إن هذا السؤال عن أيش؟ عن قربه وإجابته عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ.
من يسأل؟
طالب: (إنْ) إذا قلنا: إنها بعيدة الوقوع (...)؟
الشيخ: لا، قد تدخل ما هي مستحيلة ولا بعيدة، لكن الفرق أن (إذا) تدل على أن الأمر سيقع بخلاف (إنْ).
طالب: (...)؟
الشيخ: هو لا بد يكون له ولد؟ ما هو لا بد يكون.
الطالب: قد يكون.
الشيخ: قد يكون وقد لا يكون، لكن (إذا) تدل على أن هذا الشيء سيكون.
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّيشوف سَأَلَكَ عِبَادِيالياء تعود على الله، عَنِّيعلى الله، فَإِنِّي قَرِيبٌما قال: فقل: إني قريب، فبعضهم قال: إنه على تقدير (قل)، إذا سألك عبادي عني فقل: إني قريب، فيكون الجواب محذوف، جواب (إذا)، وإِنِّي قَرِيبٌمقول هذا المحذوف، معموله، يعني: مقول القول، فقل: إني قريب، ولكن الصحيح أنها لا تحتاج إلى تقدير؛ لوجهين:
الأول: أن الأصل عدمه، وما دام الكلام يستقيم بدون التقدير فهو أولى.
ثانيًا: أن الله عز وجل قال: فَإِنِّي قَرِيبٌكأن الأمر أبين من أن يحتاج إلى السؤال، فَإِنِّي قَرِيبٌ، إِذَا سَأَلَكَفَإِنِّي قَرِيبٌ، فهذا أبلغ من قوله: فقل: إني قريب.
وقوله تعالى: فَإِنِّي قَرِيبٌالياء نقول: إنها تعود إلى الله عز وجل، فأخبر الله أنه قريب هو بنفسه فَإِنِّي قَرِيبٌ؛ لأن الضمير يعود على الله عز وجل، ولكن ما معنى القرب الذي أثبته الله لنفسه؟ هل المراد أنه حال في المكان؟ ويش الجواب؟ لا، هذا شيء مستحيل، ولا يمكن أن تنزل الآية على شيء مستحيل، ولكنها تنزل على معنى يليق به سبحانه وتعالى، وهو كما قال شيخ الإسلام: قريب مع علوه، مع علوه على عرشه؛ لأنه محيط بكل شيء، والمحيط بكل شيء هو قريب وإن كان بعيدًا في علوه سبحانه وتعالى.
وهذا القرب لا يستلزم النقص، بل هو دليل على الكمال، ووجه ذلك: أنه إذا كان فوق السماوات العلا مستويًا على عرشه وهو قريب ويش يدل عليه؟ على كمال عظمته وإحاطته سبحانه وتعالى، وإلا فإن الإنسان بالنسبة للمخلوقات لا يتصور أن شيئًا بهذا البعد يكون قريبًا؛ لأن الله فوق كل شيء، فلكماله سبحانه وتعالى وكمال عظمته يكون قريبًا مع علوه؛ ولهذا في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ذكر أنهم كانوا إذا علوا شرفًا أو هبطوا واديًا كبروا ورفعوا أصواتهم، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَإِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ» ، فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أنه لا حاجة إلى أن الإنسان يتعب نفسه برفع الصوت بالدعاء والتكبير؛ لأن الله جل وعلا قريب، قريب وإن كان فوق عرشه.
واعلم أن بعض بل الحلولية من الجهمية وغيرهم يستدلون بمثل هذه النصوص المتشابهة على باطلهم، فلا تكون قلوبهم متسعة للجمع بين الأدلة، ولا تكون قلوبهم متسعة للفرق بين الخالق والمخلوق، فيأخذون بنصوص ويدعون مثلها، ومن الغريب أن الشيطان لبَّس عليهم -والعياذ بالله- فأخذوا بالنصوص التي هي نقص في حق الخالق، وتركوا النصوص التي هي كمال في حق الخالق، تركوا نصوص العلو وهو كمال، وأخذوا بهذه النصوص المتشابهة، وهي -على ما قالوه- تقتضي النقص، وأن الله سبحانه وتعالى تحيط به مخلوقاته، وأنه لا ينزه عن الأماكن التي ينزه عنها عامة الخلق.
فالحاصل أننا نقول: إن هذا القرب لا يجوز لنا أن نتوهم أنه سبحانه وتعالى في الأماكن التي نكون فيها، وكل ما جاءك من هذه النصوص فاعلم أنه دال على عظمة الله عز وجل وإحاطته، ومنه ما جاء في الحديث: «عَبْدِي، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، فَقَالَ: كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ، فَإِنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ»، هذا يفرح به الحلولية ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يطبِّلون له، هذا واضح جدًّا عندهم، فيقال: أنتم نظرتم بعين أعور، عندكم نظر إلى النصوص من وجه، وطرف لها من وجه آخر، أهملتم الأدلة العقلية الفطرية السمعية على أن الله تعالى فوق عرشه مستوٍ عليه وأخذتم بمثل هذه النصوص المتشابهة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ» . هؤلاء هم الذين سمى الله.
فنحن نعلم علم اليقين أن الرسول عليه الصلاة والسلام فيما نقل عن ربه في قوله: «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» ما أراد أنه وجده في الحجرة التي فيها المريض، ولكن لما كان المريض في الغالب -ولا سيما المؤمن- يكون عنده من الانكسار، من انكسار القلب والإنابة إلى الله عز وجل والخضوع ما لا يكون عنده في حال الصحة، فإن الله تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، صح أن يعبر بهذا التعبير.
فهذه النصوص يا إخواني لا تظنوا أنها تنافي نصوص العلم؛ لأنه -كما قلت لكم- تدل على عظمة الخالق جل وعلا، وأنه مع علوه بذاته على عرشه قريب من خلقه، يقرب من خلقه كما يشاء، ولا منافاة، هذا صحيح بالنسبة للمخلوق، ما يمكن يكون في أعلى شيء ويقال: إنه قريب، لكن الله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١].
ومثله كذلك أيضًا قوله تعالى في الحديث القدسي: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» ، وما أشبه ذلك من الأحاديث التي قد يعجز أو تعجز عقول بعض الناس عن إدراكها، فيحاولون أن يؤلوها، فنحن نقول: إن الله عز وجل يقرب من خلقه كما شاء، كما قال السلف، ولا نكيف، نقول: الله أعلم بهذه الكيفية، لكن نعلم أنه سبحانه وتعالى وإن قرب من خلقه وإن نزل إلى السماء الدنيا نعلم أنه لا يزال عاليًا، لا يزال عاليًا سبحانه وتعالى.
طالب: شيخ، هل نقول: وجدت عنده ثواب أو مغفرة؟
الشيخ: لا، ما يستقيم؛ لأنه في الإطعام لما قال: «اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فَلَمْ تُطْعِمْهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي» ، ففرق الله عز وجل بين الإطعام وبين عيادة المريض.
طالب: «يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ» نقول: نحمله عليها؟
الشيخ: نعم، نحن نحمله على الحقيقة، «يَخُوضُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ» بمعنى ينغمر فيها.
الطالب: نعم، يعني في الأجر والثواب؟
الشيخ: في الأجر والثواب، إي نعم، ما في إشكال.
طالب: لكن كيف نقول: «وَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» (...) ما نحمله على (...)؟
الشيخ: ما نحمله؛ لأن هذا حديث واحد فرق فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام فيما روى عن ربه.
الطالب: نحن ما نتصور (...)؟
الشيخ: لا، نحن نتصور، يتصور، العندية لا تنافي العلو بالنسبة لله عز وجل، أما بالنسبة للمخلوق نعم ما يكون عندك وهو بالسطح، لكن بالنسبة لله عز وجل ما هو صفاته كصفاتنا، فالحديث الذي ورد ذكر في الطعام قال: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي» بهذا اللفظ، وفي العيادة قال: «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» ففرق بينهما.
طالب: شيخ، الفطرة في الدعاء ما تحبذ هذا القول؛ لأن الله عز وجل ليس قريب لا بذاته ولا يعني الكيفية، أو الفطرة تقول: إن الله بعيد ليس بقريب؟
الشيخ: إن الله في السماء لكن مع علوه هو قريب.
الطالب: بس الفطرة تقول: ليس بقريب؟
الشيخ: لا، ما يمكن.
طالب: إيه، أن الله عز وجل..
الشيخ: لا، إذا قلت: ليس بقريب بمعنى أن الله سبحانه وتعالى أنه هو في المكان هنا (...)، لكنه قريب قربًا يليق به، ما نعرف حقيقة كيف يكون قريبًا، نثبت أنه قريب، ولكن ما نعلم كيف هذا القرب.
(...) لم يلزم أن يكون ذلك في حق الخالق؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: فهو علي في دنوه قريب في علوه. فلا يقاس بخلقه.
قوله تعالى: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، قال: فَإِنِّي قَرِيبٌقَرِيبٌهذه خبر (إن)، فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِأنتم فهمتم الآن أنه قريب مع علوه، وأنه لا تناقض بينهما؛ لأن الله لا يقاس بالمخلوقات، فهو قريب في علوه، عليٌّ في دنوه، سبحانه وتعالى.
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِقوله: أُجِيبُهذه الجملة خبر ثانٍ لـ(إن)، فيكون خبرها اسما وجملة، يعني خبرها مفرد، والخبر الثاني جملة، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِالدعاء بمعنى الطلب، وقوله: دَعْوَةَ الدَّاعِأصلها: الداعي بالياء، كالقاضي والهادي لكن حذفت الياء للتخفيف، نظيرها قوله تعالى: الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [الرعد: ٩] وأصلها: المتعالي، هذا في ما فيه (أل)، وقد تحذف في الذي ليس فيه (أل)، قد تحذف في شيء ليس فيه (أل)، كما في قوله تعالى: وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد: ١١] أصلها: من والي، وكل ذلك للتخفيف.
دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِشوف قال: إِذَا دَعَانِ، مع أنه لا يكون داعيًا إلا إذا دعا، وحينئذٍ قد يقول قائل: ما فائدة الشرط؟ الداعي هو ما كان داعيًا إلا لما دعا، وحينئذٍ فما فائدة الشرط في قوله: إِذَا دَعَانِ؟
نقول فائدته: الإشارة إلى أمرين، بل إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: الإخلاص، بأن يدعو الله تعالى نفسه ما يتخذ بينه وبينه وسائط، فيقول: يا رسول الله، ادع الله لي، بعد ممات الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يا أيها الولي الفلاني -بعد موت الولي- ادع الله لي، أو ما أشبه ذلك، ففائدتها الإخلاص أن يكون مخلصًا لله في الدعوة.
الفائدة الثانية: اعتقاد أن الله سبحانه وتعالى محقق له ما دعا؛ لأنك ما تدعو أحدًا بصدق إلا وأنت واثق من إجابته؛ ولهذا جاء في الحديث: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ» ، فيكون فائدتها: إِذَا دَعَانِأي: حقًّا، دعاني حقًّا يعلم أنني سأوتيه دعوته.
الشيء الثالث: تفيد صحة افتقاره إلى الله، وأنه حقيقة مفتقر له؛ إذ إنه لا يدعى إلا من كان مفتقرًا إليه، فيكون فائدة ذلك تحقيق هذا الدعاء على الوجوه الثلاثة، وهي: الإخلاص ويش بعد؟ الإيقان بالإجابة، والثقة بالله عز وجل، والثالث: صحة الافتقار إلى الله، بحيث إنه ما دعا إلا وهو مفتقر؛ لأن المستغني ما يدعو، المستغني لا يدعو.
وقوله: إِذَا دَعَانِأصلها: دعاني بالياء، فحذفت الياء تخفيفًا.
وقوله: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِشوف ما قال: أجيب مسألته، قال: أجيب دعوته، وإجابة الدعوة لا يلزم منها تحقيق المسألة؛ إذ قد لا يجيب الله تعالى مسألته، ولكن يجيبه إما بأن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم، وإما بأن يدخرها له، فإذا لم يجب ما سأله بعينه وادخره له أو صرف عنه من السوء ما هو أعظم، فهل يقال: إنه أجاب الدعاء ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: أجاب الدعاء لا شك، لكنه لحكمته ولرحمته بهذا الداعي اختار له ما اختار، قد يكون من مصلحة الداعي أن تجاب دعوته، قصدي أن تجاب مسألته التي سأل، وقد لا يكون من المصلحة.
وقوله: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِقال بعدها: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيأي: فليجيبوا لي؛ لأن استجاب بمعنى أجاب، كما قال الله تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ [آل عمران: ١٩٥] أي: أجاب، وكما قال تعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ [الشورى: ٣٨] بمعنى أجابوا له، وقوله: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيهنا ما قال: فليستجيبوني، (...) أجاب يقال: أجابه، لكن هنا عداها باللام: استجاب له؛ لأنه ضُمن معنى الانقياد، وإلا لكانت (أجاب) تتعدى بنفسها، نظيرها قوله صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ: فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا لَكَ بِذَلِكَ ، (أَجَابُوا لَكَ) ولم يقل: أجابوك، فضمن الإجابة معنى الانقياد.
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِييعني: فلينقادوا لي إجابة، مبنية على ما بعدها وَلْيُؤْمِنُوا بِيمبنية على الإيمان، وهنا قال: وَلْيُؤْمِنُوا بِيدون وليؤمنوا لي؛ لأن الإيمان بالله متضمن للاطمئنان والاعتراف التام وليس مجرد تصديق، بل هو تصديق باطمئنان قلب؛ ولهذا يقال: اطمأن قلبه به، فصدَّق واطمأن، وقوله: وَلْيُؤْمِنُوا بِيفَلْيَسْتَجِيبُوا لِياللام هذه في الفعلين لام الأمر؛ ولهذا سكنت بعد حرف العطف.
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَلعل؟
طالب: للتعليل.
الشيخ: للتعليل نعم، كلما جاءت لعل في كتاب الله فإنها للتعليل؛ إذ إن الترجي لا تكون إلا فيمن يحتاج ويؤمل كشف ما نزل به عن قرب، أما الرب عز وجل فإنه يستحيل في حقه هذا، فيكون ما جاء في القرآن من مثل هذا التعبير يكون معناه التعليل لأجل الرشد.
والرشد يطلق بمعنى حسن التصرف، وبمعنى الغنيمة؛ ولهذا يقال: يا راشد، يعني: يا غانم، وأما الرشد بمعنى حسن التصرف فهو كثير، كما في قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء: ٦] ويش معنى رُشْدًا؟ أي: حسن تصرف، وقال تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات: ٧] أي: الغانمون، فهي قريبة من معنى المفلحين، وفي هذه الآية: لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَتحتمل المعنيين: الرشد بمعنى حسن التصرف، والثاني: بمعنى الغنيمة التي رشدوا بها، ولا شك أن من آمن بالله واستجاب له، فإنه أحسن الناس تصرفًا ويوفق ويهدى وتيسر له الأمور، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق: ٤]، فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل: ٥ - ٧]، ولا شك أيضًا أن من آمن بالله واستجاب له، فإنه غانم رابح، ولا أحد أربح منه.
إذا قال قائل: إذا حملتم الرشد هنا على المعنيين جميعًا، فمعنى ذلك أنكم استعملتم المشترك في معنيين فماذا نقول؟ نقول: ما فيه مانع، نقول: الصحيح أنه جائز، إذا كان المعنيان لا يتنافيان، وأي مانع من أن يكون المتكلم قصد ما يدل عليه الكلام هذا وهذا.
طالب: المعنيين يكونون أبلغ بهذا؟
الشيخ: نعم، رجل قال: دخل اللصوص على بيت فلان فأتلفوا عينه، ويش المراد بالعين؟
طالب: المتاع.
