرعي، بل الأمر الكوني القدري الذي به تستحلون قتالهم، طيب، وقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌيعني: أن من تمام قدرته سبحانه وتعالى أنه سينصركم عليهم حتى مع العفو والصفح، فإن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يغير الأمور، وتكون الدولة لكم، وقد كان الأمر كذلك ولله الحمد، فإن الدولة كانت للمسلمين على كل أعدائهم، على اليهود، وعلى من؟ وعلى النصارى، وعلى المشركين، وعلى المجوس، كل ولله الحمد المخالفين للإسلام كانت الدولة للإسلام، لكن بعد أن تقهقرت الأمة الإسلامية وتغيرت أحوالها وانتكست حصل البلاء، ودالت الدولة للأعداء، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد حصل مخالفة واحدة، مخالفة واحدة بعد أن رأوا النصر، بعد أن رأوا ما يحبون، والنتيجة ما هي؟ الهزيمة، حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ [آل عمران: ١٥٢] متى؟ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ [آل عمران: ١٥٢]، يعني حصل خلاف ما تحبون، وهي معصية واحدة، وبعد وجود النصر أو بشائر النصر حصلت الهزيمة، كيف هذا في أمة يمكن معاصيها كثيرة جدًّا، والآن نحاول أن ننتصر وبدون أسباب النصر، لا يمكن الانتصار، ما يمكن إلا إذا رجعنا إلى الدين حقيقة، وفي الحقيقة أننا نحمد الله سبحانه وتعالى أنه يوجد الآن في الشباب يقظة، أقول: يقظة، خير من أن أقول: صحوة؛ لأن الصحوة من السَّكَر، واليقظة من النوم، اليقظة من النوم، وإن كان من الهوى والمعاصي نوع من السَّكَر، فالمهم أنه يوجد الآن في الشباب يقظة وانتعاش، لكن تحتاج إلى مثابرة ومصابرة، النبي عليه الصلاة والسلام بقي في مكة كم من سنة؟ ثلاثة عشر سنة وهو يؤيد بالآيات وبالأصحاب المخلصين، وآخر الأمر أنه خرج من مكة، خرج من مكة خائفًا عليه الصلاة والسلام، حتى أعزه الله، كونك أيها الشاب تبغي الانتصار على هذه الأمة وهذا الضلال العارم وهذه الفتن الحالكة تبغي تنتصر عليهم بين عشية وضحاها؟ هذا شيء مستحيل، الدرب طويل؛ لأنك أنت تبني مثلًا لبنة لكن فيه معاول تهدم قصرًا كاملًا، ولا بد من التأني والصبر والمصابرة وعدم الملل، وأنت ما دمت في طريق صحيح فإن أجرك على الله، سواء أدركته ولّا ما أدركته، وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: ١٠٠]، فأنا أريد منكم الحزم والصبر والمصابرة، وأن لا تظنوا إن الأمر سهل وأننا بين عشية وضحاها سنقلب هذه الشعوب المنجرفة المنحرفة هذا الشيء، غير ممكن، لكن بالصبر والمصابرة، ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم، وكذلك أيضًا نعامل الناس باللين والرفق، وكلٌّ بحسبه، ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ [النحل: ١٢٥]، هذا أحسن، وأنا أقول لكم مثلًا: إننا رأينا تأثير جماعة التبليغ، جماعة التبليغ وإن كان عندهم انحراف في بعض الأمور لكننا رأينا لهم تأثيرًا كبيرًا في المسلمين وفي غير المسلمين؛ لأنهم كانوا يدعون الناس باللطف واللين، باللطف واللين الكامل، ورأينا مثلًا من بعض الناس أو من كثير من الناس نفورًا ممن يريدون من الناس أن يأخذوهم بالعسف والقوة، من الآن يلّا تركبوا السُّنة من الآن، انتظر، أولًا عالج الجرح حتى يندمل، ثم اسع في إزالة أثره، التجميل بعد إزالة العيب، فعلى كل حال شوف تأديب الله للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، اعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، إحنا قلنا الأمر هنا، الأمر أيش؟ يجوز أن يكون الشرعي أو القدري، بالنسبة لنا الأمر الشرعي انتهى، نعفو ونصفح حتى يأتي الله بأمره، الأمر القدري، الأمر القدري ولّا الأمر الشرعي؟ معروف الآن منتهي.
وقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌقلت لكم: إن فائدتها أن لا ييأس المسلمون من تغير الأحوال؛ فإن الله تعالى على كل شيء قدير وتتغير الأحوال وأنت لا (...).
ثم قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة: ١١٠] هذا أيضًا من أسباب النصر والعون، كما قال تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ [البقرة: ٤٥]، أَقِيمُوا الصَّلَاةَيعني: قولوا: قد قامت الصلاة.
الطلبة: لا.
الشيخ: لا؟ وأيش معناها؟
الطلبة: أدوا الصلاة.
الشيخ: أدوا الصلاة على وجه الكمال؛ لأن إقامة الشيء جعله قيمًا معتدلًا مستقيمًا، فمعنى أَقِيمُوا الصَّلَاةَيعني ائتوا بها كاملة بشروطها وأركانها وواجباتها ومكملاتها، وقوله: الصَّلَاةَعام يشمل الفريضة والنافلة، ومن إقامة الفرائض كثرة النوافل؛ لأنه جاء في الحديث أن النوافل تكمل بها الفرائض يوم القيامة، ما من إنسان إلا وفي فريضته نقص، لكن هذه النوافل تكملها وترقّعها.
وقوله: وَآتُوا الزَّكَاةَأي: أعطوها، آتُوابمعنى أعطوا، وهنا حُذف المفعول الثاني؛ لأن الزكاة مفعول أول، والمفعول الثاني محذوف، يعني مستحقيها، آتوا الزكاة لمستحقيها، ومستحقوها قد بيّنهم الله في سورة (براءة): إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِإلى آخره [التوبة: ٦٠].
وقوله: آتوا الزكاةيعني الزكاة في اللغة النماء والزيادة، ومنه قولهم: زكا الزرع إذا نما وزاد، في الشرع عبارة عن دفع مال مخصوص لطائفة مخصوصة تعبّدًا لله عز وجل، هذه الزكاة، وسميت زكاة؛ لأنها تزكي الإنسان، تزكيه، قال الله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: ١٠٣]، فهي تزكي الإنسان في أخلاقه وعقيدته؛ لأنها تخرجه من حظيرة البخلاء إلى حظيرة الأجواد والكرماء، فهي تزكية للإنسان وتطهير له من الرذائل، وقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَبعد أن أمر بالصبر والعفو والصفح يدل على أنه ينبغي للإنسان أن يتشاغل بمهمات دينه عن غيره مع الدعوة إلى الله، لكنه لكل مقام مقال، إنما كون الإنسان يعرض عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وراء قوم قد لا ينتفعون بالدعوة، فهذا ما ينبغي، ولهذا جاء في الحديث: «إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوىً مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وِإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَوَامِّ» .
طالب: (...).
الشيخ: نعم؟ لا بأس به، فهذا ينبغي أن الإنسان ما يتشاغل عما يعود لنفسه بالخير من أجل نفع غيره، ويرتب المصالح والعبادات؛ لأنها مرتبة.
وقوله: وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ، (ما) هذه شرطية وليست موصولة، والدليل على ذلك أنها جزمت الفعل والجواب، الشرط والجواب، وَمَا تُقَدِّمُواأصلها (تقدمونه)، وتَجِدُوهُأصلها (تجدونه)، وقوله: وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْقدِّموا لأنفسكم (...)؛ لأن التقديم للنفس يكون بحسب اتباع الشرع.
إذن نأخذ الفوائد الآن، قال الله تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِإلى آخره.
من فوائد هذه الآية: بيان شدة عداوة اليهود والنصارى للأمة الإسلامية.
ثانيًا: أن من اليهود والنصارى من ليس شديد العداوة لهم؛ لقوله: وَدَّ كَثِيرٌ، مفهومه أن بعضهم لا يود هذا.
ومن فوائد الآية أيضًا: أن الكفر بعد الإسلام يسمى ردة؛ لقوله: لَوْ يَرُدُّونَكُمْ، ولهذا المرتد اللي يكفر بعد الإسلام ما يسمى كافر فقط، يسمى مرتد؛ لأنه رجع عن دين خير مما رجع إليه.
طالب: (....).
الشيخ: أيهم؟
الطالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، لا نقول بعضهم، وها البعض هذا قد يكون مؤمن وقد لا يؤمن.
ومن فوائد الآية أيضًا: أن الحسد من صفات اليهود والنصارى.
