تفسير الآيات (169 - 171)
تفسير الآيات (172 - 174)
الشيخ: قول مبين.
الطالب: يعني بيِّن.
الشيخ: أي بيِّن، مِن؟ الفعل منها أيش؟
الطالب: الفعل منها من (أبان).
الشيخ: من أبان، وأبان بمعنى؟
الطالب: أظهر.
الشيخ: بمعنى أظهر، إذن مبين مظهِر؟
طالب: من (بان).
الشيخ: من (بان يَبين) فهو بيِّن، لكن هذه مبين.
الطالب: بين ومبين.
الشيخ: لا.
طالب: مِن (أبان) بس اللازمة ليس المتعدية.
الشيخ: صح، من (أبان) اللازمة؛ لأننا قلنا لكم: إن (أبان) تأتي لازمة ومتعدية، فيقال: أبان الشيء؛ أي أظهره، ويقال: أبان الصبح؛ بمعنى ظهر وبان.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم يسِّر.
قوله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَإلى آخره.
يستفاد من هذه الآية: أن المتبوعين بالباطل لا ينفعون أتباعهم لقوله: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواولو كانوا ينفعونهم ما تبرؤوا منهم.
ومن فوائدها أيضًا: أن الأمر لا يقتصر على عدم النفع بل يقتصر على البراءة منهم، والتباعد عنهم إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواوهذا يكون أشد حسرة على الأتباع مما لو كان موقفهم سلبيًّا.
ومن فوائد الآية: ثبوت العقاب، ويتفرع عليه ثبوت البعث لقوله: وَرَأَوُا الْعَذَابَ.
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يجمع بين الأتباع والمتبوعين توبيخًا وتنديمًا لهم؛ لأن لا شك أن هذا أعظم الحسرة إذا صار متبوعه الذي كان يعظمه في الدنيا يتبرأ منه أشد، فيجمع الله بينهم ويتبرأ بعضهم من بعض.
ومن فوائد الآية: أن جميع الأسباب الباطلة تتقطع يوم القيامة وتزول، كل الأسباب الباطلة التي لا تُرضي الله ورسوله لا تنفع صاحبها يوم القيامة.
ذكرنا أن هذه الآية يراد بها المتبوعون بأيش؟
الطلبة: بالباطل.
الشيخ: بالباطل، بخلاف المتبوعين بالحق، فالرسل لا يتبرؤون من أتباعهم، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧].
ومن فوائد الآية اللي بعدها: وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا [البقرة: ١٦٧].
من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء الأتباع يتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا ليتبرؤوا منهم كما تبرأ هؤلاء منهم في الآخرة، وهو ممكن ولَّا غير ممكن؟
طالب: غير ممكن.
الشيخ: غير ممكن، وما يزيدهم هذا إلا حسرة، ولهذا قال الله تعالى: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ.
ومن فوائدها أيضًا: تحسُّر هؤلاء وأمثالهم الذين فاتهم في هذه الدنيا العمل الصالح، فإنهم يتحسرون في الآخرة تحسرًا لا نظير له، ولا يدور في خيالهم اليوم، ولا في خيال غيرهم؛ لأنه ندم لا يمكن الاستعتاب منه، في الدنيا قد تحسر على ما فاتك لكن تسعى في جبر هذا الشيء، لكن هناك ما فيها.
ومنها: إثبات نكال الله بهم لقوله: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ.
ومنها: خلودهم في النار لقوله: وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ.
ومنها: إثبات النار، وأنها حق لقوله: مِنَ النَّارِوهو كذلك، وهي موجودة الآن ولَّا لا؟
طالب: موجودة.
الشيخ: نعم، هي موجودة الآن.
ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة: ١٦٨].
طالب: يا شيخ، ذكر في بعض النصوص أن النار في الأرض؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: شو الجمع بين إثبات هذا وأنها موجودة؟
الشيخ: نقول: الله أعلم، الأرض ما أحطنا بها، يمكن تكون بمكان غير معلوم لنا؛ يعني في جهة سفلى لكنها ما هي في الأرض نفسها، الله أعلم.
ومن فوائد هذه الآية: إظهار منة الله على عباده حيث أباح لهم جميع ما في الأرض، يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا.
ومن فوائد الآية أيضًا: أن الأصل فيما في الأرض الحِل والطيب حتى يتبين أنه حرام، وهل يؤخذ من هذه الآية أن الكفار مخاطبون بالفروع، بفروع الشريعة أو لا يؤخذ؟
الطلبة: يؤخذ.
الشيخ: يؤخذ؟
الطلبة: يؤخذ.
الشيخ: ما وجه ذلك؟
الطلبة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ.
الشيخ: من قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، وهم داخلون في هذا الخطاب، فيكونون مخاطبين بفروع الشريعة، وهذا هو الصحيح، الصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ولكن ليس معنى خطابهم بذلك أنهم يلزمون بها حال الكفر، لا؛ لأننا ندعوهم أولًا إلى أي شيء؟ إلى الإسلام ثم نلزمهم بأحكامه، وليس معنى كونهم مخاطبين بها أنهم يؤمرون بقضائها؛ الدليل على الأول:
قوله تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ [التوبة: ٥٤] فكيف نلزمهم بأمر لا ينفعهم؟ هذا عبث وظلم!
وأما الثاني: أن معنى كونهم مخاطبين أننا لا نلزمهم بالقضاء: الدليل عليه قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨].
ولهذا ما أمر النبي عليه الصلاة والسلام أحدًا ممن أسلم أن يؤدي زكاته الماضية، أو أن يصوم شهر رمضان، أو أن يقضي الصلوات، إذن ما الفائدة؟
قال أهل العلم: الفائدة من قولنا: إنهم مخاطبون بها: زيادة عقوبتهم في الآخرة، وهذا يدل عليه قوله تعالى: إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر: ٣٩ - ٤٧].
إذن هذه الآية ربما يستدل بها على أن الكفار مخاطبون بالفروع كما أنهم مخاطبون بالأصول بالإجماع.
طالب: كل الآية يا شيخ؟
الشيخ: إي، كل (...) كل الآية، الآية فيها أمر ونهي.
الطالب: تعقيب.
طالب: بالنسبة للمسلم اللي يتهاون بالزكاة يؤمر بقضائها ولَّا لا؟
الشيخ: فيه خلاف بين أهل العلم؛ منهم من قال يؤمر؛ لأنه ما لها وقت، ابتداء الوقت محدد وانتهاؤه غير محدد، وهذا هو الصحيح.
الطالب: يعني يؤمر.
الشيخ: أنه يؤمر بخلاف المحدد وقته ابتداءً وانتهاءً فلا يؤمر به، على القول الراجح.
طالب: بس فيه تعقيب على ذكر (...) في الآيات (...) يقول: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَهنا لما ذكر عموم الناس ذكر أيضًا.
الشيخ: ما وصلنا لهذا.
ومن فوائد الآية: تحريم اتباع خطوات الشيطان لقوله: وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِكذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: وهل من ذلك تحريم الأكل بالشمال والشرب بالشمال؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبُ بِشِمَالِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» .
ومن ذلك أيضًا: معصية الله عز وجل، فإن معصية الله والاستكبار عن أمره من خطوات الشيطان. أو لا؟
ومنها من اتباع خطوات الشيطان: القياس الفاسد.
طالب: (...).
الشيخ: وأيش وجهه؟
الطالب: أول من قاس إبليس.
الشيخ: يقولون: أول من قاس قياسًا فاسدًا إبليس؛ لأن الله لما أمره أن يسجد لآدم عارض هذا الأمر بقياس فاسد، قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢]؛ يعني فكان الأولى أنه هو اللي يسجد لي، فهذا قياس في مقابلة النص، فاسد الاعتبار.
ومن اتباع خطوات الشيطان أيضًا: الحسد؛ فإن الحسد من خطوات الشيطان؛ لأن الشيطان إنما قال ذلك حسدًا لآدم، فالحسد من اتباع خطوات الشيطان، وهو أيضًا من دأب اليهود، وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة: ١٠٩]، وكل خلق ذميم أو عمل سوء فإنه من خطوات الشيطان.
ومن فوائد الآية: تأكيد عداوة الشيطان لبني آدم، من أين نأخذها؟ إِنَّهُالجملة مؤكدة بـ (إن) إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
ومن فوائدها: ظهور بلاغة القرآن، وذلك بقرن الحكم بعلته، فإن قرن الحكم لعلته له فوائد منها: الطمأنينة، والحث، والترغيب أو الترهيب. المهم لها فوائد ذكرناها فيما سبق، ذكرنا فيما سبق ثلاث فوائد، ولعلكم تستحضرونها، قرن الحكم بعلته له ثلاث فوائد، من يبينها؟
طالب: التأكيد.
الشيخ: التأكيد؟
طالب: نعم، أو شدة يعني (...).
الشيخ: لا، لعل وهمك راح لشيء آخر.
طالب: أولًا: اطمئنان المخاطب.
ثانيًا: كمال الشريعة الإسلامية.
الشيخ: وهو كمال الشريعة الإسلامية.
الطالب: نعم، ثالثًا: القياس على هذه العموم، عموم الحكم.
الشيخ: عموم الحكم بعموم العلة قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام: ١٤٥]. كلمة فَإِنَّهُ رِجْسٌتعليل، يستفاد منها الفوائد الثلاثة:
أولًا: طمأنينة المخاطب إلى تحريم هذا الشيء، وأنه حُرم لنجاسته وخبثه.
وثانيًا: ظهور سمو الشريعة، وحكمها وأسرارها، وأنها ما تثبت حكمًا إلا لعلة.
وثالثًا: عموم الحكم بعموم العلة؛ يعني القياس، فكل ما كان نجسًا وإن لم يكن من هؤلاء الثلاثة فهو محرم.
ومن فوائد الآية: الحذر أو التحذير الشديد من خطوات الشيطان؛ لقوله: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌوما أظن أحدًا يؤمن بعداوة أحد ويتبعه أبدًا، أو لا؟ كل عاقل يؤمن بالعداوة من أي نفس لا يمكن أن يتبع ذلك، ففيه التحذير من اتباع خطوات الشيطان، فإذا قيل: ما هي خطوات الشيطان؟
نقول: كل المعاصي خطوات الشيطان، كل المعاصي فإنها خطوات الشيطان.
{إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ} [البقرة: ١٦٩] (إنما) أداة حصر، والحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، هذا الحصر، وقد مر علينا أظن في البلاغة، أو لا؟ فإذا قلت: إنما القائم زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عمن سواه؛ يعني ما يأمركم إلا بذلك، إلا بالسوء إلى آخره.
وقوله: إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْأي الشيطان، والخطاب لمن؟ للناس جميعًا؛ لأن الآيات كلها سياقها للناس.
بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِالسوء: كل ما يسوء من المعاصي الصغيرة؛ فإنها سيئات، هذا السوء.
الفحشاء: المعاصي الكبيرة، فالزنا من الفحشاء، أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: وكذلك نكاح الإنسان ما نكح أبوه من النساء من الفحشاء؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: من الفحشاء، وكذلك البخل بالزكاة من الفحشاء، الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة: ٢٦٨]. المهم أن السوء: المعاصي الصغار، والفحشاء: المعاصي الكبار، فهو يأمر بهذا وبهذا، مع أن المعاصي الصغار تقع مُكفَّرة بالأعمال الصالحة، لكنه يأمر بها؛ لأنه إذا فعلها الإنسان مرة بعد أخرى فإنه يفسق ويقسو قلبه، ثم لا ندري أيضًا هذه الصلاة ما كل صلاة تُكَفِّر، بعض الصلوات عسى أن تبرئ الذمة فضلًا عن أن تكون مُكفّرة، والصلوات المكفرة هي التي أكملها الإنسان بقدر استطاعته.
وقوله: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَوَأَنْ تَقُولُوا(أن تقول) معطوفة على السُّوء؛ يعني وبقولكم، و(أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور عطفًا على قوله: بِالسُّوءِيعني وقولكم.
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِتقولوا عليه أي: تنسبوا إليه القول. مَا لَا تَعْلَمُونَ(ما) مفعول (تقولون).
وقوله: مَا لَا تَعْلَمُونَيشمل كل ما قيل على الله من أوصاف، وأفعال، وأحكام، وأسماء، كل ما قيل على الله من هذه الأربعة فهو داخل في هذه الآية، فمن أثبت لله اسمًا لا يعلم أنه اسم له فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن أثبت لله صفة لم يعلم أن الله وصف نفسه بها فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن نسب إلى الله فعلًا لم يفعله فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن نسب إلى الله حُكمًا لم يشرعه، فقال: هذا حلال وهذا حرام، والله لم يشرعه بهذا، فقد قال على الله ما لا يعلم، إذن فهو شامل لأيش؟
للأسماء، والصفات، والأفعال، والأحكام، كل من قال على الله ما لا يعلم فإنه داخل في هذه الآية، وفعله من أوامر الشيطان وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وعطْف أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَعلى السُّوءِ وَالْفَحْشَاءِمن باب عطف الخاص على العام، فإنه داخل إما في السوء أو الفحشاء، وهو أيضًا إلى الفحشاء أقرب.
وقوله: أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَقلنا: الآيات يشمل هذه الأنواع الأربعة، والقول على الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قاله، فهذا ما حكمه؟
طالب: جائز.
الشيخ: هذا واجب أو جائز؟
طالب: واجب.
الشيخ: المهم أنه جائز ويصل إلى حد الوجوب إذا دعت الحاجة إليه.
الثاني: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قال بخلافه، فهذا حرام، أشد الأنواع.
الثالث: أن يقول على الله ما لا يعلم أن الله قاله، هذا حرام أيضًا، فصار القول على الله حرامًا في حالين، ما هما؟
أن يقول ما لا يعلم، أو أن يقول ما يعلم أن الله قال بخلافه، وهذه الجملة لها فروع كثيرة إن شاء الله نذكرها في المستقبل.
(...) وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، كل هذا يدخل فيه (...) يأمر الشيطان أولياءه بذلك.
إذا قال قائل: أنا لا أسمع أن الشيطان يأمرني، فكيف أستدل أو أعرف أنه أمر؟
طالب: (...) الوسوسة هو يوسوس في أذن الناس، وكذلك أنهم يعملون السوء والفحشاء، فكل أمر فيه معصية لله ورسوله فهو من أمر الشيطان.
الشيخ: يعني معناه أن الإنسان إذا فعل معصية أو قال على الله ما لا يعلم علم أن الشيطان أمره بذلك، وما الواحد ما يسمع الشيطان يقول: افعل كذا، افعل كذا، قل كذا، لكن هو إذا فعل أو قال هذه الأشياء التي ذكر الله عز وجل عُلم أن الشيطان أمره به.
قوله تعالى: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَأظن أننا كنا نتكلم عليها؟
قوله: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَيشمل القول على الله في ذاته، فالقائلين بأنه سبحانه وتعالى ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا فوق العالم ولا تحته، هؤلاء قالوا على الله بلا علم، بل بما يُعلم أن الأمر خلافه، كذلك يشمل القول على الله بأسمائه وصفاته، مثل من يقول: إن أسماء الله سبحانه وتعالى لا تدل على صفات، فهو سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعليم بلا علم، فهو عليم بذاته لا بعلمه ووصفه، وهؤلاء المعتزلة والجهمية ما يثبتون صفة، يثبتون أسماء ما تدل على معانيها.
