تفسير سورة البقرة - 58
عدد الزيارات 2863

وقوله: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَهل يؤخذ من هذا اللفظ أنه لا بد أن يكون الطلاق على وجه شرعي؟
الجواب: نعم؛ لأن الطلاق هنا مطلق، وما أُطِلَق في الكتاب والسنة فإنه يحمل على الحقيقة الشرعية، فالنكاح والبيع والصلاة والصيام وغيرها كلها تطلق على أيش؟ على الحقائق الشرعية، وعلى هذا فلا بد أن يكون الطلاق على وجه مباح شرعًا.
فإن طَلَّق في حال الحيض فإنه على القول الراجح: لا يقع الطلاق، وعلى قول الجمهور: يقع، ولكنه يقال له: راجع زوجتك كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن عمر أن يراجع زوجته .
ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات أربعة أسماء من أسماء الله، وهم: الغفور، والرحيم، والسميع، والعليم، وما تتضمنه هذه الأسماء من الصفات.
ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٢٧].

***

(...) مبتدأ، والخبر أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ.
وأَحَقُّكما نعلم جميعًا اسم التفضيل، واسم التفضيل لا بد فيه من مُفضَّل ومفضل عليه، فالبعولة أحق بردهن ممن؟
من غيرهم؟ غيرهم لا حق لهم في الرجوع إطلاقًا، غير الأزواج لا حق لهم في الرجوع، أحق بردهن من أنفسهن، فتفيد الآية أنه لو عارضت الزوجة، وقالت: لا أريد الرجوع، فإن اعتبار قول الزوج أحق من اعتبار قول الزوجة؛ ولهذا لا يشترط في الرجعة رضا الزوجة، فيثبُت الرجوع سواء رضيت الزوجة أم كرهت.
وقوله تعالى: أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَذا اسم إشارة، والمشار إليه؟ القروء الثلاثة، أي في ذلك الزمن أو في ذلك المذكور، ولا يصح أن تعود الإشارة إلى القروء باعتبار اللفظ، وإلا لقال في تلك، يعني: في تلك القروء، لكنه يُفسَّر مرجع الإشارة إما بالزمن أو بالمذكور في ذلك المذكور.
وقوله سبحانه تعالى: إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًاإِنْ أَرَادُواالضمير يعود على البعولة.
إِصْلَاحًايعني: ائتلافًا، والتئامًا بين الزوج وزوجته، وإزالة لما قع من الكسر للمرأة بالطلاق، وما أشبه ذلك، فهذا شرط للأحقيَّة إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا.
وهل المراد بذلك توجيه الزوج إلى إرادة الإصلاح، وليس بشرط للأحقية في الرجعة؟ أو إنه شرط للأحقية في الرجعة؟
على قولين لأهل العلم، أكثر العلماء يقولون: إن هذا توجيه من الله عز وجل للإرادة المطلوبة المحبوبة وهى إرادة الإصلاح، ولكنها ليست بشرط لصحة الرجعة، وأنه لو أراد بذلك الإضرار فالرجعة ثابتة ولكنه لا يملك أكثر من ثلاث، ولكن هذا خلاف ظاهر اللفظ، والصواب أن إرادة الإصلاح شرط للرجعة، وأن الزوج إذا لم يصلح(...)، بل الواجب أن يكون إرادته في المراجعة الإصلاح.
والإنسان في مراجعة الزوجة بعد الطلاق لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن يريد الإضرار بها، أو يريد الإصلاح، أو يريد إشباع رغبته بالرجوع إلى زوجته، ولا يَهُمه يمكن يراجعها يستمتع بها مدة، ثم يطلقها ثانية.
فإذا أراد الإضرار فلا شك أن رجعته لا تَصِح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» ولقوله: «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ» ، ولأن هذه رجعة ليست على أمر الله ورسوله؛ فإن الله تعالى لا يريد الإضرار فلا تكون صحيحة ولا تُقْبل منه ولا ترجع الزوجة بها.
وتارة يريد الإصلاح إصلاح ما فسد بينه وبين زوجته بهذا الطلاق والالتئام والائتلاف فهذا لا شك أنه مشروع وأحق بالرجعة.
وتارة لا يريد هذا ولا هذا، فهو محل احتمال قد يقال: إن الآية بَيَّن الله فيها أكمل الحالات، وأن من لم يرد لا إضرارًا ولا إصلاحًا فله الرجعة، وقد يقال: إننا نأخذ بظاهر الآية، ولا يكون له رجعة في ذلك حتى يريد الإصلاح.
وقوله: إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًاهل هناك فرق بين الصلاح والإصلاح؟
طالب: نعم.
الشيخ: ويش الفرق؟
الصلاح لازم، والإصلاح مُتعدٍّ.
ثم قال: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ
لَهُنَّأي: للزوجات سواء كُنَّ مطلقات أو مُمْسَكَات.
لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّفكما أن على الزوجة أن تتقيَ الله تعالى في حقوق زوجها، وأن تقوم بما فرض الله عليها، فلها أيضًا مثل الذي عليها في أنه يجب على الزوج أن يعاشرها بالمعروف، وأن يقوم بحقها الذي أوجب الله عليه.
وقد ذكَّر الله الأزواج بهذه الحال في قوله: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء: ٣٤] فلا يحملنكم عُلُّوكم على الزوجات وفضلكم عليهن أن تجوروا عليهن إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء: ٣٤].
قال: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّولما كانت المماثلة تقتضي المساواة أخرج ذلك بقوله: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، فالرجال وإن كان النساء يشاركن الرجال في الحقوق، لكن للرجال درجة عليهن في أحكام الله الشرعية والحقوقية العامة والخاصة، فالرجل أكمل من المرأة عقلًا وتصرُّفًا وبعد نظر، ولهذا يُشترط في جميع الولايات العامة أن يكون المتولِّي رجلًا، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً».
أيضًا للرجال عليهن درجة في الأمور الشرعية، فالرجل أكمل دينًا من المرأة، وعليه من الوظائف الدينية ما ليس على المرأة كالجهاد في سبيل الله ونحوه ولَّا لا؟ هذه من الدرجات، للرجال عليهن درجة في القوة الجسمية، فإن جسم الرجل أقوى وأعظم من جسم المرأة كما هو مُشاهد، ولا يرد على هذا بعض الأفراد؛ لأن المعتبر الجنس وإلَّا يوجد من بعض النساء من هي أقوى من بعض الرجال لا شك في هذا، لكن المعتبر الجنس العام.
كذلك للرجال عليهن درجة بالنسبة للحقوق الخاصة حقوق الزوجية، ولهذا يعتبر الزوج سيدًا للزوجة كما قال الله تعالى: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف: ٢٥]، وتعتبر الزوجة بالنسبة للزوج أسيرة «اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ» ؛ ولهذا يجب عليها من طاعته ما لا يجب على الزوج من طاعتها ولَّا لا؟ كما قال الله تعالى: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ [النساء: ٣٤] فجعل وظيفتهن الطاعة؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الرَّجُلُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» فهذه ولاية خاصة.
للرجال عليهن درجة في أنه يجب أن يكون المنَّة للرجال على النساء، وذلك في وجوب النفقة كما قال تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء: ٣٤]
للرجال عليهن درجة في الميراث والعطية؛ فإن الرجل يُعطَى كما تعطى المرأتان ولَّا لا؟ إلا فيما إذا كان سبب الميراث الرحِمَ المجردة دون العصوبة، يعني: رحم لا عصوبة فيها، فإنه يتساوى الرجال مع النساء مثل: الإخوة لأم؛ لإن الرجال والنساء يتساوَوْن، وكذلك على المشهور من مذهب ذوي الأرحام فإن الرجال والنساء سواء في الميراث.
