تفسير الآيات (158-164)
فإذا قال قائل: ما الدليل على أن الأنبياء أحياء؟ لأنهم أفضل من الشهداء، يعني
بلا شك أفضل من الشهداء، وإذا كانوا أفضل وجعل الله تعالى للشهداء هذه الحياة دل
هذا على أنهم أحياء، وهذا هو المعروف عند أهل العلم، وإنما جعل الله الشهيد حيًّا؛
لأنه أمات نفسه في سبيل الله، فهو الذي تسبب للموت في سبيل الله، فجزاه الله تعالى
على هذا الموت بأن جعله حيًّا عنده.
ويستفاد من هذا: أن فضل الله سبحانه وتعالى على العامل أكمل من عمل العامل؛ وذلك لأن العامل الذي هو الشهيد أمات نفسه، فحرمها بقاء سنتين أو ثلاث سنين أو عشر سنين أو مئة سنة، أليس كذلك؟ لكن حياته بهذه الشهادة لها منتهى؟ أبدًا، إلى البعث، ثم تأتي الحياة الأبدية، وهذا دليل على أن كرم الله تعالى بالعطاء والثواب أكثر من عمل العامل، وهذا أمر معروف لكم جميعًا «الْحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلِى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» .
ومنها: فضيلة الجهاد في سبيل الله؛ لأنه نص فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وهذه مسألة مهمة؛ لأن كثيرًا من الناس قد يقصد أن هذا جهاد فيخرج؛ لأنه جهاد وقتال لأعداء الله، لكن كونه يشعر بأن هذا في سبيل الله، أي: في الطريق الموصل إلى الله أبلغ، نظيرها الآن نحن جميعًا إذا أذن المؤذن توضأنا وجئنا إلى المسجد وصلينا وحرصنا على أن تكون الصلاة كاملة، كذا ولَّا لا؟ هذا واقع، لكن هل نحن نشعر عندما نتوضأ أننا نمتثل أمر الله بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦]، ولّا ما نشعر بهذا الشعور؟
طالب: نشعر.
الشيخ: كلما توضأت؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، ما في شك، لكن هل تشعر أنك تفعل ما أمر الله بك على سبيل العموم، لكن هل تشعر بأنك الآن تمثل الامتثال لأمر الله عند الوضوء؟ أو تشعر بأنك تتوضأ للصلاة وبس؟
طالب: أتوضأ للصلاة وبس.
الشيخ: أتوضأ للصلاة وبس، هذا هو الأغلب، يعني: يندر أن الإنسان يتذكر ويقول: سمعًا لك يا رب وطاعة، فالآن غسلت وجهي وغسلت يدي ومسحت رأسي وغسلت رجلي، عرفتم؟ فالغالب علينا نية العمل لا نية المعمول له، هذا الغالب علينا، كذلك عندما تأتي لتقيم الصلاة تحرص على كمالها وخشوعها، يعني: يندر أنك تستشعر أنك ممتثل لقول الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة: ٤٣]، هذا ما أقول: إنه ما يوجد، يوجد، لكنه قليل، أكثر الناس يقول: لأجل أنا أصلي، أكمل صلاتي لأنها أفضل؛ لأنها أفضل من الصلاة الناقصة، لكن شعورنا أن هذا امتثال لأمر ربنا، هذا أمر قليل، المهم أن كلمة فِي سَبِيلِ اللَّهِمهمة ويجب أن تلاحظ.
ومن فوائد الآية: إثبات الحياة البرزخية؛ لقوله: بَلْ أَحْيَاءٌ، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه «إِذَا دُفِنَ الْإِنْسَانُ جَاءَهُ مَلَكَانِ، وَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ رُوحَهُ، فَجَاءَهُ مَلَكَانِ يَسْأَلَانِهِ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيَّهِ» .
ومنها: إثبات نعيم القبر؛ لقوله: بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
ومنها: أنهم يتنعمون في الجنة؛ لقوله: يُرْزَقُونَ.
ومنها: إثبات علو الله إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِالصفا والمروة جبلان معروفان، يقال: للصفا جبل أبي قُبَيْس، وللثاني: قُعَيْقِعَان، وهما شرقي الكعبة، وقد كانت أم إسماعيل رضي الله عنها تصعد عليهما لتتحسس هل حولها أحد، وذلك بعد أن نفد منها التمر والماء وتقلص لبنها فجاع ابنها.
ويستفاد من هذا: أن فضل الله سبحانه وتعالى على العامل أكمل من عمل العامل؛ وذلك لأن العامل الذي هو الشهيد أمات نفسه، فحرمها بقاء سنتين أو ثلاث سنين أو عشر سنين أو مئة سنة، أليس كذلك؟ لكن حياته بهذه الشهادة لها منتهى؟ أبدًا، إلى البعث، ثم تأتي الحياة الأبدية، وهذا دليل على أن كرم الله تعالى بالعطاء والثواب أكثر من عمل العامل، وهذا أمر معروف لكم جميعًا «الْحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلِى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» .
ومنها: فضيلة الجهاد في سبيل الله؛ لأنه نص فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وهذه مسألة مهمة؛ لأن كثيرًا من الناس قد يقصد أن هذا جهاد فيخرج؛ لأنه جهاد وقتال لأعداء الله، لكن كونه يشعر بأن هذا في سبيل الله، أي: في الطريق الموصل إلى الله أبلغ، نظيرها الآن نحن جميعًا إذا أذن المؤذن توضأنا وجئنا إلى المسجد وصلينا وحرصنا على أن تكون الصلاة كاملة، كذا ولَّا لا؟ هذا واقع، لكن هل نحن نشعر عندما نتوضأ أننا نمتثل أمر الله بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦]، ولّا ما نشعر بهذا الشعور؟
طالب: نشعر.
الشيخ: كلما توضأت؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، ما في شك، لكن هل تشعر أنك تفعل ما أمر الله بك على سبيل العموم، لكن هل تشعر بأنك الآن تمثل الامتثال لأمر الله عند الوضوء؟ أو تشعر بأنك تتوضأ للصلاة وبس؟
طالب: أتوضأ للصلاة وبس.
الشيخ: أتوضأ للصلاة وبس، هذا هو الأغلب، يعني: يندر أن الإنسان يتذكر ويقول: سمعًا لك يا رب وطاعة، فالآن غسلت وجهي وغسلت يدي ومسحت رأسي وغسلت رجلي، عرفتم؟ فالغالب علينا نية العمل لا نية المعمول له، هذا الغالب علينا، كذلك عندما تأتي لتقيم الصلاة تحرص على كمالها وخشوعها، يعني: يندر أنك تستشعر أنك ممتثل لقول الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [البقرة: ٤٣]، هذا ما أقول: إنه ما يوجد، يوجد، لكنه قليل، أكثر الناس يقول: لأجل أنا أصلي، أكمل صلاتي لأنها أفضل؛ لأنها أفضل من الصلاة الناقصة، لكن شعورنا أن هذا امتثال لأمر ربنا، هذا أمر قليل، المهم أن كلمة فِي سَبِيلِ اللَّهِمهمة ويجب أن تلاحظ.
ومن فوائد الآية: إثبات الحياة البرزخية؛ لقوله: بَلْ أَحْيَاءٌ، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه «إِذَا دُفِنَ الْإِنْسَانُ جَاءَهُ مَلَكَانِ، وَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ رُوحَهُ، فَجَاءَهُ مَلَكَانِ يَسْأَلَانِهِ عَنْ رَبِّهِ وَدِينِهِ وَنَبِيَّهِ» .
ومنها: إثبات نعيم القبر؛ لقوله: بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ.
ومنها: أنهم يتنعمون في الجنة؛ لقوله: يُرْزَقُونَ.
ومنها: إثبات علو الله إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِالصفا والمروة جبلان معروفان، يقال: للصفا جبل أبي قُبَيْس، وللثاني: قُعَيْقِعَان، وهما شرقي الكعبة، وقد كانت أم إسماعيل رضي الله عنها تصعد عليهما لتتحسس هل حولها أحد، وذلك بعد أن نفد منها التمر والماء وتقلص لبنها فجاع ابنها.
تفسير الآيات (158-164)
00:06:20
وقوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ(من) هذه للتبعيض، يعني: بعض شعائر
الله، والشعائر جمع شعيرة، وهي التي تكون علمًا في الدين، يعني من معالم
الدين.
مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِأي: من معالم دينه؛ لأن العبادات منها خفية بين الإنسان وبين ربه، ومنها أشياء تكون علمًا، علمًا ظاهرًا بينًا، وهي الشعائر، وقوله تعالى: مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِليس المراد أن نفس الجبل من الشعائر، بل المراد الطواف بهما من الشعائر؛ ولهذا قال: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا.
