الإخلاص، وهذا من أهم ما يكون، من أهم ما يكون التفاضل بحسب الإخلاص، فالعمل إذا
دخل فيه الرياء لا شك أنه ينقص نقصانًا كثيرًا عن العمل الذي ليس فيه رياء، قال
الله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: ١١٠]، بل إنه إذا قارنه الشرك من أوله بطل كما في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا
أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» .
ما نقول باعتبار
الحال؟ كمية، ما هو هذا، يعني الكمية ما تُعتبر بالحقيقة، يُعتبر زيادة الكمية، ما
هو بزيادة التفاضل في شيء يتعلق بنفس الفعل، لكن الكمية ذكرنا ذلك أظن في زيادة
الإيمان.
باعتبار الحال: العبادة في زمن الإعراض والغفلة أفضل من العبادة في زمن
الإقبال، ولهذا كانت أيام الصبر للعامل فيها أجر خمسين ممن؟ من الصحابة رضي الله
عنهم، أجر خمسين من الصحابة، لماذا؟ لكثرة الإعراض عن الله عز وجل وعن دينه، فلا
يجد أحدًا يساعده ويعينه، بل ربما لا يجد إلا من يتهكم به ويسخر به.
طالب: ما تدخل في الزمان؟
الشيخ: لا،
هذه في الحال، لأنه ما هو مختص بزمن دون زمن.
ربما أيضًا نقول: وتتفاضل، ومن
تفاضلها باعتبار الحال أن العِفَّة من الشاب أفضل من العفة من الشيخ، يعني عفة
الشاب أفضل من عفة الشيخ، لماذا؟
طالب: لأن شهوة الشاب
أقوى.
الشيخ: لأن شهوة الشاب أقوى من شهوة الشيخ،
فالداعي إلى عدم العفة في حقه أقوى من الداعي بالنسبة للشيخ؛ ولهذا كانت عقوبة
الشيخ الزاني أكثر أو أشد من عقوبة الشاب، هذه أيضًا من تفاضل الأعمال بحسب حال
الإنسان، فكانت الآن أسباب الفضل؟
الطلبة:
سبعة.
الشيخ: سبعة؟ نحن (...) دخلنا (...) في الحال،
وأنتم مُصرون على أنه يكون التفاضل أيضًا بكثرة العدد.
طالب: ليش ما يكون (...) التفاضل في (...).
الشيخ: ثانيًا: لأن الخبر يجوز تعدده كما في قوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج: ١٤، ١٥]، ويحتمل أن يكون حالًا، يعني حال كونه مُخرجًا لهم من الظلمات إلى
النور.
وقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة: ٢٥٧]، الَّذِينَ كَفَرُوامبتدأ، وأَوْلِيَاؤُهُمُمبتدأ آخر؛ مبتدأ ثانٍ، والطَّاغُوتُخبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول.
وقوله: يُخْرِجُونَهُمْنقول في إعرابها: أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْحال من الطَّاغُوتُ.
وقوله: أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِمبتدأ وخبر أيضًا. وهُمْ فِيهَا خَالِدُونَمبتدأ وخبر أيضًا.
في هذه الآية الكريمة يقول الله عز وجل: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا، والولي معناه: المتولي الناصر، المتولي لأمورهم، الناصر لهم.
وقوله: وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواهذه ولاية خاصة؛ لأن الله تعالى وليّ كل أحد، لكن بالمعنى الخاص ولايته للمؤمنين، قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦١، ٦٢]، هذه الولاية العامة، وتشمل المؤمن والكافر، فإن كل أحد يتولاه الله تعالى بمقتضى ربوبيته، أما هذه فهي ولاية خاصة.
وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا، ما هو الإيمان؟
الإيمان في اللغة قيل: إنه التصديق، وقيل: إنه الإقرار، وهذا هو الأقرب؛ لأن التصديق يتعدى بنفسه، وأما الإيمان فيتعدى بحرف الجر؛ لأنك تقول: صدَّقْت زيدًا، ولكن ما تقول: آمنتُ زيدًا، والكلمة إذا كانت بمعنى الكلمة فلا بد أن تتعدى بما تتعدى به الكلمة الأخرى، وإذا كانت متعدية بنفسها تتعدى بنفسها، أو بحرف الجر تعدت بحرف الجر.
وأيضًا فإنه يقال: آمَنَ بكذا، كما يقال: أقَرّ بكذا، لكن مع ذلك يمكن أن يقول قائل: إن التصديق أيضًا يتعدى بالباء فيقال: صدَّقْتُ بكذا، قال الله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر: ٣٣]، لكن الفرق الأول هو أن (صدَّق) يتعدى بنفسه و(آمن) لا يتعدى بنفسه.
على كل حال الإيمان في الشرع غير الإيمان في اللغة، بل هو أخص، هو أخص من الإيمان في اللغة؛ إذ إنه إقرار أو تصديق مستلزم للقبول والإذعان، للقبول في الخبر، وكذلك في الأحكام، والإذعان: الانقياد لها، فيشمل الاعتقاد بالقلب، والقول باللسان، والعمل بالجوارح، كل هذا من الإيمان.
وذكرنا فيما مر الأدلة الدالة على ذلك، فمن الأدلة الدالة على أن الإيمان يشمل الاعتقاد بالقلب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ» إلى آخره . وهذه عقيدة القلب، والدليل على أنه يشمل القول باللسان والعمل بالأركان قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، وهذا قول، «وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» .
فإذن كلما مر عليك الإيمان في القرآن والسنة فالمراد به الإقرار المستلزم أيش؟
الطلبة: القبول والإذعان.
الشيخ: للقبول والإذعان، فيشمل هذه الأشياء الثلاثة: الاعتقاد بالقلب، والقول باللسان، والعمل بالأركان، وبعضهم أيضًا قال: عمل القلب، يشمل عمل القلب، وهو صحيح أيضًا، وعمل القلب هو محبته، وإرادته، وكراهته، وبُغضه، وما أشبه ذلك، وخوفه، ورجاؤه، كل هذه من أعمال القلب.
وقوله: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِأيّ ظلمات هي؟ هل هي الظلمات الحسية بمعنى أن يخرج الإنسان من الحجرة المظلمة إلى الدهليز المضيء؟
لا، لكن المراد بالظلمات ظلمات الجهل وظلمات الكفر وظلمات المعاصي، كل هذه ظلمات، الجهل لا شك أنه ظلمات، قال الله تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام: ١٢٢]، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا [النساء: ١٧٤]، والنور المبين هو القرآن، وبه يكون العلم، هذا نور العلم.
نور الإيمان أيضًا، فإن الإنسان إذا شرح الله صدره للإيمان استنار قلبه بالإيمان، حتى إن من المؤمنين مَن يظهر ذلك -أي نور إيمانه- على حدسه وظنه وتخمينه، وهو ما يُسمّى بالفِراسة، ولهذا جاء في الحديث: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ»؛ لأن النور الذي يقذفه الله في قلب الإنسان قد يهتدي به إلى أشياء تخفى على غيره، كأنه سراج يضيء ما أمامه.
الثالث: نور الهداية والعدل الذي مقابل لظلمات الفسق؛ لأن الفسق -اللي هو المعاصي- يكون ظلمة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ» . هذه السوداء توجب ظلام القلب.
فالظلمات إذن ثلاثة أو ثلاث: ظلمة الجهل، ويش بعد؟ والكفر، والمعاصي، النور يقابل ذلك، يقابل ظلمة الجهل نور العلم، وظلمة الكفر نور الإيمان، وظلمة الفسق نور العدل والاستقامة، ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ [فصلت: ٣٠]. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ» لما قال له رجل: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، يعني يكون قاطعًا لكل سؤال للناس، قال: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ».
