تفسير سورة البقرة - 51
عدد الزيارات 5671

عناصر المادة :
تفسير الآيتين (213-214)
ما قال: والذين آمنوا فوقهم، قال: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا؛ لأنه لا بد مع الإيمان من التقوى، ولهذا يرتب الله سبحانه وتعالى الثواب على الإيمان والعمل الصالح الذي هو التقوى، فمجرد العقيدة لا تُنجي الإنسان من عذاب النار حتى يكون معها عمل صالح، ولهذا الصحيح أن من ترك الصلاة فهو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، فهذا لا بد منه، لا بد من العمل الصالح، بل لا يمكن أن تكون العقيدة صحيحة إلا بعمل صالح.
يقول: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [البقرة: ٢١٢] ولم يقل: أحسن حالًا منهم، بل فوقهم، تدل على العلو، الفارق العظيم بينهما، فوقهم في المكان، وفوقهم في النعيم، فوقهم في المكان؛ لأن هؤلاء في الجنة في أعلى عليين، وهؤلاء في سجين في أسفل السافلين.
وفوقهم من حيث النعيم؛ فإن هؤلاء أعد الله لهم من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأولئك أُعدّ لهم من الإهانة ما لا يتصوّره إنسان، لو لم يكن من إهانتهم إلا قول الله تعالى لهم: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: ١٠٨] بعدما يدعون يتضرعون إلى الله بالدعاء: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون: ١٠٧] يتضرعون إلى الله عز وجل بالدعاء، وكان الجواب جواب الرب الرحيم الغفور: اخْسَئُوا فِيهَا [المؤمنون: ١٠٨]، والكلمة هذه ما تعاد مرة ثانية، البشر يقول للإنسان: اخسأ، لا تتكلم، لكن ربما يكلمه، أليس كذلك؟
لكن الرب: اخْسَئُوا فِيهَاأمر كوني وَلَا تُكَلِّمُونِ، أحد ما يبقى له أمل ولا رجاء، يتوسطون بالشفعاء يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف: ٧٧] ينفع؟
الجواب: قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف: ٧٧، ٧٨].
إذن صدق قول الله عز وجل أو تبين وجه قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [البقرة: ٢١٢] رتبة ومكانًا، وكما تعلمون أن الجنات درجات -نسأل الله أن يهب لنا ولكم أعلاها- هذه الجنات أعلاها الفردوس الذي فوقه عرش الرحمن ما فوقه شيء من قبل.
وهذه دركات إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء: ١٤٥]
وقوله: يَوْمَ الْقِيَامَةِالمراد بالقيامة هي يوم الحساب، وسمي بيوم القيامة لثلاثة أمور ذكرناها فيما سبق، ولعل عندكم منها علمًا.
طالب: لقيام الناس من قبورهم، وقيام الأشهاد، وقيام العدل.
الشيخ: إي نعم؛ لأن الناس يقومون من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا فيقفون ذلك الموقف العظيم الذي قال الله تعالى فيه: يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [المزمل: ١٧، ١٨].
ثانيًا: يقام العدل حتى إنه يُقتصّ للشاة؟
طالب: القرناء.
الشيخ: القرناء؟!
الجلحاء من الشاة القرناء، ويقام أيش؟ الأشهاد، كما قال الله: وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١] الأشهاد منين؟ من الملائكة، وكذلك من بني آدم بعضهم على بعض؛ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣]، بل من الجوارح والجلود؛ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النور: ٢٤] نعم حتى الجلود تشهد؛ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا [فصلت: ٢١].
قال: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [البقرة: ٢١٢] يرزق يعني يعطي.
وبِغَيْرِ حِسَابٍأي: بغير تقدير؛ لأنه سبحانه وتعالى كرمه لا ينتهي.
تزيين سابق والسخرية مستمرة دائمًا على القول بأن الواو للحال تحتاج إلى تقدير (...) وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(الله) مبتدأ وجملة (يرزق) خبره، والرزق بمعنى العطاء، ورزق الله تعالى ينقسم إلى قسمين: عامّ وخاص، فالعام ما يقوم به البدن ويصلح مثل الأكل، الشرب، اللباس، المسكن، المركوب وما أشبهها، هذا عام، وهو شامل للمؤمنين والكافرين والإنس والجن والإنسان والبهائم، عرفتم؟ وشامل أيضًا للرزق الحلال، والرزق الحرام كالذي لا يتغذى إلا بحرام كالربا والسرقة والنهب وقال: هذا من رزق الله، لكنه حرام، ولهذا قال السفاريني في العقيدة:
وَالرِّزْقُ مَا يَنْفَعُ مِنْ حَلَالِ وَضِدِّهِ فَحُلْ عَنِ الْمُحَالِ

أوما مرّتْ هذه؟ مرّتْ، إذن نقول: الرزق العام ما يقوم به البدن ويصلح، وهو شامل للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والإنسان والبهائم، والنافع والضار، والحرام والحلال، كذا؟
الثاني: ما يقوم به الدين، وهو ما فيه صلاح القلوب، وهذا خاص بالمؤمنين مثل: العلم النافع، والعمل الصالح، والإنابة إلى الله، والتوكل عليه، وما أشبه ذلك، هذا رزق خاص يرزقه الله مَن؟ المؤمنين.
وقوله: يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُمَنْهذه عامة معلّقة بالمشيئة، وقد مر علينا كثيرًا أن كل شيء علَّقه الله تعالى بالمشيئة فهو تابع للحكمة، ليست مشيئة الله مشيئة مجردة، بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، فكل ما مر عليك شيء معلّق بالمشيئة أو معلق بالإرادة فاعلم أنه مقرون بالحكمة؛ يعني فمن اقتضت حكمة الله عز وجل أن يرزقه رَزَقه، ومن لا فلا.
وقوله: بِغَيْرِ حِسَابٍأي: بغير تقدير، أو بغير محاسبة؛ يعني بغير مِنَّة، أيهما؟
بِغَيْرِ حِسَابٍبلا تقدير واضح، فإن رزق الله لا نهاية له لا سيما الرزق في الآخرة؛ رزق الجنة فإنه مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ [ص: ٥٤] كما قال الله عز وجل، وهل نقول: بِغَيْرِ حِسَابٍبغير مِنّة؟ قد نقول ذلك أيضًا أنه ما يحاسب؛ يعني ما يطالب بالعوض؛ لأنه لو طالب بالعوض لكنا هالكين، لو أن الإنسان حاسبه الله على نعمة واحدة من نعمه، ويش يسوي؟ أعتقد لو توجع الإنسان منا عينه ليلة من الليالي ويقال له: إما أن تفقد البصر ولَّا تعطينا كل اللي عندك من المال، ويش يقول؟ يعطيهم كل اللي عنده، كل اللي عنده من المال، عند الرجل، ولَّا لا؟ إذن هذه نعمة واحدة، ما بالك بما هو أعظم منها؟!
نعمة النفَس أمر ضروري للحياة تُحصى؟ ما تحصى، ومع ذلك بدون تعب الإنسان يتكلم ويصعد نفَسه وينزل ويتكلم ويأكل، ثم لو ضُيّق عليه نَفَسه لمرة واحدة يقولوا: واللهِ ما إحنا فاتحين النفس إلا إن كنت بتعطينا مالك كله، ويش يقول؟ يقول: خذوه.
إذن يرزق بغير حساب؛ أي: بغير محاسبة؛ أي: ما يطلب يعني معاوضة، وإن كان واجبًا علينا أن نشكر الله على هذه النعم، لكن عز وجل نعمه أكثر، لو أنه حاسبنا على ما أنعم به علينا لكنا ضائعين.
بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ [البقرة: ٢٠٧].
من فوائد الآية الكريمة: تقسيم الناس إلى قسمين؛ القسم الأول سبق: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ [البقرة: ٢٠٤]، والقسم الثاني هذا: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ.
ومن فوائدها: بلاغة هذا القرآن حيث يجعل الأمور يجعلها مثاني، إذا جاء الكلام عن شيء جاء الكلام عن ضده.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضل من باع نفسه لله لقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ.
