تفسير الآيات (196-202)
بالتزام ما شرعه الله، والحذر من معصيته؛ لقوله تعالى: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى.
ومن فوائدها: أن العقائد لا تجعل غير المشروع مشروعًا، من قوله: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا؛ مع أنهم يعتقدونه بِرًّا، ولكنه قال: لَيْسَ الْبِرُّ، فمن اعتقد شيئًا غير مشروع من اعتقده بِرًّا قلنا له: إنه ليس ببر، لو اعتقده وتقرب به إلى الله فإننا نحذره من ذلك.
طالب: شيخ (...) هذا الإيمان (...) هل هذا صحيح.
الشيخ: لا؛ لأنه ما تسلطه بِرًّا ما تضرر بتسلطه، أنا مرة من المرات لو وصلنا بالحديث كان واحد يسألني يقول: بالنبي إنك تعلمه كذا وكذا بالنبي، فنهيته قلت: يا أخي، هذا ما يجوز الحلف بالنبي، احلف بالله ولّا لا تحلف، ولما إنه يعني أعاد السؤال قال: بالنبي ما عمري أحلف بالنبي، والظاهر أن هذه قضيته.
قلنا: إن العقائد لا تجعل غير المشروع مشروعًا؛ لأن هؤلاء يعتقدون أن البر أن يأتوا البيوت من ظهورها، ولكن الله تعالى أبطل هذه العقيدة، وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يأتي الأمور من أبوابها؛ لقوله: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا، فإن هذه الآية كما تتناول البيوت الحسية كذلك أيضًا تتناول الأمور المعنوية.
ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله؛ لقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ.
ومن فوائد الآية: أن التقوى تسمى بِرًّا، وقد سبق أنها إذا ذُكِرت مفردة شملت البر، وإذا ذُكر البر مفردًا شمل التقوى، وإذا قُرِنَا جميعًا كقوله: تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢] صار البر: فعل الخير أو فعل المأمورات، والتقوى: ترك المنهيات.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى سبب للفلاح؛ لقوله: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، والتقوى لها أكثر من مئة فائدة، وقد كتبها بعض الطلبة فيما سبق، طلبنا من الطلبة أنهم يكتبون فوائد التقوى المذكورة في القرآن فقط، فكتبوا حوالي مئة فائدة كلها مذكورة في القرآن، ومن كان بإمكانه أن يفعل يتفرغ نصف ساعة خصوصًا لحافظ القرآن عن ظهر القلب ويأتي بالفوائد هذا طيب وتكون له حسنة.
ثم قال تعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: ١٩٠]، في هذه الآية وجوب القتال؛ لقوله: وَقَاتِلُوا، ووجوب أن يكون في سبيل الله، أي: في شرعه ودينه؛ لقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ووجوب الإخلاص فيه؛ لقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
ومن فوائدها: أنه ينبغي للمتكلم أن يذكر للمخاطَب ما يهيجه على الامتثال.
الطلبة: الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ.
الشيخ: لقوله: الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ، هذا إذا قلنا: إنها قيد للتهييج والإغراء، فإن قلنا: إنها قيد معنوي يراد به إخراج من لا يقاتلوننا اختلف الحكم.
ومن فوائد الآية: تحريم الاعتداء حتى مع الكفار؛ لقوله: وَلَا تَعْتَدُواومع المسلمين من باب أولى، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا» ؛ لأن كل هذا من العدوان.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات محبة الله، أن الله يحب، من أين؟
طالب: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
الشيخ: بس، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ؟ هذا نفي، ونحن نقول: في الآية إثبات محبة الله، أي أن الله يحب، وهذه نفي، أيش تقول؟
طالب: أن يكون غير المعتدين..
طالب آخر: لأنه لا يمكن أن لا يحب إلا الذي من شأنه أن يحب.
الشيخ: نعم، لو كان لا يحب أبدًا ما صح أن ينفى محبته عن المعتدين فقط، فهو ما انتفت محبته عن هؤلاء إلا وهي ثابتة في حق غيرهم.
ومن فوائد الآية: حسن تعليم الله عز وجل حيث يقرن الحُكم بالحكمة، الدليل؟
طالب: لَا تَعْتَدُوا.
الشيخ: لَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وقد سبق لنا أن فوائد (...) الحكمة، واحد، اثنين، ثلاثة. في عموم العلة، عموم الحكم بعموم العلة إذن تكون أربعة.
طالب: هو ذكرها.
طالب آخر: هذا القياس.
الشيخ: إي، لكن ما بيّنها، إن كان القياس هو أرادها لكن ما عبّر عنها، واضح؟ عموم الحكم بعموم علته، فمثلًا: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا [الأعراف: ٣٣]، وقُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام: ١٤٥]، إِنَّهُ رِجْسٌهذه العلة، يؤخذ منها أن كل رجس فهو حرام، ولَّا لا؟ إذن صارت الفوائد أربعة، الحمد لله، الفوائد أربع.
طالب: الاستنباط أو إن كان قياس..
الشيخ: نعيدها الآن ما خدناه نعيدها، أولًا: بيان سمو الشريعة، وثانيًا: زيادة طمأنينة العبد، وثالثًا: العموم بعموم العلة، لكن فيه رابع الآن، ذكرتم..
طالب: عموم الحكم بعموم العلة.
الشيخ: هذا هو، هذا اللي إحنا ذكرناه أخيرًا و..
طلبة: (...).
الشيخ: إي، لكنها إذا صارت مستنبطة يكون القياس جليًّا (...) عموم الحكم بعموم العلة، كيف عديتها أربع سبحان الله؟!
طلبة: (...).
الشيخ: أنا ما فهمت الآن أنها واحد.
طالب: نعيدها يا شيخ.
الشيخ: هات نعدها، بيان سمو شريعة، هذه واحدة، متفق عليه؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: زيادة طمأنينة المكلَّف، هذا اثنين، وكل واحدة غير التاني واضح؟
طالب: نعم.
الشيخ: والثالث؟
الطلبة: عموم الحكم بعموم العلة.
الشيخ: عموم الحكم بعموم العلة، ويش بعد؟
الطلبة: وإن كان قياس.
الشيخ: وإن كان قياس لا ما حسبناها، إذن صاروا ثلاثة.
طيب، ثم قال الله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِإلى آخره، في هذا تقوية الحث على قتال هؤلاء، يعني: اقتلوهم في أي مكان وجدتموهم، اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، والضمير في قوله: اقْتُلُوهُمْيعود على الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْفيجري فيه ما سبق.
فمن فوائد الآية الكريمة: وجوب قتال الكفار أينما وُجِدوا؛ لقوله: حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، ووجوب قتالهم أينما وُجِدوا يستلزم وجوب قتالهم في أي زمان وُجِدوا؛ لأن عموم المكان يستلزم عموم الزمان.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن نُخرج هؤلاء الكفار كما أخرجونا، المعاملة بالمثل؛ لقوله: وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ، ولهذا قال العلماء: إذا مثّلوا بنا مثّلنا بهم، وإذا قطعوا نخيلنا قطعنا نخيلهم مثلًا بمثل سواء بسواء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الفتنة بالكفر والصد عن سبيل الله أعظم من القتل، فيتفرع على هذه الفائدة: أن استعمار الأفكار أعظم من استعمار الديار؛ أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لأن استعمار الأفكار فتنة، واستعمار الديار أكثر ما فيها إما القتل أو سلب الخيرات والاقتصاد وما أشبه ذلك، فالفتنة أشد؛ لأنها هي القتل الحقيقي الذي به خسارة الدين والدنيا والآخرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيم حرمة المسجد الحرام؛ لقوله: وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
ومن فوائدها أيضًا: جواز القتال عند المسجد الحرام إذا بدأنا بذلك أهلُه؛ لقوله: حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ، فإن قلت: ألا يعارض هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ» ؟ إن قلتم هذا يعارض الحديث؟
الطلبة: لا ما يعارضه.
الشيخ: ما يعارضه، ما الفرق أو ما الجمع؟ الجمع أن ابتداء القتال لندخل مكة هذا حرام، محرّم ولا يجوز مهما كان الأمر، وأما إذا قاتلونا في مكة فإننا نقاتلهم من باب؟
الطلبة: المدافعة.
الشيخ: من باب المدافعة، ولهذا نقاتلهم بقدر ما نكسر شوكتهم فقط.
ومن فوائد الآية الكريمة: قوة قتال الأعداء؛ لأنه قال: {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ}، يعني إن قاتلوكم في المسجد الحرام فاقتلوهم، أما على قراءة: {فَإِنْ قَتَلُوكُمْ}، فالمعنى: فإن قتلوا بعضكم؛ لأنهم إذا قتلونا كيف نقتلهم؟! فالمعنى: قتلوا بعضنا فلنقتلهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العدل لله عز وجل؛ لقوله: كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ، حيث قاتلوا فأُذِن لنا بقتالهم، والجزاء من جنس العمل.
طالب: يا شيخ، حيث قتلتموهم ما يؤخذ منها جواز قتالهم في أي مكان..
الشيخ: إي نعم، إلا في مكة، إلا في مكة مستثنى؛ لأنه قال: في المسجد الحرام، قال: فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، مع أنه فيما يظهر أنه لا يمكن أن يرتد أهل مكة؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» ، وهذا خبر صادق، لكن قد يقاتلون ولو كانوا غير كفار، فإذا قاتلونا فيه قاتلناهم.
كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: تمام عدل الله سبحانه وتعالى، حيث جعل أحكامه وعقوبته مبنية على عدوان من يستحق هذه العقوبة، وجهه؟ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يعني: فلا تقاتلوهم قد غفر لهم، أو: فاغفروا لهم وارحموهم، فالمعنى أنه إذا انتهى هؤلاء عن قتالهم فإن مغفرة الله ورحمته تسعهم.
ثم قال تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ.
(...) هذا أمر مُغَيًّا بغاية، غاية عدمية ولّا إيجابية؟ عدمية، حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، يعني: حتى لا توجد فتنة، والفتنة هي الشرك والصد عن سبيل الله، الغاية الثانية إيجابية وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، بمعنى أن يكون الدين غالبًا ظاهرًا ما يعلو إلا الإسلام فقط، وما دونه فهو دين معلوٌّ عليه يؤخذ على أصحابه الجزية عن يد وهم صاغرون، هذا إذن القتال واجب إلى هاتين الغايتين: أن لا تكون فتنة، والثاني: أن يكون الدين لله.
(...) مبتدأ و(الحرام) صفته، و(بالشهر) جار ومجرور خبره.
وقوله: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌمبتدأ وخبر، ومعنى قوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ، يعنى معناه أن الشهر الحرام يكون بدلًا عن الشهر الحرام.
قال: فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَإِنِ انْتَهَوْايعني: عن قتالكم ورجعوا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، يعني فإنه قد انتفى عنهم الظلم، وحينئذ لا يكون عليهم عدوان.
وقوله هنا: فَلَا عُدْوَانَقيل: إن معناه: فلا سبيل، كما في قوله تعالى: فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص: ٢٨]، هذا في قصة موسى، ومعنى فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّيعني: لا سبيل عليّ، وقيل: لا عدوان عليّ؛ لأنه قال: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ، فمعنى لَا عُدْوَانَأي: لا مقاتلة لهم، وهو من باب مقابلة الشيء بمثله لفظًا؛ لأنه سببه.
فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْليس معناه أن فعلكم هذا عدوان، لكن لما صار سببه العدوان صح أن يُعَبَّر عنه بلفظه.
وقوله: فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَأين خبر (لا)؟ يجوز أن يكون خبرها الجار والمجرور في قوله: عَلَى الظَّالِمِينَ، ويجوز أن يكون خبرها محذوف، والتقدير: فلا عدوان حاصل أو كائن إلا على الظالمين.
ثم قال تعالى: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِوسبق الكلام عليها.
وهذه الجملة الأولى لها معنيان؛ المعنى الأول: أنهم إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم ولا تستعظموا ذلك؛ فإن مقاتلتكم إياهم في الشهر الحرام كمقاتلتهم إياكم في الشهر الحرام، فيكون هذا في مقابلة هذا.
وقيل: معنى الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِأنه لما صدوكم في الحديبية عن أداء العمرة في الشهر الحرام فإنكم ستقضونها في الشهر الحرام من العام القادم، فتكون عمرتكم في شهر حرام بدلًا عن الشهر الحرام، فيكون الشهر الحرام الأول السنة السادسة من الهجرة، والثاني السنة السابعة من الهجرة، يعني: فلا يغمكم ذلك ولا يحزنكم؛ فإنه إذا فاتكم أو إذا فاتتكم العمرة في هذا الشهر فإنها لن تفوتكم في الشهر الثاني، هذان معنيان؛ المعنى الأول أن الشهر الحرام يعني إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم ولا تستعظموا ذلك؛ فإن قتالكم إياهم في شهر حرام مقابل لقتالهم إياكم في شهر حرام، وهذا من تمام العدل أن تعامل غيرك بمثل ما عاملك به، الوجه الثاني: الشهر الحرام الذي تقضون فيه العمرة من السنة السابعة بالشهر الحرام الذي فاتتكم فيه العمرة من السنة السادسة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام خرج إلى العمرة في السنة السادسة من الهجرة، ولكن كفار قريش لعنادهم وعصبيتهم والجاهلية منعوه أن يدخل مكة، وقاضاهم على أن يرجع من العام القادم وأن يعتمر، وأن يبقى فيها ثلاثة أيام كما هو معروف.
وقوله: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌالحرمات جمع (حُرُم)، والمراد بالحرم كل ما يُحترم؛ لأن (حُرُم) جمع (حَرَام)، و(حُرُمات) جمع (حُرُم)، فالمعنى أن المحترَم يُقتص منه بمحترم آخر، وما معنى ذلك؟ معنى ذلك أن من انتهك حرمة شيء فإنه تُنتهك حرمته، فمن انتهك حرمة الشهر انتهكت حرمته في هذا الشهر، ومن انتهك عرض مؤمن انتهكت عرضه بمثله، ومن انتهك نفس مؤمن فقتله انتهكت حرمة نفسه بقتله، وهكذا.
الْحُرُمَاتُ قِصَاصٌالحرمات جمع (حُرُم)، والحُرُم جمع (حَرَام)، والمعنى أن كل شيء محترم يكون بدلًا عن الشيء المحترم الآخر، وكل هذا التأكيد من الله عز وجل في هذه الآيات من أجل تسلية المؤمنين؛ لأن المؤمنين لا شك أنهم يحترمون الأشهر الحرم والقتال فيها، ولكن الله تعالى سلّاهم بذلك بأن الحرمات قصاص، فكما أنهم انتهكوا ما يجب احترامه بالنسبة لكم فإن لكم أن تنتهكوا ما يجب احترامه بالنسبة إليهم.