وقوله: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُتجدون الآن فرقًا بين التركيبين الأول والثاني بالترتيب؛ هناك قال: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواولم يقل: الذين آمنوا وليهم الله، بل قال: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا؛ لأن هذا الاسم الكريم إذا ورد على القلب أولًا استبشر به، هذا واحد، بخلاف ما لو قال: الذين آمنوا وليهم الله.
ثانيًا: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوايفيد التبرك بتقديم ذكر اسم الله عز وجل اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا.
الثالث: إظهار المنة على هؤلاء بأن الله تعالى هو الذي امتن عليهم أولًا فأخرجهم من الظلمات إلى النور، لكن هنا قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوالو ساق الجملة الثانية على سياق الأولى لقال؟
الطلبة: والطاغوت أولياء الذين كفروا.
الشيخ: والطاغوت أولياء الذين كفروا، لكنه لم يقل هكذا، قالوا: والحكمة من ذلك لئلا يُجعل الطاغوت في مقابلة اسم الله؛ لأنه لو كانت الجملتان متوازنتين لكان الطاغوت في مقابل اسم الله.
ثانيًا: أن الطاغوت أهون وأحقر من أن يُبدأ به ويقدم.
ثالثًا: أن هؤلاء الكفار يُلامون على توليهم الطاغوت، هم الذين بدؤوا واختاروا الطاغوت على الاستقامة، اختاروا الطاغوت على الاستقامة فصار هم الذين بدؤوا بماذا؟ بما يوجب القدح والعيب، فكانت البداءة بهم أولى.
الَّذِينَ كَفَرُواكفروا بمن؟ كفروا بكل ما يجب الإيمان به سواء كان كفرهم بالله، أو برسوله، أو بكتابه، أو بملائكته، أو باليوم الآخر، أو بالقدر.
الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُوهنا قال: أَوْلِيَاؤُهُمُ، وهناك قال: وَلِيُّ، والفرق واضح؛ لأن الطواغيت كثيرون، ودعاة الضلال كثيرون، وأما الله عز وجل فهو واحد، فهو وليّ واحد، ثم قال: أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُوالطاغوت سبق لنا أنه اسم جامِع لكل ما تجاوز به العبد حَدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع؛ معبود كالصنم، أو متبوع كالعلماء، أو مطاع كالأمراء، وهؤلاء هم الذين يضل بهم من يضل من الناس اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة: ٣١].
قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْهنا كلمة الطاغوت قلنا فيما سبق: إنها مشتقة من الطغيان، والتاء فيها؟ التاء فيها للمبالغة؛ كالمبالغة في (علَّامة) و(فهَّامة) وما أشبهها، وعلى هذا فالواو هي آخر الكلمة.
وقوله: يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِعبر بالجمع لأنه قال: أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْفالطاغوت إذن اسم جنس يشمل كل طاغية، ويُخْرِجُونَهُمْجمع باعتبار اسم الجنس ومراعاة للمبتدأ الثاني وهو قوله: أَوْلِيَاؤُهُمُ.
وقوله: يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِاستُشكل؛ لأن ظاهره أن المراد بالذين كفروا: الذين آمنوا أولًا فدخلوا في النور، ثم كفروا فخرجوا منه، مع أنه يشمل الكافر الأصلي الذي لم يكن آمن من قبل، فما هو الجواب عن ذلك؟
طالب: نقول: الأصل هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى.
الشيخ: هذا جواب، دل على هذا قوله عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» . فعليه أصل وِلادة الإنسان على الفطرة والنور، لكن يطرأ عليه ما يُوجب الكفر فيكفر، هذه واحدة، كإذا قيل: إنها في المؤمن المرتد كيف الكافر المرتد واضح. لكن الكافر الأصلي..
طالب: قد يكون مثلاً رجل منَّ الله عز وجل عليه بالهداية فأتى عليه (...).
***
فعندنا الآن ثلاثة أوجه: إما أن يراد بهذا من كانوا على الإيمان أولًا ثم أُخرجوا، كما هو ظاهر اللفظ. أو نقول: إن هذا باعتبار أيش؟
الطلبة: الفطرة.
الشيخ: الفطرة، فالفطرة سليمة وعلى الإيمان ثم أخرجوهم. أو يقال: إنهم أخرجوهم لأنهم كانوا على استعداد للقبول، قد تراودهم أنفسهم بذلك، ولكنهم يسيطرون عليهم حتى لا يدخلوا في النور من الأصل.
قال: يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِجمع الظلمات وإفراد النور سبق أيضًا الكلام عليه؛ لأن النور طريق الحق وهو واحد، والظلمات طريق الباطل وهي متعددة.
أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَأُولَئِكَ أَصْحَابُالصاحب هو الملازم للشيء، فلا يسمى صاحبًا إلا الملازم، إلا صاحبًا واحدًا، من؟
طالب: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تُطلق صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام على من اجتمع به مؤمنًا به ولو لحظة ومات على ذلك، وهذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وإلا فمن اجتمع بك وفارقك ما يسمى صاحبًا، فأصحاب النار هم أهلها الملازمون لها، وعلى هذا فيكون في هذا إشارة إلى خلودهم فيها كما قال تأكيدًا لذلك: هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، هُمْمبتدأ، وخَالِدُونَ.
الطلبة: خبر.
الشيخ: وفِيهَامتعلق؟
الطلبة: بـخَالِدُونَ.
الشيخ: بـخَالِدُونَ، قُدِّم لإفادة الحصر ومراعاة الفواصل؛ يعني لفائدة معنوية وفائدة لفظية.
***
طالب: ما أخذنا فوائد الآية.
الشيخ: قال الله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِإلى آخره.
يُستفاد من هذه الآية عدة فوائد:
أولًا: فضيلة الإيمان، وأنه تحصل به ولاية الله عز وجل؛ لقوله: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا.
ثانيًا: إثبات الولاية لله عز وجل؛ أي أنه سبحانه وتعالى يتولى عباده، ولكن هل العباد يتولونه؟
الجواب: نعم، يتولونه، قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [المائدة: ٥٦]، لكن توَلِّينا لله عز وجل هو تولٍّ لدينه؛ أي ننصر دينه ونكافح دونه، ونبذل فيه أنفسنا وأموالنا. ويحتمل أن معنى قوله: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُأي: من يجعل الله وليًّا له، والمعنى واحد.
من فوائد الآية الكريمة: أن من ثمرات الإيمان هداية الله للمؤمن، تؤخذ من أيّ مكان؟
طالب: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا، قوله تعالى: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.
الشيخ: قوله: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وقد سبق لنا معنى الظلمات وأنها ظلمات الجهل والكفر والفسوق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين أولياؤهم الطواغيت سواء كانوا متبوعين أو معبودين أو مُطاعين؛ لأن الطاغوت من الطغيان، وهو ما تجاوز به العبد حَدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع، كما حد ذلك ابن القيم رحمه الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: براءة الله عز وجل من الذين كفروا، يُؤخذ من المنطوق والمفهوم؛ المفهوم في قوله: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا، فالمفهوم: لا الذين كفروا، والمنطوق من قوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ، وهذا مقابل لقوله: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا.
ومن فوائد الآية الكريمة: سوء ثمرات الكفر، وأنه يهدي إلى الضلال والعياذ بالله؛ لقوله: يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ، وهذا الإخراج سواء كان إخراجًا بعد الوقوع في الظلمات أو كان إخراجًا حين الوقوع في الكفر؛ يعني قد يكون هذا بعد كفرهم أو حين إرادتهم الكفر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للمؤمن، بل ينبغي للعاقل -وينبغي هنا بمعنى يجب- أن يختار ما فيه ولاية الله، وهو أيش؟
طالب: الإيمان.