ومن فوائدها: الإشارة إلى إخلاص النية، من أين تؤخذ؟ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ.
ومن فوائدها: إثبات الرضا لله لقوله: مَرْضَاتِ. والرضا -كما تقدم لنا- صفة حقيقية لله عز وجل متعلقة بمشيئته، وينكرها الأشاعرة وأشباههم من أهل التعطيل، يحرفون المعنى إلى أن المراد برضا الله إما إثابته أو إرادة الثواب.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تقديم مرضاة الله على الناس، وجوبه ولَّا جوازه؟
طلبة: وجوبه.
الشيخ: من أين نأخذ الوجوب؟
طالب: المقابلة (...).
الشيخ: اللي يؤخذ منها الجواز، الظاهر.
طلبة: (...).
الشيخ: لا، ما نبغي، نبغي الآية، من الآية يؤخذ منها -ما هو الجواز فقط - أيضًا استحباب تقديم مرضاة الله على النفس؛ لأن الله تعالى ذكر ذلك في مقام أيش؟ المدح والثناء.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرأفة لله لقوله: وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [البقرة: ٢٠٧] والرأفة هي أرقّ الرحمة؛ يعني رحمة خاصة.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عموم رأفة الله عز وجل لقوله: بِالْعِبَادِ، هذا إذا كان العباد بالمعنى العام، أما إذا قلناه بالمعنى الخاص فلا يستفاد منها ذلك.
ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةًإلى آخره [البقرة: ٢٠٨].
يستفاد من هذه الآية الكريمة: فضل الإيمان لقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوالأن هذا نداء تشريف وتكريم.
ومن فوائدها: أن الإيمان مقتضٍ لامتثال الأمر؛ لأن الله صدّر الأمر بهذا النداء يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. والحكم لا يقرن بوصف إلا إذا كان لهذا الوصف أثر فيه، وهذه فائدة مهمة: لا يقرن الحكم بوصف إلا إذا كان لهذا الوصف أثر فيه. ولا شك أن الإيمان يقتضي امتثال أمر الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب تطبيق الشرع جملة وتفصيلًا لقوله: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً.
ومن فوائدها: أن الإنسان يؤمر بالشيء الذي هو متلبِّس به باعتبار استمراره عليه، كيف هذا؟
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِإحنا قلنا: إنه كيف ينادي المؤمنين وهم داخلين وهم مؤمنين؟
قلنا: المراد الاستمرار عليه، وعدم الإخلال بشيء منه، مثل قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ [النساء: ١٣٦] يعني استمروا على ذلك، وإلا فالأصل أن الإنسان لا يؤمر بالشيء وهو متلبِّس به، فلو وجدت رجلًا قائمًا قلت: قم، ويش بيقول؟ يقول: هذا جاهل، فإذن يكون هنا توجيه الأمر بالشيء إلى من هو متلبس به باعتبار أيش؟ باعتبار استمراره عليه وعدم الإخلال بشيء منه؛ ولهذا قال: كَافَّةً.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم اتباع الشيطان وخطواته لقوله: وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [البقرة: ٢٠٨]. هل يؤخذ من الآية الكريمة تحريم التشبُّه بالكفار؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لا تستعجلون، أنتم تأملوا، هل يُعقل من الآية تحريم التشبه بالكفار؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الجواب: نعم، تؤخذ منه؛ لأن أعمال الكفار من خطوات الشيطان ولَّا لا؟ لأن الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، ولا أنكَر من الكفر والعياذ بالله، فعلى هذا يؤخذ من الآية الكريمة: تحريم التشبُّه بالكفار؛ لأن ذلك من اتباع خطوات الشيطان.
هل يشمل ذلك ما لو هنَّأهم بعيدهم؟ يُهنيهم بعيدهم؟ إذا قال واحد: كما يهنئوننا بعيدنا نهنئهم بعيدهم جزاءً وفاقًا؟
طلبة: (...).
طالب: غير شرعي.
الشيخ: نقول: لأن عيدنا مرضي عند الله وعيدهم غير مرضي عند الله، ونحن إذا هنأناهم بعيدهم فمعنى ذلك أنا هنأناهم بشعائر الكفر، ولا يجوز أن نهنئ أحدًا بالتزامه بشعيرة من شعائر الكفر، والذي يهنئهم بعيدهم خطر على دينه، ربما يمرق من دينه وهو لا يشعر؛ لأن الرضا بالكفر كفر، وليس هذا من باب المجازاة؛ لأن نحن لسنا كهُم، طرفي نقيض؛ يعني نحن على فكر وهم على فكر، لا، نحن ربنا واحد نعم، ربنا وربهم واحد، هو الذي خلقنا جميعًا، وهو الذي أمرنا ووجَّه الأمر إلينا جميعًا، فنحن امتثلنا ما أمر به وهم خالفوا، وليست المسألة اختيارًا نحن أسَّسنا فكرًا ومشينا عليه وهم أسسوا فكرًا ومشوا عليه حتى نقول: نتبادل معهم التهاني كما يتبادلون معنا ذلك.
نحن نقول: لا، كلنا بشر، وكلنا خلق لله، والرب واحد، أمرَنا فسمعنا وأمرهم فعصوا؛ فهذا فرق بين هذا وهذا، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: وهذا هو الخطر الداهم الذي أصاب كثيرًا من المسلمين اليوم حيث ظنوا أن المسألة مسألة فكر، والرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أنه «مَا يَسْمَعُ بِهِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» . المسألة ما هي مسألة فكر حتى نقول: والله هم لهم فكرهم ولنا فكرنا، مسألة دين تعبَّدنا به الخالق وحده فسمعنا وأطعنا وسمعوا وعصوا، وحينئذٍ نقول: لا يجوز أن نهنئهم بأعيادهم.
ويستفاد من هذه الآية الكريمة: شدة عداوة الشيطان لبني آدم؛ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [البقرة: ٢٠٨] كذا؟
ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يأمرنا الشيطان بخير؛ إذ إن عدوك يسره مساءتك، ويغمه سرورك، ما يمكن يأمرك بخير أبدًا، ولهذا قال في آية أخرى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر: ٦] ما هو مجرد خبر فقط.
طالب: شيخنا، قد يأمر بالخير للاستدراج؟
الشيخ: ما يمكن.
الطالب: حديث أبي هريرة ؟
الشيخ: لا، ما هو للاستدراج، هذه لحكمة من الله عز وجل، وإلا هو ما أمره بالخير لنفسه، لكن لما خاف من النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لو رفعه للرسول افتضح أو ربما يحصل له شيء أكبر فدلَّه على ما فيه حفظ.
ثم قال: فَإِنْ زَلَلْتُمْ [البقرة: ٢٠٩].
ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: قرن الحِكم بعللها، من أين تؤخذ؟ لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِثم علَّل: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.
فيستفاد منه فائدة متفرِّعة على هذا: أنه ينبغي لمن أتى بالأحكام أن يقرنها بالعلل التي تطمئن إليها النفس، إن كانت ذات دليل من الشرع قرنها بدليل من الشرع، وإن كانت ذات دليل من العقل والقياس قرنها بدليل من العقل والقياس.
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة: ٢٠٩].
ويستفاد من هذه الآية الكريمة: الوعيد على من زلّ بعد قيام الحجة عليه لقوله: فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ، فإن قلت: من أين الوعيد؟
قلنا: من قوله: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ؛ لأن من معاني العزة الغلبة، والحكمة: تنزيل الشيء في مواضعه، فإذا كان هناك غلبة وحكمة فالمعنى: أنه سينزل بكم ما تتبين به عزته؛ لأن هذا هو مقتضى حكمته، ظاهر؟
طلبة: لا.
الشيخ: مرة ثانية نعيدها: إذا قال قائل: ما هو الدليل على الوعيد؟ قلنا: لأن من معنى العزيز: الغلبة، من معانيها: الغلبة، فإذا كانت الغلبة مقرونة بحكمة دل هذا على أنه سيُنزّل بكم من عزته ما تقتضيه حكمته، ومعلوم أنه بعد مجيء البينات انقطعت الحجة.
