الشيخ: ماذا قلنا؟
طالب:
قلنا: بجواز تعليل الأحكام بالربوبية.
الشيخ: لا،
تعليل الأحكام بمقتضى الربوبية، الأحكام الشرعية بمقتضى الربوبية لإسكات الناس حتى
لا يحصل منازعة، إذا قيل: لأيش كذا؟ تقول: لأن هذا الله رب يفعل ما يشاء، لماذا أحل
كذا وحرم كذا؟ تقول: لأنه رب، لماذا توجه الناس من المشرق إلى المغرب، من المغرب
إلى المشرق، من بيت المقدس إلى الكعبة؟ لأن ذلك بمقتضى ربوبية الله، لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة: ١٤٢].
ومن فوائد الآية: أن العدو يحتج على عدوه بما يثير نعرته،
العدو عدو يحتج على العدو بما يثير نعرته ويُلزمه؛ لقوله: عَنْ قِبْلَتِهِمُ، ما قالوا: عن القبلة، كأنهم يقولون: كنتم تتولون ذلك، فما
الذي صرفكم عنه؟ وهذا قد يثير شعور الإنسان حتى يبقى على ما هو عليه، وقال: بالأمس
تختارها واليوم تنكرها وتنبذها؟ فالخصم دائمًا يُهيج خصمه يما يثير نعرته ليقيم
الحجة عليه عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا.
ومن فوائد الآية: عموم ملك الله
عز وجل؛ لقوله: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ.
ومن فوائدها: إثبات مشيئة
الله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وقد مر علينا كثيرًا بأن كل
آية فيها إثبات المشيئة فهي مقرونة بالحكمة؛ لأن مشيئة الله ليست مجرد مشيئة، بل هو
سبحانه وتعالى ما يفعل شيئًا ولا يشرعه إلا لحكمة.
ومنها:
إثبات أن الهداية بيد الله يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ.
ومنها: صحة احتجاج الجبرية على
القول بالجبر.
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: طيب، الآية أمامنا يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
طالب: ما
(...) هذه الآية يعني بالخصوص (...).
الشيخ: نقول:
الجبرية وإن احتجوا بمثل هذه الآية فلا حجة لهم؛ لأن الاحتجاج ببعض القرآن دون بعض
كفر به، قال الله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة: ٨٥]، القرآن من متكلم واحد، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ:
فمطلقه في موضع يقيَّد في موضع آخر، ومجمله يبيَّن في موضع آخر، بل إن الرسول صلى
الله عليه وسلم يقيد القرآن ويبينه ويخصصه، واضح؟ فإذن لا دليل فيه إلا مَن نظر
بعينِ أعور، الأعور ينظر من جانب العين الصحيحة، لكن من جانب العين العوراء ما يرى،
والواجب أن الإنسان ينظر إلى النصوص بعينين ثاقبتين، ما هو بعين واحدة، طيب، إذن
هذه الفائدة باطلة، الاحتجاج بالآية على صحة مذهب الجبرية هذا باطل، تمام؟ طيب.
ومن فوائد الآية: الثناء على هذه الأمة لأنها التي
على صراط مستقيم؛ لأن أول مَن يدخل في قوله: يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍهؤلاء الأمة الذين تولوا عن بيت المقدس
إلى الكعبة.
طالب: شيخ، أرأيتم تقول: الصراط أنه هو
المستقيم (...) قوله: مُسْتَقِيمٍ؟
الشيخ: نعم هذه تذكر في التفسير.
طيب إذن من فوائدها: فضيلة
هذه الأمة بأنها المهدية إلى صراط مستقيم.
ومن فوائد
الآية: أن معارضة الشرع ضلال، كما أنه سفه فهو أيضًا ضلال؛ لأن الشرع هو
الصراط المستقيم، فهو الهداية وما سواه ضلال واعوجاج، نعم، وانتهى الكلام على هذه
الآية.
قال: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَإلى آخره.
من فوائد
هذه الآية: أن ما اختاره الله لهذه الأمة من استقبال بيته فهو من أجل كونها
وسطًا، من أجل كونها وسطًا اختار الله لها أن تتولى أيش؟ المسجد الحرام؛ لقوله:
وَكَذَلِكَأي ومثل ذلك الاختيار لكم اخترناكم فجعلناكم
أمة وسطًا.
ومنها: فضل هذه الأمة على جميع الأمم؛
لقوله..
طالب: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ.
الشيخ: لا.
طالب: وَسَطًا.
الشيخ: وَسَطًا، أي: عدلًا خيارًا.
ومنها: عدالة هذه الأمة؛ لقوله: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ، والشهيد قوله مقبول،
والمراد بالأمة هنا أمة الإجابة، ومن هنا نعرف حذق أهل الفقه حيث قالوا: إن العدل
من استقام على دين الله؛ لأن هذه الأمة أمة وسط إذا كانت على دين الرسول عليه
الصلاة والسلام، فتكون شهيدًا وتُقبل شهادتها إذا استقامت على هذا الدين وكانت أمة
حقيقية، فعليه يؤخذ من هذا حد العدل، أن العدل من استقام على دين الله.
ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الأمة تشهد على الأمم يوم
القيامة؛ لقوله: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ،
فإذا قال قائل: كيف تشهد وهي لم تَرَ؟
طالب: نقول:
لكنها سمعت.
الشيخ: نعم، نقول: لكنها سمعت، سمعت عمن
خبرُه أصدق من المعاينة، صلوات الله وسلامه عليه.
ومن فوائد الآية أيضًا: أن
نبينا صلى الله عليه وسلم يكون شهيدًا علينا يوم القيامة، شهيدًا علينا بالعدالة،
وقيل كما مر: شهيدًا علينا بأنه بلّغ، وأيًّا كان فإنه من فضائل هذه الأمة.
ومنها: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛
لقوله: وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.
ومنها: أنه لا رسول بعده، من أين
تؤخذ؟ لأن (أل) هنا للعهد، وهو يخاطب هذه الأمة، فالرسول المعهود فيها واحد، من هو؟
الرسول صلى الله عليه وسلم، ويلزم من ذلك أن لا يكون بعده رسول.