طالب: المال.
الشيخ: المال، وعينه أيضًا اللي تجري، الماء، أو لا؟ وعينه الباصرة، كلٌّ يمكن، فإذا علمنا أن هؤلاء اللصوص أفسدوا كل الثلاثة، فلا مانع أن نقول: إنهم دخلوا على بيته فأتلفوا عينه، ويش المانع؟ الكلام بس أن يكون هناك دليل على أن هذا اللفظ المشترك مستعمل في المعنيين، فإذا دل الدليل فلا مانع.
طالب: الشوكاني يقول: بمعنى الهداية؟
الشيخ: نعم، الهداية من حسن التصرف.
طالب: شيخ، قوله إِذَا دَعَانِما في فائدة أن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء (...) مسألة ودعاء عبادة، (...) نص على دعاء المسألة بخصوصها؟
الشيخ: لا، ما فيه هذا الدليل؛ لأن هذه أيضًا -سيأتينا إن شاء الله في الفوائد- أنها صالحة للأمرين.
طالب: في قوله تعالى في آية أخرى فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ [الأنعام: ٤١] هنا تقيد النص؟
الشيخ: بيجينا إن شاء الله تعالى في الفوائد.
طالب: بالنسبة لـ(لعل) ما تكون للترجي تكون للمخلوق؟
الشيخ: لا، بالنسبة لله ما يكون.
الطالب: لا، بالنسبة..
الشيخ: للمخلوق تكون للترجي وللتعليل وللتوقع وللإشفاق، وتأتي أيضًا -كما مر علينا في البلاغة- تأتي للتمني.
طالب: شيخ، (...) لعل (...)؟
الشيخ: لأن ما هناك شيء معلل من قبل.
طالب: بالنسبة ها الآية بالنسبة لكلام الله؟
الشيخ: لأن مقصود هذه للتعليل، نقول: للتعليل.
طالب: هذه في حق المخلوقين لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ؟
الشيخ: إيه، لكن من اللي قال: لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ؟
الطالب: إيه، الله سبحانه وتعالى هو اللي قاله، جميع القرآن من كلام الله.
الشيخ: يعني معناه: أترجى أن يرشدوا؟
الطالب: لا، هو بحق (...) يختلف.
الشيخ: لا، ما يصلح، هذا ما دام أن الله علل فعلًا من أفعاله..
طالب: يعني نقول: إن العباد متفاوتون، منهم من يرشد ومنهم من لا..
الشيخ: أبدًا، إذا استجابوا لله وآمنوا رشدوا لا شك، لا بد، إذا استجابوا لله وآمنوا به لا بد أن يرشدوا.
ثم قال تعالى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْكلمة أُحِلَّمبنية للمجهول؛ لأنه معلوم من الذي بيده الإحلال والتحريم وهو الله، وقوله: أُحِلَّتدل على أن الأمر كان محرمًا من قبل، وإلا لما احتيج إلى النص على الإحلال؛ لأن الأصل الحل، بخلاف حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة: ٣]، فلا يدل على أن ذلك كان حلالًا، مثلًا؛ لأنه ليس الأصل التحريم، فهنا نقول: أُحِلَّيدل على أنه كان قبل ذلك حرامًا، وهو كذلك.
وقوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِأي صيام؟ الصيام المنعوت السابق وهو صيام رمضان.
وقوله: الرَّفَثُ(الرفث) نائب الفاعل فاعل أُحِلَّولهذا رفع، والرفث يطلق على الجماع، ويطلق على الكلمات التي تقع بين الزوج وزوجته حين الجماع؛ لأنه يقع بين الزوج وزوجته حين الجماع من الكلمات ما يستحيى منه، ويسمى رفثًا، ولكنه هنا يراد به الجماع، بدليل أنه عُدِّي بـ(إلى)، الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْأي: الإفضاء إلى نسائكم، والإفضاء بمعنى الجماع؛ لقوله تعالى: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء: ٢١].
فقال: الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ(النساء) جمع (نسوة)، ونسوة اسم جمع لا مفرد له، ومفرده امرأة، مثل (إبل) اسم جمع لا مفرد له، ومفرده بعير.
قوله: إِلَى نِسَائِكُمْالمراد: زوجاتكم وإمائكم، وهذا واضح؛ لأن غيرهما لا يحل مطلقًا لا في ليل الصيام ولا غيره وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون: ٥ - ٦].
الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّالجملة هذه استئنافية للتعليل، تعليل الحل، يعني: أحل لكم ذلك لأنكم لا تستغنون عنهن ولا يستغنين عنكم، فأنتم لهن لباس وهن لكم لباس، وانظر إلى التعبير بـ(اللباس) لما فيه من حفظ الفرج، فاللباس يستر العورة، والزواج يحصل به تحصين الفرج، ثم ما فيه من الستر والصيانة والحماية، وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ [النحل: ٨١].
ويشمل ذلك أيضًا معنى اللباس أوسع من كونه سترًا وحماية وصيانة، يشمل التقارب بين الزوج وزوجته، كما قال الشاعر:
فالحاصل أن هذا التعبير بـ(لباس) يعطي أقوى دليل على ما بين الزوجين من أيش؟ من التقارب ومن الحفظ والحماية، وأنه لا يستغني أحدهما عن الآخر، وهذا شيء من حكمة الله عز وجل ورحمته وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم: ٢١]. هذا الذي جعله الله تعالى بين الزوجين من رحمته أنه أحل لنا الرفث إلى نسائنا في ليالي الصيام.
ثم بين الله عز وجل حكمة أخرى موجبة لهذا الحل، وهي قوله: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ-الحمد لله- عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْبماذا؟ بإتيانهن بحيث لا تصبرون فتختانون أنفسكم، والظاهر -والله أعلم- أن هذا الاختيان بكون الإنسان يفتي نفسه بأن الأمر هين، أو بأنه صار في حالة لا تحرم عليه زوجته وما أشبه ذلك، وأصل هذا أنهم كانوا في أول الأمر إذا صلى الإنسان العشاء الآخرة أو إذا نام قبل العشاء الآخرة، فإنه يحرم عليه الاستمتاع بالمرأة والأكل والشرب إلى غروب الشمس من اليوم التالي، فشق عليهم ذلك مشقة عظيمة حتى إن بعضهم ما صبر، فبين الله عز وجل حكمته ورحمته بنا حيث أحل لنا هذا الأمر؛ ولهذا قال: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَولم يقل: تخونون؛ لما في قوله تَخْتَانُونَمن زيادة الحروف الدالة على زيادة المعنى؛ لأنهم يقولون: إن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وهذا صحيح ولَّا لا؟ صحيح، لكنه غالبي ما هو دائمًا، فـ(بقرة) و(بقر) أيهم أكثر حروف؟ بقرة، وهي أقل معنى، أيهن أكثر البقرة الواحدة ولَّا البقر؟ البقر أكثر، إي نعم، فالمسألة أغلبية.
قال: تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْتاب عليكم، هل المعنى: فتاب عليكم قبل أن تتوبوا، أو أن الله نسخ هذا الأمر والنسخ توبة؛ لأنه لولا النسخ لكان الوقوع فيه إثمًا؟ أيهما المعنى؟
طالب: الأخير.
الشيخ: لكن هذا المعنى الأخير هو الأصح، ونظيرها قوله تعالى في سورة المزمل: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ [المزمل: ٢٠]، بعد أن أوجب علينا القيام سبحانه وتعالى قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: ٢ - ٤]، قال: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْبنسخ الوجوب؛ لأنه لولا النسخ لكان تركه تركًا للواجب، فيكون إثمًا، فيعبر الله عز وجل عن النسخ بالتوبة، إشارة إلى أنه لولا النسخ لكان الإنسان آثمًا إما بفعل المحرم أو بترك الواجب.
طالب: شيخ، زياد المبنى ما تطرد في المشتقات؟
الشيخ: ما نقدر نحكم بشيء، نحن نقول: أغلبية، ما نقدر؛ لأن حصر ها المسائل هذا صعب، يمكن يجي واحد ينقض عليك المثال، ثم تضطر إلى أن تقول: أغلبية، (...).
طالب: قلت: إنه لقد أحل، فدل على أنه كان محرمًا من قبل، عام في القرآن؟
الشيخ: لكن هنا في هذه الآية دليل.
الطالب: وليست عامة؟
الشيخ: في القرآن..
الطالب: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [المائدة: ٥].
الشيخ: في القرآن إما أن يكون هذا توطئة لما بعده، أو إزالة وهم، أو ما أشبه ذلك، أو بيان امتنان، ما نضبطها، إنما في هذه الآية تدل على أنه محرم من قبل.
طالب: تَخْتَانُونَمعناها يعني: بين اثنين، يعني الفعل في التكاثر، يعني ما هو الإنسان يخون نفسه، يعني يحصل بينه، هذا المقصود به المعنى؟
الشيخ: نعم، هذا من المقصود بلا شك، أن كل واحد منكم يخون الثاني قصدك؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: مثل تقاتلون؟ لا، بس كلمة اختان مثل اختار، يعني ما هي بتدل على المفاعلة، لكن قد يكون هذا من جملة ما يستفاد من زيادة المبنى، قد يكون هذا من جملته، إنما أن نقول: هذا هو الفائدة، ما نقدر نقول: هذا هو الفائدة؛ لأن كلمة (افتعل) ما تدل على المشاركة.
قال: فَتَابَ عَلَيْكُمْبماذا تاب؟ قلنا: بالنسخ؛ لأنه لولا النسخ لكان فعله محرمًا مقتضيًا للإثم.
فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْالعفو يكون في مقابلة إساءة، كما قال الله تعالى: إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [النساء: ١٤٩]، فما هي الإساءة اللي حصلت؟ هي ما حصل من بعض الصحابة رضي الله عنهم من إتيان أهلهم في ليالي الصيام قبل أن ينسخ التحريم؛ ولهذا قال: وَعَفَا عَنْكُمْ، وأصل العفو هو ترك المؤاخذة على الذنب، ومن أسماء الله تعالى العفو، ويطلق العفو على معنى الزيادة كما في قوله تعالى: حَتَّى عَفَوْا [الأعراف: ٩٥] يعني: كثروا، ومنه قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَعْفُوا اللِّحَى» يعني: وفروها وأكثروها.
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّإلى آخره، فَالْآنَالفاء حرف عطف تقتضي الترتيب، يعني: فالآن بعد التحريم وبعد تحقق التوبة والعفو باشروهن، وكلمة الآن -تقدم لنا- أنها اسم إشارة إلى الزمن الحاضر وأنها مبنية على الفتح في محل نصب، وقوله: بَاشِرُوهُنَّالمراد بالمباشرة الجماع، وسميت مباشرة لالتقاء البشرتين فيها: بشرة المرأة وبشرة الرجل، وقوله: بَاشِرُوهُنَّهو -كما نعلم جميعًا- فعل أمر، فما المراد بهذا الأمر؟
طالب: الإباحة.
الشيخ: الإباحة أو رفع التحريم؟
الطالب: أو كذلك.
الشيخ: أو كذلك لا، بينهما فرق.
طالب: هو الإباحة.
الشيخ: لا لا، بينهما فرق؛ ولهذا اختلف الأصوليون في الأمر بعد الحظر هل هو للإباحة أو رفع للتحريم؟ فمنهم من قال: إنه للإباحة، ومنهم من قال: إنه رفع للتحريم، وبينهما فرق، فإذا قلنا: للإباحة، فمعناه أن هذا الفعل بعد التحريم صار مباحًا فقط، وإذا قلنا: إنه رفع للتحريم، فمعناه أن هذا الشيء عاد إلى حكمه قبل التحريم، فإن كان واجبًا فهو واجب، وإن كان مستحبًّا فهو مستحب، وإن كان مباحًا فهو مباح، فالآن ظهر الفرق بين القولين، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: حجة الذين يقولون: إنه للإباحة، يقولون: إنه لما ورد التحريم على الحكم الأول نسخه وصار كأن لم يكن، مفهوم؟ فإذا جاء الأمر بعده فمعناه أنه صار مباحًا، بعدما كان حرامًا صار مباحًا، وهذه حجة قوية.
والذين قالوا بأنه رفع للتحريم، قالوا: لأن الحكم الأول لما ورد عليه التحريم صار محرمًا، فلما زال التحريم عاد إلى ما كان عليه، كأن التحريم ستر وضع على مغطى، فإذا رفع هذا الستر فكيف يكون المغطى؟ يكون كما كان عليه، ومن ثم قالوا في قوله تعالى: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [المائدة: ٢] هل الاصطياد مباح أو أنه يكون حسب حكمه بالأول؟ حسب الحكم الأول، وهذا هو الذي يبدو راجحًا، وإن كان المسألة ما هي عندي بذاك المتميزة كثيرًا؛ لأن كلا التعليلين قوي، لكن الذي يبدو أنه أقرب: أن الأمر بعد الحظر هو رفع للتحريم.
فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: ١٠]، هذا أمر بعد الحظر؛ لأنه قال: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: ٩]، ثم قال: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِهل نقول الآن: إن البيع بعدما كان محرمًا صار مباحًا الآن أو صار مستحبًّا أم ماذا؟ نقول: عاد على ما كان عليه، والبيع -كما هو معلوم- قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًّا، وقد يكون مباحًا.
طالب: نقول: دل على الإباحة، لكن الدليل الآخر في هذه الآية ما هي الإباحة لكن هناك أدلة أخرى؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: ففي الآية مثلًا هذه.
الشيخ: لا، إحنا كلامنا على القاعدة العامة، هل نسخ التحريم رفعٌ له أو أنه مقتضٍ للإباحة، الأمر بعد التحريم؟
الطالب: أظن يقتضي الإباحة مثلًا، لكن دلت أدلة أخرى (...) في غيرها.
الشيخ: لا، بينهم فرق.
طالب: على قولنا: بأن المباح تجري فيه الأحكام الخمسة، يكون فيه فرق التعبيرين؟
الشيخ: إيه؛ لأنه إذا قلنا: بأنه يعود إلى ما كان عليه أو رفع للتحريم، ننظر هذا الشيء الذي نهي عنه الآن هل هو قبل النهي مستحب، فيكون مستحبًا، قد يكون قبل الأمر مستحبًا، فيكون مستحبًا يبقى على استحبابه.
الطالب: لكن مثل البيع يا شيخ، ويش حكم يعني..؟
الشيخ: لا، البيع حكمه الإباحة، لا شك.
طالب: يا شيخ، (...) كل الأمرين يصير إلى الإباحة؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: إعادة إلقاء الله على..
الشيخ: إيه؛ لأن الصيد في الأصل مباح، لكن إذا كان الشيء مما يطلب مثل أنا لو قلت لك: لا تزر فلانًا، وهو قريب لك مثلًا، ثم قلت لك: إذا طلعت الشمس فزره، هذا الأمر ما هو معناه الإباحة، إذا قلنا: بأنه رفع للنهي، صار عادت الزيارة مستحبة، وإذا قلنا: إنه للإباحة، بقيت الزيارة مباحة، هذا المعنى.
طالب: قوله: وَعَفَا عَنْكُمْ(...)؟
الشيخ: بَاشِرُوهُنَّقلت: المراد به الجماع، وما دونه من باب أولى ليس محرمًا.
وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْابْتَغُوا: اطلبوا، مَا: الذي، كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْكتب لكم كتابة الكونية أو كتابة الشرعية، يعني: بمعنى ما قدر الله لكم، أو ما شرع الله لكم؟ نقول: تحتمل المعنيين، وشمولها لهما أولى، فالمعنى: ابتغوا ما شرع الله لكم، أي: اطلبوا ما شرع لكم من الاستمتاع بالنساء وإباحته، أو ما شرع لكم من التهجد في ليالي رمضان، أو ما شرع لكم من السحور، كل هذا داخل، أو ابتغوا ما كتب الله لكم تقديرًا كتابة قدرية من طلب الولد بهذا الجماع، كما قاله بعض المفسرين قال: ابتغوا الولد، يعني لا يكن مباشرتكم من أجل نيل الشهوة فقط، ولكن من أجل حصول الولد والذرية، فأقول: إن الآية تشمل الأمرين وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، والفوائد إن شاء الله تأتينا.
وَكُلُوا وَاشْرَبُوامعطوفة على بَاشِرُوهُنَّعلى الأول على بَاشِرُوهُنَّ، كُلُوا وَاشْرَبُواما معنى الأكل والشرب؟ ويش في الأكل والشرب؟
طلبة: (...).
الشيخ: ولكن ما يتبين لنا، وهو كذلك، أول ما يظهر الفجر لا شك أنه ما هو على طول بيتبين، بيظهر شيئًا فشيئًا، ولكننا نحن مكلفون بما نستطيع حتى يتبين لنا ويتضح.
وقوله: الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِعرفنا لما قال سبحانه وتعالى: مِنَ الْخَيْطِأن يَتَبَيَّنَبمعنى يتميز، يتميز هذا من هذا، كما قال تعالى: حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران: ١٧٩]، فـ(مِن) ما تدخل على يَتَبَيَّنَمن هذا إلا إذا قصد به التمييز، يعني: حتى يتميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، مِنَ الْفَجْرِبينت المراد بالخيط، خيط أيش؟ بياض النهار، والخيط الأسود؟ سواد الليل، وفي التعبير بكونهما خيطين دليل على أنهما يتعاقبان، وأن هذا قد يكون في جهة، وهذا قد يكون في جهة؛ لأنهما خيطان، والخيطان لا بد أن يتعاقبان، وإلا لكانا خيطًا واحدًا فقط.
وقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الفجر فجران: صادق وكاذب، وبين أن الصادق هو الذي يكون معترضًا في الأفق، مستطيرًا كالطير أو كجناح الطير من الشمال إلى الجنوب، وأما الكاذب فهو الذي يكون مستطيلًا -باللام- في الأفق كذنب السرحان، يعني: كذنب الذئب.
وذكر أهل العلم أن بينهما ثلاثة فروق، الفرق الأول: أن الصادق هو مستطير معترض وأما ذاك فهو مستطيل، والثاني: أن الصادق لا ظلمة بعده وذاك يظلم، والثالث: أن الصادق متصل بالأفق وهذا بينه وبين الأفق ظلمة (...).
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِقلنا: إن يَتَبَيَّنَبمعنى يظهر، ولكنه مضمن معنى الظهور والتمييز منين؟ من قوله: الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِيعني: يتميز هذا من هذا.
وقوله: مِنَ الْفَجْرِهذه بيان لقوله: الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ، ولم يقل: في الخيط الأسود من الليل، اكتفاء بالأول، كما في قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] يعني: والبرد؛ لأن السرابيل تقي الحر والبرد وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ [النحل: ٨١] كالدروع، فالمهم أن هذا من باب الاكتفاء بذكر أحد المتقابلين عن المقابل الآخر، يعني: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود من الليل، فهمتم؟ لكن حذف (من الليل) اكتفاءً بقوله: مِنَ الْفَجْرِ؛ لأن الشيء يتبين بذكر مقابله، ونظير ذلك؟ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّيعني: والبرد.
وقوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ: ثم إذا تبين، وهذه من سعة رحمة الله عز وجل أنه أتى بـ(ثم) بعد التبين للتوسعة على العباد؛ ولهذا روى الإمام أحمد بسند لا بأس به أنه إذا أذن الفجر والإناء في يدك، فإنك لا تضعه من يدك حتى تقضي حاجتك ، تيسيرًا على المكلفين؛ ولهذا كان ابن أم مكتوم لا يُؤذّن حتى يطلعَ الفجر ويُقال له: أصبحتَ أصبحتَ .
وقوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِأَتِمُّوابمعنى أنهوا، أنهوه على وجه التمام، وقوله: الصِّيَامَتقدم أنه في اللغة؟ الإمساك، ومنه قوله تعالى: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا [مريم: ٢٦] أي: إمساكًا عن الكلام بدليل قوله: فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا. والمراد بالصيام شرعًا: هو التعبد لله سبحانه وتعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.
وقوله تعالى: إِلَى اللَّيْلِما المراد بالليل؟ غسقه؟ الجواب: لا، ولكن أوله، وقد بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا» وأشار إلى المشرق، «وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا» وأشار إلى المغرب، «وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» . وبمجرد غروب الشمس -أي: غروب قرصها- يكون الإفطار، وليس بشرط أن تزول الحمرة كما يظنه بعض العوام.
ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِإذن الصوم محدد (من) و(إلى)، فلا تزيد فيه ولا تنقص، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد حكم الوصال.
وقوله: وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِلما قال: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّاستثنى من هذا حالة واحدة وهي: إذا كان الإنسان عاكفًا في المساجد وهو صائم، فإنه لا يباشر الزوجة؛ ولهذا قال: وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِفالضمير في قوله: (هن) يعود على النساء، وجملة: وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَحال من الواو في قوله: وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ، وقوله: عَاكِفُونَاسم فاعل من: عَكَفَ يَعْكُف، والعكوف على الشيء: ملازمته والمداومة عليه، ومنه قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء: ٥٢] أي: مديمون ملازمون؛ ولهذا نقول: الاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء، وأما في الشرع فهو: التعبد لله سبحانه وتعالى بلزوم المساجد طاعة له، بلزوم المساجد لطاعة الله، هذا هو الاعتكاف.
والاعتكاف معروف في الجاهلية ومعروف في الإسلام، قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» ، وهو مشروع في رمضان، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعتكف طلبًا لليلة القدر؛ ولهذا اعتكف في العشر الأول، ثم قيل له: ليست الليلة في هذا العشر، فاعتكف في الأوسط، ثم أريها في العشر الأواخر، حتى خرج إلى الناس وقال: «إِنِّي أُرِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَمَنْ كَانَ مُعْتَكِفًا، فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ» ، فكان الاعتكاف في رمضان طلبًا لليلة القدر، ثم إنه سيأتينا إن شاء الله في الفوائد حكم الاعتكاف هل هو سنة؟ هل هو يشترط له الصوم أو لا يشترط؟
وفي ذكر الاعتكاف بعد آيات الصوم استنبط بعض العلماء أن الاعتكاف لا يكون إلا في رمضان وفي آخره؛ لأن الله ذكره تابعًا لآيات الصوم بعد أن ختم الكلام على الصوم، والله أعلم هل يستقيم هذا الاستدلال أولا يستقيم.
ثم قال سبحانه وتعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ(تلك) ويش (تي)؟ ويش معناها؟ (تي) تلك؟
طالب: اسم إشارة.
الشيخ: (تي) اسم إشارة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، وقد تقدم أن الكاف هذه تكون باعتبار المخاطب، واسم الإشارة باعتبار المشار إليه، وأن الأفصح فيها أن تكون الكاف حسب المخاطب فيقال في المذكر المفرد: ذلكَ، وفي المؤنث: ذلكِ، وفي المثنى: ذلكما، وفي جماعة الذكور: ذلكم، وفي جماعة الإناث: ذلكن، قال الله تعالى: وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ [فصلت: ٢٣]، وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا [الأعراف: ٤٣]، وقال تعالى: فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [يوسف: ٣٢]، وفي المثنى قال الله تعالى: ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي، وفي المفرد: (ذلك)، وهو كثير، وهذه اللغة المشهورة الفصحى، وفيها لغة ثانية: أنها -أي الكاف- تكون مفردة مفتوحة دائمًا، على تأويل المخاطب بالمفرد، وفيها لغة ثالثة: فتحها للمذكر مطلقًا، وكسرها للمؤنث مطلقًا.
وهنا (تلك) للمفرد المذكر، أو لا؟ فالمعنى: تلك أيها المخاطب وإن كان يخاطب جميع الناس؛ لأن الناس جنس، فيصح أن يعبر عنها بالمخاطب.
طالب: شيخ، في قوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ [آل عمران: ١٤٠] مع مراعاة المخاطب في الكاف يعني ما جمع الضمير؟
الشيخ: إيه، كثيرًا ما يترك الجمع، في القرآن الأغلب الإفراد، كأنه يخاطب الإنسان عمومًا بالقرآن، يخاطب الإنسان، يعني: تلك أيها الإنسان حدود الله، وهذا كثير حتى الخطابات بغير الكاف في اسم الإشارة تجدها في المفرد.
قال: وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِحدود الله جمع حد، (حدود) جمع (حد).
طالب: قلت: بالواو.
الشيخ: إي نعم، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِما فيها واو، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِالحدود جمع حد، والحد في اللغة: المنع، ومنه: حدود الدار؛ لأنها تمنع من دخول غيرها فيها، فمعنى حُدُودُ اللَّهِأي: موانعه.
واعلم أن حدود الله نوعان: حدود موانع، أي: تمنع من كان خارجها من الدخول فيها، وهذه موانع الدخول، وهي في المحرمات، وموانع أخرى تمنع من فيها من الخروج منها، وهذه حدود الأوامر، حدود الله تعالى نواهٍ وأوامر، النواهي ما شأنها؟ تمنع من كان خارجها من الدخول فيها، والأوامر تمنع من كان فيها من الخروج منها؛ ولهذا إذا جاءت الأوامر قال الله فيها: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا [البقرة: ٢٢٩] يعني: لا تخرجوا منها، وإذا جاءت النواهي قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا [البقرة: ١٨٧]. فهذا هو الفرق، والكل منها يسمى حدودًا؛ لأن الأوامر لها حد لا تخرج منها، والنواهي لها حد لا تدخل فيها.
وقوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِمن باب إضافة المشروع إلى مشرِّعه، فَلَا تَقْرَبُوهَاالفاء للتفريع، و(لا) ناهية، الدليل؟
طالب: حذف النون.
الشيخ: مجزومة بحذف النون، فَلَا تَقْرَبُوهَاما قال: فلا تفعلوها، وإنما نهى عن قربانها، حتى نبعد عن المحرم وعن وسائل المحرم؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وكم من إنسان حام حول الحمى فوقع فيه؛ ولهذا قال: فَلَا تَقْرَبُوهَا، فالمحرمات ينبغي البعد عنها وعدم قربها.
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُهذا ترد في القرآن كثيرًا، وقد أشرنا فيما مضى إلى إعرابها، وقلنا: إن الكاف اسم بمعنى مثل، وإنها منصوبة على المفعولية المطلقة، أي: مثل ذلك البيان يبين الله، وهي في القرآن كثيرًا، وهذا إعرابها: أن نقول: إن الكاف اسم بمعنى (مثل)، وهي منصوبة على أنها مفعول مطلق، وعاملها ما بعدها، وقوله: كَذَلِكَالمشار إليه ما سبق من البيان، وأظنه كثير البيان في هذه الآيات، أو لا؟ البيان كثير: فبين الله سبحانه وتعالى حكم الأكل والشرب في الليل، حكم مباشرة النساء، حكم الاعتكاف، موضعه، ما يحرم فيه، إلى آخره المهم أنها عدة أحكام بينها الله.
وقوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِآيات جمع آية، وهي في اللغة: العلامة، والمراد بها في الشرع: البراهين الدالة على ما تقتضيه من صفات الله سبحانه وتعالى، فمنها ما يقتضي الحكمة، ومنها ما يقتضي الرحمة، ومنها ما يقتضي العلم، ومنها ما يقتضي الإحاطة، المهم أنها متنوعة، الآيات جمع آية، وهي في اللغة: العلامة، والمراد بها هنا شرعًا: البراهين التي تدل على ما تقتضيه من صفات الله.
وذكر أهل العلم أن الآيات تنقسم إلى قسمين: كونية، وشرعية، وأن الآيات الكونية هي المخلوقات، كل المخلوقات ذواتها وصفاتها وأحوالها من الآيات الكونية، وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [فصلت: ٣٧]، وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ [الشورى: ٢٩]، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا [الروم: ٢١]، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ [الروم: ٢٠]، إلى آخره، فكل المخلوقات ذواتها وصفاتها وأحوالها كلها من آيات الله الكونية، وكانت آية لله؛ لأنه لا أحد من المخلوق يصنع مثلها، وآية الشيء هي: العلامة عليه، فلا أحد من المخلوقين يصنع مثل هذه الآيات أبدا، أو لا؟
القسم الثاني من الآيات: الآيات الشرعية، وهي: ما أنزله الله تعالى على رسله وأنبيائه من الوحي، فإنها آيات شرعية تدل على منزلها سبحانه وتعالى، وجه ذلك؟ أنك إذا تأملت أخبارها وجدتها في غاية الصدق والبيان والمصلحة نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ [يوسف: ٣]، فأحسن الأخبار أخبار القرآن، أخبار الوحي: القرآن وغيره، إذا تأملت أحكامها وجدتها أحسن الأحكام، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]، لو اجتمع الخلق على أن يأتوا بمثل الأحكام التي أنزلها الله على رسله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، بهذا تكون آية ولَّا لا؟ تكون آية على ما تقتضيه من صفات الله سبحانه وتعالى، وقولنا: على ما تقتضيه؛ لأن الآيات تختلف بعضها تقتضي العظمة، تدل على العظمة بعضها، تدل على الرحمة، وبعضها تدل على العلم، وبعضها تدل على الكبرياء، المهم تختلف.
وقوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَهذه (لعل) للتعليل، يتقون من؟ يتقون الله عز وجل، وتقوى الله سبحانه وتعالى هي: اتخاذ الوقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أجمع ما قيل في التقوى، وبعضهم يقول: إن التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله، وبعضهم يقول: إن التقوى ترك المعاصي، ولكن أجمع ما قيل فيها ما ذكرناه في الأول وهي: اتخاذ وقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، صحيح أنها إذا قرنت بالبر مثل: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢] صار المراد بالتقوى: اتقاء المعاصي، والمراد بالبر: فعل الطاعات، يقول الشاعر:
هذا التقوى
اللي يمشي على أرض الشوك ويش يسوي؟ يخبط برجله ولا يهمه؟ لا.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم
هذا صحيح، والنبي عليه الصلاة والسلام شبه المحقرات من الذنوب بجماعة نزلوا أرضًا، وأرادوا أن يوقدوا نارًا، فذهبوا فجاء واحد بعود، وواحد بعود، وواحد بعود، حتى جمعوا حطبًا كثيرًا، وأضرموا نارًا كثيرة، وهم أي شيء يجيبون؟ على عود عود، ما هو بشيء، إي نعم، إذن نقول التقوى أجمع ما قيل فيها: اتخاذ وقاية من عذاب الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
طالب: قد تكون هذه درجة قريبة من التقوى يعني ما تكون التقوى شيئًا أعلى من فعل الأوامر بل فعل المستحبات؟
الشيخ: الأوامر مستحبات، المستحب أمر؛ لأن الأمر قد يكون للوجوب، وقد يكون للاستحباب، والنهي قد يكون للكراهة، وقد يكون للتحريم.
طالب: ما نقول: إن الآية: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِتشمل من أول السورة وليس مختص بأحكام الصيام؟
الشيخ: لا، ما هو بالظاهر؛ لأنك تعرف الآيات مقطعات.
الطالب: إي بس السورة متصلة؟
الشيخ: لا، ولو كانت متصلة، ما يمكن إلا أنها تكون في الموضوع الذي فيه البحث، وأيضًا فيما سبق فيه كذلك (...) آيات فيه من قبل.