ويشمل أيضًا من أثبت بعض الصفات دون بعض، مثل الأشاعرة قالوا: أراد بكذا بما نفوه، أراد به كذا ولم يُرد كذا، فقالوا على الله بلا علم من وجهين؛ الوجه الأول: أنهم نفوا ما أراد الله بلا علم، والثاني: أنهم أثبتوا ما لم يعلموا أن الله أراده، فقالوا مثلًا: استوى إنه بمعنى استولى، اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] يعني استولى عليه، قالوا على الله بلا علم من وجهين؛ الوجه الأول: نفيهم حقيقة الاستواء بلا علم، والثاني: إثباتهم أن معناها الاستيلاء بلا علم، فقالوا على الله بلا علم من وجهين.
كذلك القائلون على الله بلا علم بأفعاله، أفعاله مثل أن يثبتوا أسبابًا لم يجعلها الله أسبابًا كمثل المنجمين والخرَّاصين وشبههم، هؤلاء قالوا على الله بلا علم في أفعاله، ومخلوقاته، فيقولون: سبب وجود هذا كذا وكذا وهو لا يُعلم أنه سبب له لا كونًا ولا شرعًا، فيقولون على الله بلا علم، مثل: الدُّبلة يقولون: إنها سبب لمحبة الزوج لزوجته، هؤلاء قالوا على الله بلا علم؛ لأننا لا نعلم أن ذلك سبب لا شرعًا ولا حسًّا ولا قدرًا.
كذلك القائلين على الله بلا علم بأحكامه، وهم كثيرون جدًّا، منهم العامة، ومنهم أدعياء العلم الذين يقولون: نحن علماء، أو يتصورون أنفسهم علماء وليس عندهم علم، هؤلاء أيضًا يقولون على الله بلا علم، ومن الأشياء التي مرت عليّ قريبًا وهي غريبة: أن رجلًا ذهب إلى إمام مسجد ليكتب له الطلاق، فقال له: طلق امرأتك مرتين أنا ما أكتب طلقة واحدة؛ لأن الله يقول: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ [البقرة: ٢٢٩].
يقول: أنا ما أدري هو إمام؛ إمام مسجد، فحسبت أن الأمر كما يقول، فقلت: نعم، اكتب: إني طلقت امرأتي طلقتين، مع أن هذا هذا حرام، ما يجوز للإنسان أن يطلق طلقتين، تلاعب بكتاب الله عز وجل، ومعنى الآية واضح؛ يعني الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان؛ لأنه قال بعد ذلك: فَإِنْ طَلَّقَهَا-الثالثة- فَلَا تَحِلُّ لَهُ [البقرة: ٢٣٠]، لكن هذا من الجهل العظيم، هذا جهل مركب.
صادق الحمار هذا؟!
على كل حال إن هذا -والعياذ بالله- من القول على الله بلا علم، فالقول على الله بلا علم في ذاته، أو أسمائه وصفاته، أو أفعاله، أو أحكامه، كل ذلك من أوامر الشيطان، والغالب أنه لا يحمل على ذلك إلا محبة الشرف والسيادة والجاه، وإلا لو كان عند الإنسان تقوى لالتزم الأدب مع الله عز وجل، ولم يتقدم بين يديه ويدي رسوله، وصار لا يقول على الله إلا ما يعلم أن الله قاله إما في كتابه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم التي هي بأمره، فالحاصل أن هذا من القول على الله ما لا يعلم.
ما رأيكم فيمن قال على الله ما يعلم أن قول الله خلافه؟
الطلبة: هذا أشد.
الشيخ: هذا أشد؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، يقول على الله ما يعلم أن الله قال بخلافه، وهذا أشد، فالمراتب إذن ثلاث، المراتب في القول على الله ثلاث: أن يقول ما يعلم أن الله قاله، وأن يقول ما يعلم أن الله لم يقله هاتان مرتبتان، والثالثة: أن يقول ما لا يعلم أن الله قاله فهمتم؟
بينهم فرق الثاني والثالثة؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، بينهم فرق، الثالثة: يعلم أن الله قال بخلافه، الثانية، والثالثة: لا يعلم أن الله قاله، فقال على الله ما لم يعلم، وهو محرم، فإذا قال قائل: ألستم تبيحون الفتوى بالظن أو بغلبة الظن؟ فما هو الجواب؟
طلبة: نعم.
طلبة: بلى.
الشيخ: بلى، الجواب: بلى، لا نعم، فما الجواب عن الآية: أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ؟
الجواب على الآية أننا في الحقيقة إذا أفتينا بالظن فقد قلنا على الله ما نعلم؛ لأن الله سبحانه وتعالى أباح لنا أن نفتي بذلك في قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]. وفي قوله: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦].
ومعلوم أن غلبة الظن خير من التوقف، وكثير من مسائل الفقه التي يتكلم بها العلماء ويحكمون بها، كثير منها ما أقول كلها أو أكثرها، لا كثير منها يكون مبنيًّا على غلبة الظن والرجحان، وليس أمرًا قطعيًّا لا في الدلالة ولا في المدلول الذي يستدل به، لا في الدلالة ولا في الدليل.
طالب: شيخ، هل أي فتوى هي قول على الله؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني مثل اللي قال لواحد: هذا حرام وهذا حلال واضح إنه قول على الله، لكن لو يسأل مثلًا واحد في أمر مشتبه وفيه خلاف والأمر بسيط يقول له: افعل كذا بس، يعني يقول: له افعل كذا، ما قال هذا حرام ولا حلال، هل هذا قول على الله؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه سأله عن دين يدين الله به، والله تعالى لا يُدان له إلا بما شرع.
الطالب: بس هذه أقرب المعنى المشهورة يعني يقول له: افعل كذا؟
الشيخ: لا لا، المشهورة -بارك الله فيك- في غير المسائل الدينية، اللي مشهورة محضة مبنية على الرأي هذه غير المسائل الدينية، أما المسائل الدينية فأنا ما أمرته إلا بناء على أن الشرع هو هكذا، فهذا هو القول على الله.
ثم قال الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [البقرة: ١٧٠].
إِذَا قِيلَ لَهُمُ(قيل) هذه مبنية للمجهول، وأصلها؟
طالب: (قال).
الشيخ: لا، أصلها؟
طالب: (قَوَلَ).
طالب: (قَوَلَ)، أو (قُول).
الشيخ: (قَوَلَ)، قَوَلَ أصل (قال).
طالب: (قُوِلَ).
الشيخ: (قُوِلَ) أو لا؟ مثل: ضُرِبَ، هذا أصلها، لكن صار فيها إعلال، وهي أن الواو مكسورة فقلبت ياء، ثم كسر ما قبلها للمناسبة فقيل: قيل. وَإِذَا قِيلَ لَهُمُأي: لمن؟
طالب: الذين قالوا على الله.
الشيخ: لا.
طالب: للكفار.
الشيخ: للكفار إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُاتبعوا: يعني خذوا به فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور.
وقوله: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ(ما) اسم موصول يفيد العموم، والله تعالى أنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب والحكمة، وقد قال كثير من أهل العلم: إن المراد بالحكمة السنة.
مَا أَنْزَلَ اللَّهُفي مَا أَنْزَلَ اللَّهُقلنا: إنها اسم موصول، واسم الموصول يحتاج إلى صلة وعائد، الصلة هي قوله: أَنْزَلَ اللَّهُأين العائد؟
طالب: محذوف.
الشيخ: العائد محذوف، تقديره: ما أنزله الله، إذا قيل لهم هذا القول لا يلينون ولا يقبلون بل يُكابرون. قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ(بل) هذه للإضراب الإبطالي؛ يعني قالوا مبطلين لهذا القول الذي قيل لهم: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا(ما) أي الذي فهو اسم موصول، (ألفينا) وجدنا، كما قال تعالى في آية أخرى: قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [لقمان: ٢١].
والقرآن يفسر بعضه بعضًا، وقد ذكرنا فيما سبق في قواعد التفسير أننا نرجع في تفسير القرآن إلى القرآن، ثم السنة، ثم أقوال الصحابة، ثم بعد ذلك قول كبار التابعين المعتنين بالتفسير كمجاهد وقتادة ونحوهما على خلاف في هذا في المسألة الثانية في مسألة التابعين.
وقوله: مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَاأي ما وجدناهم عليه من الهدى ولَّا من الضلال؟
الطلبة: من الضلال.
الطلبة: من العمل.
الشيخ: من العمل حقًّا كان أو باطلًا.
وقوله: مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَاآبَاءَنَاالمراد بهم آباء الصلب والأجداد أيضًا حتى ما توارثوه عن أجدادهم داخل في ذلك، هذا هو الجواب، وهو جواب غير سديد، بل هو جواب باطل خطأ، ولهذا أبطله الله عز وجل في قوله: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ. أَوَلَوْ كَانَنشوف مصطفى يعرب لنا أَوَلَوْ كَانَ؟
الطالب: الهمزة للاستفهام، كلها أو.
الشيخ: (أوَ) كلها للاستفهام؟
الطالب: إي.
الشيخ: نعم، و(لَوْ)؟
طالب: (لو) أداة امتناع.
الشيخ: أداة امتناع؟
الطالب: إي.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: أداة امتناع لوجود.
الشيخ: لوجود؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما تقولون في الإعراب؟ الهمزة؟
طالب: الهمزة للاستفهام.
الشيخ: أوْ (أوَ)؟
الطالب: لا الهمزة فقط.
الشيخ: فقط؟
الطالب: إي، والواو للعطف، وقدم الاستفهام على العطف، ففيه مذهبان لعلماء النحو إما أن يجعل التجوز في الفعل.
الشيخ: ما فيه التجوز إما أن يجعل.
الطالب: إي؟
الشيخ: ما فيه التجوز.
الطالب: يعني إما أن نقدر فعلًا مثلًا: إما أن نقدر فعلًا فنقول: إما أن يكون على المذهب الأول إما أن تكون الاستفهام قدم على أصلها (وأولو كان) فقدم الاستفهام على العطف هذا.
الشيخ: هذا رأي.
الطالب: هذا رأي، ورأي ثاني: أن نقدر فعل مناسب بعد الهمزة.
الشيخ: وتكون الواو حرف عطف على هذا الفعل، على ذلك فعل المقدر، كيف نقدره هنا على هذا الرأي؟
طالب: فيتْبَعون.
الشيخ: أيتَّبِعون؟
الطالب: أيتَّبِعون ولو كان آباؤهم.
الشيخ: ولو كان آباؤهم، طيب ولو؟
الطالب: ولو هنا شرطية.
الشيخ: زين، أين فعل الشرط؟
الطالب: فعل الشرط محذوف.
الشيخ: وأيش التقدير؟
الطالب: التقدير فاتبعونه أو كما هداهم.
طالب: فعل الشرط كان.
الشيخ: فعل الشرط كان، صح.
طالب: وجواب الشرط محذوف.
الشيخ: وجواب الشرط محذوف على أنه مشهور.
الطالب: أو ما يحتاج.
الشيخ: أو لا يحتاج على القول الثاني.
يقول عز وجل: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْفي هذه الحال التي لا يستحقون أن يتبعوا لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًالا يعقلونه المراد بالعقل هنا: عقل التصرف، لا عقل الإدراك؛ لأننا ذكرنا فيما سبق أن العقل عقلان: عقل تصرف، وعقل إدراك، فعقل الإدراك هو مناط التكليف الذي يتكلم عليه الفقهاء ويقولون: من شرط وجوب كذا وكذا أن يكون عاقلًا، أما عقل التصرف فهو محل المدح والثناء؛ بمعنى أن يكون لدى الإنسان عقل يمنعه عما يضره، فهنا أيّ العقلين يراد؟
الطلبة: التصرف.
الشيخ: عقل التصرف، فآباؤهم أذكياء، وآباؤهم يدركون ما ينفعهم ويضرهم، لكن ليس عندهم حسن تصرف.
وقوله: لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًاأي لا يتصرفون (...) عاقل بحيث يُدركون ما ينفعهم ويضرهم فيتبعون ما ينفعهم ويدعون ما يضرهم.
وقوله: شَيْئًانكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي للعموم، فإذا قال قائل: إذا كانت للعموم فمعنى ذلك أنهم لا يعقلون شيئًا حتى من أمور الدنيا مع أنهم في أمور الدنيا يحسنون التصرف، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: فهم يبيعون ويشترون ويتحرون الأفضل والأحسن لهم، فيقال: هذا ليس بشيء بالنسبة إلى ما يتعلق في أمور الآخرة، ليس بشيء بالنسبة لما يتعلق بأمور الآخرة، أو يقال: إن المراد بهذا العموم الخصوص؛ لأن المقام هنا مقام منهاج، منهاج وعمل ليس مقام دنيا وبيع وشراء اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُفيكون المراد هنا المراد بكلمة شَيْئًااللي هي عامة وأيش المراد؟
الطلبة: أمور الآخرة..
الشيخ: شيئًا من أمور الآخرة، وكلا الأمرين يرجعان إلى معنى واحد، أو كلا الاحتمالين يرجعان إلى معنى واحد، لكن هل نقول: الفرق، هل نقول: إن شَيْئًاأريد بها العموم أصلًا، لكن خرجت منها أمور الدنيا؛ لأنها تافهة ليست بشيء، أو نقول: إن أمور الدنيا لم ترد بها أصلًا؛ لأن المقام هنا في مقام عمل ومقام آخرة.
وقوله: وَلَا يَهْتَدُونَلا يعقلون ولا يهتدون، إذا قيل: إذا فسرتم العقل بأنه عقل الرشد فهو الاهتداء، فكيف يجمع بينهما؟ قلنا: الجمع بينهما أن العقل بالنسبة للتصور وحسن الإرادة والاهتداء بالنسبة للعمل والسلوك؛ يعني هم لا يهتدون فيعملون عملًا يكون هداية وليسوا أيضًا يعقلون فيدركون إدراكًا يتصرفون فيه تصرفًا نافعًا لهم، هؤلاء الذين بهذا الوصف لا يعقلون ولا يهتدون هل يستحقون أن يُتبعوا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، ولهذا جاءت همزة الإنكار في قوله: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ. وسنتكلم إن شاء الله على فوائد هذه الآية بما يدل على أن كثيرًا من أهل الضلال الذين يتعصبون لأئمتهم داخلون في هذه الآية إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ.
يقولون: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَاحتى ولو كان آباؤهم في هذا الوصف الذي لا يعقلون فيه ولا يهتدون فهم يتبعونهم، ولا يقولون: هو نافع ولَّا ضار يتبعونه في كل حال، فما هو أقرب شبه لهؤلاء؟ أقرب شبه الآية التي بعدها: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً [البقرة: ١٧١] يعني كمثل الراعي، الراعي الذي ينعق ينادي بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، ما هو الذي لا يسمع إلا دعاء ونداء ولا يفهم؟
الطلبة: البهائم.
