تفسير سورة البقرة - 39
عدد الزيارات 3061

آتَى الْمَالَآتى بالمد بمعنى أعطى، إذن هي تنصب مفعولين، المفعول الأول: الْمَالَ، والمفعول الثاني؟
طالب: عَلَى حُبِّهِ.
الشيخ: لا، ذَوِي الْقُرْبَىوما عطف عليه.
وقوله: آتَى الْمَالَالمال: كل عين مباحة النفع بلا حاجة، هذا مال، أو إن شئت قل: بحاجة، أيضًا، كل عين مباحة النفع فهو مال، سواء كان هذا المال نقدًا أو ثيابًا أو طعامًا أو عقارًا أو أي شيء.
وقوله: عَلَى حُبِّهِهذه الجار ومجرور حال من فاعل آتَى، يعني: حال كونه محبًّا له، محبًّا له لحاجته فيه أو لتعلق نفسه به ولو بدون حاجة، أيهم؟
طالب: تعلق نفسه به.
الشيخ: أو لحاجة، لكن كلهم؛ لأنك قد تحب المال لأنك محتاج إليه، كما لو كان عند الإنسان بطانية في زمن الشتاء يحبه؛ لأنه محتاج إليه أو سيارة موديل ثلاثة وسبعين.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ثلاثة وسبعين، موديل ثلاثة وسبعين، كفراتها بدأت تتفطر، ولا تمشي إلا بدفع، لكنه محتاج لها، هذا ما هو برغبته فيها، اللي جعله يرغب يحبه ما هو؟
طالب: الحاجة.
الشيخ: الحاجة، أو إنسان عنده سيارة موديل خمس وثمانين من أفخم سيارات العالم وعنده غيرها سيارات كثيرة، هذه يحبها لأيش؟ لتعلق نفسه بها، صح ولَّا لا؟ كان ابن عمر -رضي الله عنه وعن أبيه- إذا أعجبه شيء في ماله تصدق به، وقال: إن الله يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}[آل عمران: ٩٢]، وهذا طبق الآية اللي معنا وَآتَى الْمَالَالآية يتكلم الله فيها عن البر وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، فهو يحبه لحاجته إليه أو لتعلق نفسه به، فيعطيه هؤلاء المحتاجين إليه، وأبو طلحة لا يخفى على الجميع ماذا فعل لما سمع هذه الآية تصدق ببستانه، اللي هو أغلى شيء عنده فيما أظن، لا لأنه بستانه فقط، ولكن لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يأتي إليه ويشرب فيه من ماء طيب، وقريبة من مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، أنا أعتقد أن إنسانًا يجيء الرسول عليه الصلاة والسلام إلى بستانه ويشرب فيه من الماء الطيب، وأيش يصير بستانه عنده؟ رخيص ولا غالي؟
الطلبة: غالي.
الشيخ: غالي جدًّا، يعني: أن الرسول يجيء إلى هذا البستان شيء يوجب أن رسول الله عليه الصلاة والسلام يجيء إلينا، هذا أحب إلينا من كل شيء من المال، ومع ذلك لما نزلت الآية ذهب به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال: يا رسول الله، هو صدقة إلى الله ورسوله، فضعه حيث أراك الله، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:«بَخٍ بَخٍ ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ» ، صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا الربح، لو اشتراه بمليون وباعه بعشرة ملايين ربح أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لكن أيها أربح ولَّا هذا؟ هذا أربح بكثير، إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ثم قال: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهُ فِي الْأَقْرَبِينَ».
المهم أن آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِلماذا اشترط أن يكون على حبه؟ لأن اللي يأتي على غير حبه كلٌّ يبذل ما يهم الواحد..
طالب: بس فيه مشقة.
الشيخ: لا، ما فيه مشقة، كلن يبذل، ثم إنه يدخل أيضًا في قوله: عَلَى حُبِّهِأن يكون في حال الصحة، وفي حال الإشفاق على المال، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في خير الصدقة وأفضلها: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ».
طالب: «تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْغِنَى».
الشيخ: «تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأَمُلُ الْبَقَاءَ» ، البقاء هذا اللفظ الصحيح، ولًّا فيها «الْغِنَى» ، لكن «تَأَمُلُ الْبَقَاءَ» هذا هو محل الشح الحقيقي يخاف من الفقر ويُؤَمِّنُ إنه باقي (...) الشاب، لكن واحد يعود له مئة سنة وعنده ملايين الملايين هذا يخشى الفقر ويأمل البقاء؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لكن الشاب اللي ما عنده إلا شوي، هذا هو اللي يخشى الفقر ويأمل البقاء يصير المال عنده غالي، فالمهم أن الحب إذن هذا تبين لنا معنى جديد في قوله: عَلَى حُبِّهِتعلق رغبته بالمال، حاجته إليه، كونه يخشى الفقر ويأمل البقاء.
عَلَى حُبِّهِمن؟ ذَوِي الْقُرْبَى-سبحان الله العظيم- ذَوِي الْقُرْبَىبدأ بهم قبل كل الأصناف، بينما إن الأمر عندنا الآن بالعكس، تلقى الواحد إذا وجد فقيرًا بعيدًا عنه يظن أنه أولى بالصدقة من قريبه اللي هو ابن عمه، لكن لا، ذوي القربى ولو كانوا أغنياء أعطهم؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في إحدى نسائه -أظن جويرية- وقد أعتقت مملوكة لها قال: «أَمَا أَنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ لَكَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ» ، جعل الرسول عليه الصلاة والسلام صلة الرحم أفضل من العتق، جعلها أفضل من العتق.
وقوله: ذَوِي الْقُرْبَىالقربى من المراد بهم؟ قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم أو قرابة المعطي؟
الطلبة: قرابة المعطي.
الشيخ: قرابة المعطي، واعلم أن الحكم إذا علق بوصف فإنه يزداد قوة بقوة ذلك الوصف، فإذا كان معلقًا بالقرابة فكل من كان أقرب فهو أولى، وأقرب الناس إليك وأحقهم بالبر أبوك وأمك.
الثاني: الْيَتَامَىاليتامى جمع يتيم، وهو من مات أبوه قبل بلوغه من ذكر أو أنثى، فأما من ماتت أمه فليس بيتيم، ومن بلغ فليس بيتيم، وسمي يتيمًا من اليُتْم وهو الانفراد؛ ولهذا إذا صارت القصيدة جميلة أو قوية يقولون: هذه يتيمة، الدرة اليتيمة، يعني معناه: ما لها نظير منفردة، إذن اليتامى ماذا نقول؟ جمع يتيم، وهو من مات أبوه ولم يبلغ سواء كان ذكرًا أو أنثى، يعطون ولو كانوا أغنياء؟ نعم، يعطون ولو كانوا أغنياء جبرًا لقلوبهم، لكن لاحظوا أن عطية اليتيم الغني ليست كعطية الفقير، الفقير قد أعطيه ثوبًا أو كسرة خبز أو ما أشبه ذلك ينتفع بها، لكن اليتيم الغني ما أعطيه مثل هذا وأيش أعطيه؟ الآن نبغي (...) عليه وأيش أعطيه؟
الطلبة: ما يناسب حاله.
الشيخ: بما يناسب حاله، لفظ عام.
طالب: سيارة.
الشيخ: لا، السيارة، كبيرة السيارة، ممكن أعطيه قلمًا، يمكن أعطيه ساعة مثلًا، يمكن أعطيه شيئًا يعني يفرح به، أما يتيم بعطيه سيارة، (..) أربعة عشرة (...) ما عنده ولا رخصة، على كل حال يعطى ما يناسبه.
وَالْمَسَاكِينَالمساكين جمع مسكين، وهو الفقير وهو الذي أسكنه الفقر، سمي مسكينًا؛ لأن الفقر أسكنه، والفقر -أعاذنا الله وإياكم منه- ما يجعل الإنسان يتكلم بطلاقة، هذا في الغالب؛ لأنه يرى نفسه أنه ما هو على المستوى الذي يمكنه من التكلم، ويرى نفسه أنه لا كلمة له، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» ، فالمهم أن المسكين هو الفقير، وسمي بذلك لأن الفقر أسكنه وأذله، واعلم أن الفقير بمعنى المسكين والمسكين بمعنى الفقير، إلا إذا اجتمعا فإذا اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى غير الآخر، كما في آية الصدقة: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة: ٦٠] أيهما أشد؟
طالب: الفقير.
