فيكون الأول عامًّا والثاني خاصًّا، فلا تجب الزكاة إلا فيما كان خمسة أوسق فأكثر.
وقال الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: ١١] هذا عام في الولد سواء كان موافقًا لأبيه في الدين أو مخالفًا، وفي الحديث: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» هذا خاص، العموم والخصوص الوجهي، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» . هذا «لَا صَلَاةَ» عام في كل الصلوات، و«بَعْدَ الْعَصْرِ» خاص باعتبار الوقت بعد العصر، وقال عليه الصلاة والسلام: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ» هذا عام في جميع الأوقات. و«فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» خاص بماذا؟ بتحية المسجد، فهذان بينهما عموم وخصوص من وجه، واضح؟
هذه الآية: لَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧] عامة في جميع الجدال، وخاصة بماذا؟ بالحج. وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥] عامة في كل الأحوال، ولكنها خاصة في الجدال في الدين، فأيهما نُقدم؟ نقول: الظاهر أننا نقدم هنا آية الدعوة إلى الله، وأن الجدال في الدين إذا لم يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء النسك فإنه لا بأس به؛ لأن الجدال في الدين فرْض لدحض الباطل وإثبات الحق، فإذا لم يمكن تأجيله إن أمكن تأجيله فهو الأولى، كيف أمكن تأجيله؟ بحيث لا يتعلق بعمل في النسك يفوت بفواته، وبحيث يكون هذا المجادل موجودًا معي حتى أتم النسك، فإن كان هذا اللي بيجادل في الدين ما أجده إلا الآن، أو كان في مسألة تتعلق بالنسك وتفوت فإنني أجادله ولكن بماذا؟ بالتي هي أحسن، نعم، إذا وصل الحد في الجدال إلى مراء ومكابرة وعرفت من صاحبي أنه لا يريد إلا الانتصار لرأيه فحينئذٍ أمسك؛ لأن المسألة وصلت إلى أي شيء؟ إلى المماراة ما صار المراد بها الوصول إلى الحق.
ثم قال تعالى: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّه [البقرة: ١٩٧] لما نهى عن هذه الشرور انتقل إلى الأمر بالخير فقال: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُهذه الجملة الشرطية كما ترون؛ فعل الشرط: تَفْعَلُوا، وجواب الشرط: يَعْلَمْهُ اللَّهولهذا جُزم وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُوإنما قال الله عز وجل لنا هذا حثًّا لنا على فعل الخير بأن نعلم إذا كان الله يعلمه أنه أيش؟ لن يضيع وسيبقى لنا.
وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍالجملة هذه شرطية، فعل الشرط فيها: تَفْعَلُواوأداة الشرط: مَا. ومِنْ خَيْرٍمِنْبيانية تبين المبهم مطلقًا؛ لأن مَاشرطية مبهمة كالموصول، وهذه بيّنتها. وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍوخير نكرة في سياق الشرط فيشمل كل خير سواء كان قليلًا أو كثيرًا. يَعْلَمْهُ اللَّهُهذا جواب الشرط يعلمه الله عز وجل وليس الغرض من هذا بيان إحاطة الله به علمًا لكن المقصود بذلك الحث على فعل الخير؛ لأن الله تعالى إذا كان يعلمه فإنه لا يظلم فاعله بل يجازيه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُفالغرض إذن أو المقصود بهذه الجملة الحث على فعل الخير، ولهذا قال بعدها: وَتَزَوَّدُواتزودوا: اتخذوا زادًا، وليست من الزيادة لو كانت من الزيادة لقيل: وازدادوا أو وزيدوا، ولكنها من (الزاد) يعني اتخذوا زادًا لأنفسكم، زادًا للجسد وزادًا للقلب؛ زاد الجسد مثل: الطعام والشراب، وزاد القلب: الإيمان والعمل الصالح، وأيهما أفضل؟ قال: فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىكأنه قال سبحانه وتعالى: وتزودوا فإن في الزاد خيرًا، ولكن خير الزاد التقوى أي تقوى الله عز وجل؛ وهي اتخاذ وقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا أجمع ما قيل في التقوى، أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
وقوله: تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىيشبهها من بعض الوجوه قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا [الأعراف: ٢٦] هذا اللباس الحسي وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: ٢٦] هذا اللباس المعنوي الذي يكسو به الإنسان عورته الدينية، قال: فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة: ١٩٧] ثم قال: وَاتَّقُونِاتقون: فعل أمر والنون للوقاية والياء المفعول به محذوف للتخفيف. وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِلما حث على التقوى ورغّب فيها أمر بها طلبًا لخيرها. وقوله: يَا أُولِي الْأَلْبَابِأي: يا أصحاب العقول، فـ(أولي) بمعنى أصحاب كما قال تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ [النور: ٢٢]. أي: أصحاب الفضل والسعة، والألباب جمع (لُبّ) وهو العقل، ووجَّه الله تعالى الأمر إلى أصحاب العقول؛ لأنهم هم الذين يدركون فائدة التقوى وثمرتها، أما السفهاء فلا يدركونها، فالخطاب إذن موجَّه لأولي الألباب، لا لأن التقوى لا تجب إلا عليهم، ولكن لأنهم هم الذين يُقدّرون الأمور ويعرفون ثمراتها ويمتثلون أمر الله وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.
ثم قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: ١٩٨].
طالب: يا شيخ، يعني (تتقون) الياء محذوفه للتخفيف ولَّا لأنه مجزوم؟
الشيخ: لا، للتخفيف؛ لأن ياء المفعول به ما تحذف علشان الجزم، تحذف للتخفيف.
وقوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْلما أمر بالتزوّد وبين أن خير الزاد التقوى، وأمر بالتقوى قد يقول قائل: أنا إذا حملت تجارة أثناء حج صار عليَّ في ذلك إثم، ولهذا تحرج الصحابة من الاتجار في الحج، فبين الله عز وجل أن ذلك لا يؤثر، وأنه ليس فيه إثم لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْالمراد به أن تبتغوا الرزق، أي: تطلبوا الرزق بالتجارة، كقوله تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: ٢٠].
وكقوله تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: ١٠] فهنا قال: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْأي: أن تطلبوا زيادة من الله عز وجل في أموالكم، هذا الإطلاق مقيد بالنصوص الأخرى التي تدل على أنه لا بد من أن يكون الاتجار على سبيل الحِلّ، فلو اتجر الإنسان وطلب فضلًا من الله بمعصيته فعليه جناح؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: لو قال: إنه سيتجر بالدخان عليه جناح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: عليه جناح، فالإطلاقات هذه مقيدة بالنصوص الأخرى، إذن لو أن الإنسان في أثناء حجه حمل شيئًا يبيعه هناك جائز ولَّا لا؟
طالب: نعم، صار مباحًا.
الشيخ: إي نعم، جائز إذا كان مباحًا، كانوا بالأول يحملون التمر إلى مكة ويتجرون به، ويحملون الدهن وإلى الآن وهم يحملون أنواع الأقمشة وأنواع الفرش والسجاجيد يبتغون الفضل من الله عز وجل لا بأس به، وكذلك لا بأس أن تشتري من مكة في أثناء أدائك الحج لطلب التجارة، ولا حرج فهذا مما رخّص الله فيه، هل مثل ذلك أن يُؤجر الإنسان سيارته وهو يريد الحج؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، لو قال قائل: أبغى أروح أؤجر سيارتي هل يجوز أؤجرها وأنا أبغى أحج عليها؟
الجواب: نعم، جائز ولا حرج، بعض الناس يتوهم أن ما له أجر إذا صار راح يدور الأجرة، نقول: بل لك أجر؛ لأنك لو شئت لسافرت بالسيارة وحججت بالعالم، ولم تحج أنت، فلما حججت إذن كنت أردت الحج.
طالب: ما صار ينقص يا شيخ.
الشيخ: ها؟
الطالب: ما صار ينقص أجره في العمل؟
الشيخ: الله أعلم بالنيات قد ينقص وقد لا ينقص، إنما لا شك أن الخالص أكمل.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٨].
إذا أفضتم؛ أصل الإفاضة الاندفاع، ومنه إفاضة الماء، ومنه الإفاضة في الحديث أي الكلام والاستمرار فيه، ومعنى أفضتم أي: دفعتم من عرفات، والتعبير بأفضتم يُصور لك هذا المشهد كأن الناس أودية تندفع، وهو كذلك الآن حتى إلى الآن حتى في السيارات تشاهد هذا المشهد كأنها أودية وشعبان تجري.
إِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍعرفات جمع وليس بجمع، جمع لفظًا غير جمع مسمى، فالاسم جمع والمسمى واحد، ولهذا يقول النحويون: إن عرفات ملحق بجمع المؤنث السالم وليس جمع مؤنث سالمًا. وقوله: إِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍعرفاتاسم موقف معين معلوم للمسلمين، وسمي عرفات لعدة مناسبات: قيل: لأن الناس يعترفون هناك بذنوبهم ويسألون الله عز وجل أن يغفرها لهم، وقيل: لأن الناس يتعارفون بينهم إذ إنه مكان واحد يجتمعون فيه في النهار فيعرف بعضهم بعضًا، وقيل: لأن جبريل لما علّم آدم المناسك ووصل إلى هذا قال: عرفت؟ فقال: عرفت. وقيل: لأن آدم لما أُهبط إلى الأرض وزوجته تعارفا في هذا المكان. وقيل: لأنها مرتفعة على غيرها، والشيء المرتفع يسمى عُرفًا، ومنه أهل الأعراف وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا [الأعراف: ٤٨].
ومنه عرْف الديك؛ لأنه مرتفع، وكل شيء مرتفع يسمى بهذا الاسم، وعندي -والله أعلم- أن هذا هو الأقرب، هذا والأول أنه سُمي لأن الناس يعترفون فيه لله تعالى بالذنوب؛ ولأنه أرفع ما حوله، أرفع الأماكن التي حوله، هذا المشعر حلال ولَّا حرام؟ هذا المشعر حلال خارج الحرم، ومع ذلك فهو الحج، شوف الحكمة، هو الحج كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» الحكمة من ذلك لأجل أن يرجع الناس إلى البيت العتيق من الحل، أن يرجع الناس إليه من الحل، يقصدونه من الحل، لولا وقوف الناس بعرفة لقصد الناس البيت من أين؟ من الحرم، ولكن الله عز وجل فرض الوقوف بعرفة ليقصد البيت من الحل، ومن ثم أمر النبي عليه الصلاة والسلام عائشة لما أرادت العمرة أن تحرم من أين؟ من التنعيم لأجل أن تأتي إلى الحرم من أين؟ من الحل فيصح القصد.
فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍفيه واحد يسأل، بيقول: إنه محرم بعرفات، وأنه وجد شجرة فقطعها فهل عليه بدنة أو بقرة أو شاة؟
طلبة: ما عليه شيء.
الشيخ: ولا واحد من دولي؟ لماذا؟
طلبة: لأنه حِلّ.
الشيخ: لأنه حِلّ، والشجر يتعلق التحريم فيه إذا كان في داخل الأميال.
فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِالفاء هنا واقعة في جواب الشرط (إذا). فَاذْكُرُوا اللَّهَ. وقوله: إِذَا أَفَضْتُمْفَاذْكُرُوااذكروا الله باللسان، باللسان ولا بالجِنان؟
الطالب: باللسان والقلب.
الشيخ: باللسان والقلب والجوارح، ولهذا قال: إِذَا أَفَضْتُمْفَاذْكُرُوا، ومن ثَمَّ لما نزل النبي عليه الصلاة والسلام ليبول في أثناء الطريق قال له أسامة: الصلاة يا رسول الله فقال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» لأن الصلاة من أعظم الذكر كما قال الله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت: ٤٥] يعني الذي فيها من ذكر الله أكبر وأعظم، فهي أفضل ما يكون من الذكر، والله عز وجل أمرنا أن يبادر بذكره مِن حين الإفاضة، فلما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام بمزدلفة أذَّن لصلاة المغرب وأقام وصلَّى المغرب فورًا قبل حط الرحل وبعد الانتهاء من صلاة المغرب حط رحله، ثم صلى العشاء، إذن فيشمل فَاذْكُرُوا اللَّهَيشمل ذكر الله في القلب واللسان والجوارح، ومنه الصلاة؛ صلاة المغرب والعشاء أول ما تصل، ثم صلاة الفجر والدعاء بعدها عند الانصراف.
وقوله: عِنْدَ الْمَشْعَرِالمشعر: مكان الشعيرة فهو (مَفْعَل) اسم مكان، وهو المكان الذي تؤدَّى فيه شعيرة من شعائر الله عز وجل، وهو المبيت بمزدلفة.
وقوله: الْحَرَامِيعني ذو الحرمة؛ لأنه داخل الأميال، شوف مشعر حرام سماه الله مشعرًا، لكن المسجد يسميه الله تعالى المسجد الحرام، وهنا قال: الْمَشْعَرِ الْحَرَامِفقد يستفاد منه أن المسجد الحرام الذي تضاعف فيه الصلاة إنما هو المسجد نفسه وإلا لكان هذا أيضًا مسجدًا؛ لأنه مكان عبادة.
وقوله: الْحَرَامِقال العلماء: إن هذا الوصف وصف قيدي وليس وصفًا كاشفًا، وأظن مر علينا الفرق بين الوصف الكشفي اللي يكشف الصفة الكاشفة وبين الوصف التقييدي الذي يُراد به القيد، هنا يراد به القيد ليُخرج المشعر الحلال؛ وهو عرفة، ولهذا قال العلماء: إن المشعر مشعران: حلال وهو عرفة، وحرام وهو مزدلفة. فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِكلمة عِنْدَقد يقول قائل: لماذا لم يقل: فاذكروا الله في المشعر بل قال: عِنْدَ؟
ذلك لأن المشعر الحرام -والله أعلم- هو الذي وقف عنده الرسول عليه الصلاة والسلام حينما وقف عليه حينما صلى الفجر فيكون الذي عنده كله من المشعر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَقَفْتُ هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» مزدلفة كلها موقف، ومزدلفة عامة الناس الآن يظنون أنها ما حول المشعر، وليس كذلك فإن المزدلفة واسعة تصل إلى قريب من مِنى ما بينها وبين مِنى إلا وادي محسر.
عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِوَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْأمر بالذكر مرة أخرى لكن لأجل التعليل الذي بعده اذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْلا تظن أن هذا تكرار لا فائدة منه، بل هو تكرار لفائدة وهو بيان العلة من الأمر بالذِّكر، ويش العلة؟ الهداية، ولهذا الكاف هنا للتعليل، اذكروا الله لهدايته إياكم، فالكاف هنا ليست للتشبيه، ولكنها للتعليل و(ما) ويش إعرابها ما؟ مصدرية يؤول الفعل بعدها بمصدر، فإذا قال قائل: أثبِت لنا شاهدًا على أن الكاف تأتي للتعليل، فهل يمكنكم أن تأتوا بشاهد؟
طالب: شيخ، التحيات: اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم.
الشيخ: نعم، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم؛ أي: لأنك صليت على إبراهيم، وكذلك مر علينا فيما سبق في القرآن: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ [البقرة: ١٥١]. فالكاف للتعليل تأتي في اللغة العربية بكثرة.
طالب: هذا ما يظهر من التحيات يا شيخ؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: التحيات يمكن أن يقول قائل: إنها صلى عليه.
الشيخ: كصلاته عليه.
طالب: لأن وأنت قد صليت على إبراهيم قبل، هذا ما يظهر في القرآن.