الشيخ: الإيمان، وهو الإيمان؛ لأن كل عاقل لو سُئل: أحب إليك أن يكون وليك الله أو أن تكون الطواغيت أولياءك؟ لقال: الله، فإذن فالواجب على كل عاقل أن يسعى لحصول ولاية الله عز وجل، وذلك بالإيمان، واعلم أن هذه الولاية ولاية عظيمة لها ثمرات كثيرة والتي من جملتها ما أشرنا إليه من قبل.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الكفر مقابل الإيمان؛ لقوله: وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواوَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ.
ولكن هل معنى ذلك أنه لا يجتمع معه؟
الطلبة: (...)
الشيخ: قد يكون على القول الراجح وهو مذهب أهل السنة والجماعة، قد يكون في الإنسان خِصال إيمان وخصال كفر، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» وهذا لا يُخرج من الإيمان. وانظر إلى الإنسان يكون فيه الكذب، والكذب من خصال المنافقين، يكون فيه غدر وهو من خصال المنافقين، يكون فيه حسد وهو من خصال اليهود، وأمثال هذا كثير، فالإنسان يجتمع فيه إيمان وكفر، لكن الكفر المطلق لا يُجامِع الإيمان، الكفر المطلق وهو الذي يُخرج من الإسلام هذا لا يمكن يجامع الإيمان.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِوالنار موجودة الآن؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لقوله تعالى: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١] فقال: أُعِدَّتْبلفظ الماضي، والإعداد بمعنى التهيئة، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في غير حديث أنه رآها؛ ففي صلاة الكسوف عُرضت عليه النار ورأى فيها عمرو بن لُحيّ يجر قُصبه في النار ، ورأى فيها المرأة التي تُعذَّب في هرة حبستها حتى ماتت جوعًا، امرأة عندها هرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» ورأى فيها صاحب المحجن يُعذَّب ، صاحب المحجن مَنْ؟ رجل كان يسرق الحجاج بمحجنه، معه محجن، والمحجن هي العصا محنية الرأس يمسك المتاع بهذا المحجن إن فطن له صاحب المتاع قال: جذبه المحجن، وإن لم يفطن له أخذه وذهب، فرآه يعذب في محجنه في نار جهنم، والعياذ بالله.
المهم أن النار موجودة، وهل هي أبدية أو لا؟ نعم أبدية لا شك، وليست أزلية؛ لأنها مخلوقة بعد أن لم تكن، لكنها أبدية لا تفنى؛ قال الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ [فاطر: ٣٦].
وذكر الله تعالى تأبيد أهلها في ثلاثة مواضع من القرآن:
في سورة النساء: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، وفي سورة الأحزاب: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]، وفي سورة الجن: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣].
وبهذا يُعرف بطلان قول من يقول: إنها تفنى، وأنه قول باطل مخالف للأدلة الشرعية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافرين مخلدون في النار، من أين تؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: من أين أخذت؟ من أيّ كلمة من أُولَئِكَ؟
الطالب: لا خَالِدُونَ
الشيخ: من خَالِدُونَ؟
الطالب: أَصْحَابُ
الشيخ: من أَصْحَابُ؛ لأن الصاحب هو؟
الطالب: الملازم.
الشيخ: الملازم للشيء.
ومن فوائدها: أن الخلود خاص بهم، وأن من يدخل النار من المؤمنين لا يُخلّد؛ لقوله: هُمْ فِيهَا خَالِدُونَيعني دون غيرهم.
ثم قال الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ [البقرة: ٢٥٨]، أَلَمْ تَرَالهمزة للاستفهام، والمراد به هنا التقرير والتعجيب، التقرير يعني تقرير هذا الأمر وأنه حاصل، والتعجيب يعني معناه دعوة المخاطب إلى التعجب من هذا الأمر العجيب الغريب الذي يُحاجّ في وجود الله عز وجل.
وتَرَبمعنى تنظر، بقلبك ولَّا بعينك؟
طالب: بعينك.
طالب آخر: بقلبك.
الشيخ: بقلبك يا أخي، بقلبك؛ لأنه ما أدرك زمَنه حتى يراه بعينه، بقلبك، وحُذفت الألف من تَرَللجزم، لدخول (لم) وهي جازمة.
والخطاب في قوله: أَلَمْ تَرَإما للنبي صلى الله عليه وسلم، وإما لكل من يتأتى خطابه ممن نزل عليهم القرآن، وهذا أعم، وقد ذكرنا قبل ذلك أن ما جاء بلفظ الخطاب في القرآن الكريم فله ثلاث حالات: إما أن يدل الدليل على أنه للرسول عليه الصلاة والسلام وللأمة، أو يدل الدليل على أنه خاص بالرسول صلى الله عليه وسلم، أو لا يكون هذا ولا هذا، والحكم فيه أنه عام، عام للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره، ولكن هل هذا الخطاب المعيَّن تراد به الأمة وخوطب إمامها لأنهم تبعه، أو يراد به النبي عليه الصلاة والسلام ومن غيره يفعله على سبيل الأسوة؟
قولان لأهل العلم ومؤداهما واحد، فمن أمثلة ما دل الدليل على أنه خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام مثل قوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ١، ٢] هذا لا شك أنه خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام.
ومن الأشياء الدالة على أنه للرسول ولغيره: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ [الطلاق: ١] فوجَّه الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام ثم قال: إِذَا طَلَّقْتُمُوهو عام، دلّ هذا على أن المراد به العموم.
ومما يحتمل مثل قوله تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥]
فهذا يحتمل أنه للرسول عليه الصلاة والسلام وحده، ولكن أمته تبع له، وهو ظاهر اللفظ، وإن كان هذا الشرك لن يقع منه؛ لأن (إنْ) ما تدل على وقوع الشيء، تدل على احتمال فرضه، إن احتُمل أن يفرض هذا الشيء أو لا.
هنا أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِيحتمل الأمرين ولّا لا؟
طالب: يحتمل.
الشيخ: يحتمل الأمرين، يعني ألم تنظر يا محمد، أو ألم تنظر أيها المخاطب؟ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ(إبراهيم) ذُكرت مرتين.
طالب: ثلاثة.
طالب آخر: في هذه الآية أربع مرات.
الشيخ: ثلاث مرات، وفيها قراءتان: إِبْرَاهِيمَ، و{إِبْرَاهَامَ} قراءة سبعية؛ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهَامَ فِي رَبِّهِ}، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِكلاهما صحيح.
طالب: في الثلاثة؟
الشيخ: نعم، ثلاثة مواضع، في الثلاثة، حَاجَّحاجّ هذه صيغة مُفاعَلَة، (فَاعَلَ)، وصيغة المفاعَلَة في الغالب لا تكون إلا بين اثنين؛ كقاتَل وناظَر وحاجّ ودافع وما أشبه ذلك، و(حاجّ) هنا صيغة مفاعلة، والمفاعلة تأتي من اثنين، وأمثلتها في اللغة العربية كثيرة، وتأتي من اثنين غالبًا، أقول: غالبًا؛ لئلا توردوا عليَّ مثل قولكم: سافر، فإنها من واحد ولَّا من اثنين؟
الطلبة: من واحد.
