تفسير الآيات (189-195)
الجهمية جبرية، وعلى الأشاعرة أيضًا، يعني سبق لنا أن الأشاعرة ما يثبتون
الأسباب إلا أسبابًا صورية، حيث يقولون: إن الأسباب لا تؤثر بنفسها، لكن يكون الفعل
عندها.
ثم قال سبحانه وتعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة: ١٨٧] إلى آخره.
إذا عرفنا سبب النزول استفدنا من هذه الآية الكريمة، استفدنا رحمة الله تعالى بعباده، كيف ذلك؟
طالب: بالنسخ، يعني نسخ الحكم الأول.
الشيخ: بالنسخ، الحكم الأول بالتخفيف، حيث كانوا بالأول إذا ناموا أو صلوا العشاء حرمت عليهم النساء والطعام والشراب.
ويستفاد من هذه الآية: جواز الكلام بين الزوج وزوجته فيما يستحيا منه، من أين يؤخذ؟
طالب: من الرَّفَثُ.
الشيخ: الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ؛ لأنه متضمن لمعنى الإفضاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز استمتاع الرجل بزوجته من حين العقد، من أين تؤخذ؟
طلبة: إِلَى نِسَائِكُمْ.
الشيخ: إِلَى نِسَائِكُمْ.
وقد سئلت عدة مرات عن الإنسان يعقد على امرأة ولكن يكون الدخول بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة فهل يجوز أن يستمتع بها ولّا ما يجوز؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لكن عند الناس، يعني بعض الناس الجهال أنه ما يجوز حتى يعلن النكاح، حتى يعلن، يكون ليلة الزواج، لكن هنا شيء يخشى منه، وهو أنه ربما يحصل حمل، وإذا حصل حمل، ولا سيما إن تأخر الدخول، ربما يحصل في ذلك ريبة، فإذا خشي الإنسان من هذا الأمر فالحمد لله يملك نفسه، يستمتع بدون الجماع؛ لئلا يحصل ريبة عند العامة، وأما طلبة العلم ما يحصل عندهم ريبة؛ لأن الإنسان بمجرد العقد تكون المرأة فراشًا له ويلحقه الولد على المذهب، حتى وإن لم يجتمع بها، مع إمكان الاجتماع، لا ما علمنا أنه اجتمع، فالولد ولده وهذا أظن مرت علينا: بماذا تكون المرأة فراشًا. فالمسألة ما فيها إشكال عند طلبة العلم، لكن عند العامة فيها إشكال، لكنه من الناحية الشرعية لا بأس تكون امرأته من يوم يعقد عليها.
طالب: بناء على وجوب إعلان النكاح.
الشيخ: لا، ما هم يقصدون هذا، لكن يقصدون العادة فقط وإلا ما يعرفون وجوب النكاح ولا عدم وجوب النكاح.
طالب: (...) الحياء عند المرأة؟
الشيخ: لا لا، الحياء من النساء اليوم بدأ يخف.
طالب: ما عاد لوم على العوام في هذا، من باب (...) الحياء وكذا.
الشيخ: لكن الآن راح..
طالب: بالنسبة للمهر ياشيخ، ما دفع المهر، عندهم..
الشيخ: لا، المهر عندنا يدفع قبل العقد، في عرفنا عندنا هنا يدفع قبل العقد.
طالب: ما أخذوا المهر، فيه ناس عقدوا وما أخذوا المهر.
الشيخ: يمكن يمكن يوجد ناس..
طالب: يرفضون.
الشيخ: ما هو بلازم.
طالب: لكن ما فيه شيء يعني لو خلى المهر عند الزواج.. عند يعني.
الشيخ: الدخول.
الطالب: الدخول.
الشيخ: إي ما فيه شيء.
الطالب: لو دخل..
الشيخ: مر علينا في الصداق أنه يجوز تأجيله أو تأجيل بعضه.
طالب: (...).
الشيخ: هي عادة الناس.
طالب: مكتوب في العقد.
الشيخ: ما فيه شيء.
طالب: (...) لو قدم المهر كعادتنا نحن هل يكون مسمى.
الشيخ: لا ما يصح (...).
الطالب: سلم هذا.
الشيخ: إي ولو سلمناه لأنه ما بيسمى عند القعد، عندنا ما يسمى عند العقد.
طالب: يعني لو مات مثلا أو طلقها هل يتأثر؟
الشيخ: لو طلقها قبل الدخول؟
طالب: نعم، إذا سلم (...).
الشيخ: ولو سلمها.
الطالب: (...)؟
الشيخ: (...) لأنه معلوم بينهم.
من فوائد الآية الكريمة هذا المعنى الذي يستفاد من قوله: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ، وهو أن المرأة ستر لعورة الرجل كما أن الرجل ستر لعورة المرأة.
ثانيًا: أن بينهما من القرب كما بين الثياب ولابسيها هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ.
فيها أيضًا من التحصين للفروج (...).
وفيها يستفاد من قوله: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْإثبات العلة في الأحكام؛ لأن الجملة هذه للتعليل، تعليل التحليل.
ويستفاد من الآية الكريمة: علم الله عز وجل، يستفاد منها ثبوت علم الله بما في النفوس؛ لقوله: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ.
ومن فوائدها: أن الإنسان كما يخون غيره قد يخون نفسه، وذلك إذا أوقعها في معاصي الله فإن هذا خيانة، وعلى هذا فنفس الإنسان أمانة عنده.
وهذه فائدة تتفرع على قوله: أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْأن نفس الإنسان عنده أمانة يجب عليه رعايتها، ويؤكد ذلك قوله تعالى: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة: ٥٧] فالإنسان كما يظلم غيره يظلم نفسه أيضًا.
ويستفاد من هذه الآية الكريمة: ثبوت التوبة من الله؛ وصف الله بالتوبة، لقوله: فَتَابَ عَلَيْكُمْوهل هي من الصفات الذاتية أو الفعلية؟
طالب: الفعلية
الشيخ: الفعلية نعم.
طالب: نقول في صفته: التوبة، ولّا الصحيح تواب؟
الشيخ: لا، التوبة، من صفاته التوبة واسمه التواب.
ومن فوائد الآية: إثبات عفو الله؛ لقوله: وَعَفَا عَنْكُمْ.
ومن فوائدها: جواز النسخ، أو ثبوت النسخ؛ خلافًا لمن أنكره، وهو في هذه الآية صريح، من أين يؤخذ؟ من قوله: فَالْآنَ، فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّيعني وقبل الآن ما هو بحلال.
ومن فوائده: جواز مباشرة الزوجة على الإطلاق بدون تقييد، من أين تؤخذ؟ من قوله: بَاشِرُوهُنَّلكن هذا الإطلاق مقيد في حالات ومقيد في أمكنة، فهو مقيد في حالات في حال الحيض ما يمكن تجامعها؛ لقوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة: ٢٢٢]، ومقيد أيضًا في حال الدبر، في مكان الدبر، فإنه لا يحل للإنسان أن يطأ امرأة في دبرها.
وقد ذُكر عن الإمام الشافعي رحمه الله مناظرة كنت أستغرب يعني أن تقع منه في محاورة جواز وطء المرأة في دبرها، ولكن مر علي أن هذه لا تصح عن الشافعي، وأن الشافعي نص على تحريم الوطء في الدبر، وهذا هو الأليق به، ولا شك أن تحريم الوطء في الدبر أنه وإن كانت الأحاديث التي وردت فيه يعني فيها شيء وفيها مقال، لكن مجموعها يقتضي على الأقل أن تكون حسنة، يحتج بها، ثم إننا إذا تأملنا قوله تعالى: فِي الْمَحِيضِ، قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة: ٢٢٢]، أَذًى فَاعْتَزِلُواوجدنا أن الأذى والخبث في الدبر أشد وأعظم، فتكون الآية دالة بإيمائها على تحريم الوطء في الدبر، على أن قوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣] يدل على أن محل الاستمتاع أنه محل الحرث، وهو الفرج، أما الدبر فلا. لكن مع ذلك يجوز للإنسان أن يستمتع بزوجته بغير الحرث كما لو استمتع بين الفخذين، هذا لا بأس به.
طالب: مثلًا باشر (...).
الشيخ: أيهم.
الطالب: الاستمتاع.
الشيخ: بين الفخذين؟
الطالب: إي.
الشيخ: إي نعم مباشرة، قالت عائشة رضي الله عنها: كان الرسولُ عليه الصلاة والسلام يأمُرُني فأَتّزِرُ فيباشرُني وأنا حائض .
طالب: قلنا: ما دام إنها حائض ما تجوز مباشرتها.
الشيخ: المباشرة المراد الجماع.
إذن قوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّهذا الفعل المطلق مقيد ولّا لا؟ مقيد بما ثبت الشرع بمنعه في حال أو مكان.
طالب: هل صحيح ما نسب إلى ابن عمر وآخرين أنهم يجيزوا هذا الإتيان؟
الشيخ: والله ما أدري هل يصح عنهم أو ما يصح، ما أظنه يصح، بعيد هذا.
الطالب: ذكرها الشيخين (...) البخاري مثلًا إذا كان يجيز هذا الشيء.
الشيخ: حققها لنا، وهي عليك إن شاء الله.
طالب: إي، يعني من الدبر في القبل في بعض الأحاديث؟
الشيخ: إي، ها هدي، هي هكذا هي السنة، من دبرها في قبلها، هذا جائز، يعني يمكن يحمل على هذا، إن فيه شبهة والله نشوف صحته عنهم.
ومن فوائد الآية: أنه ينبغي أن يكون الإنسان قاصدًا بوطئه طلب الولد؛ لقوله: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ.
وذكروا عن عمر رضي الله عنه أنه لا يجامعُ إلا إذا اشتهى الولدَ ، ولكن مع ذلك ما يمنع الإنسان أن يفعل لمجرد الشهوة، هذا ليس فيه منع.
ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يلهو بالمتعة عن عمل الطاعة، من أين تؤخذ؟
طلبة: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [البقرة: ١٨٧].
الشيخ: على أحد التفسيرين، حيث فسر بأن المراد وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْمن طلب ليلة القدر والقيام .
طالب: هل يصح عن عمر (...).
الشيخ: يمكن يكون، يمكن يصح.
ومنها، من فوائد الآية: جواز الأكل والشرب في ليالي الصيام؛ لقوله: كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ.
أخذ بعض أهل العلم من هذا استحباب السَّحور، أو السُّحور بالضم، فما رأيكم؟
طالب: ما (...) عين الآية.
الشيخ: من هذه الآية فيه، ما فيه؟
طالب: لأن اللام للتوكيد؟
الشيخ: ما فيه لام.
طالب: حتى للغاية.
الشيخ: للغاية.
طالب: (...).
الشيخ: هذه بعض العلماء استنبط من هذا وعندي هذا الاستنباط له غور، ويش وجهه؟ لأنه يقول: إنما أبيح الأكل والشرب ليلة الصيام رفقًا بالمكلف، أليس كذلك؟ وكلما تأخر إلى قرب طلوع الفجر كان أرفق به، موافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما يحتاج إلى توقف، كلما تأخرت بالأكل إلى عند طلوع الفجر صار أرفق لك، ولّا لا؟ قالوا: فما دام نص التحريم من أجل الرفق بالمكلف فإنه يقتضي أن يكون عند طلوع الفجر أفضل منه قبل ذلك؛ لأنه أرفق.
وهذا استنباط جيد تعضده أيضًا الأحاديث، وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُور» أو: «فِي السُّحُورِ» ؟ بالضم الفعل، وبالفتح ما يؤكل، يجوز الوجهان، السَّحور فيه بركة، ولهذا طعام واحد يغني الإنسان عن طعامين في النهار، شراب واحد يغنيه عن كم؟ عن ست شرابات، الواحد إذا أفطر في أيام الصيف يمكن يشرب في النهار ست مرات.
طالب: (...) إذا كان سهران مثلًا، يكون تأخر بالنوم يكون تسحر في أول الليل أو في (...) الليل وينام هذا أرفق به؟
الشيخ: لا لا، ما هو أرفق به من جهة الاستعانة على الصيام أبدًا ولا أرفق، أرفق من جهة القيام، أي راحة البدن، هذا خارج (...) لكن من حيث الصيام لا شك أن هذا أعون على الصيام.
على كل حال الآن هذا الاستنباط أنا عرضته عليكم لأجل أن نعرف أن بعض العلماء رحمهم الله لهم غور في استنباط المسائل، فبادئ الأمر تقول: ما قال: كلوا واشربوا في وقت السحر.
طالب: يا شيخ، فين نأخذ (...) الإباحة، لأنه كان منهي عنه وأباحه؟
الشيخ: كيف الإباحة لأي شيء، لأي شيء أبيح؟
الطالب: هذا خير ليحصل..
الشيخ: لا لا، أبيح للتيسير، والله يحب اليسر، كما في قوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥]
الطالب: فكيف نقول: إن العلماء يأخذون استحباب..
الشيخ: هذا السبب، قلنا: استحبابه؛ لأنه إنما أبيح من أجل التيسير على المكلف -بارك الله فيك- لكن ما دام أنه من أجل التيسير، والتيسير في حقه أن يأكل قرب طلوع الفجر يكون مستحبًا.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر أو لا؟ زين، ولّا لا، ولّا إلى أذان الفجر؟
طلبة: إلى طلوع الفجر.
الشيخ: إلى طلوع الفجر؛ لقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُحتى يتبين.
طالب: (...) أذن يا شيخ (...) طلع.
الشيخ: لا (...) قبل الفجر، وبعضهم يتأخر بعد الفجر، ولهذا نعلق الحكم بتبين الفجر لا بأذان الفجر، إلا من علم أنه يؤذن على الوقت، فكما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» .
طالب: أنت تعرف المكلف مثلًا ما يعرف يعني ما يستطيع إنه..
الشيخ: إي نعم يعرفون هذا بأن يسألوا المؤذن، إذا كان المؤذن ممن عرف بالتحري والدقة اتبعوه.
ويستفاد من هذه الآية الكريمة: مسألة اختلف فيها أهل العلم وهي: لو أنه طلع الفجر وهو يجامع زوجته، إن بقي حرم عليه، وإن قام لزمته الكفارة، يكفر، فما رأيكم المذهب عندنا مذهب الحنابلة أنه لو طلع الإنسان الفجر وهو يجامع ثم نزع لزمته الكفارة؛ أن يصوم شهرين متتابعين، يعني يعتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا، فما رأيكم بهذا الرأي هل تؤيده الآية الكريمة، أو أنها تضعفه؟
طالب: تضعفه.
الشيخ: الآية تضعفه لا شك، الآية تضعفه؛ لأن الله أباح لنا ذلك إلى متى؟
طلبة: حتى يتبين.
الشيخ: حتى يتبين لنا، حتى يتبين، فإذا جامع الإنسان زوجته وهو لم يرَ الفجر فإنه قد فعل مأذونًا فيه، ومن فعل مأذونًا فيه لا يمكن أن يعاقب.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الصيام مع الجنابة، أي جواز أن يصبح الصائم جنبًا، أنه يجوز أن يصبح الصائم جنبًا. من أين تؤخذ؟ إباحة الجماع حتى يتبين، يعني معناه أنه لك أن تجامع إلى أدنى وقت، من لازم ذلك أنك تصبح وأنت على جنابة ولّا لا؟ إي نعم، وقد ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كان يُصبح جُنُبًا من جماع أهله وهو صائم ، واضح؟
طالب: نقول: إنه من أصبح جنبًا فلا شيء عليه فما دليل جوازه؟
الشيخ: لا، نقول: جواز؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا أصبح جنبًا فإنه يبطل صومه.
من فوائد الآية: جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر، جواز الأكل والشرب مع الشك في طلوع الفجر، إذا قال: والله أنا الآن أنا أشك ما أدري والله هذا اللي نشوفه هو الفجر ولّا لا، عندي شك. نقول: تأكل؛ لقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: رد قول من قال: إنه يجوز أن يأكل الصائم ويشرب إلى طلوع الشمس؛ لقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. وكذلك رد من قال: إنه يجوز أن يأكل ويشرب إلى الغلس (...).
طالب: من قال هذا؟
الشيخ: ذكروا هذا.
طالب: يا شيخ ثبت في حديث عن النبي (...).
الشيخ: هذا ضعيف (...).
الطالب: حسن.
الشيخ: في القراءة صحيح ولكن في (...) ضعيف.
الطالب: حسن (...).
الشيخ: ما يصح أبدا، كل شيء يخالف القرآن ليس بصحيح أبدا.
