أما على وجه التدقيق والتحقيق فإن الفرق بينهما ظاهر، وقد أشار إلى شيء من هذا
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب الإيمان، كتاب الإيمان له مشهور، فالحاصل
أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام آمن بمعنى أنه أقر واطمأن واعترف اعترافًا لا مرية
فيه بأن الله سبحانه وتعالى يحيي الموتى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى(بلى) حرف يُجاب بها النفي، النفي المقرر بالاستفهام
لإثباته، فإذا قلت: ألست حاضرًا معنا في الدرس يا عبد الله؟ وأيش تقول؟
الطالب: بلى.
الشيخ: بلى، يعني
حاضر، وإذا قلت: ألستَ حاضرًا معنا في الدرس؟ وأيش تقول؟
الطالب: نعم.
طالب: هذا نفي.
الشيخ: إذن ما حضرت! إذا قلت: نعم معناه ما حضرت.
طالب: حضر بالقلب.
الشيخ:
إذن إذا أجبت بنعم فهو لتقرير النفي، وإذا أجبت ببلى فهو لتقرير الإثبات. يترتب على
هذا مسائل كثيرة مهمة، أليس في ذمتك لفلان كذا وكذا؟
الطلبة: نعم.. بلى.. إذا أردت التفصيل.
الشيخ: نشوف إذا أجبت بلى أو نعم واضح، إذا قلت: نعم فهو تقرير
لأيش؟
الطلبة: للنفي.
الشيخ: وإن قلت: بلى فهو للإثبات، ولهذا يُروى عن ابن عباس رضي
الله عنهما أنه قال في قوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف: ١٧٢] أنه قال:«لَوْ قَالُوا:
نَعَمْ لَكَفَرُوا ؛ لأن المعنى لو قالوا نعم يعني لست بربنا، واضح؟
الطلبة: واضح.
الشيخ:
جيد، ومع ذلك فإنه قد يُجاب بنعم يراد بها بلى كقول الشاعر:
| أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْـــــرٍو | وَإِيَّانَا فَـــــــــــــذَاكَ لَنَــــــــــــــــا تَدَانِــــــي |
| نَعَمْ وَتَرَى الْهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ | وَيَغْشَاهَا النَّهَارُ كَمَا غَشَانِي |
الآن هذا الرجل
| أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْـــــرٍو | وَإِيَّانَا فَـــــــــــــذَاكَ لَنَــــــــــــــــا تَدَانِــــــي |
وأيش قال؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يعني بلى، يعني بلى يجمع، وهو لا يريد النفي، قال شوف المسكين يكفيه هذا الجمع: وترى الهلال كما أراه، ما دام إني أنا أشوف الهلال وهي تشوف الهلال فهذا اجتماع لكن المفلس ما (...) يقول هكذا ويغشاها أيش الظلام أظن أو النهار كما غشاني نسيت الكلمة هذه، المهم في قوله: نعم وترى الهلال كما أراه، فهنا أجاب أليس بـ (نعم) يريد بذلك (بلى).
إذن أَوَلَمْ تُؤْمِنْجوابها في الإثبات (بلى)، ولهذا قال: بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِيأي ليزداد طُمأنينة وإلا فقد كان مطمئنًّا من قوله: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّأي ليزداد طمأنينة، والطمأنينة كما نعلم جميعًا هي الاستقرار كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا» أي تستقر وتبقى. وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِيفأراه الله تعالى الآية.
قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا [البقرة: ٢٦٠] قوله: خُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِأيّ الطيور هذه؟
الطلبة: لم يُقيّد.
الشيخ: لم يعينها الله عز وجل، ولهذا تعتبر محاولة من حاول تعيينهن من المفسرين محاولة لا فائدة منها؛ لأنه لا يهمنا، أكانت هذه الطيور إوزًا، أم حمامًا، أم غربانًا، أم أي نوع من أنواع الطيور؛ لأن الله لم يُبيِّنها لنا.
أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَصُرْهُنَّمن (صار يصير) أو من (صار يصور)، صُرْهُنَّأي أملهن إليك، والصُّور الميل، ومنه الرجل الأَصْوَر التي مالت عينه إلى جانب من جفنه، الرجل الأصور يعني اللي مالت عينه إلى جانب من جفنه، ويسمى الأحْول، ولهذا حتى في عرف الناس الآن إذا واحد يناظر كذا يقول: يُصوّر، صور بعينه يناظر الشمس يناظر القمر وما أشبه ذلك، فمعنى صُرْهُنَّأي أملهن، صُرْهُنَّاضممهن إليك، ففعل، أخذ أربعة من الطير وضمَّهن إليه وذبحهن ووزَّعهن أجزاء.
قال: ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًاالجبال التي حوله اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّأي من هذه الأربعة جُزْءًالأجل أن لا يظن الرائي أن عملك سحر؛ لأنك إذا أبعدتها عنك زالت الشُّبهة حتى يكون بعيدًا منك. اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّففعل عليه الصلاة والسلام، جمع الأربعة وذبحهن، قطّعهن أجزاء، جعل على كل جبل جزءًا ثم بعد ذلك دعاهن، قال: أيتها الطيور، ائتين إليّ، فماذا صار؟ جاءت الطيور جاءت إليه تسعى سعيًا.
قال الله عز وجل: قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ.
ادْعُهُنَّأي نادِهنّ؛ لأن النداء يُسمى دعاء، قال الله تعالى: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣] يعني لا تنادونه كما ينادي بعضكم بعضًا فتقولون: يا محمد، ولكن قولوا يا رسول الله، يا نبي الله، وما أشبه ذلك. إذن ادْعُهُنَّيعني نادهن يعني قل: أقبلن.
قال الله تعالى: يَأْتِينَكَ سَعْيًايَأْتِينَكَقيل: إنها جواب قوله: ادْعُهُنَّ، وقيل: إنها جواب لفعل شرط مُقدَّر تقديره: إن تدعهن يأتينك، فعلى القول الأول يكون جوابًا لقوله: ادْعُهُنَّ؛ لأن من لازم أمر الله إياه بدعائهن أن يدعوهن، فكأن الشرط معلوم من الأمر، وعلى القول الثاني لا إشكال، إذا جعلنا يَأْتِينَكَجوابًا لفعل شرط محذوف؛ يعني إن تدعهن يأتينك. يَأْتِينَكَهذه جواب سواء قلنا جواب لفعل الأمر في ادْعُهُنَّأو قلنا: إنها جواب لشرط مُقدّر تقديره: إن تدعهن، فهي مبنية على السكون وليست مجزومة، مبنية على السكون في محل جزم، وإنما بُنيت على السكون لاتصالها بماذا؟
الطلبة: بنون النسوة.
الشيخ: بنون النسوة يَأْتِينَكَ.