الشيخ: إذن للتعليل؛ يعني لأنك صليت على إبراهيم فصلِّ على محمد؛ فهو توسل إلى الله تعالى بفعل سبق منه نظير ما سألت.
وقوله: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْقوله: هَدَاكُمْيمر علينا كثيرًا أن الهداية نوعان: هداية الدلالة، وهداية التوفيق، قال الله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت: ١٧] هذه هداية أيش؟
الطلبة: الدلالة.
الشيخ: الدلالة، وهنا كَمَا هَدَاكُمْيشمل المعنيين جميعًا؛ يعني هداية الدلالة وهداية التوفيق، فأنت تذكر الله عز وجل لشكر نعمته عليك بالهدايتين؛ هداية العلم، وهداية التوفيق.
ثم قال: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [البقرة: ١٩٨].
إِنْشرطية، ولا تستعجلوا خلينا نشوف، إن شرطية وكُنْتُمْفعل الشرط، صح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا، كيف؟
طالب: لأن ما في جواب.
الشيخ: ويش هي؟
طالب: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ.
الشيخ: وإن كنتم من قبله لمن الضالين فقد هداكم محذوف.
طالب: مخففة من الثقيلة بدليل اقتران اللام.
الشيخ: نعم، صح، (إن) هذه مخففة من الثقيلة بدليل وجود اللام الفارقة، إذن التقدير: وإنكم كنتم من قبله لمن الضالين.
طالب: يعني مخففة.
الشيخ: مخففة من الثقيلة نعم، اسمها ضمير الشأن محذوف، وسبق أن بعض النحويين يُقدر ضمير الشأن بضمير مفرد مذكر غائب، ويقول: التقدير: وإنه أي الشأن. وسبق أن الصواب أن ضمير الشأن يُقدّر بما يناسب المقام؛ يعني: وإنكم كنتم من قبله لمن الضالين. وفي قوله: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْفيه تذكير لنعمة الله تعالى بهذه الهداية حيث إنكم كنتم قبل ضالين، والضال يشمل الضال عن جهل والضال عن علم، والضال عن جهل معناه اللي ما علم بالحق أصلًا، والضال عن علم الذي أضاع الطريق الذي ينبغي أن يسلكه؛ وهو الرشد، العرب من قبل هذا الدين ضالون؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ضلال عن جهل ولَّا عن علم؟
طلبة: عن جهل.. عن علم.
الشيخ: منهم من هو عن جهل ومنهم من هو عن علم؛ فمثلًا قريش ما تروح لعرفة ما تُفيض من عرفة، وإنما تقف يوم عرفة في مزدلفة لأيش؟ قالوا: لأننا نحن أهل الحرم، كيف نروح نقف هناك في الحِلّ نخرج عن الحرم الآمن ونقف في حِلّ؟! لا ما يمكن، هذا غير ممكن! فيقفون في مزدلفة ولا يفيضون من حيث أفاض الناس، ولهذا قال: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَوهذا من جهلهم، قد يكون عن عناد، وأنهم يعلمون أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يقف هناك، وقد يكون عن جهل.
وقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِقبل مَن؟ الضمير يعود على مَن؟ أي من قبل الله؟
طالب: من قبل النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: من قبل الله ما يمكن، ما يمكن أن يكون قبل الله.
من قبله؛ من قبل القرآن؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: من قبله من قَبل القرآن، صح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: من قبله؛ من قبل الرسول يصلح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، من قبله من قبل الهدى؟
الطلبة: إي نعم. هذا صحيح.
الشيخ: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِأي: من قبل هذا الهدى: لَمِنَ الضَّالِّينَ، كل ذلك يحتمل وكله متلازم، فالهدى من أين جاء؟ من القرآن، ومن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذن يعني القول باختلاف مرجع الضمير مؤدَّاه واحد للتلازم بين هذه المراجع؛ مراجع الضمير.
طالب: يعني هذا ما هو مرجح يا شيخ لأنه حتى إن الله أنزل على الرسول وعلى إبراهيم كله عارفين ما اهتدوا إلا..
الشيخ: لا، بعضهم جاهل، فهم (من قبله) من قبل إنزال القرآن، أو (من قبله) من قبل محمد، وكما قلت لك قلت: إنها متلازمة؛ لأن القرآن فيه الهدى ومحمد عليه الصلاة والسلام جاء بالهدى.
طالب: شيخ، (إن) المخففة من الثقيلة، قلنا: يعني أنها ليست شرطية وأنها مخففة من الثقيلة، قوله: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٢٧].
الشيخ: لا، هذه شرطية.
طالب: ما هي مخففة من الثقيلة؟
الشيخ: لا، ما هي مخففة.
طالب: (إن)؟
الشيخ: إِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَما هي مخففة من الثقيلة، شرطية.
طالب: هي (إن) مخففة.
الشيخ: أيهم؟
طالب: (...) إنَّ أنْ.
الشيخ: إِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ.
طالب: إي، هذه مخففة.
الشيخ: لا، هذه شرطية.
طالب: اللفظ هذا، (...)؟
الشيخ: لا، بينهما فرق؛ لأن (إن) المخففة، تجد فيها..
طالب: (...).
الشيخ: لا، اللفظ واحد، إن الشرطية، وإن المخففة، وإن النافية لفظها واحد، لكنها بس تختلف بحسب العمل، إن المخففة هي إنَّ فقط، (إنَّ) اللي هي للتوكيد تنصب الاسم وترفع الخبر، ولهذا نقول: إِنْ كُنْتُمْإن مخففة من الثقيلة، وجملة كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَخبرها.
طالب: شيخ، له فائدة يعني بلاغية أو نحوية؟
الشيخ: إي نعم، التخفيف على اسمه، فيه التخفيف لنفس العامل اللي هي (إن)، وفيه التخفيف من جهة حذف اسمها.
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٩٩]. قوله: ثُمَّ أَفِيضُواهذه الجملة اختلف فيها المفسرون؛ فمنهم من قال: أفيضوا من عرفة بدليل قوله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُويكون الخطاب هنا لمن؟ لقريش. هذا الرأي من جهة واضح، ومن جهة مشكِل، فمن قوله: مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُواضح أن المراد أفيضوا من أين؟ من عرفات. لكن قوله: ثُمَّ أَفِيضُوابعد قوله: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٨] مُشكل، وجه الإشكال أن (ثُمَّ) للترتيب، والإفاضة من عرفات قبل المشعر الحرام ولَّا بعده؟ قبله، وظاهر السياق إذا قلنا: إن أفيضوا من عرفات أن الإفاضه من عرفات تكون بعد مزدلفة، والواقع خلاف ذلك، فأجابوا عن هذا بجوابين:
الجواب الأول: أن الترتيب هنا ترتيب ذِكري لا ترتيب زمني حكمي؛ يعني أن الله عز وجل ذكر هذا، رتَّبه في الذكر فقط لا أنه مرتَّب عن ذاك بالزمن والحكم؛ لأنه بالزمن والحكم سابق عليه وليس متأخرًا عنه، فيكون كقول الشاعر:
الشيخ: وأبوه وجده عكس تام، أبوه وجده قبله ولَّا بعده؟
طالب: قبله.
الشيخ: قبله. ثانيًا: أن قوله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُهذا عطف على قوله: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍكأنه قال: ثم لتكن إفاضتكم من عرفات من حيث أفاض الناس. وسيأتي -إن شاء الله- بيان القول الراجح.
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: ١٩٦].
يستفاد من هذه الآية: جواز حلق الرأس للمرض أو الأذى لقوله: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِإلى آخره.
ويستفاد منه: أن فديته على التخيير لقوله: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ.
ويستفاد به: أن كفارات المعاصي فداء للإنسان لقوله: كفارات المعاصي فداء للإنسان من العقوبة لقوله: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن محظورات الإحرام لا تفسده، من أين تؤخذ؟ أن الله لم يُوجب بحلق الرأس مع أنه من محظورات الإحرام إلا الفدية؛ ومعنى ذلك أن الحج صحيح فهمتم؟ فيكون في هذا رد لقول ابن حزم رحمه الله: إن محظورات الإحرام تفسده كسائر العبادات؛ فإن العبادات تفسدها محظوراتها إلا الحج، لكنه يستثنى من هذا الجماع قبل التحلل الأول؛ فإنه يفسد الحج، لكنه يفسده ولا يفسده؛ يفسده ويجب عليه المضي فيه وقضاؤه من العام القادم فهو مفسِد لا يخرج منه، ولكنه يلزمه القضاء.
ويستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان السنة للقرآن، بيان السنة للقرآن من أين تؤخذ؟ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍما ندري ويش الصيام ولا الصدقة ولا النسك، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن ذلك بأن الصيام ثلاثة أيام، والإطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك شاة، وألحق العلماء بحلق الرأس جميع محظورات الإحرام ما عدا شيئين وهما: الجِماع في الحج قبل التحلل الأول وجزاء الصيد، فالجماع في الحج قبل التحلل الأول يجب فيه بدَنة، وجزاء الصيد يجب فيه أيش؟ مِثله أو عدل ذلك صيامًا، أو إطعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا، وما عدا ذلك من المحظورات ففديتها كفدية حلق الرأس، كل المحظورات؛ المباشرة فديتها كفدية حلق الرأس، الإنزال ولو قبل التحلل الأول فديته كفدية حلق الرأس، كل المحظورات فديتها كفدية حلق الرأس إلا الجماع وإلا جزاء الصيد.
ويستفاد من الآية الكريمة، يستفاد منها: البداءة بالأيسر فالأيسر.
مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍأو لا؟
طلبة: يختلف الحال، يختلف.
الشيخ: إي نعم، تختلف الحال، قد يكون الصيام أشق، وقد يكون الإطعام أشق، وقد يكون النسك أشق.
طالب: (...) البداءة بما هو يسير أو بمن يستطيعه كل أحد.
الشيخ: لا، ما على كل حال.
طالب: ما يعتبر تيسيرًا هنا يا شيخ؟
الشيخ: التيسير من جهة التخيير.
الطالب: (...).
الشيخ: من جهة التخيير إي نعم.
إذن يستفاد من الآية الكريمة: التيسير على العباد وذلك بوقوع الفدية على التخيير.
ثم قال الله تعالى: فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة: ١٩٦] هذا معطوف كما قلنا على قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْيقابله: فَإِذَا أَمِنْتُمْأي: زال عنكم الخوف.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز التمتع في أشهر الحج، أو جواز العمرة في أشهر الحج لقوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة: ١٩٦]. وقد سبق أن أهل الجاهلية يرون أن العمرة في الحج في أشهر الحج من أفجر الفجور.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن التمتع تيسير من الله على العباد لقوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّوإلا فالمفروض أن من أحرم في أشهر الحج المفروض أنه يتم الحج، يبقى على إحرامه إلى أن يحلّ منه يوم العيد، لكن من تيسير الله عز وجل أنه جعل للإنسان أن يتمتع بالعمرة إلى الحج.
ويستفاد منها: أنه إذا حلَّ المتمتع من عمرته جاز له كل شيء حتى النساء، من أين تؤخذ؟ من قوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ؛ لأن إطلاق التمتع لا يكون إلا كذلك.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن من لا يحل من عمرته لا يسمى متمتعًا لقوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ. وعلى هذا فالقارن ليس بمتمتع، وهو كذلك عند الفقهاء أن القارِن غير متمتع، فالمتمتِّع هو الذي يحلّ من العمرة والقارِن هو الذي يجمع بين العمرة والحج، لكن ذكر كثير من أهل العلم أن القارِن يُسمى متمتعًا في لسان الصحابة، وذلك لأن بعض الصحابة عبّر عن حج النبي صلى الله عليه وسلم بالتمتّع، فقالوا: تمتّع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج . ومن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلّ من إحرامه ولّا ما حل؟ ما حل، ولهذا قال الإمام أحمد:
لا أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارنًا والمتعة أحب إليه، عرفتم؟ ومن أجل أن القارن ليس متمتعًا صار وجوب الهدي على المتمتع بالإجماع، ووجوب الهدي على القارِن عند أكثر أهل العلم، وقد نص الإمام أحمد أن القارن ليس كالمتمتّع، لكن جمهور أهل العلم قالوا بوجوب الهدي عليه كالقارِن. وأصل ذلك العِلّة في وجوب الهدي على المتمتع.
هل هو الجمع بين نُسكين في سفر أو هو التمتّع بين العمرة والحج بما أحل الله؟
طالب: التمتّع.
الشيخ: فمن قال: إن العلة هي التمتع قال: لا هدي، ومن قال: إن العِلّة هو الترفُّه بترك أحد السفرين وجمع النسكين في سفر واحد قال: إن عليه الهدي، وهذا -كما قلت لكم- هو رأي جمهور أهل العلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: تيسير الله عز وجل على العباد لقوله: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِواضح تيسير واضح. والدين كله -والحمد لله- من أوله إلى آخره مبني على اليُسر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هدي التمتع لا بد أن يكون مما يجزئ في الأضحية لقوله: مِنَ الْهَدْيِ(أل) لأن الهدي (أل) فيها للعهد الذهني؛ أي الهدي المعهود ذهنًا وهو الهدي الشرع، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً» .
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هدي التمتع أو أن ما يجب بالتمتّع على الترتيب، من أين يؤخذ؟ من قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ.
طالب: شيخ، نفس الفائدة التي.
الشيخ: الفائدة هذه أن ما يجب بالتمتّع على الترتيب، الهدي أولًا فإن لم يجد فالصيام بخلاف ما يجب في الفدية لقد سبق أنه على التخيير.
ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن في قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْما وجه ذلك؟
طالب: لأنه يشمل..
الشيخ: لأن حذف المفعول للعموم، فهنا استفدنا زيادة المعنى مع اختصار اللفظ؛ لأن قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْأي: من لم يجد هديًا أو ثمنه، أيش الآن؟ مع الحذف استفدنا زيادة المعنى.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب صيام عشرة أيام بدلًا عن الهدي لقوله: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة: ١٩٦].
ومن فوائدها: أن هذه الأيام موزّعة؛ ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع.
ومن فوائدها: جواز صيام هذه الأيام في أيام التشريق، هذه الأيام الثلاثة، جواز صيام هذه الأيام الثلاثة في أيام التشريق، من أين تؤخذ؟ من قوله: فِي الْحَجِّفإن أيام التشريق من أيام الحج، ويجوز قبل ذلك؟ نعم، ويجوز قبل ذلك.
طالب: يوم العيد يعني يا شيخ؟
الشيخ: ما يجوز يوم العيد.
طالب: وقبل ذلك يصح؟
الشيخ: قبل ذلك يعني قبل العيد. من متى يبتدئ الجواز؟ من الإحرام بالعمرة؛ لأنه من حين يحرم بالعمرة دخل في الحج، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» .
ومن فوائدها: أن هذه الأيام الثلاثة لا يجب فيها التتابع وكذلك السبعة، الدليل؟
إن الله إنما ذكر عددًا ولا اشترط، ولو كان ذلك شرطًا لبينه الله كما قال: فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فلما لم يشترط الله التتابع عُلم بأن هذه الثلاث يجوز أن تصومها متتابعة وأن تصومها متفرقة، لكن لا تخرجها عن أيام الحج، أفهمتم؟
ومن فوائد الآية الكريمة: أن تفريق هذه الأيام الثلاثة والسبعة لا يجعلها متفرقة حكمًا (...) ولم تكن السبعه إلا في شهر جمادى ما نقول: إنها تفرقت ولكل واحد حكم، بل نقول: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌكما قال سبحانه وتعالى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن صيام الأيام السبعة لا يجوز في أيام الحج لقوله: وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ.