بقينا في لو أذن المؤذن الذي يؤذن على الفجر وفي يده الإناء يشرب، هل يجب عليه أن ينزل الإناء ويمسك أو له أن يقضي نهمته منه؟
الطلبة: (...)
الشيخ: لا ما يجوز على مذهب الإمام أحمد، على مذهب الإمام أحمد ما يجوز، يجب لو كان في فمه ماء لفظه.
ثم قال سبحانه وتعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ [البقرة: ١٨٧] إلى آخره.
إذا عرفنا سبب النزول استفدنا من هذه الآية الكريمة، استفدنا رحمة الله تعالى بعباده، كيف ذلك؟
طالب: بالنسخ، يعني نسخ الحكم الأول.
الشيخ: بالنسخ، الحكم الأول بالتخفيف، حيث كانوا بالأول إذا ناموا أو صلوا العشاء حرمت عليهم النساء والطعام والشراب.
ويستفاد من هذه الآية: جواز الكلام بين الزوج وزوجته فيما يستحيا منه، من أين يؤخذ؟
طالب: من الرَّفَثُ.
الشيخ: الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ؛ لأنه متضمن لمعنى الإفضاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز استمتاع الرجل بزوجته من حين العقد، من أين تؤخذ؟
طلبة: إِلَى نِسَائِكُمْ.
الشيخ: إِلَى نِسَائِكُمْ.
وقد سئلت عدة مرات عن الإنسان يعقد على امرأة ولكن يكون الدخول بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة فهل يجوز أن يستمتع بها ولّا ما يجوز؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لكن عند الناس، يعني بعض الناس الجهال أنه ما يجوز حتى يعلن النكاح، حتى يعلن، يكون ليلة الزواج، لكن هنا شيء يخشى منه، وهو أنه ربما يحصل حمل، وإذا حصل حمل، ولا سيما إن تأخر الدخول، ربما يحصل في ذلك ريبة، فإذا خشي الإنسان من هذا الأمر فالحمد لله يملك نفسه، يستمتع بدون الجماع؛ لئلا يحصل ريبة عند العامة، وأما طلبة العلم ما يحصل عندهم ريبة؛ لأن الإنسان بمجرد العقد تكون المرأة فراشًا له ويلحقه الولد على المذهب، حتى وإن لم يجتمع بها، مع إمكان الاجتماع، لا ما علمنا أنه اجتمع، فالولد ولده وهذا أظن مرت علينا: بماذا تكون المرأة فراشًا. فالمسألة ما فيها إشكال عند طلبة العلم، لكن عند العامة فيها إشكال، لكنه من الناحية الشرعية لا بأس تكون امرأته من يوم يعقد عليها.
طالب: بناء على وجوب إعلان النكاح.
الشيخ: لا، ما هم يقصدون هذا، لكن يقصدون العادة فقط وإلا ما يعرفون وجوب النكاح ولا عدم وجوب النكاح.
طالب: (...) الحياء عند المرأة؟
الشيخ: لا لا، الحياء من النساء اليوم بدأ يخف.
طالب: ما عاد لوم على العوام في هذا، من باب (...) الحياء وكذا.
الشيخ: لكن الآن راح..
طالب: بالنسبة للمهر ياشيخ، ما دفع المهر، عندهم..
الشيخ: لا، المهر عندنا يدفع قبل العقد، في عرفنا عندنا هنا يدفع قبل العقد.
طالب: ما أخذوا المهر، فيه ناس عقدوا وما أخذوا المهر.
الشيخ: يمكن يمكن يوجد ناس..
طالب: يرفضون.
الشيخ: ما هو بلازم.
طالب: لكن ما فيه شيء يعني لو خلى المهر عند الزواج.. عند يعني.
الشيخ: الدخول.
الطالب: الدخول.
الشيخ: إي ما فيه شيء.
الطالب: لو دخل..
الشيخ: مر علينا في الصداق أنه يجوز تأجيله أو تأجيل بعضه.
طالب: (...).
الشيخ: هي عادة الناس.
طالب: مكتوب في العقد.
الشيخ: ما فيه شيء.
طالب: (...) لو قدم المهر كعادتنا نحن هل يكون مسمى.
الشيخ: لا ما يصح (...).
الطالب: سلم هذا.
الشيخ: إي ولو سلمناه لأنه ما بيسمى عند القعد، عندنا ما يسمى عند العقد.
طالب: يعني لو مات مثلا أو طلقها هل يتأثر؟
الشيخ: لو طلقها قبل الدخول؟
طالب: نعم، إذا سلم (...).
الشيخ: ولو سلمها.
الطالب: (...)؟
الشيخ: (...) لأنه معلوم بينهم.
من فوائد الآية الكريمة هذا المعنى الذي يستفاد من قوله: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ، وهو أن المرأة ستر لعورة الرجل كما أن الرجل ستر لعورة المرأة.
ثانيًا: أن بينهما من القرب كما بين الثياب ولابسيها هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ.
فيها أيضًا من التحصين للفروج (...).
وفيها يستفاد من قوله: هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْإثبات العلة في الأحكام؛ لأن الجملة هذه للتعليل، تعليل التحليل.
ويستفاد من الآية الكريمة: علم الله عز وجل، يستفاد منها ثبوت علم الله بما في النفوس؛ لقوله: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ.
ومن فوائدها: أن الإنسان كما يخون غيره قد يخون نفسه، وذلك إذا أوقعها في معاصي الله فإن هذا خيانة، وعلى هذا فنفس الإنسان أمانة عنده.
وهذه فائدة تتفرع على قوله: أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْأن نفس الإنسان عنده أمانة يجب عليه رعايتها، ويؤكد ذلك قوله تعالى: وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة: ٥٧] فالإنسان كما يظلم غيره يظلم نفسه أيضًا.
ويستفاد من هذه الآية الكريمة: ثبوت التوبة من الله؛ وصف الله بالتوبة، لقوله: فَتَابَ عَلَيْكُمْوهل هي من الصفات الذاتية أو الفعلية؟
طالب: الفعلية
الشيخ: الفعلية نعم.
طالب: نقول في صفته: التوبة، ولّا الصحيح تواب؟
الشيخ: لا، التوبة، من صفاته التوبة واسمه التواب.
ومن فوائد الآية: إثبات عفو الله؛ لقوله: وَعَفَا عَنْكُمْ.
ومن فوائدها: جواز النسخ، أو ثبوت النسخ؛ خلافًا لمن أنكره، وهو في هذه الآية صريح، من أين يؤخذ؟ من قوله: فَالْآنَ، فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّيعني وقبل الآن ما هو بحلال.
ومن فوائده: جواز مباشرة الزوجة على الإطلاق بدون تقييد، من أين تؤخذ؟ من قوله: بَاشِرُوهُنَّلكن هذا الإطلاق مقيد في حالات ومقيد في أمكنة، فهو مقيد في حالات في حال الحيض ما يمكن تجامعها؛ لقوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة: ٢٢٢]، ومقيد أيضًا في حال الدبر، في مكان الدبر، فإنه لا يحل للإنسان أن يطأ امرأة في دبرها.
وقد ذُكر عن الإمام الشافعي رحمه الله مناظرة كنت أستغرب يعني أن تقع منه في محاورة جواز وطء المرأة في دبرها، ولكن مر علي أن هذه لا تصح عن الشافعي، وأن الشافعي نص على تحريم الوطء في الدبر، وهذا هو الأليق به، ولا شك أن تحريم الوطء في الدبر أنه وإن كانت الأحاديث التي وردت فيه يعني فيها شيء وفيها مقال، لكن مجموعها يقتضي على الأقل أن تكون حسنة، يحتج بها، ثم إننا إذا تأملنا قوله تعالى: فِي الْمَحِيضِ، قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة: ٢٢٢]، أَذًى فَاعْتَزِلُواوجدنا أن الأذى والخبث في الدبر أشد وأعظم، فتكون الآية دالة بإيمائها على تحريم الوطء في الدبر، على أن قوله: فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة: ٢٢٣] يدل على أن محل الاستمتاع أنه محل الحرث، وهو الفرج، أما الدبر فلا. لكن مع ذلك يجوز للإنسان أن يستمتع بزوجته بغير الحرث كما لو استمتع بين الفخذين، هذا لا بأس به.
طالب: مثلًا باشر (...).
الشيخ: أيهم.
الطالب: الاستمتاع.
الشيخ: بين الفخذين؟
الطالب: إي.
الشيخ: إي نعم مباشرة، قالت عائشة رضي الله عنها: كان الرسولُ عليه الصلاة والسلام يأمُرُني فأَتّزِرُ فيباشرُني وأنا حائض .
طالب: قلنا: ما دام إنها حائض ما تجوز مباشرتها.
الشيخ: المباشرة المراد الجماع.
إذن قوله: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّهذا الفعل المطلق مقيد ولّا لا؟ مقيد بما ثبت الشرع بمنعه في حال أو مكان.
طالب: هل صحيح ما نسب إلى ابن عمر وآخرين أنهم يجيزوا هذا الإتيان؟
الشيخ: والله ما أدري هل يصح عنهم أو ما يصح، ما أظنه يصح، بعيد هذا.
الطالب: ذكرها الشيخين (...) البخاري مثلًا إذا كان يجيز هذا الشيء.
الشيخ: حققها لنا، وهي عليك إن شاء الله.
طالب: إي، يعني من الدبر في القبل في بعض الأحاديث؟
الشيخ: إي، ها هدي، هي هكذا هي السنة، من دبرها في قبلها، هذا جائز، يعني يمكن يحمل على هذا، إن فيه شبهة والله نشوف صحته عنهم.
ومن فوائد الآية: أنه ينبغي أن يكون الإنسان قاصدًا بوطئه طلب الولد؛ لقوله: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ.
وذكروا عن عمر رضي الله عنه أنه لا يجامعُ إلا إذا اشتهى الولدَ ، ولكن مع ذلك ما يمنع الإنسان أن يفعل لمجرد الشهوة، هذا ليس فيه منع.
ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يلهو بالمتعة عن عمل الطاعة، من أين تؤخذ؟
طلبة: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [البقرة: ١٨٧].
الشيخ: على أحد التفسيرين، حيث فسر بأن المراد وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْمن طلب ليلة القدر والقيام .
طالب: هل يصح عن عمر (...).
الشيخ: يمكن يكون، يمكن يصح.
ومنها، من فوائد الآية: جواز الأكل والشرب في ليالي الصيام؛ لقوله: كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ.
أخذ بعض أهل العلم من هذا استحباب السَّحور، أو السُّحور بالضم، فما رأيكم؟
طالب: ما (...) عين الآية.
الشيخ: من هذه الآية فيه، ما فيه؟
طالب: لأن اللام للتوكيد؟
الشيخ: ما فيه لام.
طالب: حتى للغاية.
الشيخ: للغاية.
طالب: (...).
الشيخ: هذه بعض العلماء استنبط من هذا وعندي هذا الاستنباط له غور، ويش وجهه؟ لأنه يقول: إنما أبيح الأكل والشرب ليلة الصيام رفقًا بالمكلف، أليس كذلك؟ وكلما تأخر إلى قرب طلوع الفجر كان أرفق به، موافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما يحتاج إلى توقف، كلما تأخرت بالأكل إلى عند طلوع الفجر صار أرفق لك، ولّا لا؟ قالوا: فما دام نص التحريم من أجل الرفق بالمكلف فإنه يقتضي أن يكون عند طلوع الفجر أفضل منه قبل ذلك؛ لأنه أرفق.
وهذا استنباط جيد تعضده أيضًا الأحاديث، وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُور» أو: «فِي السُّحُورِ» ؟ بالضم الفعل، وبالفتح ما يؤكل، يجوز الوجهان، السَّحور فيه بركة، ولهذا طعام واحد يغني الإنسان عن طعامين في النهار، شراب واحد يغنيه عن كم؟ عن ست شرابات، الواحد إذا أفطر في أيام الصيف يمكن يشرب في النهار ست مرات.
طالب: (...) إذا كان سهران مثلًا، يكون تأخر بالنوم يكون تسحر في أول الليل أو في (...) الليل وينام هذا أرفق به؟
الشيخ: لا لا، ما هو أرفق به من جهة الاستعانة على الصيام أبدًا ولا أرفق، أرفق من جهة القيام، أي راحة البدن، هذا خارج (...) لكن من حيث الصيام لا شك أن هذا أعون على الصيام.
على كل حال الآن هذا الاستنباط أنا عرضته عليكم لأجل أن نعرف أن بعض العلماء رحمهم الله لهم غور في استنباط المسائل، فبادئ الأمر تقول: ما قال: كلوا واشربوا في وقت السحر.
طالب: يا شيخ، فين نأخذ (...) الإباحة، لأنه كان منهي عنه وأباحه؟
الشيخ: كيف الإباحة لأي شيء، لأي شيء أبيح؟
الطالب: هذا خير ليحصل..
الشيخ: لا لا، أبيح للتيسير، والله يحب اليسر، كما في قوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: ١٨٥]
الطالب: فكيف نقول: إن العلماء يأخذون استحباب..
الشيخ: هذا السبب، قلنا: استحبابه؛ لأنه إنما أبيح من أجل التيسير على المكلف -بارك الله فيك- لكن ما دام أنه من أجل التيسير، والتيسير في حقه أن يأكل قرب طلوع الفجر يكون مستحبًا.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر أو لا؟ زين، ولّا لا، ولّا إلى أذان الفجر؟
طلبة: إلى طلوع الفجر.
الشيخ: إلى طلوع الفجر؛ لقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُحتى يتبين.
طالب: (...) أذن يا شيخ (...) طلع.
الشيخ: لا (...) قبل الفجر، وبعضهم يتأخر بعد الفجر، ولهذا نعلق الحكم بتبين الفجر لا بأذان الفجر، إلا من علم أنه يؤذن على الوقت، فكما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» .
طالب: أنت تعرف المكلف مثلًا ما يعرف يعني ما يستطيع إنه..
الشيخ: إي نعم يعرفون هذا بأن يسألوا المؤذن، إذا كان المؤذن ممن عرف بالتحري والدقة اتبعوه.
ويستفاد من هذه الآية الكريمة: مسألة اختلف فيها أهل العلم وهي: لو أنه طلع الفجر وهو يجامع زوجته، إن بقي حرم عليه، وإن قام لزمته الكفارة، يكفر، فما رأيكم المذهب عندنا مذهب الحنابلة أنه لو طلع الإنسان الفجر وهو يجامع ثم نزع لزمته الكفارة؛ أن يصوم شهرين متتابعين، يعني يعتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا، فما رأيكم بهذا الرأي هل تؤيده الآية الكريمة، أو أنها تضعفه؟
طالب: تضعفه.
الشيخ: الآية تضعفه لا شك، الآية تضعفه؛ لأن الله أباح لنا ذلك إلى متى؟
طلبة: حتى يتبين.
الشيخ: حتى يتبين لنا، حتى يتبين، فإذا جامع الإنسان زوجته وهو لم يرَ الفجر فإنه قد فعل مأذونًا فيه، ومن فعل مأذونًا فيه لا يمكن أن يعاقب.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الصيام مع الجنابة، أي جواز أن يصبح الصائم جنبًا، أنه يجوز أن يصبح الصائم جنبًا. من أين تؤخذ؟ إباحة الجماع حتى يتبين، يعني معناه أنه لك أن تجامع إلى أدنى وقت، من لازم ذلك أنك تصبح وأنت على جنابة ولّا لا؟ إي نعم، وقد ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه كان يُصبح جُنُبًا من جماع أهله وهو صائم ، واضح؟
طالب: نقول: إنه من أصبح جنبًا فلا شيء عليه فما دليل جوازه؟
الشيخ: لا، نقول: جواز؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا أصبح جنبًا فإنه يبطل صومه.
من فوائد الآية: جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر، جواز الأكل والشرب مع الشك في طلوع الفجر، إذا قال: والله أنا الآن أنا أشك ما أدري والله هذا اللي نشوفه هو الفجر ولّا لا، عندي شك. نقول: تأكل؛ لقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: رد قول من قال: إنه يجوز أن يأكل الصائم ويشرب إلى طلوع الشمس؛ لقوله: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. وكذلك رد من قال: إنه يجوز أن يأكل ويشرب إلى الغلس (...).
طالب: من قال هذا؟
الشيخ: ذكروا هذا.
طالب: يا شيخ ثبت في حديث عن النبي (...).
الشيخ: هذا ضعيف (...).
الطالب: حسن.