الشيخ: البهائم، الماشية، فهؤلاء مثلهم كمثل إنسان يدعو بهائم ما تفهم إلا الصوت. دُعَاءً وَنِدَاءًالدعاء: إذا كان يدعو شيئًا معينًا باسمه، والنداء العام تكون للعام؛ لأن البهائم الآن، فيه بهائم يسميها الإنسان باسمها بحيث إذا ناداها بهذا الاسم أقبلت إليه، توافقون على هذا؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: نعم، إذا ناداها بهذا الاسم أقبلت إليه، وفيها النداء العام لجميع البهائم، هذا ما يختص به واحد دون الآخر، وأظن ما يحتاج إلى التمثيل به؛ لأنه معلوم لديكم، فراعي الإبل مثلًا يدوهي لها والدوهات نداء ولَّا دعاء؟
الطلبة: نداء.
الشيخ: نداء لأنه عام، ولهذا تُقبل إليه الإبل جميعًا، لكن إذا كان مثلًا إذا كان له ناقة مسميها باسم خاص، وقال لها: يا فلانة. تأتي إليه من بين سائر الإبل، وهذا شيء معروف، لكن مع ذلك هل تأتي على أساس أنها تعقل وتفهم وتهتدي ربما يناديها لأجل أن يذبحها تشوف السكين معه ويناديها وتجي، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: هؤلاء مثلهم، الكفار مثلهم في كونهم يتبعون آباءهم بدون أن يفهموا هذا المعنى الذي هذه الحال التي عليها آباؤهم.
كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءًوما أكثر المشابهين للكافرين في ذلك! ما أكثر الذي يتبعون الداعي والمنادي وهم كالبهائم لا يعقلون ولا يفكرون، فالدعوة إلى العصبية والقومية وما أشبه ذلك من هذا النوع ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: من هذا النوع، لا يفكر الدعاة لها ماذا يترتب عليها من تفريق المسلمين وتمزيق كلمتهم وكونهم يجعلون الرابطة هي أيش؟
طالب: اللغة (...).
الشيخ: اللغة والقومية، لكن الرابطة الدينية التي قال الله فيها: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠] ولم يقل: إنما العرب إخوة، قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌهذه تدخل لك جميع المؤمنين ولو كانوا غير عرب أو لا؟ وتخرج من ليس بمؤمن ولو كان عربيًّا، هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال لأبيه وقومه: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]. وكذلك قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ [الممتحنة: ٤]، شوف لقومهم! إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الممتحنة: ٤] إلى آخر الآية، شوف هذا هو الحقيقة الرابطة، فكون الناس يعني انجرفوا في هذا الدعاء إلى هذه القومية هو داخل في مثل هذه الآية أنهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء.
طالب: لا يسمع (...) البهائم.
الشيخ: إي نعم، البهائم التي لا تسمع إلا بس مجرد الدعاء والنداء ولا تفهم ولا تعقل.
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَصُمٌّجمع (أصم)، والأصم: هو الذي لا يسمع. عُمْيٌجمع (أعمى)، والأعمى هو الذي لا يبصر.
بُكْمٌجمع (أبكم)، وهو الذي لا ينطق، وهنا من حيث اللغة العربية محل قوله: صُمٌّأيش؟
طالب: خبر.
الشيخ: خبر مبتدأ محذوف تقديره (هم صُمّ). فيه أيضًا إشكال عُمْيٌنحن قلنا: إن الضمة لا تظهر على الياء، فإذا قلت: جاء القاضي تقول: القاضي فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل، وهنا عُمْيٌضمتين بعد ما هي بضمة واحدة، فما هو الجواب على هذا الإشكال؟
طالب: من أعمى.
الشيخ: (...) نرى أنها ياء وظهرت عليها الضمة.
نقول: إن الياء اللي هي حرف علة ما يظهر عليها هي التي يُكسر ما قبلها، والواو التي يُضم ما قبلها، أما الياء الساكن ما قبلها أو الواو الساكن ما قبلها فإنها تظهر عليها الضمة، وتظهر عليها الكسرة فاهمين؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: الياء التي ما تظهر عليها الضمة ولا الكسرة هي التي كسر ما قبلها، والواو التي ما تظهر عليها الضمة والكسرة هي التي ضُم ما قبلها، أما ما كان الذي قبله ساكنًا فهو تظهر عليه الضمة والكسرة، تقول: اشتريت دلوًا، وهذا دلوٌ، ظهرت الضمة على الواو؟
طالب: نعم.
الشيخ: لأن اللي قبله ساكن، ونظرت إلى دلوٍ، ظهر عليها الكسرة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: وكذلك غزوٌ، وغزوٍ، وهنا (عُميٌ)، ونظرت إلى (عُميٍ)، وكذلك ظبيٌ، ونظرت إلى ظبيٍ، إذن زال الإشكال.
وقوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌصم عن أيش؟
الطلبة: عن سماع الحق.
الشيخ: عن سماع الحق، وإن كانوا يسمعون غيره، لكن سماع غيره لا فائدة منه فهو كالعدم، ولهذا قال: صُمٌّ. بُكْمٌيعني لا ينطقون، صحيح ما ينطقون؟
الطلبة: لا ينطقون.
الشيخ: لا ينطقون، وربما يكونون فصحاء، لكن لا ينطقون بالحق والعياذ بالله، ونطقهم بغير الحق كالعدم لعدم نفعه. كذلك عُمْيٌلا يبصرون، هكذا ولكن حقيقة الأمر قد تكون أعينهم من أحسن الأعين، لكنهم لا يبصرون الحق والعياذ بالله، لا يبصرون الآيات، ولا يبصرون من يقول بالآيات أيضًا، لا ينتفعون به.
وقوله: فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَالفاء للتفريع؛ يعني أن هذه الجملة مفرعة على ما قبلها؛ يعني فلكونهم عميًا وبكمًا وصمًّا هم لا يعقلون؛ أي لا يعقلون عقل رشد، وإن كان عندهم عقل إدراك، لكن ما عندهم عقل رشد، فلعدم انتفاعهم بعقولهم نفى الله عنهم العقل الذي هو حقيقة العقل، ولهذا سمي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبه عما يضره، ولهذا يسمى عقلًا ويسمى حِجْرًا؛ قال الله تعالى: هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] أي: لذي عقل؛ لأنه أيضًا يحجر صاحبه عما يضره.
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَوأيش إعراب دُعَاءًبِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً؟
طالب: مستثنى بـ (إلا)؟
الشيخ: مستثنى بـ (إلا) ما قولكم؟
طالب: صحيح.
طالب: مفعول به منصوب.
الشيخ: مفعول به منصوب؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هذان قولان ما قولك؟
طالب: لا، صحيح مستثنى.
الشيخ: صحيح مستثنى.
طالب: مفعول به منصوب لـيَسْمَعُ.
الشيخ: إي صحيح؛ لأن الاستثناء هنا مفرغ؛ لأن (لا) نافية ويَسْمَعُفعل مضارع، ما جاء المفعول، المفعول به إذن دُعَاءً، ولو أردت تعرف المفرغ احذف النفي واحذف (إلا)، فقل: يسمع دعاء مثلًا، ما قام إلا زيد، تقول: قام زيد هو اللي ييبن لك الإعراب.
قال الله عز وجل: إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
يستفاد من الآية الكريمة: أن للشيطان إرادة وأمرًا لقوله: إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ.
ومن فوائدها: أن الشيطان لا يأمر إلا بالشر، لا يأمر بالخير، أن الشيطان لا يأمر بالخير، من أين أخذنا أنه لا يأمر بالخير؟
الطلبة: من الحصر.
الشيخ: من الحصر إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ.
طالب: حديث أبي هريرة، أن أبي هريرة قال..
الشيخ: نعم، فصدق وهو كذوب، هذا نادر، هذا نادر.
ومن فوائدها؛ من فوئد الآية: أن الإنسان إذا همّ بالسيئة أو الفاحشة فليعلم أنها من أوامر الشيطان فليحذرها؛ لأنه ما عندنا علامة بينة، الشيطان ما هو يقف أمامنا يقول: افعلوا، لكن عندما يكون الأمر الذي نهم به من السوء والفحشاء نعرف أنه من أوامر الشيطان.
ومن فوائدها: أن القول على الله بلا علم من أوامر الشيطان لقوله: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
ومن فوائدها: تحريم الفتوى بلا علم، من أين نأخذها؟ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَفإن المفتي يقول على الله، ويعبر عن شرع الله.
ومنها: ضلال أهل التأويل في أسماء الله وصفاته، من أين نأخذها؟
الطلبة: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ.
الشيخ: لأنهم قالوا على الله بلا علم، وقد سبق أنهم قالوا على الله بلا علم من وجهين؛ أحدهما: أنهم قالوا: إن الله لم يُرد كذا، فنفوا ما هو ظاهر الكلام، وقالوا: إنه أراد كذا فأثبتوا ما يخالف ظاهر الكلام، وهذا قول على الله بلا علم.
طالب: شيخ، قال أهل التأويل ولا أهل التحريف؟
الشيخ: لا هم يسمون الآن معروفين بأهل التأويل، ولَّا هو حقيقة أن ما سموه تأويلًا فهو تحريف.
طالب: متى يكون التأويل محمودًا يا شيخ؟
الشيخ: لا، الآن المعروف عند أهل العلم أهل التأويل إذا قيل: أهل التأويل يريدون بهم هؤلاء، الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، مشهور عندهم، أهل التأويل وأهل الأخذ بالظاهر.
طالب: أهل التفسير؛ يعني يطلق عليهم أهل التأويل؟
الشيخ: يُطلق عليهم، لكن التأويل عند المتأخرين ما هو معروف عندهم إلا صرف اللفظ عن ظاهره، وإذا قيل: أهل التأويل لا تفكر أنهم يريدون أهل التفسير أبدًا إلا في اصطلاح المتقدمين مثل ابن جرير ونحوه، أما المتأخرين إذا سمعت أهل التأويل فهم الذين يؤولون الصفات، آيات الصفات وأحاديثها، وهو في الحقيقة تحريف، نحن لا نوافقهم على أن هذا من باب التأويل، نقول: هو تحريف في الواقع؛ لأن التأويل الذي لا دليل عليه تحريف وتغيير للمعنى عما أراد الله، إنما هذا هو المعروف عند أهل العلم أن أهل التأويل هم الذين يصرفون ظواهر نصوص الكتاب والسنة فيما يتعلق بالأسماء والصفات.
ومن فوائدها: وجوب تعظيم الله عز وجل، وأنه لو ساغ القول على غيره لم يسغ القول عليه، ووجه ذلك أنه خصَّص بعد التعميم، وأين التخصيص بعد التعميم؟
الطلبة: وَأَنْ تَقُولُوا.
الشيخ: وَأَنْ تَقُولُواهذا تخصيص بعد قوله: بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِفإن القول على الله بلا علم لا شك أنه من السوء والفحشاء.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ.
من فوائد الآية: ذم التعصب بغير هدى لقوله: قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَامع أن آباءهم ليس عندهم عقول ولا هدى كما قال الله عز وجل: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ.
ومنها: أن من تعصب لمذهب مع مخالفة الدليل ففيه شبه من هؤلاء، أو لا؟ هم يقولون: نتبع ما ألفينا عليه آباءنا والمتعصب لمذهبه: ما وجدنا عليه مشائخنا، فهذا فيه شبه منهم، والواجب أن الإنسان إذا قيل له: اتبع ما أنزل الله أن يقول: سمعنا وأطعنا.
ومنها من فوائدها: أنه لا يجب الانصياع إلا إلى ما أنزل الله أو لا؟ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُأما الانقياد لقول عالم أو ما أشبه ذلك فلا، لا انقياد إلا لما أنزل الله عز وجل وهو الكتاب والحكمة، وقد سبق أن أهل العلم اختلفوا فيما قاله الصحابي، وأن مذهب الإمام أحمد أنه حُجة ما لم يخالف الدليل أو يعارضه قول صحابي آخر، فإن خالف الدليل طُرح واتُّبع الدليل، وإن عارضه قول صحابي آخر وجب الترجيح ويُنظر أيهما أقرب إلى الكتاب والسنة فيُؤخذ به، فإن لم نعرف أيهما أقرب إلى الكتاب والسنة فإننا ننظر أيهما أقرب إلى الصواب من حيث العلم، والصحابة يختلفون في هذا.
ومن فوائد الآية: بيان عناد هؤلاء يقال: اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُما يقول: اتبعوا ما نحن عليه، ما أنزل الله، فيعاندون ويقولون: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا.
ومن فوائدها: أن كل من خالف الحق وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدى من قوله: لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ.
طالب: شيخ قلنا: التابعي (...) فيه خلاف (...) قتادة..
الشيخ: إي نعم، ومجاهد، والله فيه خلاف بين أهل العلم ولم يتبين لي أن الصواب وجوب اتباعهم، وجوب اتباعهم فيه نظر.
وقوله: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءًإلى آخره.
يستفاد منه: أن هؤلاء في اتباع آبائهم مثل البهائم التي تستجيب للناعق وهي ما تسمع إلا صوتًا دعاء ونداء، ما تفهم شيئًا تعقله وتفهمه وتعرف فائدته ومضرة مخالفته.
ومن فوائدها أيضًا على التفسير الآخر: أن هؤلاء -والعياذ بالله- قد طبع الله على قلوبهم فلا يسمعون ما يدعون إليه من الحق صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ.
ومنها على التفسير الثالث: أن هذه الأصنام لا يمكن أن تستجيب لهم، لكن هذا القول، كما تعلمون، وإن كان اختاره ابن جرير، لكنه ضعيف؛ لأن الأصنام لا تسمع، فلا ينطبق التشبيه عليها وهو يقول: بما لا يسمع إلا دعاء ونداء.
ثم قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: ١٧٢].
أولًا: تصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادَى، وكل من دعي إلى شيء بأداة تقتضي الانتباه فهو دليل على أهمية هذا المدعو إليه. وأيضًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواالنداء بوصف الإيمان له فوائد:
منها: أن المأمور به من مقتضيات الإيمان.
ومنها: أن مخالفته نقص في الإيمان واضح؟
ومن فوائده أيضًا: التصدير بالإيمان يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواالإغراء، إغراؤهم بأن يمتثلوا؛ لأن الإنسان إذا ذُكر بوصف يقتضي الامتثال فإنه يغريه مثل أن أقول: يا أيها الكريم، قد نزلت بك ضيفًا؛ معناه أني أغريه بهذا اللفظ، وأيش أغريه؟
الطلبة: على أن يكرمني.
الشيخ: على أن يكرمني إي نعم.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}كُلُوافعل أمر، وهل هو للوجوب أو للإباحة أو للندب؟ قلنا: إنه صالح لها كما سبق في قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًايكون للوجوب إذا توقفت عليه الحياة، أو لا؟ إذا صار الإنسان إذا لم يأكل مات ولا تضرر؟ فهنا يكون الأمر للوجوب، يجب عليه أنه يأكل، ويكون للإباحة كما هو الأصل، ويكون للندب إذا ترتب عليه فائدة شرعية مثل: السحور للصائم، والفطور للصائم، وأكل الإنسان مع ضيفه تأنيسًا وما أشبه ذلك، فإن هذا يكون أيش؟ مستحبًّا، ويكون الإباحة فيما عدا ذلك، فقوله: كُلُوايعني معناه أنه أن هذا شيء مباح لكم.