ومن فوائدها: أنه يشترط لوجوب الهدي أو بدله أن لا يكون المتمتِّع من حاضري المسجد الحرام لقوله: ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٦].
والحكمة من ذلك لأن اللي من حاضري المسجد الحرام ما تمتع في الحقيقة خصوصًا إذا قلنا: إن المراد بالتمتع الترفّه بترك أحد السفرين، لأن من حاضري المسجد الحرام ما سافر أصلًا بخلاف الذي هو بعيد عنه فإنه بدلًا أن يسافر مرتين مرة للعمرة ومرة للحج صار سفره واحدًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة المسجد الحرام لوصف الله له بأنه حرام.
ثم قال الله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة: ١٩٦] اتَّقُوا اللَّهَ.
يستفاد من الآية الكريمة: وجوب التقوى، وما أكثر ما أمر الله بالتقوى في القرآن؛ لأنها هي والبر كل الدين.
ومن فوائدها: التهديد والوعيد لمن لم يتّقِ الله لقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابفإن الغرض من الأمر بهذا العلم أن نتقي الله سبحانه وتعالى.
ومن فوائدها: أن شدة العقاب ليست نقصًا في المعاقِب، وجهه أن الله تعالى وصف نفسه به، ولا يُوصف الله تعالى إلا بالكمال، بل أمرنا أن نعلم ذلك أيضًا، وكل ما وَصف الله به نفسه فهو صفة كمال، إذن فإذا عاقبت ولدَك بما يستحق، وكانت الجناية كبيرة فأكبرت العقوبة هل تحمد أو تُذم؟ تحمد، ولهذا قال: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» لأنه إذا بلغ عشرًا صار تركه إياها والإخلال بها أعظم.
طالب: ما يصير فيها فرق يا شيخ بين المخلوق والخالق؟
الشيخ: لا، ما فيها فرق؛ لأن هذا نفس الوصف العقوبة؛ عقوبة من يستحقها كمال سواء من مخلوق أو من خالق.
الطالب: فيه ناس يزيدون بالعقوبة؟
الشيخ: إذا زادوا في غير محلها ما يجوز، ولهذا ما يظلم الله أحدًا؛ يعني مع كونه شديد العقاب ما يعاقب أحدًا أكثر مما يستحق.
طالب: يعني الضمير في ذلك على التمتع أو على الهدي؟
الشيخ: لا الظاهر؛ لأنه فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِيحتمل أنه عائد على الجميع أو عائد على وجوب الهدي، المشهور من مذهب الحنابلة أنه عائد على وجوب الهدي فقط، وأن أهل مكة لهم تمتُّع.
طالب: إذا صام فوجد الهدي، صام بعض الأيام فوجد الهدي؟
الشيخ: ما يلزمه الانتقال، لكن إن انتقل فلا حرج إلا إذا قدّم الصوم؛ لأن محل الوجوب هو فجر يوم العيد، فلو قدّم الصوم بناءً على أنه ما يجد، ثم مات له قريب في ليلة العيد وورثه فوجد، أو وُهب له مال في ليلة العيد فإنه يكون بذلك واجدًا فيجب عليه الهدي؛ لأنه هو وقت ذبح.
ثم قال الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ [البقرة: ١٩٧] إلى آخره.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: تعظيم شأن الحج حيث جعل الله له أشهرًا مع أنه أيام، كم هو؟ ثمانية، تسعة، عشرة، أحد عشر، اثنا عشر، ثلاثة عشر، ستة وقد جعل الله له أشهرًا، أشهرًا ثلاثة حتى يأمن الناس ويتأهبوا لهذا الحج، ولهذا شوف ما بعد الحج أقصر مما قبله، الذي قبله كم؟ شهران وسبعة أيام، واللي بعده سبعة عشر يومًا فقط؛ لأنه إذا حج انتهى غرضه فطُلب منه العودة بخلاف ما إذا كان قبله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أشهر الحج ثلاثة، من أين تؤخذ؟ من قوله: أَشْهُرٌوهي جمع، وهي جمع قلة، والأصل في الجمع أن يكون ثلاثة فأكثر.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإحالة على المعلوم بشرط أن يكون معلومًا لقوله تعالى: مَعْلُومَاتٌ، وهذا يستعمله الفقهاء كثيرًا والعلماء كلهم يقولون: هذا معلوم بالضرورة من الدين، وأمر هذا معلوم وما أشبه ذلك، فلا يقال: إنه لم يبيّن؛ لأنه ما دام الشيء مشهورًا بين الناس ومعروفًا بينهم يصح أن نعرّفه بأنه معلوم، ومن ذلك ما يفعله بعض الكُتّاب في الوثائق يقول: باع فلان على فلان كذا وكذا، وهو معلوم بين الطرفين يجوز ولَّا لا؟ يجوز لو ما فصّلت ما دام معلومًا فإضافة الشيء إلى العلم وهو معلوم يعتبر من البيان.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تلبس بالحج وجب عليه إتمامه وصار فرضًا عليه، من أين يؤخذ؟ من قوله: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّويؤيد ذلك قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج: ٢٩] فسمى الله تعالى الحج نذورًا. ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦] فلم يُبح الله تعالى الخروج من النسك إلا بالإحصار.
ويُستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب إتمام النفل في الحج، من أين نأخذه؟ من قوله: فَمَنْ فَرَضَوالفرض لا بد من إتمامه.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإحرام بالحج قبل أشهره لا ينعقد، وجهه؟ لقوله: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَفلم يرتّب الله أحكام الإحرام إلا لمن فرضه في أشهر الحج، ومعلوم أنه إذا انتفت أحكام العمل فمعناه أنه لم يصح العمل، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله أنه إذا أحرم بالحج قبل دخول أشهر الحج لم ينعقد إحرامه، ولكن هل يلغو أو ينقلب عمرة؟ في ذلك قولان عندهم؛ أما عندنا مذهب الحنابلة فيقولون: إن الإحرام بالحج قبل أشهره ينعقد، ينعقد ولكنه مكروه، يُكره أن يحرم بالحج قبل أشهره، ولكنه ينعقد ومذهب الشافعي أقرب إلى ظاهِر الآية الكريمة، وأنه إذا أحرم بالحج قبل أشهره لا ينعقد، والظاهر أيضًا أنه لا ينعقد ولا ينقلب عمرة؛ لأن العبادة لم تنعقد، وهو إنما دخل على أنها حج فلا ينعقد لا حجًّا ولا عمرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الجماع ومقدماته لمن أحرم بالحج، من أين تؤخذ؟ من قوله: فَلَا رَفَثَ.
ومنها؛ من فوائدها: أن المحظورات تحرم بمجرد العقد، وإن لم يخلع ثيابه من قميص وسراويل وغيرها، من أين تؤخذ؟ من قوله: فَمَنْ فَرَضَفَلَا رَفَثَجواب الشرط، وجواب الشرط يكون متلوًّا أو يكون تاليًا لفعله، فبمجرد أن (...) الحج تحرُم عليه المحظورات. (...)
أخذنا آخر ما أخذنا من فوائد: أن الإحرام ينعقد بمجرد العقد، وتثبت به الأحكام لقوله: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ.
ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم الجماع ودواعيه بعد الإحرام لقوله: فَلَا رَفَثَوجواب الشرط يكون عقب الشرط، جواب الشرط يكون عقبه؛ لأنه بمجرده يحرم الرفث.
ويستفاد منها أيضًا: تحريم الفسوق لقوله: وَلَا فُسُوقَ [البقرة: ١٩٧]، فإن قال قائل: الفسوق محرم في الإحرام وفي غير الإحرام؟ فالجواب: أنه يتأكد في الإحرام أكثر من غيره.
ومنها؛ من فوائد الآية الكريمة: تحريم الجدال لقوله: وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ. والجدال إن كان لإثبات الحق أو لإبطال الباطل فإنه واجب، وعلى هذا فيكون مستثنى من هذا العموم وَلَا جِدَالَلقوله تعالى: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥]، وأما الجدال لغير هذا الغرض فإنه محرم، فإن قلت: أليس محرّمًا في هذا وفي غيره لما يترتب عليه من العداوة والبغضاء وتشويش الفكر؟ فالجواب: أنه في حال الإحرام أوكد.
ويستفاد من قوله: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة: ١٩٧] يستفاد منها: الحث على فعل الخير، كيف ذلك؟ لأن قوله: يَعْلَمْهُ اللَّهُيدل على أنه سيجازِي على ذلك ولا يضيعه، قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢].
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الخير سواء قلّ أو كثر فإنه معلوم عند الله، من أين يؤخذ؟ من قوله: مِنْ خَيْرٍفإنها نكرة في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم.
ويستفاد من الآية الكريمة: عموم عِلم الله تعالى بكل شيء لقوله: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ.
ويستفاد منها: الرد على القدرية المنكرين للمشيئة والخلق في أفعال العباد؛ لأن القدرية على طبقتين: غلاة ومقتصدون، فالغلاة ينكرون حتى علم الله ويقولون: إن الأمر أنف؛ يعني مستأنف، والله تعالى لا يعلم حوادث العباد التي يفعلونها إلا بعد وقوعها.
وأما المقتصدون منهم فيقولون: إن الله يعلمها، ولكنه سبحانه لا يشاؤها ولا يخلقها، والعبد على رأيهم مستقل بعمله له إرادة مطلقة وقدرة مطلقة وفعل مُطلق، ولكن هذه الآية ترد عليهم كيف ذلك؟ لأننا نقول: إذا كان مفعول العبد معلومًا لله فإما أن يقع فعل العبد على حسب معلومه أو على خلاف معلومه، فإن أنكروا أن يكون على معلومه وقالوا هو على خلاف معلومه فقد أنكروا العلم، وإن أقروا به فإن هذا هو المطلوب يكون هذا على مراده، ولهذا قال الشافعي رحمه الله: جادلوهم بالعلم، فإن أقروا به خُصموا وإن أنكروه كفروا.
ويستفاد من الآية الكريمة: الحث على التزود من الخير لقوله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة: ١٩٧].
ويستفاد منها: أنه ينبغي للحاج أن يأخذ معه الزاد الحسية من طعام وشراب ونفقة لئلا يحتاج في حجه فيتكفف الناس لقوله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى.
ويستفاد من ذلك: أن التقوى خير زاد كما أنها خير لباس، فهي خير لباس باطني وظاهري، من أين يؤخذ أنه خير لباس؟ من قوله تعالى: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: ٢٦]، ويؤخذ من أين أنها خير زاد؟ من قوله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى. والزاد عبارة عن لِباس الباطن، وأما الثياب فهي لباس الظاهر، ولهذا قرن الله تعالى بينهما في سورة (طه) فقال: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى [طه: ١١٨، ١١٩] فإنه لقائل أن يقول: لماذا لم يقل سبحانه وتعالى: إن لك أن لا تجوع فيها ولا تظمأ، حتى يكون الجوع مناسبًا للظمأ؟ ولكن الجواب أن يقال: إن قوله: أَلَّا تَجُوعَ فِيهَاهذا نفي للتعري الباطني، وَلَا تَعْرَىللتعري الظاهري باللباس. لَا تَظْمَأُ فِيهَاالظمأ حرارة الباطن، وَلَا تَضْحَىحرارة الظاهر، فكان المقابلة في القرآن أبلغ مما يتوهمه الإنسان، فنقول: لباس التقوى ذلك خير من اللباس الظاهري، وزاد التقوى خير من الزاد الباطني.
ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب تقوى الله لقوله: وَاتَّقُونِوالتقوى مرت علينا كثيرًا بأنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بماذا؟ بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن أصحاب العقول هم أهل التقوى لقوله: يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.
ويستفاد منها: أنه كلما نقص الإنسان من تقوى الله كان ذلك دليلًا على نقص عقله، أي العقلين؟ عقل الإدراك ولَّا عقل الرشد؟ عقل الرشد بخلاف قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ» فإن المراد بنقص العقل هنا عقل الإدراك، أيهما مناط التكليف وأيهما مناط المدح؟ مناط التكليف عقل الإدراك، ومناط المدح عقل الرشد، ولهذا نقول: إن هؤلاء الكفار الأذكياء الذين هم في التصرف من أحسن ما يكون نقول: هم عقلاء عقول إدراك، لكنهم ليسوا عقلاء عقول رشد، ولهذا دائمًا ينعى الله عليهم عدم عقلهم، والمراد العقل الرشدي الذي به يرشدون.
ثم قال الله عز وجل: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْإلى آخر الآية، هذه في الحقيقة لا يعرف معناها إلا من عرف سببها؛ لأنك إذا قرأتها لأول مرة لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْوهل أحد يشك في أنه ليس عليه جناح أن يبتغي من فضل الله، ويش الجواب؟ لا أحد يشك، إذا كان كذلك فيكون هذا الكلام لغوًا وتحصيل حاصل، لكن إذا عرف الإنسان السبب عرف لماذا قال الله هذا، ولهذا من كلامهم المألوف المعروف: (إذا عُرف السبب بطَل العجب).
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْهذه نزلت كما قلنا في التفسير في قوم يتحرجون من أن يبيعوا ويشتروا في أثناء الحج، فأنزل الله هذه الآية مبيّنًا أنه لا حرج عليهم في ذلك، حينئذٍ نقول: يستفاد من الآية الكريمة: جواز البيع والشراء أثناء الحج، من أين يؤخذ؟ من قوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌأي: إثم.
يستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان في حال بيعه وشرائه أن يكون مترقبًا لفضل الله لا معتمدًا على قوته وكسبه لقوله: أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ.
ويستفاد من الآية الكريمة: ظهور مِنّة الله على عباده بما أباح لهم من المكاسب، وأن ذلك مقتضى ربوبيته سبحانه وتعالى حيث قال: فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ.
ثم قال: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍإلى آخره يستفاد من هذه الآية الكريمة: مشروعية الوقوف بعرفة، من أين تؤخذ؟ هل يؤخذ من أن الوقوف بعرفة ركن؟
طلبة: لا، ما يؤخذ.
الشيخ: لو قال قائل إن قوله: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍدون أن يذكر الأمر بها كأن قضية الوقوف بعرفة أمر مُسلّم لا يمكن حجّ إلا به؛ لأنه قال: إِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍمع أنه ما تقدم الأمر بذلك فكأن القضية قضية مسلّمة لا يمكن حجّ إلا به، قد يقول قائل بهذا ويكون هذا مُوجّهًا للقول بأنها ركن، بأن الوقوف بعرفة ركن وقد دل عليه الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» .
ويستفاد من الآية الكريمة: أنه يُشترط للوقوف بمزدلفة أن يكون بعد الوقوف بعرفة، من أين يؤخذ؟ إِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٨].
فلو أن أحدًا مر بمزدلفة في الليل ووقف بها يدعو، ثم ذهب إلى عرفة ووقف بها، ثم رجع منها إلى مِنى، قلنا له: لا يجزئك وقوفك بمزدلفة؛ لأن الله ذكرَه بعد الوقوف بعرفة.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن الصلاة من ذكر الله، منين؟ فَاذْكُرُوا اللَّهَ؟ والنبي عليه الصلاة والسلام أول ما بدأ بالصلاة حتى قال له أسامة لما نزل يبول وتوضأ وضوءًا خفيفًا قال: يا رسول الله، الصلاة. قال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» ليكون أول ما يبدأ به من الذكر في هذا المكان أقرب ما يكون من الأعمال البدنية، وهي الصلاة، ولهذا بدأ بصلاة المغرب قبل حطّ رحله كل ذلك تحقيقًا لأمر الله تعالى بالذكر، ولا شك أن الصلاة من ذِكر الله، بل هي روضة من رِياض الذكر فيها قراءة، تكبير، تسبيح، ودعاء، وقيام، ركوع، سجود، قعود، كل ذلك من ذكر الله، ذِكر بالقلب وباللسان ويش بعد؟ وبالجوارح، ثم من خاصية الصلاة أن كل عضو من أعضاء البدن له ذِكر خاص به وعبادة تتعلق به.