وقد مر علينا قصة الأعرابي الذي سمع قارئًا يقرأ: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ والله غفور رحيم) هكذا يقرأ الرجل، فقال الأعرابي: أعِد الآية، ما هي هذه الآية. فأعادها على التلاوة الأولى: (نَكَالًا مِنَ اللَّهِ والله غفور رحيم)، فقال: أعد الآية. فأعادها على الصواب فقال: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨]، قال: الآن أصبت؛ لأنه عز وحكَم فقطع، ولو أنه غفر ورحم ما قطع. ولهذا قال الله تعالى في الذين يسعون في الأرض فسادًا: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى أقام البينات للعباد لقوله: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ.
ومنها: أنه لا تقوم الحجة على الإنسان ولا يستحق العقوبة إلا بعد قيام البينة لقوله: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُولهذا شواهد كثيرة من الكتاب والسنة تدل على أن الإنسان لا حجة عليه حتى تقوم عليه البينة.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بأسماء الله وما تضمنته من صفات لقوله: فَاعْلَمُواعلم اعتراف وإقرار، ما هو مجرد علم فقط؛ علم اعتراف وإقرار، فمجرد العلم لا يكفي، ولهذا أبو طالب كان يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم على حق وأنه رسول الله، لكنه لم يقبل ولم يذعن؛ فلهذا نفعه إيمانه ولَّا لا؟ ما نفعه، وليس بمؤمن، وليس الإيمان مجرد الاعتراف بدون إذعان وقبول.
ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز والحكيم، وإثبات ما تضمناه من صفة، والعزيز ذكر أهل العلم أن له ثلاثة معانٍ: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع؛ فعزة القدر يعني أنه عز وجل عظيم القدر، والشيء العزيز: الشيء النادر الذي لا نظير له، أما عزة القهر فمعناها الغلبة، وهذا أظهر معانيها، وأما عزة الامتناع فمعناه أنه يمتنع أن يناله السوء؛ مأخوذ من قولهم: أرض عَزَاز أي: قوية صلبة، ما تؤثر فيها الأقدام، ولهذا قال ابن القيم في النونية:
....................... فَالْعِزُّ حِيَنئِذٍ ثَلاثُ مَعَانِي

أما الحكيم فقد تقدم أنه مشتق من الحُكم والحِكمة، وأن الحكم نوعان: كوني وشرعي، وأن الحكمة نوعان: غائية وحالية؛ الحالية: أن يكون الشيء على هذا الوجه المعين موافقًا للحكمة. والغائية: أن يكون المقصود به غاية محمودة.
فكون الشيء منظمًا على هذا الوجه هذه حِكمة لا شك، وكون المقصود به كذا وكذا من الغايات الحميدة هذا أيضًا حكمة، فصار الحكيم له أربعة معانٍ في الحقيقة: حُكم، وإحكام، وحال، وغاية. فالْحُكم فيه حكمة، وكل منهما حكمة في صورته التي هو عليها وفي غايته التي تقصد به.
ثم قال الله عز وجل: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُإلى آخره [البقرة: ٢١٠].
ويستفاد من هذه الآية الكريمة: وعيد هؤلاء بيوم القيامة؛ لأن هذا الذي ذكر الله ووصفه متى يكون؟ يوم القيامة.
وفيه أن الله تعالى لا يعذِّب هذه الأمة بعذاب عام؛ لأن الله جعل وعيد المكذبين متى؟ يوم القيامة، ويدل لذلك آيات وأحاديث قال الله تبارك وتعالى في سورة القمر: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ [القمر: ٤٦].
ويستفاد من الآية أيضا: إثبات إتيان الله عز وجل؛ إثبات إتيانه عز وجل لقوله: إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ [البقرة: ٢١٠]. والمراد إتيانه نفسه أو أمره؟ إتيانه نفسه؛ لأن الشيء إذا أضيف إلى الله فالمراد نفسه، خَلَقَ السَّمَاوَاتِ [الأنعام: ١] أي: هو نفسه الذي خلق. اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف: ٥٤] أي: هو نفسه، يَكِيدُونَ [الطارق: ١٥] وَأَكِيدُ [الطارق: ١٦]؛ أي: نفسه، كل شيء يضاف إلى الله فالمراد نفسه، إلا أن يقوم دليل على أنه لا يراد به نفسه فيتبع الدليل، ففي الحديث: «جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي» هذا بيّن الله عز وجل أن المراد: أن عبدًا من عباد الله استطعمه فلم يطعمه، إذن المراد إتيان الله نفسه، ولا يعارض ذلك أن الله قد يضيف الإتيان إلى أمره مثل قوله تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: ١] ومثل: أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ [النحل: ٣٣] لأننا نقول: إن هذا من أمور الغيب، والصفات توقيفية، فنتوقف فيها على ما ورد، فالإتيان الذي أضافه الله لنفسه يكون إتيانه بنفسه، والإتيان الذي أضافه الله إلى أمره يكون إتيان أمره؛ لأنه ليس لنا أن نقول على الله ما لا نعلم، علينا أن نتوقف فيما ورد على حسب ما ورد.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الملائكة لقوله: وَالْمَلَائِكَةُ.
ومنها قبل: إثبات عظمة الله عز وجل لقوله: فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِشوف فِي ظُلَلٍ(ظُلل) نكرة تدل على أنها ظلل عظيمة وكثيرة، ولهذا جاء في سورة الفرقان: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ [الفرقان: ٢٥]، شوف يعني لو تصوّرت الحالة تشقق كأنها من كل جانب؛ يعني تثور ثورانًا بهذا الغمام العظيم، كل هذا تقدمة لمجيء الجبار سبحانه وتعالى، وهذا يفيد العظمة؛ عظمة الباري سبحانه وتعالى.
ومن فوائد الآية: أن الملائكة أجسام، خلافًا لمن قال: إن الملائكة قوة وأرواح، والرد على هذا الزعم في القرآن والسنة كثير، أو لا؟
ومن فوائد الآية الكريمة: أن يوم القيامة به ينقضي كل شيء، ما بعده شيء؛ إما إلى الجنة وإما إلى النار، ما فيه أمل أن الإنسان يستعتب إذا كان من أهل النار ليكون من أهل الجنة لقوله: وَقُضِيَ الْأَمْرُ [البقرة: ٢١٠] قضي الأمر الذي قضاه من؟
طلبة: الله.
الشيخ: الله عز وجل، لكنه أتى بالبناء للمجهول لعظمة هذا الأمر، وهذا كقوله: وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هود: ٤٤].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قدرة الله سبحانه وتعالى حيث إن هذا الأمر يُقضى في بعض يوم؛ لأن الله يقول: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤]، والمقيل يكون في نصف النهار، في نصف النهار انتهى كل شيء، هذا على أحد التفسيرين في الآية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمور كلها ترجع إلى الله وحده لقوله: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، أيّ الأمور؟ الكونية أو الشرعية؟ الكل؛ الكونية والشرعية.
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: ١٠] إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف: ٤٠] فالأمور كلها مرجعها إلى الله سبحانه وتعالى، وما ثبت فيه أنه يُرجع فيه إلى الخلق فإنما ذلك بإذن الله، فيه أشياء مرجعها إلى الخلق، والحكم بين الناس مرجعه إلى القضاة، لكن بماذا كان القضاة مرجعًا؟ بإذن الله سبحانه وتعالى، وبهذا يتبين أن الأمر كله يرجع إلى الله سبحانه وتعالى.