ومن فوائدها أيضًا: علم اليهود والنصارى بأن الإسلام منقبة عظيمة لمتبعه، من أين يؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: من الحسد.
الشيخ: من الحسد؛ لأن الإنسان ما يحسد إلا على شيء يكون خيرًا ومنقبة.
ومن فوائدها أيضًا: وجوب الحذر من اليهود والنصارى ما داموا كثير منهم يودون لنا هذا فإنه يجب علينا أن نحذر منهم.
ومن فوائد الآية أيضًا: بيان خبث طوية هؤلاء الذين يودون لنا الكفر، بيان خبث طويتهم؛ لأنه قال: مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْليس من كتاب، وليس من إساءة من المسلمين إليهم، ولكنه من عند أنفسهم، أنفس خبيثة تود الكفر للمسلمين حسدًا.
ومن فوائد الآية أيضًا: أن هؤلاء الذين يودون الكفر للمسلمين قد تبيّن لهم الحق، فيستفاد منه فائدة متفرعة وهو: شهادة غير المسلمين للمسلمين على أنهم على حق؛ لأنه قد تبين لهم.
ومن فوائد الآية: مراعاة الأحوال وتطور الشريعة، حيث قال: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِيعني: وإن كانوا يودون هذا الأمر، ومَن ود شيئا سعى فيه، فإننا نعفو ونصفح حتى يأتي الله بالأمر.
طالب: الأمر الشرعي؟
الشيخ: سواء الشرعي ولّا غير الشرعي، حتى الأمر بالعفو والصفح حتى يأتي الله بأمره داخل فيما ذكرت، وهي مراعاة الأحوال وتطور الشريعة.
ومنها أيضًا، من فوائد الآية الكريمة: إثبات حكمة الله عز وجل؛ لأن الأمر بالعفو والصفح حتى يأتي أمر الله هذا من الحكمة؛ إذ إن القتال قبل وجود أسبابه وتوفر أسبابه من القوة المادية والبشرية هذا ينافي الحكمة.
ومنها، من فوائد الآية: ثبوت صفة القدرة لله؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنها عامة شاملة.
ومنها: الرد على المعتزلة القدرية؛ لأنهم يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، وإذا كان مستقلًّا بعمله لزم من ذلك أن الله ما يقدر على تغييره؛ لأنه إن قدر على تغييره صار الإنسان مستقلًّا ولّا غير مستقل؟ صار غير مستقل.
طالب: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(...).
الشيخ: المشيئة القدرية.
الطالب: (...).
الشيخ: لأن الله على كل شيء قدير.
طالب: رد على الأشاعرة؟
الشيخ: (...) الأشاعرة، القدرية إي نعم، في أنهم يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، وإنه ما يقدر إن الله سبحانه وتعالى يصرفه عنه، فهو مستقل، ما لله علاقة به إطلاقًا، في حين يقول: إذا كان الله قادرًا على كل شيء فمن الشيء صرف الإنسان عما يريد إلى ما يقدر الله عليه.
ثم قال تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ، مَاشرطية، وتُقَدِّمُوافعل الشرط، وتَجِدُوهُجواب الشرط، وقوله: وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، يعني: أن الإنسان إذا قدم خيرًا فإنما يقدمه لنفسه، ولهذا ليس له من ماله إلا ما أنفق، فما أخّره فهو لوارثه، فلما قال: وَآتُوا الزَّكَاةَ، قال: وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ، فأنت إذا قدمت شيئًا من مالك من زكاة أو صدقة مستحبة أو نفقة واجبة فإنك قدمته لنفسك، وما أخّرته أخرته لمن؟ للوارث، لوارثك، وفي قوله: لِأَنْفُسِكُمْترغيب وإغراء للتقديم؛ لأنك تقدم لنفسك وما بقي فلوارثك، وقوله: مِنْ خَيْرٍ، هذه نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم، أيّ خير قدمت لإنسان كثيرًا كان أو قليلًا فإنك ستجده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» ، شق تمرة يعني نصفها، يمكن نصف تمرة تقي الإنسان من النار، وهذا خير عظيم، وقوله سبحانه وتعالى: تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ، مأخوذ من الوجود، يعني أنكم تلقونه عند الله تعالى، متى؟ يوم القيامة، يوم القيامة مدَّخرًا لكم، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، كما قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٦١]، (...) فيه أيضًا وراء ذلك.
قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، إِنَّ اللَّهَهذه جملة مؤكدة بـ(إنّ)، مع أن الخطاب ابتدائي؛ إذ إنه لم يوجَّه إلى متردد ولا منكر، والخطاب إذا لم يوجَّه لمنكر ولا متردد فإنه يسمى ابتدائيًّا، والابتدائي ليس يؤكد، ما حاجة تؤكده، لكن ذكرنا عدة مرات أن الخطاب الابتدائي قد يؤكَّد لا باعتبار حال المخاطب، ولكن باعتبار أهمية مدلوله، فهنا له أهمية عظيمة أن الله يخبرنا سبحانه وتعالى أنه بكل ما نعمل بصير، وقوله: بِمَا تَعْمَلُونَ، (ما) اسم موصول يفيد العموم، بما نعمل قلبيًّا وبدنيًّا، قوليًّا وفعليًّا؛ لأن القلوب لها أعمال، مثل المحبة والخوف والرجاء والرغبة، وما أشبه ذلك، كل ما نعمل قلبيًّا وبدنيًّا، فعليًّا وقوليًّا، فإن الله تعالى بصير به، وقوله: بِمَا تَعْمَلُونَ، متعلقة بأيش؟ بـ بَصِيرٌ، فلماذا قُدِّمت عليها؟ لغرضين؛ الغرض الأول: قد يكون مراعاة الفواصل؛ لأن ما قبلها فاصلة بالراء، قَدِيرٌ، وبعدها بَصِيرٌ، وقد يكون أن التقديم من أجل الحصر، والحصر هنا وإن كان يقلل من العموم، لكنه يفيد الترهيب، الترهيب والترغيب أيضًا كلها، أرجو الانتباه؛ لأنه إذا قيل: أيما أولى؛ أن نقول: إن الله بصير بكل شيء مما نعمل ومما لا نعلم، أو أنه بصير بما نعمل فقط؟ أيهم أعظم؟ الأول أعظم، فلماذا قُدِّم المعمول، ونحن نقول: إن المعمول تقديمه يفيد الحصر؟ قلنا: فائدة الحصر هنا عظيمة، وهي تحذير الإنسان أو ترغيبه كأنه يقول: لو لم يكن الله بصيرًا إلا بأعمالكم فإنه يكون بصيرًا، مثل ما يقول الإنسان الذي يهدد ابنه: اذهب فأنا أعلم ما تقول، والأب عنده علم بما يقول وبما لا يقول، لكنه يقوله له على سبيل التهديد، وقد يكون على سبيل الترغيب، فهنا نقول: فائدة الحصر مع أنه يقلل من العموم، هو أيش؟ الترغيب أو الترهيب، حتى نرغب، كأن الله تعالى لو لم يكن بصيرًا لكان بصيرًا بأعمالنا ولا بد.
وقوله: بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، هل هو من البصر اللي هو رؤية العين، أو من الإبصار اللي هو العلم؟ الثاني؛ لأننا ذكرنا أن قوله: بِمَا تَعْمَلُونَيشمل العمل القلبي والبدني، والعمل القلبي لا تتعلق به الرؤية، فيكون المراد بالبصير هنا أيش؟ البصير يعني: العليم، وإِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى، قَالُوامن؟ اليهود والنصارى، قَالُواأي اليهود والنصارى، لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا، وهذا قول اليهود، أَوْ نَصَارَى، وهذا قول النصارى، فاليهود قالوا: ما أحد يدخل الجنة إلا نحن، والنصارى قالوا: ما أحد يدخل الجنة إلا نحن، ما يدخل الجنة إلا يهودي، يقوله اليهود، ما يدخل الجنة إلا نصراني، يقوله النصارى، وهود جمع هائد كعوذ جمع عائذ، العوذ المطافيل، فهود أي: هائد، وهائد بمعنى راجع؛ لقوله: إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ [الأعراف: ١٥٦]، أي: رجعنا، وقيل: إن الهود جمع يهود، أي: يهوذا، اسم جدهم الأول اللي ينتمون إليه، اسمه يهوذا بالذال، ولكنه لما عُرِّب صار يهود، والله أعلم، على كل حال هم هؤلاء القبيلة من بني إسرائيل الذين يزعمون أنهم متبعون لمن؟ لموسى، أما النصارى فقيل: إنه مأخوذ من النُّصرة، وقيل: إنه مأخوذ من نسبة إلى بلدة تسمى الناصرة، وأيًّا كان فالمراد بهم من ينتسبون إلى عيسى.
وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا، وعلى هذا على رأي اليهود يكون النصارى ما يدخلون الجنة، والمسلمون ما يدخلون الجنة، وقد سبق أنهم قالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً [البقرة: ٨٠]، ثم تخلفوننا فيها، النصارى أيضًا على رأيهم ما يدخل اليهود الجنة، وهذا صحيح؟ صحيح بعد ما أن بُعِث عيسى من كفر به فإنه لا يدخل الجنة، ولن يدخل المسلمون الجنة، هذا غير صحيح، بل نقول: إنكم أنتم أيها النصارى، وكذلك اليهود، بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم لما كفرتم به كنتم من أهل النار، كما قال رسول صلى الله عليه وسلم: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» . فالحاصل أن هذا القول كذب، من الطرفين؟ من الطرفين، ولهذا قال الله عز وجل: تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ، تِلْكَأي تلك المقالة، أَمَانِيُّهُمْ، (أماني) جمع أمنية، وهي ما يتمناه الإنسان بدون سبب يصل به إليه، هذه الأمنية إنك تتمنى شيء لكن بدون أن تأتي بالسبب الذي يوصل إليه، واحد قال: أنا أتمنى أن الله يجيب لي ولد، قلنا له: تزوج. قال: لا ما أنا متزوج، وأيش يكون هذا التمني؟ أمنية ولَّا لا؟ نعم (...)، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَواهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ» ، فهؤلاء يتمنون، يقول: نحن مؤمنون، فالجنة لنا، نقول: هذا أمنية كاذبة، اعملوا للجنة تكونوا من أهل الجنة، أما مجرد أماني كاذبة فهذه (...) شيئًا، ولهذا قال: تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ، ثم قضى بالعدل، قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، شوف العدل، يعني: نحن ما نرد كلامكم إلا إذا لم تقيموا عليه الدليل، فإن أقمتم عليه الدليل فهو على العين والرأس، هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ، قُلْيعني: يا محمد، هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وهَاتُوااسم فعل، ولَّا فعل أمر؟
الطلبة: (...).
الشيخ: إي، لكن القاعدة أنه يكون فعل أمر؛ لأنه ما دل على الطلب ولحقته العلامة فهو فعل أمر، فهنا يقال: هاتوا، ويقال: هاتي للمرأة، ويقال: هاتيا للاثنين، فإذن هو فعل أمر.
طالب: العلامة؟
الشيخ: العلامة أنه إذا قبل اتصال الفاعل به فهو فعل أمر.
طالب: (...)؟
الشيخ: نقول هذا مبني على الكسر.
الطالب: (...).
الشيخ: قلنا فعل الأمر إي نعم، هو مبني على كل حال مهما جاء، وعلى ما سُمي.
وقوله: هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ، البرهان هو الدليل، من بَرْهَنَ على الشيء، إذا بيَّنه، أو من بَرِهَ الشيءُ، إذا وضح بالعلامة، فعلى الأول يكون النون أصلية، وعلى الثاني تكون النون زائدة، وعلى القولين جميعًا، فالبرهان هو الدليل الذي يتبين به حجة الخصم، هات دليل تتبين به قولك ونحن نقبله، ثم قال: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قال، شوف إذا قيل: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، معناه أن هذا أمر لا يمكن وقوعه، فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، ما هو بواقع، تحدي، فإذا كانوا صادقين بأنه ما يدخل الجنة إلا اليهود والنصارى فليأتوا بالبرهان، وسيأتون به؟ لا، إذن يكونون كاذبين، إن كانوا صادقين فليأتوا بالبرهان، ما جاءوا فيكونون كاذبين، كلمة هَاتُوا بُرْهَانَكُمْفعل أمر يراد به التحدي والتعجيز، إن هذا أمر لا يمكن أن يكون، واعلموا أن من دعايات المنصِّرين الآن، من دعايات المنصرين النصارى أنهم يأتون للشباب في أمريكا وغيرها، يقولون: يا جماعة أنتم ناس مسلمين، أناس تحبون العدل، تحبون العدل تفضلوا اقرؤوا الأناجيل، اقرؤوا الإنجيل شوفوا هو فيه شيء؟ كله دعوة للخير، وكله دعوة للتسامح، وكله دعوة لبذل المعروف، إلى آخره، فالإنسان يغترّ بهم؛ لأنهم إذا قالوا ها الكلام نتبع العدل شوفوا هل نحن مخطئين ولَّا لا؟ الغِرّ ينخدع بذلك، والله صحيح ربما إنهم صادقين، وينسى أن الله تعالى كذَّبهم، ينسى كل اللي في القرآن والسنة؛ لأن دُولَه خدعوه، وهم أيضًا ما عندهم برهان على ما قالوا؛ لأن الأناجيل المعروفة الآن كم هي؟ أربعة، الأناجيل أربعة، هذا المعروف، كل إنجيل منها لا يوافق الآخر في أعظم شيء من شئون النصارى وهو قصة صلب المسيح وقتله، هذا ما هم متفقين عليه إطلاقًا، يقولون الخبراء، أنا ما درست هذه الأناجيل، لكن الذين قرؤوها يقولون: كلها غير متفقة على هذه القصة، مع أنها من أعظم ما يكون عند النصارى، كذلك أيضًا يقولون: إنه من جملة ما فيها إن عيسى عليه الصلاة والسلام لما قُتِل ودُفِن وبقي ثلاثة أيام خرج، خرج من قبره، ويسمون هذا القيامة، هذا كل الأناجيل استندت فيه على قول امرأة مجهولة، العقيدة يمكن تثبت بقول امرأة مجهولة؟ غير ممكن، كذلك يقولون: إن عيسى عليه الصلاة والسلام، هذه المرأة إنها كانت زانية، وأنهم أتوا بها إليه وطلبوا منه أن يرجمها بناء على شريعة التوراة، وقال لهم: أنا أرجمها، لكن ليبدأ بالرجم من لم يعمل خطيئة منكم، يبدأ بالرجم، فتفرقوا؛ لأن كل واحد منهم قد عمل خطيئة، وهو يريد أن يقول: هي عملت خطيئة، وأنتم، فيجب التسامح، ثم لما ما بقي إلا هو قال: أيضًا أنا ما أستطيع أن أرجمك؛ لأني ما أسلم من الخطأ، فعفا عنها وهي زانية، وهي التي شهدت بأنه حينما دُفن قام من قبره، فعلى كل حال، يعني الحقيقة بعض الناس يقول: أنا أرى، لكن أنا لا أوافقه في الرأي، بعض الدكاترة من المدرسين يقول: أنا أرى إن الأناجيل تُنْشَر بين الناس؛ لأجل يعرفون كذب النصارى وتناقض النصارى، ولكن نحن ما نرى هذا؛ لأن هذا فيه مفسدة؛ لأنه ما كل إنسان يبغي يقرأه يكون محيطًا في الأمر، يقرأ الجوانب السليمة الزينة التي جاء الإسلام بمثلها، بل أحسن منها، ثم يدع الأشياء التي تبيّن كذب هؤلاء، فالله تعالى يقول: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ؛ لأنه لا برهان لهم، فهذه الآن الأناجيل اللي يقولوا هي برهاننا ودليلنا على أن ما نقوله حق، نقول: ليس بصحيح، لأن مَن تأملها وجد أنها ليست بصحيحة، لكن هم يأتون إلى هؤلاء الأغرار اللي ما عندهم علم، ولا عندهم عبادة، ثم يخدعونهم، على الأقل يكون عند الإنسان تردد، هل الإسلام هو الصحيح ولا النصرانية هي الصحيحة؟
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، بس دوله أغرار مساكين، ما يعرفون، ولا يعرف الإسلام إلا مَن لم يعش في الكفر، كما قال عمر: إنما ينقض الإسلام عروة عروة من لم يكن على الكفر.