وقوله: يَأْتِينَكَمن باب (أتى يَأتي) لا من باب (آتى يُؤتي)، والفرق بين البابين أن (آتى) بالمد بمعنى أعطى، قال الله تعالى: وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا [النساء: ٢٠] يعني أعطيتم إحداهن، وأما (أتى) فهي بمعنى جاء، كما قال تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل: ١] أَتَى أَمْرُ اللَّهِيعني جاء أمر الله.
إذن إذا أردت أن تخبر عن شخص بأنه جاء تقول: أتى، وإذا أردت أن تخبر عن شخص بأنه أعطى تقول: آتى، واضح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إذن يَأْتِينَكَمن باب (أتى يأتي) بمعنى جاء؛ أي يقبلن إليك.
سَعْيًايحتمل أن تكون مصدرًا في موضع الحال؛ لأن سعيًا ما فيه إشكال أنها مصدر، وفعلها (سعى)، لكن هل هي منصوبة على المصدرية وعاملها محذوف تقديره: يأتينك يسعين سعيًا، أو هو مصدر في موضع الحال أي يأتينك ساعيات؟ أيهما أوْلى؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني أوْلى، لماذا؟
الطلبة: لعدم التقدير.
الشيخ: لعدم التقدير، وعندنا قاعدة قررناها فيما سبق: أنه إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام تأكيدًا أو تأسيسًا فهو تأسيس، وبين أن يكون محذوفًا منه أو غير محذوف فهو غير محذوف منه، هذه قاعدتان مفيدتان: إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام تأكيدًا أو تأسيسًا فهو تأسيس، وإذا دار الأمر بين أن يكون محذوفًا منه أو غير محذوف فهو غير محذوف منه. إذن نقول: سَعْيًامصدر في موضع الحال.
قوله: سَعْيًاهل نُفسر السعي في كل موضع بحسبه، أو نقول سعيًا على الأرجل؟ قال بعضهم: إن السعي في كل شيء بحسبه؛ يعني أن سعي الطيور هو الطيران، فالمعنى: يأتينك طيرانًا لا نقص فيهن، أو أنه سعيًا على الأقدام يعني على أرجلهن يعني يمشي المشي لكن بسرعة، في هذا قولان للمفسرين؛ أحدهما: أن السعي هنا بمعنى الطيران؛ لأن سعي كل شيء بحسبه، والثاني: أن المراد بالسعي المشي بسرعة، ولكن أيهما أوْلى فيما يظهر لنا؟
الطلبة: الطيران.
الشيخ: الطيران؛ لأن كونهن يمشين على الأقدام لا يدل على كمالهن؛ إذ إن الطائر إذا كُسر جناحه صار يمشي، لكن كونهن يطرن هذا أبلغ، كأنهن أتين على أكمل الحياة والوجود.
ثم قال: وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌوَاعْلَمْالخطاب لمن؟
الطلبة: لإبراهيم.
الشيخ: لإبراهيم، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌفإذا علمت ذلك علمت كمال قدرته عز وجل لكمال عزته وكمال حكمته؛ لأنه حكيم، والله سبحانه وتعالى يربط دائمًا بين هذين الاسمين: العزيز، والحكيم، أتدرون لماذا؟ لأن العزيز من المخلوقين قد تفوته الحكمة لعزته فيرى نفسه عزيزًا غالبًا فيتهور في تصرفاته، ويتصرف بدون حِكمة، والحكيم أيضًا إذا اقترنت حكمته بعزة صار له سلطان وقوة ولم تفُته الأمور انتظار أن يكون هذا التصرف حكيمًا أو غير حكيم، فجمع الله بين العزيز والحكيم.
فما معنى العزيز؟ ذكر ابن القيم في النونية أن له ثلاثة معانٍ: عزة القَدْر، وعزة القَهر، وعزة الامتناع.
فمعنى عزة القدر: أن الله تعالى ذو قدر رفيع متحاشٍ عن كل نقص، معروف عندنا القدر والشرف.
ومعنى عزة القهر: أن الله تعالى غالب لا يمكن أن يُقهر بل هو القاهر، ومنه قوله تعالى: وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [ص: ٢٣] يعني: غلبني وقهرني في الخطاب.
الثالث: عزة الامتناع يعني: القوة وأنه سبحانه وتعالى لا يضره شيء لقوته، ومنه قولهم في اللغة العربية: أرض عَزَاز، عَزاز يعني صلبة قوية، فصار العزيز له ثلاثة معانٍ: عزة القدْر، عزة القهر، عزة الامتناع.
الحكيم مشتقة من الحُكم والحِكمة، والحُكم نوعان: كوني، وقدَري، والحِكمة نوعان: صورة، وغاية، فالأقسام إذن أربعة، الحكيم منين مأخوذة؟
الطلبة: من الحكم والحكمة.
الشيخ: الحكيم من الحكم والحكمة، والحُكم نوعان والحكمة نوعان، الحُكم نوعان: حكم كوني، وحكم شرعي، يصح أن أقول: حكم قدري وحكم شرعي؟
الطلبة: يصح.
الشيخ: يصح، الحكم الكوني نافذ على كل أحد بكل حال صح؟
الطلبة: صحيح.
الشيخ: شاء الناس أم أبوا، الحكم الشرعي ليس نافذًا على كل أحد، هو ثابت لكن ليس كل أحد يُنفذه، بل من الناس من يستكبر عنه. واضح يا جماعة.
الطلبة: واضح.
الشيخ: نحتاج إلى مثال يؤيد ما قلنا، قال أحد إخوة يوسف: فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي [يوسف: ٨٠] يحكم الله لي حكمًا قدريًّا كونيًّا، يعني ما أفارق أرض مصر إلى بلاد الشام حتى يأذن لي أبي يقول: تعالَ، أو يحكم الله لي، يُقدر ذلك سبحانه وتعالى.
الحكم الشرعي حين ذكر الله عز وجل الأحكام المتعلقة بالنساء المهاجرات في سورة الممتحنة قال: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة: ١٠] هذا حكم شرعي، ومنه قوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]، وإن كان هذا يحتمل أن يكون أيضًا شاملًا للحكم القدري.
الحكمة أولًا ما هي الحكمة؟ الحِكمة هي وضع الشيء في موضعه بحيث لا يقول العقل: إن هذا في موضع لا يليق، بل يقول العقل الصريح: إن هذا في موضع لائق به، سواء كان كونيًّا أو شرعيًّا. قلنا: إن الحكمة صورة وغاية، فالصورة معناها: أن يكون الشيء على صورة معينة، هذا حكمة، الصلاة مثلًا كانت على هذا الوضع حكمة ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: الزكاة كونها لا تجب إلا في أموال معينة وبقدر معين ولأناس معينين حكمة ولّا لا؟
الطلبة: حكمة.
الشيخ: هذه في الأمور الشرعية.
الأمور القدرية: كون الإنسان على هذا الوجه، ذو قامة، مستقيم، يمشي على رجلين حكمة ولّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: وكون الحمار يمشي على أربع حِكمة، لو مشى على رجلين وأيش نحمّل على راسه؟ ما يصلح نعم على ظهره، وعلى هذا فقِس، هذه الحكمة أيش؟
طالب: القدرية.