الشيخ: في القراءة صحيح ولكن في (...) ضعيف.
الطالب: حسن (...).
الشيخ: ما يصح أبدا، كل شيء يخالف القرآن ليس بصحيح أبدا.
بقينا في لو أذن المؤذن الذي يؤذن على الفجر وفي يده الإناء يشرب، هل يجب عليه أن ينزل الإناء ويمسك أو له أن يقضي نهمته منه؟
الطلبة: (...)
الشيخ: لا ما يجوز على مذهب الإمام أحمد، على مذهب الإمام أحمد ما يجوز، يجب لو كان في فمه ماء لفظه.
الطالب: (...) إذا تبين تركه.
الشيخ: وكذلك الطعام وهذا هو ظاهر القرآن، لكن ورد في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة بإسناد صححه أحمد شاكر بأنه إذا أذن المؤذن والإناء في يدك فلا تضعه حتى تقضي حاجتك منه ، فإن كان هذا الحديث صحيحا فإنه يحمل على أن المؤذن لا يؤذن حتى.. يعني معناه أنه قد يحتاط، يعني ما يدع الأذان إلا أن يطلع الفجر، يكون هذا لأنه قد يؤذن وهو لم يتبين له كثيرا فسومح الإنسان، وإلا فإنه يخالف الأحاديث الصحيحة والقرآن أيضًا، فإن القرآن يقول الله فيه: حَتَّى يَتَبَيَّنَوالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» .
طالب: من يفعل من العوام (...) الفجر (...) قبل الفجر (...) حَتَّى يَتَبَيَّنَ؟
الشيخ: لا، هذا تلاعب (...) التبين، لا هذا تلاعب، كذلك ما روى عن بعض العامة يروون عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يستتر بناقته عن الفجر، هذا كذب تلاعب.
طالب: قول الحنابلة بأنه إذا أذن الفجر وهو يجامع فإذا نزع فعليه الكفارة مفرع على أي شيء؟
الشيخ: مفرع على أن النزع جماع، يرون النزع جماعا، كابتداء الجماع وهذا ليس بصحيح هذا (...) ليفعل.
طالب: (...).
الشيخ: لا، أنا أرى أنه بالنسبة للمؤذنين الآن ما يمكن يؤذنون بالدقة الحقيقة، ما يؤذنون بالدقة، لكننا ما نفتي به نخشى من التلاعب، ما نفتي به.
طالب: يتقدم (...).
الشيخ: والله غالبهم يتقدم.
من فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي الاحتياط في أذان الفجر في حال الصوم، بمعنى أن بعض الناس الآن ولا سيما الجهال يقولون: نؤذن قبل الفجر احتياطا، علشان الناس يمسكون، نقول: هذا الاحتياط في غير محله؛ لأن الاحتياط الحقيقي هو اتباع الشرع، عرفتم؟ نعم لو تعارضت الأدلة لكن هنا الأدلة واضحة، حتى في الآية: يَتَبَيَّنَ، ما فيه احتياط، فالاحتياط للزوم الشرع أن تأكل وتشرب حتى يتبين، وأنتم أيضًا إذا احتطتم من ناحية الصيام فرطتم من ناحية ما هو أهم من الصيام، وهو الصلاة؛ لأن بعض الناس إذا سمع المؤذن أذان الفجر تعالوا نصلي على طول، فحينئذ نكون غررنا الناس في مسألة الصلاة وهي أهم.
طالب: الفائدة (...)
الشيخ: أيهم؟
الطالب: الآخرة.
الشيخ: الأخيرة؟ أنه لا ينبغي الاحتياط في أذان الفجر في أيام الصيام بتقديمه على الفجر.
طالب: (...) خمس دقائق.
الشيخ: من؟
الطالب: (...) شخص (...) الوقت (...).
الشيخ: لا، لا تحتاط؛ لأنك إذا احتطت منعت عباد الله مما أحل الله لهم.
الطالب: (...).
الشيخ: والله ما أدري، أنا أرى أن الاحتياط باتباع الشرع، لا تشدد على نفسك.
طالب: حتى يتبين.
الشيخ: حتى يتبين.
طالب: طب إذا كنت في مكان وعلمت أن الناس يتبعون الفجر الكاذب ليس الفجر الصادق، بعض الناس يؤذنون على الفجر الكاذب.
الشيخ: لا أدراك بهم، لا تعتد بهم.
من فوائد الآية الكريمة: أنه لو أكل الإنسان على أنه لم يتبين له الفجر ثم تبين أنه بعد طلوع الفجر فإنه لا قضاء عليه.
طالب: يعني يقول: حَتَّى يَتَبَيَّنَ.
الشيخ: حَتَّى يَتَبَيَّنَفإذن أكله مأذون فيه ولّا لا؟ مأذون فيه، وما كان مأذونا فيه فإنه لا يُرتب عليه إثم ولا ضمان ولا شيء. وقد مر علينا في قواعد الفقه: ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون.
إذن نقول: من أكل وهو لم يتبين له طلوع الفجر، ثم تبين بعد أنه بعد طلوع الفجر فلا قضاء عليه.
وهذا هو ما تؤيده العمومات، مثل قوله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦]، ومثل قوله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب: ٥]، ويؤيده أيضًا نصوص خاصة في هذه المسألة نفسها، ورفع لعدي بن حاتم رضي الله عنه، حيث كان يضع عنده عقالين، أحدهما أسود والثاني أبيض، ويأكل حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بالقضاء .
فعندنا أدلة خاصة وأدلة عامة، والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه إذا أكل ثم تبين أن الفجر قد طلع فإنه يلزمه القضاء، يلزمه القضاء؛ لأنه أكل بعد أن طلع الفجر، ولكن هذا القول ضعيف.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصيام الشرعي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ لقوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ.
خدتوا بالكم يا إخواني في المسألة، في الجملة التي قبلها نسينا فائدة وهي: الإيماء إلى كراهة الوصال، من أين تؤخذ؟ من قوله: كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ.
والوصال معناه أن يقرن الإنسان صوم يومين جميعا، ما يفطر بينهما، وقد كان الوصال مباحا، ثم نهاهم الرسول عليه الصلاة والسلام عنه وقال: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السَّحَرِ» فقط، مع أنه يرغب في تعجيل الفطر.
وهذا من المسائل التي كنت نبهت عليها سابقا، بأن الشيء قد يكون مأذونا فيه وليس بمشروع، أو لا؟ فالوصال إلى السحر مأذون فيه، لكنه ليس بمشروع، ومر علينا مثال آخر مثل؟
طالب: هي التعبد للميت.
الشيخ: إي، مثل الصدقة على الميت، مأذون فيه وليس بمشروع، ومثل؟
طالب: ختم الصلاة.
طالب: ختم الصلاة بقراءة سورة الإخلاص.
الشيخ: قراءة سورة الإخلاص ختم الصلاة بها فهذا جائز وليس بمشروع.
من فوائد الآية قلنا: إن الصيام الشرعي ينتهي.
طالب: بغروب الشمس.
الشيخ: بغروب الشمس.. لا بالليل؛ لأنه قال: إِلَى اللَّيْلِ، كلمة إِلَى اللَّيْلِالآن نشوف نبحثها، هل المراد إلى أن يكسو الليل الأرض، أو المراد إِلَى اللَّيْلِإلى أن يتبين الليل؟ أو أن المراد شيء آخر وراء ذلك؟
نقول: لا شك أن أصح التفسير بعد تفسير الله عز وجل تفسير الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد ثبت عنه أنه قال: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا -وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ- وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا -وَأَشَارَ إِلَى الْمَغْرِبِ- وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» ، هذا الحديث حكم فاصل يبين هذا المجمل من قوله: إِلَى اللَّيْلِولذلك ذهبت الرافضة إلى أن الفطر ما يكون حتى يكسو الليل الأرض، ولهذا ما يفطرون إلا إذا بانت النجوم؛ تمسكا بظاهر الآية، ولكن يقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم بينها وهو المبين للقرآن وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤]، ما من أحد من البشر يُرجع إلى تفسيره ويجب الرجوع إليه مثلما يجب الرجوع إلى تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم.
فإذن إن علقنا الحكم بإقبال الليل المجرد ما صح، (...) ما يصح.
طالب: (...).
الشيخ: أقول: (...) ما يصح؟
طالب: لأنه قال: إِلَى اللَّيْلِ.
الشيخ: إي طيب أقبل لأن نشوفه أسود. نقول: لأن ابتداء الليل -حسب ما نرى ونشاهد الآن- ابتداء الليل يكون والشمس ما غربت، أو لا؟ ما عمركم تشوفوه؟ الآن شوف الجو من المشرق بدأ به، بدأ فيه الظلام والشمس ما غربت.
كوننا نقول: إِلَى اللَّيْلِإلى امتداد الليل إلى آخر الأفق، هذا أيضًا لا يصح، ليس مرادا من الآية، المراد من الآية ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ»،
لو قال قائل: إذا غربت الشمس قبل أن يقبل الليل؟
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: نقول: هذا ما يمكن إلا على رأي شيخ أبي حنيفة، نعم يقولون: إن أبا حنيفة.. وإن كان أنا والله أنا ما ودي أجيب الأشياء التي يكون فيها ضحك في قراءة القرآن أو تفسير القرآن أو إعراب القرآن، لكن يقولون: إن أبا حنيفة جالس مع أصحابه فجاء رجل ذو هيئة، وكان قد مد رجله مع إخوانه وأصحابه، فجاء هذا الرجل فعظمه أبو حنيفة، وكف رجله وجعل يحدث أصحابه، كان يحدثهم أظن في أوقات النهي، وقال: أوقات النهي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، المهم قال له: يا سيدي أرأيت لو طلعت الشمس قبل أن يطلع الفجر، قال: (...)، المهم لا يمكن أن تغرب الشمس قبل أن يتبين الليل هذا شيء من المستحيل، في أفق (...).
من فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى مشروعية الاعتكاف.
ومنها: أن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد؛ لقوله: وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة: ١٨٧].
لو قال قائل: وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِيدل على أن هناك اعتكافا في غيرها فما الجواب؟
الجواب: أنه لما جعل للاعتكاف في المساجد حكما، دل هذا على أنه لو كان الاعتكاف في غيرها مشروعا لكان الحكم عاما، وأيضًا فإن الله يقول في آية أخرى: أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ [البقرة: ١٢٥].
ومن فوائد الآية: أن الجماع مفسد للاعتكاف، نحن ذكرنا النهي عن المباشرة؟ ما ذكرناه؟ طيب إذن خلِّ قبله: النهي عن مباشرة النساء حال الاعتكاف؛ أن مباشرة النساء مبطلة للاعتكاف، أو أن الاعتكاف يبطل بذلك، ما وجهه؟ ما وجه كونه مبطلا؟
طالب: النهي.
الشيخ: النهي؛ لأنه نهي عنه بخصوصه، والشيء إذا نهي عنه بخصوصه في العبادة كان من مبطلاتها، وذكرنا أثناء التفسير أن بعض العلماء استنبط منها أن الاعتكاف إنما يكون في الصيام وفي آخر الشهر؛ لأن الله ذكرها عقب آية الصيام.
ومن فوائدها: ما استنبطه بعض أهل العلم من أن الاعتكاف يكون في آخر شهر رمضان.
ثم قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا [البقرة: ١٨٧].
طالب: إذا اعتكف في الأوسط.
الشيخ: كله ينتظر ليلة القدر، حتى قيل له: إنه في العشر الأواخر، فاستقر على ذلك في العشر الأواخر.
طالب: اعتكف مرة في العشر الأولى من شوال؟
الشيخ: قضاء، هذه اعتكفها قضاء؛ لأنه لما خرج في صباح يوم اعتكافه وجد أن نساءه ضربن أخبية فقال «آلْبِرَّ يُرِدْنَ» ثم أمر عليه الصلاة والسلام بنقض هذه الأخبية وترك الاعتكاف هذا العام، ثم قضاه في شوال.
طالب: (...) خلاف ما اشترطه بعض العلماء أن يكون جامع، أطلق..
الشيخ: نعم نعم، إنه ما يشترط أن يكون جامع نعم.
طالب: ولو كان يصلى فيه بعض الصلوات.
الشيخ: لا، لا بد أن يصلى فيه الصلوات الخمس؛ لأجل ألا يخرج ولا يتكرر خروجه؛ لأنه إما أن يدع الجماعة وهذا حرام وإما أن يكثر الخروج وهو في الحقيقة كأنه غير معتكف.
طالب: شيخ، الاعتكاف بغير رمضان؟
الشيخ: أما إنا قلنا: إنه جائز وليس بمشروع، جائز وليس بمشروع.
طالب: بعض المساجد لا يصلى فيها الصلوات الخمس أصلا (...).
الشيخ: حديث عمر يوم أو ليلة .
طالب: كونه في العشر الأواخر ما وجهه من الآية (...).
الشيخ: فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٧]
من فوائد الآية الكريمة: أن أوامر الله تعالى حدود له، وكذلك نواهيه، الدليل: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، لكن إن كان حدا عن الخروج فهي أوامر، وإن كان حدا عن الفعل فهي النواهي، ولهذا يقال في النواهي: فَلَا تَقْرَبُوهَا، وفي الأوامر: فَلَا تَعْتَدُوهَا [البقرة: ٢٢٩].
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي البعد عن المحارم، من أين تؤخذ؟ من قوله: فَلَا تَقْرَبُوهَا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يبين للناس الآيات الكونية والشرعية؛ لقوله: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على أهل التعطيل الذين يحرفون الكلم عن مواضعه في أسماء الله وصفاته، ما وجه ذلك؟
لأنهم مثلا إذا قالوا: المراد باليد النعمة أو القوة، والمراد بالاستواء الاستيلاء، والمراد بكذا كذا، وهو خلاف ظاهر اللفظ ولا دليل عليه، صار القرآن بيانا للناس ولّا غير بيان؟ غير بيان؛ لأنه ما دام أن البيان خلاف ما ظهر فلا بيان.
فيستفاد من الآية الكريمة: الرد على أهل التعطيل وغيرهم ممن يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون: إن الله أراد بكذا كذا بدون دليل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن العلم سبب للتقوى، من أين تؤخذ؟
طلبة: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
الشيخ: ما وجهه؟ لأنه أعقبه، يعني جعله عقب قوله: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ، فدل هذا على أنه كلما تبينت الآيات حصلت التقوى، ويؤيد ذلك قوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨]. فكلما ازداد الإنسان علما بآيات الله ازداد تقى، ولهذا يقال: من كان بالله أعرف كان منه أخوف.
ومن فوائد الآية الكريمة: علو مرتبة التقوى، من أين تؤخذ؟ من قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، فلولا أن التقوى مرتبة عالية تبيَّن من أجلها الآيات للوصول إليها، ما بين الله الآيات لأجلها، ولأجل أن يتقي الناس ربهم.
ثم قال تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ [البقرة: ١٨٨].
أولا: ارتباط هذه الآية بالتي قبلها ظاهر جدا؛ لأنه لما ذكر المحرمات بسبب الصيام ذكر المحرمات بسبب القضاء، المحرمات بسبب الصيام تقدم لنا الأكل والشرب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أعقب ذلك بالنهي عن أكل المال مطلقا بسبب القضاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم أكل المال بالباطل. ما معنى الباطل؟ الباطل كل شيء ليس لك فيه حق شرعا فهو باطل، كل ما لا حق لك فيه شرعا فهو باطل.
ومن فوائد الآية الكريمة: حرص الشارع على حفظ الأموال؛ لقوله: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ.
ومن فوائدها أيضًا: تحريم الرشوة، على أحد التفسيرين كما سبق؛ لقوله: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِتدلوا بالأموال للحكام يعني: تعطونهم من أموالكم ليحكموا لكم بالباطل.
ومن فوائدها: أن الحاكم يحكم بما ظهر، يعني يقضي بما سمع، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» من أين تؤخذ؟ من قوله: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ
وهذه فيمن يدعي ما ليس له ويخاصم ويقيم بينة كذبا، أو يجحد ما عليه ويخاصم ويحلف كاذبا، كل هذا من الإدلاء بها إلى الحكام.
ومن فوائد الآية الكريمة: تيسير الله سبحانه وتعالى على الحكام بين الناس حيث لا يعاقبهم على الأمور الباطنة، ولّا لا؟ تيسير الله تعالى على الحكام حيث لا يؤثّمهم في الأمور الباطنة، ولا يلحقهم إثم بها، وإلا لكان الناس في حرج ومشقة.