ولهذا قال مفرِّعًا على ذلك: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، أي: تجاوز الحد في معاملتكم، سواء كان ذلك بأخذ المال أو بقتل النفس أو بالعرض أو بما دون ذلك أو أكثر، فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، قوله هنا:فَاعْتَدُوا عَلَيْهِليس أخذُنا بالقصاص اعتداء، لكنه سُمِّي اعتداء؛ لأنه مُسَبَّب عن الاعتداء، مسبب عنه، فكأنه يقول: أنتم إذا اعتدى عليكم أحد فخذوا حقكم منه، وسمى ذلك عدوانًا؛ لأن سببه؟
الطلبة: العدوان.
الشيخ: العدوان؛ لأن سببه العدوان، ثم إن فيه نكتة أخرى وهي أنه من المعروف أن العادي يرى نفسه في مقام أعز من المعتدَى عليه وأرفع من المعتدى عليه، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ولو كان يرى نفسه في مقام دون ما اعتدى، فكأنه يقول: إن قصاصكم أيضًا يعتبر مقام عز لكم كما أنه هو طغى واعتدى فأنتم الآن يعتبر قصاصكم بمنزلة المرتبة العليا بالنسبة إليهم، فيكون في ذلك سببان لكونه عبّر عن القصاص بالاعتداء، السبب الأول؟
طالب: عبر عن القصاص..
الشيخ: لسببين، السبب الأول؟
طالب: أنه عبر عن القصاص بالاعتداء.
الشيخ: هذا هذا التعبير عن القصاص بالاعتداء له سببان؟
طالب: أن سبب هذا هو الاعتداء.
الشيخ: نعم، عبّر عن القصاص بالاعتداء؛ لأن سببه الاعتداء، هذا واحد، الوجه الثاني؟
طالب: أنه قد يُفهم من الاعتداء أن المعتدي قد يكون أعز من المعتدى عليه، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: في مقاصتكم لهم فإنكم أعز منهم.
الشيخ: لا تعتبروا أنفسكم في مقام ذل، بل أنتم في مقام مثل ما جعلوا أنفسهم هم في هذا المقام، واضح؟
وقوله: بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْبِمِثْلِ، ادعى بعضهم أن الباء هنا زائدة وقال: إن التقدير: فاعتدوا عليه مثل ما اعتدى عليكم، على أن تكون مِثْلِهنا مفعولًا مطلقًا، أي: عدوانًا أو اعتداء مثل اعتدائهم، ولكن الصواب أنها ليست زائدة وأنها أصلية، وأن المعنى: اعتدوا عليه بمثله، أن الباء للبدل، يعني: مثل ما تقول: اشتريت الشيء بدرهم، بحيث يكون المثل مطابقًا لما اعتُدِي عليكم به في هيئته وفي كيفيته وفي زمنه وفي مكانه، فإذا اعتدى عليكم أحد بقتال في الحرم؟
الطلبة: فاعتدوا عليه.
الشيخ: فاقتلوه، إذا اعتدى أحد عليكم بقتال في الأشهر الحرم فقاتلوه، فيكون الباء هنا دالة على المقابلة والعوض كما هي في قولك: اشتريت الثوب بدرهم، فيكون المعنى أن هذا الاعتداء يكون مقابلًا تمامًا لما اعتدي به عليكم زمنًا ومكانًا، ويش بعد؟
الطلبة: كيفية.
الشيخ: وكيفية، زمنًا ومكانًا وكيفية، بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ، اتقوا الله أي: اتخذوا وقاية من عذابه، بماذا؟ بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وفي هذا المقام اتقوا الله فلا تتعدوا ما يجب لكم من القصاص؛ لأن الإنسان كما تعرفون إذا ظُلِم فإنه قد يكون عند الاقتصاص يتجاوز ويتعدى، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: فلذلك قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ، فلا تتجاوزوا ما يجب لكم من القصاص.
قال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَاعلموا، شوف أمرنا أن نعلم، وهذا أوكد من مجرد الخبر، هذا أوكد من مجرد الخبر، يعني لو قال: واتقوا الله إن الله مع المتقين، هذا خبر لا شك ومؤكد، لكن إذا قال: اعلموا، أبلغ، يعني: يجب أن تعلموا أن الله مع المتقين، فيكون هذا أبلغ من مجرد الخبر.
وقوله تعالى: مَعَ الْمُتَّقِينَأي: المتخذين وقاية من عذاب الله، وكثيرًا ما يذكر الله تعالى أنه مع المتقين، مع الصابرين، مع المؤمنين، وما أشبه ذلك، كما أنه ذكر أنه مع الخلق مطلقًا كما في قوله تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة: ٧].
وهذا يشمل المتقي وغير المتقي، كل نجوى ثلاثة يكون الله رابعهم، أدنى من ذلك، أكثر، يكون الله تعالى معهم أينما كانوا، بل أشد من ذلك أن الله تعالى قد يذكر معيته مع المنافقين، كما في قوله تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء: ١٠٨]. فهنا ذُكِرت المعية على ثلاثة أوجه: ذكرت باعتبار وصف محمود، مثل: مع المتقين، مع الصابرين، وما أشبه ذلك، وذكرت باعتبار وصف مذموم، مثل: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ، وذكرت مجردة عن هذا وهذا، مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْإلى قوله: وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ، وكما في قوله أيضًا في سورة الحديد التي تلتها سورة (قد سمع) قال فيها: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد: ٤]، فلا بد لنا هنا من عدة أمور؛ الأمر الأول: هل ما ذكر من معية الله تعالى في هذه الأمور الثلاثة هل ينافي علو الله أو لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: الجواب: لا ينافيه، لا شك أنه لا ينافيه، لماذا لا ينافي علو الله، كيف نقول: إن الله مع هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء، ونقول: إنه لا ينافي علوه؟
الجواب على هذا من ثلاثة أوجه؛ الوجه الأول: أن الله تعالى جمع بينهما في كتابه، وما جمع الله بينهما في كتابه فليس بينهما تناقض، الدليل: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، كل شيء تراه في القرآن فإنه ما يمكن يتناقض؛ إذ لو جاز التناقض في خبر الله عز وجل لكان معناه أن أحد الخبرين؟
طالب: كذب.
الشيخ: كذب، وهذا مستحيل في أخبار الله عز وجل، إذن لا تناقض؛ لأن الله جمع بينهما في القرآن، ثانيًا الوجه الثاني: لا تناقض بين معنى العلو ومعنى المعية، فإن العرب يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، ويقولون: نسير والنجم معنا، ويقولون: نسير والجبل الفلاني معنا، وهو بعيد عنهم، القمر موضوع في السماء، والنجم موضوع في السماء، والجبل بعيد (...) يشاهدونه، ومع ذلك يقولون: إنه معنا، فهل لزم من المعية أن يكون الشيء مخالطًا لك؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، قد يكون معك وهو بعيد جدًّا عنك، إذا كان هذا ممكنًا في حق المخلوق فهل يكون ممتنعًا في حق الخالق؟ الجواب: لا؛ لأن لله تعالى أعظم وأوسع وأعم إحاطة من خلقه سبحانه وتعالى، السماوات السبع كلها والأرضون السبع في كف الرحمن كخردلة في يد أحدنا، واضح؟
الوجه الثالث: أن يقال: لو قُدِّر أن بينهما -أي: بين المعية والعلو- تناقضًا في حق المخلوق، فإن ذلك لا يكون في حق الخالق، لماذا؟ قال شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية: فإن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليٌّ في دنوّه قريب في علوّه. الله تعالى ليس كمثله شيء، ولا يمكن أن تقيس الله بالخلق أبدًا، الذي يقيس الخالق بالمخلوق لا شك أنه ظالم؛ لأن الله يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، فبهذه الوجوه الثلاثة علمنا أن ما أثبت الله لنفسه من المعية فإنه لا ينافي علوه، ولكن يجب أن نعلم أن هذه المعيات الثلاث تختلف بحسب مقتضياتها، فمثل المعية التي عُلِّقَت بوصف محمود ويش مقتضاها؟ مقتضاها مع الإحاطة النصر والتأييد والتثبيت، وما إلى ذلك، هذا مقتضاها.
فهنا مَعَ الْمُتَّقِينَيعني: بنصرهم وتأييدهم وتثبيتهم وتطمين قلوبهم ومساعدتهم على لزوم التقوى، كذلك مَعَ الصَّابِرِينَومَعَ الْمُؤْمِنِينَوما أشبه ذلك.
واعلم أن هذا القسم من المعية تارة يعلَّق بشخص وتارة يعلق بوصف، المعية الخاصة تارة تعلق بوصف وتارة تعلق بشخص، ويش مثال المعلقة بشخص؟ قوله تعالى عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: ٤٠]، هذه معية مقيدة بشخص، مع من؟ مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وقال الله تعالى لموسى وهارون: لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦] هذه مقيدة بشخص.
أما المقيدة بالوصف فمثل قوله: مَعَ الْمُتَّقِينَ، مَعَ الْمُحْسِنِينَ، مَعَ الصَّابِرِينَوما أشبه ذلك، هذه مقيدة بالوصف، ويسمي العلماء هذه المعية التي تقتضي النصر والتأييد والتثبيت يسمونها المعية الخاصة؛ لأنها تقتضي نصرًا وتأييدًا بهذا المعيَّن بوصفه أو شخصه.
أما الثاني الذي في قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد: ٤] وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة: ٧]، فهذه معية تقتضي الإحاطة بالخلق علمًا وسمعًا وبصرًا وقدرة وتدبيرًا، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته سبحانه وتعالى.
أما الثالثة: التي عُلِّقت بوصف مذموم فإنها تقتضي مع الإحاطة التهديد، تقتضي التهديد لهؤلاء الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الرب عز وجل وهو معهم، هذه مقتضيات المعية عند أهل السنة والجماعة، وأنكروا غاية الإنكار على من زعم أن مقتضاها أن الله مختلط بالخلق وحالٌّ في أمكنتهم أو حالٌّ في أعيانهم، والعياذ بالله، وهذا مذهب الحلولية من الجهمية وغيرهم، يقولون: إن الله عز وجل مع الخلق في أمكنتهم، نسأل الله العافية، فلا يُنَزِّهُون الله تعالى عما ينزهون منه أدنى أولادهم، على رأيهم الباطل الفاسد يقتضي أن الله تعالى يكون مع الإنسان في أخبث مكان؛ أو لا؟ لأن هذا مذهبهم، ويقتضي الذين يقولون: إنه مختلط حتى بأعيان المخلوقات لا مشاركًا لها في الأماكن يقتضي أن يكون الخالق جل وعلا حالًّا في ذات أخبث الحيوانات، هؤلاء يدّعون أنهم من أهل القبلة وأنهم من المسلمين، وصاروا أخبث من النصارى، النصارى ويش قالوا؟ إن الله حالٌّ فيمن؟
الطلبة: في عيسى.
الشيخ: في عيسى، عيسى نبي من الأنبياء رسول من الرسل من أولي العزم، لكن أولئك -والعياذ بالله- أهل الحلول يقولون: إنه حالٌّ حتى في أخبث الأبدان من الحيوانات، نسأل الله العافية؛ دعنا من الذين يقولون بوحدة الوجود عاد هذا دول ناس آخرين أخبث من هؤلاء وأخبث.
إذن المعية عند أهل السنة والجماعة لا تقتضي، ما نقول: لا تستلزم فقط، لا تقتضي أبدًا بأي حال من الأحوال أن يكون الخالق مخالطًا للخلق لا في أمكنتهم ولا في ذواتهم؛ فإن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه، واضح؟ لكنها تختلف مقتضياتها حسب ما أشرنا إليه، قد تقتضي التهديد، وقد تقتضي النصر والتأييد، وقد تقتضي مجرد الإحاطة والعلم، فهنا لا يلتبس عليك الأمر ولا يكون في ذهنك أو في فهمك هذا المذهب الخبيث.
ومن العجائب أن قدماء الجهمية قالوا بالحلول الذي أشرت إليه، وأن متأخريهم قالوا بالنفي المحض، قالوا: إن الله لا يوجد في مكان، فقالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم، ولا فوق العالم ولا تحت العالم، ما في شيء، ولهذا قال بعض العلماء: لو قال لنا قائل: صفوا لنا العدم، ما وصفناه بأحسن من هذا الوصف، هذا وصف محيط، نسأل الله العافية والسلامة، فالحاصل أن الله سبحانه وتعالى هدى الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، وقالوا: نحن نؤمن بأن الله تعالى قد استوى على عرشه بذاته، وأنه عليٌّ على خلقه، وأن علوَّه من لوازم ذاته، وأن ما وصف الله به نفسه من كونه ينزل إلى السماء الدنيا، وكونه يقرب من بعض عباده، وكونه مع الخلق، كل هذا لا ينافي علوّه؛ لأن الله عز وجل محيط بكل شيء، فهو كما قال شيخ الإسلام: قريب في علوّه علِيٌّ في دنوه. ولكن الشيء الذي يعتري الإنسان في هذه الأمور والشبه التي تعتريه حيث يظن أن الخالق مثل المخلوق، فيقول: كيف يكون في السماء وعلى العرش ثم تقول: إنه معك، كيف يكون فوق السماء على العرش ثم تقول: يقرب منك؟ «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا» وما أشبه ذلك، فنقول: إن هذا الفهم إنما جاءك حيث ظننت أن صفات الخالق كصفات المخلوق، الآن انظر في نفسك روحك التي بين جنبيك هل صفاتها كصفات الجسم؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، تروح في الليل إذا نمت يمين ويسار وترجع، وإذا مات الإنسان صُعِدَ بها إلى السماء حتى تصل إلى السماء السابعة قبل أن يُدفن ثم ترجع، هل يتصور هذا أن يكون الجسم ولا ما يتصور؟
الطلبة: ما يتصور.
الشيخ: ما يتصور أن الجسم يصعد بهذه السرعة ويرجع بهذه السرعة، فإذا كان هذا في مخلوقات من مخلوقات الله عز وجل ما يمكن أن تقيسه على الجسم فكيف بالخالق؟
يقول بعض المشبهة، بعض الناس اللي عندنا هنا في بلادنا يقولون: تقولون: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، معنى ذلك أنه دائمًا نازل؛ لأن ثلث الليل مستمر، مستمر دائمًا، إذا طلع الفجر عندنا وإذا باقي شوية على اللي غرب عنا؟ نقول: هذا قولوا: إن الرسول كذب، أحسن، الرسول عليه الصلاة والسلام قال ها الكلام يخاطب جماعة أصح منا عقولًا وأعمق منا فهمًا ما أوردوا هذا الإيراد؛ لأنهم يعرفون أن الرب عز وجل ليس كالمخلوق، الله سبحانه وتعالى يصح أن نقول: إنه الآن نازل في الثلث الآخر من الليل في هذه الجهة من الأرض، يعني نزل إلى السماء الدنيا حين يكون ثلث الليل الآخر على هذه الجهة من الأرض، والجهة الأخرى اللي عندهم صباح أو عندهم أول الليل يكون نازلًا ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما يكون نازلًا، والله على كل شيء قدير، فلا يجوز للإنسان أن يرد ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله بمثل هذه ..