فإذا قال قائل: إذا جعلتم الأمر هنا للوجوب والاستحباب والإباحة معناه أنكم استعملتم كلمة واحدة في عدة معانٍ وهو ما يُعبر عنه باستعمال المشترك في جميع معانيه. قلنا: نعم، نحن نرى ذلك أن استعمال المشترك في جميع معانيه إذا لم يكن بينها تضاد جائز وما المانع منه؟ إذا كان اللفظ صالحًا لها ولا تنافر بينها، فما المانع من أن نحمله على كل المعاني كما أننا نحمل العام بالاتفاق على جميع أفراده؟
كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْمِنْهذه هي للتبعيض ولا لبيان الجنس؟
الطلبة: لبيان الجنس.
الشيخ: الظاهر أنها لبيان الجنس حتى يأكل الإنسان مما شاء.
وقوله: مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْطَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ، الطيب الحلال، وقيل: المستلذ، مثل ما تقول: هذا طعام طيب، وهذا طعام خبيث؛ يعني ردي فهمتم؟
قيل: إن المراد بالطيب الحلال، وقيل: المراد بالطيب المستلذ والمستطاب، فعلى القول الأول يتبين من الآية أن الرزق يشمل الحلال وأيش بعد؟ والحرام، وأن من عاش على محرم فإنه يقال: إنه مرزوق، ولكن الرزق المأمور به هو الحلال، وهذا هو الأصح، ولهذا قال السفّاريني في عقيدته:
وعلل ذلك بأنه رازق كل الخلق، وليس مخلوق بغير رازق، ومعلوم أن من الخلق من رزقه حرام ولَّا لا؟ فلا يمكن أن تقول: هذا الإنسان الذي يعيش ويأكل ويشرب إنه غير مرزوق، إذن الطيبات يكون المراد: المستلذ والمستطاب، أو أنه الحلال من الحلال الذي رزقناكم، ويكون فيه دليل على أن الرزق يكون حلالًا ويكون حرامًا لكن المأمور به الحلال.
وقوله: مَا رَزَقْنَاكُمْأي: أعطينكم؛ فالرزق العطاء، ومنه قوله تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [النساء: ٨].
وَاشْكُرُوا لِلَّهِاشكروا، ما معنى الشكر؟ الشكر في اللغة: الثناء، وفي الشرع: القيام بطاعة المنعِم، هذا الشكر؛ القيام بطاعة المنعم، ومنها -أي من طاعة المنعِم- استعمال النعمة فيما خُلقت له، فإن هذا من شكر الله.
وقوله: وَاشْكُرُوا لِلَّهِكلمة اشكروا هذا الفعل يتعدَّى باللام، ويتعدى بنفسه فيقال: شكرته، وشكرت له، فإذا كانت اللام للتعدية فليس لها معنى.
وقوله: اشْكُرُوا لِلَّهِلما أمر بالأكل أمر بالشكر، وأكثر الناس امتثل الأمر الأول وترك الثاني، أكل من طيبات ما رُزق، لكن لم يشكر لقوله تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣].
قال: وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة: ١٧٢] إِنْ كُنْتُمْهذه (إن) شرطية و(كان) فعل الشرط و(التاء) اسم كان، و(إيا) خبر كان منصوب بها.
الطلبة: لا ليس خبر كان.
الشيخ: ليس خبر كان؟ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُما هي (إيا) ضمير منفصل من ضمائر النصب و(التاء) اسم كان تبقى هذه خبر كان يجوز ولَّا ما يجوز؟
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز قطعًا، إذا قلنا: إن كنتم إياه معناها كأنكم أنتم الله، وهذا معلوم فاسد المعنى، إذن إِيَّاهُمفعول لـتَعْبُدُونَمقدم أو لا؟ مثل: (إياك نعبد) مفعول مقدم، وتَعْبُدُونَجملتها خبر كان، وأين جواب الشرط؟
قيل: إنه لا يحتاج في مثل هذا التركيب إلى جواب، وهو الصحيح، وقيل: إن جوابه محذوف يفسره ما قبله، والتقدير: إن كنتم إياه تعبدون فاشكروا له.
وقوله: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَيعني إن كنتم مخلصين له في العبادة، والعبادة هي التذلل لله عز وجل بالطاعة، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه مأخوذة من قولهم: طريق معبد أيش معنى معبد؟
الطلبة: مذلل.
الشيخ: مذلل للسالكين، وهو إلى الآن معروف عندنا الطريق هذا معبد ولَّا لا؟ إلى الآن موجود بهذا المعنى؛ يعني إن كنتم تتذللون له حقًّا فكلوا من رزقه واشكروا له، ولا تكونوا كالذين لا يشكرون أو كالذين يحرمون بعض الرزق، مثل في الجاهلية يحرمون أشياء يقول: هذه حرام؛ فالذي يحرم بعض الأطعمة أو بعض الأشربة بدون دليل يكون مشابهًا لأهل الجاهلية الذين حرَّموا أشياء بدون دليل؛ مثل البحِيرة والسائبة والوصيلة والحام وما في بطون الأنعام قالوا: خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وإن ظهر ميت فهم فيه شركاء، وإن يك ميتة فهم فيه شركاء، هذا من الجهل.
طالب: إن كان شكك يا شيخ؟
الشيخ: إن شُكّك فالأصل الأصل حِل، وبهذه المناسبة نُشر ها النشرة وزعت عند الناس عن رابطة العالم الإسلامي إن هذا الجبن جبن البقرة الضاحكة، هي ما هي تضحك، على كلامهم!
طالب: (...).
الشيخ: ما أدري، لا، الظاهر أنها مكتوب عليها الضاحكة.
طالب: الضاحكة.
الشيخ: كذلك (الكيري) أظن وبعض الصابون (الكامي) المهم عد كاتبين لهم بيان، قالوا: إن هذا حرام، وبما أن الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله- هو رئيس الرابطة في اجتماعاتها، اتصلت به وسألته قال: والله ما أدري، لكن هم كاتبين للرابطة نسألها عن هذا من أين جاءهم هذا الخبر وكاتبين كذلك لوزارة التجارة، وهم بانتظار الجواب، ولا يُستبعد أن هذا من بعض الشركات؛ لأن ترى بعض الشركات تروج إذا شافت أن هذا الشيء ناجح جعلت فيه عِلّة علشان تنفر الناس منه، يجوز أن هناك مثلًا شركات أخرى تزاحم شركة الأجبان هذه، وقالت: والله هذه لها شهرة عالمية وصار الناس يأخذون منها إذن بنحط بيها بلاء، والله أعلم، الآن ولا كثر السؤال عنه ها الأيام جدًّا كثر عنه السؤال، قلنا: والله إحنا ما عندنا علم وأنتم كلوا حتى يتبين التحريم، وإحنا الآن بعد بانتظار جواب الشيخ إن شاء الله تعالى ونشوف هذا، يمكن بعدين أنه يكتب بالصحف هذا الشيء.
طالب: يعني مثلًا ترك هذه الأشياء يعني أن يشك فيها الإنسان، تركها للتورع ما هو أفضل يا شيخ حتى يتبين له؟
الشيخ: يا أخي ما.
طالب: الحديث: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» .
الشيخ: إي، بس هي مشكلة الآن، ما هناك شبهة يعني على أصل، ما هناك شبهة على أصل، كذلك الاشتباه في مسألة الوارد من الخارج من المذكيات أيضًا صار فيه اشتباه وكلام كثير، هذا نعم حيث إن الأصل بالذبائح التحريم هذه قد نقول: إن الأحسن تركها، والحمد لله الشيء اللي ما فيها شبهة كثيرة سواه، لكن الأجبان وشبهه وأيش الأصل فيها؟
طالب: الحل.
الشيخ: الحل، وأن لو كانت من نصراني أو يهودي أو مجوسي أو اللي هي الأصل فيه الحل حتى يتبين التحريم.
طالب: قالوا فيه إن شركة (...) قبل خمس سنين أو سبع السنين أعلنت أنها تحط فيه لحم الخنزير أو شحم الخنزير، إن هي يقولون يعني؟
الشيخ: على كل حال يشاف ها الحين، وإحنا إن شاء الله في انتظار الجواب.
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ [البقرة: ١٧٢، ١٧٣] لأنه أمر بالأكل من الطيبات، واعلم قبل أن نتعدى الآية أن هذا الذي أُمرنا به -نحن المؤمنين والحمد لله- أُمر به الرسل كما قاله النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْوَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا» .
وبهذا المعنى، أو بهذا الحديث يتبين لنا معنى الشكر تمامًا؛ لأن الرسول عليه الصلاة السلام قارن بين الآيتين، وفي آية الرسل قال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًافدل على أن الشكر الذي أُمر به المؤمنون هو العمل الصالح.
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ(إنما) أداة حصر، والحصر أيش؟ إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، فالتحريم محصور في هذه الأشياء، ومعنى إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَيعني ما حرم عليكم إلا الميتة، ما حرم إلا الميتة.
حَرَّمَ عَلَيْكُمُالتحريم بمعنى المنع، ومعنى (حرم عليكم) أي: منعكم.
وقوله: حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَوأيش معنى حرمها علينا؟ حرمها علينا أن ننظر إليها؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، حرم علينا الأكل، ما الدليل على أن المراد تحريم الأكل؟ الدليل الآية التي قبلها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْثم قال: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُفكأنه قال: كلوا، ثم استثنى، فقال: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ.
الميتة وأيش هي الميتة؟
الميتة في اللغة: ما مات حتف أنفه؛ يعني بغير فعل منه، مات حتف أنفه يعني بغير فعل منه، أصيبت البهيمة بمرض فماتت، سقطت من عالٍ فماتت وما أشبه ذلك.
أما في الشرع: فالميتة ما مات بغير ذكاة شرعية، وهذا مما كان فيه الاصطلاح أعم من اللغة، وهو قليل كما سبق، الأكثر أن الاصطلاح أخص من اللغة، لكن أحيانًا يكون الاصطلاح أعم، فهنا الميتة شرعًا: ما مات بغير ذكاة شرعية فيشمل ما مات حتف أنفه يسمى ميتة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ما ذُكّي ولم يُظهر الدم يسمى ميتة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ما ذُكِّي ولم يسمَّ عليها اسم الله؟
الطلبة: ميتة.
الشيخ: ميتة، ما ذكَّاه غير يهودي ونصراني ومسلم؟
الطلبة: ميتة.
الشيخ: ميتة مع أنه مُذكّى، فإذن الميتة في الشرع: ما ذُكِّي بغير ذكاة شرعية.
وقوله: الْمَيْتَةَ(أل) هنا للعموم؛ يعني إذا صارت (أل) للعموم معناه أنك لو نزعتها ووضعت بدلها (كل) استقام الكلام، فهنا لو نزعت (أل) وجاءت (كل) يصح، إنما حرم عليكم كل ميتة، هل هذه الآية على عمومها؟ الجواب لا، ورد في الشرع ما يخصصها كما في حديث ابن عمر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ» . إذن يُستثنى من ذلك أيش؟ الجراد والحوت، الجراد معروف، والحوت كل سمك البحر صغاره وكباره على حد سواء فميتته حلال كذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ما هو الدليل على هذا الاستثناء من هذا العموم؟
الدليل قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [المائدة: ٩٦] قال ابن عباس رضي الله عنهما: صَيْدُ الْبَحْرِ مَا أُخِذَ حَيًّا وَطعَامُهُ مَا أُخِذَ مَيِّتًا . هذا من القرآن ومن السنة قبل قليل قرأناها عليكم؛ حديث ابن عمر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ» هذه واحدة. يستثنى من هذا ميتة الآدمي؟
الطلبة: لا (...) هناك فرق.
الشيخ: أو هذا في مسألة النجاسة؟ في مسألة النجاسة، أما طبعًا الحل، لا، ما يستثنى إلا الجراد والحوت.
هل يعم قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُجميع وجوه الانتفاع بحيث لا ينتفع منها بإهاب ولا عصب ولا شعر ولا غير ذلك؟
الطلبة: ظاهرها لا.
الشيخ: بس السياق يدل على أن المراد الأكل، ولهذا جاء في البخاري: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا» إنما حرم أكلها، ولهذا لو أنه انتُفع بها في غير الأكل فهو جائز، لكن الجلد خاصة إذا دُبغ صار طاهرًا على القول الراجح، يكون طاهرًا مثل جلد غير الميتة؛ يعني لو أن شاة ماتت وأخذنا جلدها ودبغناه جاز أن نستعمله في الماء الذي نشرب، وفي اللبن، وفي الدهن، وفي العسل، وفي غير ذلك؛ لأنه يكون طاهرًا، لحمها، شحمها، عصبها يجوز أن نجعله أوتارًا يعني حبالًا يمكن نجعله حبالًا، كذلك أيضًا شحمها أن نوقد به؛ نجعله وقودًا، فإذا قال قائل: ألم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام لما قيل له حين حدث فقال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» فكيف الجواب؟
الجواب: أن قوله عليه الصلاة والسلام: «هُوَ حَرَامٌ» يعني بيع هذه الأشياء؛ لأن الكلام وأيش هو فيه؟ في البيع: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ». ويؤيد ذلك قوله: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا» . وهذا ليس بأكل.
الْمَيْتَةَ وَالدَّمَيعني وحُرم عليكم الدم، والدم هنا يشمل كل دم حتى دم الآدمي؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: حتى دم الآدمي، حتى دم البعير أو لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: حتى دم البعير؟ نعم، بقي أن يقال الدم هنا مطلق، لكنه قُيّد بآية الأنعام بكونه مسفوحًا فقال: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام: ١٤٥] فالمراد الدم المسفوح الذي يخرج من البهيمة قبل خروج روحها، فأما ما كان بعد خروج الروح فليس بمحرم إذا كانت مذكاة طبعًا، فما كان في المذكاة بعد خروج روحها من الدماء فهو طاهر حلال ولو جرى على الأرض، وعلى هذا فالدم الذي يكون في القلب؟
طالب: حلال.
الشيخ: حلال؟ دم قطع دم تأخذ بيدك حلال؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: لأيش.
الطلبة: لأنه غير مسفوح.
الشيخ: لأنه غير مسفوح، وكذلك ما يبقى في العروق والأوعية.
الطالب: يعني بيِّن.
الشيخ: أي بيِّن، مِن؟ الفعل منها أيش؟
الطالب: الفعل منها من (أبان).
الشيخ: من أبان، وأبان بمعنى؟
الطالب: أظهر.
الشيخ: بمعنى أظهر، إذن مبين مظهِر؟
طالب: من (بان).
الشيخ: من (بان يَبين) فهو بيِّن، لكن هذه مبين.
الطالب: بين ومبين.