طالب: وجه ذلك؟
الشيخ: وجه ذلك من الآية أن الحاكم إذا حكم بما ظهر له وإن كان خلاف الواقع فلا إثم عليه؛ لأنه إذا كان هؤلاء يدعون ما ليس لهم ويدلون بها إلى الحكام وحكموا بها فالإثم على المحكوم له.
الطالب: يعني تؤخذ من وَتُدْلُوا بِهَاأيضًا؟
الشيخ: تؤخذ من: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِومما بعدها: لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِفجعل الإثم على الآكل لا على القاضي.
طالب: والرشوة يا شيخ؟
الشيخ: والرشوة محرمة.
الطالب: لكن لو صار القاضي يأخذ الرشوة؟
الشيخ: فهو آثم، ما هي مسألتنا؛ لأن الآية فيها قولين، وهي تشملهم كلهم، فإن كان القاضي يأخذ الرشوة فهو حرام عليه، وأما إذا كان ما يأخذ الرشوة ولكنه حوكم الخصم عند القاضي لأجل أن ينكر فالقاضي ما عليه شيء.
طالب: ما يؤيد أنها غير الرشوة؟ يعني قال: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِلو كان الرشوة يمكن يصير على الحكام؟
الشيخ: لا، حتى الإدلاء بها، أي بالرشوة بالأموال إلى الحكام، الإدلاء بها إلى الحكام لا شك أنه ظاهر بالرشوة، أدلى بها إلى الحكام؛ لأنه مأخوذ من أدلى دلوه، أدلى بدلوه إلى البئر معناه أنزله فيها، كذلك تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِيعني تدلوا (...).
لا إثم بدون علم، من أين تؤخذ؟ من قوله: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
فلو فرض أن الإنسان لا يعلم فإنه لا إثم عليه، مثل لو فرض أن غريمه أوفاه ولكن هو ناسٍ، وحلف أنه ما أوفاه، وحُكم له، فلا إثم عليه، لكن متى ذكر أنه قد أُوفي وجب عليه رد المال إلى صاحبه (...).
وهو القمر أول ما يكون شهرا، وسمي هلالا لظهوره، ومنه الاستهلال والإهلال، وهو رفع الصوت كما في حديث خلاد بن السائب عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ» ، يعني بالتلبية.
ومنه قولهم: استهل المولود، إذا صرخ بعد وضعه، ولهذا سمي الهلال هلالا لظهوره، والهلال هو القمر إذا ظهر أول ليلة.
وقوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِيعني عن الحكمة فيها بدليل الجواب قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩].
وأما ما ذكر في البلاغة من أنهم سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن الأهلة -عن كونه هلالًا يبدو صغيرًا ثم يكبر أيش السبب؟ فأجاب الله تعالى ببيان الحكمة، وقالوا: إن هذا من باب أسلوب الحكيم؛ أن يجاب السائل بغير ما يتوقع؛ إشارة إلى أنه كان ينبغي أن يسأل عن هذا- فالصواب أنهم ما سألوا الرسول عن هذا، سألوه عن الحكمة من الأهلة وأن الله سبحانه وتعالى خلقها على هذا الوجه، والدليل الجواب؛ لأن الأصل أن الجواب هو جواب السؤال، حتى يثبت ذلك بنص صحيح.
ولم يثبت ذلك بنص صحيح أن الصحابة سألوا عن السبب في كونه يبدو هلالًا صغيرًا ثم لا يزال ينمو شيئًا فشيئًا حتى يكتمل، ما فيه حديث صحيح في هذا، وعليه فيتعين أن يكون السؤال مطابقا للجواب؛ لأنهم سألوا: ما هي الحكمة.
طالب: (...) بالعكس؟
الشيخ: لا، والجواب.
طالب: (...) مطابق للسؤال.
الشيخ: وكذلك السؤال، يعني نحن الآن نؤيد أن السؤال عن الحكمة، ما هو عن كونه يبدو صغيرًا، فنقول: هذا الجواب لا بد أن يكون مطابقًا من سؤالهم، وسؤالهم أيضًا مطابقًا له.
قال الله تعالى: قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِيعني الأهلة مواقيت للناس، جمع ميقات، من الوقت، يعني أنها توقَّت بها الأشياء، ولهذا يوقت الناس فيها كل ما يتعلق بأحوالهم، ففيها مواقيت في العِدد المعلقة بالشهور؛ كعدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، وعدة من لا تحيض، كم؟ ثلاثة أشهر، وأجل المولِي لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ [البقرة: ٢٢٦].
وكذلك يوقت الناس فيها آجال الديون والإجارات وغيرها، فهي مواقيت للناس.
والمواقيت بالأشهر الهلالية أبين وأظهر من المواقيت بالأشهر الوهمية التي هي الأشهر الأفرنجية الآن، أشهر وهمية ما لها أصل، ولهذا بعضها ثمان وعشرون وبعضها واحد وثلاثون، ثلاثة أيام، هذه الأشهر لو يختلف الناس وما عندهم تقاويم أين يرجعون إليه؟ ما عندهم شيء يرجعون إليه، لكن الأهلة إذا اختلفوا يحكم بينهم الهلال، الهلال هو اللي يحكم بينهم، فهو علامة حسية ظاهرة، ولهذا جعل الله عز وجل الأشهر مواقيت للناس، للناس عموما، لا للمسلمين فقط، بل للناس عموما؛ كما قال تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [التوبة: ٣٦].
وقوله: وَالْحَجِّيعني ومواقيت للحج؛ لأن الحج أشهر معلومات، تبتدئ بدخول شوال وتنتهي بانتهاء ذي الحجة، ثلاثة أشهر.
فإذا قال قائل: والصيام أيضًا فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥].
قلنا: نعم، لكن سياق الآيات توطئة لبيان الحج، فلهذا قال: وَالْحَجِّ، والصيام انتهى الكلام عليه.
مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا [البقرة: ١٨٩] طيب هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ [البقرة: ١٨٩] فيه إعراب، (مواقيت) خبر (هي)، وسؤالي: لماذا لم تنون فيقال: مواقيتٌ؟
طالب: صيغة منتهى الجموع، ممنوع من الصرف.
الشيخ: لأنه ممنوع من الصرف؛ لصيغة منتهى الجموع: (مفاعيل). وقول الله: الْحَجِّمعطوفة على لِلنَّاسِ.
وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا [البقرة: ١٨٩].
البر هو الخير، وسمي الخير برا لما فيه من السعة، ومنه في الاشتقاق البَرُّ، اللي هو الخلاء، سوى البنيان لسعته.
وقوله: لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواالباء حرف جر أصلي ولّا زائد؟
طالب: زائد.
الشيخ: زائد للتوكيد، يعني وليس البر بإتيانكم البيوت من ظهورها.
بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَاأي من خلفها لا من أبوابها، لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَوفي قراءة: الْبِيُوتَ، البيوت هي لغتنا العامية نعم، وهي لغة عربية، قراءة سبعية.
بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَاهذه (من) بيانية، أي تأتوها من الخلف، وكانوا في الجاهلية من سفههم يأتون البيوت من ظهورها إذا أحرموا بحج أو بعمرة، إلا قريشًا فإنهم يأتونها من أبوابها، أما غيرهم يقولون: نحن أحرمنا ما يمكن ندخل بيوتنا من أبوابها، هذا يبطل الإحرام، لا بد أن نأتي من الظهور لئلا يسترنا سقف البيت، شوفوا الجهل، كانوا يتسلقون البيوت مع الجدران من الخلف، ويعتقدون أن ذلك بر وقربة إلى الله عز وجل، فنفى الله هذا وأبطله وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَاهذا ليس من البر، بل هو من خلاف البر.
السبب لما فيه من التعسير، ولما فيه من مخالفة الحكمة والسفه، فهو خلاف البر، ولهذا قال عز وجل: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا.
وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىوفي قراءة: {وَلَكِنِ البِرُّ مَنِ اتَّقَى} على أن تكون (لكن) مخففة من الثقيلة مهملة و(البر) مبتدأ.
أما على القراءة بالتشديد وَلَكِنَّ الْبِرَّفهي عاملة و(البر) اسمها.
وقوله: الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى(البر) اسم معنى و(من اتقى) اسم جثة، كيف يخبر بالجثة عن اسم المعنى؟
نقول: إن هذا تقدم لنا نظيره مرارا، وأنه يخرّج على واحد من أوجه ثلاثة، من يعرفها؟
طالب: يكون المصدر هنا بمعنى اسم الفاعل: ولكن البَارَّ، أو على تقدير محذوف: ولكنَّ البِرَّ بِرُّ مَنِ اتَّقَى.
الشيخ: نعم، أو؟
الطالب: أو هذا على سبيل المبالغة المطلقة مصدر.
الشيخ: أن يجعل المتقي نفس البر، طيب صح.
وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىاتقى من؟ اتقى الله عز وجل؛ لأن الاتقاء في مقام العبادة إنما يراد به: اتقوا الله عز وجل.
البر هو التقوى، هذا حقيقة البر، لا أن تتقي دخول البيت من بابه، ولكن البر أن تتقي الله عز وجل، ولهذا قال: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا، ائتوا البِيوت والبُيوت من أبوابها، أي من جهة الباب؛ فإن هذا هو الخير، وهذا من الحكمة في تعليم الله عز وجل أنه إذا نهى عن شيء وجه الناس إلى الطريق السليم لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا [البقرة: ١٠٤].
وهكذا تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام أمته إذا سد عليهم بابا لتحريمه فتح لهم باب الحل، قال للذي جاء إليه بتمر طيب وقال: إنا نأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، قال: «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ» يعني الجمع التمر الرديء المجمع «بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» يعني تمرا طيبا، فمنعه من المحرم وفتح له باب الحلال.
وهكذا ينبغي لكل من يعلم الناس إذا سد عليهم بابا وهم يحتاجون إلى التعامل به أن يفتح عليهم باب الإباحة.
وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَافإن هذا هو الموافق للعادة وللطبيعة وللعقل، قال بعض العلماء: وينبغي أن تكون هذه قاعدة حتى في الأمور المعنوية؛ أنك تأتيها من أبوابها، ما تتجشم الأمر تجشما، بل تأتي من بابه بالحكمة والموعظة الحسنة حتى تتم لك الأمور؛ فيكون فيها إشارة إلى أن الأمور المعنوية أيضًا تؤتى من أبوابها، ما تجشم الأشياء تجشما، يعني هذا قد لا تحصل المقصود.
فإذا أردت مثلًا أن تخاطب شخصا كبيرا، كبير المنزلة، فهل تأتي إليه على طول مثلا، تتكلم معه وتخاطبه بما تخاطب سائر الناس؟ الجواب: لا وإنما تأتي من الأبواب.
وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
اتَّقُوا اللَّهَأي: اجعلوا لكم وقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(لعل) للتعليل؛ أي: لأجل أن تنالوا الفلاح، والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب.
طالب: طيب مثلا الناس اللي يتعاملون (...).
الشيخ: يأخذ الحزام ويروح يحطّب ويجيء يبيع.
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [البقرة: ١٩٠] قاتلوا: فعل أمر، والمقاتلة: مفاعلة من الجانبين، يعني اقتلوهم بمقاتلتهم، ولكن قال: فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أي في دينه وشرعه ولأجله، فسبيل الله سبحانه وتعالى يتناول الدين وأن يكون القتال في حدود الدين، وعلى الوجه المشروع، ولله وحده، ولهذا قدمه، قدم المقاتَل من أجله قبل المقاتَل؛ إشارة إلى أنه ينبغي الإخلاص في هذا القتال؛ لأنه ليس بالأمر الهين، الإنسان المقاتل يعرض رقبته لسيوف الأعداء، فإذا لم يكن مخلصا لله خسر الدنيا والآخرة، قُتل ولم تحصل له الشهادة، فنبه بتقديم المراد فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لأجل أن يكون مبنيا هذا القتال على الإخلاص.
وقوله: الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْقاتلوا الذين يقاتلونكم، اختلفت آراء الناس في هذا المفعول به الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْفإن قوله: الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْقد يقول قائل: مفهومه أن الذين لا يقاتلونكم لا تقاتلونهم، وعلى هذا فيكون مقاتلتنا للكفار قتال دفاع فقط، يعني الذين يقاتلونكم فقط.
ولهذا اختلف العلماء في هذا على أقوال ثلاثة:
أحدها: أن هذه الآية منسوخة، منسوخة بماذا؟ بقوله: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة: ٣٦] فتكون الآية غير محكمة، هذا واحد.
الثاني: أن هذا الوصف ليس للاحتراز، ولكنه للتهييج وبيان الواقع، لتهييجنا نحن على قتالهم وبيان واقعهم أنهم يقاتلوننا، وعلى هذا فلا يزيد الأمر بالقتال إلا قوة، يعني إذا قال لك إنسان: قاتل الذي يضربك رجّال، معناه كأنه يقول لك: اقتص لنفسك وكيف تصبر على أنه يضربك ولا تضربه مثلا، فيكون المراد بذلك التهييج وبيان الواقع لهؤلاء أنهم يقاتلوننا، فكيف لا نقاتلهم؟
الوجه الثالث أو القول الثالث: أنها قيد مخرِج لما عداه، فلا نقاتل إلا من يقاتلنا، أما من لا يقاتلنا واستسلم لأمرنا وبذل الجزية وخضع لأحكام الإسلام فإننا لا نقاتله، وهذا رأي كثير من المتأخرين، على أن الآية إنما أمر الله أن نقاتل من يقاتلنا، فأما من لا يقاتلنا واستسلم لحكمنا ورضي بأحكام الإسلام وبذل الجزية فإننا لا نقاتلهم.
واستدلوا لذلك بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا أمّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه ومن معه من المسلمين خيرا وقال لهم: «اغْزُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، لَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا»، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ إِذَا نَزَلَ عَلَى حِصْنٍ فَلْيَدْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَلْيَدْعُهُمْ إِلَى الْهِجْرَةِ إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ أَبَوُا الْإِسْلَامَ فَإِنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ أَبَوْا فَلْيُقَاتِلْهُمْ ، فدل هذا على أن هؤلاء إذا بذلوا الجزية فإنهم لا يقاتلون، لأنهم خضعوا لأحكام الإسلام وكانوا تحت سيطرتنا.
واختار ابن كثير رحمه الله القول الوسط: أن المراد به التهييج وبيان الواقع.
الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: ١٩٠] لا تعتدوا في المقاتلة، والاعتداء في المقاتلة يشمل الاعتداء في حق الله والاعتداء في حق المقاتَلين.
أما الاعتداء في حق الله فمثل أن نقاتلهم في وقت لا يحل القتال فيه، لماذا؟ مثل أن نقاتلهم في الأشهر الحرم على القول بأن تحريم القتال فيها غير منسوخ.
وأما في حق المقاتلين فألا نمثل بهم، ما نمثل بهم؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تُمَثِّلُوا» ولا نقتل وليدا يعني طفلا، ولا نقتل امرأة، ولا نقتل شيخا فانيا، ولا نقتل راهبا في صومعته، ولا نقتل شيخا كبيرا ليس له رأي في القتال، هذا معنى الاعتداء، يعني لا تعتدوا بقتال من لا يقاتل أو يعين على القتال.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَالجملة هنا تعليل للحكم، أين الحكم؟ لَا تَعْتَدُوا، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَهذا التعليل، المعتدين في القتال ولَّا في القتال وغيره؟ المعتدين في القتال وغيره؛ لأنها عامة، (أل) هنا عامة، اسم موصول لأنها دخلت على مشتق، و(أل) الداخلة على المشتق يجعلونها اسما موصولا، ثم إن العلة غالبا تكون أعم من المعلول، أعم.
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة: ١٩٠، ١٩١] اقتلوهمالضمير يعود على من؟ على الكفار الذين يقاتلوننا؛ لقوله: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ.
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْحيث: ظرف مبني على الضم، ظرف مكان ولّا زمان؟ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب، يعني اقتلوهم في أي مكان.
شوف الأول يقول: قَاتِلُواثم قال: وَاقْتُلُواأيهما أشد؟ القتل أشد، يعني متى وجدنا هذا المحارب الذي يقاتلنا حقيقة أو حكمًا فإننا نقتله في أي مكان، حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْلكنه يستثنى ما سيأتي إن شاء الله في الآيات، وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ [البقرة: ١٩١].
طالب: شيخ، الجزية ما الحكمة منها (...).
الشيخ: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْيعني في أي مكان، يستثنى منه ما هو؟ المسجد الحرام لَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ [البقرة: ١٩١].
وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ [البقرة: ١٩١] قال: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُولم يقل: أخرجوهم حيث أخرجوكم؛ لأن الإخراج يكون من شيء إلى شيء، أما القتال فيكون في شيء، القتال يكون في مكان، والإخراج يكون من المكان.
ولهذا قال: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْأي من المكان الذي أخرجوكم منه، فمثلا إذا قدر أن الكفار غلبوا على هذه البلاد وأخرجوا المسلمين منها، فإن المسلمين يجب عليهم أن يقاتلوهم، فإذا قاتلوهم يخرجونهم ولّا لا؟ نعم يخرجونهم من البلاد من حيث أخرجونا، فهم الذين اعتدوا علينا واحتلوا بلادنا، فنخرجهم من حيث أخرجونا.
واعلم أن أحق الناس ببلاد الله الصالحون وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَامن عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥].
وقد قال الله تعالى: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨].
فالأرض ما هي بأرض فلان ولا أرض الجنس الفلاني ولا الجنس الفلاني، الأرض أرض الله يورثها من يشاء من عباده، وقد بين أن الذي يرثها عباده الصالحون، هؤلاء هم الذين يرثونها شرعا وقدرا أيضًا، وقدرا فإن الله تعالى يجعل العاقبة للمتقين.
إذن أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْنقول: أخرجوهم من البلاد التي أخرجوكم منهما؛ لأن الحق لكم، أنتم الذين ظُلِمتم وأُخرِجتم من دياركم، فأخرجوا هؤلاء الكفار منها.
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة: ١٩١] الفتنة ما هي؟ الفتنة صد الناس عن دينهم، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠]، ففتنة الناس أشد من قتلهم؛ لأن قتلهم غاية ما فيه أن نقطعهم من ملذات الدنيا، لكن الفتنة نقطعهم من الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ [الحج: ١١].
وفي هذا دليل -وإن كان ينبغي أن يجعل في الفوائد- على أن استعمار الأفكار أشد من استعمار الديار، وأن الكفار إذا تسلطوا على المسلمين بصدهم عن دينهم فهو أعظم من احتلال ديارهم، الفتنة أشد من القتل.
قريش هل فتنوا المؤمنين؟ نعم، فتنوهم أيّ فتنة، فتنوهم، عذبوهم، قتلوهم، صاروا يعذبونهم بالرمضاء في شدة الحر، أذية ما فوقها أذية، هذا أشد من القتل، يعني لو فرض أن المسلمين قتلوا أحدا من المشركين فإن فتنة المشركين للمسلمين أعظم وأشد.
طالب: شيخ، صار المسلمين دول، ففيه دولة أخرجت من ديارها، هل يجب على المسلمين كلهم أن..
الشيخ: نعم يجب عليهم مع القدرة أن يعينوا هؤلاء حتى يطردوا أعداءهم عن بلادهم.
الطالب: طيب بعض الدول بينها وبين الكفار هادول اللي أخرجوا المسلمين معاهدة يجب عليهم ولّا ما يجب؟
الشيخ: لا، يبينوا لهم، لكنهم إذا نقضوا، عند أهل العلم إذا نقضوا العهد في طائفة من المؤمنين انتقض العهد، حتى لو بيننا وبينهم عهد، الرسول عليه الصلاة والسلام جعل نقض قريش العهد بمعاونتهم حلفاءهم نقضا لعهده، مع أنهم ما فعلوا إلا أنهم ساعدوا حلفاءهم على حلفاء النبي عليه الصلاة والسلام، على حلفاء الرسول وهم إلى الآن ما بعد أسلموا، فجعل الرسول عليه الصلاة والسلام هذا نقضا للعهد، فإذا اعتدوا على أحد من المسلمين فقد نقضوا العهد، فسيأتي إن شاء الله هذا في..
يقول: وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ [البقرة: ١٩١] لا تقاتلوهم عند المسجد الحرام يعني في مكة؛ لأن المسجد الحرام هو المسجد نفسه وما عنده فهو البلد، يعني لا تقاتلوهم في مكة حتى يقاتلوكم فيه.
و(في) هنا الظاهر أنها للظرفية، ويحتمل أن تكون للسببية، أي: حتى يقاتلوكم بسببه.
فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة: ١٩١] إن قاتلوكم حتى عند المسجد الحرام؟ حتى عند المسجد الحرام، إذا قاتلونا حتى عند المسجد الحرام فإننا نقاتلهم.
هذه الآية هي منسوخة ولّا لا؟ لا، هذه الآية غير منسوخة.
فإن قال قائل: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد قال: «إِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ» ، فهذا دليل على أن الآية هذه منسوخة.
فالجواب على ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما يريد بذلك قتال أهل مكة والدخول عليهم، عنوة هذا لا يجوز، أما إذا قاتلونا فإننا نقاتلهم من باب المدافعة، ولا أحد يقول: إنه إذا قاتلك المشرك في مكة فاستسلم، أبدا ما أحد يقول بهذا.
فنحن لا نبدؤهم بالقتال، حتى على الفرض الممتنع؛ لو أن أهل مكة ارتدوا فإننا لا نقاتلهم، وإنما قلت: على الفرض الممتنع؛ لأن أهل مكة لا يمكن أن يرتدوا، ويش الدليل؟
الدليل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» ، فإن نفي الهجرة من مكة بعد الفتح دليل على أنها ستبقى بلاد إسلام، وإلا لأمكن أن يرتد أهلها ويكون منها الهجرة.
الحاصل نقول: إننا لا يجوز أن نبدأ أهل الحرم بقتال أبدا، لكن إن قاتلونا في الحرم فإننا نقاتل مدافعة حتى تهدأ الفتنة.
ولهذا قال: فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [البقرة: ١٩١] كذلك: المشار إليه ما سبق من الأحكام في الأمر بالقتال، أي مثل هذا الجزاء، وهو أمرنا لكم بقتال الكفار المقاتلين لكم نجزي الكافرين، وعلى هذا فيكون القتال عاما لكل كافر، فإن الواجب على المسلمين أن يقاتلوا الكفار -كما سيأتي إن شاء الله في الآية التي بعدها- وجوبا.
والجهاد في سبيل الله فرض كفاية في الأصل، وقد يكون فرض عين، وذكروا أنه يكون فرض عين في مواضع:
الموضع الأول: إذا حضره، فإنه يكون فرض عين، ما يجوز أن ينصرف؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال: ١٥، ١٦].
الموضع الثاني: إذا حصر بلده العدو، إذا حصره فإنه يتعين القتال، من أجل فك الحصار عن البلد، ولأنه يشبه من حضر صف القتال.
الموضع الثالث: إذا احتيج إليه، إذا كان هذا الرجل يحتاج الناس إليه؛ إما لرأيه أو لقوته أو لأي عمل يكون، فإذا كان محتاجا إليه فإنه يتعين عليه.
والموضع الرابع: إذا استنفره الإمام، إذا استنفر الإمام الناس وجب عليهم أن يخرجوا ولا يتخلف أحد،
وإلا فهو فرض كفاية.
واعلم أن الفرض، سواء قلنا: فرض عين، أو فرض كفاية، لا يكون فرضا إلا إذا كان هناك قدرة، أما مع عدم القدرة فلا فرض؛ لعموم الأدلة الدالة على أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة: ٩١]، فإذا كنا لا نستطيع أن نقاتل هؤلاء لم يجب علينا، وإلا لأثمنا جميع الناس مع عدم القدرة، ولكنه مع ذلك يجب أن يكون عندنا العزم على أننا إذا قدرنا فسنقاتل.
ولهذا قيدها الله عز وجل: وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩١] ليس على هؤلاء الثلاثة حرج، بشرط، ما هو؟ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فأما مع عدم النصح لله ورسوله فعليهم الحرج حتى وإن وجدت الأعذار في حقه.
فالحاصل أننا نقول: إن القتال فرض كفاية ويتعين في مواضع، وهذا الفرض كغيره من المفروضات من شرطه القدرة، أما مع العجز فلا يجب، لكن يجب أن يكون العزم معقودا على أنه إذا حصل القوة جاهدنا في سبيل الله، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ» ، والعياذ بالله.
فيها قراءات هنا، اللي عندنا وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْالجمل أربع: ولا تقاتلوهم، حتى يقاتلوكم، فإن قاتلوكم، فاقتلوهم، هذه أربع جمل كلها بصيغة المفاعلة إلا واحدة، كلها بصيغة المفاعلة (قاتل) إلا واحدة وهي الأخيرة فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْشوف هذه القراءات اللي عندي، يقول: {وَلَا تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ} كل الأربعة (قتل) بدون صيغة مفاعلة، {وَلَا تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فَاقتْلُوهُمْ} وعلى هذا فتكون الأربعة كلها بغير صيغة المفاعلة، ولكن القراءة هذه أبلغ، حيث إن الله عز وجل نهى عن المقاتلة إلا بمقاتلة، وإذا حصلت المقاتلة لا تقتصروا على المقاتلة، ماذا تفعلون؟ تقتلون، إذا قاتلوا فاقتلوا، وهذا أبلغ وأقوم، وإن كان كله حقا؛ لأن القراءات كلها قرأ بها النبي عليه الصلاة والسلام، وقد يكون
بعضها يدل على معنى لا يدل عليه الآخر، ويصير (لا تقاتلوهم): لا تقتلوهم حتى يقتلوكم، وقطعا ما هو معناه أنه لا تقتلوهم حتى يقتلوكم كلكم، إذا قتلوكم كلكم ما فيه شيء، لكن حتى يقتلوكم ولو واحدا منكم؛ لأن قتل واحد منا كقتل الجميع، ولهذا ذكر أهل العلم أن أهل الذمة إذا نقضوا العهد في واحد من المسلمين انتقض العهد، قالوا: إذا اعتدى على مسلم بقتل أو زنا أو ما أشبه ذلك فإنه ينتقض عهده، مع أنه ما نقض العهد بالنسبة للعموم لكن الواحد منا يعتبر ممثلا للجميع كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «ذِمَّةُ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» .
فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٩٢] إن انتهوا، ويش عنه؟ عن المقاتلة، إن انتهوا عن المقاتلة فإن الله غفور رحيم، يعني فاغفروا لهم ولا تقاتلوهم.
وهل يدل هذا على أنهم إذا انتهوا عن المقاتلة غفر لهم بدون إسلام؟ لا، لكن إِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌيعني فاغفروا لهم؛ كقوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤]، يعني ولا تقطعوا أيديهم وأرجلهم من خلاف ما داموا تابوا، فهؤلاء أيضًا إن انتهوا ولم يقاتلوكم فلا تقاتلوهم.
طالب: يمكن لها معنى يا شيخ غَفُورٌ رَحِيمٌيعني ما يجب عليكم القتال إذا انتهوا غفور لكم.
الشيخ: يحتمل هذا أيضًا فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌوالله فيه احتمال لكنها فيها شيء من البعد إنما المعنى الظاهر هو هذا، وبعض المفسرين قال: فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌلهم، وجعل الانتهاء عاما للانتهاء عن القتال وعن الكفر، كقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨] فجعل قوله: إِنِ انْتَهَوْايعني عن قتالكم وعن الكفر فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
طالب: حتى وإن أصابوا جمع كثير من المسلمين؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني يمكن يبدؤوا القتال ويقتلوا كثير ثم يقولوا: خلاص انتهينا، نكف؟
الشيخ: نكف، لكننا ندعوهم إلى الإسلام، فإن التزموا بأحكام الإسلام وإلا قتلناهم حتى نبيدهم.
طالب: جواب الشرط..
الشيخ: لا هو الجملة فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(...).
طالب: هي خبر مقدم على كل حال.
الشيخ: هي خبر مقدم على كل حال.
طالب: تصير تعليلية؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
الشيخ: إذا كان الكلام في الإعراب فهي جواب الشرط على كل حال.
الطالب: فإذا جعلناها تعليلية؟
الشيخ: ما نحتاج إلى تعليل، نقول: إِنِ انْتَهَوْافقد وصف الله نفسه بأنه ذو مغفرة ورحمة يعني فالمعنى اغفروا لهم وارحموهم، لا تعرضوا لهم.
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة: ١٩٣] هذه آية فاصلة، قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌيعني يجب أن نقاتل الكفار حتى لا تكون فتنة، أي صد عن سبيل الله، بحيث لا يعتدون على أحد ويفتنونه عن دينه، سواء كان جميعا أو بعضا، فلو فرض أنّا قاتلناهم واستسلموا وتركوا القتال، لكن بدؤوا يدسون على المسلمين كتبا، كتب إلحاد وكتب ضلال، فهل نكف عن قتالهم؟ لا؛ لأن الله يقول: حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، فلا بد أن نقاتلهم إلى أن يستسلموا ويدفعوا شرهم نهائيا، فإن بقي من شرهم شيء وجب علينا أن نقاتلهم.
ولهذا قال: وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِفإذا قاتلناهم وكان حكم الإسلام هو الظاهر، فقد كان الدين لله، وحينئذ نكف عنهم، وإلا فالواجب قتالهم، وهذه مع الأسف هذه المسائل مع أنها في أول سورة من القرآن وفي سورة مدنية نزلت متأخرة أكثرنا في غفلة عنها، يعني كأن القتال الآن أصبح شيئا يُذكر وليس بشيء يجب أن يكون، كأنها نظريات أو قراءة حوادث وأخبار ماضية، كأننا لا نطالب بها الآن، ولذلك ركنا إلى الدنيا، وصار أهم شيء علينا أن تبقى لنا هذه الرفاهية، وهذا الأشر والبطر عند بعض الناس، ولم نعبأ بما خلقنا من أجله أو بما يجب علينا نحو دين الله عز وجل.
الدين الآن يفتت في كل مكان بوسائل وطرق، لا يأتون إلى البلد المستقيم كبلادنا -والحمد لله- فيقولون: اسجدوا للأصنام، اذهبوا إلى القبور، الجؤوا إلى أصحاب القبور، ما يقولون هكذا؛ لأنهم يعلمون لو قالوا هكذا لرجمهم الصبيان بالحجارة، لكنهم يدسون أشياء يفسدون بها الأخلاق، وإذا فسدت الأخلاق لم يكن لنا في الآخرة من خلاق.
والوسائل التي تهدم الأخلاق كثيرة ومعلومة للكثير منكم، لهذا صارت فتنتهم أشد من القتل، وصرنا نطمئن إلى هذه الأمور، وبردت الجلود، وتقاصرت الهمم، حتى أصبح منا الآن من المسلمين من يقول: المسيحيون إخوة لنا، الله يقول: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦] لهم دينهم ولنا ديننا، والجامع بيننا الإنسانية، الجامع الإنسانية! ودين الإسلام دين السعة ودين الرحمة ودين السماح!
وما أشبه ذلك من هذه الأمور التي يشبِّهون بها، ما علموا أن الإنسان اللي يعتقد أن دين النصارى قائم الآن فهو كافر؛ لأن الله يقول: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥]، ويقول: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: ١٩] وهذه الجملة حصر لتعريف ركنيها: المبتدأ والخبر كلاهما معرفة، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُمعناه: ما فيه دين سواه، حتى لو تدينوا ودخلوا الصوامع والبيع والأديرة، فإن ذلك لا ينفع ولا يجوز لنا أن نعتقده دينا؛ لأنه ليس بدين، هم وإن دانوا به لكن ليس عند الله دين. (...)
الشيخ: وكذلك الطعام وهذا هو ظاهر القرآن، لكن ورد في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة بإسناد صححه أحمد شاكر بأنه إذا أذن المؤذن والإناء في يدك فلا تضعه حتى تقضي حاجتك منه ، فإن كان هذا الحديث صحيحا فإنه يحمل على أن المؤذن لا يؤذن حتى.. يعني معناه أنه قد يحتاط، يعني ما يدع الأذان إلا أن يطلع الفجر، يكون هذا لأنه قد يؤذن وهو لم يتبين له كثيرا فسومح الإنسان، وإلا فإنه يخالف الأحاديث الصحيحة والقرآن أيضًا، فإن القرآن يقول الله فيه: حَتَّى يَتَبَيَّنَوالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» .
طالب: من يفعل من العوام (...) الفجر (...) قبل الفجر (...) حَتَّى يَتَبَيَّنَ؟
الشيخ: لا، هذا تلاعب (...) التبين، لا هذا تلاعب، كذلك ما روى عن بعض العامة يروون عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يستتر بناقته عن الفجر، هذا كذب تلاعب.