(...) للجهاد في سبيل الله؛ لأن الآية كما ترون هذه في سياق الجهاد، كما أنها في مقدمة الحج، في مقدمة آيات الحج، فيدخل فيها الإنفاق في الحج ولَّا لا؟ نعم، يدخل فيها.
قال: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، قال: لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْبعضهم يقول: إن الباء هنا زائدة، أي: ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة، والصواب أنها أصلية وليست بزائدة، وأن معنى (ألقى بيده) أقوى من معنى (ألقى يده)؛ لأن ألقى بيده أي أنه وضع يده فلم يكن بها حراك، بخلاف ألقى يده إلى التهلكة، وأيضًا يمنع أن نقول: المعنى ألقى يده، يمنعه قوله: إِلَى التَّهْلُكَةِ؛ إذ لو كان المعنى ألقى يده لقال: في التهلكة، ولم يقل: إلى التهلكة، فالباء أصلية، والمعنى: لا تلقوا بها، بمعنى أن لا يكون منها حراك، ألقى بيده كما يقول: ألقى بعصاه، ألقى بيده إلى التهلكة كأنه سلّمها إلى التهلكة، و(التهلكة) (تَفْعِلَة) من الهلاك، والمعنى: لا تلقوها إلى ما يهلككم. فما معنى قوله: لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ؟ المعنى: لا تلقوا بها إلى ما فيه الهلاك، الحسي أو المعنوي؟
طالب: كلاهما.
الشيخ: أو كلاهما؟ كلاهما، نعم؛ لأنها وردت فيمن امتنعوا عن القتال أو امتنعوا عن البذل في سبيل الله، وهذا هلاك حسي ولّا معنوي؟
طالب: معنوي.
الشيخ: هذا هلاك معنوي؛ لأنهم أهلكوا أنفسهم بترك ما يجب عليهم من الجهاد والإنفاق فيه، على أن هذا الهلاك المعنوي يترتب عليه الهلاك الحسي؛ لأنهم إذا تركوا قتال الأعداء قاتلهم الأعداء وتسلطوا عليهم، وإذا تركوا الإنفاق في سبيل الله لقتال الأعداء أيضًا تسلطوا عليهم، كذلك يدخل فيها الإلقاء بالتهلكة، الإلقاء باليد إلى التهلكة الحسية، ولهذا لا يجوز للإنسان أن يعرّض نفسه للمخاطر، ما يجوز للإنسان أن يعرض نفسه للمخاطر مثل أن يلقي نفسه في نار أو في ماء يغرقه، أو ينام تحت جدار مائل للسقوط أو ما أشبه ذلك، فإن هذا حرام، ويدل على هذا قوله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء: ٢٩]، حيث يدخل في هذه الآية لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْكل ما يؤدي إلى ضرر للبدن وإن لم يصل إلى درجة القتل، الدليل: أن عمرو بن العاص رضي الله عنه لما بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم في سرية وأجنب وإذا الجو بارد فتيمم وصلى بأصحابه، فلما رجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «أَصَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟». قال: يا رسول الله، ذكرت قول الله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًافتيممت، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام وأقرّه . مع أنه لو اغتسل يقينًا بيموت؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما (...) على كل حال، لكن دلت الآية على أن ما كان سببًا للضرر فإنه داخل في النهي، كل شيء يضر البدن فإنك منهي عنه، ومن أجل هذه القاعدة عرفنا أن الدخان؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: حلال.
الطلبة: حرام.
الشيخ: حرام؟
طالب: نعم.
الشيخ: لأيش؟
الطالب: لأنه يضر.
الشيخ: لأنه يضر باتفاق الأطباء أنه ضار، كما أن فيه ضياعًا للمال أيضًا، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن إضاعة المال.
إذن لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِيشمل الإلقاء باليد إلى التهلكة الحسية والمعنوية.
وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَأَحْسِنُوافعل أمر، ثم علّل هذا الأمر بقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، الأمر بالإحسان يشمل الإحسان في عبادة الخالق والإحسان إلى المخلوق، الإحسان في عبادة الخالق وفي معاملة المخلوق، فما هو الإحسان في عبادة الخالق؟ الإحسان في عبادة الخالق بيّنه الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ، الفرق بين الجملتين ظاهر جدًّا، فالأولى: عبادة طلب، والثانية: عبادة خوف، تعبد الله كأنك تراه تطلبه، أو إن لم تكن تراه فإنه يراك تخاف منه، والمرتبة الثانية أدون ولّا أعلى؟
الطلبة: أعلى.
الشيخ: المرتبة الثانية أعلى؟
طالب: أدون.
الشيخ: أدون، ولهذا قال: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ»، فالمرتبة الأولى أعلى، أن تعبد الله طلبًا للوصول إليه لا خوفًا من عقابه، وإن كان العبادة للأمرين جميعًا، لكن الأولى أعلى، أعلى شأنًا، أما الإحسان في معاملة الخلق فإن الإحسان في معاملة الخلق جمعها كلمة واحدة من الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَنْ تَأْتِيَ إِلَى النَّاسِ مَا تُحِبُّ أَنْ يَأْتُوا إِلَيْكَ» ، هذه كلمة جامعة أن تأتي إلى الناس ما تحب أن يأتوا إليك، إذا عامل الرجل الناس على هذا المنهاج أحسن ولّا ما أحسن؟
الطلبة: أحسن.
الشيخ: طيب، رجل عنده سلعة فيها عيب، لكنه عيب لا يَبِين، فباعها إلى شخص ولا أخبره، يكون محسنًا في المعاملة؟
طالب: غير محسن.
الشيخ: لأيش؟
طالب: لأنه ما أخبره.
الشيخ: لا؛ لأنه لا يحب أن يأتي إليه أحد بهذه المعاملة، ما يحب، إذن ما أحسن، لكن عامله وقال: إن في السلعة عيبًا هو كذا وكذا يكون محسنًا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يكون محسنًا، كذا؟ طيب، بعض الناس بهذه المناسبة يريد أن يبيع سلعة ويعرف أن بها عيب، فيعرضها للبيع ويقول: ترى تشتريها على أي صفة كانت ترى كل عيب بها، كل عيب بها، إن كانت سيارة يقول: ترى ما بعت عليك إلا الكفرات ولا طار القيادة فقط، ولا أحد عيونها، يجوز هذا ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: هل يعقل واحد يشتري مثلًا بستة آلاف يشرط طار القيادة أو كفرًا ما يسوى إلا مئتين ريال لو هو جديد، معقول هذا ولَّا لا؟
طالب: غير معقول.
الشيخ: لكن هم يقولون هكذا علشان لو يلقى بها عيب ويجي يقول: أبغي أرده لأجل العيب، قالوا: إحنا شارطين عليك، فما رأيكم في هذه المعاملة؟ إحسان ولّا إساءة؟
الطلبة: إساءة.
الشيخ: إساءة، إذن يجب أنه يبيّن، نعم لو فُرِض أن هذا الرجل اشترى هذه السيارة ولا علم أن بها عيبًا ثم باعها وخاف أن تُرد عليه بعيب فاشترط مثل هذه الشروط، فإن هذا جائز، هذا جائز، وهذا القول هو الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، على أن من علم بالعيب فكتمه ولو شرط البراءة من العيوب فإنها تلزمه، والمذهب يقولون: إن أبرأه من العيوب بعد العقد برئ، وإن أبرأه قبل لم يبرأ، ولكن الصواب أن المسألة ما ترجع إلى الإبراء قبل العقد أو بعده وإنما ترجع إلى علم الإنسان، علم البائع بالعيب أو عدم علمه، فإن كان عالمًا لم يبرأ إلا إذا عيّنه قال: ترى فيها العيب الفلاني، ورضي، هو دخل على بصيرة، وإن لم يكن عالمًا برئ.
طالب: ويش لون قول المذهب: يبرأ؟
الشيخ: المذهب، بعت عليّ سيارة، ويوم بعته ابتعت، إحنا الآن في مجلس الخيار، تراك تصبر بكل عيب فيها، وقلت: أنا صابر، وهو يدري أن بها العيب الفلاني لكنه ما معلّمك، المذهب يقولون: إنه يبرأ، لو وجد عيبًا ما يرده عليك، لماذا؟ لأنه أسقط الحق بعد ثبوته بالعقد، أما لو قلت: أبغي أبيع عليك السيارة هذه وترى فيها كل عيب، وقلت: أنا راضي وشريتها منك، فإنني لا يلزمني هذا، إذا وجدت العيب أردها عليك، إذا قال: ها ما كنت سقت الخيار، قلت: نعم، سقته قبل أن يثبت؛ لأنه ما يثبت الخيار إلا بعد العقد، واضح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لكن الصواب الذي ذكر شيخ الإسلام أنه هو المروي عن الصحابة أن المدار على أيش؟
الطلبة: علم البائع.
الشيخ: على علم البائع أو عدم علمه.
طالب: تبيين عيب السلعة حتى لو لم يطلب المشتري؟
الشيخ: نعم لو لم يطلب المشتري «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
قال: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، ولو لم يكن من الإحسان إلا هذا لكان كافيًا للمؤمن أن يقوم بالإحسان، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، إخواني، الإنسان ربما يصب لشخص كأسًا من الماء من البرّاد ليسقيه، هذا إحسان؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إحسان ولَّا لا؟
الطلبة: إحسان.
الشيخ: إحسان، إذا فعلت هذا فاستشعر أن الله يحبك، الله يحبك؛ لأن هذه نقطة مهمة ومفيدة، أنك إذا فعلت الإحسان تشعر بأنك ترجو بذلك محبة الله؛ لأن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، إذا أخبرت أخاك بمسألة من العلم فهمتها إحسان ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إحسان، استشعر هذا المعنى أنك بهذا العمل تعرضت لمحبة الله عز وجل وهكذا.
(...) وجوب قتال الكفار حتى ينتهوا عن الفتن؛ لقوله: حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ.
ويُستفاد منها: أنه إذا زالت الفتنة وقيامهم ضد الدعوة الإسلامية وذلك ببذل الجزية فإنهم لا يقاتَلون.
ويستفاد منها: أنهم إذا انتهوا إما عن الشرك بالإسلام وإما عن الفتنة بالاستسلام فإنه لا يُعتدى عليهم؛ لقوله: فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ.
ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن الظالم يجازى بمثل عدوانه؛ لقوله: فَلَا عُدْوَانَ، وقد قلنا فيما سبق: إن مثل هذا التعبير يراد به المماثلة للفعل، يعني أن تسمية المجازاة اعتداء من باب المماثلة حتى يكون الجزاء من جنس العمل.
ثم قال تعالى: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ، يستفاد من هذه الآية الكريمة: تسلية الله عز وجل للمسلمين بأنه إذا فاتهم قضاء عمرتهم في الشهر الحرام فيمكنهم أن يقضوها بالشهر الحرام من السنة الثانية كما حصل ذلك.
ومن فوائدها أيضًا: أن الحرمات قصاص، يعني أن من انتهك حرمتك فلك أن تنتهك حرمته مثلًا بمثل، ولهذا فرّع عليها قوله: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن المعتدي لا يجازَى بأكثر من عدوانه؛ لقوله: بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، فلا يقول الإنسان: أنا أريد أن أعتدي للتشفي، ومن ثم قال العلماء: إنه لا يُقتص من الجاني إلا بحضرة السلطان أو نائبه خوفًا من الاعتداء، أن الإنسان يريد أن يتشفى لنفسه فيعتدي أكثر ثم يمثّل به أو ما أشبه ذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل في معاملة الآخرين، وفي كل حال؛ لقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ.
ومنها: إثبات أن الله مع المتقين؛ لقوله.. ها؟
الطلبة: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.
الشيخ: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.
ومن فوائدها: تأكيد هذه المعية؛ ولهذا قال: وَاعْلَمُوا، لم يقتصر على مجرد أن يخبر بها، بل أمرنا أن نعلم بذلك، وهذا أمر فوق مجرد الإخبار.
ومن فوائدها أيضًا: إحاطة الله عز وجل بالخلق وتأييده للمتقين الذين يقومون بتقواهم، ووجه ذلك أنه من المعلوم بالعقل والفطرة والكتاب والسنة من المعلوم أن الله فوق جميع الخلق، ومع ذلك فقد أثبت أنه مع الخلق، وهذا دليل على إحاطته سبحانه وتعالى، وليس معنى كونه مع الخلق أنه مختلط بهم أو حالٌّ في أمكنتهم كما ذهب إلى هذا الوهم الفاسد مَن؟
الطلبة: الحلولية.
الشيخ: الحلولية من الجهمية وغيرهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة التقوى حيث ينال العبد بها أيش؟ معية الله، فإنه من المعلوم إذا كان الله معك ينصرك ويؤيدك ويثبّتك، فهذا يدل على فضيلة السبب الذي هو التقوى، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.
ثم قال الله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يُستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب الإنفاق في سبيل الله.
طالب: أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
الشيخ: وجوب، من أين عرفت الوجوب؟
الطالب: الأمر.
الشيخ: الأصل في الأمر؟
الطالب: الوجوب.
الشيخ: الوجوب، هل يدخل في هذا الزكاة ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، تدخل، هي أول ما يدخل؛ لأن هي أوجب ما يجب، أوجب ما يكون من الإنفاق في سبيل الله الزكاة، أوجب من الإنفاق في الجهاد وفي صلة الرحم وفي بر الوالدين؛ لأنها أحد أركان الإسلام.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الإخلاص في العمل، من أين؟
الطلبة: فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
الشيخ: من قوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ويدخل في هذا كما قلنا في التفسير القصد والتنفيذ، أن يكون القصد لله، وأن يكون التنفيذ على حسب شريعة الله، كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا [الفرقان: ٦٧]، لا تقل: أريد أن أنفق وأنفق كل شيء، لا تسرف ولا تقتر.
ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم الإلقاء باليد إلى التهلكة، من أين تؤخذ؟
طالب: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ.
الشيخ: من قوله: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وقد سبق في التفسير أن الإلقاء باليد إلى التهلكة يشمل التفريط في الواجب وفعل المحرم، أو بعبارة أعم يتناول كل ما فيه هلاك على الإنسان وخطر في دينه أو دنياه.
ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالإحسان؛ لقوله: وَأَحْسِنُوا، وهل الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ أما الإحسان الذي به تمام الواجب فهو للوجوب، وأما الإحسان الذي به كمال العمل فهو للاستحباب، فمثلًا إذا قُرِن الإحسان بالعدل صار الإحسان على سبيل..
طالب: الوجوب.
الشيخ: لا، على سبيل الاستحباب؛ لأن العدل هو الواجب، فيكون الإحسان فضلًا زائدًا عن الواجب، كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [النحل: ٩٠].
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإحسان، من أين تؤخذ؟
الطلبة: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
الشيخ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله عز وجل؛ لقوله: يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وهي محبة حقيقة على ظاهرها، وليس المراد بها الثواب ولا إرادة الثواب، خلافًا للأشاعرة وغيرهم من أهل التحريف الذين يحرّفون هذا المعنى العظيم إلى معنى لا يكون بمثابته، فإن مجرد الإرادة ليست بشيء بالنسبة للمحبة.