الشيخ: لا.
طالب: مِن (أبان) بس اللازمة ليس المتعدية.
الشيخ: صح، من (أبان) اللازمة؛ لأننا قلنا لكم: إن (أبان) تأتي لازمة ومتعدية، فيقال: أبان الشيء؛ أي أظهره، ويقال: أبان الصبح؛ بمعنى ظهر وبان.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اللهم يسِّر.
قوله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَإلى آخره.
يستفاد من هذه الآية: أن المتبوعين بالباطل لا ينفعون أتباعهم لقوله: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواولو كانوا ينفعونهم ما تبرؤوا منهم.
ومن فوائدها أيضًا: أن الأمر لا يقتصر على عدم النفع بل يقتصر على البراءة منهم، والتباعد عنهم إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواوهذا يكون أشد حسرة على الأتباع مما لو كان موقفهم سلبيًّا.
ومن فوائد الآية: ثبوت العقاب، ويتفرع عليه ثبوت البعث لقوله: وَرَأَوُا الْعَذَابَ.
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يجمع بين الأتباع والمتبوعين توبيخًا وتنديمًا لهم؛ لأن لا شك أن هذا أعظم الحسرة إذا صار متبوعه الذي كان يعظمه في الدنيا يتبرأ منه أشد، فيجمع الله بينهم ويتبرأ بعضهم من بعض.
ومن فوائد الآية: أن جميع الأسباب الباطلة تتقطع يوم القيامة وتزول، كل الأسباب الباطلة التي لا تُرضي الله ورسوله لا تنفع صاحبها يوم القيامة.
ذكرنا أن هذه الآية يراد بها المتبوعون بأيش؟
الطلبة: بالباطل.
الشيخ: بالباطل، بخلاف المتبوعين بالحق، فالرسل لا يتبرؤون من أتباعهم، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧].
ومن فوائد الآية اللي بعدها: وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا [البقرة: ١٦٧].
من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء الأتباع يتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا ليتبرؤوا منهم كما تبرأ هؤلاء منهم في الآخرة، وهو ممكن ولَّا غير ممكن؟
طالب: غير ممكن.
الشيخ: غير ممكن، وما يزيدهم هذا إلا حسرة، ولهذا قال الله تعالى: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ.
ومن فوائدها أيضًا: تحسُّر هؤلاء وأمثالهم الذين فاتهم في هذه الدنيا العمل الصالح، فإنهم يتحسرون في الآخرة تحسرًا لا نظير له، ولا يدور في خيالهم اليوم، ولا في خيال غيرهم؛ لأنه ندم لا يمكن الاستعتاب منه، في الدنيا قد تحسر على ما فاتك لكن تسعى في جبر هذا الشيء، لكن هناك ما فيها.
ومنها: إثبات نكال الله بهم لقوله: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ.
ومنها: خلودهم في النار لقوله: وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ.
ومنها: إثبات النار، وأنها حق لقوله: مِنَ النَّارِوهو كذلك، وهي موجودة الآن ولَّا لا؟
طالب: موجودة.
الشيخ: نعم، هي موجودة الآن.
ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة: ١٦٨].
طالب: يا شيخ، ذكر في بعض النصوص أن النار في الأرض؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: شو الجمع بين إثبات هذا وأنها موجودة؟
الشيخ: نقول: الله أعلم، الأرض ما أحطنا بها، يمكن تكون بمكان غير معلوم لنا؛ يعني في جهة سفلى لكنها ما هي في الأرض نفسها، الله أعلم.
ومن فوائد هذه الآية: إظهار منة الله على عباده حيث أباح لهم جميع ما في الأرض، يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا.
ومن فوائد الآية أيضًا: أن الأصل فيما في الأرض الحِل والطيب حتى يتبين أنه حرام، وهل يؤخذ من هذه الآية أن الكفار مخاطبون بالفروع، بفروع الشريعة أو لا يؤخذ؟
الطلبة: يؤخذ.
الشيخ: يؤخذ؟
الطلبة: يؤخذ.
الشيخ: ما وجه ذلك؟
الطلبة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ.
الشيخ: من قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، وهم داخلون في هذا الخطاب، فيكونون مخاطبين بفروع الشريعة، وهذا هو الصحيح، الصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ولكن ليس معنى خطابهم بذلك أنهم يلزمون بها حال الكفر، لا؛ لأننا ندعوهم أولًا إلى أي شيء؟ إلى الإسلام ثم نلزمهم بأحكامه، وليس معنى كونهم مخاطبين بها أنهم يؤمرون بقضائها؛ الدليل على الأول:
قوله تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ [التوبة: ٥٤] فكيف نلزمهم بأمر لا ينفعهم؟ هذا عبث وظلم!
وأما الثاني: أن معنى كونهم مخاطبين أننا لا نلزمهم بالقضاء: الدليل عليه قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨].
ولهذا ما أمر النبي عليه الصلاة والسلام أحدًا ممن أسلم أن يؤدي زكاته الماضية، أو أن يصوم شهر رمضان، أو أن يقضي الصلوات، إذن ما الفائدة؟
قال أهل العلم: الفائدة من قولنا: إنهم مخاطبون بها: زيادة عقوبتهم في الآخرة، وهذا يدل عليه قوله تعالى: إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر: ٣٩ - ٤٧].
إذن هذه الآية ربما يستدل بها على أن الكفار مخاطبون بالفروع كما أنهم مخاطبون بالأصول بالإجماع.
طالب: كل الآية يا شيخ؟
الشيخ: إي، كل (...) كل الآية، الآية فيها أمر ونهي.
الطالب: تعقيب.
طالب: بالنسبة للمسلم اللي يتهاون بالزكاة يؤمر بقضائها ولَّا لا؟
الشيخ: فيه خلاف بين أهل العلم؛ منهم من قال يؤمر؛ لأنه ما لها وقت، ابتداء الوقت محدد وانتهاؤه غير محدد، وهذا هو الصحيح.
الطالب: يعني يؤمر.
الشيخ: أنه يؤمر بخلاف المحدد وقته ابتداءً وانتهاءً فلا يؤمر به، على القول الراجح.
طالب: بس فيه تعقيب على ذكر (...) في الآيات (...) يقول: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَهنا لما ذكر عموم الناس ذكر أيضًا.
الشيخ: ما وصلنا لهذا.
ومن فوائد الآية: تحريم اتباع خطوات الشيطان لقوله: وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِكذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: وهل من ذلك تحريم الأكل بالشمال والشرب بالشمال؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبُ بِشِمَالِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» .
ومن ذلك أيضًا: معصية الله عز وجل، فإن معصية الله والاستكبار عن أمره من خطوات الشيطان. أو لا؟
ومنها من اتباع خطوات الشيطان: القياس الفاسد.
طالب: (...).
الشيخ: وأيش وجهه؟
الطالب: أول من قاس إبليس.
الشيخ: يقولون: أول من قاس قياسًا فاسدًا إبليس؛ لأن الله لما أمره أن يسجد لآدم عارض هذا الأمر بقياس فاسد، قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: ١٢]؛ يعني فكان الأولى أنه هو اللي يسجد لي، فهذا قياس في مقابلة النص، فاسد الاعتبار.
ومن اتباع خطوات الشيطان أيضًا: الحسد؛ فإن الحسد من خطوات الشيطان؛ لأن الشيطان إنما قال ذلك حسدًا لآدم، فالحسد من اتباع خطوات الشيطان، وهو أيضًا من دأب اليهود، وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [البقرة: ١٠٩]، وكل خلق ذميم أو عمل سوء فإنه من خطوات الشيطان.
ومن فوائد الآية: تأكيد عداوة الشيطان لبني آدم، من أين نأخذها؟ إِنَّهُالجملة مؤكدة بـ (إن) إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
ومن فوائدها: ظهور بلاغة القرآن، وذلك بقرن الحكم بعلته، فإن قرن الحكم لعلته له فوائد منها: الطمأنينة، والحث، والترغيب أو الترهيب. المهم لها فوائد ذكرناها فيما سبق، ذكرنا فيما سبق ثلاث فوائد، ولعلكم تستحضرونها، قرن الحكم بعلته له ثلاث فوائد، من يبينها؟
طالب: التأكيد.
الشيخ: التأكيد؟
طالب: نعم، أو شدة يعني (...).
الشيخ: لا، لعل وهمك راح لشيء آخر.
طالب: أولًا: اطمئنان المخاطب.
ثانيًا: كمال الشريعة الإسلامية.
الشيخ: وهو كمال الشريعة الإسلامية.
الطالب: نعم، ثالثًا: القياس على هذه العموم، عموم الحكم.
الشيخ: عموم الحكم بعموم العلة قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام: ١٤٥]. كلمة فَإِنَّهُ رِجْسٌتعليل، يستفاد منها الفوائد الثلاثة:
أولًا: طمأنينة المخاطب إلى تحريم هذا الشيء، وأنه حُرم لنجاسته وخبثه.
وثانيًا: ظهور سمو الشريعة، وحكمها وأسرارها، وأنها ما تثبت حكمًا إلا لعلة.
وثالثًا: عموم الحكم بعموم العلة؛ يعني القياس، فكل ما كان نجسًا وإن لم يكن من هؤلاء الثلاثة فهو محرم.
ومن فوائد الآية: الحذر أو التحذير الشديد من خطوات الشيطان؛ لقوله: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌوما أظن أحدًا يؤمن بعداوة أحد ويتبعه أبدًا، أو لا؟ كل عاقل يؤمن بالعداوة من أي نفس لا يمكن أن يتبع ذلك، ففيه التحذير من اتباع خطوات الشيطان، فإذا قيل: ما هي خطوات الشيطان؟
نقول: كل المعاصي خطوات الشيطان، كل المعاصي فإنها خطوات الشيطان.
تفسير الآيات (169 - 171)
00:17:13
{إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ} [البقرة: ١٦٩] (إنما) أداة حصر، والحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، هذا الحصر، وقد مر علينا أظن في البلاغة، أو لا؟ فإذا قلت: إنما القائم زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عمن سواه؛ يعني ما يأمركم إلا بذلك، إلا بالسوء إلى آخره.
وقوله: إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْأي الشيطان، والخطاب لمن؟ للناس جميعًا؛ لأن الآيات كلها سياقها للناس.
بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِالسوء: كل ما يسوء من المعاصي الصغيرة؛ فإنها سيئات، هذا السوء.
الفحشاء: المعاصي الكبيرة، فالزنا من الفحشاء، أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: وكذلك نكاح الإنسان ما نكح أبوه من النساء من الفحشاء؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: من الفحشاء، وكذلك البخل بالزكاة من الفحشاء، الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ [البقرة: ٢٦٨]. المهم أن السوء: المعاصي الصغار، والفحشاء: المعاصي الكبار، فهو يأمر بهذا وبهذا، مع أن المعاصي الصغار تقع مُكفَّرة بالأعمال الصالحة، لكنه يأمر بها؛ لأنه إذا فعلها الإنسان مرة بعد أخرى فإنه يفسق ويقسو قلبه، ثم لا ندري أيضًا هذه الصلاة ما كل صلاة تُكَفِّر، بعض الصلوات عسى أن تبرئ الذمة فضلًا عن أن تكون مُكفّرة، والصلوات المكفرة هي التي أكملها الإنسان بقدر استطاعته.
وقوله: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَوَأَنْ تَقُولُوا(أن تقول) معطوفة على السُّوء؛ يعني وبقولكم، و(أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور عطفًا على قوله: بِالسُّوءِيعني وقولكم.
وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِتقولوا عليه أي: تنسبوا إليه القول. مَا لَا تَعْلَمُونَ(ما) مفعول (تقولون).
وقوله: مَا لَا تَعْلَمُونَيشمل كل ما قيل على الله من أوصاف، وأفعال، وأحكام، وأسماء، كل ما قيل على الله من هذه الأربعة فهو داخل في هذه الآية، فمن أثبت لله اسمًا لا يعلم أنه اسم له فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن أثبت لله صفة لم يعلم أن الله وصف نفسه بها فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن نسب إلى الله فعلًا لم يفعله فقد قال على الله ما لا يعلم، ومن نسب إلى الله حُكمًا لم يشرعه، فقال: هذا حلال وهذا حرام، والله لم يشرعه بهذا، فقد قال على الله ما لا يعلم، إذن فهو شامل لأيش؟
للأسماء، والصفات، والأفعال، والأحكام، كل من قال على الله ما لا يعلم فإنه داخل في هذه الآية، وفعله من أوامر الشيطان وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وعطْف أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَعلى السُّوءِ وَالْفَحْشَاءِمن باب عطف الخاص على العام، فإنه داخل إما في السوء أو الفحشاء، وهو أيضًا إلى الفحشاء أقرب.
وقوله: أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَقلنا: الآيات يشمل هذه الأنواع الأربعة، والقول على الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قاله، فهذا ما حكمه؟
طالب: جائز.
الشيخ: هذا واجب أو جائز؟
طالب: واجب.
الشيخ: المهم أنه جائز ويصل إلى حد الوجوب إذا دعت الحاجة إليه.
الثاني: أن يقول على الله ما يعلم أن الله قال بخلافه، فهذا حرام، أشد الأنواع.
الثالث: أن يقول على الله ما لا يعلم أن الله قاله، هذا حرام أيضًا، فصار القول على الله حرامًا في حالين، ما هما؟
أن يقول ما لا يعلم، أو أن يقول ما يعلم أن الله قال بخلافه، وهذه الجملة لها فروع كثيرة إن شاء الله نذكرها في المستقبل.
(...) وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، كل هذا يدخل فيه (...) يأمر الشيطان أولياءه بذلك.
إذا قال قائل: أنا لا أسمع أن الشيطان يأمرني، فكيف أستدل أو أعرف أنه أمر؟
طالب: (...) الوسوسة هو يوسوس في أذن الناس، وكذلك أنهم يعملون السوء والفحشاء، فكل أمر فيه معصية لله ورسوله فهو من أمر الشيطان.
الشيخ: يعني معناه أن الإنسان إذا فعل معصية أو قال على الله ما لا يعلم علم أن الشيطان أمره بذلك، وما الواحد ما يسمع الشيطان يقول: افعل كذا، افعل كذا، قل كذا، لكن هو إذا فعل أو قال هذه الأشياء التي ذكر الله عز وجل عُلم أن الشيطان أمره به.
قوله تعالى: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَأظن أننا كنا نتكلم عليها؟
قوله: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَيشمل القول على الله في ذاته، فالقائلين بأنه سبحانه وتعالى ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا فوق العالم ولا تحته، هؤلاء قالوا على الله بلا علم، بل بما يُعلم أن الأمر خلافه، كذلك يشمل القول على الله بأسمائه وصفاته، مثل من يقول: إن أسماء الله سبحانه وتعالى لا تدل على صفات، فهو سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، وعليم بلا علم، فهو عليم بذاته لا بعلمه ووصفه، وهؤلاء المعتزلة والجهمية ما يثبتون صفة، يثبتون أسماء ما تدل على معانيها.