الشيخ: من واحد. إذن (حاجّ) معناه الحجة من اثنين، ومعنى حاجَّه أي: ناظره وأدلى كل واحد بحجته، والحجة هي الدليل والبرهان، فهذا رجل ملك آتاه الله الملك، مُلكًا دام مدة طويلة، وملَك أراضي واسعة، ولا يعنينا أن نعرف اسمه أهو نمروذ بن كنعان أو غيره، ما يهمنا، المهم هو القصة، فهذا رجل ملك آتاه الله الملك مُلكًا تامًّا لا ينازعه أحد، ودامت مدة ملكه، وكما قال الله تعالى: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [يونس: ٢٤]
هذا الرجل لما آتاه الله الملك ودامت مدته استطال -والعياذ بالله- واستكبر وعلا وأنكر وجود العلي الأعلى، وقال: ما فيه رب؛ لأنه أوتي مُلكًا لا منازع فيه ودام مدة طويلة، فأنكر الله عز وجل كما أنكره مِن بعده فرعون قال: ما فيه رب. وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام يدعوه إلى الإيمان بالله عز وجل، فقال: أبدًا ما فيه رب، أين الدليل على ربك؟
قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُوهذه لا شك -كما نعلم من سياق اللفظ- أنها جواب لسؤال، كأنه قال: ما ربك؟ أو من هو؟ أو ما شأنه؟ أو ما فِعله؟ فقال: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُكما قال فرعون لموسى: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الشعراء: ٢٣، ٢٤].
حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِأي: في ألوهيته ووجوده، فإبراهيم يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهذا ينكر الله رأسًا.
إذن فِي رَبِّهِأي: في وجوده، ويش بعد؟
الطلبة: (...).
الشيخ: وألوهيته؛ لأن إبراهيم مدعو إلى الأمرين.
وقوله: أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ(أن) هذه مصدرية دخلت على الفعل المضارع، وإذا دخلت على الفعل المضارع لا تنصبه، لا تعمل فيه، لكنها لا تمنع أن يسبك بمصدر، وهي على تقدير اللام؛ أي: لِأَنْ آتاه الله الملك، أي: لإتيان الله الملك إياه، فهي إذن منصوبة بنزع الخافض، ونزع الخافض هنا مطرد ولَّا سماعي؟
طالب: مطرد.
الشيخ: من أين يؤخذ من كلام ابن مالك؟ قوله؟
الطالب: قوله:
| نَقْلًا وَفِي أَنَّ وَأَنْ يَطَّرِدُ | ........................... |
الشيخ: نعم
| ... وَفِي أَنَّ وَأَنْ يَطَّرِدُ | مَعْ أَمْن لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا |
إذن أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَهذه منصوبة بنزع الخافض وهي لام التعليل، الخافض لام التعليل؛ أي: لِأَنْ آتاه الله الملك، يعني كان يحاج الله في إبراهيم لطغيانه بأن آتاه الله تعالى الملك، وقد قال الله سبحانه وتعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: ٦، ٧]، إذا رأى الإنسان نفسه استغنى فقد يطغى ويزيد عتوه -والعياذ بالله- وعناده، ولهذا أحيانًا تكون الأمراض نِعمة من الله على العبد، والفقر يكون نعمة، والمصائب تكون نعمة؛ لأن الإنسان إذا دام في نعمة وفي رغد وفي عيش فإنه ربما يطغى وينسى الله عز وجل.
هذا الذي آتاه الله الملك انظر ماذا أثمرت هذه النعمة عليه؟ أنكر الله عز وجل قال: أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ(أل) هنا الظاهر أنها لاستغراق الكمال وليست لاستغراق الشمول؛ لأن الله لم يُعطه ملك السماوات والأرض، بل ولا ملك جميع الأرض، وبهذا نعرف أن ما ذُكر عن بعض التابعين من أنه مَلَكَ الأرض أربعة: اثنان مؤمنان، واثنان كافران، أن في هذا نظرًا، ولم يُمَلِّك الله جميع الأرض لأيِّ واحد من البشر، ولكن يملِّك بعضًا لبعض، والله عز وجل يقول: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة: ٢٥١]، أما أن يملك واحد من البشر جميع الأرض، فهذا مستحيل في سُنة الله عز وجل فيما نعلم.
قال: أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَلكن (أل) هنا لاستغراق أيش؟
الطلبة: الكمال.
الشيخ: الكمال لا الشمول، يعني ملكا تامًّا لا ينازعه أحد في مملكته.
إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُرَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، ويش إعراب رَبِّيَ؟
طالب: خبر.
الشيخ: لا، مبتدأ، والَّذِي؟
طالب: والَّذِيخبره.
الشيخ: خبره، رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُيعني: هو الذي يحيي ويميت.
وقوله: رَبِّيَتقدم لنا كثيرًا معنى الرب وأنه الخالق المالك المتصرف، هذا الرب، وهذه الأوصاف لا تثبت على الكمال والشمول إلا لله عز وجل.
وقوله: يُحْيِي وَيُمِيتُيعني يخلق ويُوجِد ويُفنِي ويُعدِم، فبينما نرى الإنسان ليس شيئًا مذكورًا إذا به يكون شيئًا مذكورًا؛ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان: ١]، إذن الإنسان قبل وجوده ليس شيئًا مذكورًا، ثم يُوجد، ثم يبقى ما شاء الله أن يبقى في الأرض، ثم يُعدَم ويَفنى.
| كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إِلَى الصَّفَا | أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ |
يعني كأنه لم يجد
| بَيْنَا يُرَى الْإِنْسَانُ فِيهَا مُخْبِرًا | حَتَّى يُرَى خَبَرًا مِنَ الْأَخْبَارِ |
فمن الذي يستطيع أن يوجِد هذه الموجودات ثم يُعدمها؟
الطلبة: الله عز وجل.
الشيخ: الله عز وجل، ولا أحد يستطيع أن يحيي، حتى أبوك الذي خُلقت من مائه لا يستطيع أن يوجدك، ولا أمك التي تغذَّيت بدمها ولبنها أيضًا لا يمكن أن توجدك، بل الذي يحيي ويميت هو الله عز وجل.
قال إبراهيم هذا الكلام كأنه يقول له: هو الذي يُوجِد ويُعدِم، ثم أتى بمثال وهو الإحياء والإماتة التي لا يقدر عليها أحد، لكن هذا المعاند المكابر قال: قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، كيف؟
قالها إما تلبيسًا وإما مُكابرة، إما تلبيسًا كما قاله أكثر المفسرين وقالوا: إنه أَتى باثنين فقتل أحدهما وأبقى الآخر فقال: أمتُّ الأول وأحييت الثاني. هذا هو المشهور عند كثير من المفسرين، وعلى هذا فيكون قوله: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُأيش؟ تلبيسًا، والحقيقة أنه ما أحيا ولا أمات هنا؛ لأن الحياة فيمن استبقاه سابقة موجودة، والموت لمن قتله ليس منه، بل هو فعل سببًا يكون به الموت، أما الموت فمِن الله عز وجل، لكن قال ذلك تلبيسًا، هذا هو المشهور عند كثير من المفسرين.
وقال بعضهم: بل قال ذلك مكابرة، يعني هو يعلم أنه لا يحيي ولا يميت، لكن قال ذلك مكابرة، يعني قال: إذا كان إلهك يقدر على ذلك فأنا أقدر، ولم يأتِ بمثال؛ يعني ما جاب اثنين وقتل واحدًا وأبقى الثاني، لكن قاله من باب المكابرة.
ينبني على هذين القولين الانتقال الثاني: قَالَ إِبْرَاهِيمُوفيها قراءة:
الطلبة: {إِبْرَاهَامُ}.
الشيخ: {إِبْرَاهَامُ}، قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَشوف الفاء هذه تدل على أن ما بعدها مبني على ما قبلها فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ.
إذا قلنا: إنه قال الأول تلبيسًا وإنه أتى باثنين مستحقين للقتل قتل أحدهما وأبقى الآخر، فإن قوله: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِانتقال من الدليل الذي يمكن أن يُلبّس فيه إلى دليل أوضح؛ وهو أن الله يأتي بالشمس من المشرق، وهذه قدرة عظيمة، فإذا كنتَ صادقًا أنك رب فأتِ بها من المغرب، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ، وعلى هذا فيكون من باب الانتقال من دليل خفي إلى دليل أوضح، ولكن إذا تأملت قد تجد في هذا نظرًا، نظرًا من وجهين:
الوجه الأول: أن الدليل الأول واضح، أن الله يحيي ويميت، وأن غيره لا يحيي ولا يميت، واضح. والتلبيس بسيط.