من فوائد الآية الكريمة: بيان أن المزدلفة من الحرم.
الطلبة: عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.
الشيخ: عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وهل يستفاد من تقييد ذلك بالمشعر الحرام أن عرفة مشعر حلال؟ نعم، وعرفة من الحِلّ، ولهذا يجوز للمحرم بعرفة أن يقطع الأشجار، صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: وأن يقتل الصيد؟
الطلبة: لا؟
الشيخ: لا، لماذا؟
الطلبة: لأنه مُحرم.
الشيخ: لأنه محرم صح.
طالب: فضيلة الشيخ، أقول: مثلًا وجوب الصلاة في مزدلفة؟ وجوب الصلاة إحنا نفهم من الآية (...) مزدلفة المغرب والعشاء؟
الشيخ: بعض العلماء يرى أنها يجب أن تكون في مزدلفة حتى إن بعض العلماء قال: لو خرج وقتها لا يصليها إلا في مزدلفة، ولكن الصحيح أنها ليست بواجبة، إنما على سبيل الأفضلية، هذا الذي عليه جمهور أهل العلم.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن الوقوف بمزدلفة مشعر من المشاعر، أو أن مزدلفة مشعر من المشاعر، فيكون فيه رد على من قال بأن الوقوف بها سُنّة، وللناس في هذه المسألة ثلاثة أقوال؛ قول: بأن الوقوف بها سنة، والقول الثاني: بأنه ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفة، والقول الثالث: أنه واجب يجبر بدم.
طالب: إي نعم، كيف؟
الشيخ: والله أنا أتوقف بين كونها ركنًا وواجبًا، أما أنها سنة فهو ضعيف لا يصح.
طالب: من السنة ما جاءت به.
الشيخ: نعم؟
الطالب: أقول: في السنة حديث اسم..
الشيخ: حديث عروة بن (...) قد يدل على ذلك، نعم أتوقف في هذا.
طالب: إن كان له عذر يعني؟
الشيخ: إن كان له عذر يفوته الحج كما لو كان في عرفة له عذر يفوته الحج ويقضي من السنة القادمة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان يجب عليه أن يذكر الله تعالى بنعمته بالهداية لقوله: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ. إذا جعلنا الكاف للتعليل أي: واذكروه لهدايتكم، وإن جعلناها للتشبيه فالمعنى: اذكروه على الوجه الذي هداكم فيكون فيه دليل على أن الإنسان يجب أن يكون ذِكره لله على حسب ما ورد عن الله، وأيهما أوْلى؟ أنتم فاهمين الفرق بينهما ولَّا لا؟
طالب: تعني؟
الشيخ: الفرق بينهما أن يكون اذكروا الله لهدايته إياكم يكون مطلقًا، يكون الذكر مطلقًا، والعِلّة في الأمر به الهداية، أما إذا قلنا: إن الكاف للتشبيه يكون المعنى: اذكروا الله تعالى على الوجه الذي هداكم له؛ يعني على حسب ما شرع، وأيهما أوْلى؟
طالب: الجميع.
طالب آخر: ما فيه أوْلى.
الشيخ: نحن قلنا فيما سبق من قواعد التفسير أن الآية إذا كانت صالحة لوجهين لا تناقض بينهما تُحمل عليه، وإذا احتملت لوجهين لكن لا يمكن اجتماعهما يُطلب المرجِّح. هذا لا يمكن التناقض بينهما، يمكن أن الله أمرنا أن نذكره كما هدانا؛ أي على حسب ما هدانا، ويمكن أن يكون أمرنا أن نذكره؛ لأنه هدانا ولا تنافيَ بينهما.
ويستفاد من الآية الكريمة: تذكير الإنسان بحاله قبل كماله ليعرف بذلك قدر نعمة الله عليه، من أين يؤخذ؟ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ؛ لأن (إن) هنا مخففة من الثقيلة يعني إنكم كنتم قبل ضالين فهداكم الله، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي» ، ومنه قول الملَك للأبرص والأقرع: «أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذِرُكَ النَّاسُ فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ اللَّهُ؟» فالتذكير بالنِّعم بذكر الحال وبذكر الكمال بعد النقص هذا مما يوجب للإنسان أن يزداد في شكر نعمة الله عليه.
طالب: هذا خاص بالله يا شيخ؟
الشيخ: ويش لون؟
طالب: يعني بنعم الله على العبد؛ يعني غيره من المنعِمين؟
الشيخ: لا، غيره من المنعمين أخشى أن يكون في ذلك مِنّة فيكون من المنّانين، وتعرف أن المنان ممن لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه .
هل يستفاد من هذه الآية الكريمة تأييد مذهب الجبرية ولَّا لا؟
طلبة: إي نعم، فيها رد عليهم.
طالب: بمفردها قد يستفاد.
الشيخ: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ.
طلبة: ما يستفاد يا شيخ، هذا مذهبهم باطل.
الشيخ: لا، أنتم على كل حال، هل، يمكن أن يستدلوا بهذا؟
طلبة: ممكن، يستدلون.
الشيخ: يقولون: إنهم كانوا بالأول ضالين وهداهم الله، فيكون هذا فضلًا محضًا من الله عز وجل فيكون هو الذي أجبرهم على أن يهتدوا.
طالب: (...).
الشيخ: على كل حال يمكن أن يستدلوا بها.
طالب: اذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْاذكروه.
الشيخ: إي، ما يخالف، اذكروه، توجيه الأمر لهم على أن لهم فعلًا اختياريًّا، لكن قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَثم هداكم، ولكننا نقول: إن الجبرية والقدرية وغيرهم من المبتدعة في هذا الباب وفي غيره يكون لهم شُبه؛ لأنهم إذا لم يأتوا بشيء يتوكؤون عليه ما قُبل منهم شيء لكنهم ينظرون بعين واحدة، ومن أجل ذلك يضلون، تجدهم يأخذون هذه النصوص ويدعون النصوص الأخرى فيضلون بذلك، عرفتم؟
تعرفون أن أهل السنة والجماعة في صفات الله وسط بين أهل التعطيل وأهل التمثيل؛ أهل التعطيل رأوا إلى النصوص الدالة على نفي المماثلة فأبطلوا ظنًّا منهم أن إثبات الصفات يستلزم التمثيل، وأما أهل التمثيل فأثبتوا الصفات بالتمثيل ظنًّا منهم أن حقائق هذه الصفات التي أضافها الله لنفسه مثل حقائقها بالنسبة للمخلوق، وعموا عن النصوص الدالة على نفي المماثلة، عموا عنها.
طالب: شيخ، إذا حملناها على الوجه الثاني وهو: واذكروه على الوجه الذي هداكم له ما تكون ردًّا عليهم.
الشيخ: (...) ما صفة الأدلة إلا في الجملة الثانية.
طالب: تقول: يستفاد من الآية في الرد على الجبرية؟
الشيخ: في الرد على الجبرية نستفيد بأن نقول: هذه وإن كان فيها شبهة لكم لكن الآيات الأخرى والنصوص الأخرى تدل على بطلان منهجكم.
ثم إن قوله: وَاذْكُرُوهُتوجيه الأمر إليهم يدل على أنهم فاعلون بالاختيار؛ لأن الفاعل بغير الاختيار ما يصح توجيه الأمر إليه، لماذا؟ لأنه لا يستطيع، فلو قلت للإنسان المتوحِّل في طين: يلّا اخرج، هذا لو يحرّك رجله ازداد غوصًا، ما يستطيع.
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُذكرنا أن لأهل التفسير في قوله: ثُمَّقولين؛ القول الأول: أن الترتيب حقيقي وزمني، وأن الله تعالى لما أمر بذكره عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات أمر بأن يفيض الناس من مزدلفة جميعًا ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ. وعلى هذا التفسير لا إشكال في الآية.
والقول الثاني: أن ثُمَّللترتيب الذكري؛ يعني أمر الله بالإفاضة من عرفة بعد أن أمر بذكره في مزدلفة، وهذا من حيث الزمن على العكس ولَّا مرتب؟ على العكس، لكنه ترتيب ذكري، يكون الله عز وجل عاد إلى التحدث عن الوقوف بعرفة فقال: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ.
وبناءً على هذا التفسير يكون الواو عائدة على قريش ما هو على كل الناس؛ لأن قريشًا هم الذي يقفون يوم عرفة في مزدلفة، شوف الحمية الجاهلية يقولون: ما نقف بعرفة، لأيش؟ قالوا: لأننا أهل الحرم فلا يمكن أن نخرج عنه، نقف بهذا في مزدلفة، وإذا جاء الناس وباتوا بها أفضنا جميعًا إلى منى، فعلى هذا يكون الآية ترتيبها ترتيبًا ذِكريًّا، وقد مر علينا مثال للترتيب الذكري أنشدناه إياكم.
طالب:
الشيخ: إي نعم.
معلوم أن الجد يسود قبل الأب، والأب يسود قبل الابن.
قوله: مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ(حيثُ) ظرف مكان مبني على الضم في محل جر بـ(مِن). وقوله: مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُأي: من المكان الذي أفاض الناس منه، وهو مزدلفة على القول الأول، أو عرفة على القول الثاني. وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَاطلبوا المغفرة منه، والمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من (الْمِغْفر) الذي يحصل به الستر والوقاية، وليست المغفرة مجرد الستر بل هي ستر ووقاية. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٩٩] هذه جملة تعليل للأمر، استغفروا الله؛ لأنه أهل لأن يستغفر، فإنه سبحانه وتعالى غفور رحيم، إعراب رحيم؟
الطالب: إِنَّ اللَّهَ.
الشيخ: غَفُورٌ رَحِيمٌ.
الطالب: خبر ثاني.
الشيخ: خبر ثاني لأيش؟
الطالب: لـ(إن).
الشيخ:خبر ثاني لـ(إن)؟ والخبر الأول؟
الطالب: الخبر الأول: غفور.
الشيخ: غفور، صح؟
طلبة: صح.
الشيخ: نعم، قوله: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌغَفُورٌصيغة مبالغة؛ وذلك لكثرة غفرانه تبارك وتعالى وكثرة من يغفر لهم. وقوله: رَحِيمٌأي: ذو رحمة واصلة إلى المغفرة، الذي يرحم فعلًا، وهو إما صفة مشبهة وإما صيغة مبالغة. والرَّحْمَةرحمة الله عز وجل صفة حقيقية ثابتة له على الوجه اللائق به، وهل تشبه رحمة المخلوقين؟ لا؛ لأن القاعدة عندنا أن جميع صفات الله لا تماثل صفات المخلوقين، فكل نقص يعتري رحمة المخلوق أو يعتري المخلوق بسبب رحمته فإن الله تعالى منزّه عنه، وقد فسر الأشاعرة ونحوهم من أهل التعطيل فسروا الرحمة بأنها إما الإحسان وإما إرادة الإحسان؛ إما الإحسان ففسروها بشيء مخلوق بائن عن الله عز وجل، الإحسان، وإما إرادة الإحسان، والإرادة صفة معنوية بخلاف الإحسان فإنه صفة فعلية والإحسان نفسه ثواب بائن منفصل عن الله، ففسروها بشيء مخلوق أو بإرادته، لماذا؟
الطالب: لأنه تشبه..
الشيخ: لا، لماذا لا يفسرون الرحمة بمعناها الحقيقي؟
الطالب: خافوا أن يقعوا في التشبيه والتمثيل.
طالب آخر: شيخ، لأنهم يقولون: إن الرقة الرحمة تقتضي رِقّة الراحم والله منزّه عن هذا.
الشيخ: المهم فيه معلل بالقول، هم ما يثبتون لله من الصفات إلا سبع صفات فقط أو لا؟ جمعها السفاريني في قوله:
له الحياة والكلام والبصر سمع إرادة وعلم واقتدر فقط هذه السبع هي التي يثبتونها على خلاف بينهم وبين أهل السنة في إثباتهم كما تقدم، فنقول: أنتم أثبتم الإرادة بأي دليل؟ قالوا: بدليل السمع والعقل، السمع تحفظون دليلًا لإثبات إرادة الله بالسمع؟ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء: ٢٧]، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة: ٢٥٣]، إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١].
العقل طريق إثباتها عندهم بالعقل: يقولون: إن التخصيص يدل على الإرادة، ويش معنى التخصيص؟ يعني مثلًا السماء سماء، والأرض أرض، والكل مخلوق لله، بماذا جعل السماء سماء والأرض أرضًا؟ بالإرادة، فقالوا: إن التخصيص دل على الإرادة، وذكرنا فيما سبق أن لأهل السنة عن ذلك جوابان، ولا مانع من إعادتهما هنا؛ لأن بعضكم ما سمع ذلك، ما هما الجوابان؟
طالب: نقول: يمكن أن نثبت الصفات بطريق العقل كما أثبتم صفة الإرادة، فكيف نقول: إن بعض الصفات مثل صفة الرحمة ظاهرة للناس أظهر من ظهور صفة الإرادة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: وكيف السمع أتى به؟
الشيخ: نعم، نقول جوابان:
الجواب الأول: أن ما نفيتموه قد أثبته السمع، وانتفاء الدليل العقلي عنه لا يلزم منه انتفاؤه؛ لأنه من المعلوم عند كل أحد أن انتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول المعين؛ بمعنى أن الشيء إذا لم نجد هذا دليلًا له يمكن نجد له دليلًا آخر، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: فمثلًا: وجوب الركوع لو قال قائل: إن حديث المسيء في صلاته لا يدل على وجوب الركوع مع أن الرسول قال عليه الصلاة والسلام: «ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ» نقول: سلّمنا أنه لا يدل على وجوب الركوع، لكن قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج: ٧٧].
يدل على وجوب الركوع؛ يعني لو سلّمنا أن هذا الدليل لا يدل عليه فإنه يدل عليه الدليل الآخر، مفهوم؟
وهذا كما أنه في الأمور المعنوية فهو في الأمور الحسية، لو أنك سافرت إلى مكة ووجدت الخط مسدودًا، لكن مكة لها طرق أخرى معينة هل معناها أنه تعذر الوصول إلى مكة؟ لا، كيف نصل إلى مكة وقد انسد الطريق؟ نروح من طريق آخر، نذهب من طريق آخر، فنقول مثلًا: هب أن العقل لا يدل عليها، لكن دلّ عليها السمع فثبتت بماذا؟ بدليل السمع، هب أن العقل لا يدل على ثبوت الرحمة لله عز وجل لكن دلّ عليه السمع فثبتت بدلالة السمع، هذا جواب.
الجواب الثاني أن نقول: يمكن أن نثبت الرحمة ونحوها مما نفيتم بطريق العقل، كيف ذلك؟ تأمل الخلق تجد أن ..
