تفسير الآيات (207-212)
تفسير الآيات (207-212)
00:00:07
(...) لما ذكر حال المنافقين الذين يعجبك قولهم في الحياة الدنيا وهم ألدّ الخصام، والذين إذا تولوا سعوا في الأرض فسادًا، فأهلكوا الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد، ذكر حال قوم على ضدهم، وهكذا القرآن كما تقدم لنا مرارًا، القرآن مثاني تُثَنَّى فيه الأمور، فيؤتى بذكر الجنة ثم النار، وبذكر المتقين ثم الفجار، وهكذا لأجل أن يبقى الإنسان في روضة متنوعة ما يكلّ ولا يمَلّ، ثم ليبقَ الإنسان بين الخوف والرجاء، الخوف إذا رأى النار ووعيدَها وعقوبتها، والرجاء إذا رأى الجنة ونعيمها وثوابها، ثم يبقى ينظر إلى حال الناس جميعًا، أهل الخير وأهل الشر كأنهم أمامه في المرآة، بخلاف ما لو كانت السياقات واحدة، ثم انتهى الكلام عن أحوال هؤلاء كلهم، ثم ابتدأ بالكلام في أحوال الآخرين، فترتيب القرآن لا شكَّ أنه من لدن حكيم خبير سبحانه وتعالى، وأنه هو الموافق لإصلاح القلوب، ولهذا نرى أنه ليس من المستحسن، بل إنه من الذي نرى أنه مُحرَّم، هؤلاء الذين جمعوا آيات القرآن المتناسبة، جمعوا بعضها إلى بعض كما يوجد في تفصيل آيات القرآن الحكيم للذي كتب المعجم المفهرِس لآيات القرآن، المعجم المفهرس سليم لا بأس به، لكنه كتب كتابًا آخر تفصيل آيات القرآن الحكيم، وجمع آيات التوحيد جميعًا، وآيات الصلاة جميعًا، وآيات الزكاة جميعًا، وآيات المتقين جميعًا، إلى آخره، وقرآن مصحف لكنه مرتّب بحسب المعاني، هذا في الحقيقة لا يَرِد، ونرى أنه إلى التحريم أقرب؛ لأنه إخراج لكتاب الله سبحانه وتعالى عن ترتيبه الذي رُتّب عليه، والترتيب بين الآيات اجتهادي ولّا توقيفي؟
الطلبة: توقيفي.
الشيخ: توقيفي، هنا قال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ [البقرة: ٢٠٤]، ثم قال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ [البقرة: ٢٠٧]
طالب: (...).
الشيخ: هذا كتاب مصنف.
طالب: جمَّع الآيات..
الشيخ: إي.
الطالب: جمَّع، بوَّب إلى آخر المصحف.
الشيخ: إي إلى آخر المصحف.
الطالب: أصل فيه كثير من التصانيف تخرج..
الشيخ: فيه كثير من التصانيف مثلًا كما نرى في آيات الصلاة (...)الأحكام هذه ما فيها شيء.
طالب: (...) القرآن (...).
الشيخ: إيه هذا (...).
طالب: (...).
الشيخ: على كل حال لا يجوز إخراج القرآن يعني يُؤلَّف كله على هذا التفصيل إلا على ما جاء به كتاب الله.
طالب: فيه الآن تفسير موضوعي، يعني كل موضوع يجمع جميع الآيات التي وردت في هذا الموضوع..
الشيخ: ما فيه مانع هذا؛ لأنه مجزأ، يعني يأخذ الموضوع المتَّحِد ويحطه في كتاب مستقل، ما فيه شيء هذا، وما زال العلماء يفعلونه مثل كتاب تفسير آيات الأحكام للجصّاص وغيره موجودة والقرطبي، هذا جمع القرآن كله في مصحف، وخلّى ها الآيات هذه لحالة وهذه لحال وهذه لحال.
طالب: كما لو أعاد ترتيبه.
الشيخ: إن كان مرتبًا من جديد.
الطالب: (...) القرآن (...).
الشيخ: كل واحد يا أخي، ما دام إن القرآن كله موجود على هذا الترتيب، فمعنى ذلك أن فيه شبه اعتراض على الترتيب الإلهي.
طالب: (...) إذا أراد أن يرجع يريد أن ينظر (...) مثل يجد شيء..
الشيخ: هذه مشكلة.
الطالب: لا بد (...).
الشيخ: ما يخالف، نحن نقول: لو أنه قال باستثناء جزء في قصة موسى، وكتب كلمة واحدة في قصة موسى لا بأس، جزأها منفردة، لكن كونه يكتب جميعًا ومشكَّلًا كأنه مصحف (...) هذا لا يصح، ما يجوز، ويش معنى أنه توقيفي الترتيب؟
الطالب: لا، هو أصلًا (...) لا أنه فعله على أنه قرآن.
الشيخ: يعني ويش الفرق؟ تسمية فقط؟
الطالب: لا، هو (...).
الشيخ: لا يا أخي، ما أظن أبدًا (...).
الطالب: هذا يسمونه التفصيل..
الشيخ: إي، ما يجوز، اجعل مثلًا موضوعًا معينًا لا بأس، نوافقك في هذا، أما أن تُرتّب القرآن كله من أوله إلى آخره ترتبه على ما تريد أنت، فهذا حرام سمِّه ما شئت.
المهم قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُهذا هو القسيم الثاني، أول قسيم لقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَفعلى هذا تكون (مِن) للتبعيض مِنَ النَّاسِ، و(مَن) مبتدأ، والجار والمجرور قبله خبره، وقال بعض أهل النحو: إن (مِن) التبعيضية اسم؛ لأنها بمعنى (بعض)، وعليه فتكون هي مبتدأ، وتكون مَنْ يَشْرِيخبره.
وقوله: مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُأي: يبيعها؛ لأن (شَرَى) بمعنى (باع)، كقوله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ [يوسف: ٢٠]، شروه يعني باعوه بثمن بخس، أما (اشترى) فهي التي تأتي بمعنى ابتاع، فإذا جاءت التاء فهي للمشتري، للآخِذ، وإذا حُذفت التاء فهي للبائع المعطي.
مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ، يعني ذاته، يعني يبيع نفسه، ابْتِغَاءَمفعول من أجله، أي: طلب. مَرْضَاتِ اللَّهِأي: رضوانه، أي يبيع نفسه في طلَب رضا الله عز وجل، فيكون قد باع نفسَه مخلصًا لله عز وجل في هذا البيع.
ثم قال: وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ، كلمة مِنَ النَّاسِهل تعني شخصًا معينًا أو هي عامة؟
قال بعض المفسرين: إنها تعني شخصًا معينًا وهو صهيب الرومي لما أراد أن يهاجر من مكة منعه كفار مكة، وقالوا: ما يمكن تهاجر أبدًا إلا أن تدعَ لنا جميع ما تملك، فنحن نأذن لك بالهجرة؛ فوافق على ذلك، وأنقذ نفسه بالهجرة ابتغاء مرضاة الله .
وقال بعض العلماء: بل هي عامة، وهم أكثر المفسرين، عامة لكل المؤمنين المجاهدين في سبيل الله، قالوا: ودليل ذلك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ [التوبة: ١١١]، وهذا القول أصح؛ أنها للعموم، حتى لو صحَّ أن سبب نزولها قصة صهيب فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قال الله تعالى: وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِيعنى معناه أن هؤلاء الذي باعوا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله فإن الله تعالى يشملهم برأفته؛ لقوله: وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ، قال العلماء: والرأفة أرقّ الرحمة، يعني أعلى درجات الرحمة في الرقة، إذن فهي رحمة في غاية ما يكون من الرقَّة فتكون رأفة، فمن أسماء الله تعالى الرؤوف، ومن صفاته الرأفة؛ لأن كل اسم من أسماء الله فهو دالّ على صفة أو صفتين أو أكثر كما مرّ.