وقد سبق لنا أن الصواب أن ذوي الأرحام ينبني ميراثهم على من أدلَوْا به، فإنْ أَدْلَوْا بمن يُفضل ذكرهم على أنثاهم فُضِّل ذكرهم على أنثاهم، وإن أَدْلَوْا بمن لا يُفْضَل ذكرُهم على أنثاهم لم يفضلوا.
المهم أن الرجال لهم على النساء درجة كونية قدرية وشرعية ولَّا لا؟ سواء كانت عامة أو خاصة.
وفي قوله: لِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌبعد قوله: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّفيه أسلوب من أساليب البلاغة ما هو؟ الاحتراس.
وله نظائر مثل: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا [الحديد: ١٠] ثم قال: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠].
لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [النساء: ٩٥] وله أمثلة، المهم أن هذا من باب الاحتراس حتى لا يذهب الذهن إلى تساوي الرجل والمرأة من كل وجه.
وسيأتينا في الفوائد أن هذه الآية تدمغ رؤوس الذين يقولون: بوجوب التسوية بين الرجال والنساء في الحقوق ولَّا لا؟ لأن القائل هنا: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌمَنْ؟ الله الخالق عز وجل الذي هو أحكم الحاكمين وأعدل العادلين.
وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌعَزِيزٌاسم فاعل للمبالغة، أو هي صفة مشبهة وهو أَوْلَى، لأن العزة شيء واحد ما فيها تكاثر، فنقول: للمبالغة فهي صفة مشبهة، مأخوذة من أين؟ من العزة،
قالوا: العزيز من أسماء الله له ثلاثة معان: عزيز في قَدْره، وعزيز في قَهْره، وعزيز في امتناعه.
فهي ثلاثة معان: عزة القدر، وعزة القهر، والثالث؟ عزة الامتناع.
أما عزة القدر فمعناه: أنه سبحانه وتعالى قَدْره لا نظير له،كما نقول: هذا الشيء عزيز. يعني قليل، فلا أحد يعادل الله سبحانه وتعالى أو يساويه في القدر.
وأما عزة القهر فلا أحد يغلبه، بل هو سبحانه وتعالى القاهر لكل شيء؛ ولهذا نقول: فلان عزيز يعني غالب.
ونقول: يعز من يشاء ويذل من يشاء، عزة الامتناع يعني يمتنع أن يناله سبحانه وتعالى سوء، قالوا: وهذا مأخوذ من الأرض العَزَاز، العزاز: يعني الصلبة والقوية، وفي اللغة العامية تقول إنها (عَزَا) ما نجيء بالزاي؛ فالعزيز له ثلاثة معان.
الحكيم نقول: مشتق من الحكم والحكمة، والحكم نوعان: كوني، وشرعي، والحكمة نوعان: صُورِيَّة، وغائية، يعني كون الشيء على هذه الصورة حكمة والغاية منه حكمة أخرى، واضح؟
فنبدأ أولًا بالحكم، الحكم كوني وشرعي، مثال الكوني من القرآن: قوله تعالى: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠] يعني: كونًا يقدر لي ذلك.
وهل مِثْل ذلك قوله تعالى: فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [الأعراف: ٨٧]؟
وكذلك: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا [الأعراف: ٨٩].
الحكم الشرعي مثل قوله تعالى في سورة الممتحنة قال: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠] هذا حكم شرعي.
والأحكام الشرعية كم أنواعها؟
الطلبة: خمسة.
الشيخ: خمسة، واجب، ومحرم، ومندوب، ومكروه، ومباح، هذه الأحكام الشرعية.
الفرق بين الحكم الشرعي والحكم الكوني: الفرق بينهما من وجهين: أن الحكم الشرعي يَتَعَلَّق فيما يحبه الله ويكرهه، إن كان أمرًا فهو فيما يحبه، وإن كان نهيًا فهو فيما يكرهه، هذا الفرق، الحكم الكوني يكون فيما يحبه ويكرهه وما لا تتعلق به محبة الله ولا كراهته.
الفرق الثاني: أن الحكم الكوني لا بد من وقوعه، والحكم الشرعي قد يقع وقد لا يقع، بمعنى: أنه قد يُنَفَّذ وقد لا ينفذ، لكن الحكم الكوني لا بد أن ينفذ؟ إي نعم، لو حكم الله على شخص بمرض لا بد يمرض مهما كان، ولو هو أكفر الناس وأعتى الناس، ولو حَكَم الله على شخص بأن يقوم بكذا وكذا شرعًا فقد يقوم به وقد لا يقوم.
كل الأحكام الكونية أو الشرعية كلها مبنية على الحكمة، وهذه المرحلة الثانية التي ننتقل إليه وهي الحكمة، قلت: إنها صورية وغائية.
فكون الشيء على هذه الصورة المعينة هذا حكمة، ثم الغاية منه حكمة أخرى، فالحكمة مقارنة للحكم الكوني والشرعي، لكن من الحِكَم ما نعلمه ومنها ما تَتَقَاصر أَفْهامُنا عنه، إلا أننا نؤمن بأن كل فعل يفعله الله وكل حكم يحكم به شرعًا فهو موافق الحكمة بلا شك.
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌقَرْن الحكيم دائمًا بالعزيز ويش الفائدة من ذلك؟
طالب: كما قال الأعرابي أنه عَزَّ فحكم، كانت له القدرة فكان له التشريع، على أن تقترن العزة بالحكمة.
الشيخ: وأيضًا؟
طالب: العزة مقرونة بحكمته.
الشيخ: بحكمته بخلاف عزة الآدمي، قد تقرن بالطيش والعتو والعناد، فإذا غلب وعَزَّ على غيره فعل بهم ما لا تقتضيه الحكمة، أما الله عز وجل فإن الأمر بخلاف ذلك عزته مقرونة بحكمته.
طالب: شيخ، قوله تعالى: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة: ٢٢٨].
الشيخ: (...).
طالب: قول الله سبحانه وتعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ [البقرة: ٢٢٨] ما الذي عليهن؟
الشيخ: عليهن ما يجب من معاشرة الزوج.
الطالب: سمعت أنا تفسير لابن عباس أنه التحسن والتزين؟
الشيخ: إيه، هذه من المعاشرة.
طالب: لكن ما يكون خاص؟
الشيخ: لا، عام، التجمل والتزين والملاطفة في القول والفعل.
ثم قال تعالى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِلما ذكر حُكم المطلقات ذكر حكم الطلاق، فقال: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِوهذه لا بد أن يكون فيها تقدير، يعني: الطلاق الذي فيه الرجعة مرتان.
وليس المعنى أن الطلاق المشروع طلقتان، كما يظن بعض العامة، قال: اكتب إني طلقت امرأتي. قلنا: تكفي طلقة واحدة. قال: لا اكتب طلقتين، الله يقول: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ [البقرة: ٢٢٩] فالمشروع أن تكتب طلقتين، هذا خطأ.
إذ إن الآية معناها: الطلاق الذي يملك به الرجل الرجعة مرتان؛ لأنه لما قال: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَبَيَّن ما هو الطلاق الذي يكون به الزوج أحق برد زوجته، فقال: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِشوف كلمة مرتان، تعني: أنه مرة بعد مرة وليس كلمتين، ما قال: الطلاق كلمتين، قال: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِفيكون طلاق ثم رجعة أو عقد، ثم طلاق.
وأما إذا قال: أنت طالق مرتين، أو أنت طالق ثلاثة مثلًا، فهل طَلَّق مرتين؟ لا، وإلا لقلنا: إن الإنسان إذا انتهى من صلاته قال: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر ثلاثا وثلاثين، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك واله الحمد وهو على كل شيء قدير، جه قام؟ يحصله ثلاث وثلاثين؟
الطلبة: ما يحصل.