وقال الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: ١١] هذا عام في الولد سواء كان موافقًا لأبيه في الدين أو مخالفًا، وفي الحديث: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» هذا خاص، العموم والخصوص الوجهي، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» . هذا «لَا صَلَاةَ» عام في كل الصلوات، و«بَعْدَ الْعَصْرِ» خاص باعتبار الوقت بعد العصر، وقال عليه الصلاة والسلام: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ» هذا عام في جميع الأوقات. و«فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» خاص بماذا؟ بتحية المسجد، فهذان بينهما عموم وخصوص من وجه، واضح؟
هذه الآية: لَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧] عامة في جميع الجدال، وخاصة بماذا؟ بالحج. وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥] عامة في كل الأحوال، ولكنها خاصة في الجدال في الدين، فأيهما نُقدم؟ نقول: الظاهر أننا نقدم هنا آية الدعوة إلى الله، وأن الجدال في الدين إذا لم يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء النسك فإنه لا بأس به؛ لأن الجدال في الدين فرْض لدحض الباطل وإثبات الحق، فإذا لم يمكن تأجيله إن أمكن تأجيله فهو الأولى، كيف أمكن تأجيله؟ بحيث لا يتعلق بعمل في النسك يفوت بفواته، وبحيث يكون هذا المجادل موجودًا معي حتى أتم النسك، فإن كان هذا اللي بيجادل في الدين ما أجده إلا الآن، أو كان في مسألة تتعلق بالنسك وتفوت فإنني أجادله ولكن بماذا؟ بالتي هي أحسن، نعم، إذا وصل الحد في الجدال إلى مراء ومكابرة وعرفت من صاحبي أنه لا يريد إلا الانتصار لرأيه فحينئذٍ أمسك؛ لأن المسألة وصلت إلى أي شيء؟ إلى المماراة ما صار المراد بها الوصول إلى الحق.
ثم قال تعالى: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّه [البقرة: ١٩٧] لما نهى عن هذه الشرور انتقل إلى الأمر بالخير فقال: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُهذه الجملة الشرطية كما ترون؛ فعل الشرط: تَفْعَلُوا، وجواب الشرط: يَعْلَمْهُ اللَّهولهذا جُزم وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُوإنما قال الله عز وجل لنا هذا حثًّا لنا على فعل الخير بأن نعلم إذا كان الله يعلمه أنه أيش؟ لن يضيع وسيبقى لنا.
وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍالجملة هذه شرطية، فعل الشرط فيها: تَفْعَلُواوأداة الشرط: مَا. ومِنْ خَيْرٍمِنْبيانية تبين المبهم مطلقًا؛ لأن مَاشرطية مبهمة كالموصول، وهذه بيّنتها. وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍوخير نكرة في سياق الشرط فيشمل كل خير سواء كان قليلًا أو كثيرًا. يَعْلَمْهُ اللَّهُهذا جواب الشرط يعلمه الله عز وجل وليس الغرض من هذا بيان إحاطة الله به علمًا لكن المقصود بذلك الحث على فعل الخير؛ لأن الله تعالى إذا كان يعلمه فإنه لا يظلم فاعله بل يجازيه الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُفالغرض إذن أو المقصود بهذه الجملة الحث على فعل الخير، ولهذا قال بعدها: وَتَزَوَّدُواتزودوا: اتخذوا زادًا، وليست من الزيادة لو كانت من الزيادة لقيل: وازدادوا أو وزيدوا، ولكنها من (الزاد) يعني اتخذوا زادًا لأنفسكم، زادًا للجسد وزادًا للقلب؛ زاد الجسد مثل: الطعام والشراب، وزاد القلب: الإيمان والعمل الصالح، وأيهما أفضل؟ قال: فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىكأنه قال سبحانه وتعالى: وتزودوا فإن في الزاد خيرًا، ولكن خير الزاد التقوى أي تقوى الله عز وجل؛ وهي اتخاذ وقاية من عذابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا أجمع ما قيل في التقوى، أنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
وقوله: تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىيشبهها من بعض الوجوه قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا [الأعراف: ٢٦] هذا اللباس الحسي وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: ٢٦] هذا اللباس المعنوي الذي يكسو به الإنسان عورته الدينية، قال: فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة: ١٩٧] ثم قال: وَاتَّقُونِاتقون: فعل أمر والنون للوقاية والياء المفعول به محذوف للتخفيف. وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِلما حث على التقوى ورغّب فيها أمر بها طلبًا لخيرها. وقوله: يَا أُولِي الْأَلْبَابِأي: يا أصحاب العقول، فـ(أولي) بمعنى أصحاب كما قال تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ [النور: ٢٢]. أي: أصحاب الفضل والسعة، والألباب جمع (لُبّ) وهو العقل، ووجَّه الله تعالى الأمر إلى أصحاب العقول؛ لأنهم هم الذين يدركون فائدة التقوى وثمرتها، أما السفهاء فلا يدركونها، فالخطاب إذن موجَّه لأولي الألباب، لا لأن التقوى لا تجب إلا عليهم، ولكن لأنهم هم الذين يُقدّرون الأمور ويعرفون ثمراتها ويمتثلون أمر الله وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.
ثم قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [البقرة: ١٩٨].
طالب: يا شيخ، يعني (تتقون) الياء محذوفه للتخفيف ولَّا لأنه مجزوم؟
الشيخ: لا، للتخفيف؛ لأن ياء المفعول به ما تحذف علشان الجزم، تحذف للتخفيف.
وقوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْلما أمر بالتزوّد وبين أن خير الزاد التقوى، وأمر بالتقوى قد يقول قائل: أنا إذا حملت تجارة أثناء حج صار عليَّ في ذلك إثم، ولهذا تحرج الصحابة من الاتجار في الحج، فبين الله عز وجل أن ذلك لا يؤثر، وأنه ليس فيه إثم لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْالمراد به أن تبتغوا الرزق، أي: تطلبوا الرزق بالتجارة، كقوله تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: ٢٠].
وكقوله تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: ١٠] فهنا قال: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْأي: أن تطلبوا زيادة من الله عز وجل في أموالكم، هذا الإطلاق مقيد بالنصوص الأخرى التي تدل على أنه لا بد من أن يكون الاتجار على سبيل الحِلّ، فلو اتجر الإنسان وطلب فضلًا من الله بمعصيته فعليه جناح؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: لو قال: إنه سيتجر بالدخان عليه جناح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: عليه جناح، فالإطلاقات هذه مقيدة بالنصوص الأخرى، إذن لو أن الإنسان في أثناء حجه حمل شيئًا يبيعه هناك جائز ولَّا لا؟
طالب: نعم، صار مباحًا.
الشيخ: إي نعم، جائز إذا كان مباحًا، كانوا بالأول يحملون التمر إلى مكة ويتجرون به، ويحملون الدهن وإلى الآن وهم يحملون أنواع الأقمشة وأنواع الفرش والسجاجيد يبتغون الفضل من الله عز وجل لا بأس به، وكذلك لا بأس أن تشتري من مكة في أثناء أدائك الحج لطلب التجارة، ولا حرج فهذا مما رخّص الله فيه، هل مثل ذلك أن يُؤجر الإنسان سيارته وهو يريد الحج؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، لو قال قائل: أبغى أروح أؤجر سيارتي هل يجوز أؤجرها وأنا أبغى أحج عليها؟
الجواب: نعم، جائز ولا حرج، بعض الناس يتوهم أن ما له أجر إذا صار راح يدور الأجرة، نقول: بل لك أجر؛ لأنك لو شئت لسافرت بالسيارة وحججت بالعالم، ولم تحج أنت، فلما حججت إذن كنت أردت الحج.
طالب: ما صار ينقص يا شيخ.
الشيخ: ها؟
الطالب: ما صار ينقص أجره في العمل؟
الشيخ: الله أعلم بالنيات قد ينقص وقد لا ينقص، إنما لا شك أن الخالص أكمل.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٨].
إذا أفضتم؛ أصل الإفاضة الاندفاع، ومنه إفاضة الماء، ومنه الإفاضة في الحديث أي الكلام والاستمرار فيه، ومعنى أفضتم أي: دفعتم من عرفات، والتعبير بأفضتم يُصور لك هذا المشهد كأن الناس أودية تندفع، وهو كذلك الآن حتى إلى الآن حتى في السيارات تشاهد هذا المشهد كأنها أودية وشعبان تجري.
إِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍعرفات جمع وليس بجمع، جمع لفظًا غير جمع مسمى، فالاسم جمع والمسمى واحد، ولهذا يقول النحويون: إن عرفات ملحق بجمع المؤنث السالم وليس جمع مؤنث سالمًا. وقوله: إِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍعرفاتاسم موقف معين معلوم للمسلمين، وسمي عرفات لعدة مناسبات: قيل: لأن الناس يعترفون هناك بذنوبهم ويسألون الله عز وجل أن يغفرها لهم، وقيل: لأن الناس يتعارفون بينهم إذ إنه مكان واحد يجتمعون فيه في النهار فيعرف بعضهم بعضًا، وقيل: لأن جبريل لما علّم آدم المناسك ووصل إلى هذا قال: عرفت؟ فقال: عرفت. وقيل: لأن آدم لما أُهبط إلى الأرض وزوجته تعارفا في هذا المكان. وقيل: لأنها مرتفعة على غيرها، والشيء المرتفع يسمى عُرفًا، ومنه أهل الأعراف وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا [الأعراف: ٤٨].
ومنه عرْف الديك؛ لأنه مرتفع، وكل شيء مرتفع يسمى بهذا الاسم، وعندي -والله أعلم- أن هذا هو الأقرب، هذا والأول أنه سُمي لأن الناس يعترفون فيه لله تعالى بالذنوب؛ ولأنه أرفع ما حوله، أرفع الأماكن التي حوله، هذا المشعر حلال ولَّا حرام؟ هذا المشعر حلال خارج الحرم، ومع ذلك فهو الحج، شوف الحكمة، هو الحج كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» الحكمة من ذلك لأجل أن يرجع الناس إلى البيت العتيق من الحل، أن يرجع الناس إليه من الحل، يقصدونه من الحل، لولا وقوف الناس بعرفة لقصد الناس البيت من أين؟ من الحرم، ولكن الله عز وجل فرض الوقوف بعرفة ليقصد البيت من الحل، ومن ثم أمر النبي عليه الصلاة والسلام عائشة لما أرادت العمرة أن تحرم من أين؟ من التنعيم لأجل أن تأتي إلى الحرم من أين؟ من الحل فيصح القصد.
فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍفيه واحد يسأل، بيقول: إنه محرم بعرفات، وأنه وجد شجرة فقطعها فهل عليه بدنة أو بقرة أو شاة؟
طلبة: ما عليه شيء.
الشيخ: ولا واحد من دولي؟ لماذا؟
طلبة: لأنه حِلّ.
الشيخ: لأنه حِلّ، والشجر يتعلق التحريم فيه إذا كان في داخل الأميال.
فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِالفاء هنا واقعة في جواب الشرط (إذا). فَاذْكُرُوا اللَّهَ. وقوله: إِذَا أَفَضْتُمْفَاذْكُرُوااذكروا الله باللسان، باللسان ولا بالجِنان؟
الطالب: باللسان والقلب.
الشيخ: باللسان والقلب والجوارح، ولهذا قال: إِذَا أَفَضْتُمْفَاذْكُرُوا، ومن ثَمَّ لما نزل النبي عليه الصلاة والسلام ليبول في أثناء الطريق قال له أسامة: الصلاة يا رسول الله فقال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» لأن الصلاة من أعظم الذكر كما قال الله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت: ٤٥] يعني الذي فيها من ذكر الله أكبر وأعظم، فهي أفضل ما يكون من الذكر، والله عز وجل أمرنا أن يبادر بذكره مِن حين الإفاضة، فلما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام بمزدلفة أذَّن لصلاة المغرب وأقام وصلَّى المغرب فورًا قبل حط الرحل وبعد الانتهاء من صلاة المغرب حط رحله، ثم صلى العشاء، إذن فيشمل فَاذْكُرُوا اللَّهَيشمل ذكر الله في القلب واللسان والجوارح، ومنه الصلاة؛ صلاة المغرب والعشاء أول ما تصل، ثم صلاة الفجر والدعاء بعدها عند الانصراف.
وقوله: عِنْدَ الْمَشْعَرِالمشعر: مكان الشعيرة فهو (مَفْعَل) اسم مكان، وهو المكان الذي تؤدَّى فيه شعيرة من شعائر الله عز وجل، وهو المبيت بمزدلفة.
وقوله: الْحَرَامِيعني ذو الحرمة؛ لأنه داخل الأميال، شوف مشعر حرام سماه الله مشعرًا، لكن المسجد يسميه الله تعالى المسجد الحرام، وهنا قال: الْمَشْعَرِ الْحَرَامِفقد يستفاد منه أن المسجد الحرام الذي تضاعف فيه الصلاة إنما هو المسجد نفسه وإلا لكان هذا أيضًا مسجدًا؛ لأنه مكان عبادة.
وقوله: الْحَرَامِقال العلماء: إن هذا الوصف وصف قيدي وليس وصفًا كاشفًا، وأظن مر علينا الفرق بين الوصف الكشفي اللي يكشف الصفة الكاشفة وبين الوصف التقييدي الذي يُراد به القيد، هنا يراد به القيد ليُخرج المشعر الحلال؛ وهو عرفة، ولهذا قال العلماء: إن المشعر مشعران: حلال وهو عرفة، وحرام وهو مزدلفة. فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِكلمة عِنْدَقد يقول قائل: لماذا لم يقل: فاذكروا الله في المشعر بل قال: عِنْدَ؟
ذلك لأن المشعر الحرام -والله أعلم- هو الذي وقف عنده الرسول عليه الصلاة والسلام حينما وقف عليه حينما صلى الفجر فيكون الذي عنده كله من المشعر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَقَفْتُ هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» مزدلفة كلها موقف، ومزدلفة عامة الناس الآن يظنون أنها ما حول المشعر، وليس كذلك فإن المزدلفة واسعة تصل إلى قريب من مِنى ما بينها وبين مِنى إلا وادي محسر.
عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِوَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْأمر بالذكر مرة أخرى لكن لأجل التعليل الذي بعده اذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْلا تظن أن هذا تكرار لا فائدة منه، بل هو تكرار لفائدة وهو بيان العلة من الأمر بالذِّكر، ويش العلة؟ الهداية، ولهذا الكاف هنا للتعليل، اذكروا الله لهدايته إياكم، فالكاف هنا ليست للتشبيه، ولكنها للتعليل و(ما) ويش إعرابها ما؟ مصدرية يؤول الفعل بعدها بمصدر، فإذا قال قائل: أثبِت لنا شاهدًا على أن الكاف تأتي للتعليل، فهل يمكنكم أن تأتوا بشاهد؟
طالب: شيخ، التحيات: اللهم صلِّ على نبينا محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم.
الشيخ: نعم، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم؛ أي: لأنك صليت على إبراهيم، وكذلك مر علينا فيما سبق في القرآن: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ [البقرة: ١٥١]. فالكاف للتعليل تأتي في اللغة العربية بكثرة.
طالب: هذا ما يظهر من التحيات يا شيخ؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: التحيات يمكن أن يقول قائل: إنها صلى عليه.
الشيخ: كصلاته عليه.
طالب: لأن وأنت قد صليت على إبراهيم قبل، هذا ما يظهر في القرآن.
الشيخ: إذن للتعليل؛ يعني لأنك صليت على إبراهيم فصلِّ على محمد؛ فهو توسل إلى الله تعالى بفعل سبق منه نظير ما سألت.
وقوله: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْقوله: هَدَاكُمْيمر علينا كثيرًا أن الهداية نوعان: هداية الدلالة، وهداية التوفيق، قال الله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت: ١٧] هذه هداية أيش؟
الطلبة: الدلالة.