طالب: (...) الصيام يا شيخ؟
الشيخ: يشمل -والله أعلم- هم بعض العلماء قال: يشمل الأحكام الأربعة التي تلي هذا من قوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِإلى آخره بس، ولو قيل: إنه من قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة: ١٨٣] لكان طيب، ثم اعلم أن قوله: آياتهجمع مضاف، فيعم، يعني أن مثل هذا البيان الذي بيناه لكم في هذه الآيات تكون بيان جميع الآيات.
طالب: عرفت الحد لغةً ما عرفته شرعًا؟
الشيخ: إي عرفته.
الطالب: لا.
الشيخ: قلنا: الحدود شرعًا هي: أوامر الله ونواهيه، أما الحد عند المنطقيين غير هذا، الحد عند المنطقيين تقدمنا في شرح العقيدة السفارينية.
الطالب: يعني يختلف ما كان عند..
الشيخ: إيه يختلف، بحسب الاصطلاحات.
طالب: شيخ، لو قال قائل: يعني تبيين الآيات كأنه يتراءى للإنسان أن فائدته الإيمان؟
الشيخ: الإيمان؟
الطالب: الإيمان، لعلكم مثلًا تؤمنون؛ لأن ثم إذا آمن يتقي.
الشيخ: لا، أصله ما فيه تقوى إلا بعد الإيمان، فالإنسان إذا تبينت له الآيات اتقى الله عز وجل فحصل أولًا.
الطالب: (...).
الشيخ: ما فيه تقوى يا أخي إلا بعد الإيمان، وهل الإنسان بيتقي شيئًا لا يؤمن به؟ ما يكون.
ثم قال: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِمناسبة هذه الآية لما سبق مناسبة واضحة؛ لأن ما سبق في آيات الصيام تحريم لأشياء خاصة في زمان خاص، الآية اللي بعدها وَلَا تَأْكُلُواهذا تحريم عام، عام في ما يحكم، وفي زمانه، وفي مكانه، هذا وجه المناسبة أنه لما ذكر التحريم الخاص الذي يحصل بالصيام بيَّن التحريم العام الذي يحصل في الصيام وفي غير الصيام، فقال: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِلَا تَأْكُلُواالمراد بالأكل ما هو أعم منه، لكنه خص الأكل؛ لأنه أقوى وجوه الانتفاع، أقوى وجوه الانتفاع هو الأكل، الإنسان ينتفع في المال ببناء مسكن له، بناء المسكن متصل به ولَّا لا؟ لكن ما هو مثل اتصال الثوب أولا؟ أيهما ألصق به؟
الطلبة: الثوب.
الشيخ: الثوب، كذلك أيضًا يصرف المال في الثياب، قبل يصرفها في الفرش، والفراش أخص من البيت أو لا؟ لأن الفراش هو الذي يليه عند النوم وعند الجلوس وما أشبه ذلك، يصرفها في اللباس وهو أخص من الفراش، يصرفها في الأكل والشرب وهو أخص الأشياء ما عاد بعده شيء؛ ولهذا ذكر بعض أهل العلم رحمهم الله أن الإنسان إذا كان عنده مال مشتبه ينبغي أن يصرفه في الوقود، ما يصرفه في الأكل والشرب؛ لأن الأكل والشرب يتغذى بهما البدن، وهما أخص انتفاع بالمال.
فإذا كان الله يقول: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْوهو أخص الانتفاع والذي قد يكون الإنسان لو لم يفعل لهلك، لو لم يأكل لمات، فكيف عاد بغيره؟
وقوله: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْكيف يقول: أَمْوَالَكُمْأَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ(...)، فنقول: عندنا آكلٌ ومأكولٌ منه، فإذا كنت أنت أيها الآكل لا ترضى أن يؤكل مالك، فكيف ترضى أن تأكل مال غيرك؟! فاعتبر مال غيرك بمنزلة مالك، ويش هو لأجل؟ لأجل أن لا تأكله، كما لا ترضى أن أحدًا يظلمك ويأكل مالك، فإن هذا يجب أن تنزل مال أخيك بمنزلة مالك. فعليه نقول: فائدة إضافة الأموال المأكولة للغير إلى آكلها هو: أن يعتبر بأن مال غيره يجب أن يحميه كما يحمي مال نفسه.
وقوله: بَيْنَكُمْأي: في العقود من إجارات وبيوع ورهون وغيرها؛ لأن هذه تقع بين اثنين، ومن باب أولى أن تأكلها بالانتهاب والاغتصاب اللي ما هناك بينية بينك وبين شخص آخر، يعني: فإذا نهيت أن تأكلها في العقود، فمن باب أولى أن تأكلها في الغصب والإكراه وما أشبه ذلك.
وقوله: بِالْبَاطِلِكلمة بِالْبَاطِلِالباء هذه حرف جر، ولكن ما معناها؟ هل معناها المصاحبة يعني: أكلًا مصحوبًا بالباطل؟ أو معناها التعدية بأن يجعل الباطل كالآلة يأكل بها يعني: كما تقول ذبحت بالسكين مثلًا، ورميته بالحجر؟ نقول: إن الباء صالحة لهما جميعًا، فلا يجوز أن تتناول غيرك بالباطل بأن تجعل الباطل وسيلة لأخذ المال، ولا أن تأكل المال أكلًا مصحوبًا بالباطل، فيشمل ما كان محرمًا لذاته وما كان محرمًا لوصفه.
وقوله: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِتُدْلُوا بِهَاالضمير يعود إما على الأموال، وإما أن يعود على المحاكمة، والإدلاء أصلها مأخوذة من: أَدْلَى دَلْوَهُ، ومعلوم أن الذي يدلي دلوه يريد التوصل إلى الماء، فمعنى وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِأي: تتوصلوا بها إلى الحكام لتجعلوا الحكام وسيلة لأكلها، كيف يكون وسيلة لأكلها؟ تجحد الحق الذي عليك وليس به بينة، ثم تخاصمه عند القاضي، ماذا يقول القاضي للمدعي عليك؟ يقول: هات بينة، إذا لم يكن لك بينة، إذا لم يكن للمدعي بينة توجهت عليك اليمين، فإذا حلفت برئت، أفهمتم؟ الآن أنا أدليت بها إلى الحكام، بمعنى أني جعلت الحاكم وسيلة لأكل المال، هذا قول في المسألة، والقول الثاني: أن معنى تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِأي: توصلوها إليهم بأن ترشوا الحكام ليحكموا لكم، فمعنى تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِتوصلوها إليهم لأجل، ويش لأجله؟ أن يحكموا لكم، وكلا المعنيين صحيح.
طالب: ألا يدخل فيها يا شيخ الفلاسة؟
الشيخ: الفلاسة؟
الطالب: إيه، يفلس الحكام علشان يأخد المال هذا بغير حق.
الشيخ: إيه، ما تكون أنت الذي أكلتها.
الطالب: إيه، لكن أدليت بها إلى الحكام؟
الشيخ: إيه، بس الآية تقول: لَا تَأْكُلُواوَتُدْلُوا، أما إن جعلنا الجملتين منفصلًا بعضها عن بعض، فهي نعم، تدخل مثل ما قلت أنت، ويصير النهي عن شيئين: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِهذه جملة مستقلة، ولا تدلوا بها إلى الحكام هذه جملة مستقلة، لكن ظاهر النظم -يعني ظاهر الكلام- أن الجملتين واحدة؛ ولهذا قال: وَتُدْلُوا بِهَاولم يقل: ولا تدلوا بها، فجعلها معطوفة على قوله: وَلَا تَأْكُلُوافهي مبنية عليها.
طالب: وين يعود الضمير؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: على القول الثاني، ترشون؟
الشيخ: إيه، يعود على الأموال.
الطالب: المال اللي أرشي به القاضي غير المال الذي..؟
الشيخ: إيه، ما خالف، لكن معناه يكون معناه: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بأموالكم لتأكلوا هذه.
الطالب: يعني أموال ثانية؟
الشيخ: أموال ثانية لأجل أن تأكلوا بها أموال الغير يحكمون لكم بها.
طالب: شيخ، هذه الفلاسة اللي ذكرناها ما تدخل في الرشوة؟
الشيخ: لا لا، الفلاسة ما هي بهذا، الفلاسة يخبر الحاكم بأن فلان عنده مال لأجل يأخذه منه.
الطالب: عندنا في (...) نقول: عليها (...) يعني يرشي، فالتبس عليه الأمر؟
الشيخ: لا، يدل الحكام على أموال الناس ليأكلوها.
طالب: الحكام القضاة ولَّا الحكام..؟
الشيخ: الحكام الأمراء، إذا قلنا: إن المراد مثل ما قال غانم، أما إذا قلنا: إن المعنى عند المحاكمة فهو يشمل الأمراء ويشمل الحكام القضاة.
قال: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِقوله: لِتَأْكُلُواقد يقول قائل: إن فيها إشكالًا؛ لأن قوله: وَلَا تَأْكُلُواثم قال: لِتَأْكُلُوا، كيف يعلل الحكم بنفس الحكم؟ فنقول: إن اللام هنا ليست للتعليل، بل اللام هنا للعاقبة، يعني: أنكم إذا فعلتم حصل لكم الأكل، أكل فريق من أموال الناس، فاللام هنا للعاقبة، وتأتي اللام للعاقبة كما في قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨]، هل آل فرعون التقطوه لهذه العلة، أو كانت العاقبة كذلك؟ كانت العاقبة كذلك، فاللام في قوله: لِتَأْكُلُوااللام لام العاقبة.
وقوله: لِتَأْكُلُوالماذا حذفت النون؟
طالب: منصوب.
الشيخ: منصوب بأن المضمرة بعد اللام على قول، أو باللام نفسها على قول من؟
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، صح، لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِفَرِيقًاالفريق بمعنى الطائفة، وسمي فريقًا؛ لأنه يفرق عن غيره، فهذا فريق من الناس، يعني: طائفة منهم افترقت وانفصلت.
وقوله: فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِلو قال قائل: قد يأكل كل مال المدعى عليه؟
طالب: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى؟ نعم، من باب أولى، أو نقول: إن مال المدعى عليه فريق من أموال الناس على سبيل العموم؛ لأن الإنسان مهما بلغ عنده من الملايين، فإن غيره عنده مال، إي نعم.
مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِلِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِالباء هنا للمصاحبة، يعني: أكلًا مصحوبًا بالإثم وهو الذنب؛ وذلك لأنه باطل، ومن هنا نعلم أن الباطل يعني: الإثم، ولكن هل هو في كل مكان الباطل هو الإثم؟ لا، قد يراد بالباطل ما لا منفعة فيه، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَّا لَعِبَهُ بِقَوْسِهِ أَوْ مُدَاعَبَتَهُ أَهْلَهُ أَوْ تَأْدِبيَهُ لِفَرَسِهِ» .
يستفاد من هذه الآية فوائد، أولًا: أن الصيام مظنة إجابة الدعاء؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر هذه الآية في أثناء آيات الصيام، ولا سيما أنه ذكرها في آخر الكلام على آيات الصيام، قال بعض أهل العلم: فيستفاد منها فائدة أخرى: أنه ينبغي الدعاء في آخر يوم الصيام.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنها ذكرت بعدما تكلمنا عن الصيام والإمساك.
الطالب: قد يقال: هي في العيد أولى؟
الشيخ: لا، لكن كل يوم يعتبر عبادة واحدة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى عنده علم الغيب؛ لأن قوله: وَإِذَا سَأَلَكَفي المستقبل.
ومن فوائد الآية: رأفة الله عز وجل في قوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِيحيث أضافهم إلى نفسه تشريفًا وتعطفًا عليهم.
ومن فوائد الآية: إثبات قرب الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: فَإِنِّي قَرِيبٌ، والضمائر كلها تعود إلى الله: إِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُإِذَا دَعَانِفَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِيست ضمائر كلها تعود إلى الله عز وجل، فيستفاد من هذه الآية الكريمة: قربه سبحانه وتعالى.
هل قرب الله تعالى عام أو خاص؟ تقدم لنا الكلام في هذه المسألة، وبيَّنا أن قرب الله تعالى لا يكون إلا خاصًّا، وأن قوله: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: ١٦] المراد: بملائكتنا، وكذلك قوله: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥]، المراد أيضًا: بملائكتنا.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولم يرد القرب عامًّا كما ورد في المعية، المعية وردت عامة وخاصة، وأما القرب فذكره شيخ الإسلام أنه لم يرد إلا خاصًّا، خاصًّا بمن يدعوه أو بمن يعبده، فمن يدعوه كما في هذه الآية: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، وكما في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَإِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ» وأما قربه من العابد فمثل قوله صلى الله عليه وسلم: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» ؛ لأن هذا عبادة، وسبق لنا أيضًا أن قربه من عباده لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته، المخلوق لا يكون قريبًا مع بعده، لكن الخالق يكون قريبًا مع بعده، وعلى هذا فلا تدل هذه الآية على أن الله سبحانه وتعالى ليس في العلو؛ لأنه لا تناقض بينهما في حق الخالق.
طالب: المعية (...) أخص من القرب أو القرب أخص (...)؟
الشيخ: لا، الظاهر أن القرب أخص، أخص منها؛ ولهذا ما جاء عامًّا بخلاف المعية.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات سمع الله، من أين يؤخذ؟ من قوله: أُجِيبُ؛ لأنه لا يجاب إلا بعد أن يسمع ما دعا به.
ومنها: قدرة الله، إثبات القدرة؛ لأن إجابة الداعي تحتاج إلى قدرة.
ومنها: إثبات كرم الله؛ لقوله: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ.
ومن فوائد الآية أيضًا: أن من شرط إجابة الدعاء أن يكون الداعي صادق الدعوة في دعوة الله عز وجل، بحيث يكون مخلصًا مشعرًا نفسه بالافتقار إلى ربه، ومشعرًا نفسه بكرم الله وجوده، من أين تؤخذ؟ من أين تؤخذ هذه الفائدة؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
الطالب: (...).
الشيخ: من قوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّيإلى قوله: لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ، أو لا؟ نبغي الكلمة المعينة الخاصة؟
طالب: إِذَا دَعَانِ.
الشيخ: إِذَا دَعَانِ؛ لأن نحن نبهنا على هذا في التفسير، فإذن يشترط لإجابة الدعوة أيش؟ أن يكون صادقًا في دعوته، بحيث يكون مخلصًا لله، وأن يكون عنده شعور بافتقاره إلى الله عز وجل؛ لأن الإنسان ما يدعو إلا وهو يشعر بالافتقار، وأن يكون لديه شعور بأيش؟ بغنى الله عز وجل وإجابته؛ لقوله: إِذَا دَعَانِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنابة إلى الله عز وجل والقيام بطاعته سبب للرشد؛ لقوله: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.
ومن فوائدها أيضًا: أن الاستجابة لا بد أن يصحبها إيمان؛ لأن الله قرن بينهما، فمن تعبد لله وهو ضعيف الإيمان، يعني: بأن يكون عنده تردد -والعياذ بالله- أو شك، فإنه لا ينفعه، أو يكون عنده أيضًا إنكار كما يفعل المنافقون فإنهم يتعبدون لله عز وجل ظاهرًا لكنهم ما عندهم إيمان فلا ينفعهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب والعلل.
من يسأل؟
طالب: (إنْ) إذا قلنا: إنها بعيدة الوقوع (...)؟
الشيخ: لا، قد تدخل ما هي مستحيلة ولا بعيدة، لكن الفرق أن (إذا) تدل على أن الأمر سيقع بخلاف (إنْ).
طالب: (...)؟
الشيخ: هو لا بد يكون له ولد؟ ما هو لا بد يكون.