وقوله: بِالْعِبَادِ(أل) هنا للعموم، فهي نائبة منابَ (كل)، أي: بكل العباد، والمراد بالعباد هنا من كانوا عبيدًا له بالمعنى القدَري لا بالمعنى الشرعي، فرأفة الله تعالى ورحمته شاملة لكل أحد، لكن مَن كان مؤمنًا حصلت له الرأفة الخاصة والعامَّة، ومن كان غير مؤمن فله الرأفة العامة، واعلم أن العبوديّة لها معنيان: خاص، وعام؛ والخاص له أخص وهو خاصّ الخاص، فمن العام قوله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]، ومنه قوله تعالى: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر: ٤٢]، على القول بأن المستثنى هنا متصل، وأما إذا قيل: إنه منقطع، فإن قوله: إِنَّ عِبَادِيمن القسم الخاص.
وأما الخاص فمِثل قوله تعالى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [الفرقان: ٦٣]، مَن المراد بهم، كل العباد؟ لا، عباد الرحمن المتصفون بهذه الصفات فيخرج من لم يتصف بها.
والذي أخص مثل قوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١] هذه عُبودية أخصّ عبودية الرِّسالة.
يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة: ٢٠٨]، قوله: رَءُوفٌعندي فيها قراءة ثانية وهي: رَءُفٌ، بدون واو وَاللَّهُ رَءُفٌ بِالْعِبَادِ.
يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة: ٢٠٨]، السِّلْمِفيه قراءتانِ: السَّلْمِ، والسِّلْمِ، وخُطُوَاتِفيها قراءتان: خُطُوَاتبضم الطاء، وخُطْوَاتبسكون الطاء.
قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةًيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواالخطاب للمؤمنين، وقد تقدّم أن الله تعالى إذا ابتدأ الحكم بالنداء فهو دليل على العناية به؛ لأن المقصود بالنداء تنبيه المخاطب، ولا يقتضي التنبيه إلا ما كان مُهِمًّا، الآن لو أقول: انتبه، يكون أقل مما لو قلت: يا فلان انتبه؛ لأن الخطاب له للتنبُّه، فالنداء الحكم الْمُصدَّر بالنداء يدل تصديره بذلك على أنه هامّ، ولهذا صُدِّر النداء الموجب للتنبه، ثم إذا كان الخطاب للذين آمنوا فإن في ذلك ثلاث فوائد كما سبق، الفائدة الأولى؟
طالب: أن هذا المشار إليه من شأنه أو من (...) يتصف به.
الشيخ: أن امتثال هذا الأمر من مقتضيات الإيمان، الفائدة الثانية؟
طالب: ما ينهاهم عنه هو شر ولا..
الشيخ: لا.
طالب: الحث والإغراء.
الشيخ: نعم، صح، الحث والإغراء؛ لأنك لو قلت: يا مؤمن، تحثه؛ لأن بمقتضى إيمانه يفعل، مثل ما لو قلت: يا أيها الكريم جُد على الفقير، هذا مقصوده الإغراء بكرمه حتى يتذكر صفته وهي الكرم، هذا حتى يتذكر صفته وهي الإيمان.
الفائدة الثالثة: أن فعل هذا إن كان أمرًا من كمال الإيمان، وتركه من نقص الإيمان، وفِعله (...) ينقِّص الإيمان، واجتنابه لله يزيد في الإيمان، هنا نشوف الآية اللي معنا أمر ولا نهي؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواويش بعده؟ أمر ادْخُلُوا، فيكون الدخول في السلم من مقتضيات الإيمان، ويكون الدخول في السلم مُكمِّلًا للإيمان، ويكون عدم الدخول في السلم مُنقِّصًا للإيمان، كل هذا استفدناه من الخطاب بـ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.
قال: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِالسِّلْم والسَّلْم بمعنى الإسلام، وهو الاستسلام لله تعالى ظاهرًا وباطنًا، فإن قال قائل: كيف يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِونحن قد عرفنا من قبل أن الإيمان أكمل من الإسلام؛ لقوله تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: ١٤]، فكيف يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ؟ قلنا: إن هذا الأمْر مقيد بما بعد قوله: فِي السِّلْمِوهو قوله: كَافَّةً، فهنا يتوجَّه الأمر، أو إلى هنا عند كَافَّةًيتوجه الأمر، يعني: نفِّذُوا أحكام الإسلام جميعًا، لا تُفرطوا في شيء منها؛ لأن هذا مقتضى كمال الإيمان، فيكون هنا الأمر مُنصبّ على مجرد الدخول في السِّلم ولّا منصب على قوله كَافَّةً؟ على قوله كَافَّةً.
وقوله: كَافَّةً، كَافَّةًاسم فاعِل يُطلق على من يَكُفّ غيرَه، فتكون التاء فيه للمبالغة مثل راوِية، وساقِية، وعلَّامة، وما أشبهها، فالتاء هنا في هذه الأمثلة الثلاثة ساقِية، وراوِية، علَّامة للمبالغة، فيقول كَافَّةًبمعنى كافّ، وتكون كَافَّةًبمعنى كافّ، والتاء للمبالغة، قالوا: ومنه قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [سبأ: ٢٨] كَافَّةً لِلنَّاسِ، معناها أي: كافًّا لهم، كافًّا لهم عما يضرهم، لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [إبراهيم: ١]، فمعنى كافة أي: كافًّا لهم عما يضرهم، والتاء هنا للمبالغة، ومثَّلوا لذلك أيضًا بقوله تعالى: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة: ٣٦]، وقالوا: إن قاتلوهم كافة أي: كافين لهم عن الشرك كما يقاتلونكم كافّين لكم عن الإسلام؛ لقوله: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [النساء: ١٦٧] هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الفتح: ٢٥]، فهم يقاتلوننا ليكفُّونا عن ديننا فنحن نقاتلهم لنكفهم عن الشِّرْك والكفر، وتطلق (كافة) بمعنى الجماعة، مثل العامَّة، كما يُقال: كافة الناس أي: عامّتهم وجماعتهم، ووجه ارتباطها بالمعنى الأصلي اللي هو الكف أن الجماعة لها شوكة ومنعَة تكُفّ بجمعيتها من أرادها بسوء، لهذا سُمِّيت الجماعة كافة.
طالب: كافة الناس..
الشيخ: مثل كافة الناس وعامة الناس أي جماعتهم. قالوا: ومنه:«بُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ...» كَافَّة ولّا عامة؟
طالب: كافة.
طلبة: عامة.
الشيخ: عامة، لكن وأرسلناك كافة للناس.
طالب: (...).
الشيخ: وأرسلناك.
طالب: (...).
الشيخ: (...) على كُلّ حال يقال: أُرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، كافة يعني جميعًا، هنا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً، هل المراد ادخلوا في السلم جميعًا وتكون (كافَّة) حالًا من السِّلم، أو ادخلوا أنتم جميعًا في السِّلْم وتكون كَافَّةًحالًا من الواو في قوله: ادْخُلُوا، أيهما أقرب؟ الأقرب المعنى الأول؛ لأننا لو قلنا بالمعنى الثاني: ادخلوا جميعًا في السلم، صار معنى ذلك أن بعضَ المؤمنين لم يدخل في الإسلام، وحينئذٍ فلا يصح أن يتوجه إليه النداء بوصف الإيمان، والمعنى الثاني هو الصواب أن كَافَّةًحالٌ مِن السِّلم، مِن السِّلم، يعني: ادخلوا في الإسلام كله جميعًا لا تدعوا شيئًا من شعائره، وهذا هو المعنى الصحيح للآية، وهو الذي ينطبق على مقتضى الإيمان؛ لأن مقتضى الإيمان أن يقوم الإنسان بجميع الشرائع، ما يأخذ بشريعة ويدع شريعة.
طالب: يقولون من قرأ السَّلْمتكون بمعنى الصلح، وقرأتها في تفسير السَّلْم معناه الصلح؟
الشيخ: نعم، الصواب أن معناهم كله واحد، إنه المراد بها الإسلام، لكنها تأتي بمعنى الصلح صحيح، مثل قوله تعالى: فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [محمد: ٣٥] هذا صحيح.