الوجه الثاني: أن الانتقال من الحُجة إلى حُجة أخرى قبل استكمال المناظرة تعتبر عجزًا، إذ بإمكان إبراهيم أن يقول: إن فعلك هذا ليس إحياءً ولا إماتة، فكيف انتقل عن الدليل قبل استكماله؟
يقولون: لعله انتقل عن الدليل قبل استكماله لوضوح الثاني الذي لا منازعة فيه بخلاف الأول، وأنه لا بأس أن ينتقل الإنسان عن الدليل الذي يمكن فيه المجادلة إلى دليل لا تمكن فيه المجادلة قطعًا لأيش؟ قطعًا للنزاع. أما على القول بأنه مكابرة فقالوا: إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما كابر ذلك الرجل وادعى أنه يحيي ويميت فهذه دعوى أنه يملك كل شيء، ويقدر على كل شيء فكأنه ألزمه بما أقر به وادعاه، ألزمه بأيش؟ بما أقر به وادعاه؛ لأن قوله: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُيتضمن أنه رب، فقال: نعم أنت الآن تحيي وتميت، لكن إذا كنت تحيي وتميت فالذي يحيي ويميت قادر على أن يأتي بالشمس من المغرب كما قدر الله الذي يحيي ويميت أن تأتي بها من؟
الطلبة: المشرق.
الشيخ: من المشرق، وحينئذٍ فلا يكون في هذه المحاجة انتقال، ليس فيها انتقال، لكن فيها بناء بعض الدليل على بعض، وإلى هذا الأخير ذهب ابن كثير رحمه الله، وأبطل القول الأول وقال: إنه -أي القول الأول- إنه طريق أهل المنطق، المناطِقة أو الفلاسفة، أما ما قرره هو رحمه الله فلا يرى أن في المسألة انتقالًا، ولكنه يرى أن في المسألة بناء بعض الدليل على بعض، كأن إبراهيم قال: سلَّمتُ لك أنك تحيي وتميت، يعني سلمت لك حقيقة ولَّا جدلًا؟
الطلبة: جدلًا.
الشيخ: جدلًا، فأتِ بالشمس من المغرب كما أتى به الذي يحيي ويميت وهو ربي من المشرق.
قال: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَبُهِتَتحيَّر واندهش ولم يحِر جوابًا، عَجَز.
وقال: الَّذِي كَفَرَإشارة إلى أن محاجته هذه محاجة بباطل؛ لأن الذين كفروا هم الذين يحاجون حجة باطلة، قال الله تعالى فيهم: حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [الشورى: ١٦].
فبهت الذي كفر وتحير وعجز، إذن غلبه إبراهيم أو ساواه؟
الطلبة: غلبه.
الشيخ: غلبه؛ لأن وقوف الخصم في المناظرة عجْز، بمجرد ما لا يجيبك، إذا لم يجبك فهو دليل على عجزه وانقطاعه.
إذا قال قائل: لماذا لم يقل هذا الخبيث الكافر لماذا لم يقل: إذا كان ربك أتى بها من المشرق فليأتِ بها هو من المغرب؟ أنت طلبت مني أن آتي بها من المغرب فلماذا لا يأتي بها إلهك من المغرب؟
قال بعضهم: إن الله تعالى أسكته معجزة لإبراهيم، وإلا فقد كان بإمكانه أن يدعي مثل هذه الدعوى، وعندي أن في هذا نظرًا ظاهرًا؛ لأن مطلوب إبراهيم عليه الصلاة والسلام المقابلة، فالذي أتى بها من المشرق قادر على أن يأتي بها من المغرب ولا حاجة إلى المحاجة فيه أو إلى إعادة الحجة، ولهذا -ولا شك أنه خبيث وأنه مكابر أو مُلبِّس- لو كان يظن ولو واحد في المئة أو واحد في المليون أن هذا حجة له لقاله، لكنه يعرف أنه ما فيه حجة؛ لأن قال إن إبراهيم حاجه يريد أن يأتي بما يقابل فعل الله عز وجل وهو الإتيان بها من المغرب، هذا مع أنه يحتمل أنه في قرارة نفسه خاف أنه إن قال ذلك دعا إبراهيم ربه فأتى بها من المغرب، كما حُبست الشمس ليوشع بن نون، حبست ما سارت، ولم تسِر سيرها المعتاد، وكما ستخرج من المغرب في آخر الزمان، لكن عندي هذه قد نقول: هذه مسألة فرضية؛ يعني أنه كان يخشى أن يدعو إبراهيم ربه فيأتي بها من المغرب فيكون هذا أشد خجلًا عليه وأوضح، فالاحتمال الأول أصح؛ أنه لا يمكن أن يقول: هات خلوه يأتي بها من المغرب؛ لأن المسألة في مقابلة ما فعله الله عز وجل، وهذا لا يمكن أن يُقلب على صاحب الحجة.
قال الله تعالى: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ-أعوذ بالله- الله عز وجل لا يهدي القوم الظالمين، لماذا؟
الطلبة: لظلمهم.
الشيخ: لظلمهم، فتعليق الحُكم بالوصف دليل على عِلِّيته، وكلما كان الإنسان أظلم كان عن الهداية أبعد، سواء كان ظالمًا لنفسه فيما بينه وبين ربه، أو ظالمًا لنفسه فيما بينه وبين العباد، فالظلم ظلمات -والعياذ بالله- فكلما ظلم الإنسان كان أبعد من الهداية، وكلما اهتدى الإنسان كان أقرب إلى الهداية، وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: ١٧].
وهنا قال: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَولم يقل: والله لا يهدي القوم الكافرين، يعني ما المناسب؟ المناسب؛ لأن نوع كفر هذا بالظلم العظيم؛ حيث ادعى ما ليس له، وأنكر ما كان لغيره، ادعى ما ليس له في قوله؟
الطلبة: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ.
الشيخ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، وأنكر ما لغيره وهو انفراد الله عز وجل بذلك، فإن الله تعالى هو المنفرِد بالإحياء والإماتة، فكان ظهور الظلم في هذا الكفر أبين، فلهذا قال: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، وكل كافر ظالم، وليس؟
الطلبة: وليس كل ظالم كافرًا.
الشيخ: وليس كل ظالم كافرًا.
الفوائد:
قال الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِإلى آخره.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: بلاغة القرآن الكريم في عرْض الأمور العجيبة معرض التقرير والاستفهام؛ لأن التقرير حمل المخاطب على الإقرار، والاستفهام يثير انتباه الإنسان، فجمع هنا بين الاستفهام والتقرير، ثم هو المقصود به -كما قلنا- أولًا أيش؟
طالب: التقرير والتعجيب.
الشيخ: التعجيب من هذه الحال.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان كيف تصل الحال بالإنسان إلى هذا المبلغ الذي بلغه هذا الطاغية وهو إنكار الحق لمن هو له وادعاؤه لنفسه، كيف؟
الطلبة: قال: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ.
الشيخ: قال: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المحاجة لإبطال الباطل وإحقاق الحق من مقامات الرسل؛ لقوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ.
ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يتعلم طرق المناظَرة والمحاجة؛ لأنها سُلَّم ووسيلة، وكثير من الناس عنده عِلم كثير لكن في مقام المحاجَّة ينقطع، ضعيف، وكثير من الناس ما عنده علم، ولكن في مقام المحاجة؟
طلبة: قوي.
الشيخ: قوي؛ لأنه عوَّد نفسه، وأذكر أني مرة قلت لشخص في مجلس عام مجلس عوام تكلمنا على بعض الناس وقلت: إنهم يقولون: إن اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِيعني استولى عليه، اللي عندي عامي بالمرّة ما قرأ العلم، قال: الله يغربله، استولى عليه! العرش من هو له من قبل؟ شوف، سبحان الله، بفطرته.