وقد سبق لنا مرارًا وتكرارًا أن شبهتهم هو أن المحبة إنما تكون بين شيئين متناسبين، وبيّنّا بطلان هذا التعليل، وأنه مخالف للنص ولإجماع السلف، ومنقوض بما ثبت في السمع والحس من أن المحبة قد تكون بين شيئيين غير متناسبين، فقد أثبت النبي عليه الصلاة والسلام أن أُحُدًا وهو حصى «جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» ، والإنسان يجد أن دابته تحبه، البعير إذا سمعت صوت صاحبها حنّت إليه وأتت إليه، وكذلك غيرها من المواشي.
ثم قال تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] أَتِمُّواالإتمام يراد به إنهاء الشيء، ويراد به إكمال الشيء، أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة: ٣] أي: أكملتها، أتممت هذا العمل يعني أنهيته، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» ، فتبين الآن أن الإتمام يراد به الإنهاء، أيش بعد؟ والإكمال، مثاله في الإكمال وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، ليس المراد أنهيتها؛ إذ إن نعمة الله لا تزال تترى، ومثال الإنهاء: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» أي: أنهوه.
أَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَيشمل المعنيين: أتموهما بالإكمال وأتموهما بالإنهاء، أما الإكمال فيكون بالإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الإكمال، ولهذا فسّر معنى الإتمام أو فسر الإتمام كثير من السلف بأن المراد أن تنشئ الحج والعمرة من دويرة أهلك، ويش معنى تنشئهما؟ أي: تسافر من بلدك قاصدًا الحج والعمرة، ولا تحمل تجارة فإذا وصلت إلى الميقات قلت: لعلّي أُحرِم، وعلى هذا التفسير يكون معنى الإتمام؟
طالب: الإكمال.
الشيخ: الإكمال بإخلاص النية لله عز وجل، وكذلك الإكمال بكون الحج موافقًا لشرع الله على حسب ما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام قولًا أو فعلًا أو أقرّه، «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، هذا إتمام.
المعنى الثاني للإتمام؛ الإنهاء؛ بمعنى أنك إذا شرعت فيهما لا تقطعهما، فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.
يقول: أَتِمُّوافَإِنْ أُحْصِرْتُمْ، قد يقول قائل: إن قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْيعيّن المعنى الثاني وهو أن الإتمام بمعنى الإنهاء؛ لقوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ، ولكننا نقول كما قررنا سابقًا: إن عطف الشيء بذكر أحكام بعض أفراده لا يقتضي التخصيص، ذكر الشيء أو عطف الشيء بذكر حكم بعض أفراده لا يقتضي التخصيص، ومثّلنا بالحديث: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يُقْسَم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شفعة. وقلنا: إن بعض أهل العلم قال: إن الشفعة ما تكون إلا بالعقار؛ لقوله: إذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق، ولا تكون في السيارات أو في المواشي أو ما أشبهها؛ لأن هذه لا تقع فيها الحدود ولا تُصَرَّف فيها الطرق، وقلنا: إن الصحيح أن الشفعة عامة حتى فيما لو كان بيني وبينك سيارة وبعت نصيبك منها فإن لي حق الشفعة؛ لأن الضرر الحاصل بالشريك الجديد في السيارة كالضرر الحاصل بالشريك الجديد في العقار، المهم أن قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْوإن كان هذا حكمًا خاصًّا يتعلق بالإتمام الذي بمعنى الإنهاء فإنه لا يقتضي تخصيص الآية به؛ إذ لا مانع من أن نعطف بذكر حُكم بعض أفراد العام.
وقوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ(أُحْصِرَ) الحصر بمعنى التضييق، ومنه سمّينا الكلام الدالّ على التخصيص سميناه حصرًا؛ لأنه يضيق الدائرة، فالحصر بمعنى التضييق، والمعنى: إِنْ أُحْصِرْتُمْأي: ضُيِّق عليكم حتى مُنِعتم من إتمامهما؟ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِيعني: فعليكم ما استيسر من الهدي، وعلى هذا فـ(إن) شرطية، فعل الشرط (أحصرتم)، وجوابه فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فالفاء رابطة للجواب، و(ما) مبتدأ خبره محذوف، والتقدير؟
طالب: فعليكم.
الشيخ: فعليكم ما استيسر من الهدي، لم يقل: ما تيسر، قال: ما استيسر، مبالغة في سهولته، فإنه (استيسر) بمعنى انقاد وسهل جدًّا حتى كان بمتناولكم وأيديكم.
وقوله: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ(من) هذه بيانية، بيان لـمَافي قوله: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، يعني: كأنه بيّن معنى قوله: مَا اسْتَيْسَرَ، ما استيسر من أين؟ من الدراهم؟ من الطعام؟
الطلبة: من الهدي.
الشيخ: من الثياب؟ لا، من الهدي، فتكون مِنَبيان لـمَافي قوله: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وما المراد بالهدي؟ الهدي ما كان من الأزواج الثمانية، ويش الأزواج الثمانية؟
طالب: الإبل، والبقر، والأغنام.
الشيخ: والأغنام.
الطالب: بنوعيها الذكر والأنثى.
الشيخ: لا.
الطالب: الضأن والمعز.
الشيخ: إي، بنوعيها الضأن والمعز، هذا معنى الهدي، والدليل ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث بهديه من الغنم فأهدى غنمًا ، وقيل: إن المراد بالهدي ما كان من الإبل والبقر؛ لأن هذه الآية لا شك أن أول ما يدخل فيها ما حصل في صلح الحديبية، والصحابة ما أهدوا إلا إبلًا وبقرًا، ما معهم غنم، ولكن يقال هذا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْالفعل مبني للمجهول، ومن فوائد بناء الفعل المجهول: إرادة العموم؛ لأنه لو بُنِي للفاعل وذُكِر الفاعل اختص الحكمُ به، إذا قلت مثلًا: أقام زيدٌ عمرًا، صار المقيم زيدًا، فإذا قلت: أُقِيمَ عمرٌو، صار عمرو، إذن فَإِنْ أُحْصِرْتُمْبأي سبب من الأسباب؛ بعدو، بمرض، بكسر، بضلال طريق، بضياع نفقة، بأي شيء، فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.
مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِثم ماذا؟ ثم نحل، من أين نأخذ أن المعنى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِثم حِل؟ من قوله: وَأَتِمُّوا؛ لأن مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِعوض عن وجوب الإتمام الذي ألزمنا الله به، فالمعنى إِنْ أُحْصِرْتُمْعن الإتمام فلم تتمكنوا من إتمامهما فعليكم ما استيسر من الهدي.
ما تقولون لو قال قائل: أحصرتم بعدو؟ لأن الآية نزلت في الحديبية والإحصار كان فيها بعدوّ، فالجواب؟
الطلبة: أن هذا عام.
الشيخ: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولهذا بإجماع المسلمين أن قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍإلى آخره [المجادلة: ٣] أنها لا تختص بالذي نزلت فيه بالإجماع، وكذلك: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [البقرة: ٢٢٦] وغيرها ما تختص بمن نزلت فيهم، هذه أيضًا لا تختص، وإن كان سببها حصر النبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية لكنها لا تختص بالسبب.
وقوله: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، ولم يقل: من هدي، إشارة هنا إلى أن المراد بالهدي الهدي المعروف الذي يجزئ التقرب به إلى الله، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» ، وعلى هذا لا بد في الهدي من أن يكون قد بلغ السن المعتبر شرعًا، أما بعض الناس بعض العوام يأتي بهدي كُبر البِسّ يقول: هذا ما استيسر من الهدي؛ لأن الله يقول: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، هكذا يقولون ويجادلون، فنقول لهم: ما قال الله عز وجل: فما استيسر من هدي، بل قال: مِنَ الْهَدْيِ(أل) التي للعهد العرفي المعروف شرعًا هو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً».
وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُفي الإحصار ولّا في غيره مطلقًا؟
طالب: في غيره.
الشيخ: في الإحصار؛ لأنه قال: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، هذا إذا قلنا: إن قوله: وَلَا تَحْلِقُوامعطوف على قوله: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، أما على القول بأنه معطوف على قوله: أَتِمُّواوَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهوَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ(...) يكون شاملًا للمحصر وغير المحصر، والمعنى الثاني هو الصواب، بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل في حجة الوداع: ما بال الناس حلوا ولم تحل؟ قال: «إِنِّي قَدْ سُقْتُ الْهَدْيَ فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» ، وهل في ذلك حصر؟
طالب: لا.
الشيخ: في حصر في حجة الوداع؟ لا، ما فيه، إذن هو شامل.
وقوله: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ، رُءُوسَكُمْهل المعنى: لا تحلقوا جميعها فحلق بعضها جائز؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، رؤوسكم، نقول: هنا قاعدة مهمة، أن الأمر إذا عُلِّق بالكل شمل الكل، ولا يحصل الامتثال به إلا بفعل الكل، الأمر إذا عُلِّق بالكل وتعلق به فلا يصح الامتثال إلا به، فقوله: امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة: ٦] يشمل الرأس كله؛ لأنه أمر، ولا يتحقق الامتثال إلا بفعل المأمور به جميعه، أما في النهي فإنه يتعلق النهي بكله وبعضه؛ لأن المنهي عنه مفسدة، والمفسدة تكون بالقليل وبالكثير، فعلى هذا يكون قول الله: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْشاملًا للقليل وللكثير، وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ، إذا قلت لك: لا تأكل هذه الخبزة، مشيت عليها وكلتها حتى بقي مثقال ذرة، امتثلت ولّا لا؟ لم تمتثل، لكن لو قلت: كلها، فأكلتها إلا مثقال ذرة امتثلت ولّا لا؟
طالب: نعم، نعم.
الشيخ: سبحان الله، ما امتثلت، كُلْها، أكلتها إلا مثقال ذرة، ما امتثلت؛ لأن الأمر يتعلق بالجميع، إذا أمر الشارع بشيء فالمراد جميعه، ما يحصل الامتثال إلا بفعل جميعه، امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْما هي بعيدة، مسح الإنسان برأسه إلا قليلًا منه يمتثل ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما يمتثل، لكن إذا نهى عن شيء تعلق الحكم به جميعه، بمعنى أن فعل بعضه كفعل كله؛ لأنه مفسدة، ولا يتحقق اجتنابه إلا باجتناب جميعه، فاهمين ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ما يتحقق اجتنابه إلا باجتناب جميعه، إذن لَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ: لا تحلقوا شيئًا منها ولا كلها، حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ(حتى) حرف غاية، والمُغَيَّا ما هو؟
الطلبة: بلوغه.
الشيخ: المغيا يا إخوان؟
طالب: يبلغ الهدي محله.
الشيخ: أيش المغيا؟
طالب: بلوغ الهدي.
الشيخ: الغاية بلوغ الهدي محله، والمغيا حلق الرأس.
لَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْإلى أن يبلغ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، (محل) يحتمل أن تكون اسم زمان، بمعنى أن يصل إلى وقت حلوله وهو يوم؟
طالب: النحر.
الشيخ: يوم العيد، وليس المراد: إلى أن تذبحوا الهدي، وهذا من بلاغة القرآن، إلى أن يبلغ الهدي محله، ولهذا لو قدم الإنسان الحلق على النحر يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: في يوم العيد قدم الحلق على النحر يجوز لأن الهدي قد بلغ محله وإن كان ما ذُبِح، قد بلغ محله أي وقت حلوله.
وقوله: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُمعروف يعني ظاهر السياق أنه فيمن ساق الهدي، أما من لا هدي معه فلا يصح أن يتوجه إليه مثل هذا القول، وعلى هذا فيكون الحكم فيمن ساق الهدي سواء ساقه من بلده أو من الميقات، وبعضهم قال: أو من الحل، وبعضهم قال: أو من الحرم، ما لم يصل إلى مكة، فالمهم إذا ساقه الإنسان ما عاد يمكن يحل إلا يوم العيد، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرغم من حبه للحل ما حل في حجة الوداع، وكان تمنى قال: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» ، دل هذا على أنه ما يجوز أن الإنسان إذا كان معه هدي أن يحل حتى يبلغ الهدي محله، ولهذا قال: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ.
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْالخطاب لمن؟ لمن وُجِّه إليه الأمر الأول وهو قوله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، إذن فالخطاب لمن شرع في الحج والعمرة.
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ، الآية لا شك أن فيها تقديرًا، يعني فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِفحلق فعليه فدية، مثل ما قلنا في الصيام فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ [البقرة: ١٨٤] فأفطر فعليه عدة.
يقول الله عز وجل: أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِأَوْ بِهِ أَذًى، التأذي غير الضرر، إنسان مريض قال له الأطباء: ما يشفي مرض رأسك وصداعك إلا أن تحلق، إذا حلقت راح عنك الصداع، يجوز يحلق ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأنه قال: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا، إنسان ما هو مريض، متعافي، لكن به أذى من رأسه، كيف أذى؟ الرأس إذا كان كثير الشعر يكون غالبًا كثير الوسخ إذا لم يتعهده الإنسان بالتنظيف، وإذا كان كثير الوسخ كان كثير القمل، والقمل معروف، ومعلوم أن القمل يؤذي الإنسان؛ لأنه يعض به ويشرب دمه، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: إذا كان به أذى من رأسه فحلق فالأمر مُيَسَّر والحمد لله، الأمر ميسر لكن عليه فدية، ولهذا قال: فَفِدْيَةٌ، هل يدخل في أذى الرأس الأذى ما لو كان به حكّة وقال له الأطباء: ما تزول إلا بحلق الرأس؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يدخل، أن تدخلها إما في المرض أو الأذى، لو قال له الأطباء هو الآن داخ وقال الأطباء: ما تزول منك الدوخة إلا إذا حجمت على رأسك، والحجامة تحتاج إلى حلق، يجوز؟
طالب: يجوز كذلك.
الشيخ: نعم، يجوز أن يحلق ويحتجم، وكذلك الجرح، لو قالوا: ما نصل إلى مداواة هذا الجرح إلا بحلق ما حوله من الشعر، نقول أيضًا: يجوز.
وقوله: فَفِدْيَةٌويش إعراب فدية؟
الطلبة: خبر لمبتدأ محذوف.
الشيخ: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير؟
طالب: فعليه.
الشيخ: فعليه فدية، فعليه الفدية.
وقوله: فِدْيَةٌالفدية ما يُدفع لفداء شيء أغلى منه، الفدية ما يُدفع للافتداء عن شيء أغلى منه، إذن الآن لو أن أحدًا أخذ منك سيارة وقال: ما أدفعها لك إلا بعشرة آلاف ريال، والسيارة ما تسوى إلا ألف، تدفع له عشرة؟
الطلبة: لا.
الشيخ: أخلي العشرة عندي ولا أدفع له عشرة وآخذ الألف ريال، خسر تسعة آلاف، لكن إذا كانت تسوى..