وقوله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِأضيفت الشعائر إلى الله؛ لأنه هو الذي شرعها، وأثبتها وجعلها طريقًا موصلًا إليه.
فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَاحج في اللغة بمعنى: قصد، والْبَيْتَ(أل) للعهد الذهني، والمراد به بيت الله وهو الكعبة، وحَجَّ الْبَيْتَقصده لأداء المناسك، وليس قصدًا مطلقا بل القصد لأداء المناسك فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ.
وقوله: أَوِ اعْتَمَرَالعمرة في اللغة الزيارة، أَوِ اعْتَمَرَالعمرة: الزيارة، والمراد بها: زيارة البيت لأداء مناسك العمرة، وقوله: مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ(أو) هنا للتنويع؛ لأن قاصد البيت إما أن يكون حاجًّا، وإما أن يكون معتمرًا.
وقوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَاإعراب لَا جُنَاحَ(لا) نافية للجنس، و(جناح) اسمها، وخبرها (أن) وما دخلت عليه، أي: لا جناح عليه في الطواف بهما، أو في التطوف بهما، وقوله: فَلَا جُنَاحَالجناح هو الإثم، يعني: فلا إثم عليه في أن يتطوف بهما، وقوله: أَنْ يَطَّوَّفَأصلها: يتطوف، ولكنه قلبت التاء طاءً لعلة تصريفية فصار: أن يطوف، وقوله: بِهِمَاالمراد: بينهما، كما تفسره سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وليس المراد أن يطوف بهما: يدور عليهما كما يطوف بالبيت العتيق، فإن هذا قطعًا لا يراد؛ لأنه شيء غير ممكن، والسنة تفسر القرآن.
وقوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَاقد يبدو في الآية شيء من التعارض، فإنه قال: مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِثم قال: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا، ومعلوم أنه إذا كان الصفا والمروة من شعائر الله، فإنه لا يقتصر على نفي الجناح في الطواف بهما، بل إنما يؤمر بالطواف بهما ما دام ذلك من شعائر الله، كقوله تعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج: ٣٢]؛ ولهذا أشكل على بعض التابعين هذه المسألة وسأل عنها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كيف قال الله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا؟ فسأل السائل قال: أرى أن الرجل لو حج أو اعتمر فلم يطف بهما، فليس عليه من بأس، ولكن عائشة رضي الله عنها ردت عليه وقالت: لو كان هذا هو المراد؛ لكان يقول الله عز وجل: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ، وصدقت رضي الله عنها؛ لأنها إذا كانت من شعائر الله فمقتضى كونها من الشعائر أن يطاف بها وتعظم، ولو كان ترك الطواف بهما جائزًا لقال: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما.
ثم بينت رضي الله عنها السبب في أن الله قال: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَوهو: أن أناسًا من الأنصار يُهِلون لمناة الطاغية، مناة اللي ذكرها في القرآن، وهي في المشلل -مكان قرب مكة- فيُهِلون لها، فكانوا يتحرجون من الطواف بالصفا والمروة وقد أهلوا لمناة، فأنزل الله هذه الآية: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وعلى هذا فيكون النفي هنا لدفع ما وقع في نفوسهم من التحرج، وليس لبيان أصل الحكم، أفهمتم الآن؟ وعلى هذا فلا يكون في الآية أولها وآخرها شيء من التضارب أو التعارض؛ لأن المراد بالنفي هنا أيش؟ نفي ما وقع في نفوسهم من التحرج، فبين الله تعالى أنه ليس هناك تحرج؛ لأنها من شعائر الله.
وقوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَاقلنا: معنى يطوف بهما أي: بينهما؛ لأن الطواف في الأصل بمعنى التردد، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهرة: «إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» .
وقوله: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌفيه أيضًا سبب آخر لتحرج الناس من الطواف بهما، وهو أنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، يطوفون بهما ويطوفون بالبيت أيضًا، فذكر الله الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بالصفا والمروة، فقالوا: لو كان ذلك جائزًا لذكره الله عز وجل، ولكنه من أعمال الجاهلية فلا نطوف، فاهمين هذا السبب؟ يقولون: إن هذا من أعمال الجاهلية، والطواف بالبيت أيضًا معروف من قبل، فذكر الله الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بالصفا والمروة، فهذا دليل على أنه ليس بمشروع؛ لأنه من أعمال الجاهلية فلا نطوف، فأنزل الله هذه الآية.
وفيه أيضًا سبب ثالث: وهو أنه يقال: إنه كان فيهما صنمان: إساف ونائلة، وقيل: إنهما كانا رجلًا وامرأة زنيا في جوف الكعبة -والعياذ بالله- فمسخهما الله حجارة، فكان من جهل العرب قالوا: هؤلاء مسخوا حجارة إذن لا بد أن هناك سرًّا وسببًا، أخرجوهم عن الكعبة، خلوهم على الجبلين ونبدأ نطوف بهم ونمسحهم، نمسحهما، وعلى هذا يقول أبو طالب:
مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِأي: من معالم دينه؛ لأن العبادات منها خفية بين الإنسان وبين ربه، ومنها أشياء تكون علمًا، علمًا ظاهرًا بينًا، وهي الشعائر، وقوله تعالى: مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِليس المراد أن نفس الجبل من الشعائر، بل المراد الطواف بهما من الشعائر؛ ولهذا قال: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا.
وقوله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِأضيفت الشعائر إلى الله؛ لأنه هو الذي شرعها، وأثبتها وجعلها طريقًا موصلًا إليه.
فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَاحج في اللغة بمعنى: قصد، والْبَيْتَ(أل) للعهد الذهني، والمراد به بيت الله وهو الكعبة، وحَجَّ الْبَيْتَقصده لأداء المناسك، وليس قصدًا مطلقا بل القصد لأداء المناسك فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ.
وقوله: أَوِ اعْتَمَرَالعمرة في اللغة الزيارة، أَوِ اعْتَمَرَالعمرة: الزيارة، والمراد بها: زيارة البيت لأداء مناسك العمرة، وقوله: مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ(أو) هنا للتنويع؛ لأن قاصد البيت إما أن يكون حاجًّا، وإما أن يكون معتمرًا.
وقوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَاإعراب لَا جُنَاحَ(لا) نافية للجنس، و(جناح) اسمها، وخبرها (أن) وما دخلت عليه، أي: لا جناح عليه في الطواف بهما، أو في التطوف بهما، وقوله: فَلَا جُنَاحَالجناح هو الإثم، يعني: فلا إثم عليه في أن يتطوف بهما، وقوله: أَنْ يَطَّوَّفَأصلها: يتطوف، ولكنه قلبت التاء طاءً لعلة تصريفية فصار: أن يطوف، وقوله: بِهِمَاالمراد: بينهما، كما تفسره سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وليس المراد أن يطوف بهما: يدور عليهما كما يطوف بالبيت العتيق، فإن هذا قطعًا لا يراد؛ لأنه شيء غير ممكن، والسنة تفسر القرآن.
وقوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَاقد يبدو في الآية شيء من التعارض، فإنه قال: مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِثم قال: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا، ومعلوم أنه إذا كان الصفا والمروة من شعائر الله، فإنه لا يقتصر على نفي الجناح في الطواف بهما، بل إنما يؤمر بالطواف بهما ما دام ذلك من شعائر الله، كقوله تعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج: ٣٢]؛ ولهذا أشكل على بعض التابعين هذه المسألة وسأل عنها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كيف قال الله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا؟ فسأل السائل قال: أرى أن الرجل لو حج أو اعتمر فلم يطف بهما، فليس عليه من بأس، ولكن عائشة رضي الله عنها ردت عليه وقالت: لو كان هذا هو المراد؛ لكان يقول الله عز وجل: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ، وصدقت رضي الله عنها؛ لأنها إذا كانت من شعائر الله فمقتضى كونها من الشعائر أن يطاف بها وتعظم، ولو كان ترك الطواف بهما جائزًا لقال: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما.
ثم بينت رضي الله عنها السبب في أن الله قال: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَوهو: أن أناسًا من الأنصار يُهِلون لمناة الطاغية، مناة اللي ذكرها في القرآن، وهي في المشلل -مكان قرب مكة- فيُهِلون لها، فكانوا يتحرجون من الطواف بالصفا والمروة وقد أهلوا لمناة، فأنزل الله هذه الآية: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وعلى هذا فيكون النفي هنا لدفع ما وقع في نفوسهم من التحرج، وليس لبيان أصل الحكم، أفهمتم الآن؟ وعلى هذا فلا يكون في الآية أولها وآخرها شيء من التضارب أو التعارض؛ لأن المراد بالنفي هنا أيش؟ نفي ما وقع في نفوسهم من التحرج، فبين الله تعالى أنه ليس هناك تحرج؛ لأنها من شعائر الله.
وقوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَاقلنا: معنى يطوف بهما أي: بينهما؛ لأن الطواف في الأصل بمعنى التردد، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهرة: «إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» .