ومن فوائد الآية: أن الله تعالى قد يمتحن العباد بالأحكام
الشرعية، إيجابًا أو تحريمًا أو نسخًا، من أين نأخذ؟ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ، انتبه، انتبه لهذا، إن
الله قد يبتليك، قد يبتليك بالمال، يعطيك مالًا ليبلوك، هل تقوم بواجبه ولّا لا،
وهذه محنة؛ لأن غالب من ابتُلِي بالمال طغى وشح، طغى من وجه، وشح من وجه آخر، ثم
اعتدى في تموُّل المال، فضلّ في تموله والتصرف فيه وتصريفه، مفهوم يا جماعة؟ طيب،
احذر من أن الله قد ينعم عليك بالعلم، والعلم عليه ضريبة، وهي أول شيء تقوى الله
وخشيته، إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨]، فإذا لم تَخْشَ الله بعلمك فاعلم أنه حجة عليك،
امتحان من الله عز وجل ما هي هيّن الأمر، كذلك امتحان آخر لأهل العلم أن لا يكتموه
-نسأل الله السلامة وأن يعيننا على بذله وتعليمه- أن لا يكتموه في أي مكان حيث دعت
الحاجة إلى بيانه من السائل، بلسان الحال أو بلسان المقال؛ السائل بلسان المقال يجي
(...) واحد يسألك، والسائل بلسان الحال أن يكون الناس في حاجة إلى بيان حكم الله في
هذه المسألة، فهو وإن لم يسأل بلسان المقال ويجي يقول: وعلمني، لكن حال الناس
تستدعي أن يبيَّن لهم الحق في هذا الأمر، مفهوم؟ هذه ضريبة أيضًا يجب عليك أن تنتبه
لها، خشية الله بعلمك، ثانيًا: بيان وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: ١٨٧]، إذا أنعم الله عليك بعافية فهذا أيضًا
ابتلاء، فالمهم أن الله يبتلي الإنسان بالأحكام الشرعية وبالقضاء الكوني، بالقضاء
الشرعي وبالقضاء الكوني، ومر علينا أمثلة من الامتحان بتسهيل أسباب المعصية، يمتحن
الإنسان بتسهيل أسباب المعصية له، وذكرنا مثلًا في هذه الأمة ومثلًا في بني
إسرائيل؛ في بني إسرائيل في قضية السبت، حيث نُهُوا عن السمك يوم السبت، فصارت
تأتيهم شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ [الأعراف: ١٦٣]، وفي هذه الأمة ابتلاهم الله تعالى وهم
مُحْرِمون بالصيد، كثير جدًّا وتناله أيديهم ورماحهم، ما يحتاج إلى سهام، يمسك
الواحد الصيد بيده ولّا برمحه، (...) عليه ويأخذه، ولكن لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ [المائدة: ٩٤]، فخافوه بالغيب ولّا لا؟ نعم، رضي الله عنهم، خافوه بالغيب، ما جاؤوه؛ لأنه
حرام، فالله سبحانه وتعالى قد يمتحن الإنسان بالتكليف بالعبادة، وأعظم امتحان فيما
أعلمه ما جرى لإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام في ذبح ابنه وحيده وثمرة فؤاده،
ما له غيره، وبلغ معه السعي على أكمل ما يكون من تعلق القلب به، ليس صغيرًا فيُهجَر
ولا كبيرًا فيُستَغنى عنه، بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ [الصافات: ١٠٢] بالمصاحبة المعية، بالمصاحبة يسعى معه ويذهب معه، وأُمِرَ بأن
يذبحه، ووافق؟ وافق، الابن والأب، وأسلما لله رب العالمين، وتلَّه لجبينه على وجهه؛
لئلا يرى وجهه، أو لا يرى الولد السكين فيفزع، أمر الرسول إن صح الحديث أَنْ تُوَارَى الشِّفَارُ عَنِ الْبَهَائِمِ فِي حَدِّهَا
، وهذه محنة
عظيمة، ومع ذلك قام بها، المهم يا إخواني أن الله سبحانه تعالى قد يبتلي الإنسان
بأمور كونية أو شرعية ليعلم سبحانه وتعالى؛ لأنه كما قيل: عند الامتحان يُكرم المرء
أو يهان، والذهب لا يُعرف جودته إلا بعرضه على النار، والعود لا يتبين رائحته إلا
بمس النار، فلا بد من شيء، ولهذا قال: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ، حيث وُجِّه تَوَجَّه لا يمين ولا يسار، مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [البقرة: ١٤٣] فيرجع،
والعياذ بالله.
طالب: يا شيخ، تركه (...) مثل القتل..
الشيخ: كيف؟
الطالب: تركه
لابنه ولزوجته هي محنة.
الشيخ: إي هي محنة لكن
(...)؟
الطالب: (...) لو تارك (...) الصلاة؟
الشيخ: لا هذا أخف بكثير.
طالب:
شيخ، هل يجوز مع بعدك عن (...)؟
الشيخ: لا لا، ما هي
أقوى من هذه، لأن هذا صبر على طاعة الله، قضية إبراهيم صبر على الطاعة وهذه صبر عن
معصية.
طالب: واحدة أكبر من (...)؟
الشيخ: لا وهي أكبر من (...) أيضًا حتى أكبر من (...)، من حيث
النوع ومن حيث الواقع؛ لأن حبس الإنسان النفس عن شهوته أهون من كونه هو يذبح ولده
بيده.
طالب: مهما بلغ من الإيمان لهذه الدرجة.
الشيخ: يعني صعب جدًّا نسأل الله العافية، والحمد لله
على كل حال.
من فوائد الآية: أن وجوب اتباع الرسول
صلى الله عليه وسلم؛ كقوله: لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُول، فالله امتحن العباد ليعلم هل يتبعون الرسول، إذن فاتباع الرسول
واجب وإلا لما احتيج إلى محنة الناس عليه.
ومنها:
إثبات علم الله؛ لقوله: لِنَعْلَمَ، وعلم الله
محيط، علم الله محيط بأيش؟ بكل شيء لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: ١٢]، وقد سبق لنا إشكال في هذه الآية والجواب
عليه.
ومنها: أن الردة عن الإسلام انقلاب؛ لقوله:
مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ، فإنها انقلاب إلى
الوراء.
ومنها: أن التقدم حقيقةً في الإسلام، وأما
الرجعيون حقيقة هم المخالفون للإسلام، أليس كذلك؟ إي نعم، إحنا ما نقول هذا من عند
أنفسنا أو انتصارًا لأنفسنا، نقوله من كلام الله مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ، فأي واحد يقول للناس المتمسكين بكتاب الله
وسنة رسوله: هؤلاء رجعيون، نقول: بل أنت الرجعي؛ لأن الله سمى مخالفة الرسول صلى
الله عليه وسلم انقلابًا على العقب، ولا أبْلَغ من هذا الرجوع، إن الإنسان يرجع على
عقبيه هذا رجوعًا أعمى - والعياذ بالله - ما يدري أيش اللي وراه.
ومن فوائد الآية: أن تغيير القبلة شاق، شاق إلا على طائفة
معينة من الناس، وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ، وهذا كما مرّ علينا في التفسير يقع كثيرًا
للإنسان، تشق عليه بعض الأوامر الشرعية، واجتناب بعض النواهي الشرعية تشق عليه، لكن
بتمام الإيمان تزول هذه المشقة وتكون سهلة، والعلماء اختلفوا أيهما أفضل، رجل يفعل
العبادة بمشقة ويترك المعصية بمشقة، وآخر يفعل العبادة بسهولة ويترك المعصية
بسهولة، أيهما أفضل؟ قال بعض العلماء: الأول أفضل؛ لأنه مجاهد يجاهد نفسه، يتعب،
وقال الآخرون: بل الثاني أفضل؛ لأن العبادة كأنها امتزجت بدمه ولحمه حتى صارت سجية
له لا ينبسط إلا بها، فما ترون أنتم؟
طالب: يفرَّق بين
الطاعة والمعصية، في الطاعة تستطيع فعلها، لكن في المعصية تركها مع المشقة آجر،
فالثاني أفضل.
طالب: الأول له أجر المشقة.