ومن فوائدها: أن العقائد لا تجعل غير المشروع مشروعًا، من قوله: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا؛ مع أنهم يعتقدونه بِرًّا، ولكنه قال: لَيْسَ الْبِرُّ، فمن اعتقد شيئًا غير مشروع من اعتقده بِرًّا قلنا له: إنه ليس ببر، لو اعتقده وتقرب به إلى الله فإننا نحذره من ذلك.
طالب: شيخ (...) هذا الإيمان (...) هل هذا صحيح.
الشيخ: لا؛ لأنه ما تسلطه بِرًّا ما تضرر بتسلطه، أنا مرة من المرات لو وصلنا بالحديث كان واحد يسألني يقول: بالنبي إنك تعلمه كذا وكذا بالنبي، فنهيته قلت: يا أخي، هذا ما يجوز الحلف بالنبي، احلف بالله ولّا لا تحلف، ولما إنه يعني أعاد السؤال قال: بالنبي ما عمري أحلف بالنبي، والظاهر أن هذه قضيته.
قلنا: إن العقائد لا تجعل غير المشروع مشروعًا؛ لأن هؤلاء يعتقدون أن البر أن يأتوا البيوت من ظهورها، ولكن الله تعالى أبطل هذه العقيدة، وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يأتي الأمور من أبوابها؛ لقوله: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا، فإن هذه الآية كما تتناول البيوت الحسية كذلك أيضًا تتناول الأمور المعنوية.
ومن فوائد الآية: وجوب تقوى الله؛ لقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ.
ومن فوائد الآية: أن التقوى تسمى بِرًّا، وقد سبق أنها إذا ذُكِرت مفردة شملت البر، وإذا ذُكر البر مفردًا شمل التقوى، وإذا قُرِنَا جميعًا كقوله: تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢] صار البر: فعل الخير أو فعل المأمورات، والتقوى: ترك المنهيات.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى سبب للفلاح؛ لقوله: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، والتقوى لها أكثر من مئة فائدة، وقد كتبها بعض الطلبة فيما سبق، طلبنا من الطلبة أنهم يكتبون فوائد التقوى المذكورة في القرآن فقط، فكتبوا حوالي مئة فائدة كلها مذكورة في القرآن، ومن كان بإمكانه أن يفعل يتفرغ نصف ساعة خصوصًا لحافظ القرآن عن ظهر القلب ويأتي بالفوائد هذا طيب وتكون له حسنة.
ثم قال تعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: ١٩٠]، في هذه الآية وجوب القتال؛ لقوله: وَقَاتِلُوا، ووجوب أن يكون في سبيل الله، أي: في شرعه ودينه؛ لقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ووجوب الإخلاص فيه؛ لقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
ومن فوائدها: أنه ينبغي للمتكلم أن يذكر للمخاطَب ما يهيجه على الامتثال.
الطلبة: الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ.
الشيخ: لقوله: الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ، هذا إذا قلنا: إنها قيد للتهييج والإغراء، فإن قلنا: إنها قيد معنوي يراد به إخراج من لا يقاتلوننا اختلف الحكم.
ومن فوائد الآية: تحريم الاعتداء حتى مع الكفار؛ لقوله: وَلَا تَعْتَدُواومع المسلمين من باب أولى، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا» ؛ لأن كل هذا من العدوان.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات محبة الله، أن الله يحب، من أين؟
طالب: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ.
الشيخ: بس، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ؟ هذا نفي، ونحن نقول: في الآية إثبات محبة الله، أي أن الله يحب، وهذه نفي، أيش تقول؟
طالب: أن يكون غير المعتدين..
طالب آخر: لأنه لا يمكن أن لا يحب إلا الذي من شأنه أن يحب.
الشيخ: نعم، لو كان لا يحب أبدًا ما صح أن ينفى محبته عن المعتدين فقط، فهو ما انتفت محبته عن هؤلاء إلا وهي ثابتة في حق غيرهم.
ومن فوائد الآية: حسن تعليم الله عز وجل حيث يقرن الحُكم بالحكمة، الدليل؟
طالب: لَا تَعْتَدُوا.
الشيخ: لَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وقد سبق لنا أن فوائد (...) الحكمة، واحد، اثنين، ثلاثة. في عموم العلة، عموم الحكم بعموم العلة إذن تكون أربعة.
طالب: هو ذكرها.
طالب آخر: هذا القياس.
الشيخ: إي، لكن ما بيّنها، إن كان القياس هو أرادها لكن ما عبّر عنها، واضح؟ عموم الحكم بعموم علته، فمثلًا: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا [الأعراف: ٣٣]، وقُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام: ١٤٥]، إِنَّهُ رِجْسٌهذه العلة، يؤخذ منها أن كل رجس فهو حرام، ولَّا لا؟ إذن صارت الفوائد أربعة، الحمد لله، الفوائد أربع.
طالب: الاستنباط أو إن كان قياس..
الشيخ: نعيدها الآن ما خدناه نعيدها، أولًا: بيان سمو الشريعة، وثانيًا: زيادة طمأنينة العبد، وثالثًا: العموم بعموم العلة، لكن فيه رابع الآن، ذكرتم..
طالب: عموم الحكم بعموم العلة.
الشيخ: هذا هو، هذا اللي إحنا ذكرناه أخيرًا و..
طلبة: (...).
الشيخ: إي، لكنها إذا صارت مستنبطة يكون القياس جليًّا (...) عموم الحكم بعموم العلة، كيف عديتها أربع سبحان الله؟!
طلبة: (...).
الشيخ: أنا ما فهمت الآن أنها واحد.
طالب: نعيدها يا شيخ.
الشيخ: هات نعدها، بيان سمو شريعة، هذه واحدة، متفق عليه؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: زيادة طمأنينة المكلَّف، هذا اثنين، وكل واحدة غير التاني واضح؟
طالب: نعم.
الشيخ: والثالث؟
الطلبة: عموم الحكم بعموم العلة.
الشيخ: عموم الحكم بعموم العلة، ويش بعد؟
الطلبة: وإن كان قياس.
الشيخ: وإن كان قياس لا ما حسبناها، إذن صاروا ثلاثة.
طيب، ثم قال الله تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِإلى آخره، في هذا تقوية الحث على قتال هؤلاء، يعني: اقتلوهم في أي مكان وجدتموهم، اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، والضمير في قوله: اقْتُلُوهُمْيعود على الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْفيجري فيه ما سبق.
فمن فوائد الآية الكريمة: وجوب قتال الكفار أينما وُجِدوا؛ لقوله: حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، ووجوب قتالهم أينما وُجِدوا يستلزم وجوب قتالهم في أي زمان وُجِدوا؛ لأن عموم المكان يستلزم عموم الزمان.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن نُخرج هؤلاء الكفار كما أخرجونا، المعاملة بالمثل؛ لقوله: وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ، ولهذا قال العلماء: إذا مثّلوا بنا مثّلنا بهم، وإذا قطعوا نخيلنا قطعنا نخيلهم مثلًا بمثل سواء بسواء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الفتنة بالكفر والصد عن سبيل الله أعظم من القتل، فيتفرع على هذه الفائدة: أن استعمار الأفكار أعظم من استعمار الديار؛ أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لأن استعمار الأفكار فتنة، واستعمار الديار أكثر ما فيها إما القتل أو سلب الخيرات والاقتصاد وما أشبه ذلك، فالفتنة أشد؛ لأنها هي القتل الحقيقي الذي به خسارة الدين والدنيا والآخرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيم حرمة المسجد الحرام؛ لقوله: وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
ومن فوائدها أيضًا: جواز القتال عند المسجد الحرام إذا بدأنا بذلك أهلُه؛ لقوله: حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ، فإن قلت: ألا يعارض هذا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ» ؟ إن قلتم هذا يعارض الحديث؟
الطلبة: لا ما يعارضه.
الشيخ: ما يعارضه، ما الفرق أو ما الجمع؟ الجمع أن ابتداء القتال لندخل مكة هذا حرام، محرّم ولا يجوز مهما كان الأمر، وأما إذا قاتلونا في مكة فإننا نقاتلهم من باب؟
الطلبة: المدافعة.
الشيخ: من باب المدافعة، ولهذا نقاتلهم بقدر ما نكسر شوكتهم فقط.
ومن فوائد الآية الكريمة: قوة قتال الأعداء؛ لأنه قال: {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ}، يعني إن قاتلوكم في المسجد الحرام فاقتلوهم، أما على قراءة: {فَإِنْ قَتَلُوكُمْ}، فالمعنى: فإن قتلوا بعضكم؛ لأنهم إذا قتلونا كيف نقتلهم؟! فالمعنى: قتلوا بعضنا فلنقتلهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العدل لله عز وجل؛ لقوله: كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ، حيث قاتلوا فأُذِن لنا بقتالهم، والجزاء من جنس العمل.
طالب: يا شيخ، حيث قتلتموهم ما يؤخذ منها جواز قتالهم في أي مكان..
الشيخ: إي نعم، إلا في مكة، إلا في مكة مستثنى؛ لأنه قال: في المسجد الحرام، قال: فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، مع أنه فيما يظهر أنه لا يمكن أن يرتد أهل مكة؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» ، وهذا خبر صادق، لكن قد يقاتلون ولو كانوا غير كفار، فإذا قاتلونا فيه قاتلناهم.
كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: تمام عدل الله سبحانه وتعالى، حيث جعل أحكامه وعقوبته مبنية على عدوان من يستحق هذه العقوبة، وجهه؟ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يعني: فلا تقاتلوهم قد غفر لهم، أو: فاغفروا لهم وارحموهم، فالمعنى أنه إذا انتهى هؤلاء عن قتالهم فإن مغفرة الله ورحمته تسعهم.
ثم قال تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ.
(...) هذا أمر مُغَيًّا بغاية، غاية عدمية ولّا إيجابية؟ عدمية، حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ، يعني: حتى لا توجد فتنة، والفتنة هي الشرك والصد عن سبيل الله، الغاية الثانية إيجابية وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، بمعنى أن يكون الدين غالبًا ظاهرًا ما يعلو إلا الإسلام فقط، وما دونه فهو دين معلوٌّ عليه يؤخذ على أصحابه الجزية عن يد وهم صاغرون، هذا إذن القتال واجب إلى هاتين الغايتين: أن لا تكون فتنة، والثاني: أن يكون الدين لله.
(...) مبتدأ و(الحرام) صفته، و(بالشهر) جار ومجرور خبره.
وقوله: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌمبتدأ وخبر، ومعنى قوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ، يعنى معناه أن الشهر الحرام يكون بدلًا عن الشهر الحرام.
قال: فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَإِنِ انْتَهَوْايعني: عن قتالكم ورجعوا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، يعني فإنه قد انتفى عنهم الظلم، وحينئذ لا يكون عليهم عدوان.
وقوله هنا: فَلَا عُدْوَانَقيل: إن معناه: فلا سبيل، كما في قوله تعالى: فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص: ٢٨]، هذا في قصة موسى، ومعنى فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّيعني: لا سبيل عليّ، وقيل: لا عدوان عليّ؛ لأنه قال: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ، فمعنى لَا عُدْوَانَأي: لا مقاتلة لهم، وهو من باب مقابلة الشيء بمثله لفظًا؛ لأنه سببه.
فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْليس معناه أن فعلكم هذا عدوان، لكن لما صار سببه العدوان صح أن يُعَبَّر عنه بلفظه.
وقوله: فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَأين خبر (لا)؟ يجوز أن يكون خبرها الجار والمجرور في قوله: عَلَى الظَّالِمِينَ، ويجوز أن يكون خبرها محذوف، والتقدير: فلا عدوان حاصل أو كائن إلا على الظالمين.
ثم قال تعالى: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِوسبق الكلام عليها.
وهذه الجملة الأولى لها معنيان؛ المعنى الأول: أنهم إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم ولا تستعظموا ذلك؛ فإن مقاتلتكم إياهم في الشهر الحرام كمقاتلتهم إياكم في الشهر الحرام، فيكون هذا في مقابلة هذا.
وقيل: معنى الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِأنه لما صدوكم في الحديبية عن أداء العمرة في الشهر الحرام فإنكم ستقضونها في الشهر الحرام من العام القادم، فتكون عمرتكم في شهر حرام بدلًا عن الشهر الحرام، فيكون الشهر الحرام الأول السنة السادسة من الهجرة، والثاني السنة السابعة من الهجرة، يعني: فلا يغمكم ذلك ولا يحزنكم؛ فإنه إذا فاتكم أو إذا فاتتكم العمرة في هذا الشهر فإنها لن تفوتكم في الشهر الثاني، هذان معنيان؛ المعنى الأول أن الشهر الحرام يعني إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم ولا تستعظموا ذلك؛ فإن قتالكم إياهم في شهر حرام مقابل لقتالهم إياكم في شهر حرام، وهذا من تمام العدل أن تعامل غيرك بمثل ما عاملك به، الوجه الثاني: الشهر الحرام الذي تقضون فيه العمرة من السنة السابعة بالشهر الحرام الذي فاتتكم فيه العمرة من السنة السادسة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام خرج إلى العمرة في السنة السادسة من الهجرة، ولكن كفار قريش لعنادهم وعصبيتهم والجاهلية منعوه أن يدخل مكة، وقاضاهم على أن يرجع من العام القادم وأن يعتمر، وأن يبقى فيها ثلاثة أيام كما هو معروف.
وقوله: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌالحرمات جمع (حُرُم)، والمراد بالحرم كل ما يُحترم؛ لأن (حُرُم) جمع (حَرَام)، و(حُرُمات) جمع (حُرُم)، فالمعنى أن المحترَم يُقتص منه بمحترم آخر، وما معنى ذلك؟ معنى ذلك أن من انتهك حرمة شيء فإنه تُنتهك حرمته، فمن انتهك حرمة الشهر انتهكت حرمته في هذا الشهر، ومن انتهك عرض مؤمن انتهكت عرضه بمثله، ومن انتهك نفس مؤمن فقتله انتهكت حرمة نفسه بقتله، وهكذا.
الْحُرُمَاتُ قِصَاصٌالحرمات جمع (حُرُم)، والحُرُم جمع (حَرَام)، والمعنى أن كل شيء محترم يكون بدلًا عن الشيء المحترم الآخر، وكل هذا التأكيد من الله عز وجل في هذه الآيات من أجل تسلية المؤمنين؛ لأن المؤمنين لا شك أنهم يحترمون الأشهر الحرم والقتال فيها، ولكن الله تعالى سلّاهم بذلك بأن الحرمات قصاص، فكما أنهم انتهكوا ما يجب احترامه بالنسبة لكم فإن لكم أن تنتهكوا ما يجب احترامه بالنسبة إليهم.
ولهذا قال مفرِّعًا على ذلك: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، أي: تجاوز الحد في معاملتكم، سواء كان ذلك بأخذ المال أو بقتل النفس أو بالعرض أو بما دون ذلك أو أكثر، فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، قوله هنا:فَاعْتَدُوا عَلَيْهِليس أخذُنا بالقصاص اعتداء، لكنه سُمِّي اعتداء؛ لأنه مُسَبَّب عن الاعتداء، مسبب عنه، فكأنه يقول: أنتم إذا اعتدى عليكم أحد فخذوا حقكم منه، وسمى ذلك عدوانًا؛ لأن سببه؟
الطلبة: العدوان.