وقوله: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌفيه أيضًا سبب آخر لتحرج الناس من الطواف بهما، وهو أنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، يطوفون بهما ويطوفون بالبيت أيضًا، فذكر الله الطواف بالبيت، ولم يذكر الطواف بالصفا والمروة، فقالوا: لو كان ذلك جائزًا لذكره الله عز وجل، ولكنه من أعمال الجاهلية فلا نطوف، فاهمين هذا السبب؟ يقولون: إن هذا من أعمال الجاهلية، والطواف بالبيت أيضًا معروف من قبل، فذكر الله الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بالصفا والمروة، فهذا دليل على أنه ليس بمشروع؛ لأنه من أعمال الجاهلية فلا نطوف، فأنزل الله هذه الآية.
وفيه أيضًا سبب ثالث: وهو أنه يقال: إنه كان فيهما صنمان: إساف ونائلة، وقيل: إنهما كانا رجلًا وامرأة زنيا في جوف الكعبة -والعياذ بالله- فمسخهما الله حجارة، فكان من جهل العرب قالوا: هؤلاء مسخوا حجارة إذن لا بد أن هناك سرًّا وسببًا، أخرجوهم عن الكعبة، خلوهم على الجبلين ونبدأ نطوف بهم ونمسحهم، نمسحهما، وعلى هذا يقول أبو طالب:
| وَحَيْثُ يُنِيخُ الْأَشْعَرُونَ رِكَابَهُمْ | بِمَفْضَى السّيُولِ مِنْ إِسَافٍ وَنَائِلِ |
يريد هذا، ومفضى السيول: مجرى الوادي المعروف اللي يكون بين الصفا والمروة، فالحاصل أن هذا ثلاثة أسباب في نزول الآية، وأصحها السبب الأول.
طالب: ما يصير الأوسط؟
الشيخ: لا، الأول ثابت في صحيح البخاري.
وقوله: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًافيه قراءة: {وَمَن يَطَّوَّعْ خَيْرًا} على أن تكون تَطَوَّع فعلًا مضارعًا، يَطَّوَّع وأصلها يَتَطَوَّع، فأدغمت أيش؟ فقلبت التاء طاء، وأدغمت في الطاء الثانية.
وقوله: تَطَوَّعَمعناها فعل الطاعة، ويشمل الواجب والمستحب؟ نعم، يشمل الواجب والمستحب، وتخصيص التطوع بالمستحب هذا اصطلاح فقهي، أما في الشرع فإنه يشمل الواجب والمستحب.
وقوله: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًاخَيْرًاهذه يجوز في إعرابها وجهان: الوجه الأول أن تكون منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: ومن تطوع بخير فإن الله شاكر عليم، والوجه الثاني: أن تكون مفعولًا لأجله أي: طلبًا للخير، تَطَوَّعَ خَيْرًاأي: لأجل الخير وطلبه، فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ، وقوله: وَمَنْ تَطَوَّعَهذه (من) شرطية، وتَطَوَّعَفعل الشرط، و{يَطَّوَّعْ} أيضًا فعل الشرط، لكن {يَطَّوَّعْ} تسلط العامل على اللفظ فجزمه، وتَطَوَّعَفعل ماض ما يتسلط على لفظه، أين جواب الشرط؟ جملة: فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ، الجملة فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ.
وقوله: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًايعني: لقصد الخير، أو تطوع بخير، أي: زائدًا عن الواجب أو هو الواجب والمستحب، كما هو لغة القرآن والحديث.
فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌشَاكِرٌالله يشكر سبحانه وتعالى؟ نعم، الله تعالى شاكر وشكور؛ لأنه يعطي على العمل أكثر من العمل وهذا شكر ولَّا لا؟ نعم، هذا شكر، يجزي الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وهذا غاية الشكر، لو أن أحدًا أحسن إليك وأعطيته أكثر مما أعطاك تُعَد شاكرًا له؟ نعم، تعد شاكرًا له، بل إن الناس الآن لو قال الْمُحْسَن إليه: شكرًا، يعتبرونه شاكرًا ولَّا لا؟ يعتبرونه شاكرًا حتى باللفظ، فكيف بجزاء الله عز وجل الذي لا منتهى له، «الْحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلِى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» .
وقوله: شَاكِرٌ عَلِيمٌقرن العلم بالشكر لاطمئنان العبد إلى أن عمله لن يضيع، فإنه معلوم عند الله، معلوم عند الله لا يمكن أن يضيع منه شيء، فإذا علم أن الله تعالى شاكر وأنه عليم، فإن العامل سيطمئن غاية الطمأنينة إلى أن الله سبحانه وتعالى سيجزيه على عمله بما وعده به، يعني: لو قال قائل: ما مناسبة جواب الشرط للشرط؟ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌيقول: شيخ، وإذا كان الله شاكرًا عليمًا، فما علاقة شكر الله تعالى وعلمه بتطوعنا بالخير؟
طالب: الجزاء.
الشيخ: إي نعم، الجزاء؛ نقول: الجزاء؛ لأننا نحن نطيع الله، تطوع يعني نفعل الطاعة، نحن نطيع الله عز وجل، والله تعالى يشكر لنا هذه الطاعة ويعطينا أكثر من عملنا.
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ-نعوذ بالله-.
طالب: هل يصلح مَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًاتصلح اسم موصول؟
الشيخ: لا.
الطالب: والذي يتطوع خيرًا.
الشيخ: لا، (من) شرطية، شرطية؛ لأن فيها الجواب فَإِنَّ اللَّهَ، ثم القراءة الثانية {وَمَنْ يَطَّوَّعْ} واضح مجزومة. طالب: (...).
الشيخ: اسم الموصول ما يجزم الفعل.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما يصح (...).
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىهذه (إن) واسمها إِنَّ الَّذِينَ، أين خبرها؟ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ-والعياذ بالله-، إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَأي: يجحدون ما أنزلنا من البينات والهدى، الكتم بمعنى الإخفاء والجحد وعدم البيان، ولكنه لا يكون كتمًا إلا حيث دعت الحاجة إلى البيان، إما بلسان الحال وإما بلسان المقال، فمتى دعت الحاجة إلى البيان -بلسان الحال أو المقال- وأخفى الإنسان الحق صار، ويش صار؟ كاتمًا له، بلسان الحال أن ترى إنسانًا يعمل عملًا ليس على الوجه المرضي، هذا لسان حاله يدعو إلى أن تبين له الحق، أفهمتم؟ لسان المقال أن يسألك سائل عن علم وأنت تعلمه، فيجب عليك أن تبلغه، يجب عليك أن تبلغه ما دمت تعلم، أما إذا كنت لا تعلم، فإنه يجب أن تقول: لا أدري، أو: لا أعلم، لكن الكتم إذن كتم ما أنزل الله هو إخفاؤه حين تدعو الحاجة إلى بيانه بلسان الحال أو بلسان المقال، كذلك لو رأيت الناس عمّ فيهم الجهل في مسألة من أمور الدين، فهنا الحاجة داعية إلى البيان يجب أن تبين.
طالب: إذا خفت أصير كاتم.
الشيخ: تكون كاتمًا، لكن قد نقول: إن هذا جائز لك، قد نقول: جائز، ولكنه الخوف إذا كان عدم بيانك للحق يؤدي إلى ضياع الحق، فلا يجوز أن تكتم، ما يجوز تكتم، مثل ما فعل أحمد بن حنبل رحمه الله، فإنه كان لا شك خائفًا على نفسه، ومع ذلك بين، لكنه إنسان يطلب منه شخصيًّا أن يبين ولا يترتب على ذلك ضلال الناس، فله الحق في أن يتأول.
مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِبَيَّنَّاهُيعني: أظهرناه، ولِلنَّاسِعمومًا المؤمن والكافر، فإن الله تعالى بيَّن الحق لعموم الناس، كما قال تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت: ١٧]، فكل الناس قد بين الله لهم الحق، لكن منهم من اهتدى، ومنهم من بقي على ضلاله.
وقوله تعالى: فِي الْكِتَابِالمراد به جميع الكتب، فهو للجنس، وقد سبق لنا أنه ما من نبي إلا ومعه كتاب لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد: ٢٥]، كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة: ٢١٣].
وقوله: مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِالبيان ينقسم إلى قسمين: بيان مفصل، وبيان مجمل، فالمجمل هي: القواعد العامة في الشريعة، والمفصل هو: أن يتكلم أو أن يذكر الله تعالى قضية معينة مفصلة، فمثل آيات الفرائض في الأحكام مفصلة ولَّا لا؟
طالب: مفصلة.
الشيخ: مفصلة مبينة لا يشذ عنها إلا مسائل قليلة، وهناك آيات مجملة عامة مثل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: ١]، ما قال: أوفوا بعقد البيع والنكاح والرهن والإجارة وما أشبه ذلك، عامة، فهو بيان عام.