الشيخ: الكونية القدرية، هذه الحكمة صورة؛ يعني كون الشيء على صورة معينة هذا يكون على صورة معينة موافِقة للحكمة.
هل يلزم أن نعلم حكمة كل شيء في صورته؟ أبدًا، ما يلزم، يعني لو قال قائل: لماذا صارت الصلاة أربع ركعات في الظهر والعصر والعشاء، وركعتين في الفجر؟ ما تستطيع أن تعرف الحكمة، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: الحكمة الغائية، ما هو الغرض من إيجاد هذا الشيء؟ هذا واحد، وما هو الغرض من كونه على هذه الصفة؟ عرفتم. إذن الحكمة تتضمن الحكمة الغائية؟
طالب: الصورة ووجه الصورة.
الشيخ: يعني لماذا كان على هذه الصورة المعينة؟ هذه حكمة، ولماذا شُرع أو لماذا وقع إذا كان كونيًّا؟ هذا أيضًا له حكمة. لو قال قائل: ما الحكمة من الجدب؟ جدب الأرض وعدم النبات قحط المطر، الفساد في الأرض وأيش الحكمة من هذا؟
الطلبة: ليتعظ.
الشيخ: نعم ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [الروم: ٤١]. وأيش الحكمة من خلق المؤذيات كالعقارب والحيات وشدة الحر وشدة البرد وما أشبه ذلك؟
الطلبة: ليتعظوا.
الشيخ: حكمة لها عدة حِكم ذكرنا فيما مضى ست حِكم لخلق هذه الأشياء المؤذية، هذا نسميها حكمة أيش؟
الطلبة: غائية.
الشيخ: غائية، الحكمة من الشرائع، أولًا: التوحيد هو الأصل الأصيل لإيجاد كل الخلق؛ الإنس والجن، ثم هذه الشرائع المتفرعة هي له بمنزلة السقي، عندما تصلي كأنك تسقي قلبك مادة الحياة؛ لأنك تتصل بمن؟ بالله عز وجل، تناجيه وتخاطبه، لكن ترى هذا أُريد الصلاة التي فيها خطاب القلب واللسان لله عز وجل، وأكثر صلاتنا فيها خطاب اللسان فقط، القلب يخاطب مَن؟
الطلبة: الإنسان يبغي الغنيمة من الدنيا.
الشيخ: يختلف، هذا يخاطب سيارته، وهذا يخاطب عمارته، وهذا يخاطب صاحبه، يختلفون الناس حتى إن الإنسان إذا تذكر أنه هوجس وأنه أخطأ ولفّ صلاته يقوم الشيطان فاتحًا باب ثان خل هذا وراك يجي الثاني، ينتبه الإنسان يتجه لصلاته يفتح بابًا ثالثًا، وتجد هكذا أبواب تتفتح وكلها ليس فيها مصلحة للإنسان، أحيانًا إذا انتهت الصلاة بعد الهواجيس اللي من الله أكبر إلى ورحمة الله ذهبت ولا كلمة واحدة تكفيه عنها كلها، وأحيانًا يمضي ويدبّر ويغير ويقدم ويؤخّر في صلاته وإذا انتهى من صلاته وكل الهواجس مرت (...) كله (...) ما يبين، هذا الشيء واضح.
إذن الحكمة من هذه العبادات المتفرعة على التوحيد هي تغذية القلب، تغذية القلب بالاتصال بالله عز وجل، وزيادة الإيمان، ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت: ٤٥] فتبين بهذا وجه حكمة الله عز وجل في أحكامه الكونية والشرعية.
نرجع الآن إلى الآيات الكريمة لنأخذ فوائدها: أولًا: قال إبراهيم لربه: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى.
فيستفاد من هذه الآية الكريمة: أن التوسل إلى الله بربوبيته من آداب الدعاء التي يتوسل بها الرسل (ربِّ)، الحكمة لأن إجابة الدعاء من مقتضات الربوبية؛ إذ إنه فعل، وكل ما يتعلق بأفعال الرب فهو من مقتضيات الربوبية، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام حين ذكر: «الرَّجُلُ يُطِيلُ السَّفَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَقُولُ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ» ولو تأملت أكثر أدعية القرآن وجدتها مُصدرة بالرب؛ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [آل عمران: ١٩١ - ١٩٣] إلى آخره، وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٤٧]، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَالأن إجابة الدعاء من مقتضيات الربوبية، إذن نستفيد من هذا: أن من آداب الدعاء أن يتوسل الإنسان الداعي إلى الله بربوبيته.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان أن يطلب ما يزداد به يقينه لقوله: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَىلأنه إذا رأى بعينه لا شك أنه يزداد.
ومنها: أنه ليس خبر اليقين كعين اليقين أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى؛ لأن إبراهيم عنده خبر اليقين بأن الله قادر لكن يريد عين اليقين.
ومنها: أن عين اليقين أكمل من خبر اليقين، ولهذا جاء في الحديث: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» . يقول العلماء: إن اليقين له درجات ثلاثة: عِلم، وعين، وحق، كلها موجودة في القرآن وأظن في سورة واحدة، لا في سورتين، كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ [التكاثر: ٥] بعدها؟
الطلبة: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ [التكاثر: ٦]
الشيخ: لَتَرَوُنَّجواب لو؟ جواب لو هذه لَتَرَوُنَّهي جواب لو ولّا لا؟
الطلبة: إي نعم، لا.
الشيخ: لا، ولهذا يجب الوقوف كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِتقف لازم؛ لأنك لو وصلت لأوهم أن قوله: لَتَرَوُنَّجواب لـ (لو)، ولو كانت جوابًا لـ (لو) اختلف المعنى كثيرًا، ولهذا بعض الناس نسمعهم يقرؤون كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّهذا ما هو صحيح؛ لأن لَتَرَوُنَّجواب لقسم محذوف تقديره: والله لترون. ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ [التكاثر: ٧] هذا علم اليقين وعين اليقين؟ أين حق اليقين؟ في آخر سورة الواقعة: إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ [الواقعة: ٩٥].
نضرب مثالًا يوضح الأمر، قلت: إن معي تفاحة حلوة، وأنا عندك ثقة، هذا أيش؟
الطلبة: خبر اليقين.
الشيخ: إيه، خبر اليقين، هو بالنسبة لي خبر، وبالنسبة لك علم، علمت الآن أن معي تفاحة حلوة، فأخرجتها من جيبي وقلت: هذه التفاحة، عين اليقين، ثم أعطيتك إياها وأكلتها وإذا هو حلوة، هذا حق اليقين واضح؟ هذا الفرق بين علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين.
إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان عنده علم اليقين بلا شك أن الله قادر على إحياء الموتى، لكن يريد عين اليقين، ولهذا قال الله له: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. يقول: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى.
من فوائد الآية: إثبات أفعال الله الاختيارية، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى له أفعال تتعلق بمشيئته. في قوله: تُحْيِ الْمَوْتَى.