الشيخ: نعم، ما يحصل، لو قال مثلًا: سبحان الله ألف مرة؟
طالب: مرة.
الشيخ: مرة واحدة، ما يقال، كما لو قال: أبغي أصلي ركعة عن أربع ركعات، يصلح؟ ما يصلح، لكن سيرد عليكم الآن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ رَضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ» أيش نقول في هذا الحديث؟
طالب: نقول: العدد غير منته.
الشيخ: لكن عَدَدَ خلقه، هل المعنى الآن أسبح عدد الخلق؟ أو معناه كل خلق من مخلوقات الله فإنه متضمن لتنزيه الله وحمده، إذا قلنا: بهذا التقدير صار المعنى أن الإنسان يشعر بأن كل المخلوقات أجناسها وأنواعها وأفرادها كلها مقرونة بالتسبيح والتحميد، بمعنى: أنها على وَفْق الحكمة التي خلقت عليها وأنه ليس فيها عبث، بل هو مُنَزَّه سبحانه وتعالى عن العبث.
قوله: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِبعد الآية هذه يكون ناسخًا لما سبق؛ وعلى هذا فيكون قوله: وَبُعُولَتُهُنَّعائدًا على المطلقات مطلقًا بدون استثناء.
وسبق لنا أنه يشترط لجواز مراجعة الزوج زوجته أن يريد الإصلاح، وأنَّ هذا الشرط الذي دل عليه القرآن ليس بشرط عند الفقهاء، وأن له أن يراجع، ولو كان لا يريد الإصلاح، لكن يراجع مرتين وفي الثالثة لا رجعة.
ولكن الصواب أن ما دل عليه القرآن، وسبق لنا أن المرأة لها من الحقوق مثل ما عليها، يعني: كما أن عليها أن تعاشر الزوج بالمعروف، فلها أيضًا أن يعاشرها زوجها بالمعروف، ولهذا قال ابن عباس: إني لَأَتَزَيَّن لامرأتي كما أحب أن تَتَزَيَّنَ لي.
وسبق لنا أن الله عز وجل لما قال: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِوكان قد يتوهم واهم تساوي المرأة والرجل، احترز من ذلك بقوله: وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، وبينا أنَّ هذه الدرجة في العقل والدين، والقوة الجسمية، والولاية، والميراث.
طالب: والعطية.
الشيخ: والعطية هي مبنية عليها، المهم أن الرجل يَفضُلها نعم، وعلى هذا فيكون العدل ما جاء به القرآن خلافًا لمن يقول: إن الدين دين مساواة.
وسبق لنا أن الله عز وجل ختم الآية بالعزة والحكمة؛ حتى لا يتعالى الرجل عليها فإذا علم أن فوقه من هو عزيز غالب؛ فإنه يعرف قدر نفسه ويعاملها بما يجب عليه فيها.
وسبق لنا قوله: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ.
(...) الطَّلَاقُ مَرَّتَانِأي مرة بعد مرة، وهذا يدل على أنه لا طلاق يتبع طلاقًا لأن الطلاق إذا تبع الطلاق فقد ورد على امرأة مطلقة فلا أثر له؛ ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله: لو أن رجلًا طلق امرأته طلاقًا رجعيًا، ولما حاضت مرتين طلقها، فإنها لا تستأنف العدة بل تبني على عدة الأَول، وإذا كان كذلك صار أثر الطلاق الثاني لا شيء؛ لأنها لم تستأنف به العدة، ولهذا كان القول الراجح: أنه لا يقع طلاق فوق طلاق إلا بعد مراجعة ترجع به الزوجة إلى نكاح زوجها، أو بعد عقد جديد إذا تمت العدة وعقد عليها عقدًا جديدًا، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ولنا في ذلك رسالة مختصرة في بيان أن هذا القول هو القول الراجح المتعيِّن أنه لا طلاق يَتْبَع الطلاق، فلو قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق أنت طالق ست مرات فهي واحدة، وهذا هو الذي تدل عليه الآية الكريمة، وكذلك الحديث الذي رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد .
ثم قال الله تعالى: فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍإِمْسَاكٌمبتدأ خبرها محذوف، وإنما حُذِف الخبر ليصحَّ تقديره على الوجهين: فلهن إمساك، أو فعليكم إمساك، ليصح التقديران؛ لأن الإمساك واجب على الزوج لمن؟ للزوجة.
فَإِمْسَاكٌأي: فعليكم إمساك، أو فلهن إمساك بمعروف، أي: بما يتعارفه الناس من العشرة الطيبة الحسنة، فإذا طلقها وشاء أن يُراجع فلا بد أن تكون المراجعة بمعروف؛ كما في قوله: إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًاوهذا هو الواجب.
أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍتَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍاختلف المفسرون فيها، هل المراد بها الطلقة الثالثة؟ وأن في الطلقتين الأوليين إمساك، وليس في الثالثة إلا تسريح، أو أن المراد إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍفي الطلقتين الأوليين، يعني: إما أن يمسك ويَرُدَّها إلى نكاحه، وإما أن يستمر في الطلاق، فلا يراجع ويكون ذلك تسريحًا بإحسان.
وقد رُوِي في المعنى الأول حديث لكنه ضعيف؛ أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ هِي الطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ» ، لكنه ضعيف.
وقد سبق لنا أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا يتنافيان حُمِلَت عليهما جميعًا، فإن كانا يتنافيان؟ طُلِب المرجح، فأيهما كان أرجح وجب الأخذ به.
إذن كيف يكون على المعنى الأول إمساك بمعروف؟ ما معناه؟ المعنى الأول إمساك بمعروف أي: مراجعة، المراد بالإمساك المراجعة، والتسريح المراد به الاستمرار في الطلاق حتى تتخلَّص منه بانتهاء العدة.
وعلى القول الثاني: إمساك بمعرف أي: لكم في الأُولَيَيْن إمساك بمعروف أي مراجعة، وفي المرة الثالثة ليس لكم إلا تسريح بإحسان.
والمعنيان لا يتنافيان فتكون الآية شاملة لهما جميعًا صالحة، يعني: لكم الإمساك بالمعروف بالمراجعة ولكم التسريح بالإحسان بعدم المراجعة.
ثم تأمل قوله تعالى: إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍتجد أن الله تعالى جعل الإمساك بالمعروف؛ لأنه سيردها إلى عصمته، والواجب على المرء أن يعاشر زوجته بماذا؟ بالمعروف لا بالإحسان، لكن في التسريح قال: بِإِحْسَانٍلأن في التسريح كسرًا لقلبها، لا سيما إذا كانت تحب الزوج، فناسب أن يقابل ذلك الكسر بماذا؟ بالإحسان؛ ولهذا جعل التسريح بإحسان فقال: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍأو هنا للتخيير، أي تخيير هو؟ تخيير مصلحة ولا تَشَهِّي؟
طالب: تشهي.
الشيخ: نشوف حسب الضابط اللي مر علينا؛ إذا كان المقصود به التيسير على المكلف، وأنه عائد إلى رأيه وإلى اختياره فهو تخيير تَشَهِّي، يعني: أنت تشتهي افعل، وإذا كان يعود إلى مصلحة الغير، فهو تخيير مصلحة، فهنا؟
الطلبة: مصلحة الظاهر.
الشيخ: خضوها حتى نعرف الزبدة، الآن هل الزوج هو المخيَّر إن شاء استمر في طلاقه وسرَّحها بإحسان وإن شاء راجع؟ أو نقول: يجب عليك أن تنظر المصلحة فإذا كانت مصلحة الزوجة في الرجوع يجب عليك أن تراجع؟
طالب: الأول.
طالب: الأخير.