ويشمل أيضًا من أثبت بعض الصفات دون بعض، مثل الأشاعرة قالوا: أراد بكذا بما نفوه، أراد به كذا ولم يُرد كذا، فقالوا على الله بلا علم من وجهين؛ الوجه الأول: أنهم نفوا ما أراد الله بلا علم، والثاني: أنهم أثبتوا ما لم يعلموا أن الله أراده، فقالوا مثلًا: استوى إنه بمعنى استولى، اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] يعني استولى عليه، قالوا على الله بلا علم من وجهين؛ الوجه الأول: نفيهم حقيقة الاستواء بلا علم، والثاني: إثباتهم أن معناها الاستيلاء بلا علم، فقالوا على الله بلا علم من وجهين.
كذلك القائلون على الله بلا علم بأفعاله، أفعاله مثل أن يثبتوا أسبابًا لم يجعلها الله أسبابًا كمثل المنجمين والخرَّاصين وشبههم، هؤلاء قالوا على الله بلا علم في أفعاله، ومخلوقاته، فيقولون: سبب وجود هذا كذا وكذا وهو لا يُعلم أنه سبب له لا كونًا ولا شرعًا، فيقولون على الله بلا علم، مثل: الدُّبلة يقولون: إنها سبب لمحبة الزوج لزوجته، هؤلاء قالوا على الله بلا علم؛ لأننا لا نعلم أن ذلك سبب لا شرعًا ولا حسًّا ولا قدرًا.
كذلك القائلين على الله بلا علم بأحكامه، وهم كثيرون جدًّا، منهم العامة، ومنهم أدعياء العلم الذين يقولون: نحن علماء، أو يتصورون أنفسهم علماء وليس عندهم علم، هؤلاء أيضًا يقولون على الله بلا علم، ومن الأشياء التي مرت عليّ قريبًا وهي غريبة: أن رجلًا ذهب إلى إمام مسجد ليكتب له الطلاق، فقال له: طلق امرأتك مرتين أنا ما أكتب طلقة واحدة؛ لأن الله يقول: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ [البقرة: ٢٢٩].
يقول: أنا ما أدري هو إمام؛ إمام مسجد، فحسبت أن الأمر كما يقول، فقلت: نعم، اكتب: إني طلقت امرأتي طلقتين، مع أن هذا هذا حرام، ما يجوز للإنسان أن يطلق طلقتين، تلاعب بكتاب الله عز وجل، ومعنى الآية واضح؛ يعني الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان؛ لأنه قال بعد ذلك: فَإِنْ طَلَّقَهَا-الثالثة- فَلَا تَحِلُّ لَهُ [البقرة: ٢٣٠]، لكن هذا من الجهل العظيم، هذا جهل مركب.
| قَـالَ حِـمَـارُ الْـحَـكِــيــمِ يَــوْمًا | لَوْ أَنْصَفَ الدَّهْرُ كُنْتُ أَرْكَبْ |
| لِأَنَّــــــنِــــي جَــــــاهِـــــلٌ بَــــسِيــــطٌ | وَصَــــاحِـــبِـــي جَــــاهِـــلٌ مُــــرَكَّــــبْ |
صادق الحمار هذا؟!
على كل حال إن هذا -والعياذ بالله- من القول على الله بلا علم، فالقول على الله بلا علم في ذاته، أو أسمائه وصفاته، أو أفعاله، أو أحكامه، كل ذلك من أوامر الشيطان، والغالب أنه لا يحمل على ذلك إلا محبة الشرف والسيادة والجاه، وإلا لو كان عند الإنسان تقوى لالتزم الأدب مع الله عز وجل، ولم يتقدم بين يديه ويدي رسوله، وصار لا يقول على الله إلا ما يعلم أن الله قاله إما في كتابه أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم التي هي بأمره، فالحاصل أن هذا من القول على الله ما لا يعلم.
ما رأيكم فيمن قال على الله ما يعلم أن قول الله خلافه؟
الطلبة: هذا أشد.
الشيخ: هذا أشد؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، يقول على الله ما يعلم أن الله قال بخلافه، وهذا أشد، فالمراتب إذن ثلاث، المراتب في القول على الله ثلاث: أن يقول ما يعلم أن الله قاله، وأن يقول ما يعلم أن الله لم يقله هاتان مرتبتان، والثالثة: أن يقول ما لا يعلم أن الله قاله فهمتم؟
بينهم فرق الثاني والثالثة؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، بينهم فرق، الثالثة: يعلم أن الله قال بخلافه، الثانية، والثالثة: لا يعلم أن الله قاله، فقال على الله ما لم يعلم، وهو محرم، فإذا قال قائل: ألستم تبيحون الفتوى بالظن أو بغلبة الظن؟ فما هو الجواب؟
طلبة: نعم.
طلبة: بلى.
الشيخ: بلى، الجواب: بلى، لا نعم، فما الجواب عن الآية: أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ؟
الجواب على الآية أننا في الحقيقة إذا أفتينا بالظن فقد قلنا على الله ما نعلم؛ لأن الله سبحانه وتعالى أباح لنا أن نفتي بذلك في قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]. وفي قوله: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦].
ومعلوم أن غلبة الظن خير من التوقف، وكثير من مسائل الفقه التي يتكلم بها العلماء ويحكمون بها، كثير منها ما أقول كلها أو أكثرها، لا كثير منها يكون مبنيًّا على غلبة الظن والرجحان، وليس أمرًا قطعيًّا لا في الدلالة ولا في المدلول الذي يستدل به، لا في الدلالة ولا في الدليل.
طالب: شيخ، هل أي فتوى هي قول على الله؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني مثل اللي قال لواحد: هذا حرام وهذا حلال واضح إنه قول على الله، لكن لو يسأل مثلًا واحد في أمر مشتبه وفيه خلاف والأمر بسيط يقول له: افعل كذا بس، يعني يقول: له افعل كذا، ما قال هذا حرام ولا حلال، هل هذا قول على الله؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه سأله عن دين يدين الله به، والله تعالى لا يُدان له إلا بما شرع.
الطالب: بس هذه أقرب المعنى المشهورة يعني يقول له: افعل كذا؟
الشيخ: لا لا، المشهورة -بارك الله فيك- في غير المسائل الدينية، اللي مشهورة محضة مبنية على الرأي هذه غير المسائل الدينية، أما المسائل الدينية فأنا ما أمرته إلا بناء على أن الشرع هو هكذا، فهذا هو القول على الله.
ثم قال الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [البقرة: ١٧٠].
إِذَا قِيلَ لَهُمُ(قيل) هذه مبنية للمجهول، وأصلها؟
طالب: (قال).
الشيخ: لا، أصلها؟
طالب: (قَوَلَ).
طالب: (قَوَلَ)، أو (قُول).
الشيخ: (قَوَلَ)، قَوَلَ أصل (قال).
طالب: (قُوِلَ).
الشيخ: (قُوِلَ) أو لا؟ مثل: ضُرِبَ، هذا أصلها، لكن صار فيها إعلال، وهي أن الواو مكسورة فقلبت ياء، ثم كسر ما قبلها للمناسبة فقيل: قيل. وَإِذَا قِيلَ لَهُمُأي: لمن؟
طالب: الذين قالوا على الله.
الشيخ: لا.
طالب: للكفار.
الشيخ: للكفار إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُاتبعوا: يعني خذوا به فعلًا للمأمور وتركًا للمحظور.
وقوله: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ(ما) اسم موصول يفيد العموم، والله تعالى أنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم الكتاب والحكمة، وقد قال كثير من أهل العلم: إن المراد بالحكمة السنة.
مَا أَنْزَلَ اللَّهُفي مَا أَنْزَلَ اللَّهُقلنا: إنها اسم موصول، واسم الموصول يحتاج إلى صلة وعائد، الصلة هي قوله: أَنْزَلَ اللَّهُأين العائد؟
طالب: محذوف.
الشيخ: العائد محذوف، تقديره: ما أنزله الله، إذا قيل لهم هذا القول لا يلينون ولا يقبلون بل يُكابرون. قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ(بل) هذه للإضراب الإبطالي؛ يعني قالوا مبطلين لهذا القول الذي قيل لهم: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا(ما) أي الذي فهو اسم موصول، (ألفينا) وجدنا، كما قال تعالى في آية أخرى: قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا [لقمان: ٢١].
والقرآن يفسر بعضه بعضًا، وقد ذكرنا فيما سبق في قواعد التفسير أننا نرجع في تفسير القرآن إلى القرآن، ثم السنة، ثم أقوال الصحابة، ثم بعد ذلك قول كبار التابعين المعتنين بالتفسير كمجاهد وقتادة ونحوهما على خلاف في هذا في المسألة الثانية في مسألة التابعين.
وقوله: مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَاأي ما وجدناهم عليه من الهدى ولَّا من الضلال؟
الطلبة: من الضلال.
الطلبة: من العمل.
الشيخ: من العمل حقًّا كان أو باطلًا.
وقوله: مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَاآبَاءَنَاالمراد بهم آباء الصلب والأجداد أيضًا حتى ما توارثوه عن أجدادهم داخل في ذلك، هذا هو الجواب، وهو جواب غير سديد، بل هو جواب باطل خطأ، ولهذا أبطله الله عز وجل في قوله: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ. أَوَلَوْ كَانَنشوف مصطفى يعرب لنا أَوَلَوْ كَانَ؟
الطالب: الهمزة للاستفهام، كلها أو.
الشيخ: (أوَ) كلها للاستفهام؟
الطالب: إي.
الشيخ: نعم، و(لَوْ)؟
طالب: (لو) أداة امتناع.
الشيخ: أداة امتناع؟
الطالب: إي.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: أداة امتناع لوجود.
الشيخ: لوجود؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما تقولون في الإعراب؟ الهمزة؟
طالب: الهمزة للاستفهام.
الشيخ: أوْ (أوَ)؟
الطالب: لا الهمزة فقط.
الشيخ: فقط؟
الطالب: إي، والواو للعطف، وقدم الاستفهام على العطف، ففيه مذهبان لعلماء النحو إما أن يجعل التجوز في الفعل.
الشيخ: ما فيه التجوز إما أن يجعل.
الطالب: إي؟
الشيخ: ما فيه التجوز.
الطالب: يعني إما أن نقدر فعلًا مثلًا: إما أن نقدر فعلًا فنقول: إما أن يكون على المذهب الأول إما أن تكون الاستفهام قدم على أصلها (وأولو كان) فقدم الاستفهام على العطف هذا.
الشيخ: هذا رأي.
الطالب: هذا رأي، ورأي ثاني: أن نقدر فعل مناسب بعد الهمزة.
الشيخ: وتكون الواو حرف عطف على هذا الفعل، على ذلك فعل المقدر، كيف نقدره هنا على هذا الرأي؟
طالب: فيتْبَعون.
الشيخ: أيتَّبِعون؟
الطالب: أيتَّبِعون ولو كان آباؤهم.
الشيخ: ولو كان آباؤهم، طيب ولو؟
الطالب: ولو هنا شرطية.
الشيخ: زين، أين فعل الشرط؟
الطالب: فعل الشرط محذوف.
الشيخ: وأيش التقدير؟
الطالب: التقدير فاتبعونه أو كما هداهم.
طالب: فعل الشرط كان.
الشيخ: فعل الشرط كان، صح.
طالب: وجواب الشرط محذوف.
الشيخ: وجواب الشرط محذوف على أنه مشهور.
الطالب: أو ما يحتاج.
الشيخ: أو لا يحتاج على القول الثاني.
يقول عز وجل: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْفي هذه الحال التي لا يستحقون أن يتبعوا لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًالا يعقلونه المراد بالعقل هنا: عقل التصرف، لا عقل الإدراك؛ لأننا ذكرنا فيما سبق أن العقل عقلان: عقل تصرف، وعقل إدراك، فعقل الإدراك هو مناط التكليف الذي يتكلم عليه الفقهاء ويقولون: من شرط وجوب كذا وكذا أن يكون عاقلًا، أما عقل التصرف فهو محل المدح والثناء؛ بمعنى أن يكون لدى الإنسان عقل يمنعه عما يضره، فهنا أيّ العقلين يراد؟
الطلبة: التصرف.
الشيخ: عقل التصرف، فآباؤهم أذكياء، وآباؤهم يدركون ما ينفعهم ويضرهم، لكن ليس عندهم حسن تصرف.
وقوله: لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًاأي لا يتصرفون (...) عاقل بحيث يُدركون ما ينفعهم ويضرهم فيتبعون ما ينفعهم ويدعون ما يضرهم.
وقوله: شَيْئًانكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي للعموم، فإذا قال قائل: إذا كانت للعموم فمعنى ذلك أنهم لا يعقلون شيئًا حتى من أمور الدنيا مع أنهم في أمور الدنيا يحسنون التصرف، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: فهم يبيعون ويشترون ويتحرون الأفضل والأحسن لهم، فيقال: هذا ليس بشيء بالنسبة إلى ما يتعلق في أمور الآخرة، ليس بشيء بالنسبة لما يتعلق بأمور الآخرة، أو يقال: إن المراد بهذا العموم الخصوص؛ لأن المقام هنا مقام منهاج، منهاج وعمل ليس مقام دنيا وبيع وشراء اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُفيكون المراد هنا المراد بكلمة شَيْئًااللي هي عامة وأيش المراد؟
الطلبة: أمور الآخرة..
الشيخ: شيئًا من أمور الآخرة، وكلا الأمرين يرجعان إلى معنى واحد، أو كلا الاحتمالين يرجعان إلى معنى واحد، لكن هل نقول: الفرق، هل نقول: إن شَيْئًاأريد بها العموم أصلًا، لكن خرجت منها أمور الدنيا؛ لأنها تافهة ليست بشيء، أو نقول: إن أمور الدنيا لم ترد بها أصلًا؛ لأن المقام هنا في مقام عمل ومقام آخرة.
وقوله: وَلَا يَهْتَدُونَلا يعقلون ولا يهتدون، إذا قيل: إذا فسرتم العقل بأنه عقل الرشد فهو الاهتداء، فكيف يجمع بينهما؟ قلنا: الجمع بينهما أن العقل بالنسبة للتصور وحسن الإرادة والاهتداء بالنسبة للعمل والسلوك؛ يعني هم لا يهتدون فيعملون عملًا يكون هداية وليسوا أيضًا يعقلون فيدركون إدراكًا يتصرفون فيه تصرفًا نافعًا لهم، هؤلاء الذين بهذا الوصف لا يعقلون ولا يهتدون هل يستحقون أن يُتبعوا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، ولهذا جاءت همزة الإنكار في قوله: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ. وسنتكلم إن شاء الله على فوائد هذه الآية بما يدل على أن كثيرًا من أهل الضلال الذين يتعصبون لأئمتهم داخلون في هذه الآية إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ.
يقولون: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَاحتى ولو كان آباؤهم في هذا الوصف الذي لا يعقلون فيه ولا يهتدون فهم يتبعونهم، ولا يقولون: هو نافع ولَّا ضار يتبعونه في كل حال، فما هو أقرب شبه لهؤلاء؟ أقرب شبه الآية التي بعدها: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً [البقرة: ١٧١] يعني كمثل الراعي، الراعي الذي ينعق ينادي بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، ما هو الذي لا يسمع إلا دعاء ونداء ولا يفهم؟
الطلبة: البهائم.