الشيخ: الصحيح أن يقال: أما الذي يفعلها بسهولة ويسر وانقياد
فهذا أكمل حالًا بلا شك، حاله أكمل من الأول، أليس كذلك؟ لأنه مطمئن ويفرح، والثاني
حاله أدنى، ولكنه يؤجر على مجاهدة نفسه على الطاعة وعلى ترك المعصية، يؤجر، لكن
الأول فرق أفضل حاله على الأول أكمل بكثير؛ لأنه يعمل بنور، بنور وإيمان ويقين
وثبات، على أن هذا الثاني اللي نحن قلنا: إنه مفضول وله أجر المشقة، ربما يمن الله
عز وجل عليه وهو أكرم الأكرمين، حتى تكون العبادة في نفسه سهلة يفعلها بارتياح،
وهذا هو معنى قول بعض أهل العلم: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله ،
فالإنسان قد يفعل العبادة في الأول بمشقة، ويكون عنده نوع من التعب في تنفيذها، لكن
إذا علم الله من نيته صدق القصد والطلب يسّر الله له الطاعة حتى كانت سجية
له.
طالب: (...).
الشيخ:
نعم، هذا يدل على أن هذا أكمل حال تكون حاله.
ومن فوائد
الآية: إظهار المنة، إظهار منة الله عز وجل على من هداه الله، من أين نأخذ؟
طالب: نسب الهداية إليه.
الشيخ: نسب الهداية إليه، لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ، أتى بـ(الذين) أيضًا اسم الموصول الصريح
دون (مَن)، الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ، نعم وله المنة
علينا والحمد لله، نسأل الله الثبات، بالهداية، الإنسان يرى أعظم منة منّ الله بها
عليه أن هداه للإسلام، لا شك أنها أعظم والله من الأكل والشرب والنكاح والمسكن وكل
شيء؛ لأنها حياة الدنيا والآخرة، وملاذ الدنيا هي حياة الدنيا فقط تزول، فأعظم منة
مَنَّ الله بها على الإنسان أن هداه الله، وهذه يجب إن الإنسان يشعر بها لا يمنّ
بدينه على ربه، بل يعتقد أن المنة لله عليه أن هداه حتى يزداد محبة لله عز وجل،
كلما فعل عبادة أحب الله عز وجل؛ لتقربه بها إليه، ولأنه هو الذي هداه إليها، وكم
من أناس ضلوا، أليس كذلك؟ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام: ١١٦]، أكثر من في
الأرض كلهم ضالون، فإذن يجب على الإنسان أن يشعر بهذا الشعور يا إخوان، تشعر بأن
الله لما هداك للإيمان إن هذه أعظم منة منّ بها عليك، وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ، ولهذا قال الله
للرسول صلى الله عليه وسلم في شأن الأعراب: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا [الحجرات: ١٧]، الجواب قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات: ١٧] في دعواكم أنكم
مؤمنون، فاعرفوا الحقيقة، بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، وشوف الفضل والكرم هو
الذي مَنَّ علينا بالهداية ثم يقول في سورة الرحمن: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠]، فكأننا نحن الذين
أحسنا فأحسن إلينا بالجزاء، نِعَم عظيمة، مع أن له الإحسان أولًا وآخرًا، هو الذي
أحسن علينا أولًا وأحسن علينا آخرًا، ولكن هذه من منّته سبحانه وتعالى ومن شكره
لسعي عبده، إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [الإنسان: ٢٢]، سبحان الله، أنت الذي تمن به علينا
وتوفقنا له ثم تقول: وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا،
هذه منة عظيمة في الحقيقة، الحمد لله، إذن وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ.
ومن فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر عمل
عامل إذا كان مبنيًّا على الإيمان؛ لقوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ، كل عمل تعمله صادرًا عن إيمان فإنه لن يضيع، ستجده
مسجلًا قولًا كان أو فعلًا أو همًّا بالقلب، «مَنْ هَمَّ
بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ حَسَنَةً كَامِلَةً» وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ.
ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الرؤوف
والرحيم، وما تضمناه من الصفة، وهي: الرأفة والرحمة، فهذان اسمان من أسماء الله
تضمنتهما هذه الآية والصفة.
وفيه أيضًا هل نقول: والأثر؟ نعم، والأثر، فإنه مر
علينا أن الأسماء الحسنى إذا كانت متعدية تتضمن ثلاثة أمور: الاسم، والصفة، والأثر
اللي هو الفعل، وإذا كانت غير متعدية تضمنت أمرين فقط، هما: الاسم، والصفة، فالحي
يتضمن الاسم والصفة، والرحيم يتضمن الاسم والصفة والأثر اللي هو الفعل، له رحمة
يرحم بها، له رحمة يرحم بها ويرسلها إلى من شاء.
ومن فوائد
الآية: إثبات عموم الرحمة لكل الناس؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ، وهذه عامة، لكن إن كان الناس مؤمنين
كانت رحمته متصلة خاصة متصلة بالدنيا والآخرة، وإلا فإن الكفار تشملهم رحمة الله
تعالى في الدنيا وعدله في الآخرة، في الآخرة يجازون بالعدل والقسط، وفي الدنيا
بالفضل والإحسان، وربما يعاقبهم الله سبحانه وتعالى بالعدل، إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ.
قال الله
تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ.
طالب: من الفوائد أن العمل من الإيمان.
الشيخ: إي نعم من فوائد الآية صح، أن العمل من الإيمان، من فوائد
الآية أن العمل من الإيمان؛ لقوله: إِيمَانَكُمْ، فإنها
فُسِّرَت بالصلاة إلى بيت المقدس، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، أن العمل داخل في
الإيمان، ووجه ذلك هو موجود في الأدلة الشرعية أن العمل من الإيمان، «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا
إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ،
وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» ،
هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالعمل لا شك أنه من الإيمان، لكن وجه ذلك
أنه صادر عن إيمان، صادر عن الإيمان، فالإيمان هو الذي أوجده، ولهذا لا يعد عمل
المنافق من الإيمان، السبب؟ عمل المنافق صلاته وذكره لله ونفقاته ما تعد من
الإيمان؛ لأنه منزوع من الإيمان، ما هو صادر عن إيمان، ليس صادرًا عن الإيمان، أهل
السنة والجماعة يُثبتون أن العمل من الإيمان، يوافقهم على ذلك المعتزلة والخوارج،
يقولون: العمل من الإيمان، ويخالفهم في ذلك المرجئة، يقولون: العمل ليس من الإيمان،
فهمتم؟ طيب، لكن أهل السنة والجماعة يفارقون المعتزلة والخوارج في أن المعتزلة
والخوارج يقولون: إن العمل من الإيمان لكنه إذا فُقِد فُقِد الإيمان، ففاعل الكبيرة
عندهم خارج من الإيمان، لكن المعتزلة يقولون إنه في منزلة بين المنزلتين، والخوارج
يقولون: إنه كافر، وأهل السنة والجماعة يقولون: لا نسلِّم لكم هذا، فنقول: المؤمن
العاصي مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو نقول: مؤمن ناقص الإيمان، أو نقول هو مؤمن
ناقص الإيمان، نعم.
طالب: شيخ، يستفاد من الآية قبول
شهادة الأعمى من قوله: شُهَدَاء؟
الشيخ: كل والأصم و الأخرس.