الطالب: قد يكون.
الشيخ: قد يكون وقد لا يكون، لكن (إذا) تدل على أن هذا الشيء سيكون.
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّيشوف سَأَلَكَ عِبَادِيالياء تعود على الله، عَنِّيعلى الله، فَإِنِّي قَرِيبٌما قال: فقل: إني قريب، فبعضهم قال: إنه على تقدير (قل)، إذا سألك عبادي عني فقل: إني قريب، فيكون الجواب محذوف، جواب (إذا)، وإِنِّي قَرِيبٌمقول هذا المحذوف، معموله، يعني: مقول القول، فقل: إني قريب، ولكن الصحيح أنها لا تحتاج إلى تقدير؛ لوجهين:
الأول: أن الأصل عدمه، وما دام الكلام يستقيم بدون التقدير فهو أولى.
ثانيًا: أن الله عز وجل قال: فَإِنِّي قَرِيبٌكأن الأمر أبين من أن يحتاج إلى السؤال، فَإِنِّي قَرِيبٌ، إِذَا سَأَلَكَفَإِنِّي قَرِيبٌ، فهذا أبلغ من قوله: فقل: إني قريب.
وقوله تعالى: فَإِنِّي قَرِيبٌالياء نقول: إنها تعود إلى الله عز وجل، فأخبر الله أنه قريب هو بنفسه فَإِنِّي قَرِيبٌ؛ لأن الضمير يعود على الله عز وجل، ولكن ما معنى القرب الذي أثبته الله لنفسه؟ هل المراد أنه حال في المكان؟ ويش الجواب؟ لا، هذا شيء مستحيل، ولا يمكن أن تنزل الآية على شيء مستحيل، ولكنها تنزل على معنى يليق به سبحانه وتعالى، وهو كما قال شيخ الإسلام: قريب مع علوه، مع علوه على عرشه؛ لأنه محيط بكل شيء، والمحيط بكل شيء هو قريب وإن كان بعيدًا في علوه سبحانه وتعالى.
وهذا القرب لا يستلزم النقص، بل هو دليل على الكمال، ووجه ذلك: أنه إذا كان فوق السماوات العلا مستويًا على عرشه وهو قريب ويش يدل عليه؟ على كمال عظمته وإحاطته سبحانه وتعالى، وإلا فإن الإنسان بالنسبة للمخلوقات لا يتصور أن شيئًا بهذا البعد يكون قريبًا؛ لأن الله فوق كل شيء، فلكماله سبحانه وتعالى وكمال عظمته يكون قريبًا مع علوه؛ ولهذا في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ذكر أنهم كانوا إذا علوا شرفًا أو هبطوا واديًا كبروا ورفعوا أصواتهم، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَإِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ» ، فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أنه لا حاجة إلى أن الإنسان يتعب نفسه برفع الصوت بالدعاء والتكبير؛ لأن الله جل وعلا قريب، قريب وإن كان فوق عرشه.
واعلم أن بعض بل الحلولية من الجهمية وغيرهم يستدلون بمثل هذه النصوص المتشابهة على باطلهم، فلا تكون قلوبهم متسعة للجمع بين الأدلة، ولا تكون قلوبهم متسعة للفرق بين الخالق والمخلوق، فيأخذون بنصوص ويدعون مثلها، ومن الغريب أن الشيطان لبَّس عليهم -والعياذ بالله- فأخذوا بالنصوص التي هي نقص في حق الخالق، وتركوا النصوص التي هي كمال في حق الخالق، تركوا نصوص العلو وهو كمال، وأخذوا بهذه النصوص المتشابهة، وهي -على ما قالوه- تقتضي النقص، وأن الله سبحانه وتعالى تحيط به مخلوقاته، وأنه لا ينزه عن الأماكن التي ينزه عنها عامة الخلق.
فالحاصل أننا نقول: إن هذا القرب لا يجوز لنا أن نتوهم أنه سبحانه وتعالى في الأماكن التي نكون فيها، وكل ما جاءك من هذه النصوص فاعلم أنه دال على عظمة الله عز وجل وإحاطته، ومنه ما جاء في الحديث: «عَبْدِي، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، فَقَالَ: كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ، فَإِنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ»، هذا يفرح به الحلولية ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يطبِّلون له، هذا واضح جدًّا عندهم، فيقال: أنتم نظرتم بعين أعور، عندكم نظر إلى النصوص من وجه، وطرف لها من وجه آخر، أهملتم الأدلة العقلية الفطرية السمعية على أن الله تعالى فوق عرشه مستوٍ عليه وأخذتم بمثل هذه النصوص المتشابهة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا رَأَيْتُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ» . هؤلاء هم الذين سمى الله.
فنحن نعلم علم اليقين أن الرسول عليه الصلاة والسلام فيما نقل عن ربه في قوله: «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» ما أراد أنه وجده في الحجرة التي فيها المريض، ولكن لما كان المريض في الغالب -ولا سيما المؤمن- يكون عنده من الانكسار، من انكسار القلب والإنابة إلى الله عز وجل والخضوع ما لا يكون عنده في حال الصحة، فإن الله تعالى عند المنكسرة قلوبهم من أجله، صح أن يعبر بهذا التعبير.
فهذه النصوص يا إخواني لا تظنوا أنها تنافي نصوص العلم؛ لأنه -كما قلت لكم- تدل على عظمة الخالق جل وعلا، وأنه مع علوه بذاته على عرشه قريب من خلقه، يقرب من خلقه كما يشاء، ولا منافاة، هذا صحيح بالنسبة للمخلوق، ما يمكن يكون في أعلى شيء ويقال: إنه قريب، لكن الله تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١].
ومثله كذلك أيضًا قوله تعالى في الحديث القدسي: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» ، وما أشبه ذلك من الأحاديث التي قد يعجز أو تعجز عقول بعض الناس عن إدراكها، فيحاولون أن يؤلوها، فنحن نقول: إن الله عز وجل يقرب من خلقه كما شاء، كما قال السلف، ولا نكيف، نقول: الله أعلم بهذه الكيفية، لكن نعلم أنه سبحانه وتعالى وإن قرب من خلقه وإن نزل إلى السماء الدنيا نعلم أنه لا يزال عاليًا، لا يزال عاليًا سبحانه وتعالى.
طالب: شيخ، هل نقول: وجدت عنده ثواب أو مغفرة؟
الشيخ: لا، ما يستقيم؛ لأنه في الإطعام لما قال: «اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فَلَمْ تُطْعِمْهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي» ، ففرق الله عز وجل بين الإطعام وبين عيادة المريض.
طالب: «يَخُوضُ فِي الرَّحْمَةِ» نقول: نحمله عليها؟
الشيخ: نعم، نحن نحمله على الحقيقة، «يَخُوضُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ» بمعنى ينغمر فيها.
الطالب: نعم، يعني في الأجر والثواب؟
الشيخ: في الأجر والثواب، إي نعم، ما في إشكال.
طالب: لكن كيف نقول: «وَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» (...) ما نحمله على (...)؟
الشيخ: ما نحمله؛ لأن هذا حديث واحد فرق فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام فيما روى عن ربه.
الطالب: نحن ما نتصور (...)؟
الشيخ: لا، نحن نتصور، يتصور، العندية لا تنافي العلو بالنسبة لله عز وجل، أما بالنسبة للمخلوق نعم ما يكون عندك وهو بالسطح، لكن بالنسبة لله عز وجل ما هو صفاته كصفاتنا، فالحديث الذي ورد ذكر في الطعام قال: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي» بهذا اللفظ، وفي العيادة قال: «لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» ففرق بينهما.
طالب: شيخ، الفطرة في الدعاء ما تحبذ هذا القول؛ لأن الله عز وجل ليس قريب لا بذاته ولا يعني الكيفية، أو الفطرة تقول: إن الله بعيد ليس بقريب؟
الشيخ: إن الله في السماء لكن مع علوه هو قريب.
الطالب: بس الفطرة تقول: ليس بقريب؟
الشيخ: لا، ما يمكن.
طالب: إيه، أن الله عز وجل..
الشيخ: لا، إذا قلت: ليس بقريب بمعنى أن الله سبحانه وتعالى أنه هو في المكان هنا (...)، لكنه قريب قربًا يليق به، ما نعرف حقيقة كيف يكون قريبًا، نثبت أنه قريب، ولكن ما نعلم كيف هذا القرب.
(...) لم يلزم أن يكون ذلك في حق الخالق؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: فهو علي في دنوه قريب في علوه. فلا يقاس بخلقه.
قوله تعالى: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، قال: فَإِنِّي قَرِيبٌقَرِيبٌهذه خبر (إن)، فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِأنتم فهمتم الآن أنه قريب مع علوه، وأنه لا تناقض بينهما؛ لأن الله لا يقاس بالمخلوقات، فهو قريب في علوه، عليٌّ في دنوه، سبحانه وتعالى.
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِقوله: أُجِيبُهذه الجملة خبر ثانٍ لـ(إن)، فيكون خبرها اسما وجملة، يعني خبرها مفرد، والخبر الثاني جملة، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِالدعاء بمعنى الطلب، وقوله: دَعْوَةَ الدَّاعِأصلها: الداعي بالياء، كالقاضي والهادي لكن حذفت الياء للتخفيف، نظيرها قوله تعالى: الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [الرعد: ٩] وأصلها: المتعالي، هذا في ما فيه (أل)، وقد تحذف في الذي ليس فيه (أل)، قد تحذف في شيء ليس فيه (أل)، كما في قوله تعالى: وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد: ١١] أصلها: من والي، وكل ذلك للتخفيف.
دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِشوف قال: إِذَا دَعَانِ، مع أنه لا يكون داعيًا إلا إذا دعا، وحينئذٍ قد يقول قائل: ما فائدة الشرط؟ الداعي هو ما كان داعيًا إلا لما دعا، وحينئذٍ فما فائدة الشرط في قوله: إِذَا دَعَانِ؟
نقول فائدته: الإشارة إلى أمرين، بل إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: الإخلاص، بأن يدعو الله تعالى نفسه ما يتخذ بينه وبينه وسائط، فيقول: يا رسول الله، ادع الله لي، بعد ممات الرسول صلى الله عليه وسلم، أو يا أيها الولي الفلاني -بعد موت الولي- ادع الله لي، أو ما أشبه ذلك، ففائدتها الإخلاص أن يكون مخلصًا لله في الدعوة.
الفائدة الثانية: اعتقاد أن الله سبحانه وتعالى محقق له ما دعا؛ لأنك ما تدعو أحدًا بصدق إلا وأنت واثق من إجابته؛ ولهذا جاء في الحديث: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ» ، فيكون فائدتها: إِذَا دَعَانِأي: حقًّا، دعاني حقًّا يعلم أنني سأوتيه دعوته.
الشيء الثالث: تفيد صحة افتقاره إلى الله، وأنه حقيقة مفتقر له؛ إذ إنه لا يدعى إلا من كان مفتقرًا إليه، فيكون فائدة ذلك تحقيق هذا الدعاء على الوجوه الثلاثة، وهي: الإخلاص ويش بعد؟ الإيقان بالإجابة، والثقة بالله عز وجل، والثالث: صحة الافتقار إلى الله، بحيث إنه ما دعا إلا وهو مفتقر؛ لأن المستغني ما يدعو، المستغني لا يدعو.
وقوله: إِذَا دَعَانِأصلها: دعاني بالياء، فحذفت الياء تخفيفًا.
وقوله: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِشوف ما قال: أجيب مسألته، قال: أجيب دعوته، وإجابة الدعوة لا يلزم منها تحقيق المسألة؛ إذ قد لا يجيب الله تعالى مسألته، ولكن يجيبه إما بأن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم، وإما بأن يدخرها له، فإذا لم يجب ما سأله بعينه وادخره له أو صرف عنه من السوء ما هو أعظم، فهل يقال: إنه أجاب الدعاء ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: أجاب الدعاء لا شك، لكنه لحكمته ولرحمته بهذا الداعي اختار له ما اختار، قد يكون من مصلحة الداعي أن تجاب دعوته، قصدي أن تجاب مسألته التي سأل، وقد لا يكون من المصلحة.
وقوله: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِقال بعدها: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيأي: فليجيبوا لي؛ لأن استجاب بمعنى أجاب، كما قال الله تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ [آل عمران: ١٩٥] أي: أجاب، وكما قال تعالى: وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ [الشورى: ٣٨] بمعنى أجابوا له، وقوله: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيهنا ما قال: فليستجيبوني، (...) أجاب يقال: أجابه، لكن هنا عداها باللام: استجاب له؛ لأنه ضُمن معنى الانقياد، وإلا لكانت (أجاب) تتعدى بنفسها، نظيرها قوله صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ: فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا لَكَ بِذَلِكَ ، (أَجَابُوا لَكَ) ولم يقل: أجابوك، فضمن الإجابة معنى الانقياد.
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِييعني: فلينقادوا لي إجابة، مبنية على ما بعدها وَلْيُؤْمِنُوا بِيمبنية على الإيمان، وهنا قال: وَلْيُؤْمِنُوا بِيدون وليؤمنوا لي؛ لأن الإيمان بالله متضمن للاطمئنان والاعتراف التام وليس مجرد تصديق، بل هو تصديق باطمئنان قلب؛ ولهذا يقال: اطمأن قلبه به، فصدَّق واطمأن، وقوله: وَلْيُؤْمِنُوا بِيفَلْيَسْتَجِيبُوا لِياللام هذه في الفعلين لام الأمر؛ ولهذا سكنت بعد حرف العطف.
فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَلعل؟
طالب: للتعليل.
الشيخ: للتعليل نعم، كلما جاءت لعل في كتاب الله فإنها للتعليل؛ إذ إن الترجي لا تكون إلا فيمن يحتاج ويؤمل كشف ما نزل به عن قرب، أما الرب عز وجل فإنه يستحيل في حقه هذا، فيكون ما جاء في القرآن من مثل هذا التعبير يكون معناه التعليل لأجل الرشد.
والرشد يطلق بمعنى حسن التصرف، وبمعنى الغنيمة؛ ولهذا يقال: يا راشد، يعني: يا غانم، وأما الرشد بمعنى حسن التصرف فهو كثير، كما في قوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ [النساء: ٦] ويش معنى رُشْدًا؟ أي: حسن تصرف، وقال تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات: ٧] أي: الغانمون، فهي قريبة من معنى المفلحين، وفي هذه الآية: لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَتحتمل المعنيين: الرشد بمعنى حسن التصرف، والثاني: بمعنى الغنيمة التي رشدوا بها، ولا شك أن من آمن بالله واستجاب له، فإنه أحسن الناس تصرفًا ويوفق ويهدى وتيسر له الأمور، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق: ٤]، فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل: ٥ - ٧]، ولا شك أيضًا أن من آمن بالله واستجاب له، فإنه غانم رابح، ولا أحد أربح منه.
إذا قال قائل: إذا حملتم الرشد هنا على المعنيين جميعًا، فمعنى ذلك أنكم استعملتم المشترك في معنيين فماذا نقول؟ نقول: ما فيه مانع، نقول: الصحيح أنه جائز، إذا كان المعنيان لا يتنافيان، وأي مانع من أن يكون المتكلم قصد ما يدل عليه الكلام هذا وهذا.
طالب: المعنيين يكونون أبلغ بهذا؟
الشيخ: نعم، رجل قال: دخل اللصوص على بيت فلان فأتلفوا عينه، ويش المراد بالعين؟
طالب: المتاع.
طالب: المال.