طالب: قول الحنابلة بأنه إذا أذن الفجر وهو يجامع فإذا نزع فعليه الكفارة مفرع على أي شيء؟
الشيخ: مفرع على أن النزع جماع، يرون النزع جماعا، كابتداء الجماع وهذا ليس بصحيح هذا (...) ليفعل.
طالب: (...).
الشيخ: لا، أنا أرى أنه بالنسبة للمؤذنين الآن ما يمكن يؤذنون بالدقة الحقيقة، ما يؤذنون بالدقة، لكننا ما نفتي به نخشى من التلاعب، ما نفتي به.
طالب: يتقدم (...).
الشيخ: والله غالبهم يتقدم.
من فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي الاحتياط في أذان الفجر في حال الصوم، بمعنى أن بعض الناس الآن ولا سيما الجهال يقولون: نؤذن قبل الفجر احتياطا، علشان الناس يمسكون، نقول: هذا الاحتياط في غير محله؛ لأن الاحتياط الحقيقي هو اتباع الشرع، عرفتم؟ نعم لو تعارضت الأدلة لكن هنا الأدلة واضحة، حتى في الآية: يَتَبَيَّنَ، ما فيه احتياط، فالاحتياط للزوم الشرع أن تأكل وتشرب حتى يتبين، وأنتم أيضًا إذا احتطتم من ناحية الصيام فرطتم من ناحية ما هو أهم من الصيام، وهو الصلاة؛ لأن بعض الناس إذا سمع المؤذن أذان الفجر تعالوا نصلي على طول، فحينئذ نكون غررنا الناس في مسألة الصلاة وهي أهم.
طالب: الفائدة (...)
الشيخ: أيهم؟
الطالب: الآخرة.
الشيخ: الأخيرة؟ أنه لا ينبغي الاحتياط في أذان الفجر في أيام الصيام بتقديمه على الفجر.
طالب: (...) خمس دقائق.
الشيخ: من؟
الطالب: (...) شخص (...) الوقت (...).
الشيخ: لا، لا تحتاط؛ لأنك إذا احتطت منعت عباد الله مما أحل الله لهم.
الطالب: (...).
الشيخ: والله ما أدري، أنا أرى أن الاحتياط باتباع الشرع، لا تشدد على نفسك.
طالب: حتى يتبين.
الشيخ: حتى يتبين.
طالب: طب إذا كنت في مكان وعلمت أن الناس يتبعون الفجر الكاذب ليس الفجر الصادق، بعض الناس يؤذنون على الفجر الكاذب.
الشيخ: لا أدراك بهم، لا تعتد بهم.
من فوائد الآية الكريمة: أنه لو أكل الإنسان على أنه لم يتبين له الفجر ثم تبين أنه بعد طلوع الفجر فإنه لا قضاء عليه.
طالب: يعني يقول: حَتَّى يَتَبَيَّنَ.
الشيخ: حَتَّى يَتَبَيَّنَفإذن أكله مأذون فيه ولّا لا؟ مأذون فيه، وما كان مأذونا فيه فإنه لا يُرتب عليه إثم ولا ضمان ولا شيء. وقد مر علينا في قواعد الفقه: ما ترتب على المأذون فهو غير مضمون.
إذن نقول: من أكل وهو لم يتبين له طلوع الفجر، ثم تبين بعد أنه بعد طلوع الفجر فلا قضاء عليه.
وهذا هو ما تؤيده العمومات، مثل قوله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦]، ومثل قوله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب: ٥]، ويؤيده أيضًا نصوص خاصة في هذه المسألة نفسها، ورفع لعدي بن حاتم رضي الله عنه، حيث كان يضع عنده عقالين، أحدهما أسود والثاني أبيض، ويأكل حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بالقضاء .
فعندنا أدلة خاصة وأدلة عامة، والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه إذا أكل ثم تبين أن الفجر قد طلع فإنه يلزمه القضاء، يلزمه القضاء؛ لأنه أكل بعد أن طلع الفجر، ولكن هذا القول ضعيف.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصيام الشرعي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ لقوله: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ.
خدتوا بالكم يا إخواني في المسألة، في الجملة التي قبلها نسينا فائدة وهي: الإيماء إلى كراهة الوصال، من أين تؤخذ؟ من قوله: كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ.
والوصال معناه أن يقرن الإنسان صوم يومين جميعا، ما يفطر بينهما، وقد كان الوصال مباحا، ثم نهاهم الرسول عليه الصلاة والسلام عنه وقال: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السَّحَرِ» فقط، مع أنه يرغب في تعجيل الفطر.
وهذا من المسائل التي كنت نبهت عليها سابقا، بأن الشيء قد يكون مأذونا فيه وليس بمشروع، أو لا؟ فالوصال إلى السحر مأذون فيه، لكنه ليس بمشروع، ومر علينا مثال آخر مثل؟
طالب: هي التعبد للميت.
الشيخ: إي، مثل الصدقة على الميت، مأذون فيه وليس بمشروع، ومثل؟
طالب: ختم الصلاة.
طالب: ختم الصلاة بقراءة سورة الإخلاص.
الشيخ: قراءة سورة الإخلاص ختم الصلاة بها فهذا جائز وليس بمشروع.
من فوائد الآية قلنا: إن الصيام الشرعي ينتهي.
طالب: بغروب الشمس.
الشيخ: بغروب الشمس.. لا بالليل؛ لأنه قال: إِلَى اللَّيْلِ، كلمة إِلَى اللَّيْلِالآن نشوف نبحثها، هل المراد إلى أن يكسو الليل الأرض، أو المراد إِلَى اللَّيْلِإلى أن يتبين الليل؟ أو أن المراد شيء آخر وراء ذلك؟
نقول: لا شك أن أصح التفسير بعد تفسير الله عز وجل تفسير الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد ثبت عنه أنه قال: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا -وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ- وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا -وَأَشَارَ إِلَى الْمَغْرِبِ- وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» ، هذا الحديث حكم فاصل يبين هذا المجمل من قوله: إِلَى اللَّيْلِولذلك ذهبت الرافضة إلى أن الفطر ما يكون حتى يكسو الليل الأرض، ولهذا ما يفطرون إلا إذا بانت النجوم؛ تمسكا بظاهر الآية، ولكن يقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم بينها وهو المبين للقرآن وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل: ٤٤]، ما من أحد من البشر يُرجع إلى تفسيره ويجب الرجوع إليه مثلما يجب الرجوع إلى تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم.
فإذن إن علقنا الحكم بإقبال الليل المجرد ما صح، (...) ما يصح.
طالب: (...).
الشيخ: أقول: (...) ما يصح؟
طالب: لأنه قال: إِلَى اللَّيْلِ.
الشيخ: إي طيب أقبل لأن نشوفه أسود. نقول: لأن ابتداء الليل -حسب ما نرى ونشاهد الآن- ابتداء الليل يكون والشمس ما غربت، أو لا؟ ما عمركم تشوفوه؟ الآن شوف الجو من المشرق بدأ به، بدأ فيه الظلام والشمس ما غربت.
كوننا نقول: إِلَى اللَّيْلِإلى امتداد الليل إلى آخر الأفق، هذا أيضًا لا يصح، ليس مرادا من الآية، المراد من الآية ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ»،
لو قال قائل: إذا غربت الشمس قبل أن يقبل الليل؟
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: نقول: هذا ما يمكن إلا على رأي شيخ أبي حنيفة، نعم يقولون: إن أبا حنيفة.. وإن كان أنا والله أنا ما ودي أجيب الأشياء التي يكون فيها ضحك في قراءة القرآن أو تفسير القرآن أو إعراب القرآن، لكن يقولون: إن أبا حنيفة جالس مع أصحابه فجاء رجل ذو هيئة، وكان قد مد رجله مع إخوانه وأصحابه، فجاء هذا الرجل فعظمه أبو حنيفة، وكف رجله وجعل يحدث أصحابه، كان يحدثهم أظن في أوقات النهي، وقال: أوقات النهي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، المهم قال له: يا سيدي أرأيت لو طلعت الشمس قبل أن يطلع الفجر، قال: (...)، المهم لا يمكن أن تغرب الشمس قبل أن يتبين الليل هذا شيء من المستحيل، في أفق (...).
من فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى مشروعية الاعتكاف.
ومنها: أن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد؛ لقوله: وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة: ١٨٧].
لو قال قائل: وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِيدل على أن هناك اعتكافا في غيرها فما الجواب؟
الجواب: أنه لما جعل للاعتكاف في المساجد حكما، دل هذا على أنه لو كان الاعتكاف في غيرها مشروعا لكان الحكم عاما، وأيضًا فإن الله يقول في آية أخرى: أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ [البقرة: ١٢٥].
ومن فوائد الآية: أن الجماع مفسد للاعتكاف، نحن ذكرنا النهي عن المباشرة؟ ما ذكرناه؟ طيب إذن خلِّ قبله: النهي عن مباشرة النساء حال الاعتكاف؛ أن مباشرة النساء مبطلة للاعتكاف، أو أن الاعتكاف يبطل بذلك، ما وجهه؟ ما وجه كونه مبطلا؟
طالب: النهي.
الشيخ: النهي؛ لأنه نهي عنه بخصوصه، والشيء إذا نهي عنه بخصوصه في العبادة كان من مبطلاتها، وذكرنا أثناء التفسير أن بعض العلماء استنبط منها أن الاعتكاف إنما يكون في الصيام وفي آخر الشهر؛ لأن الله ذكرها عقب آية الصيام.
ومن فوائدها: ما استنبطه بعض أهل العلم من أن الاعتكاف يكون في آخر شهر رمضان.
ثم قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا [البقرة: ١٨٧].
طالب: إذا اعتكف في الأوسط.
الشيخ: كله ينتظر ليلة القدر، حتى قيل له: إنه في العشر الأواخر، فاستقر على ذلك في العشر الأواخر.
طالب: اعتكف مرة في العشر الأولى من شوال؟
الشيخ: قضاء، هذه اعتكفها قضاء؛ لأنه لما خرج في صباح يوم اعتكافه وجد أن نساءه ضربن أخبية فقال «آلْبِرَّ يُرِدْنَ» ثم أمر عليه الصلاة والسلام بنقض هذه الأخبية وترك الاعتكاف هذا العام، ثم قضاه في شوال.
طالب: (...) خلاف ما اشترطه بعض العلماء أن يكون جامع، أطلق..
الشيخ: نعم نعم، إنه ما يشترط أن يكون جامع نعم.
طالب: ولو كان يصلى فيه بعض الصلوات.
الشيخ: لا، لا بد أن يصلى فيه الصلوات الخمس؛ لأجل ألا يخرج ولا يتكرر خروجه؛ لأنه إما أن يدع الجماعة وهذا حرام وإما أن يكثر الخروج وهو في الحقيقة كأنه غير معتكف.
طالب: شيخ، الاعتكاف بغير رمضان؟
الشيخ: أما إنا قلنا: إنه جائز وليس بمشروع، جائز وليس بمشروع.
طالب: بعض المساجد لا يصلى فيها الصلوات الخمس أصلا (...).
الشيخ: حديث عمر يوم أو ليلة .
طالب: كونه في العشر الأواخر ما وجهه من الآية (...).
الشيخ: فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة: ١٨٧]
من فوائد الآية الكريمة: أن أوامر الله تعالى حدود له، وكذلك نواهيه، الدليل: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، لكن إن كان حدا عن الخروج فهي أوامر، وإن كان حدا عن الفعل فهي النواهي، ولهذا يقال في النواهي: فَلَا تَقْرَبُوهَا، وفي الأوامر: فَلَا تَعْتَدُوهَا [البقرة: ٢٢٩].
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي البعد عن المحارم، من أين تؤخذ؟ من قوله: فَلَا تَقْرَبُوهَا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يبين للناس الآيات الكونية والشرعية؛ لقوله: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على أهل التعطيل الذين يحرفون الكلم عن مواضعه في أسماء الله وصفاته، ما وجه ذلك؟
لأنهم مثلا إذا قالوا: المراد باليد النعمة أو القوة، والمراد بالاستواء الاستيلاء، والمراد بكذا كذا، وهو خلاف ظاهر اللفظ ولا دليل عليه، صار القرآن بيانا للناس ولّا غير بيان؟ غير بيان؛ لأنه ما دام أن البيان خلاف ما ظهر فلا بيان.
فيستفاد من الآية الكريمة: الرد على أهل التعطيل وغيرهم ممن يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون: إن الله أراد بكذا كذا بدون دليل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن العلم سبب للتقوى، من أين تؤخذ؟
طلبة: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.
الشيخ: ما وجهه؟ لأنه أعقبه، يعني جعله عقب قوله: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ، فدل هذا على أنه كلما تبينت الآيات حصلت التقوى، ويؤيد ذلك قوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨]. فكلما ازداد الإنسان علما بآيات الله ازداد تقى، ولهذا يقال: من كان بالله أعرف كان منه أخوف.
ومن فوائد الآية الكريمة: علو مرتبة التقوى، من أين تؤخذ؟ من قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، فلولا أن التقوى مرتبة عالية تبيَّن من أجلها الآيات للوصول إليها، ما بين الله الآيات لأجلها، ولأجل أن يتقي الناس ربهم.
ثم قال تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ [البقرة: ١٨٨].
أولا: ارتباط هذه الآية بالتي قبلها ظاهر جدا؛ لأنه لما ذكر المحرمات بسبب الصيام ذكر المحرمات بسبب القضاء، المحرمات بسبب الصيام تقدم لنا الأكل والشرب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أعقب ذلك بالنهي عن أكل المال مطلقا بسبب القضاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم أكل المال بالباطل. ما معنى الباطل؟ الباطل كل شيء ليس لك فيه حق شرعا فهو باطل، كل ما لا حق لك فيه شرعا فهو باطل.
ومن فوائد الآية الكريمة: حرص الشارع على حفظ الأموال؛ لقوله: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ.
ومن فوائدها أيضًا: تحريم الرشوة، على أحد التفسيرين كما سبق؛ لقوله: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِتدلوا بالأموال للحكام يعني: تعطونهم من أموالكم ليحكموا لكم بالباطل.
ومن فوائدها: أن الحاكم يحكم بما ظهر، يعني يقضي بما سمع، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» من أين تؤخذ؟ من قوله: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ
وهذه فيمن يدعي ما ليس له ويخاصم ويقيم بينة كذبا، أو يجحد ما عليه ويخاصم ويحلف كاذبا، كل هذا من الإدلاء بها إلى الحكام.
ومن فوائد الآية الكريمة: تيسير الله سبحانه وتعالى على الحكام بين الناس حيث لا يعاقبهم على الأمور الباطنة، ولّا لا؟ تيسير الله تعالى على الحكام حيث لا يؤثّمهم في الأمور الباطنة، ولا يلحقهم إثم بها، وإلا لكان الناس في حرج ومشقة.
طالب: وجه ذلك؟
الشيخ: وجه ذلك من الآية أن الحاكم إذا حكم بما ظهر له وإن كان خلاف الواقع فلا إثم عليه؛ لأنه إذا كان هؤلاء يدعون ما ليس لهم ويدلون بها إلى الحكام وحكموا بها فالإثم على المحكوم له.
الطالب: يعني تؤخذ من وَتُدْلُوا بِهَاأيضًا؟
الشيخ: تؤخذ من: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِومما بعدها: لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِفجعل الإثم على الآكل لا على القاضي.
طالب: والرشوة يا شيخ؟
الشيخ: والرشوة محرمة.
الطالب: لكن لو صار القاضي يأخذ الرشوة؟
الشيخ: فهو آثم، ما هي مسألتنا؛ لأن الآية فيها قولين، وهي تشملهم كلهم، فإن كان القاضي يأخذ الرشوة فهو حرام عليه، وأما إذا كان ما يأخذ الرشوة ولكنه حوكم الخصم عند القاضي لأجل أن ينكر فالقاضي ما عليه شيء.
طالب: ما يؤيد أنها غير الرشوة؟ يعني قال: وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِلو كان الرشوة يمكن يصير على الحكام؟
الشيخ: لا، حتى الإدلاء بها، أي بالرشوة بالأموال إلى الحكام، الإدلاء بها إلى الحكام لا شك أنه ظاهر بالرشوة، أدلى بها إلى الحكام؛ لأنه مأخوذ من أدلى دلوه، أدلى بدلوه إلى البئر معناه أنزله فيها، كذلك تُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِيعني تدلوا (...).