الطالب:
لا أعمى بس؟
الشيخ: لا، لازم كله فاقد الحواس، نقول:
نعم شهادة الأعمى، والأصم، والأخرس، فيما يمكنه إدراكه، فيما يمكنه إدراكه مقبولة،
لكن لو يجي أعمى يقول: شهدت أني رأيت الهلال، نقبله؟
طالب: لا.
الشيخ: ما تُقبل، يجي
الأصم الذي ما يسمع المدفعة عند أذنه يقول: سمعت مسارّة فلان وفلان وهم جنبي؟ ما
تُقبل، لكن لو يجي الأصم يقول: رأيت فلانًا يعمل كذا، وعيناه سليمتان، يُقبل،
فالمهم إن الشهادة مبنية على العدالة وعلى إمكان ما شهد به، كالإدراك، لا بد من
إمكان إدراكه ما شهد به، وهذا راجع إلى الأصلين في كل شيء، ترى القوة والأمانة اللي
أشار الله إليهما في قوله: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص: ٢٦]، قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّوَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [النمل: ٣٩]، القوة والأمانة لو تأملتموها لوجدتموها في كل
الأعمال، أنهما ركنان في كل عمل، فالقوة إمكان القيام بالعمل، والأمانة الثقة،
فالأخيرة الأمانة ترجع إلى الدين، والقوة ترجع إلى إمكان القيام بالعمل الذي هو
يدعي ممارسته.
طالب: تدل على أن من عمل عملًا بما سمع
من شريعة الله وبما علم من شريعة الله فهو مجتهد (...) مجتهد له أجر في هذا.
الشيخ: من وين؟
الطالب:
مَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ، الصحابة
الذين ماتوا.
الشيخ: لا؛ لأن دوله في وقت عملهم عملوا
بالحق ما نُسخ.
الطالب: قوله: الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَاما يدل عليه اللفظ أو ما يدل عليه
السياق أنهم ليسوا على قبلة؟
الشيخ: إي، لأن فيها
استعلاء؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لا، العمل بالشيء يعتبر استعلاء عليه استعلاء معنويًّا
كما تقول: أنت على الحال التي أنا أخبره.
طالب: شيخ،
بالنسبة لسؤال سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ، ذكرت إن
الاعتراض على الشريعة من السفه وأن معارضة الشرع ضلال، مع أن الضلال داخل في السفه؟
الشيخ: لا، السفه أخص من الضلال؛ لأن الضال قد يكون عن
جهل به، عن جهل ما هو عن سفه، هناك مثلًا ضلال وهناك سفه، فالسفيه يعارض، يعني لأن
السفه هو عبارة عن مخالفة الرشد، وهو يعارض مع علمه، وأما الضلال فهو عن جهل.
طالب: (...) في إثبات الحكمة من اللام في قوله: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ؟
الشيخ: نعم، في هذه الآية أيضًا في
قوله: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَإثبات الحكمة لله،
إثبات الحكمة، تؤخذ من قوله: إِلَّا لِنَعْلَمَ؛ لأن
اللام هنا للتعليل، وهذا هو الصحيح، وقد مر علينا أن بعض النحويين يقولون: إن اللام
هنا ليست للتعليل لكنها للعاقبة، بمعنى إلا لأننا قد علمنا.
طالب: شيخ، الفاسقين من هذه الأمة الذين غير عدول هل يكونوا
شهداء على الناس؟
الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر ما
تُقبل شهادتهم إلا إذا ماتوا على العدالة قُبلت، أو غفر الله لهم.
طالب: ورد حديث إن اللعانين لا يكونون
شهودًا عند الله.
الشيخ: نعم، إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاءَ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
طالب: (...)؟
الشيخ: ذكرنا فيها
رأيين في التفسير، والآن ذكرنا فيها رأيين، (...) شهيدًا عليكم بتوفيقكم فتكون لكم،
وذكرنا شهيدًا عليكم بإبلاغكم أنه أبلغكم، فيكون شاهدًا لنفسه على غيره.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا لا، الأولى
بمعنى لكم، المعنى الأول بمعنى لكم.
{فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} الفاء ذكرنا
أنها للتفريع، واللام في قوله: لَنُوَلِّيَنَّكَموطئة
للقسم، فالجملة إذن مؤكدة بثلاثة، بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم المقدر، واللام،
والنون، فَلَنُوَلِّيَنَّكَ، وأتى بها بصيغة التعظيم
لَنُوَلِّيَنَّكَ؛ لأنه سبحانه وتعالى عظيم، فالنون هنا
للعظمة، وقوله: فَلَنُوَلِّيَنَّكَالمعنى: فلنجعلنك
تتولى قبلة، فلنجعلنك تتولى قبلة، وعلى هذا فتكون الكاف مفعولًا أول، و(قبلة)
مفعولًا ثانيًا، وقيل: إن المعنى فَلَنُوَلِّيَنَّكَ:
فلنحولنك، وعلى هذا المعنى يكون قوله: قِبْلَةًمنصوبًا
بنزع الخافض، أي: فلنحولنك إلى قبلة ترضاها، مفهوم؟ وقوله: قِبْلَةًمعنى القبلة الشيء الذي يُستقبل ويوليه الإنسان
وجهه، وقوله: قِبْلَةًنُكِّرت للتعظيم (قبلة)، وقوله:
تَرْضَاهَاأي: تطمئن إليها وتحبها وتقبلها، والرسول
عليه الصلاة والسلام قَبِلَ هذا وهذا، لكنه يحب أن يُصرف إلى الكعبة.