الشيخ: الأخير؟ لا، الأخير كان معناه ويش الفائدة من الطلاق؟ إذا قلنا: إنه يجب أن تنظر إلى مصلحة الزوجة ذاك مصلحة المراجعة، لازم تراجع، إذن، لأيش يطلق من الأصل؟ فهو تخيير تشهِّي، لكن هذا التخيير إذا لم يُرِد الإصلاح به فقد سبق أنه لا يجوز.
طالب: الفاء في فَإِمْسَاكٌ.
الشيخ: للتفريع، يعنى تفريعًا على ما سبق يجب الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان.
طالب: شيخ، ما نقول في التشهي (...)؟
الشيخ: لا، بس التشهي مشروط بالمصلحة يعني معناه: أنك لا يجوز لك أن ترجع إلا إذا أردت الإصلاح.
ثم قال: وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة: ٢٢٩] وفي قراءة: {إِلَّا أَنْ يُخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} بالبناء للمجهول، ففيه قراءتان سبعيتان: بالبناء للمجهول، والبناء للمعلوم.
لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّمن مَهر أو غيره؛ لأن الزوج يُعطي زوجته المهر ويعطيها هدية في أيام الزواج، ويعطيها هدية بعد ذلك، ويُعطيها نفقة واجبة في مقابل الاستمتاع، فلا يحل له أن يأخذ مما آتاها، أي: على أي وجه آتاها إياه.
وقوله: آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا.
آتَيْتُمُوهُنَّهذه بمعنى أعطيتموهن، وهي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فالهاء في آتَيْتُمُوهُنَّمفعولها الأول، وشَيْئًامفعولها الثاني. نعم، تثبتون على هذا؟
طالب: لا يا شيخ.
الشيخ: كيف؟ شَيْئًا، ويش اللي ناصبها؟
طالب: تَأْخُذُوا.
الشيخ: تَأْخُذُواصح، إذن مفعول آتى الثاني محذوف، التقدير: مما آتيتموهن إياه، وهو العائد على الموصول؛ لأن ما اسم موصول يحتاج إلى عائد، العائد محذوف تقديره: إياه.
إذن شَيْئًاويش اللي ناصبها؟
طالب: تَأْخُذُوا.
الشيخ: تَأْخُذُوا، يعني: لا يحل لكم أن تأخذوا شيئًا مما أتيتموهن إياه.
وقوله: وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًاهل المراد عند الطلاق أو مطلقًا؟
الآية عامة سواء عند الطلاق أو مطلقًا، أما كونه عند الطلاق فظاهر؛ لأن الطلاق عائد إلى الزوج وهو يراعي مصلحته فكيف يأخذ من الزوجة ما أعطاها، وأما في غير حال الطلاق فلقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»
مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة: ٢٢٩] يَخَافَابمعني: يتوقعا ويخشيا.
أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِأي: شرائع الله بما يَلْزَمُهما لكل واحد على الآخر، فإن خافت الزوجة أن لا تقوم بحق الزوج، أو خاف الزوج أن لا يقوم بحق الزوجة فحينئذ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ.
أما على قراءة: {أَنْ يُخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} فهنا يكون الخائف مَنْ؟ الزوجين أو غيرهما؟
غيرهما {إِلَّا أَنْ يُخَافَا} يعني: إلا أن تخشَوْا أنتم أن لا يقيما حدود الله، وعلى من يرجع الخوف، هنا هل هو على ولي الأمر كالقاضي والأمير أو على الأهل أهل الزوجين، أو على كل من علم بحالهما وأنه لا يمكن أن يستقيما على أمر الله فله أن يتدخل ويعرض الخلع؟
الظاهر: الثاني العموم؛ ولهذا قال: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَاولم يقل: فإن خَافَا أن لا يقيما حدود الله، قال: فَإِنْ خِفْتُمْوهذا يؤيد القراءة التي بالبناء للمجهول {إِلَّا أَنْ يُخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ}، ويش قلنا: الحدود هي؟
طالب: الشرائع.
الشيخ: الشرائع، بأن يخاف الزوج أن لا يقوم بحقها، أو الزوجة أن لا تقوم بحقه.
قال: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، والخطاب في قوله: خِفْتُمْيَعُمُّ كل الأمة، ولكن لا شك أن الأخص بالزوجين هم الأهل، والجيران، والأصدقاء وما أشبه ذلك، فإذا عَلِم هؤلاء القوم أنه لا يمكن أن تستقيم العشرة بين الزوج وزوجته فحينئذ يُعْرَض الخلع، وإِلَّا فلا يجوز للإنسان أن يتدخل بين الزوج وزوجته.
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِأي: الزوجان فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ.
قوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَاأي: على الزوجين أي: لا إثم، قد تقول: لماذا جاءت بالمثنى؟ والمُتَوقع أن يقال: فلا جناح عليه، أي على الزوج، فيما افتدت به الزوجة فَأَخَذَه؛ لأن النهي بالأول وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًافكان مقتضى السياق أن يقول: فلا جناح أيش؟ عليه، أي: على من قيل له: لا يحل لك أن تأخذ شيئًا، لكن هنا قال: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ، فما هي الحكمة من اختلاف التعبير أو من إتيان السياق على غير ما نتوقع؟
نقول: لأن طلب الفداء حرام على الزوجة بدون سبب، وحرام على الزوج أيضًا بدون سبب، فالزوج لا يَحِلُّ له أن يأخذ شيئًا مما آتاها بدون سبب، وهي أيضًا لا يحل لها أن تطلب الفداء والطلاق بدون سبب؛ ولذلك ورد الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَيُّما امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» ؛ ولهذا جاءت الآية: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَاأي: على الزوج والزوجة، فالزوج لا يتأثم فيقول: أنا أخذت من مالها أو أخذت مما أعطيتها، وهي لا تتأثم بطلبها أيش؟ بطَلَبِها الخُلع.
قال: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِفِيمَاأي: في الذي افْتَدَتْ بِهِ، افتدت به أيش؟ افتدت به نفسها، وكأن هذه المرأة اشترت نفسها من زوجها، فجعلت العوض فداء عن نفسها.
وقوله: فِيمَا افْتَدَتْ بِهِما اسم موصول يفيد العموم أي: فلا جناح عليهما فيما افتدت به نفسها من قليل أو كثير.
وقيل: فيما افتدت به مما آتاها؛ لأنه قال: وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا، لكن قال: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِأي: مما آتيتموهن، فيكون هذا العموم مرادًا به الخصوص، أي: فيما افتدت به مما آتيتموهن؛ ولذلك اختلف العلماء كما سنذكر إن شاء الله في الفوائد؛ هل يجوز أن يخالعها بأكثر مما أعطاها أو لا يجوز؟ بناء على أن هذا العموم على إطلاقه، أو أنه عام أريد به الخصوص؟ فإذا قلنا: إنه عام أريد به الخصوص فإنه لا يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، وإذا قلنا: إنه عام مطلق فيجوز.
ثم قال: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِوقوله: فِيمَا افْتَدَتْ بِهِلا يعني أنه لا يجوز بذل العوض إلا من الزوجة، عوض الخلع؛ لأنه يجوز أن يبذله غيرها كما سنذكر إن شاء الله في الفوائد.
ثم قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِتِلْكَالمشار إليه ما سبق من الأحكام والشرائع.
حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَاحُدُودُ اللَّهِيعني: شرائعه.
وقوله: فَلَا تَعْتَدُوهَاأي: فلا تتجاوزوها.