هذه حجة واضحة بدون أن يتعلم المناظرة؛ لذلك تعلُّم المناظرة بالحقيقة واجب لطالب العلم، وكثير من الناس من العلماء يُصور نفسه في مقام المحاجة، بمعنى أنه يفرض أنه يختار هذا القول مثلًا، وأن شخصًا آخر يختار خلاف هذا القول، ثم هو بنفسه يقول: أُورد على هذا كذا وأُجيب عنه بكذا، وأورد كذا وأجيب عنه بكذا، وهو موجود كثيرًا في كلام ابن القيم رحمه الله، كثيرًا ما يقول هكذا؛ لأن هذا مهم جدًّا في مقام العلم والدفاع عن الحق.
طالب: ما هي وسائل المناظرة؟
الشيخ: الوسائل منها التمرُّن، وفيها كتب أيضًا فيها كتب مؤلفة في هذا الباب، لكن من أهم شيء التمرن، كون الإنسان يتمرن على المناظرة هذه من المهم.
الطالب: طريقة التعليم؟
الشيخ: التعليم، والله ما أستحضر كتابًا معينًا، فيه كتاب اسمه أدب البحث والمناظرة، لمن؟ واحد مصري نسيته.
طالب: معاصر ولَّا من المتأخرين؟
الشيخ: قريب متأخر من المتأخرين، لكن نسيت اسمه، لكن ما هذا ما هو لازم تعرفه، أهم شيء أنك أنت بنفسك تتمرن وتُورد الأشياء وتجيب عنها، شيخ الإسلام مثلًا من طالَع كتبه تعلم المناظرة، إذا طالعت كتب شيخ الإسلام لو ما درستها كفَنّ عرفت كيف تناظر.
***
أخذنا الفوائد لو تقرأها عليّ عشان ما تتكرر.
طالب: الفوائد
الفائدة الأولى: بلاغة القرآن الكريم في عرض الأمور العجيبة معرض التقرير والاستفهام.
الشيخ: ومن فوائد الآية الكريمة: أن بعض النِّعم يكون سببًا للطغيان، أو أن النعم قد تكون سببًا للطغيان؛ لأن هذا الرجل ما طغى وأنكر الخالق إلا لأن آتاه الله الملك.
ومن فوائدها أيضًا: صحة إضافة الْمُلكية إلى غير الله، كقوله: أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، لكن يستفاد من هذا أن ملك الإنسان ليس ملكًا ذاتيًّا من عند نفسه، ولكنه مُعطًى إياه؛ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، فهذه الآية كقوله: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ [آل عمران: ٢٦].
ومن فوائد الآية: فضيلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث قال مفتخرًا ومعتزًّا أمام هذا الطاغية: رَبِّيَأضافه إلى نفسه كأنه يفتخر بأن الله سبحانه وتعالى ربه، وهذه معلومة: نِعْمَ ما يكون الإنسان أن يضيف ربوبية الله لنفسه وأن يقول أنا عبدٌ لربي، فهنا قال: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل؛ لقوله: يُحْيِي وَيُمِيتُانتبه، وهذه المسألة أنكرها كثير من علماء الكلام وقالوا: إن الله لا تقوم به الأفعال الاختيارية، وعلَّلوا ذلك بعِلل عليلة بل ميِّتة ما لها أصل؛ لأنهم قالوا: إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، وإن الحوادث إن كانت كمالًا فلماذا لم تكن سابقة؟ وإن كانت نقصًا فلماذا يتصف الله بها؟ عرفتم؟ الأخير معروف؟
الطلبة: (...).
الشيخ: نعم، الحوادث قالوا: إن كانت كمالًا فلماذا لم تكن سابقة؟ يعني لماذا لم يتصف الله بها من قبل؟ وإن كانت نقصًا فلماذا اتصف بها؟ إذن هي ممتنعة؛ لأنها نقص على كل تقدير، فواتها نقص ووجودها نقص، وحينئذٍ يجب أن ينزه الله عنها وأن تكون ممتنعة عليه، أعرفتم الآن؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: طيب، وقد أجبنا عن كلا الوجهين أو كلا الحجتين الباطلتين فقلنا: قولكم: إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، هذه دعوى، مجرد دعوى، من قال ذلك؟ نحن نعرف أن الحوادث تَحدث منا ولكنها ليست سابقة بسبقنا، ولَّا لا؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: الحوادث تحدث منا وليست سابقة بسبقنا، ولا يُعد ذلك فينا نقصًا ولا في الله عز وجل، فالحوادث تَحدث بعد الْمُحدِث، ولا مانع من ذلك، فمن الممكن أن يكون المتصف بها قديمًا وهي حادثة.
وأما قولكم: إنها إن كانت كمالًا فلماذا لم تكن سابقة وإن كانت نقصًا فلماذا يوصف بها؟
فنقول: هي كمال حال فعلها؛ لأننا نقول: إن أفعال الله عز وجل ليست أفعالًا لمجرد المشيئة ولكنها أفعال مقرونة بالحكمة، فإذا كانت أفعالًا مقرونة بالحكمة فهي في حال وجودها كمال وفي حال عدمها كمال، وحينئذٍ لا تستلزم النقص مُطلقًا، عرفتم يا جماعة؟
طالب: مثال.
الشيخ: مثل الاستواء على العرش، الاستواء على العرش من الصفات الفعلية، فهم يقولون: إن كان الاستواء كمالًا فلماذا لم يكن أزليًّا؟ وإن كان نقصًا فلماذا يوصف به؟
طالب: (...).
الشيخ: الرد نقول: هي كمال في حال وجودها، نحن لا نقول: إنه يفعل هكذا بمجرد مشيئة، بل بمشيئة مقرونة بحكمة، فإذا كانت كمالًا حال وجودها وليست كمالًا حال عدمها صار وجودها كمالًا وعدمها كمالًا.
من فوائد الآية الكريمة: أن الإحياء والإماتة بيد الله عز وجل؛ لقوله: يُحْيِي وَيُمِيتُ، إذن فاعتمِد على الله عز وجل، ولا تخفْ ولا تُقدِّر أسبابًا وهمية؛ يعني مثلًا: دُعيتَ إلى عمل صالح، أيّ عمل، فقلت: أخشى إن عملت هذا العمل أن أموت. نقول: هذا إذا كان مجرد وهم فإن هذه الخشية لا ينبغي أن يَبني عليها حكمًا بحيث تمنعه من أمر فيه مصلحته وخيره.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان المجادِل قد يكابر فيدعي ما يُعلم يقينًا أنه لا يملكه، لقول الرجل الطاغية؟
طلبة: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ.
الشيخ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُومعلوم أن هذا إنما قاله في مضايقة المحاجة، والإنسان في مضايقة المحاجة، يعني والمجادَلة والمناظرة، ربما يلتزم بأشياء هو نفسه لو رجع إلى نفسه لعلم أنها غير صحيحة، لكن في المضايقات قد يدَّعي الإنسان دعوى أو ينكر أشياء يعلم أن دعواه إياها غير صحيح وأن إنكاره لها غير صحيح، لكن ضيق المناظرة والمجادلة أوجب له أن يقول هذا إنكارًا أو إثباتًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وجودته في المناظرة، سواء قلنا: إن هذا من باب الانتقال من حجة إلى أوضح منها، أو قلنا: إنه من باب تفريع حجة على حجة، حيث نقله إلى أمر لا يمكنه معارضته أبدًا؛ حيث قال: إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ.