الشيخ: العدوان؛ لأن سببه العدوان، ثم إن فيه نكتة أخرى وهي أنه من المعروف أن العادي يرى نفسه في مقام أعز من المعتدَى عليه وأرفع من المعتدى عليه، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ولو كان يرى نفسه في مقام دون ما اعتدى، فكأنه يقول: إن قصاصكم أيضًا يعتبر مقام عز لكم كما أنه هو طغى واعتدى فأنتم الآن يعتبر قصاصكم بمنزلة المرتبة العليا بالنسبة إليهم، فيكون في ذلك سببان لكونه عبّر عن القصاص بالاعتداء، السبب الأول؟
طالب: عبر عن القصاص..
الشيخ: لسببين، السبب الأول؟
طالب: أنه عبر عن القصاص بالاعتداء.
الشيخ: هذا هذا التعبير عن القصاص بالاعتداء له سببان؟
طالب: أن سبب هذا هو الاعتداء.
الشيخ: نعم، عبّر عن القصاص بالاعتداء؛ لأن سببه الاعتداء، هذا واحد، الوجه الثاني؟
طالب: أنه قد يُفهم من الاعتداء أن المعتدي قد يكون أعز من المعتدى عليه، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: في مقاصتكم لهم فإنكم أعز منهم.
الشيخ: لا تعتبروا أنفسكم في مقام ذل، بل أنتم في مقام مثل ما جعلوا أنفسهم هم في هذا المقام، واضح؟
وقوله: بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْبِمِثْلِ، ادعى بعضهم أن الباء هنا زائدة وقال: إن التقدير: فاعتدوا عليه مثل ما اعتدى عليكم، على أن تكون مِثْلِهنا مفعولًا مطلقًا، أي: عدوانًا أو اعتداء مثل اعتدائهم، ولكن الصواب أنها ليست زائدة وأنها أصلية، وأن المعنى: اعتدوا عليه بمثله، أن الباء للبدل، يعني: مثل ما تقول: اشتريت الشيء بدرهم، بحيث يكون المثل مطابقًا لما اعتُدِي عليكم به في هيئته وفي كيفيته وفي زمنه وفي مكانه، فإذا اعتدى عليكم أحد بقتال في الحرم؟
الطلبة: فاعتدوا عليه.
الشيخ: فاقتلوه، إذا اعتدى أحد عليكم بقتال في الأشهر الحرم فقاتلوه، فيكون الباء هنا دالة على المقابلة والعوض كما هي في قولك: اشتريت الثوب بدرهم، فيكون المعنى أن هذا الاعتداء يكون مقابلًا تمامًا لما اعتدي به عليكم زمنًا ومكانًا، ويش بعد؟
الطلبة: كيفية.
الشيخ: وكيفية، زمنًا ومكانًا وكيفية، بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ، اتقوا الله أي: اتخذوا وقاية من عذابه، بماذا؟ بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وفي هذا المقام اتقوا الله فلا تتعدوا ما يجب لكم من القصاص؛ لأن الإنسان كما تعرفون إذا ظُلِم فإنه قد يكون عند الاقتصاص يتجاوز ويتعدى، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: فلذلك قال: وَاتَّقُوا اللَّهَ، فلا تتجاوزوا ما يجب لكم من القصاص.
قال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَاعلموا، شوف أمرنا أن نعلم، وهذا أوكد من مجرد الخبر، هذا أوكد من مجرد الخبر، يعني لو قال: واتقوا الله إن الله مع المتقين، هذا خبر لا شك ومؤكد، لكن إذا قال: اعلموا، أبلغ، يعني: يجب أن تعلموا أن الله مع المتقين، فيكون هذا أبلغ من مجرد الخبر.
وقوله تعالى: مَعَ الْمُتَّقِينَأي: المتخذين وقاية من عذاب الله، وكثيرًا ما يذكر الله تعالى أنه مع المتقين، مع الصابرين، مع المؤمنين، وما أشبه ذلك، كما أنه ذكر أنه مع الخلق مطلقًا كما في قوله تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة: ٧].
وهذا يشمل المتقي وغير المتقي، كل نجوى ثلاثة يكون الله رابعهم، أدنى من ذلك، أكثر، يكون الله تعالى معهم أينما كانوا، بل أشد من ذلك أن الله تعالى قد يذكر معيته مع المنافقين، كما في قوله تعالى: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء: ١٠٨]. فهنا ذُكِرت المعية على ثلاثة أوجه: ذكرت باعتبار وصف محمود، مثل: مع المتقين، مع الصابرين، وما أشبه ذلك، وذكرت باعتبار وصف مذموم، مثل: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ، وذكرت مجردة عن هذا وهذا، مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْإلى قوله: وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ، وكما في قوله أيضًا في سورة الحديد التي تلتها سورة (قد سمع) قال فيها: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد: ٤]، فلا بد لنا هنا من عدة أمور؛ الأمر الأول: هل ما ذكر من معية الله تعالى في هذه الأمور الثلاثة هل ينافي علو الله أو لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: الجواب: لا ينافيه، لا شك أنه لا ينافيه، لماذا لا ينافي علو الله، كيف نقول: إن الله مع هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء، ونقول: إنه لا ينافي علوه؟
الجواب على هذا من ثلاثة أوجه؛ الوجه الأول: أن الله تعالى جمع بينهما في كتابه، وما جمع الله بينهما في كتابه فليس بينهما تناقض، الدليل: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، كل شيء تراه في القرآن فإنه ما يمكن يتناقض؛ إذ لو جاز التناقض في خبر الله عز وجل لكان معناه أن أحد الخبرين؟
طالب: كذب.
الشيخ: كذب، وهذا مستحيل في أخبار الله عز وجل، إذن لا تناقض؛ لأن الله جمع بينهما في القرآن، ثانيًا الوجه الثاني: لا تناقض بين معنى العلو ومعنى المعية، فإن العرب يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، ويقولون: نسير والنجم معنا، ويقولون: نسير والجبل الفلاني معنا، وهو بعيد عنهم، القمر موضوع في السماء، والنجم موضوع في السماء، والجبل بعيد (...) يشاهدونه، ومع ذلك يقولون: إنه معنا، فهل لزم من المعية أن يكون الشيء مخالطًا لك؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، قد يكون معك وهو بعيد جدًّا عنك، إذا كان هذا ممكنًا في حق المخلوق فهل يكون ممتنعًا في حق الخالق؟ الجواب: لا؛ لأن لله تعالى أعظم وأوسع وأعم إحاطة من خلقه سبحانه وتعالى، السماوات السبع كلها والأرضون السبع في كف الرحمن كخردلة في يد أحدنا، واضح؟
الوجه الثالث: أن يقال: لو قُدِّر أن بينهما -أي: بين المعية والعلو- تناقضًا في حق المخلوق، فإن ذلك لا يكون في حق الخالق، لماذا؟ قال شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية: فإن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليٌّ في دنوّه قريب في علوّه. الله تعالى ليس كمثله شيء، ولا يمكن أن تقيس الله بالخلق أبدًا، الذي يقيس الخالق بالمخلوق لا شك أنه ظالم؛ لأن الله يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١]، فبهذه الوجوه الثلاثة علمنا أن ما أثبت الله لنفسه من المعية فإنه لا ينافي علوه، ولكن يجب أن نعلم أن هذه المعيات الثلاث تختلف بحسب مقتضياتها، فمثل المعية التي عُلِّقَت بوصف محمود ويش مقتضاها؟ مقتضاها مع الإحاطة النصر والتأييد والتثبيت، وما إلى ذلك، هذا مقتضاها.
فهنا مَعَ الْمُتَّقِينَيعني: بنصرهم وتأييدهم وتثبيتهم وتطمين قلوبهم ومساعدتهم على لزوم التقوى، كذلك مَعَ الصَّابِرِينَومَعَ الْمُؤْمِنِينَوما أشبه ذلك.
واعلم أن هذا القسم من المعية تارة يعلَّق بشخص وتارة يعلق بوصف، المعية الخاصة تارة تعلق بوصف وتارة تعلق بشخص، ويش مثال المعلقة بشخص؟ قوله تعالى عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: ٤٠]، هذه معية مقيدة بشخص، مع من؟ مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وقال الله تعالى لموسى وهارون: لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦] هذه مقيدة بشخص.
أما المقيدة بالوصف فمثل قوله: مَعَ الْمُتَّقِينَ، مَعَ الْمُحْسِنِينَ، مَعَ الصَّابِرِينَوما أشبه ذلك، هذه مقيدة بالوصف، ويسمي العلماء هذه المعية التي تقتضي النصر والتأييد والتثبيت يسمونها المعية الخاصة؛ لأنها تقتضي نصرًا وتأييدًا بهذا المعيَّن بوصفه أو شخصه.
أما الثاني الذي في قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد: ٤] وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا [المجادلة: ٧]، فهذه معية تقتضي الإحاطة بالخلق علمًا وسمعًا وبصرًا وقدرة وتدبيرًا، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته سبحانه وتعالى.
أما الثالثة: التي عُلِّقت بوصف مذموم فإنها تقتضي مع الإحاطة التهديد، تقتضي التهديد لهؤلاء الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الرب عز وجل وهو معهم، هذه مقتضيات المعية عند أهل السنة والجماعة، وأنكروا غاية الإنكار على من زعم أن مقتضاها أن الله مختلط بالخلق وحالٌّ في أمكنتهم أو حالٌّ في أعيانهم، والعياذ بالله، وهذا مذهب الحلولية من الجهمية وغيرهم، يقولون: إن الله عز وجل مع الخلق في أمكنتهم، نسأل الله العافية، فلا يُنَزِّهُون الله تعالى عما ينزهون منه أدنى أولادهم، على رأيهم الباطل الفاسد يقتضي أن الله تعالى يكون مع الإنسان في أخبث مكان؛ أو لا؟ لأن هذا مذهبهم، ويقتضي الذين يقولون: إنه مختلط حتى بأعيان المخلوقات لا مشاركًا لها في الأماكن يقتضي أن يكون الخالق جل وعلا حالًّا في ذات أخبث الحيوانات، هؤلاء يدّعون أنهم من أهل القبلة وأنهم من المسلمين، وصاروا أخبث من النصارى، النصارى ويش قالوا؟ إن الله حالٌّ فيمن؟
الطلبة: في عيسى.
الشيخ: في عيسى، عيسى نبي من الأنبياء رسول من الرسل من أولي العزم، لكن أولئك -والعياذ بالله- أهل الحلول يقولون: إنه حالٌّ حتى في أخبث الأبدان من الحيوانات، نسأل الله العافية؛ دعنا من الذين يقولون بوحدة الوجود عاد هذا دول ناس آخرين أخبث من هؤلاء وأخبث.
إذن المعية عند أهل السنة والجماعة لا تقتضي، ما نقول: لا تستلزم فقط، لا تقتضي أبدًا بأي حال من الأحوال أن يكون الخالق مخالطًا للخلق لا في أمكنتهم ولا في ذواتهم؛ فإن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه، واضح؟ لكنها تختلف مقتضياتها حسب ما أشرنا إليه، قد تقتضي التهديد، وقد تقتضي النصر والتأييد، وقد تقتضي مجرد الإحاطة والعلم، فهنا لا يلتبس عليك الأمر ولا يكون في ذهنك أو في فهمك هذا المذهب الخبيث.
ومن العجائب أن قدماء الجهمية قالوا بالحلول الذي أشرت إليه، وأن متأخريهم قالوا بالنفي المحض، قالوا: إن الله لا يوجد في مكان، فقالوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا متصل بالعالم ولا منفصل عن العالم، ولا فوق العالم ولا تحت العالم، ما في شيء، ولهذا قال بعض العلماء: لو قال لنا قائل: صفوا لنا العدم، ما وصفناه بأحسن من هذا الوصف، هذا وصف محيط، نسأل الله العافية والسلامة، فالحاصل أن الله سبحانه وتعالى هدى الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، وقالوا: نحن نؤمن بأن الله تعالى قد استوى على عرشه بذاته، وأنه عليٌّ على خلقه، وأن علوَّه من لوازم ذاته، وأن ما وصف الله به نفسه من كونه ينزل إلى السماء الدنيا، وكونه يقرب من بعض عباده، وكونه مع الخلق، كل هذا لا ينافي علوّه؛ لأن الله عز وجل محيط بكل شيء، فهو كما قال شيخ الإسلام: قريب في علوّه علِيٌّ في دنوه. ولكن الشيء الذي يعتري الإنسان في هذه الأمور والشبه التي تعتريه حيث يظن أن الخالق مثل المخلوق، فيقول: كيف يكون في السماء وعلى العرش ثم تقول: إنه معك، كيف يكون فوق السماء على العرش ثم تقول: يقرب منك؟ «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا» وما أشبه ذلك، فنقول: إن هذا الفهم إنما جاءك حيث ظننت أن صفات الخالق كصفات المخلوق، الآن انظر في نفسك روحك التي بين جنبيك هل صفاتها كصفات الجسم؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، تروح في الليل إذا نمت يمين ويسار وترجع، وإذا مات الإنسان صُعِدَ بها إلى السماء حتى تصل إلى السماء السابعة قبل أن يُدفن ثم ترجع، هل يتصور هذا أن يكون الجسم ولا ما يتصور؟
الطلبة: ما يتصور.
الشيخ: ما يتصور أن الجسم يصعد بهذه السرعة ويرجع بهذه السرعة، فإذا كان هذا في مخلوقات من مخلوقات الله عز وجل ما يمكن أن تقيسه على الجسم فكيف بالخالق؟
يقول بعض المشبهة، بعض الناس اللي عندنا هنا في بلادنا يقولون: تقولون: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، معنى ذلك أنه دائمًا نازل؛ لأن ثلث الليل مستمر، مستمر دائمًا، إذا طلع الفجر عندنا وإذا باقي شوية على اللي غرب عنا؟ نقول: هذا قولوا: إن الرسول كذب، أحسن، الرسول عليه الصلاة والسلام قال ها الكلام يخاطب جماعة أصح منا عقولًا وأعمق منا فهمًا ما أوردوا هذا الإيراد؛ لأنهم يعرفون أن الرب عز وجل ليس كالمخلوق، الله سبحانه وتعالى يصح أن نقول: إنه الآن نازل في الثلث الآخر من الليل في هذه الجهة من الأرض، يعني نزل إلى السماء الدنيا حين يكون ثلث الليل الآخر على هذه الجهة من الأرض، والجهة الأخرى اللي عندهم صباح أو عندهم أول الليل يكون نازلًا ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما يكون نازلًا، والله على كل شيء قدير، فلا يجوز للإنسان أن يرد ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله بمثل هذه ..
(...) للجهاد في سبيل الله؛ لأن الآية كما ترون هذه في سياق الجهاد، كما أنها في مقدمة الحج، في مقدمة آيات الحج، فيدخل فيها الإنفاق في الحج ولَّا لا؟ نعم، يدخل فيها.