الشيخ: الصحيح أن الأشد الفقير؛ لأن الله بدأ به، ويبدأ بالأحق فالأحق والأحوج فالأحوج في مقام الإعطاء، وقال بعض أهل العلم: إن المسكين أشد؛ لأنه من أسكنه الفقر بخلاف الفقير، والصواب أن الفقير أشد؛ لأنه موافق للقفر، فقر وقفر، والقفر أيش معناه؟
طالب: الجدب.
الشيخ: القفر: الخلو، أرض قفر: خلو.
وَقَبْـــرُ حَـــرْبٍ بِمَكَـــانٍ قَفْــــــــرٍ وَلَــيْسَ قُــرْبَ قَــبْرِ حَــرْبٍ قَبْــرُ

هذا فيه تنافر كلمات.
وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ(...)..
السبيل بمعنى الطريق، والمراد بـابْنَ السَّبِيلِالملازم للطريق وهو المسافر، المسافر يكون في حاجة غالبًا فيحتاج إلى من يبره ويعطيه المال؛ ولهذا جعل الله له حظًّا، من؟ من الزكاة، وابن السبيل هو المسافر، وزاد العلماء قيدًا قالوا: المسافر المنقطع به، يعني: الذي انقطع به السفر، فليس معه ما يوصله إلى بلده؛ لأنه إذا كان معه ما يوصله إلى بلده فليس بحاجة، وهو والمقيم على حد سواء، فلا تتحقق حاجته إلا إذا انقطع به السفر.
قال: وَالسَّائِلِينَالسائلين جمع سائل، وهو المستفهم أو المستجدي؟
الطلبة: المستجدي.
الشيخ: كيف، المستجدي؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: (...) الفرق بين المستفهم والمستجدي؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: المستفهم اللي يقول: أين المال؟ والمستجدي اللي يقول: أعطني مالًا، فالمراد بالآية هنا السائلون، أي: المستجدين الذين يقولون: أعطنا، فالسائل له حق لا من أجله هو؛ لأنه قد يسأل وهو ليس بمحتاج، لكن من أجل صفة الكرم والحياء، بمن؟ بالمعطي؛ لأن الإنسان إذا سئل وكان عنده كرم ما يمكن يقول: لا، إذا سئل وكان عنده حياء -والحياء من الإيمان- ما يمكن يقول: لا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسأل شيئًا على الإسلام إلا أعطاه، فسأله رجل ذات يوم فأعطاه غنمًا بين جبلين ، وأهدي إلى النبي عليه الصلاة والسلام جبة وكان عليه الصلاة والسلام محتاجًا إليها، فسألها رجل عنده فأعطاه إياها فقيل للرجل: لم صنعت والنبي عليه الصلاة والسلام محتاج إليها؟ قال: إني أريد أن تكون كفني، فكانت كفنه ، فالنبي عليه الصلاة والسلام لكرمه وحيائه لا يسأل شيئًا إلا أعطاه، فالسائل له حق وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام لكنه لا يصح: «لِلسَّائِلِ حَقٌّ وِإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» ، لكن هذا الحديث لا يصح مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
واعلم أن السؤال -سؤال المال- الأصل فيه المنع والتحريم؛ ولهذا حذر النبي عليه الصلاة والسلام من سؤال المال وأخبر أن «الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» -والعياذ بالله- يكون وجهه يوم القيامة مقشرًا؛ لأنه مثل ما أذل وجهه لعباد الله عوقب بذلك بهذه العقوبة العظيمة في هذا المشهد العظيم، وقد بايع النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه من جملة ما بايعهم عليه: «أَنْ لَا يَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا»، فكان الواحد منهم يسقط سوطه من ناقته فينزل ويأخذه ولا يقول لأخيه: أعطني سوطي .
ولا شك أن التنزه عن السؤال فيه عفة النفس والعزة والكرامة، وأما السؤال ففيه الذل للمخلوق، والإنسان السائل لا شك أن المسؤول مهما كان في الكرم وفي الحياء وفي الجود ينزل عنده هذا السائل تنزل قيمته وينحط من عينه؛ ولهذا لا يجوز السؤال إلا في الحاجة الملحة، الحاجة الملحة التي لا بد منها يسأل الإنسان، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلْ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» .
ثم اعلم أن السؤال نوعان: سؤال بلسان المقال، وسؤال بلسان الحال، أما السؤال بلسان المقال: فظاهر يجيء الإنسان إليك ويقول: أعطني كذا وكذا، وأما السؤال بلسان الحال، فأن ترى شخصًا عفيفًا لا يسأل لكنك تعرف حاجته أو تجده مثلًا يخطم أمامك ويدور حولك، فهذا ما سأل بلسان المقال لكنه سأل بلسان الحال.
فإذا قال قائل: إذا كان مؤتي المال للسائلين من أهل البر وأنتم حذرتم من السؤال من سؤال الناس، فكيف يتفق هذا وهذا؟
فالجواب: لا معارضة؛ لأن الجهة منفكة؛ فالممدوح المعطي، والمحذَّر السائل المعطَى، فإذا انفكت الجهة فلا تعارض، فلو رأيت أحدًا مبتلًى بهذه المهنة -وهي مهنة سؤال الناس- فأعطه إذا سألك ثم انصحه وحذره؛ لتكون مؤتيًا للمال وناصحًا للسائل، مؤتيًا للمال من أجل السؤال، وناصحًا للسائل؛ لأن بعض الناس -والعياذ بالله- تعلم علم اليقين أو يغلب على ظنك ظن المؤكد بأنه غني، وأنه إنما يسأل الناس أموالهم تكثرًا، فأنت إذا أعطيته ستغريه لا شك يذهب ويسأل غيرك، لكن أعطه لتكون ممن آتى المال السائلين، وانصحه لتكون من الناصحين.
وقوله: وَفِي الرِّقَابِشوف ما قال: وآتى الرقاب قال: وَفِي الرِّقَابِ؛ لأن المال المبذول في الرقاب لا يعطى الرقبة، من يعطى؟ يعطى مالك الرقبة؛ فلهذا أتى بـ(في) الدالة على الظرفية.
واعلم أن الرقاب ذكر أهل العلم أنها ثلاثة أنواع: عبد مملوك تشتريه وتعتقه، مكاتب اشترى نفسه من سيده فأعنته في كتابته، أسير مسلم عند الكفار فافتديته، وكذلك لو أسر عند غير الكفار مثل ها اللي يختطفون الآن -والعياذ بالله- إذا طلب المختطفون فدية، قالوا: ما نفكه إلا بهذا، فإنه يفك من الزكاة؛ لأن فيها فك رقبة، فك رقبة من القتل.
طالب: القاتل؟
الشيخ: لا، القاتل لا، القاتل ما يدخل فيه.
قوله: وَفِي الرِّقَابِإلى أن قال: وَأَقَامَ الصَّلَاةَ.
نرجع مرة ثانية إلى آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِإذا آتى المال على غير حبه فهل يكون بارًّا؟ يعني: إنسان غني يتصدق بالمال ما يهمه يروح منه مئة ألف أو مئة ريال من أهل البر ولَّا لا؟
الطلبة: (...).
الشيخ: إي نعم، لكنه ما مثل الأول، بر ناقص، فالبر الكامل أن يؤتي الإنسان المال على حبه لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢]، فظاهر الآية أن البر الكامل ما ينال إلا بهذا إذا آتى المال على حبه.
فإذا قال قائل: آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِهذا القيد لا معنى له؛ لأن المال كله محبوب إلى الإنسان؛ لقوله تعالى: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: ٨]، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: ٢٠]؟
قلنا: الجواب على ذلك: أن حب المال على سبيل العموم هذا في كل نفس، لكن المراد هنا: آتى المال المعين على حب ذلك المال المعين، فهمتم؟ آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِذلك المال المعين ولا المال كله محبوب للإنسان، لكن أنا مثلًا عندي عشر ورق من فئة المئة، أيهم أحب علي؟
الطلبة: كلهم واحد.
الشيخ: كلهم واحد، لكن مجموعهن محبوب إلي ولَّا لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: محبوب إلي، لا شك، لكن عندي أعيان غير نقد، عندي مثلًا مسجل من هذا النوع وساعة من هذا النوع وسيارة من هذا النوع أحبهم يكون هذا حبًّا خاصًّا ولَّا لا؟ هذا حب خاص غير حب المال العام، وهذا هو المراد بالآية الكريمة هذه وبقوله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ؛ فلهذا كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به.
مرة ثانية عودة إلى الآية قوله: ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ.