قال الله
تعالى بعد أن قدم هذه المقدمة قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلِّهِ: اسْتَقْبِله، استقبل بوجهك، وقوله: وَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ، (وجه) مفعول أول، و(شطر) مفعول ثان،
والمراد بالشطر هنا الجهة، يعني جهة المسجد الحرام، وقوله: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، المراد به
أيضًا جميع البدن؛ لأن البدن بهيئته وطبيعته إذا استقبل الوجه جهة صار جميع البدن
مستقبلًا لها، وقوله: شَطْرَ الْمَسْجِدِ، المسجِد في
الأصل مكان السجود، وقيل: إن المسجَد مكان السجود، مسجَد بالفتح، والمسجِد المكان
المعد للسجود، فيكون بينهما فرق، بينهما فرق هو أن المكان المبني المعد للسجود يسمى
مسجِد بالكسر، وأما المكان الذي سجدت فيه بالفعل فيسمى مسجَد، وقوله: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، (الحرام) صفة مشبهة من الحُرم وهو
المنع، وسمي حرامًا؛ لأنه يُمنع فيه من أشياء لا تُمنع في غيره، ولأنه محترم معظم،
والمراد به أيش؟ المراد بالمسجد الحرام هنا الكعبة وما حولها من البناء المعروف،
وقوله: شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، عَدَل عن قوله عن الخطاب للنبي عليه
الصلاة والسلام إلى الخطاب لأمته، فقال: وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ؛ لأن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم خطاب
له وللأمة؛ إذ إنه الإمام، والخطاب إذا وُجِّه للإمام فهو خطاب له ولأمته، ونظير
ذلك أن الوزير مثلًا يقول للقائد: اتجه إلى كذا، المعنى اتجه ومن يتبعك من الجنود،
فهكذا الخطاب الموجه للرسول صلى الله عليه وسلم يكون له وللأمة، ونظير هذا قوله
تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ [الطلاق: ١]، فخاطب النبي صلى الله عليه وسلم أولًا، ثم
قال: إِذَا طَلَّقْتُمُ؛ لأن الحكم له ولأمته، على أنه
إن كانت هذه الآية بعد نزول قوله تعالى: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ [الأحزاب: ٥٢]، فإنما وجَّه الخطاب إلى الأمة؛ لأنه
لا يمكن أن يقع من الرسول عليه الصلاة والسلام طلاق، قال: وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ، هذه (حيثما) ظرف مكان لكنها شرطية
زيدت عليها (ما) لفظًا لا معنى للتوكيد، ويجوز في غير القرآن أن تقول: حيث كنت،
ولكنها في القرآن لا تغيَّر، وقوله: كُنْتُمْهذا فعل
الشرط، أين جواب الشرط؟
كان في مكة ومن كان (...) ومن كان بعيدًا عنها، ولهذا
جاء التعبير بقوله: شَطْرَهُ، أي: نحوه؛ ويشمل من كان
في جوف الكعبة ولّا لا؟ نعم يشمله؛ لأنه لعموم قوله: حَيْثُ مَا كُنْتُمْ، إذن إذا كان في جوف الكعبة يَستقبل أمام وجهه من أي الجهات كان،
أليس كذلك؟ من أي الجهات إلا أن بعض أهل العلم يقول: لا يستقبل الباب إذا كان
مفتوحًا ما لم يكن له عتبة؛ لأنه لا بد من شاخص يكون بين يديه، حتى يصح أن يقال إنه
ولّى وجهه شطره، طيب إذا كنا خارج البيت لكن في المسجد ندور عليه ولّا لا؟ ندور
عليه؛ لأننا لو استقمنا في صف مستقيم ما ولّينا وجوهنا نحوه أي شطره، يصير من خرج
عن مُسامكته ولّى وجهه جهة غيره؛ لأنه محصور الآن، وإذا ابتعدنا فإننا، بعض العلماء
يقول: إن كنت في مكة فاستقبِل المسجد، وإن كنت خارج مكة فاستقبل مكة، لكن هذا
تقريبي، إنما الصواب في هذه المسألة أن من أمكنه مشاهدة عين الكعبة وجب عليه
استقبال العين لا يخرج عن مسامكتها، ومن لا يمكنه مشاهدتها لبُعد أو حيلولة شيء
دونها استكفى بالجهة؛ لقوله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦].
طالب:
وإن حال عمود يا شيخ بينهما؟
الشيخ: لا، حال عمود يمكن
أن يتجه، يعني في المسجد؟
الطالب: عمود أو شيء موضوع
(...)؟
الشيخ: إي هذا يمكن يصيب عينها ولو
حال.
طالب: ما هو مقصود النظر المقصود الجهة.
الشيخ: إي نعم المقصود أنك تكون أنت محاذيًا لها.
طالب: على هذا القول ما يجوز أن يصلى فوق ظهر الكعبة؟
الشيخ: نعم على القول بأنه لا بد من شاخص ما نصلي فوق سطحها، لكن
سطحها فيه جدار، السطح فيه جدار، فيه جدار يصل إلى فوق الركبة، إي نعم.
الطالب: (...)؟
الشيخ: نعم، ما فيه
شيء أبدًا؛ ولذلك قلت لك: عتبة الباب تجزئ عند الذين يقولون: لا بد من شاخص،
يقولون: عتبة الباب تجزئ.
الطالب: (...) يصلي ولا؟
الشيخ: لا، بس يقولون المهم أن يكون شاخص بين يديه،
يعني يكون شيء مرتفع يكون بين يديه.
وقوله: حَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُيشمل من كان في الطائرة؟ نعم، أو
في الباخرة، أو في القطار، أو في السيارة فلا بد أن يستقبل القبلة، ولكن عند ذكر
الفوائد سنذكر إن شاء الله ما يُستثنى من ذلك.
وقوله: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، والمراد بالكتاب الجنس، وهو التوراة والإنجيل، والذين أوتوه هم
اليهود والنصارى، وقوله: لَيَعْلَمُونَاللام هنا
للتوكيد، فالجملة إذن مؤكدة بـ (إنّ) واللام، أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، أَنَّهُأي: استقبالك المسجد
الحرام، الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، لكنهم -والعياذ
بالله– يشوهوه، وإلا فهم يعلمون أن الرسول عليه الصلاة والسلام سيستقبل الكعبة، من
أين علموا ذلك؟ مما جاء في كتبهم من وصف الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنهم يعلمون
أن هذا النبي الأمي سوف يتجه إلى الكعبة، وقوله: لَيَعْلَمُونَ، العلم هو إدراك الشيء إدراكًا جازمًا وأيش
بعد؟ مطابقًا للواقع، وقوله: أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، ذكرنا أن الحق معناه الشيء الثابت، فإن أضيف إلى الخبر فهو
الصدق، وإن أضيف إلى الحكم فهو العدل، قال الله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥]، وقوله: أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، الرب
تقدمنا مرارًا وتكرارًا أنه الخالق المالك الكامل السلطان، وإنما أضاف الربوبية هنا
إليهم مِنْ رَبِّهِمْ؛ لإقامة الحجة عليهم، حيث يعترفون
بربوبيته، ومن اعترف بربوبيته لزم أن يعترف بأحكامه وتصرفه؛ لأن الرب له الملك
المطلق يتصرف كيف يشاء، وإلا فهو رب الجميع، لكن هذا فائدة إضافته إليهم.
وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ(ما) هنا حجازية
ولّا تميمية؟
طالب: حجازية.
الشيخ: وأيش الدليل؟
طالب: لأنها
عملت.
الشيخ: لا.
طالب:
(...).
الشيخ: وتدخل حتى التميمية.
طالب: أقول: القرآن بقراءة الحجاز.
الشيخ: هذه صح؛ لأن القرآن بلغة قريش، والدليل على هذا قوله في
سورة يوسف: مَا هَذَا بَشَرًا [يوسف: ٣١]، ولم يقل:
بشرٌ، إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [يوسف: ٣١]،
فالقرآن بلغة قريش، وقريش حجازيون ليسوا تميميين، وقوله: بِغَافِلٍ، الباء زائدةٌ إعرابًا مفيدة معنى، ما فائدتها؟
الطلبة: التوكيد.
الشيخ:
التوكيد، وقوله: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ، إذن الباء
حرف جر من حيث الإعراب زائد، و(غافل) خبر (ما) منصوب بها وعلامة نصبه فتحة مقدرة
على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وقوله: بِغَافِلٍالغفلة: اللهو والسهو عن الشيء، وقوله: عَمَّا يَعْمَلُونَ(ما) اسم موصول تفيد العموم، يعني عن أي
عمل يعملونه، سواء كان عملًا قلبيًّا أم جارحيًّا، يعني أن يتعلق بالجوارح أو يتعلق
بالقلوب، فيشمل الاعتقاد ويشمل القول والفعل، وقوله: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَيفيد التهديد لهؤلاء؛ لأن الغرض من
هذه الجملة تهديدهم على مخالفتهم، حيث أنكروا ما يعلمون أنه الحق من ربهم، وهذه
الصفة وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَمن
صفات الله الإيجابية ثبوتية أو السلبية؟ السلبية المنفية، وقد ذكرنا فيما سبق أن
الصفات السلبية لا يُقصد بها مجرد السلب والنفي، وإنما يقصد بها مع ذلك إثبات كمال
الضد، فمثلًا مَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَتستلزم كمال العلم والمراقبة لأعمالهم الذي لا يعتريها أي غفلة، وقد ذكرنا فيما سبق
أن النفي المجرد لا يستلزم كمالًا؛ لأنه قد يستلزم نقصًا وقد لا يدل على مدح ولا
نقص، أو نسيتم؟ مثال النفي الذي يستلزم النقص؟
طالب:
(...).