هل نأخذ من هذه الآية قاعدة: إثبات الأفعال لله؟ لأن عندنا الآن نوع من أنواع الأفعال وهو الإتيان، فهل نقول: إنه يدل على إثبات كل فعل لله؟
الجواب: لا؛ لأن النوع أخص من الجنس، وثبوت الأخص لا يقتضي ثبوت الأعم، لكنه نعم يدل على ثبوت جنس الفعل لا كل فعل، وأن الله سبحانه وتعالى تقوم به الأفعال الاختيارية مثل: الاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والقرب من عباده كيف يشاء، والضحك، والعجب، ووضع قدمه على النار وهي تقول: هل من مزيد؟ وغير ذلك من الأفعال التي جاءت في الكتاب والسنة، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بها على أنها أفعال؛ أفعال متعلقة بذاته، وأنه سبحانه وتعالى يفعل ما يريد، وأما أهل التعطيل والتأويل فلا يقرّون بذلك، ولا يرون أن الله تقوم به الأفعال الاختيارية، ويحرّفون ما جاء في الكتاب والسنة على المعاني القديمة أيضًا، ولهذا: الكلامُ عندهم: المعنى القائم بنفسه، وهو قديم أيضًا كقدم العلم والقدرة، ما يمكن أن الله تعالى يتكلم بكلام حادث يحدثه ويتكلم بما شاء.
طالب: قولنا يُقضى يعني يقضى الأمر بينهم يعني أهل الفترة، أهل الأعراف يتأخرون يعني بعد ها اليوم؟
الشيخ: الله أعلم هل يتأخرون كل ها اليوم هذا أو بعض اليوم بقيته، ما أدري.
الطالب: أهل الأعراف يعني يرون أهل النار.
الشيخ: إي، يرون أهل النار، ويرون أهل الجنة، لكن من الجائز أن يكون في بقية اليوم، لكن أنا عندي في هذه المسألة إشكال إلا أنه عند التأمل ما فيه إشكال هو حديث أبي هريرة في قصة مانعي الزكاة: «كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» فإنه قد يتبادر من هذا الحديث أن اليوم يتم، لكنه ليس بلازم أن يتم، أقول: ليس بلازم؛ لأن الحديث يقول: «فِي يَوْمٍ». و(في) للظرفية، والظرف يكون أوسع من المظروف، فمن الجائز أن يُعذب إلى نصف اليوم الذي يكون به انصراف كل أحد إلى مكانه.
طالب: شيخ، إثباتنا للمشيئة يستفاد من هذه الآية؟
الشيخ: منين؟
الطالب: من الإتيان، يكون بالمشيئة.
الشيخ: من اللازم إي نعم، يستفاد منها، ويستفاد أيضًا إذا بغينا نجيب اللوازم إثبات المشيئة؛ لأن الإتيان لا يكون إلا بمشيئة، ويستفاد أيضًا عظمة الله عز وجل وتمام سلطانه وملكه من قوله: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [البقرة: ٢١٠].
طالب: شيخ، ما يصير مقضي لهم يعني بالجنة لكن يبقون بالأعراف بعد القضاء هذا؟
الشيخ: لا، يعني أهل الأعراف قصدك؟
الطالب: إي نعم، يعني في بعض اليوم؟
الشيخ: الله أعلم؛ لأن أصحاب الأعراف ما يطلق عليهم أنهم من أصحاب الجنة على الإطلاق، ولهذا في سورة الأعراف ذكر الله ثلاثة أصناف: أصحاب النار، وأصحاب الجنة، وأصحاب الأعراف، والله أعلم كم يبقون بالأعراف هذه.
الطالب: بس في الشورى يقول: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى: ٧]
الشيخ: صحيح، هذا المآل النهائي، المآل النهائي هذا هو.
طالب: يعني خمسين ألف سنة فترة، هذه الفترة كلها يعذَّب فيها؟
الشيخ: لا، ما هو بالظاهر؛ لأنه قوله: «حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ»، وإذا قلنا: إنه يُقضى بين العباد في نصف اليوم، فمعناه إلى نصف اليوم.
الطالب: مدة الفترة؟
الشيخ: له؟ له هو؟
الطالب: (...).
الشيخ: ما هو بالظاهر؛ لأن (حتى يُقضى) غاية، والغاية هي أن يُقضى بين العباد.
الطالب: (...) في اليوم (...) العباد.
الشيخ: إيه، ما يخالف، اليوم كان مقداره خمسين ألف سنة، لكن ما يلزم أن يكون كل اليوم يعذب؛ لأن تقييده حتى يقضى، هو صحيح لو عُذب أول اليوم اللي مقداره خمسين ألف سنة لصدق أنه يعذب في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؛ لأنه قد عُذب في هذا اليوم إلى أن يقضى بين العباد، أقول الحديث: «فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» هذا اليوم اللي مقداره خمسين ألف سنة يُقضى بين العباد في نصف يوم، والحديث يقول: «حَتّى يُقْضَى» ومعنى ذلك أن عذابه يمتد إلى أن يقضى بين العباد وهو نصف اليوم، وكلمة «فِي يَوْمٍ» ما يمنع أن يكون في أوله فقط، لو قلت لشخص: زرتك في يوم الخميس، هل يلزم أن تمتد الزيارة من أول اليوم إلى آخره؟ ما يلزم، يمكن زرته في أول اليوم إلى نصف النهار أو إلى ثلث النهار، فهو يُعذّب في يوم كان مقدراه خمسين ألف سنة إلى أن يُقضى، تعذيبه إلى أن يقضى بين العباد، فإذا كان يقضى بين العباد في النصف انتهى تعذيبه في النصف.
طالب: شيخ، «خمسين ألف» ما معناه؟
الشيخ: معناه عظمة هذا اليوم، وليس معناه امتداده خمسين ألف سنة، بيان عظمة هذا اليوم ولا يلزم من هذا امتداده.
الطالب: لكن ما يكون فيه يكون بخمسين ألف سنة.
الشيخ: هو لولا كلمة «حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ» لكان ظاهر الحديث أن تعذيبه من أوله إلى آخره، لكن لما قُيِّدت «حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ»، وقلنا: إنه يقضى بين العباد في نصف اليوم بناءً على قوله: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤] تبيّن أن عذابهم إلى نصف اليوم، وما أطوله؛ خمس وعشرون ألف سنة.
طالب: شيخ، ما وجه الدلالة من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى يتم الحساب في بعض اليوم؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: قلتم: يقال: (...) سبحانه وتعالى حيث إن هذا الأمر يقضى في بعض يوم؟
الشيخ: لا، ما قلنا، ما يستفاد من هذا، يستفاد من آية الفرقان.
طالب: شيخ، اليوم المقصود في هذه الآية، هل المقصود به اليوم عند الله سبحانه وتعالى؟
الشيخ: إي، يوم القيامة مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: ٤].
الطالب: بمعنى عندنا هل الفترة الزمنية بما نعد أيامنا نحن؟
الشيخ: إي، هو الظاهر.
الطالب: خمسين ألف؟
الشيخ: خمسين ألف سنة.
الطالب: الله أكبر!
الشيخ: ثم قال تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍإلى آخره [البقرة: ٢١١].
يستفاد من هذه الآية: بيان كثرة نعم الله على بني إسرائيل لقوله: كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ.
ومن فوائدها: تقريع بني إسرائيل الذين كفروا بنعمة الله وتوبيخهم؛ لأن المراد بالسؤال هنا سؤال استعلام ولَّا سؤال توبيخ؟ سؤال توبيخ.
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من تبديل نعمة الله عز وجل لقوله: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ [البقرة: ٢١١].
ومنها: إثبات شدة العقاب من الله لقوله: فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [البقرة: ٢١١]
والعقاب في موضعه محمود؟ نعم، محمود، بل مأمور به فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ [النور: ٢] اجلدوهم، الرجم عقوبة؛ عقوبة أيش؟
طلبة: الزنا.
الشيخ: يسمونها المتأخرون (إعدام)، وهذا غلط، عقوبة قتل، وفرق بين القتل والإعدام، إذا قتلنا واحدًا هل نحن أعدمناه؟ لا، جسمه باقٍ لكن..
(...) بما لا يسمى به؛ لأن باب الإخبار أوسع من باب التسمية، فمثلًا: يجوز لنا أن نخبر بأن الله متكلم، يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نسميه؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما نسميه. يجوز نقول: إن الله مريد، ولَّا لا؟ نخبر أنه مريد، ولا نسميه، ولهذا قال: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الحجر: ٤٩] بعده؟ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر: ٥٠] فشدة العقاب؛ شديد العقاب، والحقيقة أن هذه صفة مشبهة مضافة إلى الفاعل، هو الله شديد العقاب، الشدة في عقابه، لكن الغفور الرحيم من أسمائه كما في آية: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر: ٤٩، ٥٠].