ومن فوائدها: تمام قدرة الله سبحانه وتعالى بإحياء الموتى، وعليه جاءت الآية الكريمة: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ [التغابن: ٧] فكفرهم بإنكار البعث.
ومن فوائدها: إثبات الكلام لله عز وجل قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ، قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً، والله سبحانه وتعالى يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء، بما شاء من القول، متى شاء في الزمن، كيف شاء في الكيفية، وكلام الله سبحانه وتعالى بأصوات مسموعة وحروف مقروءة؛ لأن هذا اللي نقرأ الآن أمامنا كلام الله وإبراهيم سمع كلام الله ولّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إذن هو بصوت، بأصوات مسموعة وحروف مقروءة.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن إبراهيم مؤمن بقدرة الله عز وجل على إحياء الموتى لقوله: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى.
فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين ما ثبت في الصحيح؛ صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ» ، فأثبت شكًّا فينا وفي إبراهيم، وأننا أحق بالشك من إبراهيم؟
فالجواب: أن الحديث لا يراد به هذا المعنى؛ لأن هذا معنى يخالف الواقع، فهل عند الرسول عليه الصلاة والسلام شك في إحياء الموتى؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لكن المعنى: أن إبراهيم لم يشُكّ فلو قُدر أنه يشك فنحن أحق بالشك منه، وما دام الشك منتفيًا في حقنا فهو في حقه أشد انتفاء؛ لأننا لو قدر الشك في هذا الباب لكنا أيش؟ أحق بالشك من إبراهيم، فإذا علم أننا نؤمن بأن الله قادر فإبراهيم أولى منا بالإيمان، هذا هو معنى الحديث ولا يحتمل غيره.
فإن قلت: ولا زال الإشكال هل إبراهيم أكمل إيمانًا من محمد صلى الله عليه وسلم؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، ولكن هذا قاله صلى الله عليه وسلم على سبيل التواضع، ولهذا قرن بينه وبين قوله: «وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِي» ، يوسف كم بقي بالسجن؟
الطلبة: سبع سنين.
الشيخ: بضع سنين، وجاءه رسول الملك يدعوه، قال له: ما أطلع ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ [يوسف: ٥٠] مع أنه اللي يحبس سبع سنين وقالوا: اطلع يطلع ولّا لا؟ هذا مقتضى الطبيعة، لكن يوسف عليه الصلاة والسلام كان حليمًا، كان حليمًا حازمًا، قال: ما أطلع حتى تظهر البراءة براءتي كاملة ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّإلى آخر القصة فتبين بهذا أنه لا يلزم من قول الرسول عليه الصلاة والسلام هذا أن يكون إبراهيم أقوى إيمانًا منه.
من فوائد الآية الكريمة: إثبات زيادة الإيمان في القلب، بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، ففيه رد على من قالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولا ريب أن هذا القول ضعيف؛ لأن الواقع يكذبه، والنصوص تكذبه أيضًا، ففي القرآن قال الله تعالى: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح: ٤]، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة: ١٢٤]، وفي السُّنة: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ» ، فالإيمان إذن يزيد، ولكن يزيد كمية أو كيفية، أو كمية وكيفية؟
الطلبة: كمية وكيفية.
الشيخ: كمية وكيفية، كمية فالذي يسبح عشرًا أزيد إيمانًا من الذي يسبح خمسًا، والذي يصلي عشر ركعات أزيد إيمانًا من الذي يصلي خمسًا، هذا يزداد بماذا؟
الطلبة: بالكمية.
الشيخ: بالكمية، بالكيفية يزداد الإيمان بالكيفية، صلى ركعتين بطمأنينة وخشوع وتأمل، وصلى أربع ركعات لكن بسرعة، الثاني فيه زيادة العدد والأول فيه زيادة الكيفية، كذلك يزداد الإيمان بحسب إقرار القلب؛ لأننا ذكرنا الآن عمل الجوارح، يزداد الإيمان بحسب إقرار القلب، كلما كثرت الآيات لدى الإنسان لا شك أنه يزداد إيمانًا رسوخًا، اقرأ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍعلى طرف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ [الحج: ١١] هذا إيمانه ضعيف مهزوز، إن كان مشى ما جاءه فتنة فهو ماشي، وإن أتاه فتنة شُبهة أو شهوة انقلب على وجهه، نحن الآن هنا ما عندنا أحد يعارضنا في العقيدة ما عندنا معتزلة ولا جهمية ولا جبرية ولا أحد ماشين على الفطرة صح ولَّا لا؟
الطلبة: صح.
الشيخ: لكن لو يُبتلى الإنسان يجي واحد من عفاريت الإنس جيد في المجادلة والمحاجة من المعتزلة ربما يؤثر عليه، وينقلب؛ لأن ما عنده رسوخ، كذلك إنسان عنده إيمان، لكن تعرضت له امرأة ذات منصب وجمال وأغرته حتى وقع، وإنسان آخر تعرضت له هذه المرأة لكن قال: إني أخاف الله، تجد الفرق بينهما، فالمهم أن القول الراجح الذي لا شك فيه والذي تدل عليه الأدلة السمعية والواقعية أن الإيمان يزيد وينقص.
طالب: قولنا سَعْيًاما نقول: الأولى أن يسعى على الأرض بسرعة؛ لأنه هو يعني اللفظ؟
الشيخ: هو المتبادر.
الطالب: المتبادر.
الشيخ: إيه، لكن بس هؤلاء الآخرون يقولون: سعي كل شيء بحسبه، أقول: سعي كل شيء بحسبه، فالطيور تسعى بأجنحتها.
الطالب: فيه مثال يا شيخ في القرآن سعي كل شيء بحسبه؟
الشيخ: إي نعم كيف؟ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: ٩] ما هو المراد بأنكم تركضون بالأقدام.
الطالب: بس الغالب الركض على القدم.
الشيخ: لا، إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِهذا ما هو السعي الذي هو الركض على القدم.
الطالب: هذه معروفة يعني من السياق؟
الشيخ: هذا يكون معروفًا من السياق، ما دام أضيف السعي إلى الطير فهو سعي الطيور، وعلى كل حال المسألة محتملة فيه، إن رجعنا إلى اللفظ فالسعي هو بالقدم، إن رجعنا إلى المعنى فالسعي بالجناح.
الطالب: شيخ، من قال إن الحكمة المراد بها السُّنة؟
الشيخ: لا هذه ما هي هنا مثل: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [النساء: ١١٣] صحيح المراد بها السنة مع أن الصحيح أن المراد بقوله: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَما هو أعم يعني الحكمة: الشريعة الواقعة موقعها ومنها السُّنة، ولهذا قال: يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [آل عمران: ١٦٤] يعني أسرار الشريعة.