الشيخ: لا هذه ليست تستلزم الكمال، ما يمكن يكون
نفي لله يستلزم النقص أبدًا، يعني نفي الغفلة ما تستلزم النقص؛ لأنه لكماله ليس
بغافل، من يعرف؟
طالب: (...).
الشيخ: هو نفي، نفي شيء مذموم، وهو ما يستلزم الكمال، بل هو
نقص.
طالب: قولك: الضعيف لا يظلم.
الشيخ: ممكن.
الطالب: ما ظلم لضعفه
لأنه عاجز عن الظلم.
طالب: من غير القرآن ولا من
القرآن؟
الشيخ: لا، من غير القرآن.
الطالب:
| قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ | وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ |
الشيخ: صح
| قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ | وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ |
عندما أسمع هذا الكلام أقول: إن هؤلاء القوم أوفياء وغير معتدين، أوفياء لا يغدرون بذمة، غير معتدين لا يظلمون الناس، والواقع أنه وصفهم بالنقص، وصفهم بالنقص، فهمتم؟ وكذلك قول الشاعر:
| لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ | لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا |
| يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْـلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً | وَمِـنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السوءِ إِحْسَانَا |
طالب: الظاهر إنه يمدحهم.
الشيخ: ظاهر الكلام أنه يمدحهم والواقع أنه يريد؟
الطلبة: الذم.
الشيخ: إي نعم، أما الذي لا يستلزم نقصًا ولا مدحًا فمثل لو قلت: جدارنا لا يظلم أحدًا، الجدار لا يظلم أحد؛ لأنه غير قابل للظلم، فنفي الظلم عنه ليس مدحًا لكن بالنسبة لله عز وجل الأمر بالعكس، كل صفة منفية عنه فإنها تستلزم كمال ضدها من المدح.
قال الله تعالى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، في لَئِنْأمران متنازعان: قسم وشرط؛ قسم مدلول عليه باللام؛ لأن اللام واقعة في جواب القسم المقدَّر، أي: والله لئن، الثاني المنازِع للقسم (إن) الشرطية، وكل من القسم والشرط يحتاج إلى جواب، أين الجواب في قوله: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ؟ قوله: مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، هذا الجواب هل هو جواب للشرط أو جواب للقسم؟
طالب: للشرط.
الشيخ: جواب للشرط؟
طالب: للقسم قبل الشرط.
الشيخ: لا، هذا جواب للقسم، يقول ابن مالك:
| وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمٍ | جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ |
والمؤخر الآن هو الشرط، وعلى هذا فيكون قوله: مَا تَبِعُواجوابًا للقسم لا محل له من الإعراب؛ لأن جملة جواب القسم ليس لها محل من الإعراب، وجواب الشرط المحذوف دل عليه جواب القسم، وقوله: وَلَئِنْ أَتَيْتَإن وأيش؟
الطلبة: شرطية.
الشيخ: شرطية، و أَتَيْتَبمعنى جئت، وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَيعني: اليهود والنصارى، بِكُلِّ آيَةٍالباء للمصاحبة، يعني مصطحبًا لكل آية، آيَةٍأي: علامة على صدق ما أتيت به إليهم، لئن أتيتهم بكل آية تدل على صدق ما أتيت به، مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، أيّ شيء قبلته؟ الكعبة، يعني لا يتبعون هذه القبلة ولا يتولونها، لو تأتيهم بكل آية، وذلك لأنهم لا يريدون الحق، وإنما هم معاندون؛ لأن الذي يعلم الحق ولا يتبعه معاند، ما فيه فائدة، تأتيه بكل آية ما يفهم ما يقبل، وقوله: بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَقد نقول: إنهم كما لا يتبعون قبلته لا يتبعون دينه أيضًا، نعم لا يتبعون دينه؛ لأنه من لازم اتباع الدين أن يتبعوا القبلة، وقوله: مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، قد يقول قائل: إن هذه القبلة من خصائص هذه الأمة؛ لأنه أضافها إليهم، فقال: مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، ولكن الظاهر والله أعلم أن المسجد الحرام قبلة لكل الأنبياء؛ لقوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا [آل عمران: ٩٦].
وهكذا قال شيخ الإسلام: إن المسجد الحرام قبلة لكل الأنبياء، لكن أتباعهم من اليهود والنصارى هم الذين بدلوا هذه القبلة.
قال: وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ، الواو هنا واو العطف ولّا واو الاستئناف؟
طالب: واو العطف.
الشيخ: الواو هذه عاطفة أو استئنافية؟
طالب: استئنافية.
الشيخ: هذه استئنافية؛ لأننا لو جعلناها عاطفة على قوله: مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَلصار المعنى: وما أنت بتابع قبلتهم في حال إتيانك بالآيات التي تدل على صدق ما جئت به، ومعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يتبعهم مطلقًا، وهذا هو السر في التعبير والله أعلم للجملة الاسمية في قوله: وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ، و(هم)، أتى بالجملة الفعلية في قوله: مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، فهم لا يتبعون قبلة الرسول، والنبي عليه الصلاة والسلام مستحيل أن يكون تابعًا لقبلتهم؛ لأن قبلتهم هذه منكرة لم يأت بها الشرع، ثم لو فُرِض أن الأديان التي هم عليها قد جاءت بهذه القبلة فإنها نُسِخَت بقبلة الإسلام، وقوله: مَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ، وأيش اللي ناصب قِبْلَتَهُمْ؟
طالب: باسم الفاعل.
الشيخ: إي نعم، منصوبة باسم الفاعل، طيب في غير القرآن لو أضيف (بتابعِ قبلتِهم) صحَّ وكانت الإضافة لفظية.
وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ، مَا بَعْضُهُمْ، أي: الذين أوتوا الكتاب، بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ، فاليهود ما تتبع قبلة النصارى، والنصارى ما تتبع قبلة اليهود؛ لأن النصارى يقولون: إن اليهود كفار، واليهود يقولون: إن النصارى كفار ليسوا على حق، ولهذا يكذِّبون عيسى صلى الله عليه وسلم ويقولون إنه -والعياذ الله- ولد زنا، وفعلًا حاولوا قتله وشُبِّه لهم فقتلوا الشبيه، وصاروا يقولون: إننا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم، يفتخرون بذلك، قتلهم الله، هؤلاء بعضهم لبعض عدو، لكنهم مع ذلك بالنسبة للمسلمين بعضهم لبعض ولي، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة: ٥١]، فبعضهم يتولى بعضًا على المسلمين لكن بالنسبة لإقرار بعضهم على دين بعض لا يقرون، هؤلاء لا يقرون اليهود، وهؤلاء لا يقرون النصارى، ولهذا سبق لنا أن اليهود قالت: لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ [البقرة: ١١٣].
وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ.
طالب: وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ، هل لكل من اليهود والنصارى قبلة ولّا لا؟
الشيخ: إي نعم، هذه نحتاج تنبيه عليها، وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ، قبلة اليهود إلى بيت المقدس، إلى الصخرة، وقبلة النصارى إلى المشرق، يتجهون نحو الشمس، فاليهود يقولون للنصارى: أنتم ضالون، والنصارى يقولون لليهود: أنتم ضالون، ولا يتبع بعضهم بعضًا في القبلة، وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ، قوله: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَنقول فيها مثل ما قلنا في ولئن أتيت، ففيها قسم وشرط، والجواب للقسم ولّا للشرط؟ للقسم، وهو قوله: إِنَّكَ إِذًا، ولهذا لم تقترن بالفاء، ولو كانت جوابًا للشرط لوجب اقترانها بالفاء لأنها جملة اسمية، وَلَئِنِ اتَّبَعْتَالخطاب لمن؟ للنبي صلى الله عليه وسلم، و(إن) الشرطية لا تقتضي أو لا تستلزم وجود شرطها، لا تستلزم وجود الشرط، (إن) الشرطية لا تستلزم وجود الشرط، وإنما قلنا ذلك لئلا يقول قائل: هل من الممكن أن الرسول صلى الله عليه وسلم يتبع أهواءهم من بعد ما جاءه من العلم؟ لا، ما يمكن، كيف يقول: لَئِنِ اتَّبَعْتَ، نقول: هذه لا تستلزم جواب شرطها، جواب وقوع الشرط، ما تستلزم، ألم يقل الله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥]؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: وهل يمكن هذا؟ لا، ألم يقل الله: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف: ٨١] وهذا يمكن ولّا لا؟ ما يمكن، إذن فالشرط المعلق بـ(إن) لا يستلزم الوقوع، ولاحظوا الفرق نحن لسنا نقول: لا يمكن وقوعه، نقول: لا يستلزم الوقوع، بمعنى أنه قد يقع في بعض الأشياء، وقد لا يقع في بعض الأشياء، ما أدري اللغة مفهومة؟ أقول: فرق بين لا يستلزم الوقوع، وبين لا يقتضي الوقوع، إذا قلنا: لا يقتضي الوقوع، هذا ليس بصحيح؛ فإن المعلق بـ(إن) قد يقع، وإذا قلنا: لا يستلزم، فالمعنى ليس بلازم الوقوع، ليس بلازم، قد يعلق بـ(إن) وهو غير ممكن، وقوله: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْجمع (هوى)، والأصل في الهوى، الهوى بمعنى الميل، ومنه يقال للنجم: هوى، إذا مال وسقط، ويطلق الهوى في الغالب على الميل عن الحق، ويقابله الهدى، فيقال: اتَّبَعَ الهوى بعد الهدى، فهمتم؟ وهل يطلق الهوى على الهدى؟ إن صح الحديث وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» ، فهو دليل على أن الهوى يكون في الخير كما يكون في الشر، ولكن مع ذلك فالغالب أن الهوى يكون في الشر، مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِمتعلق بـ(اتبعت).
طالب: الحديث هذا ما يصح.
الشيخ: أقول: إن صح، إذا ما صح ما عاد يكون فيه شاهد على أن الهوى يأتي بمعنى الهدى.
الطالب: الحديث النظر فيه من باب اللغة بغض النظر عن صحته؟
الشيخ: لا، بس لو ما صح فإنه لا يصح أن نقول: إن الهوى يكون في الشيء المحمود؛ لأن كل ما في القرآن والسنة من ذكر الهوى فإنها في الأشياء المذمومة.
طالب: هذا الحديث وإن كنا نقول قدح بعضهم في سنده وبعضهم حسنه، لكن شاهده من القرآن فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء: ٦٥].
الشيخ: إي هو معناه صحيح، المعنى لا شك صحيح، لكن اللفظ، طيب قوله: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِهذا متعلق بـ(اتبعت)، يعني إذا وقع هذا الاتباع بعد العلم فإنه يكون الظلم، وقوله: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ، وردت في القرآن على ثلاثة أوجه: هذا أحدها، والثاني: بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ [الرعد: ٣٧]، والثالث: بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ [البقرة: ١٢٠]، كذا؟ أما بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِوبَعْدَ الَّذِيفلا فرق بينهما، إلا أنه عبر بـ(ما) عن (الذي)، وأما مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَفهي أبلغ من قوله: بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ، أشد؛ لأن (مِن) تدل على أنه جاءه العلم وتَمَهَّل، وحصل هذا الأمر بعد مجيء العلم، نظير ذلك - أن دخول (من) يكون أبلغ - قوله تعالى: وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ [فصلت: ٥] أشد من قوله: و(بيننا وبينك حجاب)؛ لأن (من) تدل على مسافة قبل الحجاب ثم حجاب، بخلاف (وبيننا وبينك حجاب) فهي ما تدل على هذا، وقوله: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، المراد بالعلم أيش؟ علم الشريعة والوحي الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام. إِنَّكَهذه جواب القسم، إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ(إذن)، هي (إذٍ) اللي مرت علينا بالإضافة ولّا غيرها؟
طالب: لا، هذه ظرف.
الشيخ: هي ظرف ما فيه شك، لكن حين قلنا: إنها (إِذْ، وإِذَنْ، وإِذَا)، وأن هذه الأدوات الثلاث تنازعت الأزمنة: (إِذْ) للماضي، و(إذَا) للمستقبل، و(إذن) للحاضر، يعني إِنَّكَ إِذًافي حال اتباعك أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم، في هذه الحال لَمِنَ الظَّالِمِينَ، الله، أكده بـ(إن) و(إذن) واللام، في قوله: لَمِنَ الظَّالِمِينَ، وصدق الله عز وجل، اللي يتبع أهواء الضالين والمغضوب عليهم بعد ما جاءه العلم الصحيح الشرعي فهو لا شك من الظالمين، وتأمل اللطف في الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، لم يقل: إنك إذن ظالم، قال: لَمِنَ الظَّالِمِينَ، وهذا لا شك أنه أيش؟ تلطف في الأسلوب؛ لأني الآن لو أقول لك: أنت رجل ظالم، أيهما أشد وقعًا، أو أن أقول: أنت من الظالمين؟ الأول أشد وقعًا، أشد وقع في النفس، ولهذا نقول: إن قوله تعالى: إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَمن باب التلطف في الأسلوب للرسول صلى الله عليه وسلم، نظيره شوف، نظيره قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى [عبس: ١ - ٣] عندما تقرأ عَبَسَ وَتَوَلَّىتظن أن العابس والمتولي مَن؟ غير الرسول عليه الصلاة والسلام، غير الرسول، تظن أنه رجل آخر، ولكن المراد به الرسول عليه الصلاة والسلام، النبي صلى الله عليه وسلم، فعليه يكون الله عز وجل تلطف في الأسلوب بالنسبة لقوله: لَمِنَ الظَّالِمِينَ؛ لأن الظالمين فيها ضمير مستتر يعود على من؟ على غير الرسول، على الظالم، لكن لو قال: إنك ظالم، صار الضمير يعود عليه نفسه، إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ.