المحرمات في النكاح مفصل ولَّا مقعد قواعد عامة؟
طالب: قواعد.
الشيخ: مفصل، المحرمات في النكاح مفصل، كذلك بعض القصص يذكرها الله تعالى مفصلة، وأحيانا مجملة وكل هذا يعتبر بيانًا.
قال تعالى: أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُأُولَئِكَمبتدأ، وجملة يَلْعَنُهُمُخبره، والجملة خبر إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ، وقوله: يَلْعَنُهُمُ اللَّهُأي: يطردهم ويبعدهم عن رحمته؛ لأن اللعن في اللغة الطرد والإبعاد، وقوله: وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَأي: يسألون لهم اللعنة، وهم أيضًا بأنفسهم يبغضونهم ويعادونهم، وقوله: يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَقد يقول قائل: هذا تحصيل حاصل؛ لأنه كقول القائل: قام القائمون، أو يقوم القائمون، ويدخل الداخلون، فهذا تحصيل حاصل، فيقال: لا؛ لأنه ليس كل من نسب إليه الوصف يكون قائمًا به على الوجه الأكمل، قد تقول: قام القائمون بمعنى أنهم أتوا بالقيام على وجهه، فمعنى يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَأي: الذين يعرفون من يستحق اللعنة، ويوجهونها إلى أهلها، هذا معنى اللَّاعِنُونَ، وليس معنى قوله: يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَيعني: من قال لعنهم الله، فهو المراد؛ لأن هذا تحصيل حاصل، ولكن معنى اللَّاعِنُونَأي: ذوو اللعن الذين يعرفون مستحق اللعنة ويوجهونها إليه، فهم ذوو علم بالمستحق، وذوو حكمة في توجيه اللعنة إليه.
إذن هؤلاء الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى مع ظهوره وبيانه يستحقون هذا الجزاء -والعياذ بالله- الوخيم من الله ومن عباد الله، عكس ذلك الذين يبينون الحق -ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم- الذين يبينون الحق، ماذا يكون لهم؟ يكون لهم المودة والمحبة من الله ومن أولياء الله، وقد ورد في حديث أبي الدرداء الطويل: «أَنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ» ؛ لأن الذي يبين شريعة الله يلقي الله تعالى في قلوب عباده مودته ومحبته والقبول له حتى في السماء؛ فلهذا يكون عكس هؤلاء الذين يكتمون.
ونحن نعلم ذلك وإن لم يرد به نص خاص عن طريق القياس الجلي، وجه ذلك: إذا كان الله تعالى يعاقب الكاتمين بهذه العقوبة الواقعة منه ومن عباده، أفليس -وهو الذي سبقت رحمته غضبه- أفليس من يبينون الهدى والبينات، أفليس من يستحقون أن يكون الله تعالى يثني عليهم بدل اللعنة، ويقربهم بدل البُعد وكذلك أولياؤه؟ الجواب: بلى؛ لأنا نعلم أن رحمة الله سبقت غضبه، فإذا كان غضبه يستحق هذا الكاتم ما ذكره، فإن رحمته تستحق خلاف ذلك فيمن بين ووضح.
قال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُواالاستثناء هنا متصل ولا منقطع؟
طالب: متصل.
الشيخ: متصل؛ لأنه استثناء من الكاتمين، يعني: إلا إذا تابوا، فالاستثناء متصل إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا.
طالب: كيف تعرف الفرق بينهما؟
الشيخ: المتصل والمنقطع إن كان من جنس المستثنى منه فإنه متصل، وإن كان من غيره فهو منقطع، وكذلك أيضًا المنقطع يقدر بدل (إلّا) (لكن).
قال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُواوالتوبة: الرجوع، في اللغة، وفي الشرع: الرجوع من معصية الله إلى طاعته، وشروطها كم؟
طالب: خمسة.
الشيخ: خمسة، شروطها خمسة، التوبة شروطها خمسة في حق الله وحق الناس، الشرط الأول؟
طالب: أن يعزم على أن لا يرجع إلى المعصية.
الشيخ: لا، ما هو بشرط، ابدأ من الأول؟
الطالب: أن يقلع عن المعصية.
الشيخ: لا.
طالب: الإخلاص لله.
الشيخ: الإخلاص لله، هذه واحدة، بأن لا يحمله على التوبة خوف مخلوق أو رجاء مخلوق أو علو إلى مرتبة أو ما أشبه ذلك.
والشرط الثاني؟
طالب: العزم على أن لا يعود..
الشيخ: لا، قبل، إحنا ودنا بالترتيب؟
طالب: الندم.
الشيخ: الندم على ما جرى منه من الذنب، ويش معنى الندم؟ إذا قال قائل: كيف يندم الواحد شو؟ الإنسان يمكن يحط بنفسه ندم نقول: نعم، يتحسف ويتحسر أن وقع منه هذا العمل، هذا الندم على ما فعل من الذنب.
الشرط الثالث؟
طالب: الإقلاع.
الشيخ: الإقلاع عن الذنب، وهذا يدخل فيه أداء حقوق العباد إليهم؛ لأن من لم يؤد الحق إلى العباد ما أقلع، فهو ليس شرطًا مستقلًا، كما قاله بعض العلماء، ولكنه شرط داخل في الإقلاع؛ إذ إن من لم يؤد الحق إلى أهله لم يقلع عن الذنب، فلا بد إذن من الإقلاع عن الذنب.
الشرط الرابع؟
طالب: أن يعزم على أن لا يعود.
الشيخ: الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود، فإن لم يعزم فلا توبة.
الشرط الخامس؟
طالب: أن يندم على ما فعل.
الشيخ: قلناها، اتركها، لا تجيبها.
طالب: أن يستخلص (...).
الشيخ: قلنا هذا، يدخل فيه الإقلاع.
طالب: ممكن نقول: أن يعمل صالحًا.
الشيخ: لا.
طالب: رد الوادائع.
الشيخ: هذا الرد الإقلاع.
طالب: أن تقع في موقعها في الوقت.
الشيخ: في الوقت التي تقبل فيه، أن تقع التوبة في الوقت الذي تقبل فيه، يعني أن تكون في وقت قبول التوبة، فإن كانت في غير وقتها فإنها لا تقبل، وهو عام وخاص، الخاص: الغرغرة عند الموت وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨]، والعام: طلوع الشمس من مغربها فلا يقبل بعده توبة، إذن فشروط التوبة تكون خمسة.
هذه التوبة، وقد سبق لنا هل تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره؟ وذكرنا في هذا للعلماء ثلاثة أقوال: الأول: أنها تصح، والثاني: تصح إن كان الذنب من غير الجنس، والثالث: لا تصح، والصحيح أنها تصح، التوبة من ذنب مع الإصرار على غيره، لكنه لا يستحق اسم التائبين على سبيل الإطلاق، فلا يستحق وصف التائب ولا يدخل في مدح التائبين، لماذا؟ لأن توبته مقيدة من هذا العمل المعين، مثال ذلك: تاب رجل من الزنا، لكنه يتتبع النساء بالنظر المحرم تصح توبته من الزنا؟ تصح على القول الراجح، لكن ما يستحق وصف التائب على سبيل الإطلاق، وعلى القول بأنه تصح إذا كانت من غير الجنس ما تصح، تاب من الزنا مع الإصرار على الربا؟ تصح؛ لأن الربا ليس من جنسه، إلا على القول الثالث الذين يقولون: لا تصح إلا مع الإقلاع عن جميع الذنوب.
قال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُواشوف عظم الكتمان، ذكر الله لنجاتهم من هذه اللعنة ثلاثة شروط: التوبة، والإصلاح، الإصلاح؛ لأن كتمهم لما أنزل الله يتضمن إفسادًا في الأرض وإضلالًا للخلق، فتوبتهم منه ما تكفي حتى يصلحوا ما فسد بسبب كتمانهم، مثال ذلك: قوم كتموا صفة النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: ما هو بهذا الرسول الذي سيبعث، كم سيضل من الناس بناء على قولهم؟ يضل منهم عالم، ما يكفي أن يتوبوا ويندموا ويقلعوا ويسلموا حتى يصلحوا ما فسدوا، الآثار التي ترتبت على كتمانهم الحق لا بد أن يصلحوها، وإلا ما تتم التوبة، وقال: وَبَيَّنُوا(بينوا) ويش معنى بينوا؟ أي: أظهروا الحق، ولا يكفي أن يمتنعوا عن الكتمان، بل لا بد أن يكون مقابل الكتمان أيش؟ بيان، بيان وإظهار حتى تزول الآثار التي ترتبت على هذا الكتمان، وفي هذا دليل على عظم العلم، وأنه حمل ثقيل وعبء عظيم على من تحمله، وأن الإنسان على خطر منه إذا لم يقم بواجبه من البيان، وتقدم لنا أن البيان حين يحتاج الناس إليه ويسألون عنه إما بلسان الحال، وإما بلسان المقال.