الشيخ: المال، وعينه أيضًا اللي تجري، الماء، أو لا؟ وعينه الباصرة، كلٌّ يمكن، فإذا علمنا أن هؤلاء اللصوص أفسدوا كل الثلاثة، فلا مانع أن نقول: إنهم دخلوا على بيته فأتلفوا عينه، ويش المانع؟ الكلام بس أن يكون هناك دليل على أن هذا اللفظ المشترك مستعمل في المعنيين، فإذا دل الدليل فلا مانع.
طالب: الشوكاني يقول: بمعنى الهداية؟
الشيخ: نعم، الهداية من حسن التصرف.
طالب: شيخ، قوله إِذَا دَعَانِما في فائدة أن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء (...) مسألة ودعاء عبادة، (...) نص على دعاء المسألة بخصوصها؟
الشيخ: لا، ما فيه هذا الدليل؛ لأن هذه أيضًا -سيأتينا إن شاء الله في الفوائد- أنها صالحة للأمرين.
طالب: في قوله تعالى في آية أخرى فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ [الأنعام: ٤١] هنا تقيد النص؟
الشيخ: بيجينا إن شاء الله تعالى في الفوائد.
طالب: بالنسبة لـ(لعل) ما تكون للترجي تكون للمخلوق؟
الشيخ: لا، بالنسبة لله ما يكون.
الطالب: لا، بالنسبة..
الشيخ: للمخلوق تكون للترجي وللتعليل وللتوقع وللإشفاق، وتأتي أيضًا -كما مر علينا في البلاغة- تأتي للتمني.
طالب: شيخ، (...) لعل (...)؟
الشيخ: لأن ما هناك شيء معلل من قبل.
طالب: بالنسبة ها الآية بالنسبة لكلام الله؟
الشيخ: لأن مقصود هذه للتعليل، نقول: للتعليل.
طالب: هذه في حق المخلوقين لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ؟
الشيخ: إيه، لكن من اللي قال: لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ؟
الطالب: إيه، الله سبحانه وتعالى هو اللي قاله، جميع القرآن من كلام الله.
الشيخ: يعني معناه: أترجى أن يرشدوا؟
الطالب: لا، هو بحق (...) يختلف.
الشيخ: لا، ما يصلح، هذا ما دام أن الله علل فعلًا من أفعاله..
طالب: يعني نقول: إن العباد متفاوتون، منهم من يرشد ومنهم من لا..
الشيخ: أبدًا، إذا استجابوا لله وآمنوا رشدوا لا شك، لا بد، إذا استجابوا لله وآمنوا به لا بد أن يرشدوا.
ثم قال تعالى أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْكلمة أُحِلَّمبنية للمجهول؛ لأنه معلوم من الذي بيده الإحلال والتحريم وهو الله، وقوله: أُحِلَّتدل على أن الأمر كان محرمًا من قبل، وإلا لما احتيج إلى النص على الإحلال؛ لأن الأصل الحل، بخلاف حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [المائدة: ٣]، فلا يدل على أن ذلك كان حلالًا، مثلًا؛ لأنه ليس الأصل التحريم، فهنا نقول: أُحِلَّيدل على أنه كان قبل ذلك حرامًا، وهو كذلك.
وقوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِأي صيام؟ الصيام المنعوت السابق وهو صيام رمضان.
وقوله: الرَّفَثُ(الرفث) نائب الفاعل فاعل أُحِلَّولهذا رفع، والرفث يطلق على الجماع، ويطلق على الكلمات التي تقع بين الزوج وزوجته حين الجماع؛ لأنه يقع بين الزوج وزوجته حين الجماع من الكلمات ما يستحيى منه، ويسمى رفثًا، ولكنه هنا يراد به الجماع، بدليل أنه عُدِّي بـ(إلى)، الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْأي: الإفضاء إلى نسائكم، والإفضاء بمعنى الجماع؛ لقوله تعالى: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [النساء: ٢١].
فقال: الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ(النساء) جمع (نسوة)، ونسوة اسم جمع لا مفرد له، ومفرده امرأة، مثل (إبل) اسم جمع لا مفرد له، ومفرده بعير.
قوله: إِلَى نِسَائِكُمْالمراد: زوجاتكم وإمائكم، وهذا واضح؛ لأن غيرهما لا يحل مطلقًا لا في ليل الصيام ولا غيره وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ [المؤمنون: ٥ - ٦].
الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّالجملة هذه استئنافية للتعليل، تعليل الحل، يعني: أحل لكم ذلك لأنكم لا تستغنون عنهن ولا يستغنين عنكم، فأنتم لهن لباس وهن لكم لباس، وانظر إلى التعبير بـ(اللباس) لما فيه من حفظ الفرج، فاللباس يستر العورة، والزواج يحصل به تحصين الفرج، ثم ما فيه من الستر والصيانة والحماية، وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ [النحل: ٨١].
ويشمل ذلك أيضًا معنى اللباس أوسع من كونه سترًا وحماية وصيانة، يشمل التقارب بين الزوج وزوجته، كما قال الشاعر:
| إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَهُ | تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا |
فالحاصل أن هذا التعبير بـ(لباس) يعطي أقوى دليل على ما بين الزوجين من أيش؟ من التقارب ومن الحفظ والحماية، وأنه لا يستغني أحدهما عن الآخر، وهذا شيء من حكمة الله عز وجل ورحمته وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم: ٢١]. هذا الذي جعله الله تعالى بين الزوجين من رحمته أنه أحل لنا الرفث إلى نسائنا في ليالي الصيام.
ثم بين الله عز وجل حكمة أخرى موجبة لهذا الحل، وهي قوله: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ-الحمد لله- عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْبماذا؟ بإتيانهن بحيث لا تصبرون فتختانون أنفسكم، والظاهر -والله أعلم- أن هذا الاختيان بكون الإنسان يفتي نفسه بأن الأمر هين، أو بأنه صار في حالة لا تحرم عليه زوجته وما أشبه ذلك، وأصل هذا أنهم كانوا في أول الأمر إذا صلى الإنسان العشاء الآخرة أو إذا نام قبل العشاء الآخرة، فإنه يحرم عليه الاستمتاع بالمرأة والأكل والشرب إلى غروب الشمس من اليوم التالي، فشق عليهم ذلك مشقة عظيمة حتى إن بعضهم ما صبر، فبين الله عز وجل حكمته ورحمته بنا حيث أحل لنا هذا الأمر؛ ولهذا قال: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَولم يقل: تخونون؛ لما في قوله تَخْتَانُونَمن زيادة الحروف الدالة على زيادة المعنى؛ لأنهم يقولون: إن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وهذا صحيح ولَّا لا؟ صحيح، لكنه غالبي ما هو دائمًا، فـ(بقرة) و(بقر) أيهم أكثر حروف؟ بقرة، وهي أقل معنى، أيهن أكثر البقرة الواحدة ولَّا البقر؟ البقر أكثر، إي نعم، فالمسألة أغلبية.
قال: تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْتاب عليكم، هل المعنى: فتاب عليكم قبل أن تتوبوا، أو أن الله نسخ هذا الأمر والنسخ توبة؛ لأنه لولا النسخ لكان الوقوع فيه إثمًا؟ أيهما المعنى؟
طالب: الأخير.
الشيخ: لكن هذا المعنى الأخير هو الأصح، ونظيرها قوله تعالى في سورة المزمل: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ [المزمل: ٢٠]، بعد أن أوجب علينا القيام سبحانه وتعالى قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل: ٢ - ٤]، قال: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْبنسخ الوجوب؛ لأنه لولا النسخ لكان تركه تركًا للواجب، فيكون إثمًا، فيعبر الله عز وجل عن النسخ بالتوبة، إشارة إلى أنه لولا النسخ لكان الإنسان آثمًا إما بفعل المحرم أو بترك الواجب.
طالب: شيخ، زياد المبنى ما تطرد في المشتقات؟
الشيخ: ما نقدر نحكم بشيء، نحن نقول: أغلبية، ما نقدر؛ لأن حصر ها المسائل هذا صعب، يمكن يجي واحد ينقض عليك المثال، ثم تضطر إلى أن تقول: أغلبية، (...).
طالب: قلت: إنه لقد أحل، فدل على أنه كان محرمًا من قبل، عام في القرآن؟
الشيخ: لكن هنا في هذه الآية دليل.
الطالب: وليست عامة؟
الشيخ: في القرآن..
الطالب: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ [المائدة: ٥].
الشيخ: في القرآن إما أن يكون هذا توطئة لما بعده، أو إزالة وهم، أو ما أشبه ذلك، أو بيان امتنان، ما نضبطها، إنما في هذه الآية تدل على أنه محرم من قبل.
طالب: تَخْتَانُونَمعناها يعني: بين اثنين، يعني الفعل في التكاثر، يعني ما هو الإنسان يخون نفسه، يعني يحصل بينه، هذا المقصود به المعنى؟
الشيخ: نعم، هذا من المقصود بلا شك، أن كل واحد منكم يخون الثاني قصدك؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: مثل تقاتلون؟ لا، بس كلمة اختان مثل اختار، يعني ما هي بتدل على المفاعلة، لكن قد يكون هذا من جملة ما يستفاد من زيادة المبنى، قد يكون هذا من جملته، إنما أن نقول: هذا هو الفائدة، ما نقدر نقول: هذا هو الفائدة؛ لأن كلمة (افتعل) ما تدل على المشاركة.
قال: فَتَابَ عَلَيْكُمْبماذا تاب؟ قلنا: بالنسخ؛ لأنه لولا النسخ لكان فعله محرمًا مقتضيًا للإثم.
فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْالعفو يكون في مقابلة إساءة، كما قال الله تعالى: إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا [النساء: ١٤٩]، فما هي الإساءة اللي حصلت؟ هي ما حصل من بعض الصحابة رضي الله عنهم من إتيان أهلهم في ليالي الصيام قبل أن ينسخ التحريم؛ ولهذا قال: وَعَفَا عَنْكُمْ، وأصل العفو هو ترك المؤاخذة على الذنب، ومن أسماء الله تعالى العفو، ويطلق العفو على معنى الزيادة كما في قوله تعالى: حَتَّى عَفَوْا [الأعراف: ٩٥] يعني: كثروا، ومنه قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَعْفُوا اللِّحَى» يعني: وفروها وأكثروها.
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّإلى آخره، فَالْآنَالفاء حرف عطف تقتضي الترتيب، يعني: فالآن بعد التحريم وبعد تحقق التوبة والعفو باشروهن، وكلمة الآن -تقدم لنا- أنها اسم إشارة إلى الزمن الحاضر وأنها مبنية على الفتح في محل نصب، وقوله: بَاشِرُوهُنَّالمراد بالمباشرة الجماع، وسميت مباشرة لالتقاء البشرتين فيها: بشرة المرأة وبشرة الرجل، وقوله: بَاشِرُوهُنَّهو -كما نعلم جميعًا- فعل أمر، فما المراد بهذا الأمر؟
طالب: الإباحة.
الشيخ: الإباحة أو رفع التحريم؟
الطالب: أو كذلك.
الشيخ: أو كذلك لا، بينهما فرق.
طالب: هو الإباحة.
الشيخ: لا لا، بينهما فرق؛ ولهذا اختلف الأصوليون في الأمر بعد الحظر هل هو للإباحة أو رفع للتحريم؟ فمنهم من قال: إنه للإباحة، ومنهم من قال: إنه رفع للتحريم، وبينهما فرق، فإذا قلنا: للإباحة، فمعناه أن هذا الفعل بعد التحريم صار مباحًا فقط، وإذا قلنا: إنه رفع للتحريم، فمعناه أن هذا الشيء عاد إلى حكمه قبل التحريم، فإن كان واجبًا فهو واجب، وإن كان مستحبًّا فهو مستحب، وإن كان مباحًا فهو مباح، فالآن ظهر الفرق بين القولين، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: حجة الذين يقولون: إنه للإباحة، يقولون: إنه لما ورد التحريم على الحكم الأول نسخه وصار كأن لم يكن، مفهوم؟ فإذا جاء الأمر بعده فمعناه أنه صار مباحًا، بعدما كان حرامًا صار مباحًا، وهذه حجة قوية.
والذين قالوا بأنه رفع للتحريم، قالوا: لأن الحكم الأول لما ورد عليه التحريم صار محرمًا، فلما زال التحريم عاد إلى ما كان عليه، كأن التحريم ستر وضع على مغطى، فإذا رفع هذا الستر فكيف يكون المغطى؟ يكون كما كان عليه، ومن ثم قالوا في قوله تعالى: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [المائدة: ٢] هل الاصطياد مباح أو أنه يكون حسب حكمه بالأول؟ حسب الحكم الأول، وهذا هو الذي يبدو راجحًا، وإن كان المسألة ما هي عندي بذاك المتميزة كثيرًا؛ لأن كلا التعليلين قوي، لكن الذي يبدو أنه أقرب: أن الأمر بعد الحظر هو رفع للتحريم.
فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: ١٠]، هذا أمر بعد الحظر؛ لأنه قال: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: ٩]، ثم قال: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِهل نقول الآن: إن البيع بعدما كان محرمًا صار مباحًا الآن أو صار مستحبًّا أم ماذا؟ نقول: عاد على ما كان عليه، والبيع -كما هو معلوم- قد يكون واجبًا، وقد يكون مستحبًّا، وقد يكون مباحًا.
طالب: نقول: دل على الإباحة، لكن الدليل الآخر في هذه الآية ما هي الإباحة لكن هناك أدلة أخرى؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: ففي الآية مثلًا هذه.
الشيخ: لا، إحنا كلامنا على القاعدة العامة، هل نسخ التحريم رفعٌ له أو أنه مقتضٍ للإباحة، الأمر بعد التحريم؟
الطالب: أظن يقتضي الإباحة مثلًا، لكن دلت أدلة أخرى (...) في غيرها.
الشيخ: لا، بينهم فرق.
طالب: على قولنا: بأن المباح تجري فيه الأحكام الخمسة، يكون فيه فرق التعبيرين؟
الشيخ: إيه؛ لأنه إذا قلنا: بأنه يعود إلى ما كان عليه أو رفع للتحريم، ننظر هذا الشيء الذي نهي عنه الآن هل هو قبل النهي مستحب، فيكون مستحبًا، قد يكون قبل الأمر مستحبًا، فيكون مستحبًا يبقى على استحبابه.
الطالب: لكن مثل البيع يا شيخ، ويش حكم يعني..؟
الشيخ: لا، البيع حكمه الإباحة، لا شك.
طالب: يا شيخ، (...) كل الأمرين يصير إلى الإباحة؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: إعادة إلقاء الله على..
الشيخ: إيه؛ لأن الصيد في الأصل مباح، لكن إذا كان الشيء مما يطلب مثل أنا لو قلت لك: لا تزر فلانًا، وهو قريب لك مثلًا، ثم قلت لك: إذا طلعت الشمس فزره، هذا الأمر ما هو معناه الإباحة، إذا قلنا: بأنه رفع للنهي، صار عادت الزيارة مستحبة، وإذا قلنا: إنه للإباحة، بقيت الزيارة مباحة، هذا المعنى.
طالب: قوله: وَعَفَا عَنْكُمْ(...)؟
الشيخ: بَاشِرُوهُنَّقلت: المراد به الجماع، وما دونه من باب أولى ليس محرمًا.
وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْابْتَغُوا: اطلبوا، مَا: الذي، كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْكتب لكم كتابة الكونية أو كتابة الشرعية، يعني: بمعنى ما قدر الله لكم، أو ما شرع الله لكم؟ نقول: تحتمل المعنيين، وشمولها لهما أولى، فالمعنى: ابتغوا ما شرع الله لكم، أي: اطلبوا ما شرع لكم من الاستمتاع بالنساء وإباحته، أو ما شرع لكم من التهجد في ليالي رمضان، أو ما شرع لكم من السحور، كل هذا داخل، أو ابتغوا ما كتب الله لكم تقديرًا كتابة قدرية من طلب الولد بهذا الجماع، كما قاله بعض المفسرين قال: ابتغوا الولد، يعني لا يكن مباشرتكم من أجل نيل الشهوة فقط، ولكن من أجل حصول الولد والذرية، فأقول: إن الآية تشمل الأمرين وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، والفوائد إن شاء الله تأتينا.