ظاهر الآية الإطلاق وأن الحكم معلق بالوصف، فالقريب ولو كان كافرًا إذا أعطيته المال فأنت محمود على ذلك، وكذلك اليتيم والمسكين وابن السبيل والسائل وفي الرقاب، فظاهر الآية العموم لأنها لم تقيد، لكنها في الحقيقة ليست على عمومها، بل هي خاصة بالمسلم والكافر غير المقاتل؛ لقوله تعالى: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة: ٨]، هذه الآية اختلف أهل العلم هل هي منسوخة ولا محكمة، والصحيح أنها محكمة وأن الأصل عدم النسخ، ولكن بشرط أن لا يكونوا يقاتلوننا، سواء يقاتلوننا بأنفسهم بأن يكون هذا الرجل المعين مقاتلًا، أو يقاتلونا بحكمهم يقاتلوننا حكمًا، مثل أن يكونوا من دولة تقاتل المسلمين؛ لأن الذي من دولة تقاتل المسلمين مستعد للقتال حكمًا، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: إذا أمرته دولته بقتال يلبي ولَّا لا؟
الطلبة: يلبي.
الشيخ: يلبي، وعلى هذا فإذا كان الكافر من دولة محاربة للمسلمين، فإنه لا يجوز بره ولا إعطاؤه المال؛ لأن مثل هذا ما دام حربًا للمسلمين، فإن المسلم يريد إعدامه كما أنه هو يريد إعدام المسلم وقتله، فهذا جزاءً وفاقًا وهذا العدل.
بقي علينا كلمة: فِي الرِّقَابِ، إحنا ذكرنا أنها ثلاثة أنواع: مكاتب، والمملوك، والمأسور، لكن العلماء رحمهم الله خصوا المأسور بالمسلم، أما إذا كان غير مسلم فإنه لا يمدح مَن فك أسره؛ لأن ولاية المسلم أقوى من ولاية غير المسلم، ويمكن أن نقول: إن قول العلماء رحمهم الله تخصيص هذا في المسلم هذا بالنسبة للزكاة؛ لأن الزكاة ما تعطى غير المسلم بخلاف التطوع، فإنه يجوز أن يفك منها أسير ذمي، لو فرض أن هناك أسيرًا ذميًّا وأنه إن لم ينفع المسلمين ما ضرهم، فلا حرج من أن يفك.
ثم قال الله تعالى: وَأَقَامَ الصَّلَاةَأَقَامَ الصَّلَاةَهذه معطوفة على أيش؟
الطلبة: مَنْ آمَنَ.
الشيخ: على مَنْ آمَنَ؟
الطلبة: إي نعم. إذن وَأَقَامَمعطوف على آمن اللي هي صلة الموصول.
وَأَقَامَ الصَّلَاةَالصلاة المراد بها الفرض والنفل، وإقامتها بمعنى الإتيان بها مستقيمة، بأن أقام الشيء جعله قائمًا مستقيمًا، وليس المراد بأقام الصلاة يعني: الله أكبر الله أكبر الإقامة المعروفة، المراد به أيش؟ الإتيان بالصلاة مستقيمة، كما تقول: أقمت الجدار، أقمت العصا، أقمت فلانًا: جعلته يقف حتى يكون مستقيمًا.
وقوله: الصَّلَاةَ(أل) هذه للعهد أو للعموم؟
الطلبة: للعموم.
الشيخ: للعموم؛ لأنها تشمل الفرض والنفل، واعلم أن الصلاة من الكلمات التي نقلها الشارع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي، فمعناها في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [التوبة: ١٠٣] أي: ادع لهم بالصلاة، فقل: صلى الله عليكم، هذا معنى صَلِّ عَلَيْهِمْ، ولكنها في الشرع هي الصلاة المعروفة: عبادة ذات أقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، يجب أن نقول: عبادة ذات أقوال، مع أن المعروف عند كثير من المعرفين لها يقولون: هي أقوال وأفعال معلومة مفتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، وهذا لا شك أنه قاصر، بل يجب أن نقول: عبادة؛ ولهذا لو جاء إنسان يعبث وكبر وقرأ وركع وسجد وسلم، يصير مصلي شرعًا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا يكون مصليًا، إنما لا بد أن تكون عبادة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ(آتى) بمعنى أعطى، (آتى) يعني أعطى، والزكاة أيضًا من الكلمات التي نقلها الشرع عن معناها اللغوي إلى معنى شرعي، الزكاة في اللغة: من زكا يزكو، أي: نما وزاد، وصَلُح أيضًا، والزكاة في اللغة أيضًا بمعنى الصلاح، ومنه قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: ٩] أي: أصلحها وقومها.
لكنها في الشرع الزكاة هي: التعبد ببذل مال واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة، هذه هي الزكاة، وسميت زكاة؛ لأنها تنمي الخُلق وتنمي المال وتنمي الثواب، تنمي الخُلق كيف؟
طالب: يصير كريمًا..
الشيخ: نعم، يكون بها الإنسان كريمًا من أهل البذل والجود والإحسان، وهذا لا شك أنه من أفضل الأخلاق شرعًا وعادة، وتنمي المال، تنمي المال كيف؟ أنا عندي مئة ريال أخذت منها ريالين ونصف بقي عندي سبع وتسعين ونصف نقص المال كيف يصير تنمي؟
الطلبة: بالبركة.
الشيخ: نقول: نعم، تنمي بالبركة والحماية والحفظ؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» ، ما يمكن تنقصه يعني: لو لم تخرج هذا القدر من المال ربما يأتيه آفات، تبيع وتشتري وتخسر، ربما تصاب أنت أو أهلك بأمراض تحتاج إلى علاج فيفنى كل ما عندك، ربما يأتي سارق ويسرقه، ربما تودعه عند إنسان فيجحده، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: لكن الزكاة حماية له وحفظ وبركة، من بركة المال تشتري بعشرة ريالات ثوب، ربما إذا كنت لا تزكي يتمزق بسرعة، وإذا كنت تزكي ينزل الله فيه البركة ويبقى سنتين ثلاث صح على حسب الحال.
طالب: عندي ثوب له أربع سنين يا شيخ..
الشيخ: ما نقول شيئًا، هذا من البركة، المهم أن أنواع البركة التي تنزل في المال كثيرة، فلهذا قلنا: إن الزكاة تزكي المال. تزكي الثواب ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: تزكي الثواب؟ نعم، مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُفوق ذلك، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٦١]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام وصح عنه أن: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ أَوْ بِعِدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبَّيهَا كَمَا يُرَبِّي الْإِنْسَانُ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» ، وهي عدل تمرة تكون مثل الجبل، أليس هذا تزكية؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: بلى، والله تزكية، هذه التزكية الحقيقية، هذا اللي أزكى من أنك تعطي إنسانًا يضارب بمالك، هذا الذي تعطيه يضارب بمالك كم بيربح؟ خله يربح العشرة مئة أو يخسر، لكن هذه تقع في يمين الرحمن عز وجل، ونعم اليمين يمين الرب، فيربيها سبحانه وتعالى وينميها لك حتى تكون مثل الجبل، هذا الربح هذا الربح العظيم، مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ [البقرة: ٢٤٥]. إذن سمي زكاة؛ لأنه يزكي المال والخلق والثواب.
وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَعندنا (آتى) تنصب مفعولين أين مفعولها الأول؟
الطلبة: الزكاة.
الشيخ: الزكاة، أين المفعول الثاني؟
الطلبة: محذوف.
الشيخ: محذوف، وأيش التقدير؟
طالب: مستحقها.
الشيخ: مستحقها، تمام، مستحقها، شوف آتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىأتى بالمفعول الثاني ذَوِي الْقُرْبَى، هذه آتَى الزَّكَاةَلم يأت بالمفعول الثاني لكنه محذوف معلوم، وأهل الزكاة تكفل الله عز وجل بقسمها عليهم فقال: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ [التوبة: ٦٠] ثمانية فقط لا تحل لغيرهم.
وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواهنا ما قال: وأوفى بع
هده، بل أتى بالجملة الاسمية؛ لأن الوفاء جبلة وخلق، لكن ما سبق أفعال يفعلها الإنسان أو لا؟ لكن هذه جبلة وخلق أن الإنسان يكون وفيًّا، وفيًّا بالعهد لكن إذا عاهد، إِذَا عَاهَدُوا(إذا) هنا مجردة من الشرطية فهي ظرفية محضة، يعني: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْوقت العهد، يعني: في الحال التي يعاهدون فيها، فإذا عاهدوا وفوا.