يقول: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [البقرة: ٢٠٨] أمْر بعده نهي؛ لأن اتباع خطوات الشيطان يخالف الدخول في السلم كافة، لَا تَتَّبِعُواالمعنى واضح فيها يعني: لا تتبعوها، وخُطُوَاتِجمع خطوة، ويصلح فيها: (خُطْوَاتِ) و(خُطُوَاتِ)، والخطوة هي عبارة عن مُنتهى نقْل القدم عند المشي، هذه الخطوة، مُنتهى نقْل القدم عند المشي، تمشي مثلًا نَقْلك قدمك من هذا إلى هذا يسمى الخُطوة، والمعنى ظاهر أننا لا نتبع الشيطان في سيره، لماذا؟ لأن الله بيَّن في آية أخرى أن الشيطان يأْمُر بالفحشاء والمنكَر، وما كان كذلك فإنه لا يمكن أن يُتَّبع، هل يرضى أحد أن يتبع الفحشاء والمنكر؟ لا، أيضًا الشيطان لنا عدو كما قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ [الأعراف: ٢٢]، ثم قال: فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا، إذا كان عدوًّا لكم اتخذوه عدوًّا، إذن هل أحد من العقلاء يتبع عدوه؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما أسمع إلا صوتين ضعيفين كأنكم كنتم تستخيرون الله في الجواب؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما أحد يتبع عدوه، لا أحد يتبع عدوه، واضح؟ طيب إذا كان الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، وكان عدوًّا لنا، فليس من العقل فضلًا عن مقتضى الإيمان أن يُتابعه الإنسان في خطواته، طيب، ما هي خطوات الشيطان؟ إذا قال قائل: بيّنوا لنا خطوات الشيطان؟ نقول: بيّنها الله عز وجل، يأمر بالفحشاء وهي عظائم الذنوب، والمنكر، فكل معصية فهي من خطوات الشيطان، سواء كانت تلك المعصية من فِعْل المحظور أو من ترْك المأمور، فإنها من خُطوات الشيطان، لكن هنا أشياء بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أنها من فِعْل الشيطان، نصَّ عليها بعينها مثل: الأكل بالشمال، والشُّرب بالشمال، والأخْذ بالشمال، والإعطاء بالشمال، هذه بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أنها من فِعْل الشيطان، وكذلك الالتفات في الصلاة اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العَبْد، فهذه منصوص عليها بعينها واضحة، وغير المنصوص عليها نقول: كل معصية فهي من خطوات الشيطان.
وقوله: الشَّيْطَانَتقدم لنا هل هو مُشتق من (شَطَنَ) أو من (شاط)، من (شطن) بمعنى بعُد لبعده عن رحمة الله، أو من (شاط) بمعنى غضِب وحمق؛ لأنه هو لا شك أنه أحمق ما يكون من عباد الله.
طالب: (...) هل هو من خطوات الشيطان؟
الشيخ: لا، هو لا شك أنه من وساوس الشيطان، أما أن نقول: إنه من خطوات الشيطان فإن ظاهر الآية الكريمة أنه ليس منه؛ لأنه قال: لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [النور: ٢١].
وقوله: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة: ١٦٨]، هذه الآية مُؤكَّدة بمؤكِّدين: (إنَّ) واللام؛ كذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: متأكدون؟
طلبة: بمؤكدين غير اللام.
الشيخ: بمؤكدين وهي إن واللام.
طلبة: لا.
الشيخ: (إن) ويش؟
طلبة: إن واللام.
الشيخ: لا.
طالب: تقديم الخبر.
الشيخ: لا ما فيها، فيها تأكيد واحد، وهي (إن)، لكن فيها تأكيد معنوي بغير الحروف المؤكدة وهو قوله: عَدُوٌّ مُبِينٌ.
وقوله: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌإِنَّهُ لَكُمْكأن الشيطان ما جُعِل عدوًّا إلا لنا لبني آدم، ولا شك أنه عدو لنا بخبر الله عز وجل، وهو دليل نظري (...) أثري واضح، وبالدليل العقلي النظري؛ لأن الشيطان ما استحق اللعنة إلا لعدم خضوعه لأبينا بأمْر الله، فهذا الذي طُرد وأُبْعِد عن رحمة الله بسبب أبينا بسبب عدم السجود لأبينا يصير عدوًّا لنا ولّا لا؟ نعم؛ لأنه هنا بيقول: هذه هم اللي كانوا سببًا للطرد والإبعاد عن رحمة الله واستحاق اللعنة، فلهذا كان عدوًّا لنا بمقتضى الدليل السمعي ويش بعد؟ والعقلي.
وقوله: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌكلمة (مُبِين) مُفعِل يجوز أن تكون من (أبان) بمعنى (أظهر)، ومن (أبان) بمعنى (بان)؛ لأن بانَ يَبِين فهو بَيِّن؛ وأبان يُبين فهو مُبِين، بمعنًى واحد، إلا أن (أبان) الرباعية تأتي بمعنى (أظْهَر) لا بمعنى (ظَهَرَ).
طالب: (...).
الشيخ: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ [الواقعة: ٧٧].
طالب: (...).
الشيخ: لا، إنه في سورة يس؟ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا [يس: ٦٩، ٧٠] قُرْآنٌ مُبِينٌهنا بمعنى بيِّن ولّا مُظْهر؟ قُرْآنٌ مُبِينٌيعني: مُظهِر، الدليل قوله: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ [يس: ٧٠]، وأما (مُبين) بمعنى بيِّن فمثل قوله تعالى: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤] يعني بيِّن، طيب وكلمة (مبين) هنا إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌهي بمعنى بيِّن أو بمعنى مُظْهِر؟ يعني بمعنى ظاهر ولّا بمعنى مُظْهِر؟
طلبة: ظاهر.
طالب: (...).
الشيخ: ظاهِر ومُظهِر أيضًا، ظاهر ومظهر؛ لأن كونه يأمرنا بالفحشاء والمنكر معناه أنه أظْهَر العداوة، وكذلك كونه لم يسجد لأبينا ويقول: إنه خير منه، هذا أيضًا أظهر عداوته، فهو صالح للأمرين، طيب ومن هو العدو؟ ويش هو العدو؟ العدو من المعاداة، وهي البُعد والتنافر، قال الفقهاء: ومَن سرَّه مَساءة شَخْص أو غمَّه فرحه فهو عدُوّه، يعني: عدوك من يحزن لسرورك ويُسَرّ لحزنك، هذا عدو، نعم هذا هو العدو، الشيطان هو كذلك؟ نعم، الدليل: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [المجادلة: ١٠]، وفي قوله: لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌختم الآية بهذه أو ختم هذا النهي بهذه الجملة فيه فائدتان: الفائدة الأولى: تعليل الحُكْم السابق، والفائدة الثانية: التحذير من اتباع خطوات الشيطان.
ثم قال الله عز وجل: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٠٩]، إِنْ زَلَلْتُمْقال بعض العلماء: أي عدلتم، وقال آخرون: أي مِلتم، وهذا الأخير أقرب إلى معنى اللفظ؛ لأن الزَّلل مثل الزَّلَق في الدَّحْر؛ زَلَّتْ به قدمه يعني: هَوَت به، هَوَت به من دَحَض أو من عالٍ مِن دَرَج وما أشبه ذلك، وهذا أبلغ من (عدلتم)، يعني: إذا مِلتم عن الحق واتبعتم خطوات الشيطان مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ [البقرة: ٢٠٩]، البيِّنات يعني صفة، هذه صفة لموصوف محذوف، أي الآيات البيِّنات والنصائح الظاهِرات، إذا زَلَلْتُم عن الحق ومِلْتم، وسمّى الله تعالى ذلك زَلَلًا؛ لأن في الميل والعدول عن الحق فيه هَلَكَة ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، مثل ما لو زَلَّ الإنسان وسقط في بئر مثلًا، أو زَلّ الإنسان وزلق وطاح في الشارع.