وفي الآية الكريمة رد على علماء الهيئة الذين يقولون: إن إتيان الشمس ليس إتيانًا لها بذاتها، ولكن الأرض تدور حتى تأتيَ هي على الشمس؛ لأن الله يقول: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ، إذن الله أتى بها من المشرق، لكن هم يقولون: لا، الله ما أتى بها من المشرق، ولكن نحن لفّينا وأتينا إليها، لففنا ودارت بنا الأرض فأتينا إليها، أما هي فهي مَلِك على يخته أو على عرشه ما تتحرك، أنت الذي (...)، تدور بك الأرض هكذا ثم تأتي إليها.
نحن، يقول الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِما قال: إن الله يدير الأرض حتى تُرى الشمس من المشرق فأدِرْها حتى تُرى من المغرب، ما قال هكذا، بل قال: يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِوهذه أنا أقولها، وأقول: إنه يجب علينا أن نأخذ في هذا الأمر بظاهر القرآن وأن لا نلتفت لقول أحد مع وجود ظاهر القرآن؛ لأننا متعبدون بما يدل عليه القرآن، هذا من جهة؛ ولأن الذي أنزل القرآن أعلم بما خلق، قال الله تعالى: أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: ١٤]، فإذا كان يكرر علينا في كلامه أن الشمس تأتي، تطلع، وتغرب، وتزول وتزاوَر، وتتوارى، كل هذه الأفعال يضيفها إلى الشمس، لماذا نحن نجعلها على العكس من ذلك ونضيفها إلى الأرض؟! نقول: الشمس اللي تطلع، الأرض اللي تطلع.
يوم القيامة يقول الله لنا: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص: ٦٥]، ما يقول: ماذا أجبتم فلان المهندس الفلاني أو العالم الفلك الفلاني؟ على أن علماء الفلك قديمًا وحديثًا مختلفون في هذا، ما هم متفقون على شيء، لم يتفقوا على أن الأرض هي التي بدورانها يكون الليل والنهار، وما دام الأمر موضع خلاف بين الفلكيين أنفسهم فإننا نقول كما نقول لعلماء الشرع إذا اختلفوا: إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩].
بل نقول أيضًا: لو جاء علماء الفلك بأجمعهم، كلهم أجمعون أكتعون أبتعون أبصعون، لو جاؤوا ما عدلنا عن ظاهر القرآن حتى يتبين لنا أمر محسوس نُحِسّه بأنفسنا، ونقول لربنا إذا لاقيناه: إنك قلت وقولك الحق: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦] وقلت: اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦] ونحن ما وسعنا إلا أن نقول: إن قولك: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ [الكهف: ١٧] أي: إذا طلعت في رأي العين لا في حقيقة الواقع؛ لأننا علمنا بحسِّنا وبصرنا بأن الذي يتعاقب أو الذي يكون به تعاقب الليل والنهار هو دوران الأرض.
أنا أقول: إذا (...) ذلك حسيًّا لا مِرية فيه حينئذٍ يجوز أن نحول كلام الله عز وجل من ظاهره إلى تأويله نظرًا؛ لأن الحس الذي لا يمكننا نفيه دل على ذلك، أمّا والحس لم يدل على هذا ولكنها مجرد أقيسة ونظريات فإنني أرى أنه لا يجوز لأحد أن يعدِل عن ظاهر كلام ربه الذي خلق والذي أنزل القرآن تبيانًا لكل شيء، والذي قال: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا [النساء: ١٧٦]، أقول: لا يجوز أن يعدل عن ظاهر كلامه لمجرد قول هؤلاء، فإذا رأى الإنسان حسب حسه المتيقَّن الذي يبرر له أن يحرف كلام الله عن ظاهره فحينئذٍ له الحق أن يقول.
قال: إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِنقول: وفي هذه الآية من فوائدها: إثبات الشمس؟
طلبة: (...) واضحة.
الشيخ: معلومة؟
طلبة: (...) تسميتها (...).
الشيخ: إثبات أن اسمها الشمس؟ الظاهر أنه ما يصلح أن نأخذها فائدة، ولهذا قال بعض النحويين: إن قول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا، إنه ليس بكلام اصطلاحًا.
طالب: لأنه غير مفيد.
الشيخ: لأنه غير مفيد، كلنا يعلم أن هذا هو الواقع ولّا لا؟
وأنه كقول الشاعر:
| كَأَنَّنَا وَالْمَاءُ مِنْ حَوْلِنَا | قَوْمٌ جُلُوسٌ حَوْلَهُمْ مَاءُ |
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحق لا تُمكِن المجادلة فيه؛ لقوله عندما قال إبراهيم هذه المقالة؟
طالب: بُهِتَ.
الشيخ: بُهِتَ الَّذِي كَفَرَ.
ومن فوائدها أيضًا: إثبات أن من جحد الله فهو كافر، من أين تؤخذ؟
الطلبة: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ.
الشيخ: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَوهذه هي النكتة في الإظهار مقام الإضمار الَّذِي كَفَرَ، لأجل أن نقول: كل من جادل كما جادل هذا الرجل فهو كافر.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدَرية.
طلبة: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
الشيخ: لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَلأن القدرية يقولون: الإنسان حر، يهتدي بنفسه ويَضل في نفسه ما لله فيه تصرف، وهذه الآية واضحة في أن الهداية بيد الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الظلم؛ لقوله: لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
ومن الظلم أن يتبين لك الحق فتجادل لنصرة قولك -نسأل الله العافية- يتبين لك الحق فتجادل لنصرة قولك، فإن هذا ظلم؛ لأن العدل أن تنصاع للحق وأن لا تكابر عند وضوحه، ولهذا -نسأل الله لنا ولكم السلامة- ضل من ضل من أهل الكلام؛ لأنهم تبين لهم الحق ولكن جادلوا فبقوا على ما هم عليه من ضلال.
ومنها: أن الله عز وجل لا يمنع فضله عن أحد إلا كان ذلك الممنوع هو السبب.
طلبة: لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.
الشيخ: لقوله: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَفلظلمهم لا يهديهم الله، وهذا كقوله: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥].
ومنها: أن من أخذ بالعدل كان حريًّا للهداية، من المنطوق ولَّا من المفهوم؟
الطلبة: من المفهوم.
الشيخ: من مفهوم المخالفة، فإذا كان الظالم لا يهديه الله فصاحب العدل حري بأن يهديه الله عز وجل، وهو كذلك، فإن الإنسان الذي يريد الحق ويتبع الحق، والحق هو العدل، غالبًا يُهدى، يُهدى ويُوفق له، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العقيدة الواسطية قال عبارة من أحسن العبارات قال: من تدبر القرآن طالبًا الهدى منه تبين له طريق الحق. وهذه كلمة مأخوذة من القرآن، من الآيات القرآنية منطوقًا ومفهومًا.
قال الله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا [البقرة: ٢٥٩] الإعراب أَوْحرف عطف، والكاف قيل: إنها زائدة للتوكيد، وقيل: إنها اسم بمعنى (مثل)، وعلى كلا القولين فهي معطوفة على الَّذِيفي قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِيعني: أو إلى مثل الذي مرَّ، إذا جعلنا أن (الكاف) بمعنى (مثل) يكون التقدير: أو إلى مثل؛ يعني: أو ألم تَرَ إلى مثل الذي مر على قرية، فإن جعلنا (الكاف) زائدة فالتقدير: أو إلى الذي مر على قرية؛ يعني: ألم ترَ إلى الذي مر على قرية، إلى آخره.
وجملة: وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَافي محل نصب على الحال، وأَنَّىاسم استفهام، والمراد به الاستبعاد، وقيل: المراد به الاستعجال والرجاء.
وقوله: يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَافي هذا تقديم المفعول على الفاعل؛ لأن هَذِهِمفعول مقدم، واللَّهُفاعل مؤخر.