الشيخ: البهائم، الماشية، فهؤلاء مثلهم كمثل إنسان يدعو بهائم ما تفهم إلا الصوت. دُعَاءً وَنِدَاءًالدعاء: إذا كان يدعو شيئًا معينًا باسمه، والنداء العام تكون للعام؛ لأن البهائم الآن، فيه بهائم يسميها الإنسان باسمها بحيث إذا ناداها بهذا الاسم أقبلت إليه، توافقون على هذا؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: نعم، إذا ناداها بهذا الاسم أقبلت إليه، وفيها النداء العام لجميع البهائم، هذا ما يختص به واحد دون الآخر، وأظن ما يحتاج إلى التمثيل به؛ لأنه معلوم لديكم، فراعي الإبل مثلًا يدوهي لها والدوهات نداء ولَّا دعاء؟
الطلبة: نداء.
الشيخ: نداء لأنه عام، ولهذا تُقبل إليه الإبل جميعًا، لكن إذا كان مثلًا إذا كان له ناقة مسميها باسم خاص، وقال لها: يا فلانة. تأتي إليه من بين سائر الإبل، وهذا شيء معروف، لكن مع ذلك هل تأتي على أساس أنها تعقل وتفهم وتهتدي ربما يناديها لأجل أن يذبحها تشوف السكين معه ويناديها وتجي، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: هؤلاء مثلهم، الكفار مثلهم في كونهم يتبعون آباءهم بدون أن يفهموا هذا المعنى الذي هذه الحال التي عليها آباؤهم.
كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءًوما أكثر المشابهين للكافرين في ذلك! ما أكثر الذي يتبعون الداعي والمنادي وهم كالبهائم لا يعقلون ولا يفكرون، فالدعوة إلى العصبية والقومية وما أشبه ذلك من هذا النوع ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: من هذا النوع، لا يفكر الدعاة لها ماذا يترتب عليها من تفريق المسلمين وتمزيق كلمتهم وكونهم يجعلون الرابطة هي أيش؟
طالب: اللغة (...).
الشيخ: اللغة والقومية، لكن الرابطة الدينية التي قال الله فيها: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: ١٠] ولم يقل: إنما العرب إخوة، قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌهذه تدخل لك جميع المؤمنين ولو كانوا غير عرب أو لا؟ وتخرج من ليس بمؤمن ولو كان عربيًّا، هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال لأبيه وقومه: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]. وكذلك قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ [الممتحنة: ٤]، شوف لقومهم! إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الممتحنة: ٤] إلى آخر الآية، شوف هذا هو الحقيقة الرابطة، فكون الناس يعني انجرفوا في هذا الدعاء إلى هذه القومية هو داخل في مثل هذه الآية أنهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء.
طالب: لا يسمع (...) البهائم.
الشيخ: إي نعم، البهائم التي لا تسمع إلا بس مجرد الدعاء والنداء ولا تفهم ولا تعقل.
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَصُمٌّجمع (أصم)، والأصم: هو الذي لا يسمع. عُمْيٌجمع (أعمى)، والأعمى هو الذي لا يبصر.
بُكْمٌجمع (أبكم)، وهو الذي لا ينطق، وهنا من حيث اللغة العربية محل قوله: صُمٌّأيش؟
طالب: خبر.
الشيخ: خبر مبتدأ محذوف تقديره (هم صُمّ). فيه أيضًا إشكال عُمْيٌنحن قلنا: إن الضمة لا تظهر على الياء، فإذا قلت: جاء القاضي تقول: القاضي فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الياء منع من ظهورها الثقل، وهنا عُمْيٌضمتين بعد ما هي بضمة واحدة، فما هو الجواب على هذا الإشكال؟
طالب: من أعمى.
الشيخ: (...) نرى أنها ياء وظهرت عليها الضمة.
نقول: إن الياء اللي هي حرف علة ما يظهر عليها هي التي يُكسر ما قبلها، والواو التي يُضم ما قبلها، أما الياء الساكن ما قبلها أو الواو الساكن ما قبلها فإنها تظهر عليها الضمة، وتظهر عليها الكسرة فاهمين؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: الياء التي ما تظهر عليها الضمة ولا الكسرة هي التي كسر ما قبلها، والواو التي ما تظهر عليها الضمة والكسرة هي التي ضُم ما قبلها، أما ما كان الذي قبله ساكنًا فهو تظهر عليه الضمة والكسرة، تقول: اشتريت دلوًا، وهذا دلوٌ، ظهرت الضمة على الواو؟
طالب: نعم.
الشيخ: لأن اللي قبله ساكن، ونظرت إلى دلوٍ، ظهر عليها الكسرة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: وكذلك غزوٌ، وغزوٍ، وهنا (عُميٌ)، ونظرت إلى (عُميٍ)، وكذلك ظبيٌ، ونظرت إلى ظبيٍ، إذن زال الإشكال.
وقوله: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌصم عن أيش؟
الطلبة: عن سماع الحق.
الشيخ: عن سماع الحق، وإن كانوا يسمعون غيره، لكن سماع غيره لا فائدة منه فهو كالعدم، ولهذا قال: صُمٌّ. بُكْمٌيعني لا ينطقون، صحيح ما ينطقون؟
الطلبة: لا ينطقون.
الشيخ: لا ينطقون، وربما يكونون فصحاء، لكن لا ينطقون بالحق والعياذ بالله، ونطقهم بغير الحق كالعدم لعدم نفعه. كذلك عُمْيٌلا يبصرون، هكذا ولكن حقيقة الأمر قد تكون أعينهم من أحسن الأعين، لكنهم لا يبصرون الحق والعياذ بالله، لا يبصرون الآيات، ولا يبصرون من يقول بالآيات أيضًا، لا ينتفعون به.
وقوله: فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَالفاء للتفريع؛ يعني أن هذه الجملة مفرعة على ما قبلها؛ يعني فلكونهم عميًا وبكمًا وصمًّا هم لا يعقلون؛ أي لا يعقلون عقل رشد، وإن كان عندهم عقل إدراك، لكن ما عندهم عقل رشد، فلعدم انتفاعهم بعقولهم نفى الله عنهم العقل الذي هو حقيقة العقل، ولهذا سمي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبه عما يضره، ولهذا يسمى عقلًا ويسمى حِجْرًا؛ قال الله تعالى: هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] أي: لذي عقل؛ لأنه أيضًا يحجر صاحبه عما يضره.
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَوأيش إعراب دُعَاءًبِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً؟
طالب: مستثنى بـ (إلا)؟
الشيخ: مستثنى بـ (إلا) ما قولكم؟
طالب: صحيح.
طالب: مفعول به منصوب.
الشيخ: مفعول به منصوب؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هذان قولان ما قولك؟
طالب: لا، صحيح مستثنى.
الشيخ: صحيح مستثنى.
طالب: مفعول به منصوب لـيَسْمَعُ.
الشيخ: إي صحيح؛ لأن الاستثناء هنا مفرغ؛ لأن (لا) نافية ويَسْمَعُفعل مضارع، ما جاء المفعول، المفعول به إذن دُعَاءً، ولو أردت تعرف المفرغ احذف النفي واحذف (إلا)، فقل: يسمع دعاء مثلًا، ما قام إلا زيد، تقول: قام زيد هو اللي ييبن لك الإعراب.
قال الله عز وجل: إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
يستفاد من الآية الكريمة: أن للشيطان إرادة وأمرًا لقوله: إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ.
ومن فوائدها: أن الشيطان لا يأمر إلا بالشر، لا يأمر بالخير، أن الشيطان لا يأمر بالخير، من أين أخذنا أنه لا يأمر بالخير؟
الطلبة: من الحصر.
الشيخ: من الحصر إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ.
طالب: حديث أبي هريرة، أن أبي هريرة قال..
الشيخ: نعم، فصدق وهو كذوب، هذا نادر، هذا نادر.
ومن فوائدها؛ من فوئد الآية: أن الإنسان إذا همّ بالسيئة أو الفاحشة فليعلم أنها من أوامر الشيطان فليحذرها؛ لأنه ما عندنا علامة بينة، الشيطان ما هو يقف أمامنا يقول: افعلوا، لكن عندما يكون الأمر الذي نهم به من السوء والفحشاء نعرف أنه من أوامر الشيطان.
ومن فوائدها: أن القول على الله بلا علم من أوامر الشيطان لقوله: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.
ومن فوائدها: تحريم الفتوى بلا علم، من أين نأخذها؟ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَفإن المفتي يقول على الله، ويعبر عن شرع الله.
ومنها: ضلال أهل التأويل في أسماء الله وصفاته، من أين نأخذها؟
الطلبة: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ.
الشيخ: لأنهم قالوا على الله بلا علم، وقد سبق أنهم قالوا على الله بلا علم من وجهين؛ أحدهما: أنهم قالوا: إن الله لم يُرد كذا، فنفوا ما هو ظاهر الكلام، وقالوا: إنه أراد كذا فأثبتوا ما يخالف ظاهر الكلام، وهذا قول على الله بلا علم.
طالب: شيخ، قال أهل التأويل ولا أهل التحريف؟
الشيخ: لا هم يسمون الآن معروفين بأهل التأويل، ولَّا هو حقيقة أن ما سموه تأويلًا فهو تحريف.
طالب: متى يكون التأويل محمودًا يا شيخ؟
الشيخ: لا، الآن المعروف عند أهل العلم أهل التأويل إذا قيل: أهل التأويل يريدون بهم هؤلاء، الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، مشهور عندهم، أهل التأويل وأهل الأخذ بالظاهر.
طالب: أهل التفسير؛ يعني يطلق عليهم أهل التأويل؟
الشيخ: يُطلق عليهم، لكن التأويل عند المتأخرين ما هو معروف عندهم إلا صرف اللفظ عن ظاهره، وإذا قيل: أهل التأويل لا تفكر أنهم يريدون أهل التفسير أبدًا إلا في اصطلاح المتقدمين مثل ابن جرير ونحوه، أما المتأخرين إذا سمعت أهل التأويل فهم الذين يؤولون الصفات، آيات الصفات وأحاديثها، وهو في الحقيقة تحريف، نحن لا نوافقهم على أن هذا من باب التأويل، نقول: هو تحريف في الواقع؛ لأن التأويل الذي لا دليل عليه تحريف وتغيير للمعنى عما أراد الله، إنما هذا هو المعروف عند أهل العلم أن أهل التأويل هم الذين يصرفون ظواهر نصوص الكتاب والسنة فيما يتعلق بالأسماء والصفات.
ومن فوائدها: وجوب تعظيم الله عز وجل، وأنه لو ساغ القول على غيره لم يسغ القول عليه، ووجه ذلك أنه خصَّص بعد التعميم، وأين التخصيص بعد التعميم؟
الطلبة: وَأَنْ تَقُولُوا.
الشيخ: وَأَنْ تَقُولُواهذا تخصيص بعد قوله: بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِفإن القول على الله بلا علم لا شك أنه من السوء والفحشاء.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ.
من فوائد الآية: ذم التعصب بغير هدى لقوله: قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَامع أن آباءهم ليس عندهم عقول ولا هدى كما قال الله عز وجل: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ.
ومنها: أن من تعصب لمذهب مع مخالفة الدليل ففيه شبه من هؤلاء، أو لا؟ هم يقولون: نتبع ما ألفينا عليه آباءنا والمتعصب لمذهبه: ما وجدنا عليه مشائخنا، فهذا فيه شبه منهم، والواجب أن الإنسان إذا قيل له: اتبع ما أنزل الله أن يقول: سمعنا وأطعنا.
ومنها من فوائدها: أنه لا يجب الانصياع إلا إلى ما أنزل الله أو لا؟ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُأما الانقياد لقول عالم أو ما أشبه ذلك فلا، لا انقياد إلا لما أنزل الله عز وجل وهو الكتاب والحكمة، وقد سبق أن أهل العلم اختلفوا فيما قاله الصحابي، وأن مذهب الإمام أحمد أنه حُجة ما لم يخالف الدليل أو يعارضه قول صحابي آخر، فإن خالف الدليل طُرح واتُّبع الدليل، وإن عارضه قول صحابي آخر وجب الترجيح ويُنظر أيهما أقرب إلى الكتاب والسنة فيُؤخذ به، فإن لم نعرف أيهما أقرب إلى الكتاب والسنة فإننا ننظر أيهما أقرب إلى الصواب من حيث العلم، والصحابة يختلفون في هذا.
ومن فوائد الآية: بيان عناد هؤلاء يقال: اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُما يقول: اتبعوا ما نحن عليه، ما أنزل الله، فيعاندون ويقولون: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا.
ومن فوائدها: أن كل من خالف الحق وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدى من قوله: لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ.
طالب: شيخ قلنا: التابعي (...) فيه خلاف (...) قتادة..
الشيخ: إي نعم، ومجاهد، والله فيه خلاف بين أهل العلم ولم يتبين لي أن الصواب وجوب اتباعهم، وجوب اتباعهم فيه نظر.
وقوله: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءًإلى آخره.
يستفاد منه: أن هؤلاء في اتباع آبائهم مثل البهائم التي تستجيب للناعق وهي ما تسمع إلا صوتًا دعاء ونداء، ما تفهم شيئًا تعقله وتفهمه وتعرف فائدته ومضرة مخالفته.
ومن فوائدها أيضًا على التفسير الآخر: أن هؤلاء -والعياذ بالله- قد طبع الله على قلوبهم فلا يسمعون ما يدعون إليه من الحق صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ.
ومنها على التفسير الثالث: أن هذه الأصنام لا يمكن أن تستجيب لهم، لكن هذا القول، كما تعلمون، وإن كان اختاره ابن جرير، لكنه ضعيف؛ لأن الأصنام لا تسمع، فلا ينطبق التشبيه عليها وهو يقول: بما لا يسمع إلا دعاء ونداء.
تفسير الآيات (172 - 174)
01:09:42
ثم قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة: ١٧٢].
أولًا: تصدير الحكم بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يستلزم انتباه المنادَى، وكل من دعي إلى شيء بأداة تقتضي الانتباه فهو دليل على أهمية هذا المدعو إليه. وأيضًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواالنداء بوصف الإيمان له فوائد:
منها: أن المأمور به من مقتضيات الإيمان.
ومنها: أن مخالفته نقص في الإيمان واضح؟
ومن فوائده أيضًا: التصدير بالإيمان يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواالإغراء، إغراؤهم بأن يمتثلوا؛ لأن الإنسان إذا ذُكر بوصف يقتضي الامتثال فإنه يغريه مثل أن أقول: يا أيها الكريم، قد نزلت بك ضيفًا؛ معناه أني أغريه بهذا اللفظ، وأيش أغريه؟
الطلبة: على أن يكرمني.