تأمل أن الله عز وجل أحيانًا يقول: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا [البقرة: ١٨٧]، وأحيانًا يقول: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا [البقرة: ٢٢٩] فما هو الفرق؟
قال العلماء: إذا كانت الحدود مما يجب فعله قال: فَلَا تَعْتَدُوهَا، وإذا كانت الحدود (...) قال الله فيها: لَا تَقْرَبُوهَا [البقرة: ١٨٧]، وإذا كانت أوامر قال: لَا تَعْتَدُوهَايعني: لا تخرجوا عنها؛ لأن الأوامر مَحُوطة ومُحِيطة بالإنسان، لا يمكن أن يخرج عنها، وهنا اللي معنا أوامر ولَّا نواهي؟ أوامر، فيها أوامر.
فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍفَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِبل فيها قبل أيضًا الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ.
ثم قال: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَمَنْاسم شرط جازم، ويَتَعَدَّفعل مضارع منصوب بمن وعلامة نصبه فتحة ظاهرة في آخره.
طالب: أليس مجزومًا؟
الشيخ: ما هو مجزوم يا أخي؟ يتعدى، مفتوح الآن، طيب مجزوم؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: كيف؟ ويش الدليل على أنه مجزوم؟
طالب: أصله يتعدي.
الشيخ: أصله يتعدى بالألف، إذن يكون مجذوم، وعلامة جزمه حذف الألف والفتحة قبلها دليل عليها.
مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَإذن مَنْاسم شرط جازم، ويَتَعَدَّفعل مضارع فعل الشرط، وجملة: فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَجواب الشرط، وهذه الجملة كما تشاهدون جملة اسمية مؤكدة بتعريف طرفيها، وبإدخال ضمير الفصل بينهما، بتعريف طرفيها، يعني أولاء اسم إشارة وهو معرفة، والظَّالِمُونَاسم موصول وهو أيضًا معرفة، وإدخال ضمير الفصل بينهما وهو هم، وضمير الفصل الذي يقع بين اسمين معرفتين في الغالب، وسُمِّي ضمير فصل؛ لأنه يفصل بين الخبر والصفة، أي: يميز بين كون ما بعده خبرا أو صفة.
وله ثلاث فوائد سبق لنا الإشارة إليها، وهي: التوكيد والحصر والفصل، يعني: التمييز بين الخبر والصفة، أما هو بنفسه فليس له محل من الإعراب، ما له محل من الإعراب، وهو ما يعرب، يقال: ضمير فصل بصورة الضمير ولا محل له من الإعراب.
ما يزعل علينا إذا قلنا له: ما لك محل؟
طالب: خليه يزعل.
الشيخ: خليه يزعل، ما يصير، نقول: ما في زعل؛ لأنا قلنا له: أنت ما لك محل من الإعراب، لكن لك فوائد ثلاث، وهي: الحصر والتوكيد والفصل، وهذه نعمة، وأما القشور اللي لك محلها من الإعراب، ولَّا ما لك محل من الإعراب ما يهمك أنت على بنائك لا تتغير، مضموم الأول مفتوح الثاني، ولك هذه الفوائد الثلاثة يكفي.
على هذا نقول: الذي يتعدَّى حدود الله فهو الظالم دون غيره، كل من تعدى حدود الله، وخرج عن شريعة الله فإنه ظالم، لكن الظلم يختلف؛ ظلم أكبر وظلم كبير وظلم دون ذلك؛ فالشرك نقول: إنه ظلم أكبر، وفعل الكبائر ظلم كبير، وفعل الصغائر ظلم دون ذلك، يختلف.
ثم إن الظلم أيضًا قد يتعلق بحقوق الله، وقد يتعلق بحقوق العباد، فالظلم الذي يتعلق بحق الله عز وجل إذا كان دون الشرك، فإنه داخل تحت مشيئة الله عز وجل؛ إن شاء عذب عليه وإن شاء غفر، والظلم الذي للعباد لا بد من أن يُوفَى المظلوم حقه، يوفى المظلوم حقه على كل حال، ما يُهدر حقه، لكن إذا تاب الإنسان توبة نصوحًا فيما بينه وبين الله عن ظلم المخلوق، وتعذَّر عليه إيصال حقه في الدنيا، فإن الله سبحانه وتعالى يَجزي المظلوم من فضله في الآخرة؛ لأن هذا هو مقتضى مغفرة الذنوب؛ فالله تعالى يتحمله عن العبد ويجازي أو ويعطي المظلوم مثل مظلمته، هذا إذا تاب الإنسان توبة نصوحًا، وكان لا يمكنه إيصال الحق إلى مستحقيه، مثل أن يكون قد ظلمه بالضرب ومات المظلوم، الآن ما يمكن يُوصَل حقه، لكن إذا ظلمه بأخذ ماله ومات فإنه يمكن أن يبرأ منه بماذا؟ بإيصاله إلى الورثة، لكن الذي لا يمكن أن يَبْرَأ منه -هذا إذا تاب توبة نصوحًا خالصة لله عز وجل- فإن الله تعالى يتحملها عنه.
طالب: من فوائد ضمير الفصل: الفصل بين الخبر والصفة (...)؟
الشيخ: التمييز، التمييز يعني أن يُمَيِّز بينهما، الخبر الظَّالِمُونَوالمبتدأ: أُولَئِكَلو لم يأت الفصل الضمير هذا لقال: فأولئك الظالمون، قد تظنون إن الظالمون صفة لأولئك، وأن الخبر ما بعد جاء، فإذا قال: هُمُ الظَّالِمُونَزال الإشكال.
طالب: إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة: ٢٢٩] أيش نوعها؟
الشيخ: إلَّا أداة استثناء وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا [البقرة: ٢٢٩] يعني: فإن خفتم فلا جناح أن تأخذوا.
طالب: ويش الفائدة وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا [البقرة: ٢٢٩]؟
الشيخ: هذا من باب التأكيد، يعني: إذا خفتم، لا يكون أدنى خوف يحملكم على هذا الشيء، بل لا بد من أن تحققوا هذا الأمر.
(...) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُإِنْ طَلَّقَهَاالضمير يعود على الزوج المستفاد من قوله: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِلأن الطلاق لا بد من أن يكون سبقه عقد نكاح؛ لأن الطلاق مأخوذ من أَطْلَقْت الشيء إذا أزلت قيده،يعني فالطلاق عبارة عن إزالة قيد النكاح؛ ولهذا قال: فَإِنْ طَلَّقَهَاأي: الزوج المستفاد من قوله: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِإِنْ طَلَّقَهَايعني: بعد المرتين، وهي المرة الثالثة فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُأي: من بعد الطلاق، والضمير تَحِلُّيعود على المطلقة ثلاثًا.
وقوله: مِنْ بَعْدُتفيد إلى أنه لا بد أن يكون الطلقة الثالثة مُتَحَقَّقَة وإِلَّا فهي لو حذفت، وقال: فإن طلقها فلا تحل له من بعد لكفى، لكنه قال: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُأي: من بعد الطلاق المؤكد وهو الثالثة.
حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُتنكح بمعنى: تتزوج، والمراد بالنكاح العقد، وكل ما جاء في كتاب الله من ذكر النكاح فالمراد به العقد، وقال بعض العلماء المراد بقوله: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُهنا أي: حتى تطأه، وهذا لا شك أنه لا يصح، المرأة ما تطأ لكنها موطوءة؛ فالصواب حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُأي حتى تتزوج زوجا غيره.
فإن قلت: إذا كان هذا تقدير الآية، فما الفائدة من قوله: زَوْجًالماذا لم يقل حتى تنكح رجلًا؟
الجواب: أن الفائدة من قوله: زَوْجًاالفائدة من ذلك تقرير أن يكون النكاح صحيحًا؛ لأنه إذا كان العقد عقد النكاح غير صحيح، فإنه لا يكون زوجًا، لا يكون زوجًا إلا بعد أن يكون العقد صحيحًا، فيكون ذكر الزوجية هنا لتأكيد كون النكاح صحيحًا، فإن قلت: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُأنتم تقولون: أنه لو عُقد عليها ثم طلقها الزوج الثاني قبل أن يُجامعها فإنها لا تحلُّ للأول، وأنتم فسرتم النكاح بالعقد وإذا فسرتموه بالعقد فإنه إذا عقد عليه ثم طلقها حلَّت للزوج الأول.