وقوله: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌهذا جواب الأمر، جواب (إن) (فاعلموا)، والمراد بالعلم ليس أن يبلغ ذلك إلى قلوبنا، ولكن أن نحذر ممن له العِزَّة، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، والختم بهذين الاسمين يدل على أن الإنسان مُعرَّض للعقوبة أو واقع في العقوبة، وهنا يكون مُعرَّضًا للعقوبة ولّا لا؟ نعم، إذا زَلّ بعد أن جاءته البينة فقد عرَّض نفسه للعقوبة، وأما كونه كون ما خُتِمت به الآية عُقوبة فمثل قوله تعالى: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨]، يقال: إن أعرابيًّا كان عند قارئ يقرأ هذه الآية، وكان القارئ يقول: (جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) قال له: لا، هذه ما هي صحيحة، اقرأ قال: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَالله غفور رحيم)؛ قال: ما يصح. أقول: إن الأعرابي قال: ما يمكن هذا، فلما قرأها الثالثة قال: نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌقال: الآن أصبت؛ لأنه عَزّ وحَكَمَ فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، وهذا استنتاج صحيح، ولهذا قال الله تعالى في الذين يسعون في الأرض فسادًا، قال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤]، ولهذا قال العلماء: إذا تاب قُطَّاع الطريق قبل القُدرة عليهم سقطت عنهم العقوبة التي لله، فهنا يقول: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، إذن فأنتم قد عرضتم أنفسكم بعد الزلل الذي زللتم به من بعد ما جاءتكم البينات عرضتموها للهلاك.
ثم قال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة: ٢١٠]، يَنْظُرُونَأي: المكذِّبون الذين زلُّوا من بعْد ما جاءتهم البينات.
هَلْ يَنْظُرُونَ(هل) استفهام بمعنى النفي، أي: ما ينظرون، ويَنْظُرُونَبمعنى: ينتظرون، وتأتي بمعنى النظر بالعين، فإن عُدِّيت بـ(إلى) فهي النظر بالعين، وإن لم تُعَدَّ فهي بمعنى الانتظار، مثال الْمُعَدَّاة بـ(إلى) قوله تعالى: لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ [آل عمران: ٧٧]، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ» ، ومثل قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، الأولى بالضاد (ناضِرة)، والثانية بالظاء؛ لأن الأولى ناضرة يعني حسنة، والثانية من النظر بالعين، أما التي لا تتعدى بـ(إلى) فهي بمعنى: ينتظرون، مثل هذه الآية: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ [البقرة: ٢١٠] أي: ما ينتظر هؤلاء إلا أن يأتيهم، ومثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا [البقرة: ١٠٤] يعني: انتظِرْنا.
إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍهل معنى الآية يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍيعني: تأتيهم ظلل من الله؟
طالب: لا ليس..
الشيخ: كما لو قلت: إلا أن يأتيهم الله بعذاب من عنده؟
طالب: لا (...).
الشيخ: مثل وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا [التوبة: ٥٢]، هل هي مثل هذه الآية؟ لا؛ لأنها عُدِّيت بـ (في) إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة: ٢١٠] فلم يكُن المعنى أن يأتيهم ظُلل من الله، لا.
وقوله: أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُأضاف الفِعل إلى الله وهو على جادَّة أهل السُّنة والجماعة على ظاهِره وحقيقته، أي أن الله نفسَهُ يأتي، يأتي، وأما أهل التحريف فيقولون: إن معناه أن يأتيهم أمْر الله في ظُلل من الغمام، وهذا تحريف للقرآن عن ظاهِره بغير دليل إلا بدليل زعموه عقليًّا، وهو وهْميّ وليس عقليًّا، فنحن نقول: الذي نَسَبَ فِعْل الإتيان إليه مَنْ هو؟ الله عز وجل، وهو أعْلم بنفسِه، وهو يُريد أن يُبيِّن لعباده أو يُضلِّل عباده؟
الطلبة: أن يُبين لعباده.
الشيخ: أن يُبين، حاشاه أن يريد الإضلال، يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦]، إذا كان الله يريد أن يُبين وهو أعْلم بنفسِه، فهل في كلامه عِيّ وعَجْز عن التعبير بما في نفسه؟ لا، هل كلامه فيه نقص في البلاغة؟ لا، إذن فكلامه في غاية ما يكون من العلم، وغاية ما يكون من إرادة الهدى، وغاية ما يكون من الفصاحة والبلاغة، فهل بعد ذلك يمكن أن نقول: إنه لا يُراد به ظاهره؟ أبدًا، لا يمكن، إلا إذا قال الله هو عن نفسه إنه ما أراد ذلك فنعم.
قال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، أي: ما ينتظر المكذِّبون للرسول صلى الله عليه وسلم إلا هذا اليوم الذي هو يوم القيامة، وهو الذي يأتي فيه الله عز وجلَّ للفصل بين عبادِه، يقول: إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ، هنا (يأتي) فِعل مضارع، والفاعِل (الله)، وهو مضاف، وهو الفعل هنا مضاف إلى مَن؟ إلى الله، يعني مضاف في المعنى ما هو في الإعراب، فالفعل مضاف إلى الله إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ، وكل شيء أضافَه الله إلى نفسه فالمراد به حقيقة ذاته، اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] يعني بذاته، (استوى) فعل ماض يعود على الله، ينزل إلى السماء الدنيا؟
طالب: بذاته .
الشيخ: بذاته، ما دام أضيف إلى الله فالمراد هو ذاته سبحانه وتعالى، وكذلك يضحك يعني هو، يعْجَب هو، يأتي هو، يمشي هو، «أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» ، يأتي هرولة، وهكذا، فكل شيء أضافه الله إلى نفسه فالمراد إليه ذاته، إلا إذا قام الدليل على أن المراد غيره، مثل ما جاء في الحديث الصحيح: «عَبْدِي، جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي أَوِ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي» ، فهذا بيّنه الله عز وجل أن المراد استطعام، استطعام أحد من عباده، من عباده الصالحين، فإن قلت: ماذا تقول في قوله تعالى الحديث القدسي: «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ» إلى آخره، ومعروف أن الخبر مُسنَد إلى المبتدأ (كُنْتُ) التاء هذه اسم (كان) وهي في الأصل مبتدأ، و(سمعه) خبر (كان) وهي في الأصل خبر، ومعروف أن الخبر مُسند إلى المبتدأ، فإذا قلت: زيد قائم، فالقيام لمن؟
الطلبة: لزيد.
الشيخ: لزيد، فكيف تقول في هذا الحديث القدسي: «كُنْتُ سَمْعَهُ»؟ هل تقول: إن الله عز وجل إن المراد كان الله ذاته سمعًا لهذا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: نقول: «كُنْتُ سَمْعَهُ» على القاعِدة، لكن ليس معنى ما قال الله: إن السمع يكون هو الله، بل قال: «كُنْتُ سَمْعَهُ»، والمعنى أن الله تعالى يُسدِّد في سمعه وبصره وجوارحه، «كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ»، والحديث كله من أوله إلى آخره يدل على أن هذا أمْر مستحيل، «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي» إليّ عبدي، ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يكون العابد هو المعبود، «أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ»، افترضت عليه، ما يمكن يكون الفارِض هو المفرُوض عليه. «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ» فهنا لا يزال عبدي، فالعبد لا يكون هو المعبود. «يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ»، ما يمكن يكون المتقرِّب هو المتقرَّب إليه، «حَتَّى أُحِبَّهُ» هناك حابّ ومحبوب. «فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ»، ما يمكن إن الله يكون هو سمْع هذا المخلوق ما يمكن. أما اليد، قال: «وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا»؛ لأن العمل باليد «وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا» ، فتبين أن القاعدة هي القاعدة، لكن يَمنع من أن يكون هذا الشيء هو الله يمنع هنا مثل ما قلنا الضمائر تدل كلها على أن هذين شيئان متباينان.
إذن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُنطبّقها على القاعدة ولّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: من اللي يأتي؟
الطلبة: الله.