وَكُلُوا وَاشْرَبُوامعطوفة على بَاشِرُوهُنَّعلى الأول على بَاشِرُوهُنَّ، كُلُوا وَاشْرَبُواما معنى الأكل والشرب؟ ويش في الأكل والشرب؟
طلبة: (...).
الشيخ: ولكن ما يتبين لنا، وهو كذلك، أول ما يظهر الفجر لا شك أنه ما هو على طول بيتبين، بيظهر شيئًا فشيئًا، ولكننا نحن مكلفون بما نستطيع حتى يتبين لنا ويتضح.
وقوله: الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِعرفنا لما قال سبحانه وتعالى: مِنَ الْخَيْطِأن يَتَبَيَّنَبمعنى يتميز، يتميز هذا من هذا، كما قال تعالى: حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران: ١٧٩]، فـ(مِن) ما تدخل على يَتَبَيَّنَمن هذا إلا إذا قصد به التمييز، يعني: حتى يتميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، مِنَ الْفَجْرِبينت المراد بالخيط، خيط أيش؟ بياض النهار، والخيط الأسود؟ سواد الليل، وفي التعبير بكونهما خيطين دليل على أنهما يتعاقبان، وأن هذا قد يكون في جهة، وهذا قد يكون في جهة؛ لأنهما خيطان، والخيطان لا بد أن يتعاقبان، وإلا لكانا خيطًا واحدًا فقط.
وقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الفجر فجران: صادق وكاذب، وبين أن الصادق هو الذي يكون معترضًا في الأفق، مستطيرًا كالطير أو كجناح الطير من الشمال إلى الجنوب، وأما الكاذب فهو الذي يكون مستطيلًا -باللام- في الأفق كذنب السرحان، يعني: كذنب الذئب.
وذكر أهل العلم أن بينهما ثلاثة فروق، الفرق الأول: أن الصادق هو مستطير معترض وأما ذاك فهو مستطيل، والثاني: أن الصادق لا ظلمة بعده وذاك يظلم، والثالث: أن الصادق متصل بالأفق وهذا بينه وبين الأفق ظلمة (...).
حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِقلنا: إن يَتَبَيَّنَبمعنى يظهر، ولكنه مضمن معنى الظهور والتمييز منين؟ من قوله: الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِيعني: يتميز هذا من هذا.
وقوله: مِنَ الْفَجْرِهذه بيان لقوله: الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ، ولم يقل: في الخيط الأسود من الليل، اكتفاء بالأول، كما في قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] يعني: والبرد؛ لأن السرابيل تقي الحر والبرد وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ [النحل: ٨١] كالدروع، فالمهم أن هذا من باب الاكتفاء بذكر أحد المتقابلين عن المقابل الآخر، يعني: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الفجر من الخيط الأسود من الليل، فهمتم؟ لكن حذف (من الليل) اكتفاءً بقوله: مِنَ الْفَجْرِ؛ لأن الشيء يتبين بذكر مقابله، ونظير ذلك؟ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّيعني: والبرد.
وقوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ: ثم إذا تبين، وهذه من سعة رحمة الله عز وجل أنه أتى بـ(ثم) بعد التبين للتوسعة على العباد؛ ولهذا روى الإمام أحمد بسند لا بأس به أنه إذا أذن الفجر والإناء في يدك، فإنك لا تضعه من يدك حتى تقضي حاجتك ، تيسيرًا على المكلفين؛ ولهذا كان ابن أم مكتوم لا يُؤذّن حتى يطلعَ الفجر ويُقال له: أصبحتَ أصبحتَ .
وقوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِأَتِمُّوابمعنى أنهوا، أنهوه على وجه التمام، وقوله: الصِّيَامَتقدم أنه في اللغة؟ الإمساك، ومنه قوله تعالى: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا [مريم: ٢٦] أي: إمساكًا عن الكلام بدليل قوله: فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا. والمراد بالصيام شرعًا: هو التعبد لله سبحانه وتعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.
وقوله تعالى: إِلَى اللَّيْلِما المراد بالليل؟ غسقه؟ الجواب: لا، ولكن أوله، وقد بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا» وأشار إلى المشرق، «وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا» وأشار إلى المغرب، «وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» . وبمجرد غروب الشمس -أي: غروب قرصها- يكون الإفطار، وليس بشرط أن تزول الحمرة كما يظنه بعض العوام.
ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِإذن الصوم محدد (من) و(إلى)، فلا تزيد فيه ولا تنقص، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد حكم الوصال.
وقوله: وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِلما قال: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّاستثنى من هذا حالة واحدة وهي: إذا كان الإنسان عاكفًا في المساجد وهو صائم، فإنه لا يباشر الزوجة؛ ولهذا قال: وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِفالضمير في قوله: (هن) يعود على النساء، وجملة: وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَحال من الواو في قوله: وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ، وقوله: عَاكِفُونَاسم فاعل من: عَكَفَ يَعْكُف، والعكوف على الشيء: ملازمته والمداومة عليه، ومنه قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لقومه: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ [الأنبياء: ٥٢] أي: مديمون ملازمون؛ ولهذا نقول: الاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء، وأما في الشرع فهو: التعبد لله سبحانه وتعالى بلزوم المساجد طاعة له، بلزوم المساجد لطاعة الله، هذا هو الاعتكاف.
والاعتكاف معروف في الجاهلية ومعروف في الإسلام، قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» ، وهو مشروع في رمضان، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعتكف طلبًا لليلة القدر؛ ولهذا اعتكف في العشر الأول، ثم قيل له: ليست الليلة في هذا العشر، فاعتكف في الأوسط، ثم أريها في العشر الأواخر، حتى خرج إلى الناس وقال: «إِنِّي أُرِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَمَنْ كَانَ مُعْتَكِفًا، فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ» ، فكان الاعتكاف في رمضان طلبًا لليلة القدر، ثم إنه سيأتينا إن شاء الله في الفوائد حكم الاعتكاف هل هو سنة؟ هل هو يشترط له الصوم أو لا يشترط؟
وفي ذكر الاعتكاف بعد آيات الصوم استنبط بعض العلماء أن الاعتكاف لا يكون إلا في رمضان وفي آخره؛ لأن الله ذكره تابعًا لآيات الصوم بعد أن ختم الكلام على الصوم، والله أعلم هل يستقيم هذا الاستدلال أولا يستقيم.
ثم قال سبحانه وتعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ(تلك) ويش (تي)؟ ويش معناها؟ (تي) تلك؟
طالب: اسم إشارة.
الشيخ: (تي) اسم إشارة، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب، وقد تقدم أن الكاف هذه تكون باعتبار المخاطب، واسم الإشارة باعتبار المشار إليه، وأن الأفصح فيها أن تكون الكاف حسب المخاطب فيقال في المذكر المفرد: ذلكَ، وفي المؤنث: ذلكِ، وفي المثنى: ذلكما، وفي جماعة الذكور: ذلكم، وفي جماعة الإناث: ذلكن، قال الله تعالى: وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ [فصلت: ٢٣]، وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا [الأعراف: ٤٣]، وقال تعالى: فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [يوسف: ٣٢]، وفي المثنى قال الله تعالى: ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي، وفي المفرد: (ذلك)، وهو كثير، وهذه اللغة المشهورة الفصحى، وفيها لغة ثانية: أنها -أي الكاف- تكون مفردة مفتوحة دائمًا، على تأويل المخاطب بالمفرد، وفيها لغة ثالثة: فتحها للمذكر مطلقًا، وكسرها للمؤنث مطلقًا.
وهنا (تلك) للمفرد المذكر، أو لا؟ فالمعنى: تلك أيها المخاطب وإن كان يخاطب جميع الناس؛ لأن الناس جنس، فيصح أن يعبر عنها بالمخاطب.
طالب: شيخ، في قوله تعالى: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ [آل عمران: ١٤٠] مع مراعاة المخاطب في الكاف يعني ما جمع الضمير؟
الشيخ: إيه، كثيرًا ما يترك الجمع، في القرآن الأغلب الإفراد، كأنه يخاطب الإنسان عمومًا بالقرآن، يخاطب الإنسان، يعني: تلك أيها الإنسان حدود الله، وهذا كثير حتى الخطابات بغير الكاف في اسم الإشارة تجدها في المفرد.
قال: وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِحدود الله جمع حد، (حدود) جمع (حد).
طالب: قلت: بالواو.
الشيخ: إي نعم، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِما فيها واو، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِالحدود جمع حد، والحد في اللغة: المنع، ومنه: حدود الدار؛ لأنها تمنع من دخول غيرها فيها، فمعنى حُدُودُ اللَّهِأي: موانعه.
واعلم أن حدود الله نوعان: حدود موانع، أي: تمنع من كان خارجها من الدخول فيها، وهذه موانع الدخول، وهي في المحرمات، وموانع أخرى تمنع من فيها من الخروج منها، وهذه حدود الأوامر، حدود الله تعالى نواهٍ وأوامر، النواهي ما شأنها؟ تمنع من كان خارجها من الدخول فيها، والأوامر تمنع من كان فيها من الخروج منها؛ ولهذا إذا جاءت الأوامر قال الله فيها: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا [البقرة: ٢٢٩] يعني: لا تخرجوا منها، وإذا جاءت النواهي قال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا [البقرة: ١٨٧]. فهذا هو الفرق، والكل منها يسمى حدودًا؛ لأن الأوامر لها حد لا تخرج منها، والنواهي لها حد لا تدخل فيها.
وقوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِمن باب إضافة المشروع إلى مشرِّعه، فَلَا تَقْرَبُوهَاالفاء للتفريع، و(لا) ناهية، الدليل؟
طالب: حذف النون.
الشيخ: مجزومة بحذف النون، فَلَا تَقْرَبُوهَاما قال: فلا تفعلوها، وإنما نهى عن قربانها، حتى نبعد عن المحرم وعن وسائل المحرم؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، وكم من إنسان حام حول الحمى فوقع فيه؛ ولهذا قال: فَلَا تَقْرَبُوهَا، فالمحرمات ينبغي البعد عنها وعدم قربها.
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُهذا ترد في القرآن كثيرًا، وقد أشرنا فيما مضى إلى إعرابها، وقلنا: إن الكاف اسم بمعنى مثل، وإنها منصوبة على المفعولية المطلقة، أي: مثل ذلك البيان يبين الله، وهي في القرآن كثيرًا، وهذا إعرابها: أن نقول: إن الكاف اسم بمعنى (مثل)، وهي منصوبة على أنها مفعول مطلق، وعاملها ما بعدها، وقوله: كَذَلِكَالمشار إليه ما سبق من البيان، وأظنه كثير البيان في هذه الآيات، أو لا؟ البيان كثير: فبين الله سبحانه وتعالى حكم الأكل والشرب في الليل، حكم مباشرة النساء، حكم الاعتكاف، موضعه، ما يحرم فيه، إلى آخره المهم أنها عدة أحكام بينها الله.
وقوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِآيات جمع آية، وهي في اللغة: العلامة، والمراد بها في الشرع: البراهين الدالة على ما تقتضيه من صفات الله سبحانه وتعالى، فمنها ما يقتضي الحكمة، ومنها ما يقتضي الرحمة، ومنها ما يقتضي العلم، ومنها ما يقتضي الإحاطة، المهم أنها متنوعة، الآيات جمع آية، وهي في اللغة: العلامة، والمراد بها هنا شرعًا: البراهين التي تدل على ما تقتضيه من صفات الله.
وذكر أهل العلم أن الآيات تنقسم إلى قسمين: كونية، وشرعية، وأن الآيات الكونية هي المخلوقات، كل المخلوقات ذواتها وصفاتها وأحوالها من الآيات الكونية، وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ [فصلت: ٣٧]، وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ [الشورى: ٢٩]، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا [الروم: ٢١]، وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ [الروم: ٢٠]، إلى آخره، فكل المخلوقات ذواتها وصفاتها وأحوالها كلها من آيات الله الكونية، وكانت آية لله؛ لأنه لا أحد من المخلوق يصنع مثلها، وآية الشيء هي: العلامة عليه، فلا أحد من المخلوقين يصنع مثل هذه الآيات أبدا، أو لا؟
القسم الثاني من الآيات: الآيات الشرعية، وهي: ما أنزله الله تعالى على رسله وأنبيائه من الوحي، فإنها آيات شرعية تدل على منزلها سبحانه وتعالى، وجه ذلك؟ أنك إذا تأملت أخبارها وجدتها في غاية الصدق والبيان والمصلحة نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ [يوسف: ٣]، فأحسن الأخبار أخبار القرآن، أخبار الوحي: القرآن وغيره، إذا تأملت أحكامها وجدتها أحسن الأحكام، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]، لو اجتمع الخلق على أن يأتوا بمثل الأحكام التي أنزلها الله على رسله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، بهذا تكون آية ولَّا لا؟ تكون آية على ما تقتضيه من صفات الله سبحانه وتعالى، وقولنا: على ما تقتضيه؛ لأن الآيات تختلف بعضها تقتضي العظمة، تدل على العظمة بعضها، تدل على الرحمة، وبعضها تدل على العلم، وبعضها تدل على الكبرياء، المهم تختلف.
وقوله: يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَهذه (لعل) للتعليل، يتقون من؟ يتقون الله عز وجل، وتقوى الله سبحانه وتعالى هي: اتخاذ الوقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أجمع ما قيل في التقوى، وبعضهم يقول: إن التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله، وبعضهم يقول: إن التقوى ترك المعاصي، ولكن أجمع ما قيل فيها ما ذكرناه في الأول وهي: اتخاذ وقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، صحيح أنها إذا قرنت بالبر مثل: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢] صار المراد بالتقوى: اتقاء المعاصي، والمراد بالبر: فعل الطاعات، يقول الشاعر:
| خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا | وَكَبِيرَهَـا ذَاكَ التُّقَــى |
هذا التقوى
| وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ | ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى |
اللي يمشي على أرض الشوك ويش يسوي؟ يخبط برجله ولا يهمه؟ لا.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم
| لا تَحْـقِـرَنَّ صَـغِيرَةً | إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى |
هذا صحيح، والنبي عليه الصلاة والسلام شبه المحقرات من الذنوب بجماعة نزلوا أرضًا، وأرادوا أن يوقدوا نارًا، فذهبوا فجاء واحد بعود، وواحد بعود، وواحد بعود، حتى جمعوا حطبًا كثيرًا، وأضرموا نارًا كثيرة، وهم أي شيء يجيبون؟ على عود عود، ما هو بشيء، إي نعم، إذن نقول التقوى أجمع ما قيل فيها: اتخاذ وقاية من عذاب الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
طالب: قد تكون هذه درجة قريبة من التقوى يعني ما تكون التقوى شيئًا أعلى من فعل الأوامر بل فعل المستحبات؟
الشيخ: الأوامر مستحبات، المستحب أمر؛ لأن الأمر قد يكون للوجوب، وقد يكون للاستحباب، والنهي قد يكون للكراهة، وقد يكون للتحريم.
طالب: ما نقول: إن الآية: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِتشمل من أول السورة وليس مختص بأحكام الصيام؟
الشيخ: لا، ما هو بالظاهر؛ لأنك تعرف الآيات مقطعات.