طالب: خاص بالرسول ولّا..؟
الشيخ: وأيش اللي خاص؟
الطالب: إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ..؟
الشيخ: لا، الرسول وغيره. وقوله: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ.
طالب: شيخ، (...)؟
الشيخ: لا، المراد الظالمين الذين لم يعدلوا في تصرفهم؛ لأن الظلم هو في الأصل النقص، وهو عدم العدل، فقد يكون يصل إلى درجة الكفر وقد لا يصل، حسب ما اتبع فيه، إن اتبعهم في أمر لا يُخرج عن الملة لم يكن خارجًا عن الملة، وإن اتبعهم في أمر يخرج صار خارجًا.
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، الَّذِينَمبتدأ، فأين الخبر؟
طالب: يَعْرِفُونَهُ.
الشيخ: جملة يَعْرِفُونَهُ، وقوله: آتَيْنَاهُمُ: أعطيناهم، والإيتاء هنا شرعي ولا كوني؟
الطلبة: كوني وشرعي.
الشيخ: نعم جامع بينهما، كونيًّا شرعيًّا؛ لأن الكتاب شرعي، والإعطاء هنا كوني، قدر الله تعالى أن ينزل عليهم الكتاب فنزل، وقوله: آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ، الفعل هنا ناصب مفعولين، أولهما: الهاء، والثاني: الكتاب، أصلهما المبتدأ والخبر ولّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليس أصلهما المبتدأ والخبر؟
الطلبة: لا.
الشيخ: إي نعم، إذن من أخوات (كسا) الذي قال فيها ابن مالك:
| وَالثَّانِي مِنْهُمَا كَثَانِي اثْنَيْ كَسَا | ....................... |
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، الضمير في قوله: يَعْرِفُونَهُيعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، الكاف للتشبيه، و(ما) مصدرية، أي؟
طالب: أي يعلمون..
الشيخ: لا لا، قصدي كَمَا يَعْرِفُونَالكاف؟
الطالب: للتشبيه.
الشيخ: للتشبيه، وهي حرف جر، و(ما)؟
طالب: مصدرية.
الشيخ: مصدرية، أي؟
الطالب: يعلمون.
الشيخ: لا، أوِّلها بمصدر، أي: كمعرفة أبنائهم، نعم، وهنا عبر بـيَعْرِفُونَهُدون (يعلمونه)؛ لأن الغالب أن العلم يعبَّر به عن الأمور المعقولة التي تدرَك بالحس الباطن، والمعرفة تطلق أو يعبر بها عن الأمور المحسوسة المدركة بالحس، فأنا أقول لك: أعرفت فلانًا؟ أو أقول لك: أعلمت فلانًا، وأيش تقول؟
الطلبة: عرفت.
الشيخ: عرفت فلان، ما تقول: علمت، لكني أقول: أعرفت فلانًا فعلمتَ ما فعل، فهنا جعلنا العلم في الفعل، والمعرفة في الجسم، فهنا (يعرفونه) ليست بمعنى (يعلمونه)؛ لأن المعلومات تكون في المعقولات أو في الصفات، أما في الأشخاص فإنه يطلق فيها المعرفة، وقوله: يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ، أَبْنَاءَهُمْجمع (ابن) وخصه دون البنت؛ لأن تعلق الإنسان بالذكر أقوى من تعلقه بالأنثى فهو به أعرف، أليس كذلك؟
طالب: ما تعم البنت؟
الشيخ: لا الابن ما تعم البنت، الأولاد هي اللي تعم البنت والولد.
الطالب: تغليبًا؟
الشيخ: لا لا، ما هو تغليبًا، أَبْنَاءَهُمْ؛ لأن تعلق الإنسان بالابن أكثر من تعلقه بالبنت، فيكون معرفته له أكثر من معرفته للبنت، واضح؟ هذا هو السبب في أنه عبر بالأبناء دون البنات.
طالب: والبنون بردو الأولاد الذكور فقط؟
الشيخ: لا، البنون ذكور فقط، عبر بالأبناء دون الأولاد أو دون البنات؛ لأن تعلق الإنسان بالابن الذكر أكثر من تعلقه بالبنت فيكون به أعرف، يكون به أعرف، وقد ذكر الله عن الإنسان أنه إذا بُشِّر بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [النحل: ٥٨]، وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [الزخرف: ١٧]، ولهذا يجزئ في غسل بول الذكر، يجزئ فيه النضح دون بول الأنثى الصغيرة اللي ما تاكل الطعام، أو الذكر الصغير اللي ما ياكل الطعام، الذكر يجزئ فيه النضح، والأنثى لا بد فيه من الغسل، وذلك لأن الابن يُلْطَف به أكثر من البنت في الغالب، وهناك بعد علة أخرى وعلة ثالثة قرأناها في الفقه، العلة الثانية هي أن بول الذكر ينتشر؛ لأنه يخرج بارزًا بقوة فيلوث من الثياب ما هو أكثر فيشق التحرز منه، وقالوا أيضًا: إن الذكر أقوى طبيعة من الأنثى، وأنه يُلَطِّف الفضلات أكثر من تلطيف الأنثى، وقيل: لأن الأنثى خلقت من دم، والذكر من طين، لكن هذا ما هو بصحيح، إنما الاعتبارات الأولى هي أقرب، وقال بعضهم: إنه تعبدي ما نعرف الحكمة، وعلى كل حال هذه مسألة ما هي من بحثنا، إنما نقول: عبر بالأبناء لهذا السبب، وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، الله أكبر، العدل في التعبير القرآني، وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ، يعني طائفة منهم تكتم الحق، وعُلم من ذلك أن طائفة أخرى لا تكتم الحق، وهذا هو الواقع، فإن من النصارى كالنجاشي مَن آمن، ومن اليهود كعبد الله بن سلام مَن آمن ولم يكتم الحق، لكن فريقًا منهم يكتمون الحق، أي يخفونه فلا يبينونه، ما يبينونه - والعياذ بالله - ولهذا ذكر الله في سورة آل عمران أن بعضهم يقول لبعض: كيف إنكم تتبينون الهدى من محمد وأصحابه، إذا بيّنتموه يحاجونكم به عند الله، أفلا تعقلون؟ فهم يتواصون بالكتمان، والعياذ بالله.
وقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَالجملة في موضع نصب على الحال من فاعل يَكْتُمُونَ، أين فاعل يَكْتُمُونَ؟
الطلبة: الواو.
الشيخ: الواو، يعني: يكتمون والحال أنهم يعلمون أنه حق، وهذا أبلغ في الذم؛ أن يكونوا كاتمين الحق وهم يعلمون به، فيكونون قد كتموه عن علم فهم عامدون ظالمون، يَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أي: يعلمون به.
قال الله تعالى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.
***
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.من هنا ابتدأ الحكم بتغيير القبلة، فيستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات رؤية الله عز وجل، من قوله: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ.
ومن فوائدها: جواز النظر إلى السماء، تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ، وأنه ليس سوء أدب مع الله إلا في حال الصلاة، في حال الصلاة لا يجوز أن يرفع الإنسان بصره إلى السماء.
ومنها: إثبات علو الله؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في السماء؛ لأن الوحي يأتيه من السماء.