واعلم أن العهد عهدان: عهد مع الله عز وجل، وعهد مع الخلق، فالعهد الذي مع الله ما هو؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، الإيمان به، قال الله تبارك وتعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف: ١٧٢]، وقال الله تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: ٤٠]، فالعهد الذي عهد الله به إلينا أن نؤمن به ربًا فنرضى بشريعته، بل بأحكامه الكونية والشرعية، هذا هو العهد الذي بيننا وبين ربنا.
أما العهد الذي بينك وبين الناس: فكثير أنواعه غير محصورة كثيرة جدًّا، منها: العقود، العقود من العهود، يعني: العقد اللي بينك وبين واحد عقد بيع، عقد إجارة، عقد رهن، أي عقد من العقود يعتبر هذا عهدًا لأني..
طالب: عقد الزواج يا شيخ؟
الشيخ: وعقد الزواج؛ لأني إذا عقدت معك، وأيش معنى عقدت معك؟ التزمت بما يقتضيه هذا العقد، إذن فكل عقد عهد، كل عقد فهو عهد؛ ولهذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: ١]، وقال: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٤].
ومن العهود بينك وبين الخلق: العهد المعروف وهو أن تجري عقدًا بينك وبين الكفار -مثلًا- أن لا يعتدوا عليك ولا تعتدي عليهم، مثل ما جرى من النبي صلى الله عليه وسلم مع المشركين في؟
طلبة: صلح الحديبية.
الشيخ: صلح الحديبية هذا يسمى عهدًا، قال الله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [التوبة: ٤]، إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة: ٧]، هذا العهد الذي بيننا وبين أعداء الله وأعدائنا له ثلاث حالات: إما أن يستقيموا لنا، وإما أن يخونوا، وإما أن نخاف منهم الخيانة، فإن استقاموا لنا وجب علينا أن نستقيم لهم، بأي ما يمكن نخون أبدًا، وإن خفنا منهم الخيانة ننبذ إليهم على سواء وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ [الأنفال: ٥٨].
طالب: شيخ، نحاربهم؟
الشيخ: لا، تقول: (...) عهد، تخبرهم أنه لا عهد بيننا ليكونوا على بصيرة.
وأما من خانوا فماذا نصنع معهم؟ نقاتلهم؛ لأنهم هم الذين نقضوا العهد، مثل ما فعلت قريش في العهد الذي جرى بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديبية؛ لأنهم نقضوا العهد حيث أعانوا حلفاءهم على حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم، يعني هم -قريش- غدروا أعانوا حلفاءهم على حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا نقض للعهد بلا شك؛ لأن حلفاء الرسول معناه أن الرسول يكون معهم على من ناوأهم، فلما نقضوا العهد حاربهم النبي صلى الله عليه وسلم، من العهد أيضًا ما يقع بين الإنسان وبين غيره في الالتزامات غير العقود وغير العهود، مثل الوعد، فإن الوعد من العهد؛ ولهذا اختلف أهل العلم هل يجب الوفاء بالوعد أو لا يجب؟ والصحيح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجب الوفاء بالوعد، أن الوفاء بالوعد واجب؛ لأنه داخل في العهد؛ إذ إنني إذا قلت: سآتيك غدًا في الوقت الفلاني، معناه تعهدت بذلك، فيجب الوفاء بالوعد؛ ولأن إخلاف الوعد من علامات النفاق، وإذا كان كذلك فهل نقول: إنه يجوز للمؤمن أن يتحلى بأخلاق المنافقين؟ إذا قلنا: لا، معناه صار الوفاء بالوعد واجبًا، والسؤال المطروح الآن هل نحن قائمون بهذا؟
طالب: لا.
الشيخ: نعم؟ نسأل الله العفو.
طالب: ليس على الإطلاق.
الشيخ: ليس على الإطلاق، في كل وقت ولا في كل إنسان، إنما من المؤسف أنه من المعروف عند الناس أن المسلمين أقل الناس وفاء بالوعد، حتى إن بعض -والعياذ بالله- المخدوعين إذا بغي يؤكد الوعد يقول: شوف ترى وعد إنجليزي -شوف أعوذ بالله- يعني: أن وعد الإنجليز ما يخلف دقيقة، الصواب أن نقول: ترى وعد مؤمن، ما هو إنجليزي، الإنجليزي ما أخذ هذه الأخلاق إلا من المؤمنين، وإلا فإنه كافر، يعني ما نقول: كل الإنجليز، يعني الكافر منهم، لكن مع الأسف إن عندنا نحن إخلاف الوعد أمر هين، وأما التقدم أو الغالب التأخر فهو أمر لازم إلا ما شاء الله، يواعدك الساعة اثنا عشر ويجيء الساعة اثنا عشر ونصف يا أخي (...) قال: هي بس نصف ساعة، هذا غلط حاول أنك تأتي بالموعد المحدد؛ لأنه قد يكون عطل أشغال أو ما أشبه ذلك، والله أعلم.
(...) وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ..
قوله تعالى: وَالصَّابِرِينَهذا فيه إشكال من حيث الإعراب؛ لأن الذي قبله مرفوع وهو غير مرفوع، فلماذا؟
طالب: للاختصاص.
الشيخ: التقدير؟
طالب: (...).
الشيخ: يقول بعض العلماء: إنه منصوب بفعل محذوف تقديره: وأخص الصابرين، وحينئذ نقول: لماذا عدل به عن العطف كأخواته السابقة؟ نقول: الحكمة أو البلاغة من هذا أنه إذا تغير أسلوب الكلام كان ذلك أدعى للانتباه، فإن الإنسان إذا قرأ الكلام على نسق واحد غفل ولها وصار كأنه شيء يدرج به ولا يلتفت، فإذا تغير الأسلوب فإنه يوجب الانتباه، وهذا مثل ما قلنا في شيء يمر علينا كثيرًا، وهو الالتفات، فإنه بتغير الأسلوب يتوجب على المخاطب أو القارئ أن ينتبه.
ثم إن هنا الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِالصبر في الواقع ليس بذل شيء ولكنه تحمل شيء، وما سبق كله بذل شي فهو مختلف من حيث النوع، من حيث النوع مختلف، شوف من آمن، وأقام، وآتى المال، وأوفى بالعهد، كل هذه أفعال، لكن الصَّابِرِينَهذا ما هو فعل ما هو بيبذل الإنسان شي لكنه يتحمل.
وقوله: الصَّابِرِينَالصبر في اللغة: الحبس، ومنه قولهم: فلان قُتل صبرًا، أي: حبسًا، وأما في الشرع: فإنه حبس النفس على طاعة الله، أو عن معصيته، أو على أقداره، عرفتم؟ فإذن الصبر ثلاثة أنواع: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الأقدار المؤلمة، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: أيهما أفضل؟ أفضلها الصبر على الطاعة، هو أفضلها؛ لأنه جهاد وعمل، فإن الإنسان يجاهد نفسه على الصبر على الطاعة ومصابرتها وعمل، ويليها الصبر عن المعصية؛ لأنه كف، كف للنفس وليس فيه إيجاد، وإن كان في بعض الأحيان الصبر عن المعصية أشق من الصبر على الطاعة (...) تفلت به، السبب؟ لأنه قدر كائن، كائن غصبًا عليك رضيت أو ما رضيت، لكن كف نفسك عن الفجور هذا باختيارك إن شئت كففت وإن شئت لم تكف، صبر نفسك على الطاعة كذلك باختيارك، فأفضلها الصبر على الطاعة، ثم عن المعصية، ثم على الأقدار؛ ولهذا قال أهل العلم: إن صبر يوسف عن الفحشاء بامرأة العزيز إنه أقوى من صبره على ما أصابه من إخوته، أو لا؟ وأصابه من إخوته أنهم ألقوه في غيابت الجب وحصل له ما حصل.
الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِالبأساء: شدة الفقر، ومنه البؤس يعني: الفقر، والثاني الضراء: المرض، والثالث حين البأس: شدة القتال، فهم صابرون في أمور لهم فيها طاقة وأمور لا طاقة لهم بها.
فِي الْبَأْسَاءِيعني: في حال الفقر، لا يحملهم فقرهم على الطمع في أموال الناس، بل يصبرون عن المعصية لا يسرقون ولا يخونون ولا يكذبون ولا يغشون، وهذا صبر عن أيش؟
طالب: عن المعصية.