الطالب: إي بس السورة متصلة؟
الشيخ: لا، ولو كانت متصلة، ما يمكن إلا أنها تكون في الموضوع الذي فيه البحث، وأيضًا فيما سبق فيه كذلك (...) آيات فيه من قبل.
طالب: (...) الصيام يا شيخ؟
الشيخ: يشمل -والله أعلم- هم بعض العلماء قال: يشمل الأحكام الأربعة التي تلي هذا من قوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِإلى آخره بس، ولو قيل: إنه من قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [البقرة: ١٨٣] لكان طيب، ثم اعلم أن قوله: آياتهجمع مضاف، فيعم، يعني أن مثل هذا البيان الذي بيناه لكم في هذه الآيات تكون بيان جميع الآيات.
طالب: عرفت الحد لغةً ما عرفته شرعًا؟
الشيخ: إي عرفته.
الطالب: لا.
الشيخ: قلنا: الحدود شرعًا هي: أوامر الله ونواهيه، أما الحد عند المنطقيين غير هذا، الحد عند المنطقيين تقدمنا في شرح العقيدة السفارينية.
الطالب: يعني يختلف ما كان عند..
الشيخ: إيه يختلف، بحسب الاصطلاحات.
طالب: شيخ، لو قال قائل: يعني تبيين الآيات كأنه يتراءى للإنسان أن فائدته الإيمان؟
الشيخ: الإيمان؟
الطالب: الإيمان، لعلكم مثلًا تؤمنون؛ لأن ثم إذا آمن يتقي.
الشيخ: لا، أصله ما فيه تقوى إلا بعد الإيمان، فالإنسان إذا تبينت له الآيات اتقى الله عز وجل فحصل أولًا.
الطالب: (...).
الشيخ: ما فيه تقوى يا أخي إلا بعد الإيمان، وهل الإنسان بيتقي شيئًا لا يؤمن به؟ ما يكون.
ثم قال: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِمناسبة هذه الآية لما سبق مناسبة واضحة؛ لأن ما سبق في آيات الصيام تحريم لأشياء خاصة في زمان خاص، الآية اللي بعدها وَلَا تَأْكُلُواهذا تحريم عام، عام في ما يحكم، وفي زمانه، وفي مكانه، هذا وجه المناسبة أنه لما ذكر التحريم الخاص الذي يحصل بالصيام بيَّن التحريم العام الذي يحصل في الصيام وفي غير الصيام، فقال: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِلَا تَأْكُلُواالمراد بالأكل ما هو أعم منه، لكنه خص الأكل؛ لأنه أقوى وجوه الانتفاع، أقوى وجوه الانتفاع هو الأكل، الإنسان ينتفع في المال ببناء مسكن له، بناء المسكن متصل به ولَّا لا؟ لكن ما هو مثل اتصال الثوب أولا؟ أيهما ألصق به؟
الطلبة: الثوب.
الشيخ: الثوب، كذلك أيضًا يصرف المال في الثياب، قبل يصرفها في الفرش، والفراش أخص من البيت أو لا؟ لأن الفراش هو الذي يليه عند النوم وعند الجلوس وما أشبه ذلك، يصرفها في اللباس وهو أخص من الفراش، يصرفها في الأكل والشرب وهو أخص الأشياء ما عاد بعده شيء؛ ولهذا ذكر بعض أهل العلم رحمهم الله أن الإنسان إذا كان عنده مال مشتبه ينبغي أن يصرفه في الوقود، ما يصرفه في الأكل والشرب؛ لأن الأكل والشرب يتغذى بهما البدن، وهما أخص انتفاع بالمال.
فإذا كان الله يقول: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْوهو أخص الانتفاع والذي قد يكون الإنسان لو لم يفعل لهلك، لو لم يأكل لمات، فكيف عاد بغيره؟
وقوله: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْكيف يقول: أَمْوَالَكُمْأَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ(...)، فنقول: عندنا آكلٌ ومأكولٌ منه، فإذا كنت أنت أيها الآكل لا ترضى أن يؤكل مالك، فكيف ترضى أن تأكل مال غيرك؟! فاعتبر مال غيرك بمنزلة مالك، ويش هو لأجل؟ لأجل أن لا تأكله، كما لا ترضى أن أحدًا يظلمك ويأكل مالك، فإن هذا يجب أن تنزل مال أخيك بمنزلة مالك. فعليه نقول: فائدة إضافة الأموال المأكولة للغير إلى آكلها هو: أن يعتبر بأن مال غيره يجب أن يحميه كما يحمي مال نفسه.
وقوله: بَيْنَكُمْأي: في العقود من إجارات وبيوع ورهون وغيرها؛ لأن هذه تقع بين اثنين، ومن باب أولى أن تأكلها بالانتهاب والاغتصاب اللي ما هناك بينية بينك وبين شخص آخر، يعني: فإذا نهيت أن تأكلها في العقود، فمن باب أولى أن تأكلها في الغصب والإكراه وما أشبه ذلك.
وقوله: بِالْبَاطِلِكلمة بِالْبَاطِلِالباء هذه حرف جر، ولكن ما معناها؟ هل معناها المصاحبة يعني: أكلًا مصحوبًا بالباطل؟ أو معناها التعدية بأن يجعل الباطل كالآلة يأكل بها يعني: كما تقول ذبحت بالسكين مثلًا، ورميته بالحجر؟ نقول: إن الباء صالحة لهما جميعًا، فلا يجوز أن تتناول غيرك بالباطل بأن تجعل الباطل وسيلة لأخذ المال، ولا أن تأكل المال أكلًا مصحوبًا بالباطل، فيشمل ما كان محرمًا لذاته وما كان محرمًا لوصفه.
وقوله: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِتُدْلُوا بِهَاالضمير يعود إما على الأموال، وإما أن يعود على المحاكمة، والإدلاء أصلها مأخوذة من: أَدْلَى دَلْوَهُ، ومعلوم أن الذي يدلي دلوه يريد التوصل إلى الماء، فمعنى وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِأي: تتوصلوا بها إلى الحكام لتجعلوا الحكام وسيلة لأكلها، كيف يكون وسيلة لأكلها؟ تجحد الحق الذي عليك وليس به بينة، ثم تخاصمه عند القاضي، ماذا يقول القاضي للمدعي عليك؟ يقول: هات بينة، إذا لم يكن لك بينة، إذا لم يكن للمدعي بينة توجهت عليك اليمين، فإذا حلفت برئت، أفهمتم؟ الآن أنا أدليت بها إلى الحكام، بمعنى أني جعلت الحاكم وسيلة لأكل المال، هذا قول في المسألة، والقول الثاني: أن معنى تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِأي: توصلوها إليهم بأن ترشوا الحكام ليحكموا لكم، فمعنى تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِتوصلوها إليهم لأجل، ويش لأجله؟ أن يحكموا لكم، وكلا المعنيين صحيح.
طالب: ألا يدخل فيها يا شيخ الفلاسة؟
الشيخ: الفلاسة؟
الطالب: إيه، يفلس الحكام علشان يأخد المال هذا بغير حق.
الشيخ: إيه، ما تكون أنت الذي أكلتها.
الطالب: إيه، لكن أدليت بها إلى الحكام؟
الشيخ: إيه، بس الآية تقول: لَا تَأْكُلُواوَتُدْلُوا، أما إن جعلنا الجملتين منفصلًا بعضها عن بعض، فهي نعم، تدخل مثل ما قلت أنت، ويصير النهي عن شيئين: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِهذه جملة مستقلة، ولا تدلوا بها إلى الحكام هذه جملة مستقلة، لكن ظاهر النظم -يعني ظاهر الكلام- أن الجملتين واحدة؛ ولهذا قال: وَتُدْلُوا بِهَاولم يقل: ولا تدلوا بها، فجعلها معطوفة على قوله: وَلَا تَأْكُلُوافهي مبنية عليها.
طالب: وين يعود الضمير؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: على القول الثاني، ترشون؟
الشيخ: إيه، يعود على الأموال.
الطالب: المال اللي أرشي به القاضي غير المال الذي..؟
الشيخ: إيه، ما خالف، لكن معناه يكون معناه: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بأموالكم لتأكلوا هذه.
الطالب: يعني أموال ثانية؟
الشيخ: أموال ثانية لأجل أن تأكلوا بها أموال الغير يحكمون لكم بها.
طالب: شيخ، هذه الفلاسة اللي ذكرناها ما تدخل في الرشوة؟
الشيخ: لا لا، الفلاسة ما هي بهذا، الفلاسة يخبر الحاكم بأن فلان عنده مال لأجل يأخذه منه.
الطالب: عندنا في (...) نقول: عليها (...) يعني يرشي، فالتبس عليه الأمر؟
الشيخ: لا، يدل الحكام على أموال الناس ليأكلوها.
طالب: الحكام القضاة ولَّا الحكام..؟
الشيخ: الحكام الأمراء، إذا قلنا: إن المراد مثل ما قال غانم، أما إذا قلنا: إن المعنى عند المحاكمة فهو يشمل الأمراء ويشمل الحكام القضاة.
قال: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِقوله: لِتَأْكُلُواقد يقول قائل: إن فيها إشكالًا؛ لأن قوله: وَلَا تَأْكُلُواثم قال: لِتَأْكُلُوا، كيف يعلل الحكم بنفس الحكم؟ فنقول: إن اللام هنا ليست للتعليل، بل اللام هنا للعاقبة، يعني: أنكم إذا فعلتم حصل لكم الأكل، أكل فريق من أموال الناس، فاللام هنا للعاقبة، وتأتي اللام للعاقبة كما في قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا [القصص: ٨]، هل آل فرعون التقطوه لهذه العلة، أو كانت العاقبة كذلك؟ كانت العاقبة كذلك، فاللام في قوله: لِتَأْكُلُوااللام لام العاقبة.
وقوله: لِتَأْكُلُوالماذا حذفت النون؟
طالب: منصوب.
الشيخ: منصوب بأن المضمرة بعد اللام على قول، أو باللام نفسها على قول من؟
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، صح، لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِفَرِيقًاالفريق بمعنى الطائفة، وسمي فريقًا؛ لأنه يفرق عن غيره، فهذا فريق من الناس، يعني: طائفة منهم افترقت وانفصلت.
وقوله: فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِلو قال قائل: قد يأكل كل مال المدعى عليه؟
طالب: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى؟ نعم، من باب أولى، أو نقول: إن مال المدعى عليه فريق من أموال الناس على سبيل العموم؛ لأن الإنسان مهما بلغ عنده من الملايين، فإن غيره عنده مال، إي نعم.
مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِلِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِالباء هنا للمصاحبة، يعني: أكلًا مصحوبًا بالإثم وهو الذنب؛ وذلك لأنه باطل، ومن هنا نعلم أن الباطل يعني: الإثم، ولكن هل هو في كل مكان الباطل هو الإثم؟ لا، قد يراد بالباطل ما لا منفعة فيه، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ لَهْوٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ بَاطِلٌ إِلَّا لَعِبَهُ بِقَوْسِهِ أَوْ مُدَاعَبَتَهُ أَهْلَهُ أَوْ تَأْدِبيَهُ لِفَرَسِهِ» .
***
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.يستفاد من هذه الآية فوائد، أولًا: أن الصيام مظنة إجابة الدعاء؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر هذه الآية في أثناء آيات الصيام، ولا سيما أنه ذكرها في آخر الكلام على آيات الصيام، قال بعض أهل العلم: فيستفاد منها فائدة أخرى: أنه ينبغي الدعاء في آخر يوم الصيام.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنها ذكرت بعدما تكلمنا عن الصيام والإمساك.
الطالب: قد يقال: هي في العيد أولى؟
الشيخ: لا، لكن كل يوم يعتبر عبادة واحدة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى عنده علم الغيب؛ لأن قوله: وَإِذَا سَأَلَكَفي المستقبل.
ومن فوائد الآية: رأفة الله عز وجل في قوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِيحيث أضافهم إلى نفسه تشريفًا وتعطفًا عليهم.
ومن فوائد الآية: إثبات قرب الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: فَإِنِّي قَرِيبٌ، والضمائر كلها تعود إلى الله: إِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُإِذَا دَعَانِفَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِيست ضمائر كلها تعود إلى الله عز وجل، فيستفاد من هذه الآية الكريمة: قربه سبحانه وتعالى.
هل قرب الله تعالى عام أو خاص؟ تقدم لنا الكلام في هذه المسألة، وبيَّنا أن قرب الله تعالى لا يكون إلا خاصًّا، وأن قوله: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: ١٦] المراد: بملائكتنا، وكذلك قوله: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥]، المراد أيضًا: بملائكتنا.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولم يرد القرب عامًّا كما ورد في المعية، المعية وردت عامة وخاصة، وأما القرب فذكره شيخ الإسلام أنه لم يرد إلا خاصًّا، خاصًّا بمن يدعوه أو بمن يعبده، فمن يدعوه كما في هذه الآية: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، وكما في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَإِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ» وأما قربه من العابد فمثل قوله صلى الله عليه وسلم: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» ؛ لأن هذا عبادة، وسبق لنا أيضًا أن قربه من عباده لا ينافي ما ذكر من علوه وفوقيته؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته، المخلوق لا يكون قريبًا مع بعده، لكن الخالق يكون قريبًا مع بعده، وعلى هذا فلا تدل هذه الآية على أن الله سبحانه وتعالى ليس في العلو؛ لأنه لا تناقض بينهما في حق الخالق.
طالب: المعية (...) أخص من القرب أو القرب أخص (...)؟
الشيخ: لا، الظاهر أن القرب أخص، أخص منها؛ ولهذا ما جاء عامًّا بخلاف المعية.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات سمع الله، من أين يؤخذ؟ من قوله: أُجِيبُ؛ لأنه لا يجاب إلا بعد أن يسمع ما دعا به.
ومنها: قدرة الله، إثبات القدرة؛ لأن إجابة الداعي تحتاج إلى قدرة.
ومنها: إثبات كرم الله؛ لقوله: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ.
ومن فوائد الآية أيضًا: أن من شرط إجابة الدعاء أن يكون الداعي صادق الدعوة في دعوة الله عز وجل، بحيث يكون مخلصًا مشعرًا نفسه بالافتقار إلى ربه، ومشعرًا نفسه بكرم الله وجوده، من أين تؤخذ؟ من أين تؤخذ هذه الفائدة؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
الطالب: (...).
الشيخ: من قوله: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّيإلى قوله: لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ، أو لا؟ نبغي الكلمة المعينة الخاصة؟
طالب: إِذَا دَعَانِ.
الشيخ: إِذَا دَعَانِ؛ لأن نحن نبهنا على هذا في التفسير، فإذن يشترط لإجابة الدعوة أيش؟ أن يكون صادقًا في دعوته، بحيث يكون مخلصًا لله، وأن يكون عنده شعور بافتقاره إلى الله عز وجل؛ لأن الإنسان ما يدعو إلا وهو يشعر بالافتقار، وأن يكون لديه شعور بأيش؟ بغنى الله عز وجل وإجابته؛ لقوله: إِذَا دَعَانِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنابة إلى الله عز وجل والقيام بطاعته سبب للرشد؛ لقوله: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ.
ومن فوائدها أيضًا: أن الاستجابة لا بد أن يصحبها إيمان؛ لأن الله قرن بينهما، فمن تعبد لله وهو ضعيف الإيمان، يعني: بأن يكون عنده تردد -والعياذ بالله- أو شك، فإنه لا ينفعه، أو يكون عنده أيضًا إنكار كما يفعل المنافقون فإنهم يتعبدون لله عز وجل ظاهرًا لكنهم ما عندهم إيمان فلا ينفعهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب والعلل.