لا إثم بدون علم، من أين تؤخذ؟ من قوله: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
فلو فرض أن الإنسان لا يعلم فإنه لا إثم عليه، مثل لو فرض أن غريمه أوفاه ولكن هو ناسٍ، وحلف أنه ما أوفاه، وحُكم له، فلا إثم عليه، لكن متى ذكر أنه قد أُوفي وجب عليه رد المال إلى صاحبه (...).
وهو القمر أول ما يكون شهرا، وسمي هلالا لظهوره، ومنه الاستهلال والإهلال، وهو رفع الصوت كما في حديث خلاد بن السائب عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ» ، يعني بالتلبية.
ومنه قولهم: استهل المولود، إذا صرخ بعد وضعه، ولهذا سمي الهلال هلالا لظهوره، والهلال هو القمر إذا ظهر أول ليلة.
تفسير الآيات (189-195)
00:47:36
وقوله: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِيعني عن الحكمة فيها بدليل الجواب قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة: ١٨٩].
وأما ما ذكر في البلاغة من أنهم سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن الأهلة -عن كونه هلالًا يبدو صغيرًا ثم يكبر أيش السبب؟ فأجاب الله تعالى ببيان الحكمة، وقالوا: إن هذا من باب أسلوب الحكيم؛ أن يجاب السائل بغير ما يتوقع؛ إشارة إلى أنه كان ينبغي أن يسأل عن هذا- فالصواب أنهم ما سألوا الرسول عن هذا، سألوه عن الحكمة من الأهلة وأن الله سبحانه وتعالى خلقها على هذا الوجه، والدليل الجواب؛ لأن الأصل أن الجواب هو جواب السؤال، حتى يثبت ذلك بنص صحيح.
ولم يثبت ذلك بنص صحيح أن الصحابة سألوا عن السبب في كونه يبدو هلالًا صغيرًا ثم لا يزال ينمو شيئًا فشيئًا حتى يكتمل، ما فيه حديث صحيح في هذا، وعليه فيتعين أن يكون السؤال مطابقا للجواب؛ لأنهم سألوا: ما هي الحكمة.
طالب: (...) بالعكس؟
الشيخ: لا، والجواب.
طالب: (...) مطابق للسؤال.
الشيخ: وكذلك السؤال، يعني نحن الآن نؤيد أن السؤال عن الحكمة، ما هو عن كونه يبدو صغيرًا، فنقول: هذا الجواب لا بد أن يكون مطابقًا من سؤالهم، وسؤالهم أيضًا مطابقًا له.
قال الله تعالى: قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِيعني الأهلة مواقيت للناس، جمع ميقات، من الوقت، يعني أنها توقَّت بها الأشياء، ولهذا يوقت الناس فيها كل ما يتعلق بأحوالهم، ففيها مواقيت في العِدد المعلقة بالشهور؛ كعدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، وعدة من لا تحيض، كم؟ ثلاثة أشهر، وأجل المولِي لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ [البقرة: ٢٢٦].
وكذلك يوقت الناس فيها آجال الديون والإجارات وغيرها، فهي مواقيت للناس.
والمواقيت بالأشهر الهلالية أبين وأظهر من المواقيت بالأشهر الوهمية التي هي الأشهر الأفرنجية الآن، أشهر وهمية ما لها أصل، ولهذا بعضها ثمان وعشرون وبعضها واحد وثلاثون، ثلاثة أيام، هذه الأشهر لو يختلف الناس وما عندهم تقاويم أين يرجعون إليه؟ ما عندهم شيء يرجعون إليه، لكن الأهلة إذا اختلفوا يحكم بينهم الهلال، الهلال هو اللي يحكم بينهم، فهو علامة حسية ظاهرة، ولهذا جعل الله عز وجل الأشهر مواقيت للناس، للناس عموما، لا للمسلمين فقط، بل للناس عموما؛ كما قال تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [التوبة: ٣٦].
وقوله: وَالْحَجِّيعني ومواقيت للحج؛ لأن الحج أشهر معلومات، تبتدئ بدخول شوال وتنتهي بانتهاء ذي الحجة، ثلاثة أشهر.
فإذا قال قائل: والصيام أيضًا فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: ١٨٥].
قلنا: نعم، لكن سياق الآيات توطئة لبيان الحج، فلهذا قال: وَالْحَجِّ، والصيام انتهى الكلام عليه.
مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا [البقرة: ١٨٩] طيب هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ [البقرة: ١٨٩] فيه إعراب، (مواقيت) خبر (هي)، وسؤالي: لماذا لم تنون فيقال: مواقيتٌ؟
طالب: صيغة منتهى الجموع، ممنوع من الصرف.
الشيخ: لأنه ممنوع من الصرف؛ لصيغة منتهى الجموع: (مفاعيل). وقول الله: الْحَجِّمعطوفة على لِلنَّاسِ.
وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا [البقرة: ١٨٩].
البر هو الخير، وسمي الخير برا لما فيه من السعة، ومنه في الاشتقاق البَرُّ، اللي هو الخلاء، سوى البنيان لسعته.
وقوله: لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواالباء حرف جر أصلي ولّا زائد؟
طالب: زائد.
الشيخ: زائد للتوكيد، يعني وليس البر بإتيانكم البيوت من ظهورها.
بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَاأي من خلفها لا من أبوابها، لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَوفي قراءة: الْبِيُوتَ، البيوت هي لغتنا العامية نعم، وهي لغة عربية، قراءة سبعية.
بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَاهذه (من) بيانية، أي تأتوها من الخلف، وكانوا في الجاهلية من سفههم يأتون البيوت من ظهورها إذا أحرموا بحج أو بعمرة، إلا قريشًا فإنهم يأتونها من أبوابها، أما غيرهم يقولون: نحن أحرمنا ما يمكن ندخل بيوتنا من أبوابها، هذا يبطل الإحرام، لا بد أن نأتي من الظهور لئلا يسترنا سقف البيت، شوفوا الجهل، كانوا يتسلقون البيوت مع الجدران من الخلف، ويعتقدون أن ذلك بر وقربة إلى الله عز وجل، فنفى الله هذا وأبطله وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَاهذا ليس من البر، بل هو من خلاف البر.
السبب لما فيه من التعسير، ولما فيه من مخالفة الحكمة والسفه، فهو خلاف البر، ولهذا قال عز وجل: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا.
وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىوفي قراءة: {وَلَكِنِ البِرُّ مَنِ اتَّقَى} على أن تكون (لكن) مخففة من الثقيلة مهملة و(البر) مبتدأ.
أما على القراءة بالتشديد وَلَكِنَّ الْبِرَّفهي عاملة و(البر) اسمها.
وقوله: الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى(البر) اسم معنى و(من اتقى) اسم جثة، كيف يخبر بالجثة عن اسم المعنى؟
نقول: إن هذا تقدم لنا نظيره مرارا، وأنه يخرّج على واحد من أوجه ثلاثة، من يعرفها؟
طالب: يكون المصدر هنا بمعنى اسم الفاعل: ولكن البَارَّ، أو على تقدير محذوف: ولكنَّ البِرَّ بِرُّ مَنِ اتَّقَى.
الشيخ: نعم، أو؟
الطالب: أو هذا على سبيل المبالغة المطلقة مصدر.
الشيخ: أن يجعل المتقي نفس البر، طيب صح.
وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىاتقى من؟ اتقى الله عز وجل؛ لأن الاتقاء في مقام العبادة إنما يراد به: اتقوا الله عز وجل.
البر هو التقوى، هذا حقيقة البر، لا أن تتقي دخول البيت من بابه، ولكن البر أن تتقي الله عز وجل، ولهذا قال: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا، ائتوا البِيوت والبُيوت من أبوابها، أي من جهة الباب؛ فإن هذا هو الخير، وهذا من الحكمة في تعليم الله عز وجل أنه إذا نهى عن شيء وجه الناس إلى الطريق السليم لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا [البقرة: ١٠٤].
وهكذا تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام أمته إذا سد عليهم بابا لتحريمه فتح لهم باب الحل، قال للذي جاء إليه بتمر طيب وقال: إنا نأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، قال: «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ» يعني الجمع التمر الرديء المجمع «بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» يعني تمرا طيبا، فمنعه من المحرم وفتح له باب الحلال.
وهكذا ينبغي لكل من يعلم الناس إذا سد عليهم بابا وهم يحتاجون إلى التعامل به أن يفتح عليهم باب الإباحة.
وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَافإن هذا هو الموافق للعادة وللطبيعة وللعقل، قال بعض العلماء: وينبغي أن تكون هذه قاعدة حتى في الأمور المعنوية؛ أنك تأتيها من أبوابها، ما تتجشم الأمر تجشما، بل تأتي من بابه بالحكمة والموعظة الحسنة حتى تتم لك الأمور؛ فيكون فيها إشارة إلى أن الأمور المعنوية أيضًا تؤتى من أبوابها، ما تجشم الأشياء تجشما، يعني هذا قد لا تحصل المقصود.
فإذا أردت مثلًا أن تخاطب شخصا كبيرا، كبير المنزلة، فهل تأتي إليه على طول مثلا، تتكلم معه وتخاطبه بما تخاطب سائر الناس؟ الجواب: لا وإنما تأتي من الأبواب.
وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
اتَّقُوا اللَّهَأي: اجعلوا لكم وقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(لعل) للتعليل؛ أي: لأجل أن تنالوا الفلاح، والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب.
طالب: طيب مثلا الناس اللي يتعاملون (...).
الشيخ: يأخذ الحزام ويروح يحطّب ويجيء يبيع.
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ [البقرة: ١٩٠] قاتلوا: فعل أمر، والمقاتلة: مفاعلة من الجانبين، يعني اقتلوهم بمقاتلتهم، ولكن قال: فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أي في دينه وشرعه ولأجله، فسبيل الله سبحانه وتعالى يتناول الدين وأن يكون القتال في حدود الدين، وعلى الوجه المشروع، ولله وحده، ولهذا قدمه، قدم المقاتَل من أجله قبل المقاتَل؛ إشارة إلى أنه ينبغي الإخلاص في هذا القتال؛ لأنه ليس بالأمر الهين، الإنسان المقاتل يعرض رقبته لسيوف الأعداء، فإذا لم يكن مخلصا لله خسر الدنيا والآخرة، قُتل ولم تحصل له الشهادة، فنبه بتقديم المراد فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لأجل أن يكون مبنيا هذا القتال على الإخلاص.
وقوله: الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْقاتلوا الذين يقاتلونكم، اختلفت آراء الناس في هذا المفعول به الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْفإن قوله: الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْقد يقول قائل: مفهومه أن الذين لا يقاتلونكم لا تقاتلونهم، وعلى هذا فيكون مقاتلتنا للكفار قتال دفاع فقط، يعني الذين يقاتلونكم فقط.
ولهذا اختلف العلماء في هذا على أقوال ثلاثة:
أحدها: أن هذه الآية منسوخة، منسوخة بماذا؟ بقوله: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [التوبة: ٣٦] فتكون الآية غير محكمة، هذا واحد.
الثاني: أن هذا الوصف ليس للاحتراز، ولكنه للتهييج وبيان الواقع، لتهييجنا نحن على قتالهم وبيان واقعهم أنهم يقاتلوننا، وعلى هذا فلا يزيد الأمر بالقتال إلا قوة، يعني إذا قال لك إنسان: قاتل الذي يضربك رجّال، معناه كأنه يقول لك: اقتص لنفسك وكيف تصبر على أنه يضربك ولا تضربه مثلا، فيكون المراد بذلك التهييج وبيان الواقع لهؤلاء أنهم يقاتلوننا، فكيف لا نقاتلهم؟
الوجه الثالث أو القول الثالث: أنها قيد مخرِج لما عداه، فلا نقاتل إلا من يقاتلنا، أما من لا يقاتلنا واستسلم لأمرنا وبذل الجزية وخضع لأحكام الإسلام فإننا لا نقاتله، وهذا رأي كثير من المتأخرين، على أن الآية إنما أمر الله أن نقاتل من يقاتلنا، فأما من لا يقاتلنا واستسلم لحكمنا ورضي بأحكام الإسلام وبذل الجزية فإننا لا نقاتلهم.
واستدلوا لذلك بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا أمّر أميرا على جيش أو سرية أوصاه ومن معه من المسلمين خيرا وقال لهم: «اغْزُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، لَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا»، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ إِذَا نَزَلَ عَلَى حِصْنٍ فَلْيَدْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَلْيَدْعُهُمْ إِلَى الْهِجْرَةِ إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ أَبَوُا الْإِسْلَامَ فَإِنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ أَبَوْا فَلْيُقَاتِلْهُمْ ، فدل هذا على أن هؤلاء إذا بذلوا الجزية فإنهم لا يقاتلون، لأنهم خضعوا لأحكام الإسلام وكانوا تحت سيطرتنا.
واختار ابن كثير رحمه الله القول الوسط: أن المراد به التهييج وبيان الواقع.
الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: ١٩٠] لا تعتدوا في المقاتلة، والاعتداء في المقاتلة يشمل الاعتداء في حق الله والاعتداء في حق المقاتَلين.
أما الاعتداء في حق الله فمثل أن نقاتلهم في وقت لا يحل القتال فيه، لماذا؟ مثل أن نقاتلهم في الأشهر الحرم على القول بأن تحريم القتال فيها غير منسوخ.
وأما في حق المقاتلين فألا نمثل بهم، ما نمثل بهم؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تُمَثِّلُوا» ولا نقتل وليدا يعني طفلا، ولا نقتل امرأة، ولا نقتل شيخا فانيا، ولا نقتل راهبا في صومعته، ولا نقتل شيخا كبيرا ليس له رأي في القتال، هذا معنى الاعتداء، يعني لا تعتدوا بقتال من لا يقاتل أو يعين على القتال.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَالجملة هنا تعليل للحكم، أين الحكم؟ لَا تَعْتَدُوا، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَهذا التعليل، المعتدين في القتال ولَّا في القتال وغيره؟ المعتدين في القتال وغيره؛ لأنها عامة، (أل) هنا عامة، اسم موصول لأنها دخلت على مشتق، و(أل) الداخلة على المشتق يجعلونها اسما موصولا، ثم إن العلة غالبا تكون أعم من المعلول، أعم.
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ [البقرة: ١٩٠، ١٩١] اقتلوهمالضمير يعود على من؟ على الكفار الذين يقاتلوننا؛ لقوله: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ.
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْحيث: ظرف مبني على الضم، ظرف مكان ولّا زمان؟ ظرف مكان مبني على الضم في محل نصب، يعني اقتلوهم في أي مكان.
شوف الأول يقول: قَاتِلُواثم قال: وَاقْتُلُواأيهما أشد؟ القتل أشد، يعني متى وجدنا هذا المحارب الذي يقاتلنا حقيقة أو حكمًا فإننا نقتله في أي مكان، حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْلكنه يستثنى ما سيأتي إن شاء الله في الآيات، وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ [البقرة: ١٩١].
طالب: شيخ، الجزية ما الحكمة منها (...).
الشيخ: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْيعني في أي مكان، يستثنى منه ما هو؟ المسجد الحرام لَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ [البقرة: ١٩١].
وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ [البقرة: ١٩١] قال: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُولم يقل: أخرجوهم حيث أخرجوكم؛ لأن الإخراج يكون من شيء إلى شيء، أما القتال فيكون في شيء، القتال يكون في مكان، والإخراج يكون من المكان.
ولهذا قال: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْأي من المكان الذي أخرجوكم منه، فمثلا إذا قدر أن الكفار غلبوا على هذه البلاد وأخرجوا المسلمين منها، فإن المسلمين يجب عليهم أن يقاتلوهم، فإذا قاتلوهم يخرجونهم ولّا لا؟ نعم يخرجونهم من البلاد من حيث أخرجونا، فهم الذين اعتدوا علينا واحتلوا بلادنا، فنخرجهم من حيث أخرجونا.
واعلم أن أحق الناس ببلاد الله الصالحون وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَامن عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥].
وقد قال الله تعالى: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨].
فالأرض ما هي بأرض فلان ولا أرض الجنس الفلاني ولا الجنس الفلاني، الأرض أرض الله يورثها من يشاء من عباده، وقد بين أن الذي يرثها عباده الصالحون، هؤلاء هم الذين يرثونها شرعا وقدرا أيضًا، وقدرا فإن الله تعالى يجعل العاقبة للمتقين.
إذن أَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْنقول: أخرجوهم من البلاد التي أخرجوكم منهما؛ لأن الحق لكم، أنتم الذين ظُلِمتم وأُخرِجتم من دياركم، فأخرجوا هؤلاء الكفار منها.
وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة: ١٩١] الفتنة ما هي؟ الفتنة صد الناس عن دينهم، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠]، ففتنة الناس أشد من قتلهم؛ لأن قتلهم غاية ما فيه أن نقطعهم من ملذات الدنيا، لكن الفتنة نقطعهم من الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ [الحج: ١١].
وفي هذا دليل -وإن كان ينبغي أن يجعل في الفوائد- على أن استعمار الأفكار أشد من استعمار الديار، وأن الكفار إذا تسلطوا على المسلمين بصدهم عن دينهم فهو أعظم من احتلال ديارهم، الفتنة أشد من القتل.
قريش هل فتنوا المؤمنين؟ نعم، فتنوهم أيّ فتنة، فتنوهم، عذبوهم، قتلوهم، صاروا يعذبونهم بالرمضاء في شدة الحر، أذية ما فوقها أذية، هذا أشد من القتل، يعني لو فرض أن المسلمين قتلوا أحدا من المشركين فإن فتنة المشركين للمسلمين أعظم وأشد.
طالب: شيخ، صار المسلمين دول، ففيه دولة أخرجت من ديارها، هل يجب على المسلمين كلهم أن..
الشيخ: نعم يجب عليهم مع القدرة أن يعينوا هؤلاء حتى يطردوا أعداءهم عن بلادهم.
الطالب: طيب بعض الدول بينها وبين الكفار هادول اللي أخرجوا المسلمين معاهدة يجب عليهم ولّا ما يجب؟
الشيخ: لا، يبينوا لهم، لكنهم إذا نقضوا، عند أهل العلم إذا نقضوا العهد في طائفة من المؤمنين انتقض العهد، حتى لو بيننا وبينهم عهد، الرسول عليه الصلاة والسلام جعل نقض قريش العهد بمعاونتهم حلفاءهم نقضا لعهده، مع أنهم ما فعلوا إلا أنهم ساعدوا حلفاءهم على حلفاء النبي عليه الصلاة والسلام، على حلفاء الرسول وهم إلى الآن ما بعد أسلموا، فجعل الرسول عليه الصلاة والسلام هذا نقضا للعهد، فإذا اعتدوا على أحد من المسلمين فقد نقضوا العهد، فسيأتي إن شاء الله هذا في..
يقول: وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ [البقرة: ١٩١] لا تقاتلوهم عند المسجد الحرام يعني في مكة؛ لأن المسجد الحرام هو المسجد نفسه وما عنده فهو البلد، يعني لا تقاتلوهم في مكة حتى يقاتلوكم فيه.
و(في) هنا الظاهر أنها للظرفية، ويحتمل أن تكون للسببية، أي: حتى يقاتلوكم بسببه.
فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة: ١٩١] إن قاتلوكم حتى عند المسجد الحرام؟ حتى عند المسجد الحرام، إذا قاتلونا حتى عند المسجد الحرام فإننا نقاتلهم.
هذه الآية هي منسوخة ولّا لا؟ لا، هذه الآية غير منسوخة.
فإن قال قائل: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد قال: «إِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ» ، فهذا دليل على أن الآية هذه منسوخة.
فالجواب على ذلك أن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما يريد بذلك قتال أهل مكة والدخول عليهم، عنوة هذا لا يجوز، أما إذا قاتلونا فإننا نقاتلهم من باب المدافعة، ولا أحد يقول: إنه إذا قاتلك المشرك في مكة فاستسلم، أبدا ما أحد يقول بهذا.
فنحن لا نبدؤهم بالقتال، حتى على الفرض الممتنع؛ لو أن أهل مكة ارتدوا فإننا لا نقاتلهم، وإنما قلت: على الفرض الممتنع؛ لأن أهل مكة لا يمكن أن يرتدوا، ويش الدليل؟
الدليل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» ، فإن نفي الهجرة من مكة بعد الفتح دليل على أنها ستبقى بلاد إسلام، وإلا لأمكن أن يرتد أهلها ويكون منها الهجرة.
الحاصل نقول: إننا لا يجوز أن نبدأ أهل الحرم بقتال أبدا، لكن إن قاتلونا في الحرم فإننا نقاتل مدافعة حتى تهدأ الفتنة.
ولهذا قال: فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [البقرة: ١٩١] كذلك: المشار إليه ما سبق من الأحكام في الأمر بالقتال، أي مثل هذا الجزاء، وهو أمرنا لكم بقتال الكفار المقاتلين لكم نجزي الكافرين، وعلى هذا فيكون القتال عاما لكل كافر، فإن الواجب على المسلمين أن يقاتلوا الكفار -كما سيأتي إن شاء الله في الآية التي بعدها- وجوبا.
والجهاد في سبيل الله فرض كفاية في الأصل، وقد يكون فرض عين، وذكروا أنه يكون فرض عين في مواضع:
الموضع الأول: إذا حضره، فإنه يكون فرض عين، ما يجوز أن ينصرف؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال: ١٥، ١٦].
الموضع الثاني: إذا حصر بلده العدو، إذا حصره فإنه يتعين القتال، من أجل فك الحصار عن البلد، ولأنه يشبه من حضر صف القتال.
الموضع الثالث: إذا احتيج إليه، إذا كان هذا الرجل يحتاج الناس إليه؛ إما لرأيه أو لقوته أو لأي عمل يكون، فإذا كان محتاجا إليه فإنه يتعين عليه.
والموضع الرابع: إذا استنفره الإمام، إذا استنفر الإمام الناس وجب عليهم أن يخرجوا ولا يتخلف أحد،
وإلا فهو فرض كفاية.
واعلم أن الفرض، سواء قلنا: فرض عين، أو فرض كفاية، لا يكون فرضا إلا إذا كان هناك قدرة، أما مع عدم القدرة فلا فرض؛ لعموم الأدلة الدالة على أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة: ٩١]، فإذا كنا لا نستطيع أن نقاتل هؤلاء لم يجب علينا، وإلا لأثمنا جميع الناس مع عدم القدرة، ولكنه مع ذلك يجب أن يكون عندنا العزم على أننا إذا قدرنا فسنقاتل.
ولهذا قيدها الله عز وجل: وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ [التوبة: ٩١] ليس على هؤلاء الثلاثة حرج، بشرط، ما هو؟ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فأما مع عدم النصح لله ورسوله فعليهم الحرج حتى وإن وجدت الأعذار في حقه.
فالحاصل أننا نقول: إن القتال فرض كفاية ويتعين في مواضع، وهذا الفرض كغيره من المفروضات من شرطه القدرة، أما مع العجز فلا يجب، لكن يجب أن يكون العزم معقودا على أنه إذا حصل القوة جاهدنا في سبيل الله، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ» ، والعياذ بالله.
فيها قراءات هنا، اللي عندنا وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْالجمل أربع: ولا تقاتلوهم، حتى يقاتلوكم، فإن قاتلوكم، فاقتلوهم، هذه أربع جمل كلها بصيغة المفاعلة إلا واحدة، كلها بصيغة المفاعلة (قاتل) إلا واحدة وهي الأخيرة فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْشوف هذه القراءات اللي عندي، يقول: {وَلَا تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ} كل الأربعة (قتل) بدون صيغة مفاعلة، {وَلَا تَقْتُلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَتَلُوكُمْ فَاقتْلُوهُمْ} وعلى هذا فتكون الأربعة كلها بغير صيغة المفاعلة، ولكن القراءة هذه أبلغ، حيث إن الله عز وجل نهى عن المقاتلة إلا بمقاتلة، وإذا حصلت المقاتلة لا تقتصروا على المقاتلة، ماذا تفعلون؟ تقتلون، إذا قاتلوا فاقتلوا، وهذا أبلغ وأقوم، وإن كان كله حقا؛ لأن القراءات كلها قرأ بها النبي عليه الصلاة والسلام، وقد يكون
بعضها يدل على معنى لا يدل عليه الآخر، ويصير (لا تقاتلوهم): لا تقتلوهم حتى يقتلوكم، وقطعا ما هو معناه أنه لا تقتلوهم حتى يقتلوكم كلكم، إذا قتلوكم كلكم ما فيه شيء، لكن حتى يقتلوكم ولو واحدا منكم؛ لأن قتل واحد منا كقتل الجميع، ولهذا ذكر أهل العلم أن أهل الذمة إذا نقضوا العهد في واحد من المسلمين انتقض العهد، قالوا: إذا اعتدى على مسلم بقتل أو زنا أو ما أشبه ذلك فإنه ينتقض عهده، مع أنه ما نقض العهد بالنسبة للعموم لكن الواحد منا يعتبر ممثلا للجميع كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «ذِمَّةُ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ، يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ» .
فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٩٢] إن انتهوا، ويش عنه؟ عن المقاتلة، إن انتهوا عن المقاتلة فإن الله غفور رحيم، يعني فاغفروا لهم ولا تقاتلوهم.
وهل يدل هذا على أنهم إذا انتهوا عن المقاتلة غفر لهم بدون إسلام؟ لا، لكن إِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌيعني فاغفروا لهم؛ كقوله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤]، يعني ولا تقطعوا أيديهم وأرجلهم من خلاف ما داموا تابوا، فهؤلاء أيضًا إن انتهوا ولم يقاتلوكم فلا تقاتلوهم.
طالب: يمكن لها معنى يا شيخ غَفُورٌ رَحِيمٌيعني ما يجب عليكم القتال إذا انتهوا غفور لكم.
الشيخ: يحتمل هذا أيضًا فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌوالله فيه احتمال لكنها فيها شيء من البعد إنما المعنى الظاهر هو هذا، وبعض المفسرين قال: فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌلهم، وجعل الانتهاء عاما للانتهاء عن القتال وعن الكفر، كقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨] فجعل قوله: إِنِ انْتَهَوْايعني عن قتالكم وعن الكفر فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
طالب: حتى وإن أصابوا جمع كثير من المسلمين؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني يمكن يبدؤوا القتال ويقتلوا كثير ثم يقولوا: خلاص انتهينا، نكف؟
الشيخ: نكف، لكننا ندعوهم إلى الإسلام، فإن التزموا بأحكام الإسلام وإلا قتلناهم حتى نبيدهم.
طالب: جواب الشرط..
الشيخ: لا هو الجملة فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(...).
طالب: هي خبر مقدم على كل حال.
الشيخ: هي خبر مقدم على كل حال.
طالب: تصير تعليلية؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
الشيخ: إذا كان الكلام في الإعراب فهي جواب الشرط على كل حال.
الطالب: فإذا جعلناها تعليلية؟
الشيخ: ما نحتاج إلى تعليل، نقول: إِنِ انْتَهَوْافقد وصف الله نفسه بأنه ذو مغفرة ورحمة يعني فالمعنى اغفروا لهم وارحموهم، لا تعرضوا لهم.
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة: ١٩٣] هذه آية فاصلة، قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌيعني يجب أن نقاتل الكفار حتى لا تكون فتنة، أي صد عن سبيل الله، بحيث لا يعتدون على أحد ويفتنونه عن دينه، سواء كان جميعا أو بعضا، فلو فرض أنّا قاتلناهم واستسلموا وتركوا القتال، لكن بدؤوا يدسون على المسلمين كتبا، كتب إلحاد وكتب ضلال، فهل نكف عن قتالهم؟ لا؛ لأن الله يقول: حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، فلا بد أن نقاتلهم إلى أن يستسلموا ويدفعوا شرهم نهائيا، فإن بقي من شرهم شيء وجب علينا أن نقاتلهم.
ولهذا قال: وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِفإذا قاتلناهم وكان حكم الإسلام هو الظاهر، فقد كان الدين لله، وحينئذ نكف عنهم، وإلا فالواجب قتالهم، وهذه مع الأسف هذه المسائل مع أنها في أول سورة من القرآن وفي سورة مدنية نزلت متأخرة أكثرنا في غفلة عنها، يعني كأن القتال الآن أصبح شيئا يُذكر وليس بشيء يجب أن يكون، كأنها نظريات أو قراءة حوادث وأخبار ماضية، كأننا لا نطالب بها الآن، ولذلك ركنا إلى الدنيا، وصار أهم شيء علينا أن تبقى لنا هذه الرفاهية، وهذا الأشر والبطر عند بعض الناس، ولم نعبأ بما خلقنا من أجله أو بما يجب علينا نحو دين الله عز وجل.
الدين الآن يفتت في كل مكان بوسائل وطرق، لا يأتون إلى البلد المستقيم كبلادنا -والحمد لله- فيقولون: اسجدوا للأصنام، اذهبوا إلى القبور، الجؤوا إلى أصحاب القبور، ما يقولون هكذا؛ لأنهم يعلمون لو قالوا هكذا لرجمهم الصبيان بالحجارة، لكنهم يدسون أشياء يفسدون بها الأخلاق، وإذا فسدت الأخلاق لم يكن لنا في الآخرة من خلاق.
والوسائل التي تهدم الأخلاق كثيرة ومعلومة للكثير منكم، لهذا صارت فتنتهم أشد من القتل، وصرنا نطمئن إلى هذه الأمور، وبردت الجلود، وتقاصرت الهمم، حتى أصبح منا الآن من المسلمين من يقول: المسيحيون إخوة لنا، الله يقول: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦] لهم دينهم ولنا ديننا، والجامع بيننا الإنسانية، الجامع الإنسانية! ودين الإسلام دين السعة ودين الرحمة ودين السماح!
وما أشبه ذلك من هذه الأمور التي يشبِّهون بها، ما علموا أن الإنسان اللي يعتقد أن دين النصارى قائم الآن فهو كافر؛ لأن الله يقول: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥]، ويقول: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: ١٩] وهذه الجملة حصر لتعريف ركنيها: المبتدأ والخبر كلاهما معرفة، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُمعناه: ما فيه دين سواه، حتى لو تدينوا ودخلوا الصوامع والبيع والأديرة، فإن ذلك لا ينفع ولا يجوز لنا أن نعتقده دينا؛ لأنه ليس بدين، هم وإن دانوا به لكن ليس عند الله دين. (...)
***
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّإلى آخره [البقرة: ١٨٩].
في هذه الآية الكريمة حرص الصحابة رضي الله عنهم على العلم، وأنهم يسألون عن أمور الدين وأمور الدنيا؛ لأن هذا مما يتعلق بالدنيا.
وفيه أيضًا بيان، وفيه بيان علم الله وسمعه ورحمته، من أين يؤخذ؟
من قوله: يَسْأَلُونَكَ، علم الله بسؤالهم وسمعه ورحمهم بالإجابة.
وفي هذه الآية من الفوائد: عناية الله سبحانه وتعالى برسوله صلى الله عليه وسلم، حيث يجيب عن الأسئلة الموجهة إليه، وهذا من معونته، من معونة الله للرسول عليه الصلاة والسلام وعنايته به، أو لا؟
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكمة من الأهلة أنها مواقيت للناس في شئون دينهم ودنياهم؛ لقوله: قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ.
ومن فوائدها، أي من فوائد الآية الكريمة: أن ميقات الأمم كلها، الميقات الذي وضعه الله لها ما هو؟ الأهلة، فهو الميقات العالمي، مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِعامة.
ومن فوائد الآية الكريمة أن الحج مقيد بالأشهر؛ لقوله: وَالْحَجِّ.
في هذه الآية الكريمة حرص الصحابة رضي الله عنهم على العلم، وأنهم يسألون عن أمور الدين وأمور الدنيا؛ لأن هذا مما يتعلق بالدنيا.
وفيه أيضًا بيان، وفيه بيان علم الله وسمعه ورحمته، من أين يؤخذ؟
من قوله: يَسْأَلُونَكَ، علم الله بسؤالهم وسمعه ورحمهم بالإجابة.
وفي هذه الآية من الفوائد: عناية الله سبحانه وتعالى برسوله صلى الله عليه وسلم، حيث يجيب عن الأسئلة الموجهة إليه، وهذا من معونته، من معونة الله للرسول عليه الصلاة والسلام وعنايته به، أو لا؟
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكمة من الأهلة أنها مواقيت للناس في شئون دينهم ودنياهم؛ لقوله: قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ.
ومن فوائدها، أي من فوائد الآية الكريمة: أن ميقات الأمم كلها، الميقات الذي وضعه الله لها ما هو؟ الأهلة، فهو الميقات العالمي، مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِعامة.
ومن فوائد الآية الكريمة أن الحج مقيد بالأشهر؛ لقوله: وَالْحَجِّ.