طالب: (...)؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: التحريف وقع فيها لفظًا (...)؟
الشيخ: لفظًا ومعنى، كلها، فيها تحريف لفظي ومعنوي. قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قال الله تعالى: بَلَى(بلى) هذا إبطال للنفي في قولهم: لَنْ يَدْخُلَ، وهذا واضح، وإن كان بعض المفسرين يقول: (بلى) هنا بمعنى (بل)، بل من أسلم، ولكن نقول: لا، (بلى) هنا حرف جواب، و(بلى) حرف جواب تفيد إبطال النفي، يعني: لما قالوا: لَنْ يَدْخُلَ، وأيش قال الله؟ بلى يدخل الجنة من ليس هودًا ولا نصارى، من هم؟ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ(مَن) شرطية وهي مبتدأ، وجواب الشرط قوله: فَلَهُ أَجْرُهُ، وقوله: مَنْ أَسْلَمَ، أَسْلَمَ وَجْهَهُالمراد: بالوجه القصد والنية والإرادة، أسلمها لله، يعني: جعل اتجاهه وإرادته وقصده إلى الله عز وجل، قالوا: وعبر بالوجه؛ لأنه هو الذي يدل على قصد الإنسان، أنت عندما تقصد الشيء تمشي على قفاك لهذا الشيء؟ ولّا على وجهك؟ على وجهك، إذن عبر بالوجه؛ لأنه به يُعرف القصد، ولهذا يقولون: أين كان وجه فلان؟ يعني: أين كان قصده واتجاهه؟ يقول: إلى الجهة الفلانية مثلًا.
وقوله: وَجْهَهُ لِلَّهِ، هذا عمل القلب وهو الإخلاص، وَهُوَ مُحْسِنٌ، الجملة في موضع نصب على الحال من فاعل (أسلم)، يعني: أسلم وهو في حال الإحسان، والحال أنه محسن، والمراد بالإحسان اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا، وقد جمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ، الفرق بين الجملتين: «تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ»، وهذه عبادة الطلب، «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، وهذه عبادة الهرب والخوف؛ لأن الإنسان إما أن تكون عبادته حبًّا لله وشوقًا إليه، فيحمله على ذلك الحب والشوق، وإما أن يكون خائفًا منه، يخاف مراقبة الله سبحانه وتعالى واطلاعه عليه، والحال الأولى أكمل من الحال الثانية، فهذا هو الإحسان، فلا بد من الإحسان، ولا يكفي الإخلاص، ما يكفي الإخلاص، ولهذا فيها الآن أناس من هذه الأمة يقولون: نحن نحب الله، ونريد الله ونسعى للوصول إلى جنته، وهم منحرفون في عبادته، هل يدخلون في الآية هذه؟ ما يدخلون، تيجي للصوفية الآن، الصوفية غالبهم من أزهد الناس في الدنيا، يقولون: نحن ما نقصد إلا وجه الله، ولا نريد إلا وجه الله، وعندهم من البدع والخرافات ما لا يحصيه إلا الله، هل نقول: إن هؤلاء يدخلون في هذه الآية؟ لا، ما يدخلون، لماذا؟ لعدم الإحسان، والإحسان كما قلت لكم: هي المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا تكون الآية دالة على الشرطين الأساسيين في العبادة، وهما؟ الإخلاص والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو محسن.
طالب: بس ذكر الإخلاص.
الشيخ: نعم، وأين الإخلاص؟
الطالب: مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِهذا إخلاص، وأحسن شمل الأمرين.
الشيخ: اتباع الرسول، الإحسان اتباع الرسول.
الطالب: بس قلنا: الإحسان هو الإخلاص والمتابعة.
الشيخ: لا لا ما قلنا، قلنا أن الآية تتضمن هذا.
الطالب: يعني كلها.
الشيخ: كل الآية.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، ما (...).
وقوله: فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، الأجر ما يُعطاه الإنسان على عمله، كما لو استأجرت شخصًا يعمل لك بناء فأعطيته، والمراد به هنا الثواب، الثواب، المراد به الثواب، شبّهه الله تعالى بالأجر؛ لأنه حق للإنسان، من أوجبه على الله؟ الله هو الذي أوجبه على نفسه، قال الشاعر:
| مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِب | كَلَّا وَلَا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضَائِـــــعُ |
| إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا | فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُ الْوَاسِعُ |
| مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَـــــــــــــــــــــقٌّ وَاجِبٌ | هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ |
| مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ | ........................... |
| .................... | هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ |
| .................... | كَلَّا وَلَا سَــــــعْيٌ لَـــــــدَيْهِ ضَائِــــــــــــعُ |
| .................... | إِنْ كَانَ بِالْإِخْلَاصِ وَالْإِحْسَانِ |
| إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا | فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْلُ لِلْمَنَّــــــــــــــــــانِ |