الشيخ: الله نفسه، الذين يقولون: يأتي أمر الله نقول: هذا خطأ، قلتم على الله ما لا تعلمون، بل صرفتم كلام الله عن ظاهِره بغير دليل، الله يقول: يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ، وأنتم تقولون: يأتيهم أمر الله؟! جناية عظيمة على الله عز وجل، كيف يُثبت لنفسه إتيانًا وأنتم تقولون: لا يأتي وإنما الذي يأتي أمْره، لو كان الأمر كما قُلتم لزم أن يكون ظاهِر كتاب الله عز وجل أمرًا مستحيلًا على الله، فيكون القرآن بعد أن كان بيانًا للناس صار تعمِية للناس وتضليلًا للناس، ولّا لا؟ لأن الإنسان عندما يسمع أن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُويقرؤها يقول: يأتي الله عز وجل نفسه، فإذا قلت: يأتي أمْره، فقد جعلتَ القرآن الذي هو بَيان جعلتَه تلبيسًا وتضليلًا، وجعلته أيضًا تعمية للخلق بعد أن كان موعظة وذكرى، ولو أن هؤلاء المتأوِّلين فكّروا في نتائج تأويلهم هذا ما استقرّت عليه أقدامهم أبدًا؛ لأنه لا يقوله مؤمن عاقل كما قال شيخنا في تفسيره: ما أحد يقوله وفي قلبه حبة خردل من إيمان، هذا تضليل عظيم ويلزم عليه لوازم من أبطل اللوازم، والشنقيطي رحمه الله أيضًا في تفسيره قال: إنه لا يَصرف مِثل هذه الآيات عن ظاهرها إلا من تنجَّس قلبُه بقذَر التشبيه؛ لأنه مثل ما قال شيخ الإسلام رحمة الله عليه قال: هؤلاء المؤوِّلة إنما أوّلوا لاعتقادهم أن ظاهرها تشبيه، فشبّهوا أولًا وعطّلوا ثانيًا. فنحن نعتقد أن ما قال الله عن نفسه فهو حق؛ لأنه تعالى أعلم بنفسه، وأصدق قِيلًا، وأحسن حديثًا، وهو يريد أن يبين لعباده، والدليل على ذلك: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦]، ما يريد أن يُخفي الأمر على عباده، وأن يظهر لهم القول بخلاف ما أراد، فإن هذا تعنُّت.
فإذا قال قائل: كيف يأتي؟ نقول: كيف هنا لا يخلو هذا الاستفهام إما أن يكون استبعادًا من الإنسان فليتُب إلى الله عز وجل؛ لأنه أنكر، يعني يقول: ويش لون يجي؟ كيف يجي؟ يعني قد يأتي الاستفهام للاستبعاد والإنكار فهذا أمر خطير، وإما أن يسأل عن الكيفية، يعني: أنا أومن بأنه يأتي لكن كيف يأتي، على أي كيفية؟ فنقول: هذا سؤال مبتدِع، وأظن الفرق بين السؤالين واضح؟ الأول: اللي قال: كيف يأتي؟ منكرًا، فهذا معناه التكذيب أو الشك، أما إذا قال: كيف يأتي؟ مؤمنًا بالأصل والمعنى سائلًا عن الكيفية، فماذا نقول له؟ نقول: هذا بدعة، ولا يجوز السؤال عن الكيفية؛ لأنه سؤال عن ما لا يمكن الجواب عنه، واضح؟ ما يمكن أحد يجيب، ولهذا اشتهر عن مالك رحمه الله أنه قال في الاستواء على العرش قال: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ ، فبيّن رحمه الله أن الكيف غير معقول، أي: لا تدركه عقولنا ولم يأتِ به الدليل السمعي، فإذا انتفى عنه الدليلان السمعي والعقلي فموقفنا أن نكُفّ عن ذلك.
وقال: السؤال عنه بدعة؛ لأن هذا ما كان معروفًا في عهد الصحابة رضي الله عنهم، والصحابة أحرص منا على الخير، وأفهم منا وأعقل، فقد جَمَعَ الله لهم الحرص، والفهم، والعقل، ولذلك ما سألوا؛ لأنهم يعلمون أن هذا أمر لا يُحاط به، كما قال الله تعالى: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]، وهكذا بقية الصفات، ما يُسأل عن الكيفية أبدًا، ولهذا قال بعضهم بعض أهل العلم قال: إذا قال لك الجهمي: كيف ينزل؟ فقل: في النزول -يعني في حديث النزول- فقل: إن الله أخبرنا أنه ينزل ولم يخبرنا كيف ينزل. جواب تمام. فنقف على ما أخبرنا به ونسكت عما لم نُخْبَر به.
وقال آخرون: إذا قال لك الجهمي: كيف صفة كذا وكذا من صفات الله؟ فقل له: كيف ذاته؟ هل يكيّف ذاته؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، نقول: إذا كنت لا تعرف كيفية ذاته فإن كيفية الصفة فرْع عن كيفية الذات، فالعلم بكيفية الصفة لا يكون إلا بعد العِلم بكيفية الذات، وكما لا تعلم كيفية ذاتِه فلا نَعلم نحن كيفية صفاته، والأمر في هذا واضح. إذن نؤمن بالإتيان حقًّا وأنه يأتي سبحانه وتعالى حقيقة، ولكن على أي كيفية؟ الله أعلم، وهل هو على كيفية؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، على كيفية لكنها غير معلومة، ولهذا الإمام مالك قال: الكيف غير معقول، ما قال: لا كيفية له.
إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ [البقرة: ٢١٠] (في) معناها (مع)، يعني يأتي مصاحبًا لهذه الظُّلل، وإنما أخرجناها عن الأصْل الذي هو الظرفية؛ لأننا لو أخذناها على أنها الظرفية صارت مُحيطة بالله عز وجل، والله تعالى لا يُحيط به شيء من مخلوقاته، هو أعظم وأجلّ من أن يحيط به شيء من مخلوقاته، ونظير ذلك أن تقول: جاء فلان في الجماعة الفلانية، يعني معهم، وإن كان هذا التنظير ليس من كل وجه؛ لأن فلانًا يمكن أن تحيط به الجماعة، ولكن الله لا يمكن أن يحيط به الظُّلل.
وقوله: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، هذا الغمام يأتي مُقدِّمةً بين يدي مجيء الله عز وجل، كما قال تعالى في سورة الفرقان: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ [الفرقان: ٢٥]، فالسماء تشقّق، شوف ما قال: تَنْشق، قال: تشقق، كأنها تنبعث من كل جانب، تشقق بالغمام، والغمام قالوا: إنه السحاب الأبيض الرقيق، لكن ليس كسحاب الدنيا، الاسم هو الاسم، ولكن الحقيقة غير الحقيقة؛ لأن المسميات في الآخرة وإن شاركت المسميات في الدنيا في الاسم فإنها تختلف مثل ما تختلف الدنيا عن الآخرة، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: إي نعم، فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ، قوله: وَالْمَلَائِكَةُبالرفع عطفًا على قوله: يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ، يعني: وتأتيهم الملائكة أيضًا مُحيطةً بهم، كما قال الله تعالى: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢١، ٢٢]، وفي حديث الصور الطويل الذي ساقه ابن جرير وغيره أن السماوات تشقق، تتشقق السماء الدنيا بالغمام وتنزل الملائكة فيحيطون بأهل الأرض، ثم السماء الثانية، والثالثة، والرابعة، كل من وراء الآخر، ولهذا قال: صَفًّا صَفًّايعني صفًّا بعد صف، ثم ينزل الرب عز وجل للقضاء بين عباده، ذلك النزول الذي يليق بعظمته وجلاله، ولا أحد يحيط به؛ لأنه تعالى لا يُحاط به كما قال تعالى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام: ١٠٣]، وقال: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]، فالملائكة تُحيط بالخلائق، ثم ينزل الرب عز وجل فيقضي بين العباد، ولكن متى يكون هذا؟ ما يكون إلا بعد أن يلحق الناس من الغم والكرب ما لا يُطيقون، فيذهبون إلى من يَشفع لهم عند الله أن يقضيَ بينهم فيريحهم من هذا الموقف، فيأتون إلى آدم ويذكرون له من مناقبه، ولكنه يعتذر بأنه أكل من الشجرة فعصى، يعتذر مع أنه تَابَ إلى الله واجتباهُ ربه وهداه، لكن مقام الشفاعة ليس بالأمر الهيِّن، الشافع لا يمكن أن يتقدّم إلى الشفاعة وهو يذكر أنه قد أذْنب في جانب المشفوع إليه؛ لأنه كما يقول العامَّة يعني: وجهه ما يستطيع يقابله، كيف يعصيه بالأمس ويجي اليوم يشفع لغيره؟! ولهذا يعتذر، ثم يأتون إلى نوح وهو أول الرسل، هذاك أول البشر، وهذا أول الرسل، يأتون إليه ولكنه يعتذر أيضًا، بماذا؟ بأنه سأل ما ليس له به عِلم فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [هود: ٤٥] وهل استغفر نوح؟
طالب: نعم.