طالب: شيخ، الحُكم والقضاء والإرادة كلها لها تقسيمات كونية وشرعية الفرق بينهم؟
الشيخ: الفرق بينهن كالفرق بين معناهن، فالإرادة غير الحكم؛ لأن الله يُريد ثم يحكُم كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة: ١] فكل شيء بحسبه له معنى مستقل لكن يُقسّم، وكذلك القضاء والحكم والكتابة كونية وشرعية وأشياء كثيرة.
طالب: الآيات ألا تُختم بأسماء وصفات تناسبها؟
الشيخ: بلى.
الطالب: كون الآية خُتمت باسم العزيز في سياق سؤال إبراهيم على إحياء الموتى هل يشير بذلك إلى تحريم مثل هذا السؤال مستقبلًا؟
الشيخ: لا، يأتينا هذا في الفوائد نشوف إن شاء الله.
طالب: شيخ، يعني يقول: قال إبراهيم، هل المقصود يا شيخ إبراهيم كلم الله عز وجل كما كلمه موسى تكليمًا أو وحيًا؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: أقول: كيف كلم الله إبراهيم كلم الله عز وجل وحيا أو مباشرة كما كلم موسى؟
الشيخ: لا، الظاهر أنه مباشرة، لكن إحنا ذكرنا لكم من قبل لماذا خُصّ موسى بأنه الكليم.
الطلبة: بالرسالة.
الشيخ: لأنه كُلم بالرسالة من عند الله لا وحيًا، وإلا الله كلم محمد عليه الصلاة والسلام وكلم موسى وكلم آدم.
طالب: شيخ، ممكن الآن الواحد يسأل سؤال إبراهيم: رب أرني كيف كذا؟
الشيخ: إذا كان ممكنًا، إن كان غير ممكن فهو يصير من الاعتداء في الدعاء، وإن كان ممكنًا فهو جائز.
الطالب: شيخ، القدرة قلنا القوة أقوى من القدرة في الآية الثانية؟
الشيخ: نعم أكمل من القدرة فيمن يوصف بالقوة.
الطالب: هذا بالنسبة للمخلوق ومثلّناه يا شيخ أما بالنسبة للخالق عز وجل هما صفتان مستمرتان؟
الشيخ: إي نعم، لكن نقول: القدرة ضدها العجز، والقوة ضدها الضعف.
الطالب: هذا بالنسبة للمخلوق يا شيخ.
الشيخ: وحتى بالخالق، ولهذا قال: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا [فاطر: ٤٤].
الطالب: نعم، ما يكون من جهة الكمال يا شيخ، وبس هذا تنويع في الآيات؟
الشيخ: لا لا، القدرة يقابلها العجز لا شك.
طالب: شيخ، في مسائل الاعتقاد التي تطرأ على المؤمنين من الناس، يعني هل تطرأ على الأنبياء؟
الشيخ: والله ربما، وهذا على تفسير ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنَّ أرْجَى آيَةٍ في القرآنِ هي هذِهِ الآيَةُ وقال غيره: أرجى آية في القرآن قوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣]، وقال آخرون: أرجى آية: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: ٤٨]، ابن عباس رضي الله عنه قال: إن هذا الوساوس التي يلقيها الشيطان في قلب الإنسان يغفر الله للإنسان فيها، ولهذا قال: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىفهذا الوسواس الذي قد يأتي للإنسان يرتفع ولا يضر، وجعل بعض العلماء منه قوله تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا [يوسف: ١١٠].
طالب: ما نجعل منه قوله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى [الحج: ٥٢]؟
الشيخ: لا لا ما هي من هذا النوع؛ لأن ذاك الشيطان يلقي في أمنيته.
الطالب: لأنه قد يلقي الشيطان في أمنيته؟
الشيخ: لا ما هي بأمنيته ما يتمناه في قلبه، الصواب أن الأمنية هنا بمعنى القراءة كقوله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة: ٧٨]، وأن الشيطان قد يسمع على لسان النبي ما يرضاه الشيطان ولا يرضاه النبي.
***
بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠].فيه أيضًا: جواز الاقتصار في الجواب على الحرف الدال عليه، من أين يؤخذ؟
الطلبة: من قوله: بَلَى.
الشيخ: من قوله: بَلَى، وعليه فلو قيل للرجل: أولم تُطلّق زوجتك؟ فقال: بلى، طلقت، ولو قيل للرجل: أزوجت فلانًا؟ قال: نعم، انعقد؛ لأن حرف الجواب يغني عن ذكر الجملة.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على من قال: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، لقوله: وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِيفإن الطمأنينة زيادة إيمان وقوة.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: جواز امتحان الله عز وجل العبد بما يزداد به إيمانه لقوله: خُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِإلى قوله: يَأْتِينَكَ سَعْيًا.
ومن فوائدها أيضًا: كمال قدرة الله تعالى حيث حصل إحياء الموتى؛ أي إحياء هذه الطيور بمجرد دعوة إبراهيم إياهن، أقبلن، فأقبلن سعيًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: العزيز والحكيم.
وإثبات ما تضمناه من الصفة، وهي العزة والحكمة؛ لأن كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة ولا عكس، يعني ليس كل صفة يُؤخذ منها اسم، لكن كل اسم يؤخذ منه صفة، لماذا؟ لأن أسماء الله عز وجل أعلام وأوصاف، بخلاف أسماء الإنسان فقد تكون أعلامًا وأوصافًا والغالب عليها أنها مجرد أعلام.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس الخبر كالمعاينة لقوله: أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَىودرجات اليقين ثلاثة: علم، وعين، وحق، علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، أيها أعلى؟
الطلبة: حق اليقين.
الشيخ: حق اليقين، ويظهر ذلك بالمثال، فإذا قلت لك: إن عندي تفاحة حلوة، فهذا علم اليقين، فإذا أريتك إياها فهو عين اليقين، فإذا أكلتها، فهذا حق اليقين كذا؟ الكفار وعدوا النار، فإذا رأوها يوم القيامة فهو عين اليقين وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا [الكهف: ٥٣]، فإذا دخلوها فهو حق اليقين.
***
قال الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ [البقرة: ٢٦١]
مَثَلُيُطلق المثل على الشبه، ويُطلق المثل على الصفة، فإن ذُكر مماثل فالمراد به الشبه وإلا فالمراد به الصفة، ففي قوله تعالى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ [محمد: ١٥] المراد بالمثل هنا الصفة، لماذا؟ لأنه لم يُذكر المماثل، أما إذا قيل: مثل هذا كمثل هذا فهذا بمعنى الشبه، فقوله تعالى: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا [البقرة: ١٧] إلى آخره، هنا مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍهذا المراد به الشبه؛ يعني شبه هؤلاء كشبه هذا الشيء، ولننظر الآن هل هناك مطابقة بين الممثَّل والممثَّل به؟ لا؛ لأن الممثل هو العامل والممثل به العمل، فالحبة ليست بإزاء المنفِق لكنها بإزاء المنفَق، ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: من الذي يقوم بإزاء المنفِق؟
الطلبة: زارع الحبة.