الشيخ: على أن يكرمني إي نعم.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}كُلُوافعل أمر، وهل هو للوجوب أو للإباحة أو للندب؟ قلنا: إنه صالح لها كما سبق في قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًايكون للوجوب إذا توقفت عليه الحياة، أو لا؟ إذا صار الإنسان إذا لم يأكل مات ولا تضرر؟ فهنا يكون الأمر للوجوب، يجب عليه أنه يأكل، ويكون للإباحة كما هو الأصل، ويكون للندب إذا ترتب عليه فائدة شرعية مثل: السحور للصائم، والفطور للصائم، وأكل الإنسان مع ضيفه تأنيسًا وما أشبه ذلك، فإن هذا يكون أيش؟ مستحبًّا، ويكون الإباحة فيما عدا ذلك، فقوله: كُلُوايعني معناه أنه أن هذا شيء مباح لكم.
فإذا قال قائل: إذا جعلتم الأمر هنا للوجوب والاستحباب والإباحة معناه أنكم استعملتم كلمة واحدة في عدة معانٍ وهو ما يُعبر عنه باستعمال المشترك في جميع معانيه. قلنا: نعم، نحن نرى ذلك أن استعمال المشترك في جميع معانيه إذا لم يكن بينها تضاد جائز وما المانع منه؟ إذا كان اللفظ صالحًا لها ولا تنافر بينها، فما المانع من أن نحمله على كل المعاني كما أننا نحمل العام بالاتفاق على جميع أفراده؟
كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْمِنْهذه هي للتبعيض ولا لبيان الجنس؟
الطلبة: لبيان الجنس.
الشيخ: الظاهر أنها لبيان الجنس حتى يأكل الإنسان مما شاء.
وقوله: مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْطَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ، الطيب الحلال، وقيل: المستلذ، مثل ما تقول: هذا طعام طيب، وهذا طعام خبيث؛ يعني ردي فهمتم؟
قيل: إن المراد بالطيب الحلال، وقيل: المراد بالطيب المستلذ والمستطاب، فعلى القول الأول يتبين من الآية أن الرزق يشمل الحلال وأيش بعد؟ والحرام، وأن من عاش على محرم فإنه يقال: إنه مرزوق، ولكن الرزق المأمور به هو الحلال، وهذا هو الأصح، ولهذا قال السفّاريني في عقيدته:
| وَالرِّزْقُ مَا يَنْفَعُ مِنْ حَلَالِ | أوْ ضِدِّهِ فَحُلْ عَنِ الْمُحَالِ |
وعلل ذلك بأنه رازق كل الخلق، وليس مخلوق بغير رازق، ومعلوم أن من الخلق من رزقه حرام ولَّا لا؟ فلا يمكن أن تقول: هذا الإنسان الذي يعيش ويأكل ويشرب إنه غير مرزوق، إذن الطيبات يكون المراد: المستلذ والمستطاب، أو أنه الحلال من الحلال الذي رزقناكم، ويكون فيه دليل على أن الرزق يكون حلالًا ويكون حرامًا لكن المأمور به الحلال.
وقوله: مَا رَزَقْنَاكُمْأي: أعطينكم؛ فالرزق العطاء، ومنه قوله تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ [النساء: ٨].
وَاشْكُرُوا لِلَّهِاشكروا، ما معنى الشكر؟ الشكر في اللغة: الثناء، وفي الشرع: القيام بطاعة المنعِم، هذا الشكر؛ القيام بطاعة المنعم، ومنها -أي من طاعة المنعِم- استعمال النعمة فيما خُلقت له، فإن هذا من شكر الله.
وقوله: وَاشْكُرُوا لِلَّهِكلمة اشكروا هذا الفعل يتعدَّى باللام، ويتعدى بنفسه فيقال: شكرته، وشكرت له، فإذا كانت اللام للتعدية فليس لها معنى.
وقوله: اشْكُرُوا لِلَّهِلما أمر بالأكل أمر بالشكر، وأكثر الناس امتثل الأمر الأول وترك الثاني، أكل من طيبات ما رُزق، لكن لم يشكر لقوله تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ: ١٣].
قال: وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة: ١٧٢] إِنْ كُنْتُمْهذه (إن) شرطية و(كان) فعل الشرط و(التاء) اسم كان، و(إيا) خبر كان منصوب بها.
الطلبة: لا ليس خبر كان.
الشيخ: ليس خبر كان؟ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُما هي (إيا) ضمير منفصل من ضمائر النصب و(التاء) اسم كان تبقى هذه خبر كان يجوز ولَّا ما يجوز؟
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز قطعًا، إذا قلنا: إن كنتم إياه معناها كأنكم أنتم الله، وهذا معلوم فاسد المعنى، إذن إِيَّاهُمفعول لـتَعْبُدُونَمقدم أو لا؟ مثل: (إياك نعبد) مفعول مقدم، وتَعْبُدُونَجملتها خبر كان، وأين جواب الشرط؟
قيل: إنه لا يحتاج في مثل هذا التركيب إلى جواب، وهو الصحيح، وقيل: إن جوابه محذوف يفسره ما قبله، والتقدير: إن كنتم إياه تعبدون فاشكروا له.
وقوله: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَيعني إن كنتم مخلصين له في العبادة، والعبادة هي التذلل لله عز وجل بالطاعة، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه مأخوذة من قولهم: طريق معبد أيش معنى معبد؟
الطلبة: مذلل.
الشيخ: مذلل للسالكين، وهو إلى الآن معروف عندنا الطريق هذا معبد ولَّا لا؟ إلى الآن موجود بهذا المعنى؛ يعني إن كنتم تتذللون له حقًّا فكلوا من رزقه واشكروا له، ولا تكونوا كالذين لا يشكرون أو كالذين يحرمون بعض الرزق، مثل في الجاهلية يحرمون أشياء يقول: هذه حرام؛ فالذي يحرم بعض الأطعمة أو بعض الأشربة بدون دليل يكون مشابهًا لأهل الجاهلية الذين حرَّموا أشياء بدون دليل؛ مثل البحِيرة والسائبة والوصيلة والحام وما في بطون الأنعام قالوا: خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وإن ظهر ميت فهم فيه شركاء، وإن يك ميتة فهم فيه شركاء، هذا من الجهل.
طالب: إن كان شكك يا شيخ؟
الشيخ: إن شُكّك فالأصل الأصل حِل، وبهذه المناسبة نُشر ها النشرة وزعت عند الناس عن رابطة العالم الإسلامي إن هذا الجبن جبن البقرة الضاحكة، هي ما هي تضحك، على كلامهم!
طالب: (...).
الشيخ: ما أدري، لا، الظاهر أنها مكتوب عليها الضاحكة.
طالب: الضاحكة.
الشيخ: كذلك (الكيري) أظن وبعض الصابون (الكامي) المهم عد كاتبين لهم بيان، قالوا: إن هذا حرام، وبما أن الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله- هو رئيس الرابطة في اجتماعاتها، اتصلت به وسألته قال: والله ما أدري، لكن هم كاتبين للرابطة نسألها عن هذا من أين جاءهم هذا الخبر وكاتبين كذلك لوزارة التجارة، وهم بانتظار الجواب، ولا يُستبعد أن هذا من بعض الشركات؛ لأن ترى بعض الشركات تروج إذا شافت أن هذا الشيء ناجح جعلت فيه عِلّة علشان تنفر الناس منه، يجوز أن هناك مثلًا شركات أخرى تزاحم شركة الأجبان هذه، وقالت: والله هذه لها شهرة عالمية وصار الناس يأخذون منها إذن بنحط بيها بلاء، والله أعلم، الآن ولا كثر السؤال عنه ها الأيام جدًّا كثر عنه السؤال، قلنا: والله إحنا ما عندنا علم وأنتم كلوا حتى يتبين التحريم، وإحنا الآن بعد بانتظار جواب الشيخ إن شاء الله تعالى ونشوف هذا، يمكن بعدين أنه يكتب بالصحف هذا الشيء.
طالب: يعني مثلًا ترك هذه الأشياء يعني أن يشك فيها الإنسان، تركها للتورع ما هو أفضل يا شيخ حتى يتبين له؟
الشيخ: يا أخي ما.
طالب: الحديث: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» .
الشيخ: إي، بس هي مشكلة الآن، ما هناك شبهة يعني على أصل، ما هناك شبهة على أصل، كذلك الاشتباه في مسألة الوارد من الخارج من المذكيات أيضًا صار فيه اشتباه وكلام كثير، هذا نعم حيث إن الأصل بالذبائح التحريم هذه قد نقول: إن الأحسن تركها، والحمد لله الشيء اللي ما فيها شبهة كثيرة سواه، لكن الأجبان وشبهه وأيش الأصل فيها؟
طالب: الحل.
الشيخ: الحل، وأن لو كانت من نصراني أو يهودي أو مجوسي أو اللي هي الأصل فيه الحل حتى يتبين التحريم.
طالب: قالوا فيه إن شركة (...) قبل خمس سنين أو سبع السنين أعلنت أنها تحط فيه لحم الخنزير أو شحم الخنزير، إن هي يقولون يعني؟
الشيخ: على كل حال يشاف ها الحين، وإحنا إن شاء الله في انتظار الجواب.
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ [البقرة: ١٧٢، ١٧٣] لأنه أمر بالأكل من الطيبات، واعلم قبل أن نتعدى الآية أن هذا الذي أُمرنا به -نحن المؤمنين والحمد لله- أُمر به الرسل كما قاله النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْوَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا» .
وبهذا المعنى، أو بهذا الحديث يتبين لنا معنى الشكر تمامًا؛ لأن الرسول عليه الصلاة السلام قارن بين الآيتين، وفي آية الرسل قال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًافدل على أن الشكر الذي أُمر به المؤمنون هو العمل الصالح.
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ(إنما) أداة حصر، والحصر أيش؟ إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، فالتحريم محصور في هذه الأشياء، ومعنى إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَيعني ما حرم عليكم إلا الميتة، ما حرم إلا الميتة.
حَرَّمَ عَلَيْكُمُالتحريم بمعنى المنع، ومعنى (حرم عليكم) أي: منعكم.
وقوله: حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَوأيش معنى حرمها علينا؟ حرمها علينا أن ننظر إليها؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، حرم علينا الأكل، ما الدليل على أن المراد تحريم الأكل؟ الدليل الآية التي قبلها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْثم قال: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُفكأنه قال: كلوا، ثم استثنى، فقال: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ.
الميتة وأيش هي الميتة؟
الميتة في اللغة: ما مات حتف أنفه؛ يعني بغير فعل منه، مات حتف أنفه يعني بغير فعل منه، أصيبت البهيمة بمرض فماتت، سقطت من عالٍ فماتت وما أشبه ذلك.
أما في الشرع: فالميتة ما مات بغير ذكاة شرعية، وهذا مما كان فيه الاصطلاح أعم من اللغة، وهو قليل كما سبق، الأكثر أن الاصطلاح أخص من اللغة، لكن أحيانًا يكون الاصطلاح أعم، فهنا الميتة شرعًا: ما مات بغير ذكاة شرعية فيشمل ما مات حتف أنفه يسمى ميتة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ما ذُكّي ولم يُظهر الدم يسمى ميتة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ما ذُكِّي ولم يسمَّ عليها اسم الله؟
الطلبة: ميتة.
الشيخ: ميتة، ما ذكَّاه غير يهودي ونصراني ومسلم؟
الطلبة: ميتة.
الشيخ: ميتة مع أنه مُذكّى، فإذن الميتة في الشرع: ما ذُكِّي بغير ذكاة شرعية.
وقوله: الْمَيْتَةَ(أل) هنا للعموم؛ يعني إذا صارت (أل) للعموم معناه أنك لو نزعتها ووضعت بدلها (كل) استقام الكلام، فهنا لو نزعت (أل) وجاءت (كل) يصح، إنما حرم عليكم كل ميتة، هل هذه الآية على عمومها؟ الجواب لا، ورد في الشرع ما يخصصها كما في حديث ابن عمر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ» . إذن يُستثنى من ذلك أيش؟ الجراد والحوت، الجراد معروف، والحوت كل سمك البحر صغاره وكباره على حد سواء فميتته حلال كذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ما هو الدليل على هذا الاستثناء من هذا العموم؟
الدليل قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ [المائدة: ٩٦] قال ابن عباس رضي الله عنهما: صَيْدُ الْبَحْرِ مَا أُخِذَ حَيًّا وَطعَامُهُ مَا أُخِذَ مَيِّتًا . هذا من القرآن ومن السنة قبل قليل قرأناها عليكم؛ حديث ابن عمر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ؛ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ» هذه واحدة. يستثنى من هذا ميتة الآدمي؟
الطلبة: لا (...) هناك فرق.
الشيخ: أو هذا في مسألة النجاسة؟ في مسألة النجاسة، أما طبعًا الحل، لا، ما يستثنى إلا الجراد والحوت.
هل يعم قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُجميع وجوه الانتفاع بحيث لا ينتفع منها بإهاب ولا عصب ولا شعر ولا غير ذلك؟
الطلبة: ظاهرها لا.
الشيخ: بس السياق يدل على أن المراد الأكل، ولهذا جاء في البخاري: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا» إنما حرم أكلها، ولهذا لو أنه انتُفع بها في غير الأكل فهو جائز، لكن الجلد خاصة إذا دُبغ صار طاهرًا على القول الراجح، يكون طاهرًا مثل جلد غير الميتة؛ يعني لو أن شاة ماتت وأخذنا جلدها ودبغناه جاز أن نستعمله في الماء الذي نشرب، وفي اللبن، وفي الدهن، وفي العسل، وفي غير ذلك؛ لأنه يكون طاهرًا، لحمها، شحمها، عصبها يجوز أن نجعله أوتارًا يعني حبالًا يمكن نجعله حبالًا، كذلك أيضًا شحمها أن نوقد به؛ نجعله وقودًا، فإذا قال قائل: ألم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام لما قيل له حين حدث فقال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ وَتُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» فكيف الجواب؟
الجواب: أن قوله عليه الصلاة والسلام: «هُوَ حَرَامٌ» يعني بيع هذه الأشياء؛ لأن الكلام وأيش هو فيه؟ في البيع: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ». ويؤيد ذلك قوله: «إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا» . وهذا ليس بأكل.
الْمَيْتَةَ وَالدَّمَيعني وحُرم عليكم الدم، والدم هنا يشمل كل دم حتى دم الآدمي؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: حتى دم الآدمي، حتى دم البعير أو لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: حتى دم البعير؟ نعم، بقي أن يقال الدم هنا مطلق، لكنه قُيّد بآية الأنعام بكونه مسفوحًا فقال: إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [الأنعام: ١٤٥] فالمراد الدم المسفوح الذي يخرج من البهيمة قبل خروج روحها، فأما ما كان بعد خروج الروح فليس بمحرم إذا كانت مذكاة طبعًا، فما كان في المذكاة بعد خروج روحها من الدماء فهو طاهر حلال ولو جرى على الأرض، وعلى هذا فالدم الذي يكون في القلب؟
طالب: حلال.
الشيخ: حلال؟ دم قطع دم تأخذ بيدك حلال؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: لأيش.
الطلبة: لأنه غير مسفوح.
الشيخ: لأنه غير مسفوح، وكذلك ما يبقى في العروق والأوعية.