الشيخ: استغفر؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويش قال؟
الطلبة: (...)
الشيخ: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [هود: ٤٦، ٤٧]، هذا استغفار، استغفار على سبيل الاعتراف بأنه لا بُدَّ له من أن يغفر الله له وإلا لكان خاسرًا، يأتون بعد ذلك إلى إبراهيم فيعتذر، بماذا؟ بأنه كذب ثلاث كذبات هي كذِب لكنها تورية، تورية كذب باعتبار المخاطَب ولّا حقيقة ليست بكذب. ثم يأتون إلى موسى فيعتذر، بماذا؟ بأنه قتل نفسًا لم يُؤمر بقتلها، ثم يأتون إلى عيسى ولا يذْكُر ذنبًا، ما يعتذر بذنب، لكنه يعتذر بفَضْل محمد عليه الصلاة والسلام عليه، فيقول: اذهبوا إلى مُحَمَّدٍ عبدٍ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . ولا شك أن هذا من المقام المحمود العظيم للرسول عليه الصلاة والسلام، الأنبياء يعتذرون، منهم من يذكر شيئًا مثلبة يخجل بها أن يكون شافعًا، ومنهم من لا يذْكُر شيئًا، لكن يرى أن في المكان مَنْ هو أحق منه وهو محمد عليه الصلاة والسلام، فيأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه أن يشفع إلى الله، ومع ذلك ما يشفع إلى الله مع كونه أوجَهَ الخلق عند الله، ما يشفع إلا بعد إذن الله، وهكذا الملك والعظمة والسلطان، أقرب الخلْق إليه ما يستطيع أن يتكلم بالشفاعة لغيره، ولا لمصلحته أيضًا، إلا بعد إذن الله، أكبر ملك من الملوك يمكن زوجته اللي هي محل وطئه تشفع ولّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: بدون أن تستأذن، لكن الرب عز وجل لعظمته وسلطانه ما أحد يشفع إلا بعد أن يأذن، فيستأذن الله عز وجل فيأذن له فيسجد سجودًا طويلًا يفتح الله عليه من المحامِد والثناء على الله ما لم يفتحه عليه من قَبل، ثم يقول له: ارفع رأسك، وقل تُسمع، واشفع تُشفَّع، وسَل تعطَ، فيشفع إلى الله عز وجل فيأتي الرب عز وجل كما ذكر هنا.
فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ [البقرة: ٢١٠]، الملائكة تقدم لنا الكلام عليهم عند قوله: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ [البقرة: ١٧٧]، وبيَّنّا أن الملائكة عالَم غيبي، وأنهم رسُلٌ مخلوقون، خلقهم الله عز وجل لعبادته، وأنهم يُسبِّحون الليل والنهار، ولّا في الليل والنهار؟
الطلبة: الليل والنهار.
الشيخ: بينهما فرق؟ الليل والنهار يعني دائمًا مستوعبين، أما (في) للظرفية يحتمل في بعض الليل، الليل والنهار.
وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ، كلمة وَقُضِيَ الْأَمْرُاختلف فيها الْمُعْرِبون؛ فمنهم من قال: إنها معطوفة على أَنْ يَأْتِيَهُمُ، فتكون في حيِّز الأمر المنتظَر: هل ينظرون إلا أن يأتيهم وإلا أن يُقضى الأمر، ولكنه أتى بصيغة الماضي لتحقُّق وقوعه، هكذا قال بعضهم، وعلى هذا فيكون محلّ الجملة النصب؛ لأن أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُمحلها النصب بـيَنْظُرُونَيعني: هل ينظرون إلا إتيان الله، إتيان الله في ظلل من الغمام، وإتيان الملائكة، وانقضاء الأمر، هذا وجه، والوجه الثاني: أن قوله: وَقُضِيَ الْأَمْرُجُملة مستأنَفة هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِوانتهى الأمر، يعني: وقد انتهى الأمر ولا عُذر لهم بعد ذلك ولا حُجَّة لهم، وقوله: الْأَمْرُبمعنى الشأن، وكما تقدم لنا أن الأمر مُفْرد الأوامر، ومفرد الأمور، فهنا مفرد أيش؟ الأمور ولَّا الأوامر؟
الطلبة: الأمور.
الشيخ: الأمور، يعني قُضي الشأن وانتهى كل شيء، وصار أهل النار إلى النار وأهل الجنة إلى الجنة، ولهذا قال بعده: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، وفي قراءة: تَرْجِعُ الْأُمُورُ، وهنا المتعلِّق مُقدَّم على المتعلَّق به؛ لأن إِلَى اللَّهِمُتعلق بماذا؟
طلبة: بـ(ترجع).
الشيخ: بـ(ترجع)، وتقديم المعمول يفيد الحصر والاختصاص، أي: إلى الله وحدَه لا إلى غيره، تَرْجِعُ الْأُمُورُ: أمور الدنيا والآخرة، كذا؟ شؤونها كلها الدينية والدنيوية والجزائية وكل شيء، كما قال الله تعالى في سورة هود: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ [هود: ١٢٣]، كل الأمر، فالأمور كلها تَرْجع إلى الله عز وجل، ومنها: أن الناس يرجعون يوم القيامة إلى ربهم فيُحاسبهم، وهذه الآية تفيد كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد تفيد تهديد هؤلاء المكذِّبين.
طالب: شيخ، شيخنا في آية أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ [النحل: ٣٣] يعني أو يأتي أمره.
الشيخ: إيه اللي فيها؟
الطالب: بعضهم احتج بها على أن هذه تفسر..
الشيخ: ما هو صحيح، الاحتجاج باطل، وذلك لأنه يجب أن نقول: إن كل آية تُفسَّر بحسب ما فيها.
الطالب: إذن معنى الآية هنا؟
الشيخ: أمره بعذابهم.
طالب: يعني بعد (...).
الشيخ: لا لا، يعني أمره أن الله يأمر بعذابهم في الدنيا، العذاب في الدنيا.
طالب: والملائكة؟
الشيخ: الملائكة لقبض أرواحهم، هذا الفرق بينهما.
طالب: (...) بمعنى هذا؟
الشيخ: أيهم؟
طالب: (...).
الشيخ: لا بعيدة.
ثم قال تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ [البقرة: ٢١١]، سَلْأصلها (اسأل)، فنُقلت حركة الهمزة إلى السين الساكنة، ثم حُذِفت تخفيفًا، حُذفت الهمزة تخفيفًا، ثم حُذفت همزة الوصل لعدَم الحاجة إليها، فعندنا الآن همزتان محذوفتان: همزة الوصل اللي في أول الكلمة، والهمزة التي هي عَين الفعل، أما همزة الوصل فحُذفت لعدم الحاجة إليها؛ لأن همزة الوصل يُؤتى بها لتسهيل النطق بالساكن، اسأل لأيش جبنا (اسأل) همزة؛ لأنه ما يمكن ننطق بالساكن مبتدأ حتى يتقدمه الهمزة (اسأل)، أما الثاني اللي هي عين الفعل فحُذفت تخفيفًا بعد أن نُقلت حركتها إلى السين فصارت (سل)، إذن، كيف وَزْن (سَلْ) بالميزان الصرفي؟
الطلبة: (فَلْ).
الشيخ: وزنها (فَلْ).
طالب: أصلها ليست فاعل؟
الشيخ: أصلها (افعل)، فحُذفت العين وحُذفت همزة الوصل وصارت (فَل).