الشيخ: زارع الحبة، ولهذا قال بعض العلماء: إن الآية فيها تقدير إما في المبتدأ وإما في الخبر، فإما أن يُقدر: مثل عمل الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة، أو يُقدر: مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل زارع حبة أنبتت سبع سنابل، أما هنا في الآية الكريمة ففيها في الحقيقة اختصار، اختصار لفائدة وهي: أنه أن هذا التمثيل انتظم تمثيل العامل والعمل، مَثَلُ الَّذِينَكَمَثَلِ حَبَّةٍ، إذن لا بد من عمل ولا بد من عامل، فالمثل انتظمهما جميعًا، وهذا من بلاغة القرآن.
قوله: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَما معنى الإنفاق؟ معناه البذل، والأموال جمع مال، وهو كل ما يتموّله الإنسان من أعيان أو منافع، الأعيان مثل؟
الطلبة: السيارات والدراهم.
الشيخ: كالدراهم والدنانير والسيارات والدور وما أشبه ذلك، والمنافع كالعين المستأجرة فإن المستأجِر مالك للمنفعة، المهم أن المال يشمل، وأيش يشمل؟ الأعيان والمنافع كل ما يملكه الإنسان من عين أو منفعة فهو مال.
وقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِسبيل بمعنى طريق، وسبيل الله سبحانه وتعالى هو شرعه؛ لأنه يهدي إليه ويوصل إليه، قال الله تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [الأنعام: ١٥٣] فالسبيل بمعنى الشرع، وأضيف إلى الله لسببين؛ السبب الأول: أنه هو الذي وضعه لعباده وشرعه لهم، والسبب الثاني: أنه مُوصل إليه، ويضاف السبيل أحيانًا إلى سالك السبيل، فيقال: سبيل المؤمنين كما قال الله تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء: ١١٥] هل بينهما تناقض؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه يضاف إلى المؤمنين باعتبار أنهم هم الذين سلكوا، وإلى الله باعتبار أنه الذي وضعه وأنه موصل إليه، كما أن السبيل أيضًا يضاف إلى سالكيه من غير المؤمنين، قال الله تعالى عن موسى لأخيه هارون: وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف: ١٤٢]، وقال تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام: وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الجاثية: ١٨]، وقال تعالى: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام: ٥٥] إلى غير ذلك من الآيات، وذلك لأن السبيل هو الطريق فيضاف إلى كل أحد بحسبه.
فِي سَبِيلِ اللَّهِقلت: المراد بذلك: في شرع الله؛ لأن شرع الله هو سبيله، ومعنى إنفاقهم في شرع الله أن يكون ذلك إخلاصًا لله واتباعًا لشرعه، فمن نوى بإنفاقه غير الله فليس في سبيل الله مثل الرياء، رجل أنفق في الجهاد أو أنفق في الصدقة على المساكين، لكنه أنفق ليقال: إن فلانًا جواد، أو إنه كريم، هذا ليس في سبيل الله، حقل العمل في سبيل الله ولّا لا؟
طالب: في سبيل الله.
الشيخ: يعني هذا الرجل أخذ مال وراح تصدق به على الفقراء أو ذهب إلى الذين يقبلون للجهاد فأعطاهم، الحقل هذا يعني مكان العمل في سبيل الله ولّا لا؟
الطلبة: نعم، في سبيل الله.
الشيخ: لكن عمل هذا الإنسان ليس في سبيل الله، لأيش؟ لأنه مرائي ما قصد وجه الله عز وجل، إذن ما أراد السبيل الذي يوصل إلى الله، ولا يهمه أن يقبل الله منه أو أن لا يقبل لا يهم، المهم أن يقال عند الناس أنه رجل كريم أو جواد.
فِي سَبِيلِ اللَّهِأيضًا لا بد أن يكون على حسب شريعة الله، فإن أنفق في وجه لا يرضى به الله فليس في سبيل الله، كذا؟ وإن أخلص لله، كرجل ينفق على البدع، إنسان يقول: أنا أريد بذلك وجه الله لكن ينفق على البدع، وهذا كثير كبناء الرُّبط للصوفية المنحرفة، بناء البيوت للأعياد الميلادية، طبع الكتب المشتملة على بِدع، هذا قد يريد الإنسان بذلك وجه الله لكنه ضال، فهل يكون في سبيل الله؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، هذا لا يكون في سبيل الله، إذن فِي سَبِيلِ اللَّهِلا بد فيه من شيئين:
الأول: أن يكون خالصًا لله.
والثاني: أن يكون متبعًا فيه شريعة الله سبحانه وتعالى.
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ. فِي سَبِيلِ اللَّهِالمراد به هنا كل شيء شرعه الله أو المراد به قتال أعداء الله؟ أكثر ما يُطلق سبيل الله على قتال أعداء الله، ولكنه قد يُراد به ما هو أشمل وأعم كهذه الآية فيكون شاملًا.
كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَحبة بذرها إنسان فأنبتت سبع سنابل، صارت الواحدة سبعة. فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍتكون الجميع سبع مئة، فالحسنة إذن في الإنفاق في سبيل الله تكون بسبع مئة.
وهل هذا حد؟
الطلبة: لا.
الشيخ: قال الله تعالى: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُقد يضاعف الله تعالى أكثر من ذلك لمن يشاء، وكلمة لِمَنْ يَشَاءُليس هناك مشيئة مجردة بالنسبة لله عز وجل، بل مشيئة الله مقرونة بالحِكمة فيضاعف لمن يشاء ممن اقتضت حكمته أن يضاعف له، وأسباب مضاعفة العمل تقدمت لنا، وذكرنا أن أسبابها كم؟
الطلبة: سبعة.
الشيخ: سبعة، من أهمها الإخلاص، هل يمكن أن نتذكرها الآن؟ يمكن أن نتذكر أسباب مضاعفة العمل؟
طالب: (...)
الشيخ: هذا واحد.
طالب: اعتبار النية.. الزمن.
الشيخ: قلت على النية؟
طالب: نقول يعني هذا شيء.
الشيخ: باعتبار الزمن.. باعتبار المكان.
طالب: باعتبار العمل.
الشيخ: العمل نفسه جنسه ولّا نوعه؟
الطالب: جنسه ونوعه.
الشيخ: جنسه ونوعه زين.
طالب: الإخلاص.
الشيخ: الإخلاص، النية.
طالب: باعتبار الحال.
الشيخ: الحال.
طالب: باعتبار الكيفية.
الشيخ: باعتبار الكيفية؟
الطالب: ما يدخل في نوع العمل.
الشيخ: ما يدخل في نوع العمل؟
أولًا: الدليل على ما قلت اعتبار العامل ما هو الدليل؟
الطالب: (...)؟
الشيخ: أحسنت، هذا باعتبار العامل، فيه أيضًا دليل آخر؟
الطالب: قوله تعالى: إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ [المائدة: ٢٧].
الشيخ: لا هذاك ما (...).
الطالب: مِنَ الْمُتَّقِينَ؟
الشيخ: لا.