الشيخ: عن المعصية، ولا يحملهم الضراء -المرض وما يضر أبدانهم- لا يحملهم ذلك على أن يتسخطوا من قضاء الله وقدره، بل هم دائمًا يقولون بألسنتهم وقلوبهم: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا..
طالب: هذا (...)؟
الشيخ: نعم.
كذلك حِينَ الْبَأْسِحين شدة القتال يصبرون ولا يولون الأدبار، وهذا صبر على أيش؟ على الطاعة، صبر على الطاعة، فتضمنت هذه الآية الصبر بأنواعه الثلاثة: صبر عن المعصية، وعلى الأقدار المؤلمة، وأيش عليه؟ وعلى الطاعة.
الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِتقدم لنا أن قلنا: إن المصاب بالأقدار المؤلمة له أربع مراتب، أيكم الذي يذكرها؟ من وقع به ما يضره ويؤلمه فله أربع مقامات أو أربعة مقامات؟
طالب: أولًا: يفرح فقط يفرح (...).
الشيخ: لا.
الطالب: يرضى.
الشيخ: زين.
الطالب: وثانيًا: يصبر يعني..
الشيخ: يصبر، اترك يعني، خل التفسير بعدين، وثالثًا؟
الطالب: وثالثًا..
الشيخ: نعم؟
طالب: يشكر.
الشيخ: وثالثًا: يشكر، ورابعًا؟
طالب: يصبر.
الشيخ: ذكرها.
الطالب: يجزع.
الشيخ: يجزع ويتسخط، المصاب بالأقدار له أربع حالات أو أربعة مقامات، أولًا: أن يتسخط ولا يصبر يتسخط، والثاني: أن يصبر، والثالث: أن يرضى، والرابع: أن يشكر، أربعة مقامات، السخط محرم والصبر واجب، والرضا فيه خلاف والصحيح أنه مستحب، والشكر مستحب.
الفرق بين الرضا والصبر؟ الصبر: يكره هذا الشيء ويتألم منه ويراه مرًّا لكنه يصبر لا يتسخط لا بقوله ولا بفعله ولا بقلبه، عرفتم؟ لكنه كاره، والرضا: أن لا يكره هذا الشيء، ولكنه يعنى لا فرق بين أن يصاب بهذا الأذى أو لا يصاب هو متحمل وراضٍ ومطمئن، وهذا لا شك أنه أعلى من الصبر أو لا؟ ما هو بأعلى من الصبر؟ لأنه متضمن للصبر وزيادة.
أما الشكر فهو أعلى من ذلك أيضًا، ولكن يقال: كيف يشكر وقد أصيب؟ نقول: نعم، يشكر وقد أصيب؛ لأنه إذا رأى ثمرة هذه المصيبة على الرضا بها يشكر الله على هذه النعمة، ثم إنه يشكر الله أيضًا حيث يرى أنه قد يصاب بأعظم، ليست المصيبة التي أصبت بها أهون مصيبة على الدنيا ولَّا لا؟ ولهذا يقول العامة: قس المصيبة بما هو أعظم منها يتبين لك سهولتها، وهذا صحيح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ.
قال الله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُواما شاء الله، هذه شهادة من الله عز وجل، شهادة وأعلى أعلى شهادة؛ لأنها شهادة من أعظم شاهد سبحانه وتعالى، أُولَئِكَالمشار إليهم كل من اتصف بهذه الصفات، الَّذِينَ صَدَقُواصدقوا بأيش؟
طالب: الله.
الشيخ: صدقوا الله وصدقوا عباده بوفائهم بالعهد، وإيتاء الزكاة وغير ذلك، فصدقوا صدقوا الله عز وجل، والصدق -كما تعرفون- هو موافقة الشيء للواقع، فالقائل عن المخبر بشيء إذا كان خبره موافقًا للواقع صار صادقًا، والعامل اللي يعمل بالطاعة إذا كانت صادرة عن إخلاص صار عمله صادقًا؛ لأنه ينبئ عما في قلبه إنباء صادقًا، والمنافق كاذب، المنافق المرائي بعمله كاذب؛ لأن عمله لا ينبئ عما في قلبه؛ إذ إن ظاهر عمله الإخلاص وهو غير مخلص خلاف ذلك، هؤلاء هم الذين صدقوا، صدقوا فيما أضمروه بقلوبهم، وفيما نطقوا به بألسنتهم، وفيما قاموا به بجوارحهم، صدق، صدق من أكمل الصدق، وقد قال الله تعالى في سورة الأحزاب: لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ [الأحزاب: ٢٤]..
طالب: (...).
الشيخ: لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ [الأحزاب: ٨]، هذه لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: ١١٩]، وهذا الصدق فيما أظهروه وأعلنوه.
ثم قال: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَأي: القائمون بالتقوى، والتقوى هي: اتخاذ الوقاية من عذاب الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أجمع ما قيل في تعريف التقوى هي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وتأمل كيف جاءت هذه الجملة بالجملة الاسمية المؤكدة أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَالجملة اسمية في دلالتها على؟
الطلبة: الثبوت.
الشيخ: الثبوت والاستمرار؛ لأن الجملة اسمية تدل على أنها صفة ملازمة للمتصف بها، وهي مؤكدة هذه الجملة بماذا؟
طالب: بـ(هم).
الشيخ: بضمير الفصل (هم)؛ لأن ضمير الفصل له ثلاث فوائد: فائدة لفظية تتعلق بالإعراب، وفائدتان معنويتان، الفائدة اللفظية التي تتعلق بالإعراب هي؟
طالب: أنه مؤكد.
الشيخ: لا، هذه معنوية.
طالب: (...) خبرًا يدل على أنه..
الشيخ: أنه يفصل بين الخبر والنعت.
الطالب: نعم.
الشيخ: يفصل بين الخبر والنعت، ويبين أن ما بعده خبر لا نعت، الفائدتان معنويتان: أنه يفيد التوكيد، هذه واحدة، ثانيًا: يفيد الحصر، وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، نضرب مثلًا: إذا قلت: زيد الفاضل، كلمة (الفاضل) في هذا السياق هل تتعين أن تكون خبرًا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لجواز أن يكون المعنى: زيد الفاضل خير الناس -مثلًا-، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: فإذن يمكن أن تكون (الفاضل) هذه صفة لا خبرًا، فإذا قلت: هو الفاضل، زيد هو الفاضل؟
الطلبة: (...).
الشيخ: تعين أن تكون خبرًا، إذا قلت: زيد هو الفاضل، فهو أوكد من قولك: زيد الفاضل أو لا؟ أوكد في إثبات الفضل له، إذا قلت: زيد هو الفاضل أفاد أن غيره لا يشاركه في هذا الوصف، لأنك تقول: هو، هو لا غيره، هو الفاضل، فهذه فوائد ضمير الفصل.
وهل هذا الضمير له محل من الإعراب؟
طالب: (...).
الشيخ: فيه خلاف، بعضهم قال: إن محله ما قبله، محله من الإعراب محل ما قبله، وبعضهم قال: إنه حرف لا محل له من الإعراب؛ ولهذا يسميه الكوفيون يسمونه حرف عماد، يعني: تعتمد عليه الجملة وليس له محل من الإعراب، وهذا هو المعروف، فيقولون: هو ضمير فصل لا محل له من الإعراب.
وقوله: أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَهؤلاء جمعوا بين البر والتقوى، البر بالصدق، والتقوى بهذا الوصف أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ، وإنما قلنا: إن الصدق بر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِّرِّ، وَإِنَّ البِّرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ» ، فجمعوا بين البر والتقوى، وهذا ما أمر الله في قوله: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢].
طالب: هنا الترتيب هذه الآية ما فيه ترتيب يعني البأساء، الضراء، حين البأس صار يختلف عن الترتيب..
الشيخ: إي، يختلف؛ وذلك لأن الانتقال من الأسهل إلى الأشد، الفقر أسهل على الإنسان من المرض أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: والمرض أهون عليه من القتال، فهو انتقال من الأسهل إلى ما فوقه.
طالب: أُولَئِكَإشارة للبعيد؟
الشيخ: إي، الإشارة للبعيد هنا لعلو المرتبة، الإشارة بالبعيد لما هو قريب لأجل علو مرتبته؛ ولهذا شوف أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُواوكرر الإشارة مرة ثانية، كل هذا من باب التأكيد والمدح والثناء، كأن كل جملة منها -من هاتين الجملتين- مستقلة، ما قال: أولئك الذين صدقوا والمتقون أو واتقوا بل وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ، وقد قلنا: إن الإشارة للبعيد لعلو المرتبة في أول سورة البقرة في قوله تعالى: الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: ١، ٢]، ولا قال: هذا الكتاب.
ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى [البقرة: ١٧٨] هذا النداء يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواقلنا: إن افتتاح الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المخاطب، فهمتم؟
ثم نداؤهم بهذا الوصف: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوافائدته له ثلاث فوائد، أولًا: الإغراء والحث، فإن وصفهم بالإيمان يفيد إغراءهم وحثهم على التزام ما ذكر الله عز وجل، هذه واحدة، الفائدة الثانية: أن ما ذكر من مقتضيات الإيمان، يا أيها الذين آمنوا كذا وكذا، معناه أن هذا من مقتضى الإيمان، الثالث: أن مخالفته نقص في الإيمان؛ ولهذا خوطب به المؤمن، فإذا لم يقم بذلك معناه أن إيمانه ناقص ما يستحق أن يوجه إليه هذا الخطاب.
فعندنا الآن بحثان -يا جماعة-: البحث الأول: تصدير الحكم أو تصدير توجيه الأحكام بالنداء، وأيش يفيد؟
الطلبة: (...).
الشيخ: الاهتمام، لماذا؟ وجه ذلك؟
الطلبة: (...).
الشيخ: لأنك إذا ناديته معناه أنك دعوته إلى أن ينتبه، والشيء الذي يدعى للانتباه به معناه أنه ذو أهمية يجب التنبه له.
وجعل الخطاب معلقًا بوصف الإيمان يفيد ثلاث فوائد، الأولى؟
طالب: الإغراء والحث.
الشيخ: الإغراء والحث. الثانية؟
طالب: وصف الإيمان، أغراهم بوصف الإيمان.
الشيخ: لا، ذكرنا هذا. الثاني؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: أن ذلك من مقتضيات الإيمان.
الشيخ: أن هذا من مقتضيات الإيمان، والثالث؟
طالب: أن عدمه نقص في الإيمان.
الشيخ: نقص في الإيمان صحيح، أن مخالفته نقص في الإيمان.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواذكر أهل العلم أن غالب السور المدنية يكون فيها الخطاب بـيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواوالمكية؟
الطلبة: بـيَا أَيُّهَا النَّاسُ.
الشيخ: بـيَا أَيُّهَا النَّاسُ، لكن هذا ليس على إطلاقه، هذا إن قلنا فإنما نقول: إنه أغلبي؛ لأن سورة البقرة مدنية بالاتفاق وفيها؟
الطلبة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.
الشيخ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواويَا أَيُّهَا النَّاسُصح ولَّا لا؟ سورة الحجرات مدنية بالاتفاق، ومع ذلك فيها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواويَا أَيُّهَا النَّاسُ، وفي سور كثيرة فيها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواوهي مكية، وعلى هذا فنقول: هذا الذي ذكره بعض أهل العلم إنما هو على سبيل الأغلبية فقط، إن صح ذلك.
طالب: شيخ، بالنسبة لـيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوامكية؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (...) أنا بحثت ما وجدت.
الشيخ: ما وجدت؟ سورة الحج وأيش؟
الطالب: الحج مدنية.
الشيخ: مدنية؟
طالب: (...) المصحف أنها مدنية.
الشيخ: إي، فيها فيها، أنا متأكد، بس أنا ما أحفظ المكيات من المدنيات لكن متأكد أن فيه مدنيات فيها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.
طالب: في بحثي أنا ما وجدت.
الشيخ: لا، فيه فيه ابحث وتجد.
طالب: يعني مدنية تبدأ بـيَا أَيُّهَا النَّاسُ.
طالب آخر: مكية.
الشيخ: لا، مدنية فيها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.
الطلبة: مكية.
الشيخ: مكية فيها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.
طالب: ما أعرف شيء فيها يَا أَيُّهَا النَّاسُ.
الشيخ: وفيها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.
الطالب: إي، لكن يعني حسب قول العلماء يقولون: يَا أَيُّهَا النَّاسُمكية، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوامدنية.
الشيخ: إحنا قلنا: هذا غير صحيح في يَا أَيُّهَا النَّاسُ، في يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواأيضًا غير صحيح؛ لأن فيه سورًا مكيات وفيها يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، تأملوها إن شاء الله تلقونها، وكلنا إن شاء الله نبحث فيها بعد.
طالب: الحج ما هي مكية؟
الشيخ: الحج أنا أتصور مكية شوف المصحف.
طالب: في المصحف مدنية.
الشيخ: مدنية؟
طالب: (...) مثلًا مكية يقول: مكية إلا من آية كذا إلى كذا.
طالب آخر: مدنية.
الشيخ: مدنية؟
طالب: كل الآيات وبين قوسين (...) ٥٤، (...) بين مكة والمدينة.
الشيخ: هذه كلها غالبًا ما عليها دليل، إحنا نقول: إن السورة المكية إذا لم يذكر إنسان دليلًا على أنه مستثنى منها شيء، وإلا فهي مكية.
طالب: فمن هذا اللي واضع (...)؟
الشيخ: الظاهر أنهم من المفسرين والقراء.

***

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَىكُتِبَبمعنى فرض، كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة: ١٨٣] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ، وسمي الفرض: مكتوبًا؛ لأن الكتابة تثبت الشيء وتوثقه، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة: ٢٨٢]؛ لأن الكتابة لا شك أنها توثق الشيء وتؤكده؛ ولهذا سمي الفرض مكتوبًا.
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَىالقصاص هذه نائب الفاعل، والقصاص يشمل إزهاق النفس وما دونها، قال الله تعالى في سورة المائدة: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة: ٤٥]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام في كسر الرُّبَيِّع -ثنية جارية من الأنصار كسر سنها- قال: «كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» ، لكن هنا قال: فِي الْقَتْلَىخرج به القصاص فيما دون القتل، فالآية هنا في أيش؟
الطلبة: في القتل.
الشيخ: في القتل، دونه ما دونه، وفي سورة المائدة في القتل وفيما دونه أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِإلى آخره [المائدة: ٤٥].
وقوله تعالى: الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَىالقتلى جمع قتيل، مثل جرحى جمع جريح، وكَسرى جمع كسير، وأسرى جمع أسير.
وقوله: فِي الْقَتْلَىأي: في شأن القتلى، ليس في القتلى أنفسهم؛ لأن القتيل مقتول ما فيه قصاص، لكن في شأنهم، واللي بيقتص منه من؟
طالب: (...).
الشيخ: القاتل.
وقوله: الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّيشترط للقصاص حسب ما دلت عليه السنة شروط، يعني ما كل من قتل يقتص منه: يشترط أن يكون القتل عمدًا، وقتل العمد قال العلماء في تعريفه: هو أن يقصد من يعلمه آدميًّا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موته به، أي: موت المقتول به فهمتم التعريف؟ القتل العمد هو أن يقصد من يعلمه آدميًّا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موته به.
طالب: وإن كان يعني لا يريد قتله ولكن ضربه فقط ضربة فقتل، يعني ضربه ضربة ما كان يريد قتله، يريد ضربه؟
الشيخ: لكنه بما يغلب على ظنه يموت به.
الطالب: ما كان يريد قتله كان يريد فقط ضربه؟
الشيخ: إي، لكن هذه الآلة التي ضربه بها، وأيش تعتبر قاتلة ولا غير قاتلة؟
الطالب: (...).
الشيخ: إذا كانت قاتلة فهو عمد؛ لأن النية محلها القلب، ما يعرف عنها، ولو أننا رفعنا ذلك بالنية لكان كل واحد يدعي ذلك، ثم نقول: إن قتله ليس بعمد.
فيقتله بما يغلب على الظن موته به هذا هو العمد، فإن كان خطأ فلا قصاص؛ لقوله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ [النساء: ٩٢]، شوف تحرير رقبة ودية، إذن فيه قصاص ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، ما فيه قصاص، ليس فيه قصاص؛ لأن الله إنما أوجب الدية، وكذلك أيضًا خرج به شبه العمد، فشبه العمد لا قصاص فيه، وشبه العمد: أن يتعمد الجناية بما لا يقتل غالبًا -ترى هذا بحث فقهي لكن ما يضر- أن يتعمد الجناية فيما لا يقتل غالبًا مثل؟
طالب: العصا.