الشيخ: الدلالة، وهنا كَمَا هَدَاكُمْيشمل المعنيين جميعًا؛ يعني هداية الدلالة وهداية التوفيق، فأنت تذكر الله عز وجل لشكر نعمته عليك بالهدايتين؛ هداية العلم، وهداية التوفيق.
ثم قال: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [البقرة: ١٩٨].
إِنْشرطية، ولا تستعجلوا خلينا نشوف، إن شرطية وكُنْتُمْفعل الشرط، صح؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا، كيف؟
طالب: لأن ما في جواب.
الشيخ: ويش هي؟
طالب: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ.
الشيخ: وإن كنتم من قبله لمن الضالين فقد هداكم محذوف.
طالب: مخففة من الثقيلة بدليل اقتران اللام.
الشيخ: نعم، صح، (إن) هذه مخففة من الثقيلة بدليل وجود اللام الفارقة، إذن التقدير: وإنكم كنتم من قبله لمن الضالين.
طالب: يعني مخففة.
الشيخ: مخففة من الثقيلة نعم، اسمها ضمير الشأن محذوف، وسبق أن بعض النحويين يُقدر ضمير الشأن بضمير مفرد مذكر غائب، ويقول: التقدير: وإنه أي الشأن. وسبق أن الصواب أن ضمير الشأن يُقدّر بما يناسب المقام؛ يعني: وإنكم كنتم من قبله لمن الضالين. وفي قوله: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْفيه تذكير لنعمة الله تعالى بهذه الهداية حيث إنكم كنتم قبل ضالين، والضال يشمل الضال عن جهل والضال عن علم، والضال عن جهل معناه اللي ما علم بالحق أصلًا، والضال عن علم الذي أضاع الطريق الذي ينبغي أن يسلكه؛ وهو الرشد، العرب من قبل هذا الدين ضالون؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ضلال عن جهل ولَّا عن علم؟
طلبة: عن جهل.. عن علم.
الشيخ: منهم من هو عن جهل ومنهم من هو عن علم؛ فمثلًا قريش ما تروح لعرفة ما تُفيض من عرفة، وإنما تقف يوم عرفة في مزدلفة لأيش؟ قالوا: لأننا نحن أهل الحرم، كيف نروح نقف هناك في الحِلّ نخرج عن الحرم الآمن ونقف في حِلّ؟! لا ما يمكن، هذا غير ممكن! فيقفون في مزدلفة ولا يفيضون من حيث أفاض الناس، ولهذا قال: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَوهذا من جهلهم، قد يكون عن عناد، وأنهم يعلمون أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يقف هناك، وقد يكون عن جهل.
وقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِقبل مَن؟ الضمير يعود على مَن؟ أي من قبل الله؟
طالب: من قبل النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: من قبل الله ما يمكن، ما يمكن أن يكون قبل الله.
من قبله؛ من قبل القرآن؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: من قبله من قَبل القرآن، صح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: من قبله؛ من قبل الرسول يصلح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، من قبله من قبل الهدى؟
الطلبة: إي نعم. هذا صحيح.
الشيخ: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِأي: من قبل هذا الهدى: لَمِنَ الضَّالِّينَ، كل ذلك يحتمل وكله متلازم، فالهدى من أين جاء؟ من القرآن، ومن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذن يعني القول باختلاف مرجع الضمير مؤدَّاه واحد للتلازم بين هذه المراجع؛ مراجع الضمير.
طالب: يعني هذا ما هو مرجح يا شيخ لأنه حتى إن الله أنزل على الرسول وعلى إبراهيم كله عارفين ما اهتدوا إلا..
الشيخ: لا، بعضهم جاهل، فهم (من قبله) من قبل إنزال القرآن، أو (من قبله) من قبل محمد، وكما قلت لك قلت: إنها متلازمة؛ لأن القرآن فيه الهدى ومحمد عليه الصلاة والسلام جاء بالهدى.
طالب: شيخ، (إن) المخففة من الثقيلة، قلنا: يعني أنها ليست شرطية وأنها مخففة من الثقيلة، قوله: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٢٧].
الشيخ: لا، هذه شرطية.
طالب: ما هي مخففة من الثقيلة؟
الشيخ: لا، ما هي مخففة.
طالب: (إن)؟
الشيخ: إِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَما هي مخففة من الثقيلة، شرطية.
طالب: هي (إن) مخففة.
الشيخ: أيهم؟
طالب: (...) إنَّ أنْ.
الشيخ: إِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ.
طالب: إي، هذه مخففة.
الشيخ: لا، هذه شرطية.
طالب: اللفظ هذا، (...)؟
الشيخ: لا، بينهما فرق؛ لأن (إن) المخففة، تجد فيها..
طالب: (...).
الشيخ: لا، اللفظ واحد، إن الشرطية، وإن المخففة، وإن النافية لفظها واحد، لكنها بس تختلف بحسب العمل، إن المخففة هي إنَّ فقط، (إنَّ) اللي هي للتوكيد تنصب الاسم وترفع الخبر، ولهذا نقول: إِنْ كُنْتُمْإن مخففة من الثقيلة، وجملة كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَخبرها.
طالب: شيخ، له فائدة يعني بلاغية أو نحوية؟
الشيخ: إي نعم، التخفيف على اسمه، فيه التخفيف لنفس العامل اللي هي (إن)، وفيه التخفيف من جهة حذف اسمها.
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٩٩]. قوله: ثُمَّ أَفِيضُواهذه الجملة اختلف فيها المفسرون؛ فمنهم من قال: أفيضوا من عرفة بدليل قوله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُويكون الخطاب هنا لمن؟ لقريش. هذا الرأي من جهة واضح، ومن جهة مشكِل، فمن قوله: مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُواضح أن المراد أفيضوا من أين؟ من عرفات. لكن قوله: ثُمَّ أَفِيضُوابعد قوله: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٨] مُشكل، وجه الإشكال أن (ثُمَّ) للترتيب، والإفاضة من عرفات قبل المشعر الحرام ولَّا بعده؟ قبله، وظاهر السياق إذا قلنا: إن أفيضوا من عرفات أن الإفاضه من عرفات تكون بعد مزدلفة، والواقع خلاف ذلك، فأجابوا عن هذا بجوابين:
الجواب الأول: أن الترتيب هنا ترتيب ذِكري لا ترتيب زمني حكمي؛ يعني أن الله عز وجل ذكر هذا، رتَّبه في الذكر فقط لا أنه مرتَّب عن ذاك بالزمن والحكم؛ لأنه بالزمن والحكم سابق عليه وليس متأخرًا عنه، فيكون كقول الشاعر:
| إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ | ثُمَّ سَادَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ جَدُّهُ |
الشيخ: وأبوه وجده عكس تام، أبوه وجده قبله ولَّا بعده؟
طالب: قبله.
الشيخ: قبله. ثانيًا: أن قوله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُهذا عطف على قوله: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍكأنه قال: ثم لتكن إفاضتكم من عرفات من حيث أفاض الناس. وسيأتي -إن شاء الله- بيان القول الراجح.
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [البقرة: ١٩٦].
يستفاد من هذه الآية: جواز حلق الرأس للمرض أو الأذى لقوله: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِإلى آخره.
ويستفاد منه: أن فديته على التخيير لقوله: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ.
ويستفاد به: أن كفارات المعاصي فداء للإنسان لقوله: كفارات المعاصي فداء للإنسان من العقوبة لقوله: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن محظورات الإحرام لا تفسده، من أين تؤخذ؟ أن الله لم يُوجب بحلق الرأس مع أنه من محظورات الإحرام إلا الفدية؛ ومعنى ذلك أن الحج صحيح فهمتم؟ فيكون في هذا رد لقول ابن حزم رحمه الله: إن محظورات الإحرام تفسده كسائر العبادات؛ فإن العبادات تفسدها محظوراتها إلا الحج، لكنه يستثنى من هذا الجماع قبل التحلل الأول؛ فإنه يفسد الحج، لكنه يفسده ولا يفسده؛ يفسده ويجب عليه المضي فيه وقضاؤه من العام القادم فهو مفسِد لا يخرج منه، ولكنه يلزمه القضاء.
ويستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان السنة للقرآن، بيان السنة للقرآن من أين تؤخذ؟ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍما ندري ويش الصيام ولا الصدقة ولا النسك، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن ذلك بأن الصيام ثلاثة أيام، والإطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك شاة، وألحق العلماء بحلق الرأس جميع محظورات الإحرام ما عدا شيئين وهما: الجِماع في الحج قبل التحلل الأول وجزاء الصيد، فالجماع في الحج قبل التحلل الأول يجب فيه بدَنة، وجزاء الصيد يجب فيه أيش؟ مِثله أو عدل ذلك صيامًا، أو إطعام مساكين أو عدل ذلك صيامًا، وما عدا ذلك من المحظورات ففديتها كفدية حلق الرأس، كل المحظورات؛ المباشرة فديتها كفدية حلق الرأس، الإنزال ولو قبل التحلل الأول فديته كفدية حلق الرأس، كل المحظورات فديتها كفدية حلق الرأس إلا الجماع وإلا جزاء الصيد.
ويستفاد من الآية الكريمة، يستفاد منها: البداءة بالأيسر فالأيسر.
مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍأو لا؟
طلبة: يختلف الحال، يختلف.
الشيخ: إي نعم، تختلف الحال، قد يكون الصيام أشق، وقد يكون الإطعام أشق، وقد يكون النسك أشق.
طالب: (...) البداءة بما هو يسير أو بمن يستطيعه كل أحد.
الشيخ: لا، ما على كل حال.
طالب: ما يعتبر تيسيرًا هنا يا شيخ؟
الشيخ: التيسير من جهة التخيير.
الطالب: (...).
الشيخ: من جهة التخيير إي نعم.
إذن يستفاد من الآية الكريمة: التيسير على العباد وذلك بوقوع الفدية على التخيير.
ثم قال الله تعالى: فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة: ١٩٦] هذا معطوف كما قلنا على قوله: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْيقابله: فَإِذَا أَمِنْتُمْأي: زال عنكم الخوف.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: جواز التمتع في أشهر الحج، أو جواز العمرة في أشهر الحج لقوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة: ١٩٦]. وقد سبق أن أهل الجاهلية يرون أن العمرة في الحج في أشهر الحج من أفجر الفجور.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن التمتع تيسير من الله على العباد لقوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّوإلا فالمفروض أن من أحرم في أشهر الحج المفروض أنه يتم الحج، يبقى على إحرامه إلى أن يحلّ منه يوم العيد، لكن من تيسير الله عز وجل أنه جعل للإنسان أن يتمتع بالعمرة إلى الحج.
ويستفاد منها: أنه إذا حلَّ المتمتع من عمرته جاز له كل شيء حتى النساء، من أين تؤخذ؟ من قوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ؛ لأن إطلاق التمتع لا يكون إلا كذلك.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن من لا يحل من عمرته لا يسمى متمتعًا لقوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ. وعلى هذا فالقارن ليس بمتمتع، وهو كذلك عند الفقهاء أن القارِن غير متمتع، فالمتمتِّع هو الذي يحلّ من العمرة والقارِن هو الذي يجمع بين العمرة والحج، لكن ذكر كثير من أهل العلم أن القارِن يُسمى متمتعًا في لسان الصحابة، وذلك لأن بعض الصحابة عبّر عن حج النبي صلى الله عليه وسلم بالتمتّع، فقالوا: تمتّع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج . ومن المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلّ من إحرامه ولّا ما حل؟ ما حل، ولهذا قال الإمام أحمد:
لا أشك أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قارنًا والمتعة أحب إليه، عرفتم؟ ومن أجل أن القارن ليس متمتعًا صار وجوب الهدي على المتمتع بالإجماع، ووجوب الهدي على القارِن عند أكثر أهل العلم، وقد نص الإمام أحمد أن القارن ليس كالمتمتّع، لكن جمهور أهل العلم قالوا بوجوب الهدي عليه كالقارِن. وأصل ذلك العِلّة في وجوب الهدي على المتمتع.
هل هو الجمع بين نُسكين في سفر أو هو التمتّع بين العمرة والحج بما أحل الله؟
طالب: التمتّع.
الشيخ: فمن قال: إن العلة هي التمتع قال: لا هدي، ومن قال: إن العِلّة هو الترفُّه بترك أحد السفرين وجمع النسكين في سفر واحد قال: إن عليه الهدي، وهذا -كما قلت لكم- هو رأي جمهور أهل العلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: تيسير الله عز وجل على العباد لقوله: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِواضح تيسير واضح. والدين كله -والحمد لله- من أوله إلى آخره مبني على اليُسر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هدي التمتع لا بد أن يكون مما يجزئ في الأضحية لقوله: مِنَ الْهَدْيِ(أل) لأن الهدي (أل) فيها للعهد الذهني؛ أي الهدي المعهود ذهنًا وهو الهدي الشرع، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً» .
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هدي التمتع أو أن ما يجب بالتمتّع على الترتيب، من أين يؤخذ؟ من قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ.
طالب: شيخ، نفس الفائدة التي.
الشيخ: الفائدة هذه أن ما يجب بالتمتّع على الترتيب، الهدي أولًا فإن لم يجد فالصيام بخلاف ما يجب في الفدية لقد سبق أنه على التخيير.
ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن في قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْما وجه ذلك؟
طالب: لأنه يشمل..
الشيخ: لأن حذف المفعول للعموم، فهنا استفدنا زيادة المعنى مع اختصار اللفظ؛ لأن قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْأي: من لم يجد هديًا أو ثمنه، أيش الآن؟ مع الحذف استفدنا زيادة المعنى.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب صيام عشرة أيام بدلًا عن الهدي لقوله: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ [البقرة: ١٩٦].
ومن فوائدها: أن هذه الأيام موزّعة؛ ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع.
ومن فوائدها: جواز صيام هذه الأيام في أيام التشريق، هذه الأيام الثلاثة، جواز صيام هذه الأيام الثلاثة في أيام التشريق، من أين تؤخذ؟ من قوله: فِي الْحَجِّفإن أيام التشريق من أيام الحج، ويجوز قبل ذلك؟ نعم، ويجوز قبل ذلك.
طالب: يوم العيد يعني يا شيخ؟
الشيخ: ما يجوز يوم العيد.
طالب: وقبل ذلك يصح؟
الشيخ: قبل ذلك يعني قبل العيد. من متى يبتدئ الجواز؟ من الإحرام بالعمرة؛ لأنه من حين يحرم بالعمرة دخل في الحج، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» .
ومن فوائدها: أن هذه الأيام الثلاثة لا يجب فيها التتابع وكذلك السبعة، الدليل؟
إن الله إنما ذكر عددًا ولا اشترط، ولو كان ذلك شرطًا لبينه الله كما قال: فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فلما لم يشترط الله التتابع عُلم بأن هذه الثلاث يجوز أن تصومها متتابعة وأن تصومها متفرقة، لكن لا تخرجها عن أيام الحج، أفهمتم؟
ومن فوائد الآية الكريمة: أن تفريق هذه الأيام الثلاثة والسبعة لا يجعلها متفرقة حكمًا (...) ولم تكن السبعه إلا في شهر جمادى ما نقول: إنها تفرقت ولكل واحد حكم، بل نقول: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌكما قال سبحانه وتعالى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن صيام الأيام السبعة لا يجوز في أيام الحج لقوله: وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ.
ومن فوائدها: أنه يشترط لوجوب الهدي أو بدله أن لا يكون المتمتِّع من حاضري المسجد الحرام لقوله: ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٦].