طالب: شيخ ما الفرق بين الإصلاح والبيان؟
الشيخ: الإصلاح أنهم يحاولون، هؤلاء الذين ضلوا بسببهم، يذهبون إليهم وينصحونهم ويبينون لهم الحق، والبيان على سبيل العموم.
طالب: ولا يقال: إن الإصلاح للنفس والبيان؟
الشيخ: إصلاح النفس من هذا النوع، والظاهر أن الإصلاح إصلاح غيره.
طالب: الإصلاح يختص بالنفس ولا عام، يعني حالهم يصلحون لو الناس (...)؟
الشيخ: الآية كما ترونها مطلقة، والذنب الذي حصل مقيد وهو الكتمان، فلا شك أنه يدخل فيه إصلاح ما فسد بكتمانهم، هذا دخول أولي، أما غيره فهو محل شك.
وقوله: فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُفَأُولَئِكَالمشار إليهم من؟ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا، أَتُوبُ عَلَيْهِمْأي: أقبل منهم التوبة؛ لأن توبة الله على العبد لها معنيان: أحدهما: توفيقه للتوبة، توفيق العبد للتوبة، والثاني: قبول هذه التوبة، كما قال الله تعالى: ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: ١١٨].
وقوله: وَأَنَا التَّوَّابُ(التواب) صيغة مبالغة أو صيغة نسبة أيهما؟
طالب: صيغة مبالغة.
الشيخ: صيغة مبالغة ونسبة في الحقيقة؛ لأن فعال تأتي للمبالغة وتأتي للنسبة، فإن قيدت بمعمول فهي للمبالغة، وإن أطلقت فإنها للنسبة، أو نقول: هي للمبالغة والنسبة في كل حال، يعني تصلح لهذا ولهذا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ» ، هذه صيغة مبالغة، يعني: كثير الضرب للنساء؛ ولهذا في لفظ آخر: «لَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ» .
وقال الله تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦] هذه؟
طالب: مبالغة.
الشيخ: لا، هذه نسبة، يتعين أن تكون نسبة؛ لأنك لو قلت: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ: إنها مبالغة، لكان المنفي المبالغة في الظلم، وأما أصل الظلم فليس بمنفي، وهذا لا يليق بالله عز وجل، فإذن وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍنقول: هنا (ظلّام) صيغة مبالغة فقط ما تصح نسبة، هنا (التواب).
طالب: .(...)
الشيخ: غلط، صيغة نسبة وليست صيغة مبالغة، نعم، (التواب) تصلح للأمرين جميعًا، فهو سبحانه وتعالى موصوف بالتواب، وهو ذو توبة على جميع العباد، وكذلك موصوف بكثرة التوبة، بكثرة توبته سبحانه وتعالى وكثرة من يتوب عليهم، كم يفعل الإنسان من ذنب فيتوب ويتوب الله عليه؟ كثير، وكم من أناس أذنبوا فتابوا فتاب الله عليهم؟ كثير؛ ولهذا جاءت (التواب).
وقوله: الرَّحِيمِجمع بين التوبة والرحمة؛ لأن بالرحمة الإحسان وبالتوبة زوال العقوبة، فجمع الله بينهما فهو يتوب، وإذا تاب سبحانه وتعالى رحم التائب، ويسره لليسرى، وسهل له أمور الخير، فحصل على الخير العظيم.
وفي هذه الآية التفات وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُفيها التفات، من أين؟
طالب: قوله: فَأُولَئِكَ، (...) الخطاب (...).
الشيخ: وين الخطاب؟
الطالب: يعني في خطاب المتكلم.. أو الغيبة.
طالب آخر: عن الغيبة.
الشيخ: لا، وين الغيبة؟
الطالب: يتوب الله عليه.
الشيخ: وين يتوب الله عليه؟
الطالب: فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ.
الشيخ: أَتُوبُ عَلَيْهِمْللمتكلم، و(أنا) للمتكلم أيضًا.
طالب: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُواهذه هي الغيبة.
الشيخ: (...)، ما يعود على الله، ما يعود على الله حتى نقول: هذه التفات.
طالب: بس السياق يقتضي أن يقول: يتوب الله عليهم.
الشيخ: ولا يقتضي ولا شيء.
الشيخ: نوسع لكم شيء، في هذه الآية مع التي قبلها التفات؟
طالب: الأولى يَلْعَنُهُمُ اللَّهوهذه يقول: أَتُوبُ عَلَيْهِمْ.
الشيخ: لا بأس، هذه أنتم فتحتوها علي، ولا ما هي عندي، فيها التفات مع الآية التي قبلها مرتين، التفات مرتين، إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا [البقرة: ١٥٩] هذه بصيغة التعظيم، مَا أَنْزَلْنَاما قال: ما أنزلت، فأولئك (...) يصرخ حتى يفز الواحد، هذا من باب التنبيه، فكما يكون التنبيه في الصوت يكون أيضًا في صيغة السياق، إذن ما هي الفائدة في الالتفات في هذه الآيتين؟ نقول: فَأُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُهذا من باب التعظيم، الالتفات هنا للتعظيم، مثل قول الملك: إن الملك يأمركم بكذا وكذا، وأمر الملك بكذا وكذا وهو يعني نفسه، فـيَلْعَنُهُمُ اللَّهُأضاف الله تعالى اللعنة إليه بصيغة الغائب تعظيمًا، تعظيمًا لنفسه سبحانه وتعالى، وهو أبلغ من تعظيم الضمير أَنْزَلْنَا؛ ولذا جاء في العقوبة.
وأما قوله: فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُفإن المقام مقام رحمة وعطف ولين؛ ولهذا -والله أعلم- جاءت بصيغة الإفراد أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ؛ لأنه من رحمته تبارك وتعالى بهم صار يخبر عن ثوابهم بغير صيغة العظمة الدالة على القوة والبطش، هذا ما ظهر لنا، والعلم عند الله سبحانه وتعالى.
وقوله: الرَّحِيمُتقدم لنا مرارًا: أن رحمة الله سبحانه وتعالى صفة من صفاته، حقيقة ولَّا مجازًا؟ حقيقة، وليس المراد بها الإحسان، ولا إرادة الإحسان، فإن إرادة الإحسان والإحسان من آثار الرحمة، بل الرحمة صفة حقيقية وليست كرحمتنا، وقول من أنكر صفة الرحمة حقيقة: إن الرحمة معناه الرقة واللين، والله عز وجل منزه عن ذلك، نقول: هذه رحمة من؟ رحمة المخلوق، ثم إننا قد نمنع بأن الرحمة في كل مواضعها للرقة واللين، فإن من الملوك الجبابرة من يرحمون ومع ذلك ما يقال: إنهم صاروا أوضع من المرحوم.
فعلى كل حال نقول: إن الرحمة صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل، وجميع صفات النقص التي تستلزمها بالنسبة للمخلوقين منتفية عن الله عز وجل، وسبق لنا أيضًا مرارًا: أن رحمة الله تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، فالعامة لجميع الخلق، والخاصة بالمؤمنين.
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.
الآيتان قبلها في العلماء الذين كتموا الحق، وهذه في الكفار الذين استكبروا عن الحق، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواالكفر في اللغة بمعنى الستر، ومنه كافور النخلة لستره الطلع، والمراد به في القرآن والسنة، المراد به: جحد ما يجب لله تعالى من الطاعة والانقياد، وهو نوعان: إما تكذيب وإما استكبار.
وقوله: وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌوَمَاتُوامعطوفة على كَفَرُوا، فلا محل لها من الإعراب؛ لأنها معطوفة على صلة الموصول التي لا محل لها، وقوله: وَهُمْ كُفَّارٌالجملة حال من الفاعل في مَاتُوا، يعني: أنهم -والعياذ بالله- استمروا على كفرهم إلى الموت، فلم ينزعوا عن الكفر ولم يتوبوا ولم يرجعوا، أين جواب (إن)؟ جملة أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ، أُولَئِكَ(أولاء) مبتدأ، و(عليهم) جار ومجرور، أولاء؟ إذن (أولاء) مبتدأ و(عليهم) جار ومجرور خبر مقدم لـ(لعنة)، و(لعنة) مبتدأ، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول (أولئك)، والجملة من المبتدأ الأول وخبره خبر (إن).
أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِأي: طرده وإبعاده عن رحمته، وَالْمَلَائِكَةِأي: ولعنة الملائكة، والملائكة تقدم أنهم عالم غيبي محجوبون عن الأعين وربما نراهم، وأنهم خلقوا من نور، وأنهم عباد لله عز وجل لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ١٩، ٢٠]، وأنهم خلقوا من نور ولا يأكلون ولا يشربون، لأنهم صُمْد لا يأكلون ولا يشربون.