***
(...) بني إسرائيل، تقدم لنا قاعدة أن (بني) إن أُضيفت إلى قبيلة شملت الذكور والإناث، وإلى فرد فهي للذكور، فتقول مثلًا: بنو محمد، إذا كانوا عَلَم شخص ما هو قبيلة، وتقول: بنو تميم للذكور والإناث.سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَهنا مضافة إلى أيش؟ مضافة إلى قبيلة.
طالب: أو شخص (...).
الشيخ: لا، أصبح اسم قبيلة حتى تميم أصله واحد، يعني صار اسمًا للقبيلة، فهو الآن اسم للقبيلة.
سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَوإسرائيل -كما تقدم- هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ويقال: إن (إيل) في العبرية بمعنى الله، فمعنى إسرائيل يعني عبد الله.
وقوله: كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ [البقرة: ٢١١]، كَمْ آتَيْنَاهُمْهذه استفهامية علَّقت الفعل (سَلْ) عن العمل، فصارت هي وجملتها في محل نصب، وأصلها: سل فلانًا عن كذا وكذا، فعَلَّقت الفعل عن المفعول الثاني.
وقوله: كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ، تعرفون أن (كم) تحتاج إلى مميِّز؛ لأن (كم) اسم مبهم تدل على عدد، فما هو هذا المعدود؟ المعدود قوله: مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ، و(كم) هنا هي تكثِيرية ولَّا خبرية؟
طالب: تكثيرية.
الشيخ: تكثيرية، يعني كم بمعنى آيات كثيرة أعطيناهم.
وقوله: كَمْ آتَيْنَاهُمْ: أعطيناهم، و(آتيناهم) كما عرفنا تنصب مفعولين، المفعول الأول: الهاء، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير: كم من آية بينة آتيناهموها، وعاد الضمير المحذوف إلى متأخر لفظًا؛ لأنه مُتقدِّم رُتبةً؛ إذ إن (من آية) كان حقها أن تكون بعد (كَم)، كم مِن آية.
وقوله: كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ، الإيتاء هنا يشمل الإيتاء الشرعي والإيتاء القَدَري الكوني؛ لأنهم أُوتوا آياتٍ بينات شرعية جاءت بها التوراة، وأوتوا آيات كونية كالعصا واليد، وقوله: مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍالآية بمعنى العلامة على الشيء، كلها تُسمى آية، وقوله: بَيِّنَةٍأي: ظاهرة في كونها آية، مثل أيش؟
طالب: (...).
الشيخ: في القرآن: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [الإسراء: ١٠١]
ومنها: أن الله أنزل عليهم المنّ والسلوى.
ومنها: أن الله رفع فوقهم الطور حتى يأخذوا ما أُوتوا بقوة، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، حتى إن الله تعالى أنزل عليهم بأنه فضلهم على العالمين، قال لهم موسى عليه السلام: يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة: ٢٠]. وقال الله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة: ٤٧]، فما أكثرَ الآيات والنِّعم التي أعطاها الله بني إسرائيل ومع ذلك كفروا بها وأنكروها، حتى إنهم بعدما أنجاهم الله مِن فرعون مرُّوا بقوم يعكُفون على أصنام لهم فـ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨]، وهذا لا شك من الجهل العظيم؛ ولهذا قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ [البقرة: ٢١١]، والخطاب في قوله: سَلْهل هو للرسول صلى الله عليه وسلم وحده أو لكل من يتأتَّى خطابه؟
تقدّم لنا أن مِثل هذه الخطابات تارة يقوم الدليل على أنها خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم فتكون خاصَّة به، وتارة يقوم الدَّليل على أنها عامَّة له ولغيره، فتكون عامَّة، وتارة لا يقوم دليل على هذا ولا على هذا، فالظاهر أنها عامة؛ لأن القرآن نزل للأمة إلى يوم القيامة، ويش مثال الذي قام الدليل على أنها خاصة بالرسول عليه الصلاة والسلام؟
طالب: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ.
الشيخ: إي، مثل: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ١ - ٤]، فهذه خاصَّة بالرسول صلى الله عليه وسلم.
والتي قام الدليل على أنها عامة مثل قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] فهنا قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، لكن وجَّه أو أَمَرَ بحُكم عام إِذَا طَلَّقْتُمُ، ما قال: إذا طلَّقت، وأما المحتمِل فهو كثير في القرآن، ومنه هذه الآية.
سَلْهُمْهل المراد سؤال استعلام، أو أن المراد سؤال تبكيت وتوبيخ؟ أيهما؟
طالب: الأخير.
طالب: الثاني.
الشيخ: الأخير، الظاهر أنه الأخير؛ لإقامة الحُجَّة عليهم ببيان نِعَم الله التي كان من حقه عليهم أن يشكروها، لكن بدَّلوها كُفرًا، وإلَّا فالظاهر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم بما أنزل الله عليه ما آتاهم الله من الآيات البينات.
قال: مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة: ٢١١]، خَتْم الآية بهذه الجملة يدُل على أن الآيات من النِّعم، وأن بني إسرائيل كفروها وبدَّلوها، كفروا بها وبدلوها كُفرًا؛ ولهذا قال: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
مَنْاسم شرط جازم؛ ولهذا جزمت الفعل، وأين جوابه؟ جوابه مفهوم من قوله: فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، فالجملة هنا دالة على الجواب وليست هي الجواب؛ لأن شِدة عقاب الله ثابِتة، سواء بدَّلوا أم لم يبدلوا، لكنها دالة على جواب الشرط.
وقوله: مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِويش معنى (يُبدِّل)؟ أي: يُغيِّر، وبِناءً على ذلك فإن (بدَّل) هنا لا تحتاج إلى مفعول، ويكون تغييرهم لنعمة الله أنهم كفروا بها فزالت عنهم، فصار زوالها إلى نقمة صار تبديلًا، كيف بَدَّل نعمة الله؟ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِقلنا: يبدل يعني يغيّر، كيف يغيرونها؟ إذا كفروها؟
طالب: زالت عنهم.
الشيخ: زالت عنهم، هذا التبديل، الآن بدلوها بنقمة، جعلوها تؤول إلى نقمة بأنهم كفروها، فيكون المعنى: من يُبِدِّلها بنِقمة، ويكون ذلك فيه إشارة إلى أن الذين يكفرون النِّعم معناه أنهم رضوا لأنفسهم بأن تَحِل بدلها النِّقم، أما إذا جعلنا المعنى كما في آية إبراهيم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا [إبراهيم: ٢٨] فهنا نقول: إن مفعول (يُبَدِّل) الثاني محذوف، والتقدير: ومن يُبدل نعمة الله كفرًا فإن الله شديد العقاب، ويكون المعنى هنا تبديل النعمة تبديل الشكر، يعني: من يجعل بَدَل الشكر كُفرًا، فإن الله شديد العقاب، وكلا المعنيين حق، وكلاهما متلازم، فإنه يلزم من الكُفْران تغيير النِّعمة، يلزم منها تغيير النعمة، فالمعنيان مؤدَّاهما واحد، أي: من يفعل أفعالًا تُنافي الشكر فإنه سيُعاقَب.
وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة: ٢١١] شَدِيدُبمعنى قويّ؛ والعِقاب الجزاء بالعقوبة، وسُمِّي الجزاء عُقوبة وعِقابًا؛ لأنه يقع عَقِب الذنب، يقع عَقِبَه مُؤاخذةً به.
وقوله: شَدِيدُ الْعِقَابِهذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، مثل ما تقول: حسن الوجه، يعني: ذو الوجه الحسن، فهي صفة مشبَّهة.
ثم قال تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢١٢]، زُيِّنالتزيين جعْل الشيء بهيًّا في عين الإنسان أو في سمْعه أو في مذاقِه أو في فِكْره، المهم أن أصل التزيين جعل الشيء بهيًّا جميلًا جذابًا.