والحكمة من ذلك لأن اللي من حاضري المسجد الحرام ما تمتع في الحقيقة خصوصًا إذا قلنا: إن المراد بالتمتع الترفّه بترك أحد السفرين، لأن من حاضري المسجد الحرام ما سافر أصلًا بخلاف الذي هو بعيد عنه فإنه بدلًا أن يسافر مرتين مرة للعمرة ومرة للحج صار سفره واحدًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة المسجد الحرام لوصف الله له بأنه حرام.
ثم قال الله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة: ١٩٦] اتَّقُوا اللَّهَ.
يستفاد من الآية الكريمة: وجوب التقوى، وما أكثر ما أمر الله بالتقوى في القرآن؛ لأنها هي والبر كل الدين.
ومن فوائدها: التهديد والوعيد لمن لم يتّقِ الله لقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابفإن الغرض من الأمر بهذا العلم أن نتقي الله سبحانه وتعالى.
ومن فوائدها: أن شدة العقاب ليست نقصًا في المعاقِب، وجهه أن الله تعالى وصف نفسه به، ولا يُوصف الله تعالى إلا بالكمال، بل أمرنا أن نعلم ذلك أيضًا، وكل ما وَصف الله به نفسه فهو صفة كمال، إذن فإذا عاقبت ولدَك بما يستحق، وكانت الجناية كبيرة فأكبرت العقوبة هل تحمد أو تُذم؟ تحمد، ولهذا قال: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» لأنه إذا بلغ عشرًا صار تركه إياها والإخلال بها أعظم.
طالب: ما يصير فيها فرق يا شيخ بين المخلوق والخالق؟
الشيخ: لا، ما فيها فرق؛ لأن هذا نفس الوصف العقوبة؛ عقوبة من يستحقها كمال سواء من مخلوق أو من خالق.
الطالب: فيه ناس يزيدون بالعقوبة؟
الشيخ: إذا زادوا في غير محلها ما يجوز، ولهذا ما يظلم الله أحدًا؛ يعني مع كونه شديد العقاب ما يعاقب أحدًا أكثر مما يستحق.
طالب: يعني الضمير في ذلك على التمتع أو على الهدي؟
الشيخ: لا الظاهر؛ لأنه فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِيحتمل أنه عائد على الجميع أو عائد على وجوب الهدي، المشهور من مذهب الحنابلة أنه عائد على وجوب الهدي فقط، وأن أهل مكة لهم تمتُّع.
طالب: إذا صام فوجد الهدي، صام بعض الأيام فوجد الهدي؟
الشيخ: ما يلزمه الانتقال، لكن إن انتقل فلا حرج إلا إذا قدّم الصوم؛ لأن محل الوجوب هو فجر يوم العيد، فلو قدّم الصوم بناءً على أنه ما يجد، ثم مات له قريب في ليلة العيد وورثه فوجد، أو وُهب له مال في ليلة العيد فإنه يكون بذلك واجدًا فيجب عليه الهدي؛ لأنه هو وقت ذبح.
ثم قال الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ [البقرة: ١٩٧] إلى آخره.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: تعظيم شأن الحج حيث جعل الله له أشهرًا مع أنه أيام، كم هو؟ ثمانية، تسعة، عشرة، أحد عشر، اثنا عشر، ثلاثة عشر، ستة وقد جعل الله له أشهرًا، أشهرًا ثلاثة حتى يأمن الناس ويتأهبوا لهذا الحج، ولهذا شوف ما بعد الحج أقصر مما قبله، الذي قبله كم؟ شهران وسبعة أيام، واللي بعده سبعة عشر يومًا فقط؛ لأنه إذا حج انتهى غرضه فطُلب منه العودة بخلاف ما إذا كان قبله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أشهر الحج ثلاثة، من أين تؤخذ؟ من قوله: أَشْهُرٌوهي جمع، وهي جمع قلة، والأصل في الجمع أن يكون ثلاثة فأكثر.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإحالة على المعلوم بشرط أن يكون معلومًا لقوله تعالى: مَعْلُومَاتٌ، وهذا يستعمله الفقهاء كثيرًا والعلماء كلهم يقولون: هذا معلوم بالضرورة من الدين، وأمر هذا معلوم وما أشبه ذلك، فلا يقال: إنه لم يبيّن؛ لأنه ما دام الشيء مشهورًا بين الناس ومعروفًا بينهم يصح أن نعرّفه بأنه معلوم، ومن ذلك ما يفعله بعض الكُتّاب في الوثائق يقول: باع فلان على فلان كذا وكذا، وهو معلوم بين الطرفين يجوز ولَّا لا؟ يجوز لو ما فصّلت ما دام معلومًا فإضافة الشيء إلى العلم وهو معلوم يعتبر من البيان.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تلبس بالحج وجب عليه إتمامه وصار فرضًا عليه، من أين يؤخذ؟ من قوله: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّويؤيد ذلك قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج: ٢٩] فسمى الله تعالى الحج نذورًا. ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦] فلم يُبح الله تعالى الخروج من النسك إلا بالإحصار.
ويُستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب إتمام النفل في الحج، من أين نأخذه؟ من قوله: فَمَنْ فَرَضَوالفرض لا بد من إتمامه.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن الإحرام بالحج قبل أشهره لا ينعقد، وجهه؟ لقوله: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَفلم يرتّب الله أحكام الإحرام إلا لمن فرضه في أشهر الحج، ومعلوم أنه إذا انتفت أحكام العمل فمعناه أنه لم يصح العمل، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله أنه إذا أحرم بالحج قبل دخول أشهر الحج لم ينعقد إحرامه، ولكن هل يلغو أو ينقلب عمرة؟ في ذلك قولان عندهم؛ أما عندنا مذهب الحنابلة فيقولون: إن الإحرام بالحج قبل أشهره ينعقد، ينعقد ولكنه مكروه، يُكره أن يحرم بالحج قبل أشهره، ولكنه ينعقد ومذهب الشافعي أقرب إلى ظاهِر الآية الكريمة، وأنه إذا أحرم بالحج قبل أشهره لا ينعقد، والظاهر أيضًا أنه لا ينعقد ولا ينقلب عمرة؛ لأن العبادة لم تنعقد، وهو إنما دخل على أنها حج فلا ينعقد لا حجًّا ولا عمرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الجماع ومقدماته لمن أحرم بالحج، من أين تؤخذ؟ من قوله: فَلَا رَفَثَ.
ومنها؛ من فوائدها: أن المحظورات تحرم بمجرد العقد، وإن لم يخلع ثيابه من قميص وسراويل وغيرها، من أين تؤخذ؟ من قوله: فَمَنْ فَرَضَفَلَا رَفَثَجواب الشرط، وجواب الشرط يكون متلوًّا أو يكون تاليًا لفعله، فبمجرد أن (...) الحج تحرُم عليه المحظورات. (...)
أخذنا آخر ما أخذنا من فوائد: أن الإحرام ينعقد بمجرد العقد، وتثبت به الأحكام لقوله: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ.
ويستفاد من الآية الكريمة: تحريم الجماع ودواعيه بعد الإحرام لقوله: فَلَا رَفَثَوجواب الشرط يكون عقب الشرط، جواب الشرط يكون عقبه؛ لأنه بمجرده يحرم الرفث.
ويستفاد منها أيضًا: تحريم الفسوق لقوله: وَلَا فُسُوقَ [البقرة: ١٩٧]، فإن قال قائل: الفسوق محرم في الإحرام وفي غير الإحرام؟ فالجواب: أنه يتأكد في الإحرام أكثر من غيره.
ومنها؛ من فوائد الآية الكريمة: تحريم الجدال لقوله: وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ. والجدال إن كان لإثبات الحق أو لإبطال الباطل فإنه واجب، وعلى هذا فيكون مستثنى من هذا العموم وَلَا جِدَالَلقوله تعالى: وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل: ١٢٥]، وأما الجدال لغير هذا الغرض فإنه محرم، فإن قلت: أليس محرّمًا في هذا وفي غيره لما يترتب عليه من العداوة والبغضاء وتشويش الفكر؟ فالجواب: أنه في حال الإحرام أوكد.
ويستفاد من قوله: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [البقرة: ١٩٧] يستفاد منها: الحث على فعل الخير، كيف ذلك؟ لأن قوله: يَعْلَمْهُ اللَّهُيدل على أنه سيجازِي على ذلك ولا يضيعه، قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢].
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الخير سواء قلّ أو كثر فإنه معلوم عند الله، من أين يؤخذ؟ من قوله: مِنْ خَيْرٍفإنها نكرة في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم.
ويستفاد من الآية الكريمة: عموم عِلم الله تعالى بكل شيء لقوله: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ.
ويستفاد منها: الرد على القدرية المنكرين للمشيئة والخلق في أفعال العباد؛ لأن القدرية على طبقتين: غلاة ومقتصدون، فالغلاة ينكرون حتى علم الله ويقولون: إن الأمر أنف؛ يعني مستأنف، والله تعالى لا يعلم حوادث العباد التي يفعلونها إلا بعد وقوعها.
وأما المقتصدون منهم فيقولون: إن الله يعلمها، ولكنه سبحانه لا يشاؤها ولا يخلقها، والعبد على رأيهم مستقل بعمله له إرادة مطلقة وقدرة مطلقة وفعل مُطلق، ولكن هذه الآية ترد عليهم كيف ذلك؟ لأننا نقول: إذا كان مفعول العبد معلومًا لله فإما أن يقع فعل العبد على حسب معلومه أو على خلاف معلومه، فإن أنكروا أن يكون على معلومه وقالوا هو على خلاف معلومه فقد أنكروا العلم، وإن أقروا به فإن هذا هو المطلوب يكون هذا على مراده، ولهذا قال الشافعي رحمه الله: جادلوهم بالعلم، فإن أقروا به خُصموا وإن أنكروه كفروا.
ويستفاد من الآية الكريمة: الحث على التزود من الخير لقوله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة: ١٩٧].
ويستفاد منها: أنه ينبغي للحاج أن يأخذ معه الزاد الحسية من طعام وشراب ونفقة لئلا يحتاج في حجه فيتكفف الناس لقوله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى.
ويستفاد من ذلك: أن التقوى خير زاد كما أنها خير لباس، فهي خير لباس باطني وظاهري، من أين يؤخذ أنه خير لباس؟ من قوله تعالى: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف: ٢٦]، ويؤخذ من أين أنها خير زاد؟ من قوله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى. والزاد عبارة عن لِباس الباطن، وأما الثياب فهي لباس الظاهر، ولهذا قرن الله تعالى بينهما في سورة (طه) فقال: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى [طه: ١١٨، ١١٩] فإنه لقائل أن يقول: لماذا لم يقل سبحانه وتعالى: إن لك أن لا تجوع فيها ولا تظمأ، حتى يكون الجوع مناسبًا للظمأ؟ ولكن الجواب أن يقال: إن قوله: أَلَّا تَجُوعَ فِيهَاهذا نفي للتعري الباطني، وَلَا تَعْرَىللتعري الظاهري باللباس. لَا تَظْمَأُ فِيهَاالظمأ حرارة الباطن، وَلَا تَضْحَىحرارة الظاهر، فكان المقابلة في القرآن أبلغ مما يتوهمه الإنسان، فنقول: لباس التقوى ذلك خير من اللباس الظاهري، وزاد التقوى خير من الزاد الباطني.
ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب تقوى الله لقوله: وَاتَّقُونِوالتقوى مرت علينا كثيرًا بأنها اتخاذ وقاية من عذاب الله بماذا؟ بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن أصحاب العقول هم أهل التقوى لقوله: يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.
ويستفاد منها: أنه كلما نقص الإنسان من تقوى الله كان ذلك دليلًا على نقص عقله، أي العقلين؟ عقل الإدراك ولَّا عقل الرشد؟ عقل الرشد بخلاف قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ» فإن المراد بنقص العقل هنا عقل الإدراك، أيهما مناط التكليف وأيهما مناط المدح؟ مناط التكليف عقل الإدراك، ومناط المدح عقل الرشد، ولهذا نقول: إن هؤلاء الكفار الأذكياء الذين هم في التصرف من أحسن ما يكون نقول: هم عقلاء عقول إدراك، لكنهم ليسوا عقلاء عقول رشد، ولهذا دائمًا ينعى الله عليهم عدم عقلهم، والمراد العقل الرشدي الذي به يرشدون.
ثم قال الله عز وجل: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْإلى آخر الآية، هذه في الحقيقة لا يعرف معناها إلا من عرف سببها؛ لأنك إذا قرأتها لأول مرة لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْوهل أحد يشك في أنه ليس عليه جناح أن يبتغي من فضل الله، ويش الجواب؟ لا أحد يشك، إذا كان كذلك فيكون هذا الكلام لغوًا وتحصيل حاصل، لكن إذا عرف الإنسان السبب عرف لماذا قال الله هذا، ولهذا من كلامهم المألوف المعروف: (إذا عُرف السبب بطَل العجب).
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْهذه نزلت كما قلنا في التفسير في قوم يتحرجون من أن يبيعوا ويشتروا في أثناء الحج، فأنزل الله هذه الآية مبيّنًا أنه لا حرج عليهم في ذلك، حينئذٍ نقول: يستفاد من الآية الكريمة: جواز البيع والشراء أثناء الحج، من أين يؤخذ؟ من قوله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌأي: إثم.
يستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان في حال بيعه وشرائه أن يكون مترقبًا لفضل الله لا معتمدًا على قوته وكسبه لقوله: أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ.
ويستفاد من الآية الكريمة: ظهور مِنّة الله على عباده بما أباح لهم من المكاسب، وأن ذلك مقتضى ربوبيته سبحانه وتعالى حيث قال: فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ.
ثم قال: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍإلى آخره يستفاد من هذه الآية الكريمة: مشروعية الوقوف بعرفة، من أين تؤخذ؟ هل يؤخذ من أن الوقوف بعرفة ركن؟
طلبة: لا، ما يؤخذ.
الشيخ: لو قال قائل إن قوله: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍدون أن يذكر الأمر بها كأن قضية الوقوف بعرفة أمر مُسلّم لا يمكن حجّ إلا به؛ لأنه قال: إِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍمع أنه ما تقدم الأمر بذلك فكأن القضية قضية مسلّمة لا يمكن حجّ إلا به، قد يقول قائل بهذا ويكون هذا مُوجّهًا للقول بأنها ركن، بأن الوقوف بعرفة ركن وقد دل عليه الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» .
ويستفاد من الآية الكريمة: أنه يُشترط للوقوف بمزدلفة أن يكون بعد الوقوف بعرفة، من أين يؤخذ؟ إِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٨].
فلو أن أحدًا مر بمزدلفة في الليل ووقف بها يدعو، ثم ذهب إلى عرفة ووقف بها، ثم رجع منها إلى مِنى، قلنا له: لا يجزئك وقوفك بمزدلفة؛ لأن الله ذكرَه بعد الوقوف بعرفة.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن الصلاة من ذكر الله، منين؟ فَاذْكُرُوا اللَّهَ؟ والنبي عليه الصلاة والسلام أول ما بدأ بالصلاة حتى قال له أسامة لما نزل يبول وتوضأ وضوءًا خفيفًا قال: يا رسول الله، الصلاة. قال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» ليكون أول ما يبدأ به من الذكر في هذا المكان أقرب ما يكون من الأعمال البدنية، وهي الصلاة، ولهذا بدأ بصلاة المغرب قبل حطّ رحله كل ذلك تحقيقًا لأمر الله تعالى بالذكر، ولا شك أن الصلاة من ذِكر الله، بل هي روضة من رِياض الذكر فيها قراءة، تكبير، تسبيح، ودعاء، وقيام، ركوع، سجود، قعود، كل ذلك من ذكر الله، ذِكر بالقلب وباللسان ويش بعد؟ وبالجوارح، ثم من خاصية الصلاة أن كل عضو من أعضاء البدن له ذِكر خاص به وعبادة تتعلق به.