طالب: قال: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ.
الشيخ: لا.
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «سبق الدرهم الدينار الألف» أو بما معناه.
الشيخ: إيه، لا لا، هذا باعتبار الحال.
طالب: أجر المصابرة في آخر الزمان يكون للصابر أجر خمسين.
الشيخ: صح، المصابرة في آخر الزمان يكون للعامل أجر خمسين .
طالب: خمسين أيش؟
الشيخ: خمسين من الصحابة.
طالب: الحال أليس تقدر فيما قال، الحديث..
الشيخ: الحال كما في قول الرسول أي الصدقة أفضل؟ قال: «جُهْدُ الْمُقِلِّ» ، طيب الزمان؟
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ» و«صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ سَنَةً مَاضِيَةً وَسَنَةً قَادِمَةً» والعشر الأوائل من ذي الحجة.
الشيخ: وأيش الدليل في العشر الأوائل من ذي الحجة؟
طالب: فيه حديث.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ» .
الشيخ: المكان عندك.
الطالب: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» .
الشيخ: طيب من؟
طالب: العمل، في معركة بدر الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «مَا يَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَإِنِّي غَفَرْتُ لَكُمْ» .
الشيخ: وغيره؟
طالب: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ» .
الشيخ: صح، فالفرائض أفضل من جنس النوافل، النوع؟ أن يكون باعتبار النوع أيضًا؟
طالب: مثل الفرائض والعشر الأواخر.
الشيخ: الفرائض جنس، ونفس الفرائض تختلف، فالصلاة أفضل من الزكاة والزكاة أفضل من الصيام وصلاة العصر أفضل من غيرها.
طالب: الفرائض ولا السنن.
الشيخ: إي نعم، وباعتبار النوع؟ لماذا لا نقول الصلاة أفضل من الزكاة؟
طالب: شيخ، هذا بشكل عام.
طالب آخر: الصلاة جنس.
الشيخ: شوف الآن جنس الفرائض أفضل من النوافل، هذا جنس، الجنس هو الذي تحته أنواع، وما مر علينا هذا في تعريف الجنس؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: الجنس هو الذي تحته أنواع، الفرائض تحتها أنواع: صلاة، زكاة، صيام، حج ولَّا لا؟
طالب: نعم، الصلاة.
الشيخ: طيب، إذن الصلاة أفضل من الزكاة، الزكاة أفضل من الصيام، واضح؟ هذا باعتبار النوع.
طالب: الدليل؟
الشيخ: الدليل أن الصلاة من تركها فهو كافر، والزكاة ورد فيها من العقوبات ما لم يرد في الصيام والحج، بقي لنا أيضًا النوافل تختلف ولّا ما تختلف؟
طالب: تختلف.
الشيخ: تختلف، بعضها أوكد من بعض، هذا باعتبار النوع وأيش بقي علينا خمسة ها دولي؟
طالب: كيفية المتابعة.
الشيخ: الحال، كيفية العمل.. الكيفية؟
الطالب: الذي يؤدي الصلاة بخشوع أفضل من الذي لا يؤديها بغير خشوع.
الشيخ: نعم، كلما كان الإنسان أتبع في عبادته للرسول صلى الله عليه وسلم كان أكمل، فصلاة بخشوع أفضل من صلاة بلا خشوع.
طالب: باعتبار النية.
الشيخ: نعم، باعتبار النية، الاختلاف باعتبار النية، وهذا الأخير ينبغي أن يكون هو الأول؛ لأن له تأثيرًا عظيمًا بالغًا.
قال الله عز وجل: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُهل هو على إطلاقه وأنه يضاعف سبحانه وتعالى لمجرد المشيئة؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، بل يضاعف لمن يشاء ممن اقتضت حكمته أن يضاعف له؛ لأنه سبقنا قاعدة: أن كل شيء عُلق بمشيئة الله فإن المراد به المشيئة المقرونة بالحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠].
قال: وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌوَاللَّهُ وَاسِعٌومن سعته عز وجل سعة فضله وثوابه، وَاسِعٌيعني في كل صفاته، عِلمه أوسع العلوم، رحمته أوسع الرحمة، وحلمه أوسع الحلم، وعطاؤه أوسع العطاء، وعلى هذا فقِس، فكل صفاته فإنها صفات واسعة عظيمة عُليا، وعَلِيمٌأي ذو علم، والعلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا هو على ما هو عليه، صح؟
الطلبة: نعم، صح.
الشيخ: سئل: متى غزوة بدر؟ قال: في السنة الخامسة، متأكد؟ قال: متأكد مثل ما أنك تكلمني الآن، نقول: هذا ما هو علم يسمى جهلًا مركبًا. سألناه عن غزوة بدر فقال: لا أدري، عالم ولا غير عالم؟
الطلبة: عالم.. غير عالم.
الشيخ: السؤال لواحد.
الطالب: قال لا أدري، قال: ما يدري ما يعلم.
الشيخ: إيه هل هو عالم ولا غير عالم؟
الطالب: هو غير عالم.
الشيخ: غير عالم، صح، ولكن هذا يسمى جهلًا بسيطًا، يعني غير مُركَّب.
سألناه عن غزوة بدر قال: إما في الثانية أو في الثالثة، ويترجح عندي أنها في الثانية، علم هذا؟
الطلبة: ظن.
الشيخ: ظن؛ لأنه ما جزم، الثالثة تسمى؟
الطلبة: شك.
الشيخ: لا، شوف الثانية لأنه قال: أظن أنها في الثانية.
الطلبة: ظن.
الشيخ: هذا ظن أو الثالثة.
الطلبة: وهم.
الشيخ: وهم. قال: لا أدري أفي الثانية أم في الثالثة، هذا؟
الطلبة: شك.
الشيخ: هذا شك تمام؟ هذه أنواع الإدراكات، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
قال: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ٢٦٢].
في الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْهذه مبتدأ، خبرها لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْجملة، جملة: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، يقول الله عز وجل لما بين فيما سبق الإخلاص وهو سابق على الإنفاق والمتابعة وهي سابقة على الإنفاق ذكر هنا الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِثم يعدم منهم ما يُبطل نفقتهم، يعني لأن النفقة لها شروط سابقة ولها مُبطلات لاحقة، الشروط السابقة: الإخلاص، والمتابعة أن تكون في سبيل الله، والشروط اللاحقة أن لا تتبع بالمن والأذى، يعني قد يُنفق الإنسان ماله في سبيل الله على وجه الشريعة، لكن يتبع هذا الإنفاق منًّا أو أذى بالنسبة للمنفَق عليهم، فذكر بعد، قال الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًىأما الأول الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِفقد سبق الكلام عليه.