قال: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، قال: لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْبعضهم يقول: إن الباء هنا زائدة، أي: ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة، والصواب أنها أصلية وليست بزائدة، وأن معنى (ألقى بيده) أقوى من معنى (ألقى يده)؛ لأن ألقى بيده أي أنه وضع يده فلم يكن بها حراك، بخلاف ألقى يده إلى التهلكة، وأيضًا يمنع أن نقول: المعنى ألقى يده، يمنعه قوله: إِلَى التَّهْلُكَةِ؛ إذ لو كان المعنى ألقى يده لقال: في التهلكة، ولم يقل: إلى التهلكة، فالباء أصلية، والمعنى: لا تلقوا بها، بمعنى أن لا يكون منها حراك، ألقى بيده كما يقول: ألقى بعصاه، ألقى بيده إلى التهلكة كأنه سلّمها إلى التهلكة، و(التهلكة) (تَفْعِلَة) من الهلاك، والمعنى: لا تلقوها إلى ما يهلككم. فما معنى قوله: لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ؟ المعنى: لا تلقوا بها إلى ما فيه الهلاك، الحسي أو المعنوي؟
طالب: كلاهما.
الشيخ: أو كلاهما؟ كلاهما، نعم؛ لأنها وردت فيمن امتنعوا عن القتال أو امتنعوا عن البذل في سبيل الله، وهذا هلاك حسي ولّا معنوي؟
طالب: معنوي.
الشيخ: هذا هلاك معنوي؛ لأنهم أهلكوا أنفسهم بترك ما يجب عليهم من الجهاد والإنفاق فيه، على أن هذا الهلاك المعنوي يترتب عليه الهلاك الحسي؛ لأنهم إذا تركوا قتال الأعداء قاتلهم الأعداء وتسلطوا عليهم، وإذا تركوا الإنفاق في سبيل الله لقتال الأعداء أيضًا تسلطوا عليهم، كذلك يدخل فيها الإلقاء بالتهلكة، الإلقاء باليد إلى التهلكة الحسية، ولهذا لا يجوز للإنسان أن يعرّض نفسه للمخاطر، ما يجوز للإنسان أن يعرض نفسه للمخاطر مثل أن يلقي نفسه في نار أو في ماء يغرقه، أو ينام تحت جدار مائل للسقوط أو ما أشبه ذلك، فإن هذا حرام، ويدل على هذا قوله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء: ٢٩]، حيث يدخل في هذه الآية لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْكل ما يؤدي إلى ضرر للبدن وإن لم يصل إلى درجة القتل، الدليل: أن عمرو بن العاص رضي الله عنه لما بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم في سرية وأجنب وإذا الجو بارد فتيمم وصلى بأصحابه، فلما رجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «أَصَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟». قال: يا رسول الله، ذكرت قول الله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًافتيممت، فضحك النبي عليه الصلاة والسلام وأقرّه . مع أنه لو اغتسل يقينًا بيموت؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما (...) على كل حال، لكن دلت الآية على أن ما كان سببًا للضرر فإنه داخل في النهي، كل شيء يضر البدن فإنك منهي عنه، ومن أجل هذه القاعدة عرفنا أن الدخان؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: حلال.
الطلبة: حرام.
الشيخ: حرام؟
طالب: نعم.
الشيخ: لأيش؟
الطالب: لأنه يضر.
الشيخ: لأنه يضر باتفاق الأطباء أنه ضار، كما أن فيه ضياعًا للمال أيضًا، وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن إضاعة المال.
إذن لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِيشمل الإلقاء باليد إلى التهلكة الحسية والمعنوية.
وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَأَحْسِنُوافعل أمر، ثم علّل هذا الأمر بقوله: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، الأمر بالإحسان يشمل الإحسان في عبادة الخالق والإحسان إلى المخلوق، الإحسان في عبادة الخالق وفي معاملة المخلوق، فما هو الإحسان في عبادة الخالق؟ الإحسان في عبادة الخالق بيّنه الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» ، الفرق بين الجملتين ظاهر جدًّا، فالأولى: عبادة طلب، والثانية: عبادة خوف، تعبد الله كأنك تراه تطلبه، أو إن لم تكن تراه فإنه يراك تخاف منه، والمرتبة الثانية أدون ولّا أعلى؟
الطلبة: أعلى.
الشيخ: المرتبة الثانية أعلى؟
طالب: أدون.
الشيخ: أدون، ولهذا قال: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ»، فالمرتبة الأولى أعلى، أن تعبد الله طلبًا للوصول إليه لا خوفًا من عقابه، وإن كان العبادة للأمرين جميعًا، لكن الأولى أعلى، أعلى شأنًا، أما الإحسان في معاملة الخلق فإن الإحسان في معاملة الخلق جمعها كلمة واحدة من الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَنْ تَأْتِيَ إِلَى النَّاسِ مَا تُحِبُّ أَنْ يَأْتُوا إِلَيْكَ» ، هذه كلمة جامعة أن تأتي إلى الناس ما تحب أن يأتوا إليك، إذا عامل الرجل الناس على هذا المنهاج أحسن ولّا ما أحسن؟
الطلبة: أحسن.
الشيخ: طيب، رجل عنده سلعة فيها عيب، لكنه عيب لا يَبِين، فباعها إلى شخص ولا أخبره، يكون محسنًا في المعاملة؟
طالب: غير محسن.
الشيخ: لأيش؟
طالب: لأنه ما أخبره.
الشيخ: لا؛ لأنه لا يحب أن يأتي إليه أحد بهذه المعاملة، ما يحب، إذن ما أحسن، لكن عامله وقال: إن في السلعة عيبًا هو كذا وكذا يكون محسنًا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يكون محسنًا، كذا؟ طيب، بعض الناس بهذه المناسبة يريد أن يبيع سلعة ويعرف أن بها عيب، فيعرضها للبيع ويقول: ترى تشتريها على أي صفة كانت ترى كل عيب بها، كل عيب بها، إن كانت سيارة يقول: ترى ما بعت عليك إلا الكفرات ولا طار القيادة فقط، ولا أحد عيونها، يجوز هذا ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: هل يعقل واحد يشتري مثلًا بستة آلاف يشرط طار القيادة أو كفرًا ما يسوى إلا مئتين ريال لو هو جديد، معقول هذا ولَّا لا؟
طالب: غير معقول.
الشيخ: لكن هم يقولون هكذا علشان لو يلقى بها عيب ويجي يقول: أبغي أرده لأجل العيب، قالوا: إحنا شارطين عليك، فما رأيكم في هذه المعاملة؟ إحسان ولّا إساءة؟
الطلبة: إساءة.
الشيخ: إساءة، إذن يجب أنه يبيّن، نعم لو فُرِض أن هذا الرجل اشترى هذه السيارة ولا علم أن بها عيبًا ثم باعها وخاف أن تُرد عليه بعيب فاشترط مثل هذه الشروط، فإن هذا جائز، هذا جائز، وهذا القول هو الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، على أن من علم بالعيب فكتمه ولو شرط البراءة من العيوب فإنها تلزمه، والمذهب يقولون: إن أبرأه من العيوب بعد العقد برئ، وإن أبرأه قبل لم يبرأ، ولكن الصواب أن المسألة ما ترجع إلى الإبراء قبل العقد أو بعده وإنما ترجع إلى علم الإنسان، علم البائع بالعيب أو عدم علمه، فإن كان عالمًا لم يبرأ إلا إذا عيّنه قال: ترى فيها العيب الفلاني، ورضي، هو دخل على بصيرة، وإن لم يكن عالمًا برئ.
طالب: ويش لون قول المذهب: يبرأ؟
الشيخ: المذهب، بعت عليّ سيارة، ويوم بعته ابتعت، إحنا الآن في مجلس الخيار، تراك تصبر بكل عيب فيها، وقلت: أنا صابر، وهو يدري أن بها العيب الفلاني لكنه ما معلّمك، المذهب يقولون: إنه يبرأ، لو وجد عيبًا ما يرده عليك، لماذا؟ لأنه أسقط الحق بعد ثبوته بالعقد، أما لو قلت: أبغي أبيع عليك السيارة هذه وترى فيها كل عيب، وقلت: أنا راضي وشريتها منك، فإنني لا يلزمني هذا، إذا وجدت العيب أردها عليك، إذا قال: ها ما كنت سقت الخيار، قلت: نعم، سقته قبل أن يثبت؛ لأنه ما يثبت الخيار إلا بعد العقد، واضح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لكن الصواب الذي ذكر شيخ الإسلام أنه هو المروي عن الصحابة أن المدار على أيش؟
الطلبة: علم البائع.
الشيخ: على علم البائع أو عدم علمه.
طالب: تبيين عيب السلعة حتى لو لم يطلب المشتري؟
الشيخ: نعم لو لم يطلب المشتري «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
قال: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، ولو لم يكن من الإحسان إلا هذا لكان كافيًا للمؤمن أن يقوم بالإحسان، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، إخواني، الإنسان ربما يصب لشخص كأسًا من الماء من البرّاد ليسقيه، هذا إحسان؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إحسان ولَّا لا؟
الطلبة: إحسان.
الشيخ: إحسان، إذا فعلت هذا فاستشعر أن الله يحبك، الله يحبك؛ لأن هذه نقطة مهمة ومفيدة، أنك إذا فعلت الإحسان تشعر بأنك ترجو بذلك محبة الله؛ لأن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، إذا أخبرت أخاك بمسألة من العلم فهمتها إحسان ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إحسان، استشعر هذا المعنى أنك بهذا العمل تعرضت لمحبة الله عز وجل وهكذا.
(...) وجوب قتال الكفار حتى ينتهوا عن الفتن؛ لقوله: حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ.
ويُستفاد منها: أنه إذا زالت الفتنة وقيامهم ضد الدعوة الإسلامية وذلك ببذل الجزية فإنهم لا يقاتَلون.
ويستفاد منها: أنهم إذا انتهوا إما عن الشرك بالإسلام وإما عن الفتنة بالاستسلام فإنه لا يُعتدى عليهم؛ لقوله: فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ.
ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: أن الظالم يجازى بمثل عدوانه؛ لقوله: فَلَا عُدْوَانَ، وقد قلنا فيما سبق: إن مثل هذا التعبير يراد به المماثلة للفعل، يعني أن تسمية المجازاة اعتداء من باب المماثلة حتى يكون الجزاء من جنس العمل.
ثم قال تعالى: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ، يستفاد من هذه الآية الكريمة: تسلية الله عز وجل للمسلمين بأنه إذا فاتهم قضاء عمرتهم في الشهر الحرام فيمكنهم أن يقضوها بالشهر الحرام من السنة الثانية كما حصل ذلك.
ومن فوائدها أيضًا: أن الحرمات قصاص، يعني أن من انتهك حرمتك فلك أن تنتهك حرمته مثلًا بمثل، ولهذا فرّع عليها قوله: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن المعتدي لا يجازَى بأكثر من عدوانه؛ لقوله: بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، فلا يقول الإنسان: أنا أريد أن أعتدي للتشفي، ومن ثم قال العلماء: إنه لا يُقتص من الجاني إلا بحضرة السلطان أو نائبه خوفًا من الاعتداء، أن الإنسان يريد أن يتشفى لنفسه فيعتدي أكثر ثم يمثّل به أو ما أشبه ذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل في معاملة الآخرين، وفي كل حال؛ لقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ.
ومنها: إثبات أن الله مع المتقين؛ لقوله.. ها؟
الطلبة: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.
الشيخ: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.
ومن فوائدها: تأكيد هذه المعية؛ ولهذا قال: وَاعْلَمُوا، لم يقتصر على مجرد أن يخبر بها، بل أمرنا أن نعلم بذلك، وهذا أمر فوق مجرد الإخبار.
ومن فوائدها أيضًا: إحاطة الله عز وجل بالخلق وتأييده للمتقين الذين يقومون بتقواهم، ووجه ذلك أنه من المعلوم بالعقل والفطرة والكتاب والسنة من المعلوم أن الله فوق جميع الخلق، ومع ذلك فقد أثبت أنه مع الخلق، وهذا دليل على إحاطته سبحانه وتعالى، وليس معنى كونه مع الخلق أنه مختلط بهم أو حالٌّ في أمكنتهم كما ذهب إلى هذا الوهم الفاسد مَن؟
الطلبة: الحلولية.
الشيخ: الحلولية من الجهمية وغيرهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة التقوى حيث ينال العبد بها أيش؟ معية الله، فإنه من المعلوم إذا كان الله معك ينصرك ويؤيدك ويثبّتك، فهذا يدل على فضيلة السبب الذي هو التقوى، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.
ثم قال الله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يُستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب الإنفاق في سبيل الله.
طالب: أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
الشيخ: وجوب، من أين عرفت الوجوب؟
الطالب: الأمر.
الشيخ: الأصل في الأمر؟
الطالب: الوجوب.
الشيخ: الوجوب، هل يدخل في هذا الزكاة ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، تدخل، هي أول ما يدخل؛ لأن هي أوجب ما يجب، أوجب ما يكون من الإنفاق في سبيل الله الزكاة، أوجب من الإنفاق في الجهاد وفي صلة الرحم وفي بر الوالدين؛ لأنها أحد أركان الإسلام.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الإخلاص في العمل، من أين؟
الطلبة: فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
الشيخ: من قوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ويدخل في هذا كما قلنا في التفسير القصد والتنفيذ، أن يكون القصد لله، وأن يكون التنفيذ على حسب شريعة الله، كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا [الفرقان: ٦٧]، لا تقل: أريد أن أنفق وأنفق كل شيء، لا تسرف ولا تقتر.
ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم الإلقاء باليد إلى التهلكة، من أين تؤخذ؟
طالب: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ.
الشيخ: من قوله: وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، وقد سبق في التفسير أن الإلقاء باليد إلى التهلكة يشمل التفريط في الواجب وفعل المحرم، أو بعبارة أعم يتناول كل ما فيه هلاك على الإنسان وخطر في دينه أو دنياه.
ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالإحسان؛ لقوله: وَأَحْسِنُوا، وهل الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ أما الإحسان الذي به تمام الواجب فهو للوجوب، وأما الإحسان الذي به كمال العمل فهو للاستحباب، فمثلًا إذا قُرِن الإحسان بالعدل صار الإحسان على سبيل..
طالب: الوجوب.
الشيخ: لا، على سبيل الاستحباب؛ لأن العدل هو الواجب، فيكون الإحسان فضلًا زائدًا عن الواجب، كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [النحل: ٩٠].
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإحسان، من أين تؤخذ؟
الطلبة: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
الشيخ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله عز وجل؛ لقوله: يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وهي محبة حقيقة على ظاهرها، وليس المراد بها الثواب ولا إرادة الثواب، خلافًا للأشاعرة وغيرهم من أهل التحريف الذين يحرّفون هذا المعنى العظيم إلى معنى لا يكون بمثابته، فإن مجرد الإرادة ليست بشيء بالنسبة للمحبة.