قلنا: قد قال بذلك بعض أهل العلم، وقالوا: إن مجرد العقد الصحيح يُحلها لزوجها المطلق ثلاثا، وإن لم يطأها الزوج الثاني، ولكن جمهور الأمة على خلاف هذا القول، وعند التنازع نرد المسألة إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا رَدَدْنا هذا إلى سنة الرسول عليه الصلاة والسلام تبيَّن لنا أنه لا بد من أن يجامعها الزوج الثاني جماعًا تامًّا بدليل أن امرأة رِفاعة القُرُظِيِّ طلَّقها زوجها آخر ثلاث تطليقات، ثم تزوجت بعده رجلًا يقال له: عبد الرحمن بن الزَّبِير، فلما تزوجت هذا الرجل لم يَصْل إليها، ما جامعها، فجاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام تشكو إليه، وقالت: يا رسول الله، إن زوجي رفاعة طلقني فبَتَّ طلاقي، وإني تزوجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبير، وإنما معه مثل هُدْبة الثوب، وقالت كذا بجلبابها، فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنها وصفت هذا الرجل بصفة يُستحيا منها لكن بعض النساء ما عندها حياء، أو أنها رضي الله عنها أرادت أن تصف الأمر على حقيقته؛ حتى يتبين للرسول عليه الصلاة والسلام، على كل حال الرسول ما وبَّخها وإلا فقد كانت في عند الباب أحد الصحابة، فقال لأبي بكر: ألا تسمع ما تقول هذه عند رسول الله؟ يعني: كيف تقول هذه؟ ثم قال لها الرسول صلى الله عليه وسلم «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ»؟ قالت: نعم يا رسول الله، فقال «لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» ، فتكون السنة مُبيِّنة للقرآن أو مُضيفة شرطًا إلى القرآن وهو الجماع.
وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا.
قوله تعالى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍإمساك (...).
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَاالفاعل يعود على الزوج الثاني، يعني: إن طلقها بعد العقد الصحيح الذي ثبتت به الزوجية فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا.
فَلَا جُنَاحَأي: فلا إثم وهذه نافية للجنس كما مر واسمها كلمة: جُنَاحَوعَلَيْهِمَاخبر؟
طالب: متعلق بمحذوف.
التقدير: فلا جناح كائن عليهما أن يتراجعا أي: في أن يتراجع، والفاعل في قوله: يَتَرَاجَعَايعود على مَن؟ على الزوج الأول وزوجته، أي: فلا جناح عليهما، أي: على الزوج الأول وزوجته أن يتراجعا أي أن يعودا إلى نكاحهما.
ولكن لا بد فيه من عقد؛ لأنه لا يمكن أن يراجعها بدون عقد مع حيلولة النكاح الثاني بينه وبين النكاح الأول.
وقوله: أَنْ يَتَرَاجَعَاقد يُفهم منه ما سيذكر في الفوائد إن شاء الله تعالى من أنها تعود إلى الزوج الأول على طلاق جديد، فإذا رجعت إلى الزوج الأول فله ثلاث تطليقات، بخلاف ما إذا عادت إلى الزوج الأول بعد زوج آخر قبل أن يُكَمِّل الأول الطلقات الثلاث فإنها تعود إلى زوجها الأول على ما بقي من الطلاق.
أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِإِنْ ظَنَّاالفاعل يعود على مَنْ؟ على الزوج الأول والثانية.
أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِتعالى، وهي ما أوجبه الله على كل منهما من المعاشرة بالمعروف، وهذا الشرط شرط في جواز العقد للزوج الأول على زوجته بعد الزوج الثاني.
وهل هو شرط للصحة؟ أو من باب الحثِّ على ذلك؟ بمعنى: أنه لو تراجعا وهما يظنان أن تَسوءَ العِشْرة بينهما بسبب الطلاق الثلاث الذي وقع من زوجها، فإنه لا يجوز له أن يراجعها؟ أو نقول: هذا من باب الحث على ذلك؛ لأنهما إذا ظنا أن لا يقيما حدود الله فإن معنى ذلك التعب والعنا في العقد؛ لأنهما إذا ظنا أن لا يقيما حدود الله وتراجعا ولم يقيما حدود الله حصل بذلك ضرر كبير ولعل هذا أقرب.
أو يقال: إنه يبقى على ظاهره وأنهما إذا ظنا أن لا يقيما حدود الله، فإنه لا يجوز لهما أن يتراجعا إلى هذا العقد؛ لأنه يكون سببًا لأيش؟ يكون سببًا للظلم والعدوان؛ فيكون تحريم العقد من باب تحريم الذرائع.
ثم قال الله تعالى: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَتِلْكَالمشار إليه ما سبق من أنها لا تَحِلُّ له بعد الطلقة الثالثة حتى تتزوج بعقد صحيح، ثم بعد ذلك بعد أن يطلقها تعود إلى الزوج الأول بعقد جديد.
وقوله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِمع قوله في الأول في الآية الأولى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِيدل على عناية الله عز وجل فيما يتعلق بالنكاح، وأنه من أهم العقود وأخطرها وأعظمها، ومن ثَمَّ كرَّر الله عز وجل تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِحتى يخشى الإنسان ربه في هذا العقد الذي هو من أخطر العقود؛ لأنه يترتب عليه أشياء كثيرة، فالبيع والشراء مثلًا، ويش يترتب عليه؟ إذا اشتريت مني هذه السيارة صارت ملكك، وجاز لك فيها البيع والشراء والرهن والوقف والإجارة وما أشبه ذلك وكلها لا تعدو أن تكون حقوقًا مالية، لكن النكاح يترتب عليه آثار كثيرة، يترتب عليه التوارث، يترتب عليه رَحِم، يترتب عليه نسب، يترتب عليه حقوق زوجية، ولأهميته أَكَّدَ الله عز وجل على عباده أن هذا من حدود الله العظيمة التي يجب على الإنسان مراعاتها والعناية بها؛ ولهذا اشترط فيه أن يكون بولي، فالزوجة تستطيع أن تَبِيع كل مالها، لكن ما تستطيع أن تزوج نفسها، اشترط فيه الإشهاد على رأي كثير من أهل العلم، وكل العقود لا يُشترط فيها الإشهاد، أيضًا
اشتُرط فيه الإعلان على قول بعض أهل العلم، العقود الأخرى لا يُشترط فيها ذلك، أيضًا وإن كان هذا يَشْتَرطه بعض العقود، أنه في بعض الأزمان لا يصلح العَقْد، في بعض الأحوال لا يصلح العقد، كل ذلك من باب الأهمية في ذلك العقد العظيم الذي تترتب عليه هذه الأمور الكبيرة. وقوله: يُبَيِّنُهَاأي: يُوضِّحها عز وجل ويظهرها، فكل الحدود التي يريدها الله من العباد فإن الله قد بَيَّنها بيانًا كاملًا، ولكن سبق لنا أن البيان يكون بالكتاب ويكون بالسنة، فما لا يوجد في كلام الله يوجد في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وما لا يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم نصًّا بعينه فإنه يوجد نصًّا بمعناه وذلك بالقياس الصحيح الذي يتساوى فيه الأصل والفرع في العلة فيلحق هذا بهذا، فبيان الله عز وجل لحدوده متنوع.