وسبق لنا أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام لهم وظائف وأعمال خصهم الله تعالى بها، وأن إسرافيل وميكائيل وجبرائيل موكلون بما فيه الحياة؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يستفتح صلاة الليل بقوله: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ» ؛ لأن هؤلاء الثلاثة موكلون بما فيه الحياة، والبعث من النوم حياة؛ فلهذا ناسب أن يكون هذا الاستفتاح في أول عمل يعمله الإنسان بعد أن توفاه الله تعالى بالنوم، وهؤلاء الثلاثة أحدهم مكلف بما فيه حياة القلوب وهو جبريل، والثاني بما فيه حياة الأبدان وهو إسرافيل، والثالث بما فيه حياة النبات وهو ميكائيل، وأفضلهم؟ جبريل؛ ولهذا امتدحه الله عز وجل بقوله: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: ١٩، ٢٠]، وبقوله: فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا [مريم: ١٧]، فجبريل أفضل الملائكة على الإطلاق.
قال: وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَأي: عليهم لعنة الناس أجمعين، يلعنهم الناس -والعياذ بالله- ويمقتونهم ولا سيما في يوم القيامة، فإن هؤلاء يكونون مبغضين عند جميع الخلق وهم أعداء الله سبحانه وتعالى.
طالب: إسرافيل وميكائيل كيف هذا موكل بحياة الأبدان وهذا موكل بحياة النبات؟
الشيخ: إسرافيل موكل بحياة الأبدان؛ لأنه موكل بالنفخ في الصور، ينفخ في الصور يوم القيامة، فتتطاير الأرواح منه إلى أجسادهم، وميكائيل موكل بالقطر والنبات، قطر المطر، والنبات نبات الأرض، وهذا حياة.
طالب: أليس حياة للإنسان والحيوان لماذا خصصناه بالنبات؟ الماء أليس حياة للإنسان والحيوان أيضًا؟
الشيخ: بلى.
الطالب: لماذا خصصناه بأنه مخصص بحياة النبات؟
الشيخ: هكذا جاء به الحديث، أنه موكل بالقطر والنبات .
طالب: شيخ، الأرواح داخل الصور؟ الأرواح ضمن الصور الذي ينفخ فيه؟
الشيخ: الله أعلم، هل هي ضمن الصور من الآن، أو أنها تدخل فيما بعد؟ كما يدل على ذلك حديث: أن أرواح المؤمنين في الجنة، وأن أرواح الشهداء معلقة في قناديل تحت العرش ، فهذا يدل على أنها تجتمع فيه عند النفخ.
طالب: لعنة الملائكة كيف؟ يدعون عليهم باللعنة وأنهم..
الشيخ: يشمل الأمرين الدعاء عليهم باللعنة وكونهم أيضًا يبغضونهم وينكرونهم، فإن هذا من اللعن.
طالب: كذلك الناس؟
الشيخ: وكذلك الناس.
قال: خَالِدِينَ فِيهَاأي: في هذه اللعنة -والعياذ بالله- والمراد فيما يترتب عليها، فإنهم خالدون في النار التي تكون من ثمرات اللعنة ونتائجها.
وقال: لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَقال: لَا يُخَفَّفُوالعذاب تثقيلًا وتخفيفًا من أين؟ من الله عز وجل، لكنه جل وعلا لم يضفه إلى نفسه؛ لأن الشر ليس إليه؛ ولهذا قالت الجن: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن: ١٠]، لما جاء الخير أضاف الإرادة إلى الله، ولما كان ذاك الشر قال: أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ، وهذا من باب تعظيم الله عز وجل أن لا ينسب الشر إليه وإن كان بتقديره، لكن لا ينسب إليه، فهنا وإن كان العقاب لهؤلاء بتقديره، لكنه لا ينسب إليه؛ ولهذا قال: لَا يُخَفَّفُولم يقل: لا نخفف.
وقوله: وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَأيش معنى يُنْظَرُونَ؟ أي: يمهلون، يعني: ما يمهلون بل يؤخذون بالعقاب، ويحتمل أن المراد لَا يُنْظَرُونَأي: بالعين، فلا ينظرون نظر رحمة، نظر رحمة وعناية بهم، وهذا قد يؤيَّد بقوله تعالى: قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: ١٠٨]، فإن هذا من احتقارهم وازدرائهم أنهم يوبخون بهذا القول: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ، وهم أيضًا لا ينظرون فلا يمهلون، يؤخذون بالعذاب -والعياذ بالله- من حين ما يموتون وهم في العذاب، ثم قال..
طالب: النَّاسِ أَجْمَعِينَ(...)؟
الشيخ: ربما أنه يدخل فيها الناس عمومًا؛ لأنهم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضًا ويكفر بعضهم ببعض.
طالب: شيخ، العذاب أحيانًا ينسب إلى الله تعالى؟
الشيخ: إي نعم، ينسب إليه، لكن تخفيف العذاب غير مسألة العذاب، العذاب على سبيل الإطلاق عدل، وكذلك عدم التخفيف عدل، لكنه ما ينسب إلى الله.
وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُإِلَهُكُمْالخطاب لمن؟ لجميع الناس، وهو مبتدأ، وإِلَهٌخبره، ووَاحِدٌصفة لـإِلَهٌ، يعني: أن إله الخلق إله واحد، والمراد بالإله: المعبود، لكن هنا المراد به: المعبود بحق، وإلا فالأصل أن الإله يطلق على كل ما عبد بحق أو بباطل، لكن هنا المراد به: إلهكم الحق إله واحد، أما معبوداتكم فإنها -وإن سميتموها آلهة- فإنها لا تستحق أن تكون آلهة، كما هو معلوم؛ لأنها لا تملك لهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، ولا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تدفع.
وقوله: إِلَهٌ وَاحِدٌوحدانيته بالألوهية تستلزم وحدانيته بالربوبية، فهو إله واحد ورب واحد سبحانه وتعالى، والمدبر للكون كله المالك للكون كله، وقوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَهذه جملة تأكيد للتي قبلها، هذه جملة تأكيد، فإنه لما أثبت أنه إله واحد نفى أن يكون معه إله، وهي في المعنى توكيد لما قبلها.
وقوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ(لا) نافية للجنس، وإِلَهَاسمها، أين خبرها؟ محذوف، والتقدير: حق، لا إله حق إلا هو، وعلى هذا فتكون (إلا) أداة استثناء، و(هو) خبر (لا) ولّا بدل من خبر (لا)؟ الجواب: هي بدل من خبر (لا)، ويدل لذلك قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُفرفعها لتكون بدلًا من خبر (لا) النافية للجنس، وزعم بعض المعربين إلى أن اللَّهُهي خبر (لا)، وكذا يكون لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَهي خبر (لا)، وهذا مبني على قول من لا يشترط أن يكون معمولها نكرتين، والمشهور عند النحويين أنه يشترط في (لا) النافية للجنس أن يكون معمولها نكرتين، قال ابن مالك في هذا؟
طالب:
| عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِـ(لَا) فِي نَكِرَهْ | ....................... |
الشيخ: (...) للا في نكرة يشمل الاسم والخبر، وعلى رأي هؤلاء يشكل المعنى إذا قلنا: إن (هو) خبر (لا)، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَيقتضي أن لا يكون هناك آلهة، لكن هذا يجيب عنه أو يمكن يجاب عنه بأن المراد بالإله هنا: الإله الحق، وهذا حق لا إله إلا الله، فالحصر باعتبار الإله الحق حقيقي ولا إضافي؟ حقيقي، الحصر باعتبار الإله الحق حقيقي لا إضافي، وباعتبار مطلق الإله إضافي؛ لأن الإله الذي نفي لا بد أن يكون مقيدًا بالحق.
وقوله: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُالرَّحْمَنُخبر؟ خبر مبتدأ محذوف؟ ولَّا خبر إِلَهُكُمْ؟
طالب: خبر ثاني.
الشيخ: إما أنه خبر لـإِلَهُكُمْخبر آخر، وإما أن يكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير: هو الرحمن الرحيم.
وهذان الاسمان مشتقان من الرحمة، لكنهما يختلفان، فإن الرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل، هذا أحسن ما قيل، الرحمن صفة لله تعالى أو اسم لله باعتبار وصفه؛ ولهذا كان المراد به الرحمة العامة الواسعة، وجاءت رحمن على وزن فَعْلَان، وكلمة فعلان تدل على الامتلاء والسعة، أما الرحيم فهي باعتبار الفعل الذي هو إيصال الرحمة إلى المرحوم، فباجتماع الاسمين الكريمين تبين لنا أن رحمة الله تعالى رحمة واسعة عظيمة، وأنها واصلة إلى من شاء من خلقه، وهذان الاسمان هل هما اسم واحد أو اثنان؟
طالب: اثنان.