وقد سبق لنا مرارًا وتكرارًا أن شبهتهم هو أن المحبة إنما تكون بين شيئين متناسبين، وبيّنّا بطلان هذا التعليل، وأنه مخالف للنص ولإجماع السلف، ومنقوض بما ثبت في السمع والحس من أن المحبة قد تكون بين شيئيين غير متناسبين، فقد أثبت النبي عليه الصلاة والسلام أن أُحُدًا وهو حصى «جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» ، والإنسان يجد أن دابته تحبه، البعير إذا سمعت صوت صاحبها حنّت إليه وأتت إليه، وكذلك غيرها من المواشي.
تفسير الآيات (196-202)
01:09:18
ثم قال تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: ١٩٦] أَتِمُّواالإتمام يراد به إنهاء الشيء، ويراد به إكمال الشيء، أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة: ٣] أي: أكملتها، أتممت هذا العمل يعني أنهيته، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» ، فتبين الآن أن الإتمام يراد به الإنهاء، أيش بعد؟ والإكمال، مثاله في الإكمال وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، ليس المراد أنهيتها؛ إذ إن نعمة الله لا تزال تترى، ومثال الإنهاء: «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» أي: أنهوه.
أَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَيشمل المعنيين: أتموهما بالإكمال وأتموهما بالإنهاء، أما الإكمال فيكون بالإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الإكمال، ولهذا فسّر معنى الإتمام أو فسر الإتمام كثير من السلف بأن المراد أن تنشئ الحج والعمرة من دويرة أهلك، ويش معنى تنشئهما؟ أي: تسافر من بلدك قاصدًا الحج والعمرة، ولا تحمل تجارة فإذا وصلت إلى الميقات قلت: لعلّي أُحرِم، وعلى هذا التفسير يكون معنى الإتمام؟
طالب: الإكمال.
الشيخ: الإكمال بإخلاص النية لله عز وجل، وكذلك الإكمال بكون الحج موافقًا لشرع الله على حسب ما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام قولًا أو فعلًا أو أقرّه، «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، هذا إتمام.
المعنى الثاني للإتمام؛ الإنهاء؛ بمعنى أنك إذا شرعت فيهما لا تقطعهما، فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.
يقول: أَتِمُّوافَإِنْ أُحْصِرْتُمْ، قد يقول قائل: إن قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْيعيّن المعنى الثاني وهو أن الإتمام بمعنى الإنهاء؛ لقوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ، ولكننا نقول كما قررنا سابقًا: إن عطف الشيء بذكر أحكام بعض أفراده لا يقتضي التخصيص، ذكر الشيء أو عطف الشيء بذكر حكم بعض أفراده لا يقتضي التخصيص، ومثّلنا بالحديث: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يُقْسَم، فإذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شفعة. وقلنا: إن بعض أهل العلم قال: إن الشفعة ما تكون إلا بالعقار؛ لقوله: إذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق، ولا تكون في السيارات أو في المواشي أو ما أشبهها؛ لأن هذه لا تقع فيها الحدود ولا تُصَرَّف فيها الطرق، وقلنا: إن الصحيح أن الشفعة عامة حتى فيما لو كان بيني وبينك سيارة وبعت نصيبك منها فإن لي حق الشفعة؛ لأن الضرر الحاصل بالشريك الجديد في السيارة كالضرر الحاصل بالشريك الجديد في العقار، المهم أن قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْوإن كان هذا حكمًا خاصًّا يتعلق بالإتمام الذي بمعنى الإنهاء فإنه لا يقتضي تخصيص الآية به؛ إذ لا مانع من أن نعطف بذكر حُكم بعض أفراد العام.
وقوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ(أُحْصِرَ) الحصر بمعنى التضييق، ومنه سمّينا الكلام الدالّ على التخصيص سميناه حصرًا؛ لأنه يضيق الدائرة، فالحصر بمعنى التضييق، والمعنى: إِنْ أُحْصِرْتُمْأي: ضُيِّق عليكم حتى مُنِعتم من إتمامهما؟ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِيعني: فعليكم ما استيسر من الهدي، وعلى هذا فـ(إن) شرطية، فعل الشرط (أحصرتم)، وجوابه فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فالفاء رابطة للجواب، و(ما) مبتدأ خبره محذوف، والتقدير؟
طالب: فعليكم.
الشيخ: فعليكم ما استيسر من الهدي، لم يقل: ما تيسر، قال: ما استيسر، مبالغة في سهولته، فإنه (استيسر) بمعنى انقاد وسهل جدًّا حتى كان بمتناولكم وأيديكم.
وقوله: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ(من) هذه بيانية، بيان لـمَافي قوله: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، يعني: كأنه بيّن معنى قوله: مَا اسْتَيْسَرَ، ما استيسر من أين؟ من الدراهم؟ من الطعام؟
الطلبة: من الهدي.
الشيخ: من الثياب؟ لا، من الهدي، فتكون مِنَبيان لـمَافي قوله: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وما المراد بالهدي؟ الهدي ما كان من الأزواج الثمانية، ويش الأزواج الثمانية؟
طالب: الإبل، والبقر، والأغنام.
الشيخ: والأغنام.
الطالب: بنوعيها الذكر والأنثى.
الشيخ: لا.
الطالب: الضأن والمعز.
الشيخ: إي، بنوعيها الضأن والمعز، هذا معنى الهدي، والدليل ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث بهديه من الغنم فأهدى غنمًا ، وقيل: إن المراد بالهدي ما كان من الإبل والبقر؛ لأن هذه الآية لا شك أن أول ما يدخل فيها ما حصل في صلح الحديبية، والصحابة ما أهدوا إلا إبلًا وبقرًا، ما معهم غنم، ولكن يقال هذا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْالفعل مبني للمجهول، ومن فوائد بناء الفعل المجهول: إرادة العموم؛ لأنه لو بُنِي للفاعل وذُكِر الفاعل اختص الحكمُ به، إذا قلت مثلًا: أقام زيدٌ عمرًا، صار المقيم زيدًا، فإذا قلت: أُقِيمَ عمرٌو، صار عمرو، إذن فَإِنْ أُحْصِرْتُمْبأي سبب من الأسباب؛ بعدو، بمرض، بكسر، بضلال طريق، بضياع نفقة، بأي شيء، فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.
مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِثم ماذا؟ ثم نحل، من أين نأخذ أن المعنى فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِثم حِل؟ من قوله: وَأَتِمُّوا؛ لأن مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِعوض عن وجوب الإتمام الذي ألزمنا الله به، فالمعنى إِنْ أُحْصِرْتُمْعن الإتمام فلم تتمكنوا من إتمامهما فعليكم ما استيسر من الهدي.
ما تقولون لو قال قائل: أحصرتم بعدو؟ لأن الآية نزلت في الحديبية والإحصار كان فيها بعدوّ، فالجواب؟
الطلبة: أن هذا عام.
الشيخ: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولهذا بإجماع المسلمين أن قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍإلى آخره [المجادلة: ٣] أنها لا تختص بالذي نزلت فيه بالإجماع، وكذلك: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [البقرة: ٢٢٦] وغيرها ما تختص بمن نزلت فيهم، هذه أيضًا لا تختص، وإن كان سببها حصر النبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية لكنها لا تختص بالسبب.
وقوله: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، ولم يقل: من هدي، إشارة هنا إلى أن المراد بالهدي الهدي المعروف الذي يجزئ التقرب به إلى الله، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» ، وعلى هذا لا بد في الهدي من أن يكون قد بلغ السن المعتبر شرعًا، أما بعض الناس بعض العوام يأتي بهدي كُبر البِسّ يقول: هذا ما استيسر من الهدي؛ لأن الله يقول: مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، هكذا يقولون ويجادلون، فنقول لهم: ما قال الله عز وجل: فما استيسر من هدي، بل قال: مِنَ الْهَدْيِ(أل) التي للعهد العرفي المعروف شرعًا هو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً».
وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُفي الإحصار ولّا في غيره مطلقًا؟
طالب: في غيره.
الشيخ: في الإحصار؛ لأنه قال: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، هذا إذا قلنا: إن قوله: وَلَا تَحْلِقُوامعطوف على قوله: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، أما على القول بأنه معطوف على قوله: أَتِمُّواوَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهوَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ(...) يكون شاملًا للمحصر وغير المحصر، والمعنى الثاني هو الصواب، بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل في حجة الوداع: ما بال الناس حلوا ولم تحل؟ قال: «إِنِّي قَدْ سُقْتُ الْهَدْيَ فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» ، وهل في ذلك حصر؟
طالب: لا.
الشيخ: في حصر في حجة الوداع؟ لا، ما فيه، إذن هو شامل.
وقوله: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ، رُءُوسَكُمْهل المعنى: لا تحلقوا جميعها فحلق بعضها جائز؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، رؤوسكم، نقول: هنا قاعدة مهمة، أن الأمر إذا عُلِّق بالكل شمل الكل، ولا يحصل الامتثال به إلا بفعل الكل، الأمر إذا عُلِّق بالكل وتعلق به فلا يصح الامتثال إلا به، فقوله: امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ [المائدة: ٦] يشمل الرأس كله؛ لأنه أمر، ولا يتحقق الامتثال إلا بفعل المأمور به جميعه، أما في النهي فإنه يتعلق النهي بكله وبعضه؛ لأن المنهي عنه مفسدة، والمفسدة تكون بالقليل وبالكثير، فعلى هذا يكون قول الله: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْشاملًا للقليل وللكثير، وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ، إذا قلت لك: لا تأكل هذه الخبزة، مشيت عليها وكلتها حتى بقي مثقال ذرة، امتثلت ولّا لا؟ لم تمتثل، لكن لو قلت: كلها، فأكلتها إلا مثقال ذرة امتثلت ولّا لا؟
طالب: نعم، نعم.
الشيخ: سبحان الله، ما امتثلت، كُلْها، أكلتها إلا مثقال ذرة، ما امتثلت؛ لأن الأمر يتعلق بالجميع، إذا أمر الشارع بشيء فالمراد جميعه، ما يحصل الامتثال إلا بفعل جميعه، امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْما هي بعيدة، مسح الإنسان برأسه إلا قليلًا منه يمتثل ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما يمتثل، لكن إذا نهى عن شيء تعلق الحكم به جميعه، بمعنى أن فعل بعضه كفعل كله؛ لأنه مفسدة، ولا يتحقق اجتنابه إلا باجتناب جميعه، فاهمين ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ما يتحقق اجتنابه إلا باجتناب جميعه، إذن لَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ: لا تحلقوا شيئًا منها ولا كلها، حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ(حتى) حرف غاية، والمُغَيَّا ما هو؟
الطلبة: بلوغه.
الشيخ: المغيا يا إخوان؟
طالب: يبلغ الهدي محله.
الشيخ: أيش المغيا؟
طالب: بلوغ الهدي.
الشيخ: الغاية بلوغ الهدي محله، والمغيا حلق الرأس.
لَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْإلى أن يبلغ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، (محل) يحتمل أن تكون اسم زمان، بمعنى أن يصل إلى وقت حلوله وهو يوم؟
طالب: النحر.
الشيخ: يوم العيد، وليس المراد: إلى أن تذبحوا الهدي، وهذا من بلاغة القرآن، إلى أن يبلغ الهدي محله، ولهذا لو قدم الإنسان الحلق على النحر يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: في يوم العيد قدم الحلق على النحر يجوز لأن الهدي قد بلغ محله وإن كان ما ذُبِح، قد بلغ محله أي وقت حلوله.
وقوله: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُمعروف يعني ظاهر السياق أنه فيمن ساق الهدي، أما من لا هدي معه فلا يصح أن يتوجه إليه مثل هذا القول، وعلى هذا فيكون الحكم فيمن ساق الهدي سواء ساقه من بلده أو من الميقات، وبعضهم قال: أو من الحل، وبعضهم قال: أو من الحرم، ما لم يصل إلى مكة، فالمهم إذا ساقه الإنسان ما عاد يمكن يحل إلا يوم العيد، ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرغم من حبه للحل ما حل في حجة الوداع، وكان تمنى قال: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» ، دل هذا على أنه ما يجوز أن الإنسان إذا كان معه هدي أن يحل حتى يبلغ الهدي محله، ولهذا قال: وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ.
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْالخطاب لمن؟ لمن وُجِّه إليه الأمر الأول وهو قوله: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، إذن فالخطاب لمن شرع في الحج والعمرة.
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ، الآية لا شك أن فيها تقديرًا، يعني فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِفحلق فعليه فدية، مثل ما قلنا في الصيام فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ [البقرة: ١٨٤] فأفطر فعليه عدة.
يقول الله عز وجل: أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِأَوْ بِهِ أَذًى، التأذي غير الضرر، إنسان مريض قال له الأطباء: ما يشفي مرض رأسك وصداعك إلا أن تحلق، إذا حلقت راح عنك الصداع، يجوز يحلق ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأنه قال: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا، إنسان ما هو مريض، متعافي، لكن به أذى من رأسه، كيف أذى؟ الرأس إذا كان كثير الشعر يكون غالبًا كثير الوسخ إذا لم يتعهده الإنسان بالتنظيف، وإذا كان كثير الوسخ كان كثير القمل، والقمل معروف، ومعلوم أن القمل يؤذي الإنسان؛ لأنه يعض به ويشرب دمه، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: إذا كان به أذى من رأسه فحلق فالأمر مُيَسَّر والحمد لله، الأمر ميسر لكن عليه فدية، ولهذا قال: فَفِدْيَةٌ، هل يدخل في أذى الرأس الأذى ما لو كان به حكّة وقال له الأطباء: ما تزول إلا بحلق الرأس؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يدخل، أن تدخلها إما في المرض أو الأذى، لو قال له الأطباء هو الآن داخ وقال الأطباء: ما تزول منك الدوخة إلا إذا حجمت على رأسك، والحجامة تحتاج إلى حلق، يجوز؟
طالب: يجوز كذلك.
الشيخ: نعم، يجوز أن يحلق ويحتجم، وكذلك الجرح، لو قالوا: ما نصل إلى مداواة هذا الجرح إلا بحلق ما حوله من الشعر، نقول أيضًا: يجوز.
وقوله: فَفِدْيَةٌويش إعراب فدية؟
الطلبة: خبر لمبتدأ محذوف.
الشيخ: خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير؟
طالب: فعليه.
الشيخ: فعليه فدية، فعليه الفدية.
وقوله: فِدْيَةٌالفدية ما يُدفع لفداء شيء أغلى منه، الفدية ما يُدفع للافتداء عن شيء أغلى منه، إذن الآن لو أن أحدًا أخذ منك سيارة وقال: ما أدفعها لك إلا بعشرة آلاف ريال، والسيارة ما تسوى إلا ألف، تدفع له عشرة؟
الطلبة: لا.
الشيخ: أخلي العشرة عندي ولا أدفع له عشرة وآخذ الألف ريال، خسر تسعة آلاف، لكن إذا كانت تسوى..