الشيخ: كالعصا والسوط والصفعة وما أشبه ذلك، هذه لا تقتل غالبًا فهي شبه عمد، لا تكون عمدًا ولا خطأ إنما هي شبه عمد؛ لأن الرجل قصد الجناية ولم يقصد القتل، (...) معناه أنه ما نوى القتل لكن قصد الجناية بآلة لا تقتل، فيكون شبه عمد، شبه العمد ليس فيه قصاص؛ وذلك لأن الجناية لا تتحمل القصاص حيث إنها لا تقتل، لكنها أغلظ من الخطأ لوجود العمدية فيها، هذا الشرط الأول أن يكون عمدًا.
الشرط الثاني لوجوب القصاص: تكليف القاتل، بأن يكون بالغًا أيش؟
طالب: عاقلًا.
الشيخ: عاقلًا، فإن كان صغيرًا أو مجنونًا فلا قصاص عليه؛ لحديث: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» ، ولأنه -أي الصغير والمجنون- لا قصد له، ونحن اشترطنا في العمد أن يكون عن قصد، والصغير والمجنون ليس لهما قصد، فلا يكون قتلهما عمدًا بل هو خطأ.
الشرط الثالث..
طالب: تعريف الصغير؟
الشيخ: الصغير هو الذي لم يبلغ، يعني ما تم، والبلوغ معروف أنه يحصل بواحد من ثلاثة أمور بالنسبة للرجل، وبواحد من أربعة أمور بالنسبة للمرأة.
طالب: يصير قوي، يقتل (...) أربعة عشر أو أربعة عشر ونصف يعني لو ما قتلناه يمكن يقتل واحد اثنين ثلاثة؟
الشيخ: هذا رجل يتم خمسة عشر الساعة (١٢) من يوم الخميس، فهمت يتم خمسة عشر؟ فقتل رجلًا الساعة (١٢) يوم الأربعاء نقول: هذا خطأ ليس بعمد، وإن قتله الساعة واحدة يوم الخميس؟ فهو عمد، بل إنه لو قتله الساعة (١١) يوم الخميس؟
طالب: خطأ.
الشيخ: فهو خطأ، وإن قتله الساعة واحدة؟ كان عمدًا، قد تتعجب الإنسان يقول: هذا الرجل وأيش الفرق بين ساعتين: إن قَتَل قُتِل وإن قَتَل لم يُقْتَل؟ نقول: لأنه لا بد من حد وضابط، الحد هو تمام خمس عشرة سنة.
أما البلوغ بالإنبات وبالإنزال هذا واضح، لكن الذي قد يستغربه الإنسان البلوغ بالسن فيقال: لا بد من حد، إذن كم تريد أن نجعل؟ إن جعلت ثمان عشرة سنة؟ فهو نفس الشيء، قبل أن يتم ثمان عشرة سنة بساعة عمده خطأ، وبعدها عمده عمد، فلما صار لا بد من ضابط، لا بد من ضابط يرجع إليه، وكان الضابط الذي دل عليه النص هو تمام خمس عشرة سنة أخذنا به، وإن كان مراهقًا ويعرف وربما إنه أيضًا يقول للناس: إنه بيقتل فلان، نقول: هذا خطأ.
أما هذا المجنون فأمره ظاهر أن عمده خطأ، واختلف العلماء فيمن زال عقله بسبب محرم، مثل؟
طالب: السكران.
الشيخ: السكران، فالمشهور من المذهب أنه لا عبرة بزوال عقله هذا، وأن حكمه حكم العاقل، فيؤاخذونه بجميع أقواله وأفعاله، حتى إن السكران عندهم لو قال عنده أربع نساء، وعنده مئة رقيقة ورقيق، وعنده عشرة بيوت، فقال: زوجاتي طوالق، وأرقائي أحرار، وبيوتي أوقاف في سبيل الله وهو سكران، فالمذهب؟ أنه نافذ، المهم يؤاخذونه بأقواله وأفعاله.
والقول الثاني: أنه لا يؤاخذ بالأقوال ويؤاخذ بالأفعال، فتكون أفعاله كأفعال الصاحي؛ لأن الفعل أغلظ من القول؛ ولأن القول يهذي به الإنسان بدون قصد.
والقول الثالث: أنه لا يؤاخذ لا بأقواله ولا بأفعاله، وهذا هو القول الراجح، وأن حكم أقواله ليس لها عبرة كحكم المجنون، وكذلك أفعاله حكمها حكم فعل المجنون، إلا أن ابن القيم استثنى مسألة واحدة -قد يكون له وجه- وهو: أنه إذا شرب ليفعل، وجعل الشرب حيلة لينال غرضه، مثل أن يكون مريدًا للاعتداء على شخص أو مريدًا للزنا بامرأة، فلما انفرد بمن يريد شرب خمرًا، علشان يباشر هذا الشيء وهو سكران، فيرتفع عنه حكم الجناية، فهذا لا شك أنما قاله وجيه؛ لأنه سكر لقصد، لقصد الفعل، فيكون قاصدًا له قبل أن يزول عقله، وحينئذ يؤاخذ به..
طالب: من يعلم؟
الشيخ: من يعلم، هذا نعرفه بالقرائن، نعرفه بالقرائن إذا كان مثلًا هو يتوعد أو يتهدد أو يقول مثلًا: إنه ليته يتصل بالمرأة الفلانية أو ما أشبه ذلك، لا بد من قرائن، وإلا فالأصل العصمة.
طالب: وكل من يفعل ها الحدود والجنايات قالوا: كنا سكارى؟
الشيخ: لا، إذا قالوا: إنهم سكارى نقول: هاتوا الشهود، لكن الكلام على ثبوت أنه سكران، ويبقى على رأي غانم نحن لا نفتي الآن في مسألة الطلاق، وإلا ترد علينا أسئلة كثيرة في طلاق السكران، ونحن نرى من الناحية العلمية أنه لا يقع طلاقه لو يطلق ألف مرة، لكننا لا نفتي بذلك من الناحية التربوية العملية، إحنا دائمًا نقول لكم: إن العلم يجب أن يكون مقرونًا بالحكمة والتربية؛ ولهذا عمر رضي الله عنه لما رأى الناس كثر الطلاق فيهم طلاق الثلاث وأيش فعل؟ أمضاه عليهم ، ولما رأى كثرة بيع أمهات الأولاد، منع من بيعها ، ولما رأى أن عقوبة شارب الخمر لا تكفي في الأربعين زادها ، فأنا إذا استفتاني أحد في هذا أقول: اذهبوا إلى المحكمة، لكن فيما بينكم أنتم تتعلمون الآن ما تستفتون، نقول: إن طلاق السكران لا يقع.
وقولهم: إنه ناشئ عن فعل محرم فلا ينبغي الرفق به، نقول: لكن هذا الفعل المحرم له عقوبة مقدرة من الناحية الشرعية وهي؟ الجلد فلا نزيده، ثم إن مسألة وقوع الطلاق عليه ضرر بغيره وهي؟ الزوجة، وقد يكون له أولاد منها، وقد تكون هذه آخر طلقة، ثم إنه كما قال الإمام أحمد: كنت أقول بطلاق السكران حتى تبينته -رحمه الله شوف رجع عن قوله- فرأيت أني إذا أوقعت الطلاق أتيت خصلتين: حرمتها على زوجها، وأحللتها لغيره، وإذا قلت بأنه لا يقع، أتيت خصلة واحدة أحللتها لزوجها، وأيهم أولى؟ خصلة أو خصلتين؟
طالب: خصلة.
الشيخ: الخصلة الواحدة، وهذا تصريح واضح منه بأنه رجع عن هذا القول؛ ولذلك ما ينبغي أن ينسب إلى الإمام أحمد هذا القول، أعني وقوع طلاق السكران، لكن ينسب إلى مذهبه أيش؟ اصطلاحًا لا شخصيًّا.
ثم نرجع إلى الشروط لأنها ضاعت علينا شروط القصاص: أن يكون القتل عمدًا، الثاني: أن يكون القاتل مكلفًا، أي: بالغًا عاقلًا، الشرط الثالث: أن لا يكون أفضل من المقتول في الدين والحرية والملك، ثلاثة أشياء، مفهوم؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: في الدين، يعني بأن لا يكون مسلمًا والمقتول كافرًا، فإن كان القاتل مسلمًا والمقتول كافرًا، فهو أفضل منه في الدين فلا قصاص؛ لأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث على بن أبي طالب: «أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» ، فإن كان مساويًا له في الدين مسلم بمسلم؟ يقتص إذا تمت الشروط، إذا كان المقتول أعلى: القاتل كافر والمقتول مسلم، يقتل؟
الطلبة: يقتل.