طالب: شيخ، الآن فيه ضابط في إطلاق الأسماء والصفات على الله عز وجل، ما هو الضابط للإخبار عن الله عز وجل؟
الشيخ: نعم، الضابط للإخبار عن الله أنك تُخبر عن الله بكل صفة اتصف الله بها، كل صفة اتصف الله بها تُخبر بها عنه، لكن إن كانت مُطلقة فمطلقة، وإن كانت مقيّدة فمقيدة، هناك أشياء ما يصح الإخبار بها عن الله؛ لأنها لا تليق به؛ كالنائم مثلًا، أو العاجز، أو الجاهل، أو ما أشبه ذلك؛ لأنها ما تليق بالله عز وجل، لكن فيه أشياء ما تسمى الله بها، لكنه يُخبر بها عنه؛ لأنها هي ما تصح أن تكون اسمًا لكون أسماء الله الحسنى ما فيها احتمال للسيئ أبدًا، كل الأسماء حسنى، ما فيها سوء ولا بالاحتمال، لكن الذي يخبَر به عنه قد يكون في بعض الأحيان يكون فيه يتضمن السوء، لكن بالنسبة لله ما يتضمن السوء، مثلًا المتكلم، المتكلم قد يتكلم بخير، وقد يتكلم بشر، فليس كل الكلام خير، والمريد أيضًا إرادة خير وإرادة شر، ولهذا ما جاءت اسمًا، لكن جاءت خبرًا؛ لأن باب الإخبار أوسع، الصانع مثلًا يُخبر به عن الله، لكن لا يسمى به.
طالب: يا شيخ، الطبيب؛ يعني معنى الطبيب.
الشيخ: خبر لا بأس.
طالب: قول: مهندس الكون الأعظم، قول بعض؟
الشيخ: والله هذه مهندس.
طالب: ويش؟! (...).
الشيخ: نعم، فيه من يقول هكذا يتجاسر، أنا ما أتجاسر أن أقولها، وإلا معناها صحيح؛ لأن الهندسة ويش معناها؟
طلبة: الإتقان والتصميم.
الشيخ: التصميم والإتقان، التصميم بإتقان، لكني ما أتجاسر أن أقولها لله، أما الطبيب فقد روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه مرض فقيل له: ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال إن الطبيب رآني وقال: أنا أفعل ما أريد. أما مسألة المهندس قد تشعر مهندس إن لم يكن فهمي خطأ؛ قد تفهم بأنه متعلم، متعلم يعني مكتسب للصنعة اكتسابًا، وقد يقول قائل: والطبيب أيضًا باعتبار إضافته للآدمي أيضًا مكتسبها، لكني لا أتجاسر أن أقول مهندس الكون، ما أستطيع.
طالب: شيخ، مخترع؟
الشيخ: مخترع يصلح، يُطلق عليه؛ لأن المخترع مثل المبدع، ولهذا توجد هذه في كلام بعض أهل العلم أنه قادر على الاختراع وما أشبه ذلك.
ثم قال: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواإلى آخره [البقرة: ٢١٢].
يستفاد من هذه الآية الكريمة: انخداع الكافرين بالحياة لقوله: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا.
ويستفاد منها: أن الكفار عاشقون لها، وأنها هي همهم وغرضهم؛ لأن ما زين للشخص فلا بد أن يكون الشخص مهتمًّا به طالبًا له.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمنين ليست الدنيا في أعينهم شيئًا لقوله: لِلَّذِينَ كَفَرُواواضح؟ ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يعجبه في الدنيا يقول: «لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» كلمة عظيمة هي، إذا رأى ما يعجبه من أي شيء يقول: «لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» لماذا؟ لأن النفس إذا رأت ما يعجبها بطبيعتها تطلب هذا الشيء فيقول: «لَبَّيْكَ» لتوجيه النفس إلى إجابة من؟ إلى إجابة الله لا إلى إجابة رغبتها، وإلا النفس هذا الشيء الدنيا مزينة في قلوب الناس إلا من عصم الله، فالنفس تطلبها تتجه إليها فيقول: «لَبَّيْكَ»، ثم يقنع النفس أيضًا بأني ما صددتك وأجبت الرب عز وجل إلا لخير لماذا؟ «إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ»، وصدق الرسول عليه الصلاة والسلام العيش عيش الآخرة، والعجيب أن من طلب عيش الآخرة طاب له عيش الدنيا، ومن طلب عيش الدنيا ضاعت عليه الدنيا والآخرة.
قال الله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ١٥] هذا الخسارة؛ خسروا أنفسهم لأنها راحت عليهم، مآلهم النار والعياذ بالله، وأهلوهم أيضًا الذين في النار ما يهتم بعضهم ببعض، كلٌّ -والعياذ بالله- شقي فيما هو فيه، والحاصل أننا نقول: إن هذه من حكمة الرسول عليه الصلاة والسلام التي ينبغي لكل إنسان، نحن نرى في الدنيا ما يعجبنا لا شك، نرى ما يعجبنا من المراكب والقصور وغيرها، لكن حط هذه على بالك: «لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» تجد كل اللي أمامك يتضاءل، إذا قلتها بصدق وإخلاص ومتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام ترى كل ها اللي أمامك يعجبك تراه متضائلًا ما كأنه شيء.
ومن فوائد الآية الكريمة: حقارة الدنيا، منين نأخذها؟ من وصفها بذلك: الدنيا؛ بالحياة الدنيا، وقد سبق لنا أنها من الدنوِّ زمنًا ورتبة؛ زمنًا لأنها قبل الآخرة، ورتبةً لأنها قليلة بالنسبة للآخرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفار لا يزالون يسلِّطون أنفسهم على المؤمنين لقوله: وَيَسْخَرُونَلكن أنا أقول: لا يزالون يسلطون، منين أخدت لا يزالون؟ من قوله: وَيَسْخَرُونَبالفعل المضارع، شوف: زُيِّنَ،ويسخرون، ما قال: وسخروا. وَيَسْخَرُونَ؛ لأن المضارع يدل على الاستمرار والحال والاستقبال، فهم دائمًا في سخرية من الذين آمنوا، يقولوا: أيش ها دولا (...)؟! سيارة مثل (...) وبيت من الطين، وما أشبه ذلك. شوف يسخر، لكن العبرة بالنهاية؛ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ [البقرة: ٢١٢] ومتى؟ يوم القيامة، اللي ما فيه رجوع إلى الورا، أو نزول إلى الأرض، ولهذا قال: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [البقرة: ٢١٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: تثبيت المؤمنين وترسيخ أقدامهم في إيمانهم لقوله: يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢١٢] يعني: اصبروا، اصبروا؛ فإن هذا دأبهم وشأنهم أن يسخروا منكم، ولكن ما دمتم تعرفون أن هذا طبيعة الكفار أو شيء كالطبيعة فإن الإنسان يصبر، حقيقة أن الإنسان إذا عرف أن هذا الشيء لا بد منه يكون مستعدًّا له وقابلًا له وغير متأثر فيه.
ومن فوائد الآية الكريمة: البشرى للمؤمنين للذين اتقوا أنهم فوق الكفار يوم القيامة، واتل قول الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ [المطففين: ٢٩ - ٣٢] رجعيُّون؛ يعني ما عندهم (...) ما يصلحون لهذا العصر، بعدها: وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا [المطففين: ٣٣، ٣٤] اليوم يوم القيامة الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين: ٣٤] هذا والله ضحك ما بعده بكاء، لكن ضحك أولئك المجرمين بعده بكاء.
عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ [المطففين: ٣٥] ويش ينظرون؟ ينظرون ما أعد الله لهم من النعيم، ومنه النظر إلى وجهه تعالى -الله يجعلني وإياكم منهم- النظر إلى وجه الله، وينظرون أيضًا إلى ما فعل الله بهؤلاء قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ [الصافات: ٥١- ٥٥]. قرينه في الدنيا فرآه في سواء الجحيم، قال له: كلِّمه، هذا في أعلى عليين، وهذا في أسفل السافلين، قال له قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات: ٥٦] شوف هذا القرين الخبيث يحاول إضلال هذا الرجل؛ إِنْ كِدْتَ(إن) هذه مخففة من الثقيلة للتأكيد، و(كدت) بمعنى قاربت؛ يعني: إنك قاربت أن ترديني، وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [الصافات: ٥٧]، إذن يطّلعون عليهم ولَّا لا؟ يطلعون عليهم، ويطلبون ممن معهم في الجنة أن يطلعوا: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ [الصافات: ٥٤] ولهذا قال: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [البقرة: ٢١٢].
إثبات أفعال الله سبحانه وتعالى المتعلقة بمشيئته لقوله: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُوتسمى هذه الأفعال في كتب العقائد، تسمى الأفعال الاختيارية؛ يعني المتعلقة بمشيئة الله، وهي ثابتة لله عز وجل على وجه الحقيقة، وأمثلتها في القرآن كثيرة.
وقوله: مَنْ يَشَاءُفيها إثبات المشيئة لله، وكل ما في الكون فإنه واقع بمشيئة الله، والمشيئة تختلف عن الإرادة لأنها لا تنقسم، بخلاف الإرادة فإنها تنقسم إلى قسمين: إرادة شرعية وإرادة كونية، أما هذه فلا تنقسم بل هي واجبة المراد، يعني إذا شاء الله تعالى شيئًا كان، ولهذا كان من قول المسلمين عامة: (ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن).
وهل تتعلق بما يحبه وما لا يحبه؟ نعم، قال الله تعالى: مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ [الأنعام: ٣٩] وهذا لا يحبه، وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الأنعام: ٣٩] وهذا يحبه، فهي متعلقة بما يحبه وما لا يحبه.
وقد سبق لنا أن كل فعل علَّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة؛ إذ ليس لمجرد المشيئة فقط، بل للمشيئة المقرونة بالحكمة، ودليل ذلك سمعي وعقلي؛ السمعي قوله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان: ٣٠] ويش بعده؟ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠] فدل هذا على أن مشيئته مقرونة بالحكمة، وأما العقلي: فلأن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بأنه حكيم، بل سمَّى نفسه بالحكيم، والحكيم لا يصدر منه شيء إلا وهو موافق للحكمة.
إذن يستفاد من هذه الآية: إثبات المشيئة لله، وإطلاقها مقيَّد بما عُلم من أن كل مشيئة فهي مقرونة بالحكمة.
ومن فوائد الآية الكريمة: كثرة رزق الله عز وجل لقوله: بِغَيْرِ حِسَابٍيعني معناه أنه يعطي عطاء لا يبلغ الحساب، كما قال الله تعالى: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٦١].
تفسير الآيتين (213-214)
01:03:24

ثم قال الله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً [البقرة: ٢١٣] نشوف الإعراب، أولًا: أُمَّةًما الذي نصبها؟
طلبة: خبر (كان).
الشيخ: خبر (كان). مُبَشِّرِينَويش إعرابها؟
طلبة: حال.
الشيخ: حال، من الفاعل أو من المفعول به؟
طلبة: من الفاعل.
الشيخ: من الفاعل؛ يعني الله هو المبشِّر؟
طالب: يصلح للاثنين.
الشيخ: لا.
طالب: من المفعول به.
الشيخ: من المفعول به؛ لأنها جمع، من قوله: النَّبِيِّينَ، فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ.
وقولُه: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَالكتاب هنا أيش؟ مفرد يراد به الجنس فيعُم كل كتاب، طيب إعرابه؟
طلبة: مفعول (أنزل).
الشيخ: مفعول (أنزل)؟ طيب قوله: بِالْحَقِّالباء؟
طالب: مصاحبة.
الشيخ: مصاحبة. قوله: لِيَحْكُمَالضمير يعود على أيش؟
طلبة: على الكتاب.
طلبة آخرون: على النبيين.
الشيخ: على الكتاب، على النبيين، على الله؟
طالب: على الكتاب يا شيخ.
الشيخ: طيب نشوف الآن؛ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَلِيَحْكُمَأي: هو، أي: الله؛ لأن الحكم إليه، أو: ليحكمَ الكتاب باعتبار أنه وسيلة الحكم، أو: ليحكم النبي باعتبار أنه الذي معه الكتاب، ولكن هنا فيه إشكال وهو أن (يحكم) مفرد و(النبيين) جمع، لكن قالوا: لما كان النبيون جمعًا، والجمع له أفراد صار ليحكم أي: كل فرد منهم، كل فرد منهم بما أنزل الله.
قوله: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ [البقرة: ٢١٣]. الَّذِينَويش إعرابها؟ الَّذِينَفاعل (اختلف)؛ لأن الاستثناء هنا مفرغ.
وقوله: إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [البقرة: ٢١٣] قوله: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُويش هي متعلقة به؟
طالب: أُوتُوهُيا شيخ.
الشيخ: أوتوا، لا؛ لأنه يفسد المعنى، لكنها متعلقة بقوله: وَمَا اخْتَلَفَيعني وما اختلف فيه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم إلا الذين أوتوه.
بَغْيًاويش إعرابها؟ مفعول لأجله، وبقية الآية أظنه واضحًا.
يقول الله عز وجل: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً [البقرة: ٢١٣] (أمة) هنا بمعنى طائفة، وكان فيما مضى من قبل أن تبعث الرسل إليهم كانوا أمة؛ أي: طائفة واحدة على دين واحد، ما هذا الدين الواحد؟
طالب: الإسلام.
الشيخ: هو دين الإسلام؛ لأن آدم نبي موحى إليه بشريعة يتعبد بها، فصار يتعبد بها واتبعه أبناؤه على ذلك، ثم بعد مدة من الزمن وكثر الناس واختلفت الأهواء فاختلفوا، فحينئذٍ صاروا بحاجة إلى بعث الرسل فبعث الله الرسل، ثم تقدم لنا أنها تأتي على كم وجه؟
طالب: ثلاثة.
طالب آخر: أربعة.
الشيخ: أربعة؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: خمسة؟ طيب نعد الآن: أمّة بمعنى طائفة، مثاله هذه الآية، أمّة بمعنى إمام: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل: ١٢٠]، أمّة بمعنى زمن؛ قال: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف: ٤٥] أي: بعد زمن، هذه ثلاثة، الرابع: أمّة بمعنى طريقة مثل: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف: ٢٢]. والخامس؟
طالب: متبع السبيل.
الشيخ: متبع السبيل، كيف مثل؟
الطالب: يبعث بعض النبيين أمة واحدة يوم القيامة.
الشيخ: إيه، لا، هذا بمعنى طائفة. الخامس وين؟ أنا ما أذكر الآن إلا أربعة.
طالب: بمعنى قرن.
الشيخ: بمعنى أيش؟
الطالب: قرن يعني جيل من الناس.
الشيخ: بمعنى جيل؟ الأمّة: الطائفة من الناس..
طالب: الأجل.
الشيخ: الأجل، مثل؟
الطالب: آية هود.
الشيخ: مثل؟
الطالب: مثل آية من الآيات التي في سورة هود.
الشيخ: وهي؟
الطالب: إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ [هود: ٨]؛ أجله.
الشيخ: (...).
الطالب: (...) إلى أمة.
الشيخ: إلى أمّةٍ .. إذن نعم، نعم، لكن (أمة) ما يمكن أن تعود إلى..؟
الطالب: الأجل (...).
الشيخ: إلى الزمن.
الطالب: الأجل.
الشيخ: إلى زمن.
الطالب: الأجل.
الشيخ: أقول: ما يمكن أجعل (أمّة) بمعنى (زمن) مثل: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف: ٤٥]؟
هنا (أمّة) بمعنى طائفة، أُمَّةً وَاحِدَةً: على دين واحد وهو الإسلام.
فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ [البقرة: ٢١٣] الفاء هنا عاطفة، فهل المعطوف عليه مقدَّر ولَّا لا حاجة للتقدير لأنه مفهوم من السياق؛ لأن كونهم أمة واحدة ليس هو السبب في البعث، السبب في البعث الاختلاف، فقال بعضهم: إنه على تقدير محذوف: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا [يونس: ١٩] إلى آخره، واستدلوا أيضًا بأن السياق يدل عليه لقوله: لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة: ٢١٣].
وقال بعضهم: لا يحتاج إلى تقدير لفهمه من الآية، وعلى كل حال ما يهم، ولا شك أنه لا بد أن يكون المعنى أنهم اختلفوا فبعث الرسل، ونظير هذا مما يعيّنه السياق قوله تعالى: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ [البقرة: ١٨٥] هل المريض أو المسافر عليه العدة ولو صام؟ لا، إذن لا بد أن نقدر: فأفطر فعليه العدة.
قال: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ [البقرة: ٢١٣] بعث بمعنى أرسل، وأصله من الإخراج والإثارة، ولا شك أن الرسل عليهم الصلاة والسلام أن بعثهم إثارة وإخراج، فإن الله تعالى أوجدهم من بين هذه الأمم حتى هدى الله بهم من هدى.
فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ [البقرة: ٢١٣] وفيها قراءة: {النَّبِيئِينَ} بالهمزة، وكلاهما أو كلتاهما سبعيّتان.
بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَالمراد بالنبيين هنا الرسل لقوله: مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. وقوله: النَّبِيِّينَقلت: إنها تشمل الرسل، فهل هناك فرق بين النبي والرسول؟
الجواب: نعم، هناك فرق، والدليل على الفرق أن آدم نبي، وأن أول الرسل نوح، ولو لم يكن فرق لكان أول الرسل من؟ آدم.
إذن بينهما فرق، فما هو الفرق بين النبي والرسول؟ قيل: إن الفرق بينهما أن النبي من أوحي إليه بشرع ولم يُؤمر بتبليغه، بل تُعبِّد به، يتعبد من هنا بنفسه، ويكون كالمجدد للدين السابق، وأما الرسول فهو الذي أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه، وهذا هو رأي الجمهور، وهو فرق جيد جدًّا؛ لأن النبي من النبأ، وهو الخبر؛ فهو مخبَر، والرسول من الإرسال، وهو البعث إلى أحد تقول: أرسلت فلانًا؛ يعني بعثته ليبلغ عني، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: وقال بعض العلماء: إن الفرق أنه إذا كان من أتى بالوحي متمِّمًا لرسالة سابقة -يعني مجددًا لها- فهو نبي، وإن كان مستقلًّا برسالة فهو رسول، لكن هذا ينتقض علينا بماذا؟ بآدم؛ لأن آدم ما هو مجدد، فرأي الجمهور جيد في هذه المسألة.
وقوله: مُبَشِّرِينَحال. مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَمبشرين بماذا؟ بثواب الله عز وجل لمن استحقه،وَمُنْذِرِينَبعقاب الله من خالف أمر الله؛ قال الله تبارك وتعالى: لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا [الكهف: ٢] فهنا بينت الآية المبشَّر والمبشَّر به، من المبشَّر؟ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ، والمبشَّر به؟ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [الكهف: ٣- ٥] فالمنذَر هم الكفار، والمنذَر به العذاب.
وقوله: مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَهذان الحالان هما حالان مركبان أو منفردان؟
الجواب: مركبان؛ لأن الرسول يأتي بالبشارة والإنذار في آنٍ واحد ولَّا لا؟ يعني ليس أحد الرسل مبشرًا والآخر منذرًا، بل كل واحد جامع بين التبشير والإنذار.
وفي قوله: مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَدليل على أن ما سمي الآن من دعوة النصارى إلى دينهم بالتبشير أن هذه تسمية خاطئة كاذبة ناصبة، تصلى نارًا حامية، هذه أحق الناس بها من؟ الذين يدعون إلى دين الإسلام، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول لمن يبعثهم: «بَشِّرُوا وَأَنْذِرُوا» فيجب علينا معشر المسلمين أن نكون على يقظة من مثل هذه التسميات، ما نأخذها مجردة ونقول: والله، هذه البلاد شاع فيها التبشير، كثر فيها التبشير، المبشرون كثيرون، وما أشبه ذلك، هذا لا يجوز، لا يجوز أن نسلب هذا الوصف الحبيب إلى النفوس، نسلبه من عندنا وهو لنا ونعطيه إلى أعدائنا، وما نظير ذلك إلا نظير من اغترّ بتسمية النصارى بالمسيحيين؛ (المسيحيين) معناه أنك الآن أقررت بأنهم يتّبعون المسيح، كما إذا قلت: فلان تميمي؛ إذن هو من بني تميم، مسيحي على دين المسيح، المسيح ابن مريم يتبرأ من هذا الدين؛ لأنه كفر، فمثل هذه الكلمات ينبغي لطالب العلم أن يكون يقظًا من ناحيتها، وألَّا يقول: إن هذا اصطلاح عرفي، لا يقول هكذا، الاصطلاح العرفي الذي يُغيّر المفاهيم له ليس بمقبول، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ: العتَمَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ سَمَّاهَا فِي الْقُرْآنِ الْعِشَاءَ، وَإِنَّمَا يُعْتِمُونَ بِالْإِبِلِ» .
الرسول عليه الصلاة والسلام أمرنا ألَّا نغير هذا الاسم مع أنه ليس فيه خطورة كخطورة هذه التسمية للنصارى؛ أنهم مبشِّرون وأنهم مسيحيون، أعتقد الآن لو أن أحدًا قال عن اليهود: إنهم مُوسَوِيُّون، ويش يقولون الناس؟ يردون عليه، يقولون: موسى بريء منهم عليه الصلاة والسلام، فالمسألة هي هي لا فرق. مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ.
طالب: شيخ، قول الجمهور عندما فرقوا بين النبي والرسول، البعض يعترض عليهم بأن المؤمن يعني الدعاة يبلّغون، وبهذا يكون يعني أكمل من الأنبياء الذين لا يبلّغون؟
الشيخ: لا؛ لأنهم فقدوا الوحي.
الطالب: بس الدعاة يبلّغون، والأنبياء على هذا التعريف على هذا الفرق لا يبلّغون؟
الشيخ: نعم، ما يبلّغون؛ لأنهم ما أمروا بذلك؛ فهم مطيعون، أصل كمال العبادة في امتثال الأمر حتى لو أمرت بالشرك والقتل وفعلت فأنت عابد، ولهذا كان الملائكة عبادًا لله عز وجل بسجودهم لآدم وهو شِرك، وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام خليلًا للرحمن؛ لأنه أُمر بقتل ولده فامتثل.
طالب: شيخ، لكن في قوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّالرسالة للنبي، كيف ذلك؟
الشيخ: لا، هذا من باب إطلاق الرسالة على النبي، هذا من باب التغليب؛ لأنه قال: مِنْ رَسُولٍكما نقول: القمران، والعُمَران.
طالب: الدليل على أن آدم نبي مُرسَل؟
الشيخ: الدليل حديث أبي ذر عند ابن حبان وغيره أن الرسول قال: «إِنَّهُ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ». هذا بالنسبة للحديث وهو صريح، وأما في القرآن فواضح أن الله تعالى كلّمه وأمره ونهاه، وهذا وحي، ثم إنه لا بد له أن يتعبد، فبماذا يتعبد؟ العبادة ما تثبت بالعقل، لا بد فيها من وحي.
طالب: يا شيخ، أيضًا لو قلنا: (نصارى) بدل (مسيحيين)، يقولون النصارى: نعم نحن أنصار عيسى؟ أيش نقول؟
الشيخ: لا، أصل (نصارى) نسبة لبلد الناصرة؛ لأن (نصارى) ما هو معناه جمع (ناصر)، لا، لكن نسبة إلى هذا.
طالب: بعض (...) في تعريفه الرسول يقول: إنه أُمِر بالجهاد عليه (...) شرعًا (...)، فهل ذلك صحيح؟
الشيخ: لا.
الطالب: فما وجه ها ذاك؟
الشيخ: لأنه غير صحيح؛ لأن بعض الرسل أمروا بالجهاد، وبعضهم ما أمروا بالجهاد.