وقد مر علينا أن بعض الأذكياء في هذا العصر اجتمع مع رجل من النصارى، والنصارى -قاتلهم الله- دائمًا يشككون المسلمين في دينهم وفي كتابهم وفي رسولهم، اجتمع معه في مطعم من المطاعم وقُدِّم لهم الطعام، فقال له هذا النصراني: إن كتابكم يعني القرآن يقول الله فيه: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل: ٨٩]، فأرني كيف تصنع هذه الهريسة أو نسيت ما هي الذي قُدِّم، أرني كيف يصنع هذا الطعام في كتاب الله؟ فقال له الرجل الذكي: هذا موجود في كتاب الله، موجود كيف يصنع في كتاب الله، قال: أرنيه، فدعا بصاحب المطعم وقال له: كيف صنعتَ هذا الطعام؟ فقال: صنعته كذا وكذا، فقال: نعم هذا ما في كتاب الله، أين هو يا رجل؟ قال: لأن الله يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: ٤٣].
فسواء كانت الآية تشمل هذا أو تدل عليه بمعناها، الذي تجهله بَيَّن لك الله عز وجل كيف تتوصل إليه، بأي شيء تتوصل إليه؟ بسؤال أهل العلم به، فالإنسان الذي تشكل عليه مسألة نحوية من يسأل؟ يسأل أهل النحو، أو فقهية يسأل أهل الفقه، أو عَقَدية يسأل أهل العقيدة، فكل أناس يُسْأَلون عما يعلمون.
فالله عز وجل إذن بين لنا كل حدوده، ما يوجد شيء يحتاج الناس إليه في معاشهم ومعادهم إلَّا بَيَّنه الله لهم، ولكن الناس يتفاوتون في الفهم وفي العلم، وكم من إنسان استنبط من آية واحدة عشرات المسائل، ويأتي آخر في نفس الآية ما يستنبط إلا آحاد المسائل، ففضل الله تعالى يؤتيه من يشاء.
المهم أن حدود الله مُبيَّنة ما فيها اشتباه ولا فيها إشكال، والخطأ في جهل بعض الأحكام، إنما هو من؟ مِنَّا نحن إما لقلة العلم أو لقلة الفهم، أو لذنوب تَحُول بيننا وبين الوصول إلى معاني كلام الله عز وجل؛ لأن الذنوب لا شك أنها تحول بين الإنسان وبين القرآن، بين الإنسان وبين معاني القرآن، بين الإنسان وبين معرفة أحكام الشريعة وأسرارها؛ ولهذا الذي إذا تُتْلى عليه آيات الله قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [المطففين: ١٣]، بَيَّن الله حاله، ويش السبب أنه يقول: أساطير الأولين وهى كتاب الله، ويش قال؟ قال: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤] فحجب عنهم أن تصل إلى معاني القرآن العظيم وأنه كلام الله عز وجل.
وقوله: يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَأي: لقوم ذي علم، أو لقوم ذوي علم، وإنما احتجنا إلى ذلك؛ لأنه لا يتناسب أن يقال: إن هذا يُبَيَّن لمن يعلمه؛ لأن من يعلمه لا فائدة له في بيانه لأنه عالمه.
فيكون معنى: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَأي: لقوم ذوي علم، أي: ذوي استعداد للعلم والقبول، وإلَّا فإن العالِم بالشيء لا يحتاج أن يُبَيَّن له، وبهذا نعرف أنه كلما ازداد الإنسان تهيُّؤًا للعلم واستعدادًا له؛ فإنه يزداد تبيُّنًا لحدود الله تعالى والعلم بها.
بل نقول: كل من كان أيضًا صاحب علم فإنه يتبين له من أسرار أحكام الله عز وجل وشريعته ما لا يظهر للإنسان الجاهل، وهذا إذا شئت فجرب نفسك، أحيانًا تخلو بنفسك وتفكر في آية من كتاب الله عز وجل، ثم يتبين لك من معانيها أضعاف أضعاف ما كنت قد بحثتَه من قبل؛ لأن الله عز وجل يقول: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ [القمر: ١٧]، وهذا كما يشمل تيسير ألفاظه يشمل تيسير معانيه، فكل ما ازداد الإنسان تذكُّرًا بكتاب الله فإن الله تعالى ييسر له من معانيه ما لا يدركه مع الإعراض، بل قد يَفتح الله عليك من معاني القرآن ما لا تجده في كتب غيرك، ولشيخ الإسلام رحمه الله في العقيدة الواسطية، وهي عقيدة مباركة من أنفع العقائد يقول: من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق.
شوف اشترط شرطين: تدبر، والثاني: طالبًا الهدى منه، تبيَّن له طريق الحق.
يقول الله عز وجل: يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
ثم قال تعالى: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍإلى آخره [البقرة: ٢٢٨]
يستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب تربُص المرأة المطلقة ثلاثة قروء، وجه الوجوب؟ أن الجملة خبرية بمعنى الأمر، وسبق لنا أن الجملة الخبرية بمعنى الأمر أوكد في الأمر من الأمر الصريح، كأن هذا الأمر أمر مفروغ منه لا بد أن يكون فهو صفة لهؤلاء المطلقات، كأنه صفة من صفاتهن، يعني إذا جاء بلفظ الخبر كأنه يكون صفة من صفات المأمور، وأنه أمر مفروغ منه.
ويستفاد من الآية الكريمة من قوله: بِأَنْفُسِهِنَّقوة الداعي في المرأة للزواج، كأن النفس تحُثُّها على أن تُنهي علاقاتها بالأول وتتزوج، فقال: تَرَبَّصْ بنفسك، يعني انتظر، انتظر بنفسك، مثل ما تقول: تربصت بكذا لكذا وكذا.
ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لو طلَّقها في أثناء الحيض لم يحتسب بالحيضة التي وقع فيها الطلاق، وجهه؟ أن الحيض لا يتبعض، فتلغى بقيَّة الحيض التي وقع فيها الطلاق، ولا بد لها من ثلاث حِيَض جديدة.
(...) في أن طلاق الحائض واقع، وقد سبق لنا أن الصواب أن طلاق الحائض لا يقع لحديث ابن عمر ولنصوص أخرى دلت على ذلك على أن طلاق الحائض غير واقع، وبناء على هذه الفائدة لا تحتسب أو لا تحسب، عموم الآية يشمل من طلقت قبل الدخول، فهل هو مراد؟
طالب: لا، يا شيخ.
الشيخ: ليس مرادًا؟ طيب ما هو الدليل؟
الطالب: لأنه لم يذكره.
الشيخ: لا ما هو الدليل ما هو التعليل؟
(...) ظاهر الآية الكريمة يشمل الصغيرة التي لم يأتها الحيض بعد والكبيرة، فهل هو مراد هذا الظاهر؟
طالب: لا (...).
الشيخ: (...) الآيسة عدتهما ثلاثة أشهر، فيكون العموم غير مراد.
ظاهر الآية الكريمة يشمل الحوامل والحوائل فهل هو مراد؟
(...) ما ذكرناها، الأَمَة ذكرنا دليلها في أن الصحابة رضي الله عنهم قَضَوْا في ذلك، وورد في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنَّ طَلَاقَ الْأَمَةِ طَلْقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» ، ويؤيده عمل الصحابة رضي الله عنهم، وإن كان الحديث ضعيفًا، فصار المستثنيات كم؟ خمسًا: مَنْ لم يدخل بها، والحامل، والصغيرة، والآيسة، ومن؟ والأمة، صار المستثنيات خمسا، وأدلتها مبينة في التفسير.
(...) المطلقات؛ لأن أل اسم موصول، صلته الوصف كما قال ابن مالك:
وَصِفَــــــــةٌ صَرِيحَــــــــةٌ صِلَــــــــــــةُ أَلْ ...................