وقوله: مِائَةَ عَامٍهذه نائبة مناب الظرف؛ لأنها مضافة إليه، فهي منصوبة على أنها نائبة مناب الظرف، فما هو الظرف إذن؟ هي كلمة؟
طالب: عَامٍ.
الشيخ: كلمة عَامٍ، وهي متعلقة بـأَمَاتَهُ، وقيل: متعلقة بفعل محذوف تقديره: فأبقاه مئةَ عام، لماذا؟
قالوا: لأن الموت لا يتأجل، الموت موت، ولكن الذي تأجل هو بقاؤه ميتًا مئة عام.
وقوله: كَمْ لَبِثْتَقَالَ بَلْ لَبِثْتُقَالَ بَلْ لَبِثْتَاختلفت الحركة في التاء باعتبار من ترجع إليه، وقوله: كَمْ لَبِثْتَهذه مفعول مقدم لأي شيء؟ لـلَبِثْتَيعني كم مدة لبثت؟
وقوله: فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْفيها قراءتان: لَمْ يَتَسَنَّهْبالهاء، و{لَمْ يَتَسَنَّ} عند الوصل، فالقراءتان تختلفان في حال الوصل لا في حال الوقف؛ في حال الوقف بالهاء على كل حال لَمْ يَتَسَنَّهْ، في حال الوصل فيه قراءة سبعية بحذف الهاء: {لَمْ يَتَسَنَّ وَانْظُرْ}.
وقوله: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِالواو حرف عطف، والمعطوف عليه محذوف دل عليه السياق، تقديره: لتعلم قدرة الله ولنجعلك آية للناس.
وقوله: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُوفي قراءة: {قَالَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} والقائل له هو الله.
يقول الله عز وجل في سياق ما بينه لنا من آياته الدالة على وحدانيته وعلى كمال قدرته: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍيعني: أوْ لَمْ ترَ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍأي: مثل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها. وأنتم ترون الآن أن المار مبهم والقرية مبهمة أيضًا، فمن هذا المار؟ وما هذه القرية؟
اختلف فيها المفسرون: ما هي القرية؟ ومن هو المار؟ وهذا الخلاف ليس له أصل، أي أنه مبني على أمور أخذت من بني إسرائيل الذين أُمرنا بأن لا نصدقهم ولا نكذبهم.
والمقصود ليس هو عين المار أو القرية التي مر بها، وإنما المقصود العبرة والعظة في هذه القصة؛ لأن هذه القصة إذا جهلنا من الذي مر وما القرية هل يفوتنا شيء من الاتعاظ بها؟
الطلبة: لا.
الشيخ: أبدًا، ولهذا نجد في آيات كثيرة يذكر الله عز وجل مثل هذه القصص فيذهب الناس يتساءلون: من هذا؟ ما اسم هذا؟ كما اختلفوا في اسم كلب أصحاب الكهف ولونه وما أشبه ذلك من الأشياء التي لا يضرنا جهلها، وعلمها ليس بأمر لازم.
وقوله: كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍالقرية مأخوذة من (القَرْي)، وهو الجمع، وتطلق على الناس المجتمعين في البلد، وتُطلق على البلد نفسها، حسب السياق، فمثلًا في قوله تعالى: قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ [العنكبوت: ٣١] ما المراد بها؟
الطلبة: (...)، قرية قوم لوط، قوم لوط، (...).
الشيخ: يا إخوان! ما أريد منْ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِما المراد بالقرية؟
الطلبة: (...).
الشيخ: المساكن يا أخي؛ لأنه قال: أهل، لو قلنا: القرية هنا بمعنى الأهل صار: أهل هذه الأهل، وهذا لا يستقيم، أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِيعني البلد، أهل هذا البلد، واضح؟
طالب: ما هو بواضح.
الشيخ: ما هو بواضح، إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِما المراد بالقرية؟
الطالب: كلامنا أن نقول: (...) المقصود بالمسألة.
الشيخ: إي، البلد يعني؟
الطالب: البلد.
الشيخ: البلد، وليس المراد أهلها، لأنه قال: أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِصرح بـ(أهل)، فـ(أهل) مضاف، و(القرية)؟
طالب: مضاف إليه.
الشيخ: (...) بعد دخول (...)، واضح؟
طالب: هناك تعارض، قد يقول..
طالب آخر: (...) يحصل التباس (...).
الشيخ: (...) فكلمة (...) ما المراد بها؟
طلبة: المساكن.
الشيخ: المسألة هذه، الأهل هم السكان لكن كلامي الآن على القرية، من؟
الطلبة: المساكن.
الشيخ: المساكن هذه، الدليل أنه أضاف (أهل) إليها؛ قال: أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِفلا يمكن أن يراد بالقرية هنا أهل القرية لا يمكن، لماذا؟ لفساد المعنى، لو قلت: أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِأهل هذه الأهل؟
طالب: ما يستقيم.
الشيخ: ما يستقيم، فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ [الحج: ٤٥].
الطلبة: (...).
الشيخ: المراد أهلها ويش الدليل؟
الطلبة: ظالمة (...).
الشيخ: قوله: أَهْلَكْنَاهَا، وقوله: ظَالِمَةٌ، هذا لا يُوصف به البلد، فتبين الآن أن القرية يراد بها أحيانًا البلد اللي هي محل مجتمع الناس، ويراد بها القوم المجتمعون، على حسب أيش؟ على حسب السياق.
قال أولاد يعقوب لأبيهم: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا [يوسف: ٨٢]؟
الطلبة: أهل القرية.
الشيخ: ويش يدريكم؟
طالب: مجاز.
طالب آخر: واسأل.
الشيخ: مجاز، اترك مجاز هذه، المجاز غير مُجاز. اسْأَلِ الْقَرْيَةَالمراد أيش؟
الطلبة: أهل القرية.
الشيخ: ويش الدليل؟
الطلبة: اسْأَلِ.
الشيخ: اسْأَلِ؛ لأن السؤال لا يمكن أن يُوجَّه إلى القرية، وإذا كانت القرية تُطلق على أهل القرية بنص القرآن فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌكما سمعتم، إذن لا حاجة إلى أن نقول: هذا مجاز، وأصله: واسأل أهل القرية، لأنَّا رأينا في القرآن الكريم أن القرية يُراد بها؟
الطلبة: الساكنون.
الشيخ: الساكن، يراد بها الساكنون، وحينئذٍ نقول في قوله تعالى: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، جملة: وَهِيَ خَاوِيَةٌقلنا؟
طالب: حال
الشيخ: حال. خَاوِيَةٌبمعنى ساقطة، متراكم بعضها على بعض، والعروش: السقوف، وكيف تكون القرية خاوية على السقوف؟ قد يقول قائل: إن المتبادر أن السقوف هي العليا.
فيقال: سقط السقف أولًا ثم سقطت الجدران ثانيًا، وهذا واضح ولّا لا؟
الطلبة: واضح.
الشيخ: واضح، خَاوِيَةٌأي: متهالكة ومتداعية على أيش؟
الطلبة: عروشها.
الشيخ: أيْ؟
الطلبة: سقوفها.
الشيخ: سقوفها، فيسقط السقف، ثم يسقط الجدار عليه، فـ(العروش) جمع (عرش) وهو السقف، ولهذا كان عرش الرحمن جل جلاله سقف المخلوقات (...) السقف.
خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَاوأهلها وين؟
الطلبة: (...).
الشيخ: لا، ميتون، أهلها ميتون، أو أهلها راحلون عنها؛ يحتمل أنهم هالكون وأنهم تحت الأنقاض، ويحتمل أنهم قد رحلوا عنها.
هذا الرجل لما مر على هذه القرية وكأنها -والله أعلم- قرية عريقة في السكان والتجارة مر عليها مرورًا عابرًا رآها بهذه الحال قال: أنى..