من فوائد الآية الكريمة: بيان أن المزدلفة من الحرم.
الطلبة: عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ.
الشيخ: عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وهل يستفاد من تقييد ذلك بالمشعر الحرام أن عرفة مشعر حلال؟ نعم، وعرفة من الحِلّ، ولهذا يجوز للمحرم بعرفة أن يقطع الأشجار، صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: وأن يقتل الصيد؟
الطلبة: لا؟
الشيخ: لا، لماذا؟
الطلبة: لأنه مُحرم.
الشيخ: لأنه محرم صح.
طالب: فضيلة الشيخ، أقول: مثلًا وجوب الصلاة في مزدلفة؟ وجوب الصلاة إحنا نفهم من الآية (...) مزدلفة المغرب والعشاء؟
الشيخ: بعض العلماء يرى أنها يجب أن تكون في مزدلفة حتى إن بعض العلماء قال: لو خرج وقتها لا يصليها إلا في مزدلفة، ولكن الصحيح أنها ليست بواجبة، إنما على سبيل الأفضلية، هذا الذي عليه جمهور أهل العلم.
ويستفاد من الآية الكريمة: أن الوقوف بمزدلفة مشعر من المشاعر، أو أن مزدلفة مشعر من المشاعر، فيكون فيه رد على من قال بأن الوقوف بها سُنّة، وللناس في هذه المسألة ثلاثة أقوال؛ قول: بأن الوقوف بها سنة، والقول الثاني: بأنه ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفة، والقول الثالث: أنه واجب يجبر بدم.
طالب: إي نعم، كيف؟
الشيخ: والله أنا أتوقف بين كونها ركنًا وواجبًا، أما أنها سنة فهو ضعيف لا يصح.
طالب: من السنة ما جاءت به.
الشيخ: نعم؟
الطالب: أقول: في السنة حديث اسم..
الشيخ: حديث عروة بن (...) قد يدل على ذلك، نعم أتوقف في هذا.
طالب: إن كان له عذر يعني؟
الشيخ: إن كان له عذر يفوته الحج كما لو كان في عرفة له عذر يفوته الحج ويقضي من السنة القادمة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان يجب عليه أن يذكر الله تعالى بنعمته بالهداية لقوله: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ. إذا جعلنا الكاف للتعليل أي: واذكروه لهدايتكم، وإن جعلناها للتشبيه فالمعنى: اذكروه على الوجه الذي هداكم فيكون فيه دليل على أن الإنسان يجب أن يكون ذِكره لله على حسب ما ورد عن الله، وأيهما أوْلى؟ أنتم فاهمين الفرق بينهما ولَّا لا؟
طالب: تعني؟
الشيخ: الفرق بينهما أن يكون اذكروا الله لهدايته إياكم يكون مطلقًا، يكون الذكر مطلقًا، والعِلّة في الأمر به الهداية، أما إذا قلنا: إن الكاف للتشبيه يكون المعنى: اذكروا الله تعالى على الوجه الذي هداكم له؛ يعني على حسب ما شرع، وأيهما أوْلى؟
طالب: الجميع.
طالب آخر: ما فيه أوْلى.
الشيخ: نحن قلنا فيما سبق من قواعد التفسير أن الآية إذا كانت صالحة لوجهين لا تناقض بينهما تُحمل عليه، وإذا احتملت لوجهين لكن لا يمكن اجتماعهما يُطلب المرجِّح. هذا لا يمكن التناقض بينهما، يمكن أن الله أمرنا أن نذكره كما هدانا؛ أي على حسب ما هدانا، ويمكن أن يكون أمرنا أن نذكره؛ لأنه هدانا ولا تنافيَ بينهما.
ويستفاد من الآية الكريمة: تذكير الإنسان بحاله قبل كماله ليعرف بذلك قدر نعمة الله عليه، من أين يؤخذ؟ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ؛ لأن (إن) هنا مخففة من الثقيلة يعني إنكم كنتم قبل ضالين فهداكم الله، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: «أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي» ، ومنه قول الملَك للأبرص والأقرع: «أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذِرُكَ النَّاسُ فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ اللَّهُ؟» فالتذكير بالنِّعم بذكر الحال وبذكر الكمال بعد النقص هذا مما يوجب للإنسان أن يزداد في شكر نعمة الله عليه.
طالب: هذا خاص بالله يا شيخ؟
الشيخ: ويش لون؟
طالب: يعني بنعم الله على العبد؛ يعني غيره من المنعِمين؟
الشيخ: لا، غيره من المنعمين أخشى أن يكون في ذلك مِنّة فيكون من المنّانين، وتعرف أن المنان ممن لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه .
هل يستفاد من هذه الآية الكريمة تأييد مذهب الجبرية ولَّا لا؟
طلبة: إي نعم، فيها رد عليهم.
طالب: بمفردها قد يستفاد.
الشيخ: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ.
طلبة: ما يستفاد يا شيخ، هذا مذهبهم باطل.
الشيخ: لا، أنتم على كل حال، هل، يمكن أن يستدلوا بهذا؟
طلبة: ممكن، يستدلون.
الشيخ: يقولون: إنهم كانوا بالأول ضالين وهداهم الله، فيكون هذا فضلًا محضًا من الله عز وجل فيكون هو الذي أجبرهم على أن يهتدوا.
طالب: (...).
الشيخ: على كل حال يمكن أن يستدلوا بها.
طالب: اذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْاذكروه.
الشيخ: إي، ما يخالف، اذكروه، توجيه الأمر لهم على أن لهم فعلًا اختياريًّا، لكن قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَثم هداكم، ولكننا نقول: إن الجبرية والقدرية وغيرهم من المبتدعة في هذا الباب وفي غيره يكون لهم شُبه؛ لأنهم إذا لم يأتوا بشيء يتوكؤون عليه ما قُبل منهم شيء لكنهم ينظرون بعين واحدة، ومن أجل ذلك يضلون، تجدهم يأخذون هذه النصوص ويدعون النصوص الأخرى فيضلون بذلك، عرفتم؟
تعرفون أن أهل السنة والجماعة في صفات الله وسط بين أهل التعطيل وأهل التمثيل؛ أهل التعطيل رأوا إلى النصوص الدالة على نفي المماثلة فأبطلوا ظنًّا منهم أن إثبات الصفات يستلزم التمثيل، وأما أهل التمثيل فأثبتوا الصفات بالتمثيل ظنًّا منهم أن حقائق هذه الصفات التي أضافها الله لنفسه مثل حقائقها بالنسبة للمخلوق، وعموا عن النصوص الدالة على نفي المماثلة، عموا عنها.
طالب: شيخ، إذا حملناها على الوجه الثاني وهو: واذكروه على الوجه الذي هداكم له ما تكون ردًّا عليهم.
الشيخ: (...) ما صفة الأدلة إلا في الجملة الثانية.
طالب: تقول: يستفاد من الآية في الرد على الجبرية؟
الشيخ: في الرد على الجبرية نستفيد بأن نقول: هذه وإن كان فيها شبهة لكم لكن الآيات الأخرى والنصوص الأخرى تدل على بطلان منهجكم.
ثم إن قوله: وَاذْكُرُوهُتوجيه الأمر إليهم يدل على أنهم فاعلون بالاختيار؛ لأن الفاعل بغير الاختيار ما يصح توجيه الأمر إليه، لماذا؟ لأنه لا يستطيع، فلو قلت للإنسان المتوحِّل في طين: يلّا اخرج، هذا لو يحرّك رجله ازداد غوصًا، ما يستطيع.
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُذكرنا أن لأهل التفسير في قوله: ثُمَّقولين؛ القول الأول: أن الترتيب حقيقي وزمني، وأن الله تعالى لما أمر بذكره عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات أمر بأن يفيض الناس من مزدلفة جميعًا ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ. وعلى هذا التفسير لا إشكال في الآية.
والقول الثاني: أن ثُمَّللترتيب الذكري؛ يعني أمر الله بالإفاضة من عرفة بعد أن أمر بذكره في مزدلفة، وهذا من حيث الزمن على العكس ولَّا مرتب؟ على العكس، لكنه ترتيب ذكري، يكون الله عز وجل عاد إلى التحدث عن الوقوف بعرفة فقال: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ.
وبناءً على هذا التفسير يكون الواو عائدة على قريش ما هو على كل الناس؛ لأن قريشًا هم الذي يقفون يوم عرفة في مزدلفة، شوف الحمية الجاهلية يقولون: ما نقف بعرفة، لأيش؟ قالوا: لأننا أهل الحرم فلا يمكن أن نخرج عنه، نقف بهذا في مزدلفة، وإذا جاء الناس وباتوا بها أفضنا جميعًا إلى منى، فعلى هذا يكون الآية ترتيبها ترتيبًا ذِكريًّا، وقد مر علينا مثال للترتيب الذكري أنشدناه إياكم.
طالب:
| إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ | ثُمَّ سَادَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ جَدُّهُ |
الشيخ: إي نعم.
| إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ | ثُمَّ سَادَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ جَدُّهُ |
معلوم أن الجد يسود قبل الأب، والأب يسود قبل الابن.
قوله: مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ(حيثُ) ظرف مكان مبني على الضم في محل جر بـ(مِن). وقوله: مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُأي: من المكان الذي أفاض الناس منه، وهو مزدلفة على القول الأول، أو عرفة على القول الثاني. وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَاطلبوا المغفرة منه، والمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من (الْمِغْفر) الذي يحصل به الستر والوقاية، وليست المغفرة مجرد الستر بل هي ستر ووقاية. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ١٩٩] هذه جملة تعليل للأمر، استغفروا الله؛ لأنه أهل لأن يستغفر، فإنه سبحانه وتعالى غفور رحيم، إعراب رحيم؟
الطالب: إِنَّ اللَّهَ.
الشيخ: غَفُورٌ رَحِيمٌ.
الطالب: خبر ثاني.
الشيخ: خبر ثاني لأيش؟
الطالب: لـ(إن).
الشيخ:خبر ثاني لـ(إن)؟ والخبر الأول؟
الطالب: الخبر الأول: غفور.
الشيخ: غفور، صح؟
طلبة: صح.
الشيخ: نعم، قوله: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌغَفُورٌصيغة مبالغة؛ وذلك لكثرة غفرانه تبارك وتعالى وكثرة من يغفر لهم. وقوله: رَحِيمٌأي: ذو رحمة واصلة إلى المغفرة، الذي يرحم فعلًا، وهو إما صفة مشبهة وإما صيغة مبالغة. والرَّحْمَةرحمة الله عز وجل صفة حقيقية ثابتة له على الوجه اللائق به، وهل تشبه رحمة المخلوقين؟ لا؛ لأن القاعدة عندنا أن جميع صفات الله لا تماثل صفات المخلوقين، فكل نقص يعتري رحمة المخلوق أو يعتري المخلوق بسبب رحمته فإن الله تعالى منزّه عنه، وقد فسر الأشاعرة ونحوهم من أهل التعطيل فسروا الرحمة بأنها إما الإحسان وإما إرادة الإحسان؛ إما الإحسان ففسروها بشيء مخلوق بائن عن الله عز وجل، الإحسان، وإما إرادة الإحسان، والإرادة صفة معنوية بخلاف الإحسان فإنه صفة فعلية والإحسان نفسه ثواب بائن منفصل عن الله، ففسروها بشيء مخلوق أو بإرادته، لماذا؟
الطالب: لأنه تشبه..
الشيخ: لا، لماذا لا يفسرون الرحمة بمعناها الحقيقي؟
الطالب: خافوا أن يقعوا في التشبيه والتمثيل.
طالب آخر: شيخ، لأنهم يقولون: إن الرقة الرحمة تقتضي رِقّة الراحم والله منزّه عن هذا.
الشيخ: المهم فيه معلل بالقول، هم ما يثبتون لله من الصفات إلا سبع صفات فقط أو لا؟ جمعها السفاريني في قوله:
| لَـهُ الْحَيَاةُ وَالْكَلَامُ وَالْـبَصَرْ | سَمْعٌ إِرَادَةٌ وَعِلْمٌ وَاقْـتَدَرْ |
له الحياة والكلام والبصر سمع إرادة وعلم واقتدر فقط هذه السبع هي التي يثبتونها على خلاف بينهم وبين أهل السنة في إثباتهم كما تقدم، فنقول: أنتم أثبتم الإرادة بأي دليل؟ قالوا: بدليل السمع والعقل، السمع تحفظون دليلًا لإثبات إرادة الله بالسمع؟ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء: ٢٧]، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة: ٢٥٣]، إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١].
العقل طريق إثباتها عندهم بالعقل: يقولون: إن التخصيص يدل على الإرادة، ويش معنى التخصيص؟ يعني مثلًا السماء سماء، والأرض أرض، والكل مخلوق لله، بماذا جعل السماء سماء والأرض أرضًا؟ بالإرادة، فقالوا: إن التخصيص دل على الإرادة، وذكرنا فيما سبق أن لأهل السنة عن ذلك جوابان، ولا مانع من إعادتهما هنا؛ لأن بعضكم ما سمع ذلك، ما هما الجوابان؟
طالب: نقول: يمكن أن نثبت الصفات بطريق العقل كما أثبتم صفة الإرادة، فكيف نقول: إن بعض الصفات مثل صفة الرحمة ظاهرة للناس أظهر من ظهور صفة الإرادة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: وكيف السمع أتى به؟
الشيخ: نعم، نقول جوابان:
الجواب الأول: أن ما نفيتموه قد أثبته السمع، وانتفاء الدليل العقلي عنه لا يلزم منه انتفاؤه؛ لأنه من المعلوم عند كل أحد أن انتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول المعين؛ بمعنى أن الشيء إذا لم نجد هذا دليلًا له يمكن نجد له دليلًا آخر، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: فمثلًا: وجوب الركوع لو قال قائل: إن حديث المسيء في صلاته لا يدل على وجوب الركوع مع أن الرسول قال عليه الصلاة والسلام: «ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ» نقول: سلّمنا أنه لا يدل على وجوب الركوع، لكن قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج: ٧٧].
يدل على وجوب الركوع؛ يعني لو سلّمنا أن هذا الدليل لا يدل عليه فإنه يدل عليه الدليل الآخر، مفهوم؟
وهذا كما أنه في الأمور المعنوية فهو في الأمور الحسية، لو أنك سافرت إلى مكة ووجدت الخط مسدودًا، لكن مكة لها طرق أخرى معينة هل معناها أنه تعذر الوصول إلى مكة؟ لا، كيف نصل إلى مكة وقد انسد الطريق؟ نروح من طريق آخر، نذهب من طريق آخر، فنقول مثلًا: هب أن العقل لا يدل عليها، لكن دلّ عليها السمع فثبتت بماذا؟ بدليل السمع، هب أن العقل لا يدل على ثبوت الرحمة لله عز وجل لكن دلّ عليه السمع فثبتت بدلالة السمع، هذا جواب.
الجواب الثاني أن نقول: يمكن أن نثبت الرحمة ونحوها مما نفيتم بطريق العقل، كيف ذلك؟ تأمل الخلق تجد أن ..