هذه هي الفائدة مبتدأ الرابع.
لكن يستثنى من ذلك الحامل فعدتها تنتهي بوضع الحمل؛ لقوله تعالى: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤].
فإن قلت: إن بين الآيتين عمومًا وخصوصًا من وجه، فكيف تخصص الآية والمطلقات بقوله: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ [الطلاق: ٤]؟
فالجواب: أن السنة دلَّت على أن عموم قوله: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ [الطلاق: ٤] لا تخصيص فيه وأنه مقدم على غيره؛ وذلك في حديث سُبَيْعَة الأسلمية أنها نَفِسَت بعد موت زوجها بليال فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتزوج مع أن فيه عمومًا أن المتوفى عنها زوجها أن تعتد أربعة أشهر وعشرًا.
والثانية مما يستثنى من الآية: من لا تحيض لصغر.
والثالثة: من لا تحيض لإياس.
ودليل ذلك قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق: ٤].
الرابعة مما يستثنى من عموم الآية: من لم يدخل بها؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا [الأحزاب: ٤٩]، وأجرى الصحابة رضي الله عنهم الخلوة بالمرأة مُجرَى المسيس، وعلى هذا فإذا خلا بها وجبت العدة، وإذا لم يخلو بها لم تجب العدة.
الخامسة مما يستثنى من الآية: الأَمَة فإن عدتها حيضتان كما جاء في ذلك حديث مرفوع مؤيد بأقوال الصحابة رضي الله عنهم.
هذه خمس مسائل تُستَثْنَى من عموم الآية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يرجع إلى المرأة، أو يرجع إلى قول المرأة في عدتها؛ لقوله: وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ [البقرة: ٢٢٨]، ووجه ذلك أن الله جعل قولها معتبرًا، ولو لم يكن معتبرًا لم يكن لكتمها أيُّ تأثير، فإذا ادَّعت أن عدتها انقضت، وكان ذلك في زمن ممكن فإنها تُصَدَّق، وهي مؤتمنة على ذلك، أما إن ادَّعت أن عدتها انقضت في زمن لا يمكن فإن قولها مردود؛ لأن من شروط الدعوى أن تكون مُمْكِنَة، فدعوى المستحيل غير مسموعة أصلًا.
ومن فوائد الآية أيضا: أن المطلقة البائن عدتها ثلاثة قروء، من أين تؤخذ؟ من العموم وَالْمُطَلَّقَاتُفيشمل حتى البَوائن.
وهذه المسألة فيها قول الجمهور حتى لو كانت بائنًا بالثلاث، فإنها لا بد أن تعتدَّ بثلاثة قروء، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إن كانت المسألة إجماعية فالإجماع معتبر وهو حجة، وإن لم تكن إجماعية فإن القول بأن المُبانة تعتدُّ بحيضة واحدة قول وجيه، بل هو علَّق القول به على وجود مخالِف يعني إن كان فيه خلاف، فالقول هو أن المطلقة البائن تعتد بحيضة واحدة.
وربما يُسْتَدَلُّ لهذا القول بقوله: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة: ٢٢٨]؛ فإن هذا الحكم إنما هو لمن؟ للرجعيات، فيكون العموم مخصَّصًا بذكر الحكم المختص ببعض أفراده.
وهذه المسألة فيها نزاع بين العلماء إذا ورد لفظ عام، ثم فُرِّع عليه حكم يتعلق ببعض أفراده، فهل يكون ذلك مخصِّصًا لعمومه؟ أو يقال: إن ذكر حكم يختص ببعض الأفراد لا يقتضي التخصيص؟ ومن أمثلته حديث جابر: قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وُصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ إذ نظرنا إلى أول الحديث: «فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ» وجدنا أن الشفعة تجري في كل شيء، وإذا نظرنا إلى آخره: «فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وُصُرِّفَتِ الطُّرُقُ» قلنا: إن الشفعة لا تجري إلا فيما كان له حدود، وطرق، وهو الأرض.
ما أدري أنتم تعرفون الشفعة أم لا؟
الشفعة: أن ينتزع الشريك حصة شريكه التي باعها على طرف ثالث، ينتزعها من ممن اشتراها، مثال ذلك: زيد شريك لعمرو في أرض، فباع عمرو نصيبه على خالد، فلزيد أن يأخذ هذا النصيب من خالد بالثمن الذي يستقر عليه العقد هذه الشفعة واضح؟
إذا نظرنا إذا قضى بالشفعة في كل ما لم يُقْسَم نقول ظاهرها أن الشفعة تَعُمُّ كل مشترك سواء كان هذا أرضا أم غير أرض، وعلى هذا فإذا كانت لشخصين سيارة واحدة وباع أحدهما نصيبه من هذه السيارة على شخص ثالث، فللشريك أن يأخذها ممن اشتراها يأخذ هذا النصيب ممن اشتراها بثمنه.
لكن قوله: «فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ» هذا يقتضي أن العموم في قوله: «مَا لَمْ يُقْسَمْ» يعني من الأراضي.
طيب عكس ذلك ما مَرَّ علينا في مسألة الخلع يعني معناه أن يكون الشيء خاصًّا، ثم يعود عليه حكم عام، مر علينا في الخلع وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة: ٢٢٩]
قوله: فِيمَا افْتَدَتْ بِهِعام، وقوله: أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّخاص، ما قال: لا تأخذوا من أموالهن، مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ، فهل نقول: لا جناح عليه فيما افتدت به مما آتاها؟ أو فيما افتدت به من كل مالها؟ تقدم لنا الخلاف في هذا ولَّا لا؟ المهم أن مثل هذه المسائل يختلف فيها أهل العلم فمن نظر إلى العموم قال: إن ذكر حكم يختص ببعض أفراده لا يقتضي التخصيص؛ وعلى هذا فقوله: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ [البقرة: ٢٢٨] يشمل أيش؟ من لها رجعة ومن ليس لها رجعة.
وإذا نظرنا إلى قوله: وَبُعُولَتُهُنَّقلنا: إن المراد بذلك المطلقات اللاتي لهن رجعة.
وشيخ الإسلام ابن تيمية يؤيد رأيه هذا بالقياس على الخُلْع فإن الخلع فراق بعوض، فراق في الحياة ولَّا بعد الوفاة؟ في الحياة، وقد صح عن عثمان رضي الله عنه أن المُخْتَلِعَة تعتد بحيضة ، وورد فيه حديث مرفوع أيضًا، ولا فرق بينهما؛ ولأن الحكمة من تمديد العدة إلى ثلاثة قروء من أجل أن يتسع الوقت للزوج إذا أراد أن يُراجع، أما إذا لم يكن له رجعة فلا وجه لحبس الزوجة لزيادة حيضتين.
والأمر هَيِّن فيما إذا كان الأمر حيضاتها معتادة كل شهر، الأمر هَيِّن أن تبقى شهرين ما يهم، لكن إذا كانت المرأة تحيض بعد السنة مرة، كم نحبسها؟ السنة الأولى للحيضة الأولى، والثانية للثانية، والثالثة للثالثة.
والمسألة هذه شيخ الإسلام رحمه الله علَّق القول بها على أنه لا إجماع في المسألة، وقد ذكر صاحب الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام أن أحد العلماء وهو ابن اللبان رُوِي عنه أنها تعتد بحيضة واحدة.
إذن ويش قلنا في هذه الفائدة؟ عموم الآية يتناول المطلقة التي لها رجعة والتي ليس لها رجعة.
وقوله: وَبُعُولَتُهُنَّيقتضي أن يكون خاصًّا بمن لها رجعة، ولكن جمهور أهل العلم على أنه عام.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي ذكر ما يوجب القبول والعمل؛ لقوله:..