وقوله: زُيِّنَمبني للمجهول، ونائب الفاعل: الْحَيَاةُ الدُّنْيَا، وهنا قد يقول النحوي منكم: لماذا لم يُؤنَّث الفعل مع أن الحياة مؤنثة وهي نائب الفاعل؟ فالجواب من وجهين؛ الوجه الأول: أن التأنيث غير حقيقي، وابن مالك يقول:
| وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ | مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ |
نعم، هذه واحدة، والوجه الثاني: الفصل، وابن مالك يقول: متصل، يعني: ما تجب التاء إلا إذا كان المؤنث حقيقيًّا متصلًا.
| وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ | مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ |
وهنا ما أفهم ذات حر.
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، زُيِّنَالفاعل محذوف، فمن الْمُزَيِّن؟ هل هو الشيطان أو الله عز وجل؟
طالب: الله يُقدِّر والشيطان..
الشيخ: فيه آيتان: إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ [النمل: ٤]، وفي آية أخرى: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: ٤٣]، وهنا زُيِّنَمبنية للمجهول، فعلى آي الآيتين تُحمل، وهل بين الآيتين منافاة؟
الجواب: ليس بين الآيتين مُنافاة؛ فإن الله تعالى زيَّن لهم سوء أعمالهم لسوء أعمالهم كما يفيده قوله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]، والتزيين من الله باعتبار التقدير، أما الذي باشر التزيين ووسوس لهم بذلك فهو الشيطان.
وقوله: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا، ما قال: زُيِّن للناس كما في آية أخرى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِإلى آخره [آل عمران: ١٤]، فهل نحمل النَّاسِعلى: الَّذِينَ كَفَرُواونقول: هناك عام أُريد به الخاص؟ أو نقول: إن بين الآيتين فرقًا؟ أو نقول: إن ذكر بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص؟ نقول: زُين للناس عمومًا، وهنا ذكر الله تعالى تزيينه لبعض أفراد هذه الجنس وهم الذين كفروا.
الْحَيَاةُ الدُّنْيَاالحياة ضِدُّ الموت، والمراد به هذه الدار، والدُّنْيَافُعْلَى، يعني أنها اسم تفضيل مؤنث، مأخوذة من أين؟ من الدُّنو الذي هو ضِد العُلُوّ، وسُمِّيَت بذلك لوجهين: لدُنوّ مرتبتها، ودُنُوّ زمنها، أما دُنو زمنها فلأنها قبل الآخرة، أقرب من الآخرة هنا نعيش فيها الآن؛ وأما دُنو مرتبتها فظاهر، إي نعم، ظاهر جدًّا واضح، الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن موضع سوط أحدنا في الجنة خير من الدنيا وما فيها، موضع السوط، تعرفون موضع السوط، مِقدار مِتر تقريبًا خير من الدنيا وما فيها، ما هو الدنيا التي فيها أنت الآن، الدنيا من أولها إلى آخرها وما فيها، إذن فرق بين هذه وهذه، فهي دانية زمنًا ودانية مَرتبة؛ لتأخُّرها كثيرًا عن الآخرة، ولهذا -سبحان الله العظيم- ما تجد فيها حال سرور إلا مشوبًا بتنغيص قبله وبعده، لكن هذا التنغيص بالنسبة للمؤمن خير، وإن كان فيه تنغيص وألَم وأذى، لكنه خير له كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام: «عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» ، والمؤمن إذا ابتُلي بالبلاء الجسمي أو النفسي يقول: هذه نعمة من الله يُكفِّر الله بها عنه، فإذا أحسَّ هذا الإحساس صار هذا الألم صار نعمة؛ لأن الإنسان خطَّاء دائم، هذه الأشياء لا شك أنها والحمد لله تكفير للسيئات، فإن صبر واحتسب صارت زيادة في الدرجات، فالآلام، والبلايا، والهم، والغم تكفِير بكل حال، لكن مع الصبر والاحتساب يكون عملًا صالحًا يُثاب عليه ويُؤجر عليه.
إذن صارت الدنيا دنيا، كما وصفها الله عز وجل، دنيا مهما كان فيها من النعيم فهي دنيا؛ ولهذا أنا أذكر لكم دائمًا قصة الحافظ ابن حجر رحمه الله مع اليهودي الزيّات في مصر، كان ابن حجر رئيس القضاة هناك ويسمونه قاضي القضاة، ويأتي يمر بالسوق ومعه العربة، على عربة تُجَرّ بالبغال في مَحْفل، فمر بذلك اليهوديّ الزيات الوسِخ من الزيت، وأوقفه الرجل اليهودي وقال له: كيف يقول النبي نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» ، وأنت الآن فيما أنت فيه من النعيم في الدنيا؟ وهو اليهودي هذا فيما فيه من الأذى والبلاء في الدنيا، كيف يصير هذا؟
فقال له على الفور، قال: إن ما أنا فيه من النعيم بالنسبة لنعيم الآخرة للمؤمن سِجن، ما هو شيء، وما أنت فيه من البؤس بالنسبة لعذاب الآخرة اللي ستلقاه جنَّة، صحيح ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فالرجل في الحال قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، تبين له الأمر، فالمهم أن الدنيا على اسمها، الحياة الدنيا، وإنما سمَّاها الله تعالى دنيا حتى لا نرفع بها رأسًا، ولا نهتم بها، وأن نُشمِّر ونجعل الغرض الأسمى والمقصود الأعلى هو الدار الآخرة؛ ويكفي الإنسان العاقل إذا سمع هذا الوصف الدنيا.
طالب: شيخ، ذكرنا زُيِّنَ، أن الله زَيَّن لهم سوء أعمالهم؛ لسوء أعمالهم، فنقول: زين الله لهم سوء أعمالهم (...).
الشيخ: لا لا؛ لأن التزيين نوعان: تزيين ابتدائي واستمراري، التزيين الاستمراري مبنيّ على الأول، والأول مبني على النية، فساءت النية ثم ساء الفعل ثم زِيدوا -والعياذ بالله- إساءة.
وقوله: وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢١٢] الجملة هذه يقولون: إنها حالية، يعني: زُيِّنت لهم والحال أنهم يسخرون من الذين آمنوا، يسخرون يعني يجعلونهم محل سخرية وازدراء واحتقار، من المؤمنين، وييجي المؤمن هذا سيارته (...)، وداره من سعف ولّا من طين وما أشبه ذلك، ثيابه ممزقة، كتابه غير جميل وهكذا، يسخرون منهم.
طالب: ويش (...).
الشيخ: هذا ما هي لغة عربية هذا عامية.
طالب: (...)
الشيخ: ويش تقولون فيه؟ يعني: متكسرة خربانة، إي نعم.
طالب: ثوبه قصير؟
الشيخ: لا، الثوب القصير ما هو علشان الفقر، وربما يشمل هذا أيضًا، نشوف يسخرون من الذين آمنوا باعتبار أنهم ما أوتوا شيئًا من الدنيا، هذا سخريتهم.
وربما نقول: وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواأيضًا من أعمالهم الصالحة التي يتعبدون لله بها، ويقولون: ويش هذا التزمت؟ ويش هذا التشدد، وما أشبه ذلك، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين: ٢٩ - ٣١].
فيَحْتَمل السخرية لما حُرموا من الدنيا؛ أو لما كانوا عليه من الدين؛ أو للأمرين جميعًا كما هو الواقع.
طالب: إن كان لا يسخر منه (...) يسخرون؟
الشيخ: فهو فيه خَصْلة من خِصال الكفار، وكما سبق لنا في باب من استهزأ (...) ذكر الله على التفصيل السابق من جهة أنه يكفر أو لا يكفر.
وقوله: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [البقرة: ٢١٢].
طالب: (...).
الشيخ: وين؟
طالب: يَسْخَرُونَ.
الشيخ: يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢١٢] ذكر؟
طالب: ذكر ابن عقيل..
الشيخ: وجهين.
الوجه الأول: إنه الجملة حالية، لكن الوجه الأول من السخرية وما ذكرنا أنهم يسخرون بحرمانهم مما أُوتي هؤلاء من زينة الدنيا، والسخرية الوجه الثاني: يسخرون بهم لما قاموا به من الأعمال الصالحة.
ويقول: قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، هذا مِن الله عز وجل، الكلام هذا مِنَ الله.