طالب: شيخ، بالنسبة لقولك تؤيده: لا يجوز وصف النصارى بأنهم مبشِّرون؛ لأن البشارة (...)، لكن الله تبارك وتعالى يقول: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١].
الشيخ: ويش الجواب على هذا؟ الجواب: أن البشارة إذا قُيدت فهي بما قُيّدت به، لكن أن تقول: هذا المبشِّرين بس! أنا أوافقك إذا قلت: هؤلاء المبشِّرون بالعذاب.
طالب: شيخ، تعرف شيخ للروافض يطلق عليهم (جعفريون)، فهل لهذا (جعفريين) نسبة إلى جعفر الصادق، وهو بريء منهم؟
الشيخ: على كل حال كل من انتسب إلى نبي أو رسول أو مؤمن أو ولي وهو مخالف له فإن نسبته إليه كاذبة.
يقول هنا: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّأَنْزَلَ مَعَهُمُالمعية هنا للمصاحبة، والمعية كلما أطلقت فهي للمصاحبة لكنها في كل موضع بحسبه أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَالكتاب هنا قلت قبل قليل: إنه يراد به الجنس؛ يعني: جنس الكتاب، وإلا فلكل رسول كتاب، وقد زعم بعض المفسرين أن قوله: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُأي: مع بعضهم، وقال: ليس كل الرسل معهم كتاب، ولكن هذا خلاف ظاهر القرآن، وقد قال الله تعالى في سورة الحديد: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد: ٢٥] فظاهر الآية أن مع كل رسول كتاب، وهذا هو مقتضى الحال حتى يكون هذا الكتاب الذي معه يبلّغه إلى الناس، ولا يرد على هذا أن بعض الشرائع تتفق في مشروعاتها وحتى في منهاجها لا يكون فيها إلا اختلاف يسير كما في شريعة التوراة والإنجيل، فإن هذا لا يضر، المهم أن كل رسول في ظاهر القرآن معه كتاب.
وقوله: (كتاب) بمعنى: مكتوب، فمنه ما نعلم أن الله كتبه، ومنها ما لم نعلم أن الله كتبه، لكن تكلم به؛ فالتوراة كتبها الله عز وجل؛ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٤٥]، وكذلك أيضًا في الزبور؛ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥]، القرآن الكريم ما ذكر الله تعالى أنه كتبه، وإنما ذكر أنه أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون وحيًا من الله تكلم به وألقاه إلى جبريل، ثم جبريل ألقاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن على كل حال الكل منزل من عند الله سواء كان مكتوبًا أو مقولًا؛ يعني سواء كان طريقه -أي: طريق إنزاله- على وجه الكتابة أو على وجه القول والوحي يوحيه الله عز وجل إلى جبريل ثم ينزل به جبريل إلى من أرسله الله إليه.
وقوله: أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَالقرآن من الكتب، أو لا؟ وقد ذكرنا فيما سبق أنه سمي كتابًا لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، ولأنه مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، ولأنه مكتوب في الصحف التي بأيدينا، وسبق لنا أن الكتاب (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)، وأن فِعال تأتي بمعنى مفعول في اللغة العربية كثيرًا، وضربنا لذلك أمثلة بمثل: فراش، وبناء، وغراس، وكساء، وما أشبهها.
وقوله: بِالْحَقِّهل هي متعلقة بـ(أنزل)؟ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ؟ يعني الكتاب جاء بالحق، أو أنها حال من الكتاب، يعني متلبسًا بالحق؟ هذا هو الأخير مع أنهما متلازمان، ما دام أنه متلبس بالحق أن الكتب هذه كلها حق فهي إذن نازلة من عند الله حقًّا؛ لأن الله هو الحق ولا ينزل منه إلا الحق سبحانه وتعالى.
وقوله: بِالْحَقِّأي: الثابت، الثابت النافع، وضده الباطل الذي يزول ولا ينفع، فما هو الحق الثابت للكتب المنزلة من عند الله؟ نقول: بالنسبة للأخبار الحق فيها هو الصدق، لأن الخبر؛ يعني: إذا قلت: هذا الخبر حق؛ يعني: صدقًا مطابقًا للواقع، وأما الحق في الأحكام فإنه العدل والنفع، وعلى هذا قال الله سبحانه وتعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥] الكتب اللي من غير الله فيها تناقض، والتناقض إبطال الشيء بالشيء؛ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، ولهذا يقولون في باب المناظرة في العلم: إن من أكبر ما تخصم به مجادلك أن يكون قوله متناقضًا، إذا كان القول متناقضًا فليس بصحيح؛ لأن القول الحق لا يمكن يتناقض، لا يمكن يتناقض أبدًا بل هو مطرد، بل أنت بنفسك إذا أردت أن تختار قولًا من الأقوال ثم وجدت أن هذا القول الذي تميل إليه يتناقض فاعلم أنه غير صحيح وإن كان في أول الأمر يتراءى لك أنه صحيح، لكن إذا عرفت أنه يتناقض فاعلم أنه ليس بحق؛ لأن الحق لا يمكن أن يتناقض، فهنا نقول: بِالْحَقِّهل المعنى أن نزوله بالحق فيكون متعلق بـ(أنزل)؟ يعني: أنه حق من عند الله لا من عند غيره، أو أن المعنى متلبسًا بالحق؛ أي أنه مشتمل على الحق في الكتابة؟
طلبة: كلا الأمرين.
الشيخ: قلنا: كلا الأمرين، كلا الأمرين حق؛ أما الأول فواضح؛ فإن الكتب التي جاءت بها الرسل من عند الله لا شك فيها، وأما الثاني فكذلك؛ لأن من تأمل ما جاءت به هذه الكتب وجده صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام.
ثم قال عز وجل: لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِلِيَحْكُمَذكرت أن فيها ثلاثة آراء، هل الفاعل الله، أو الفاعل الرسول، أو الفاعل الكتاب؟
منهم من قال: إن الفاعل هو الله أي: ليحكم الله، قال: لأن الضمائر ينبغي أن تكون متسقة على مجرى واحد: فَبَعَثَ اللَّهُوَأَنْزَلَ مَعَهُمُلِيَحْكُمَتكون الضمائر كلها تعود على من؟ على الله؛ ليكون السياق متسقًا، ومعلوم أن الله تعالى هو الحاكم، حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والرسل لا يحكمون إلا بحكمه، والكتب علامة ودليل على حكم الله عز وجل، وإلا فالأصل أن الحكم إلى من؟ إلى الله سبحانه وتعالى، والذين قالوا لِيَحْكُمَأي: الكتاب، قالوا: لأنه طريق الحكم، ونحن لا نعلم أن هذا حكم الله إلا بواسطة الكتاب المنزل فهو حاكم؛ لأنه وحي الله عز وجل، والحقيقة حتى على هذا القول فإن المرجع إلى أي شيء؟ إلى الله، المرجع إلى الله.
أما قوله: لِيَحْكُمَأي: النبي، فهذا أوردنا عليه إشكالًا من جهة أن (النبيين) جمع وهذا مفرد، ولو كان عائدًا إلى النبيين لقال: ليحكموا بين الناس، وأجبنا عن ذلك بأن النبيين جمع، والجمع دال على أفراد، والمعنى: ليحكم كل واحد منهم بين الناس، ومنه على رأيٍ قوله تعالى: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان: ٧٤] ما قال: واجعلنا للمتقين أئمة، مع أن (نا) تدل على الجمع، قال: اجْعَلْنَااجعل كل واحد منا إمامًا للمتقين.
طالب: شيخ، القول الأول لِيَحْكُمَأنها تعود إلى الله لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ، هل هذا حق لحكم الله بالكتاب؟
الشيخ: معلوم من الناحية الشرعية، الحكم الشرعي ما يُعرف إلا بالكتاب الذي أنزله الله، أما الحكم القدري ما هو موضوع هذه الآية.
قال: لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِاختلف الناس، فبعضهم قال: الحق كذا. ومشى معه، وبعضهم قال: الحق كذا. ومشى معه.