الشيخ: اثنان، وإن كانا مشتقين من وصف واحد، وبهذا عرفنا أن الغفار اسم، والغفور اسم، ما نقول: إنهما اسم واحد؛ لأن اختلاف الصيغة يدل على اختلاف المعنى؛ ولهذا أجمع المسلمون أو العلماء على أن الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُاسمين.
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ.
من فوائد هذه الآية: مشروعية الطواف بين الصفا والمروة، ويؤخذ ذلك من قوله: مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ.
ومن فوائدها: دفع ما توهمه بعض الصحابة من الإثم في الطواف بهما؛ لقوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا.
ومن فوائد الآية: أن الطواف بهما من طاعة الله؛ لقوله: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ.
ومن فوائدها: أن الطاعة خير؛ لقوله: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا، ولا ريب أن طاعة الله سبحانه وتعالى خير للإنسان في مآله وحاله.
ومن فوائد الآية: إثبات اسم الشاكر لله؛ لقوله: فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ.
ومن فوائدها أيضًا: إثبات العليم اسم لله، شَاكِرٌ عَلِيمٌ.
ومن فوائدها: إثبات صفة الشكر والعلم لله، من أين تؤخذ؟ من شَاكِرٌوعَلِيمٌ؛ لأنهما اسمان دالان على الصفة، وقد مر علينا أن كل اسم من أسماء الله تعالى يدل على الصفة وعلى الحكم إن كان متعديًا، كل اسم هو يدل على الصفة ويدل أيضًا على الحكم إن كان متعديًا.
شَاكِرٌ عَلِيمٌعَلِيمٌويش يدل عليه؟ على العلم هذه الصفة، ويدل على الحكم بأنه أيش؟ يعلم كل شيء، هذا الحكم، غَفُوراسم يدل على الصفة وهي المغفرة، يدل على الحكم وهو أنه يغفر؛ ولهذا استدل العلماء بقوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤]، استدلوا بهذين الاسمين على أن من تاب قبل القدرة عليه سقط عنه العقوبة؛ لأن الله قال: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، ومقتضى ذلك أنه يغفر ويرحم. إذن يستفاد إثبات الاسمين الكريمين: شاكر وعليم، وإثبات ما دلا عليه من الصفتين وهو الشكر والعلم، وقد سبق أن معنى شكر الله للإنسان أنه يثيبه أكثر مما عمل «الْحَسَنَةُ بَعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلِى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» .
تقدم لنا قبل قليل أن الطواف بالصفا والمروة من الشعائر المشروعة، لكن هل هو ركن أو واجب أو سنة؟ اختلف في ذلك أهل العلم على أقوال ثلاثة: فقال بعضهم: إنه ركن من أركان الحج، لا يتم الحج إلا به. وقال بعضهم: إنه واجب من واجبات الحج، يجبر بدم ويصح الحج بدونه. وقال آخرون: إنه سنة وليس بواجب، والقول بأنه سنة ضعيف جدًّا؛ لأن قوله: مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِيدل على أنه أمر مهم؛ لأن الشعيرة ليست هي السنة فقط، الشعيرة هي طاعة عظيمة لها شأن كبير في الدين، بقيت الصحة مترددة بين الركنية والوجوب، والأظهر أنه ركن؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ فَاسْعَوْا» ، وسعى هو عليه الصلاة والسلام، وأقسمت عائشة قالت: وَاللَّهِ مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ حَتَّى يَطَّوَّفَ بِهِمَا ، يعني: بالصفا والمروة، فالأقرب أنه ركن وليس بواجب، وإن كان الموفق رحمه الله -وهو من مشائخ المذهب الكبار في مذهب الإمام أحمد- اختار أنه واجب يجبر بدم.
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ.
يستفاد من هذه الآية: أن كتم العلم من كبائر الذنوب، من أين يؤخذ؟ من ترتيب اللعنة على فاعله، والذي يرتب عليه اللعنة لا شك أنه من كبائر الذنوب.
ومن فوائدها: أن ما أنزله الله من الوحي فهو بين لا غموض فيه، وهدًى لا ضلال فيه، بَيِّنٌ ليس فيه غموض، وهدًى ليس فيه ضلال، من أين يؤخذ؟ من قوله: مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى.
ويستفاد منه -من فوائد الآية-: الرد على أهل التحريف الذين يسمون أنفسهم بأهل التأويل؛ لأن لازم طريقهم أن لا يكون القرآن بيانًا للناس، لازم طريقهم أن لا يكون القرآن بيانًا للناس، كيف ذلك؟ لأن الله تعالى أثبت لنفسه في القرآن صفات ذاتية وفعلية، فإذا صرفت عن ظاهرها صار القرآن بيانًا أو صار القرآن غير بيان؟ صار القرآن غير بيان، يكون الله تعالى ذكر شيئًا لا يريده، وهذا تعمية على الخلق تعمية لا بيان، فيستفاد من هذه الآية الرد على من؟ على أهل التأويل، والحقيقة أنهم -كما قال شيخ الإسلام-: أهل التحريف لا أهل التأويل؛ لأن التأويل منه حق ومنه باطل، لكن طريقهم باطل ما فيها حق، طريقهم باطل لا حق فيها؛ ولهذا كان شيخ الإسلام رحمه الله يسميه التحريف.
ومن فوائد الآية: بيان فضل الله عز وجل على عباده لما أنزله من البينات والهدى؛ لأن الناس محتاجون إلى هذا، ولولا بيان الله تعالى وهدايته ما عرف الناس كيف يتوضؤون، ولا كيف يصلون، ولا كيف يصومون، ولا كيف يحجون، ولكن من فضل الله أن الله تعالى بين ذلك.
ومن فوائد الآية: إثبات علو الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: مَا أَنْزَلْنَا، والنزول إنما يكون من أعلى، وعلو الله عز وجل بذاته ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، وقد مر علينا كثيرًا بيان ثبوته بهذه الطرق.
ومن فوائد الآية: قبح هذا الكتمان الذي سلكه هؤلاء؛ لأنه كتمان بعد بيان ليس لهم حجة، يقولون: والله نحن ما تكلمنا؛ لأن الأمر مشتبه علينا، الإنسان الذي لا يتكلم بالعلم لاشتباه الأمر عليه قد يعذر، لكن الذي لا يتكلم مع أن الله بينه للناس يكون هذا أعظم قبحًا -والعياذ بالله- ففيه بيان قبح ما سلكه هؤلاء من كتمان ما أنزل الله تعالى من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكتب السماوية كلها بيان، كلها بيان للناس؛ لأن قوله: فِي الْكِتَابِالمراد به الجنس، لا العهد، فالله تعالى بين الحق في كل كتاب أنزله، ما ترك الحق غامضًا، بل بينه لأجل أن تقوم الحجة على الخلق؛ لأنه لو كان الأمر غامضًا لكان للناس حجة في أن يقولوا: ما تبين لنا الأمر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكاتمين ملعونون، لعنهم الله ويلعنهم اللاعنون؛ لقوله: أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ.
ومن فوائد الآية: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، ويش هي الأفعال الاختيارية؟ كل فعل يتعلق بمشيئته فهو من الأفعال الاختيارية، مثل؟ النزول إلى السماء الدنيا، المجيء للفصل بين العباد، الاستواء على العرش، الضحك، الكلام، التعجب، وما إلى ذلك، كل فعل يتعلق بمشيئة الله عز وجل فإنه من الأفعال الاختيارية، اللعن منها؟ اللعن منها، ويدلك على أنه منها أن له سببًا، وما كان له سبب، فإنه يوجد بالسبب ويعدم بعدمه، إذن فهو -أي اللعن- من الأفعال الاختيارية.
ومن فوائد الآية: جواز الدعاء على كاتم العلم باللعنة، جواز الدعاء باللعنة على كاتم العلم، من أين نأخذها؟ من قوله: يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ؛ لأن من معنى يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَالدعاء عليهم باللعنة، تقول: اللهم العنهم.
وهل يلعن الشخص المعين أو على سبيل التعميم؟ على سبيل التعميم؛ لأن الصحيح أن لعن المعين لا يجوز ولو كان من المستحقين للعنة؛ لأنه لا يدرى ماذا يموت عليه، قد يهديه الله كما قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [آل عمران: ١٢٨].
بعض الناس يصير عنده غيرة وحنق على بعض الملحدين المتمردين الطغاة المعتدين فتجده يلعنه، نقول: هذا لا يجوز؛ لأن لعن المعين الحي محرم نهى الله عنه نبيه وقال: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، وأما لعنه بعد موته، لعنه بعد موته فهل يجوز أو لا يجوز؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لأيش؟
الطالب: لأنه قد أفضى إلى ما قدم.