الشيخ: إي نعم، يقتل من باب أولى.
إذا كان القاتل عدلًا ثقة عالمًا أمينًا والمقتول فاسقًا فاجرًا خائنًا؟
الطلبة: يقتل.
الشيخ: يقتل لأيش؟
طالب: لأن دينهم واحد.
الشيخ: إيه؛ لأن الدين واحد وهو الإسلام، إلا إذا فعل المقتول إذا كان المقتول مثلًا مبتدعًا بدعة مكفرة أو فاسقًا فسقًا مكفرًا، فإنه لا يقتل؛ لأنه كافر ما يقتل به المسلم.
طالب: الكافر بالكافر شيخ؟
الشيخ: يقتل، ولو كان ذميًّا وحربيًّا.
ولا في الحرية: أن لا يكون القاتل أفضل في الحرية، وأيش معنى الحرية؟ يعني: حر هو القاتل، والعبد مقتول، لا يقتل الحر بالعبد؛ لأن الحر؟ أعلى منه، أما العبد فإنه حكمه حكم البهيم، إي نعم، يباع ويشترى ويرهن ويوقف يسبل ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: إي نعم، كل هذا ثابت، كل هذا ثابت له، ثم إنه تضمن أطرافه بما تضمن به أطراف البهائم، يعني: لو قطع واحد إصبعه إصبع العبد وأيش نضمنه؟ نقول: عليك عشر الدية؟
طالب: لا.
الشيخ: الحر إذا قطع إصبعه هذا عليه عشر الدية، وهذا صغير حق الرجل؟ عليه عشر الدية، والإبهام حق اليد الذي يقوم مقام الأربعة كلهم كم فيه؟ عشر الدية، لكن العبد لا، نقومه تقويم مال، عبد قطع خنصر رجله نقول: كم يسوي وهو غير مقطوع؟ قالوا: يسوى عشرة آلاف، كم يسوى وهو مقطوع خنصر الرجل؟ قالوا: يسوى تسعة آلاف.
طالب: (...).
الشيخ: ما يخالف، يسوى تسعة آلاف وتسع مئة وخمسين كم قيمة الخنصر؟ خمسين ريال، لكن قطع إبهام يده اليمنى وهو يكتب كاتب أو يخيط، قيمته عشرة آلاف كم يسوى الآن؟
طالب: خمسة آلاف.
الشيخ: خمسة آلاف، شوف الفرق يقوم تقويم البهائم، فلما كان العبد بمنزلة البهيمة ما يمكن يقتل به الحر، فهم يستدلون -الذين يقولون بهذا- يقولون: إن الحر أعلى منه وأكمل، وعليه واجبات، ويضمن بالدية المقدرة شرعًا، وهذا العبد مملوك ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ» ، «مَنْ بَاعَ عَبْدًا» يباع ويشترى ويضمن بما نقص كما تضمن البهائم، فلا يمكن أن يجعل هذا المضمون بالقيمة أن يقتل به من يضمن بالدية، ثم إنه قد ورد حديث لكن اختلفوا فيه: «لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ» ، فالذين اعتبروه حجة استدلوا به، ولكن ورد في رواية الحسن عن سمرة بن جندب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ، وَمَنْ خَصَى عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ» .
طالب: (...)؟
الشيخ: من قتل واضح، جدع وأيش معنى جدع؟
الطلبة: قطع.
الشيخ: قطع الأنف (...) الجدع معناه قطع الأنف، والخصاء؟ الخصاء معروف.
قالوا: فهذا دليل إذا كان من السيد، السيد جامع بين وصفين ما هما؟
طالب: الحرية والسيادة.
الشيخ: الحرية والسيادة على هذا العبد، فإذا كان يقتل بعبده، فغير السيد من باب أولى، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، ويأتي إن شاء الله تحقيقها في باب القصاص.
الشرط الثالث قلنا: الوصف الثالث: أن لا يكون القاتل أعلى منه في الدين والحرية والملك، والملك وأيش معنى والملك؟ معناه أن يكون القاتل والمقتول كلاهما رقيق، لكن القاتل مالك للمقتول.
طالب: القاتل مالك؟
الشيخ: إي نعم، القاتل مالك للمقتول، كلاهما رقيق لكن القاتل مالك للمقتول، فهنا ما فضله في الحرية لكن فضله في الملك يعني أنه مالك له.
طالب: مثاله؟
الشيخ: بيجي إن شاء الله، المثال: المكاتب الذي اشترى نفسه من سيده يملك التصرف والبيع والشراء ولَّا لا؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: من جملة المشتريات اللي هو بيتكسب به شرى عبد، يملكه ولا ما يملكه؟
الطلبة: يملكه.
الشيخ: يملكه، المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وهذا المشترى عبد، فلو أن المكاتب قتل هذا العبد لا يقتل به؛ لأنه أعلى منه؟
الطلبة: في الملك.
الشيخ: في الملك، فهو مالك والمقتول مملوك، وهذه المسألة أضعف من المسألة التي قبلها فإذا قلنا: إن الحر يقتل بالعبد، فهذا أيضًا؟
طالب: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى، كم الشروط الآن؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة.
الشرط الرابع: أن لا يكون القاتل والدًا للمقتول، فلا يقتل الأب بالابن لو أن إنسانًا -العياذ بالله- قتل ابنه عمدًا فإنه لا يقتل به،
لماذا؟ قال: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يُقْتَلُ وَالِدٌ بِوَلَدِهِ» ، وهذا ظاهر أنه ما يجوز أنه يقتل، والثاني: أن الوالد سبب في إيجاد الولد، فلا ينبغي أن يكون الولد سببًا أن نجعل الولد سببًا في إعدامه، فهاهنا دليلان: دليل أثري ودليل نظري؛ فلذلك لا يقتل الوالد -يعني ولا الوالدة وإن علت- بالولد بهذا الحديث ولهذا النظر أو التعليل.
وهذه المسألة أيضًا فيها خلاف بين أهل العلم فمن العلماء من قال: إن الوالد يقتل بالولد وضعفوا الحديث، أو قالوا: إنه محمول على ما إذا شككنا؛ لأنه بعيد كل البعد أن يأتي والد يقتل ولده عمدًا محضا ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: هذا من أبعد ما يكون، فكأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: لا يقتل؛ لأنه بعيد أن يكون هذا الأمر، فلا نتسرع ونقتل الوالد بالولد، وهذا عندهم مبني على صحة الحديث، فإن قلنا بضعفه فالأمر ظاهر، إذا قلنا بضعف هذا الحديث فعندنا عمومات الكتاب والسنة الدالة على وجوب القصاص النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة: ٤٥]، لكن إذا قلنا بصحة هذا الحديث فإنه يحمل على أن هذا أمر نادر، فلا يقتل والد بولده.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وإذا قلنا: إنه لا يقتل الوالد بالولد، فإن إلحاق الجد أبي الأم بذلك بعيد، يعني: إدخاله في الحديث بعيد، وعندي: أنه إذا صح الحديث فإنه يقال بذلك وليس فيه بعد؛ لأن المسألة مبنية على أن ذلك من الأصول.
أما تعليلهم وقولهم: إنه هو السبب في إيجاد الولد فلا يكون الولد سببًا في إعدامه، فهذا التعليل عليل ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: هذا التعليل عليل؛ لأن حقيقة الأمر إحنا ما قتلناه بفعل الولد قتلناه بأيش؟
الطلبة: بفعله.
الشيخ: بفعله هو، هو الذي تسبب، ثم إن هذا -والعياذ بالله- من أبلغ ما يكون من قطيعة الرحم ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: أقرب الناس إليك من كان بضعة منك، كيف أنك -والعياذ بالله- تقطعه هذه القطيعة وبعدين تقتله! فنجازي هذا الذي قطع رحمه برفع القتل عنه؛ ولهذا مذهب الإمام مالك رحمه الله: أنه إذا قتل ولده قتلًا لا شبهة فيه بأن أخذ السكين فأضجعه وذبحه، فإنه يقتل به، أما إذا كان ذلك عن غيرة وحنق وغضب بحيث لا يملك نفسه، فإنه لا يقتل به، وهذه المسألة الأخيرة تقع بعض الأحيان، تقع، يوجد بعض الناس -والعياذ بالله- ما يملك نفسه عند الغضب يأخذ البندق (...) نسأل الله العافية، أو بعض الجهلة من البدو إذا تزوج واحد منهم امرأة غير..