الشيخ: ما تقولون؟
طالب: إذا كان مات على (...) يا شيخ؟
الشيخ: إي مات على الكفر.
الطالب: على الكفر يبقى، يجوز لعنه.
الشيخ: يجوز لعنه.
طالب: ما نستطيع أن نحكم عليه.
الشيخ: ما نستطيع؟
طالب: ربما يغفر الله له.
الشيخ: لا، إذا مات على الكفر ما هو بأهل النار.
طالب: الفائدة من لعنه بعد الموت؟
الشيخ: قد نقول بأنه لا يجوز؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا» ، وهذا عام، ثم إنه قد يثير ضغائن وأحقادًا، من أين؟ من أقاربه وأصحابه وأصدقائه، فيكون في ذلك مفسدة.
ثم إننا نقول: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» ، وأي خير في كونك تلعن واحدًا كافرًا مات، لا شك أنه يجب أن ينفر من طريقته، وأن يقدح في طريقته وأن تذم طريقته، هذا لا بد منه، أما هو شخصيًّا فإنه لا يظهر لنا جواز لعنه، وإن كان المعروف عند أهل العلم جمهورهم أنه يجوز لعنه إذا مات على الكفر.
طالب: فالآية اللي بعدها (...): إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ؟
الشيخ: الله لعنه، نعم، تخبر أن الله لعنه، لكن الدعاء عليه غير الإخبار.
طالب: ما دام أن الله لعنه ما يجوز أنا نلعنه؟
الشيخ: نحن نقول: أيش الفائدة «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا» .
طالب: ما يكون هذا المؤمنين، أو المسلمين؟
الشيخ: لا، هذا عام.
طالب: يا شيخ، قوله تعالى: وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَكيف نوفق مع قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ؟ هنا مباح، وهناك..
الشيخ: إيه، اللعانين: كثيرو اللعن، اللي دائمًا في ألسنتهم هذا الشيء، وأما من لعن من يستحق اللعنة، فهذا ما يعد لعانًا.
طالب: قول عمر بن الخطاب: قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ ، (...) لعن معين؟
الشيخ: لا، هذا ما هو بالظاهر، (قاتل) ما هي بمعنى لعن، الصحيح أن قاتل بمعنى أهلك وليس بمعنى لعن.
طالب: قول عبد الله بن عمر لما قال ابنه في الحديث الذي رواه (...) لما قال: والله لمنعهن (...) صلى الله عليه وسلم: لعنة الله عليك أقول: قال رسول الله وتقول: والله لمنعهن، وفي رواية: سبَّه سبًّا شديدًا؟
الشيخ: لا، السب صحيح: سبًّا شديدًا ما سبه مثله قط، لكن اللعن ما أدري عن صحته.
الطالب: في رواية: «لَعَنَكَ اللَّهُ».
الشيخ: ما أدري والله عن صحته، أقول: ينظر في ثبوتها، فإذا ثبتت فهذا فعل صحابي قد يخطئ ويصيب.
طالب: فعله مرة (...)؟
الشيخ: أقول: يكون هذا فعل صحابي حمله عليه الغيرة ولا يعتبر حجة.
ومن فوائد الآية الكريمة: عظم كتم العلم؛ حيث كان من الكبائر، واعلم أن كتم العلم يكون عند دعاء الحاجة إلى بيانه؛ إما بلسان الحال أو بلسان المقال، أما بلسان المقال: فأن يأتي أحد إليك يسألك، فهذا لا بد أن تخبره، فإن «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» ، فهذا لا بد أن تخبره. أو بلسان الحال: مثل أن ترى قومًا يعملون عملًا مخالفًا للشرع، هؤلاء محتاجون إلى بيان العلم، فيجب عليك أن تبينه، فصار كتم العلم متى يتحقق؟ إذا دعت الحاجة إلى بيانه إما بلسان المقال أو بلسان الحال، إلا أن أهل العلم يقولون: إذا علم المسؤول أن السائل يريد العنت والمشقة، ويطلب الرخص ولا يريد الحق، فإنه مخير بين أن يجيب وأن يمنع؛ لأن الله قال للرسول عليه الصلاة والسلام: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [المائدة: ٤٢]، أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْلأنهم لا يريدون الحق، هؤلاء اليهود يأتون للرسول صلى الله عليه وسلم ما يريدون الحق، قالوا: فإذا علم أو ظهر من قرائن الأحوال أن هذا السائل لا يريد الحق إنما يريد العنت والمشقة على المسؤول وإظهار عجزه أمام الناس وما أشبه ذلك، أو يريد تتبع الرخص، ما سألك لأجل يأخذ بقولك ويعمل به على أنه شريعة الله، لكن بيشوف أيش اللي عندك، ثم يروح للثاني ويشوف اللي عنده، وللثالث ويشوف اللي عنده، ولما أفتي بما يوافق الهوى قال: هذا هو القول الصواب ثم أخذ به، وهذا يوجد كثيرًا، كثيرًا ما تشوف بعض الناس يسألك وإذا أجبته قال: أنا سائل فلان وقال: كذا وكذا، ويش معنى هذا؟ معنى هذا أنه يدور شيء أهون يوافق هواه، فإذا علمت بالقرائن أو بالبينات الظاهرة أن هذا الرجل لا يريد الحق، فلك أن تمنع ولك أن تجيب؛ لأننا نعلم أن هذا ما قصد طلب العلم قصد شيئًا آخر.
طالب: دفع الفتوى يا شيخ؟
الشيخ: دفع الفتوى اختلف فيها أهل العلم هل يجوز أو لا يجوز، والصحيح أنه لا يجوز، الصحيح أنه لا يجوز إلا عند الاشتباه فيجب، وأما إذا كان الأمر واضحًا فلا يجوز.
طالب: لهذه الآية؟
الشيخ: لهذه الآية ولغيرها؛ ولأن الإنسان قد يدفعها أولًا ما ينبغي أن يدفعها إلى شخص معين، ما ينبغي أن يدفعها إلى شخص معين، اللهم إلا أن يكون مبرزًا بالعلم وظاهرًا، فهذا لا بأس، مثل ما قال أبو موسى: وَأْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُوَافِقَنِي عَلَى ذَلِكَ ، وإلا فالأولى أنه يقول: اسأل أهل العلم، وكان الإمام أحمد رحمه الله يستعمل هذه الطريقة إذا جاءه أحد وسأله وليس عنده في المسألة علم قال: اسأل غيري، أو اسأل أهل العلم، أو ما أشبه ذلك؛ لأنك إذا أحلتهم على شخص، فقد يخطئ هذا الشخص، قد يخطئ، فأنت حولهم على عامة الناس على عامة العلماء، وأنا أقول: إنه ما يجوز دفع الفتوى؛ لأنه يضيع الناس في الحقيقة لا سيما إذا كان الإنسان يرى أنه إذا دفعها استُفْتِي أناس جهال يضلون الناس، فإنه هنا تتعين عليه الفتوى تتعين عليه، ويستعين الله عز وجل ويسأل الله الصواب والتوفيق.
طالب: شيخ، طيب إذا جاءني إنسان ولا خبر (...) أنه ما يفتي إلا بعلم، في علماء باقين هم يفتون بمذاهب، أو يفتون (...)؟
الشيخ: يعني معناه أن صار عندك أرجح من غيره، وأقرب للصواب؟
الطالب: فيه اللي ما عنده علم، وفيه اللي ما يفتيك.
الشيخ: الظاهر أنه لا بأس به، إذا علمت أن اللي غيره ما يفتون بالصواب مثلًا، إنما يفتون بما هب ودب، نعم، يعني: بعض الناس يفتي بما يصلح للسائل اللي يوافق السائل يفتيه ما دام فيه قول لبعض العلماء، يقول: ما دام فيه قول، وهذا أرفق بحاله أنه نفتيه به، خلينا نمشي حاله، مو مشكلة هذه.
طالب: فيه رد على الجبرية.
الشيخ: من أين؟
الطالب: حيث إن الله لعنهم؛ لأنهم يكتمون ما أنزلنا من البينات.
الشيخ: حيث أضاف الكتمان إليهم وهو فعل، إي نعم، فيه رد على الجبرية حيث أضاف الله الكتمان إليهم وهو فعل، نعم؛ لقوله: يَكْتُمُونَوالكاتم مريد للكتم ولَّا لا؟ نعم.
ثم قال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
في هذه الآية أو من فوائد هذه الآية: التخصيص بالمخصص المتصل، التخصيص يكون بمخصص متصل، وبمخصص منفصل، الآية هنا مخصص متصل ولَّا لا؟
شوف إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَهذه عامة؟ كل من كتم، ثم قال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُواخصصت، وهذا طريق من طرق التخصيص المتصلة إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا.
ومن فوائد الآية الكريمة: سعة رحمة الله عز وجل.