(ثم) أي بعد الإنفاق، وأتى بـ (ثُمَّ) الدالة على الترتيب والتراخي، يعني: ثم لا يتبعون ولو بعد مدة. مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًىمَنًّا وَلَا أَذًى، المنّ هو أن يظهر الإنسان المنفق للمنفق عليه أن له عليه فضلًا كأن يظهر بمظهر المترفع عليه، وكأنه إذا رآه يقول له بعينه ما هو بفمه يقول: اذكر اللي أنا أعطيتك، هذا يمكن ولّا لا؟
الطلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن، يعني تحس من ملامحه أنه يقول: اذكر اللي أنا أعطيتك، هذا يعتبر من، فإن أظهر ذلك للناس فهو أذى، بأن يقول مثلًا عند الناس: شوف هذا الرجل أنا أعطيته وأعطيته وكسوته وبنيت له بيتًا وفرشت له البيت وأثثته، وأتيت له بأرزاق ومع ذلك ما كأني عنده إلا واحد من الناس، هذا وأيش يكون هذا؟
الطلبة: أذى.
الشيخ: يكون أذى، فالذي يمن على المعطى أو يؤذيه بالقول الدال على مِنَّته عليه هذا يبطل أجره بهذا السبب، والذي لا يتبع ما أنفق مَنّا ولا أذى له الأجر كاملا ولهذا قال: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْالأجر: ما يعطاه العامل في مقابلة عمله، ومنه أجرة الأجير، وسمى الله سبحانه وتعالى هذا الثواب أجرًا؛ لأنه عز وجل تكفل للعامل بأن يجزيه على هذا العمل، فصار كأجر الأجير، وقد سمى الله تعالى الثواب أجرًا تشبيهًا للعمل بالاستئجار، وسماه مرة قرضًا وهو أبلغ في الكرم، قرضًا مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً [البقرة: ٢٤٥] كأن هذا العمل الذي عملته لله عز وجل كأنه قرض أقرضته الله، ووجه الشبه بينهما أن في كل منهما التزام بماذا؟ بالوفاء فسماه الله قرضًا.
قال عز وجل: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْمدخر عنده، هذا الأجر المدخر أمر مجزوم به، وهل للذي أنفق ولم يُتبع ما أنفق منا ولا أذًى هل له أجر مُقدم؟ الجواب: نعم، دل عليه قوله تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ: ٣٩] أي يأتي بخلَفه وبدله، فتبين الآن أن الإنسان المنفِق في سبيل الله الذي لم يُتبع ما أنفق منًّا ولا أذى له أجر مدخر عند الله تكون الحسنة سبع مئة وله ثواب عاجل وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.
طالب: شيخ، مثلًا يذكر أنه فعل لكن ما هو عنده اللي هو أعطى مثلًا يقول: أعطيتك أو فعلت يعني في غيبة؟
الشيخ: حتى هذا فيه أذى.
الطالب: لكن هذا ما إنه؟
الشيخ: لا هذا أذى؛ لأن هؤلاء الذين علموا بذلك ربما يذكرونه يومًا من الدهر، وربما أيضًا يعني يهبط ميزان هذا الرجل الْمُعطى يهبط ميزانه عندهم.
طالب: أقول: لو ما يقصد واحدًا بعينه يقول: أعطيت كذا يعني؟
الشيخ: إيه لا بأس، هذا لا بأس لكن هذا يُخشى فيه من الرياء أو الإعجاب.
طالب: شيخ، ما الواجب على الذي أُنفق عليه إذا مثلًا أحسّ بالمنّة هل يرجع الذي أعطاه أو يعني؟
الشيخ: هذه ما تجيء بالفوائد، لكن سؤاله مهم يقول: هل المنفق عليه إذا أحس بأن المنفِق مَنَّ عليه أو ربما آذاه هل الأفضل أن يبقى قابلًا للإنفاق أو يرده؟
طالب: يرده.
الشيخ: يرده كذا؟ طيب إذا رده هل يلزم المنفِق قبوله أم لا؟
طالب: لا يلزم.
الشيخ: لا يلزم؛ لأنه قد ملكه، المعطَى ملكه الآن، فرجوعه إلى المنفق معناه تجديد ملك فلا يلزمه قبوله، لكن له أن يقول: يا إما أن تقبل أو تحبس لسانك عن الكلام والأذى.
الطالب: شيخ، في الحديث: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ» ، وحدد المجازاة إلى سبع مئة، وفي هذه الآية غير محددة المجازاة؟
الشيخ: نعم، ما يمنع فإما أن يقال: هذا خاص بالصدقة والإنفاق؛ لأن الإنفاق الإنسان يكون فيه شحيحًا، وكما قال الله تعالى في وصفه: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: ٨] وقال: تُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: ٢٠]، وكثير من الناس يهون عليه العمل بالنسبة للإنفاق، وإما أن يقال: الاقتصار على السبع مئة في الحديث لا يمنع الزيادة؛ لأن الله قال: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءفيكون الأجر السبع مئة هو الأجر المحتّم وما زاد فهو بفضل الله.
طالب: الحديث فيه زيادة: «وَيُضَاعِفُ سَبْعَ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ» ؟
الشيخ: لا ما هو بهذا الحديث.
الطالب: حديث ابن عباس: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ» .
الشيخ: لا ما هي في هذه هو يعني حديث الصوم.
الطالب: شيخ، أقوال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا» إلى آخر الحديث كيف نوفق بين هذا الحديث وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم يعني في الصبر في آخر الزمان يعني ما يبلغ مثل خمسين صحابي، هنا يقول: «مَا يَبْلُغُ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»؟
الشيخ: إي نعم هذا مر علينا الجمع بينهما، تذكرونه؟
الطالب: هذا باعتبار أصل العمل.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: الحديث الأول.
الشيخ: اللي هو؟ في حق الصحابة ولا في حق الصبر؟
الطالب: لا، في حق الصحابة (...) هذا يعني عمله أحد الصحابة. الوجه الثاني: ما يمنع كونه من التابعين قد يكون من المغزى من بعض الصحابة، يعني من الأصل في الأصل.
الشيخ: لا، ما هو هذا.
طالب: كون العمل قد يعني عمل بعض الصحابة قد يفضل هذا عن الصحابي، ولكن الصحابي يفضل عليه بالصحبة، الصحبة هي فوق (...)
طالب آخر: هو مثلًا إذا وصل هذا الصابر كعمل الصحابة في ذلك الوقت يكون أجره كأجر خمسين صحابي، أما إذا لم يصل إلى عمل الصحابي فإنه يعني لا يصل.
الشيخ: ما فهمت يعني فسر لي ها الكلام؟
الطالب: يعني مثلًا الصابر إذا عمل كعمل الصحابي.
الشيخ: يعني مثلًا صلى صلاة الفريضة.
الطالب: لا، يعني عمل، لا، ما هو بس صلاة الفريضة كل أعمالهم؛ لأن أعمالهم كثيرة الصحابة.
الشيخ: خلها في الصدقة تصدق الصحابي بمُد وتصدق الصابر بمد كيف نقول؟
الطالب: يعني مثلًا إخلاص الصحابي غير إخلاص.. ما في القلوب غير ما في قلوب الصحابة.
طالب آخر: الحال الأول: باعتبار عصر الصحابة أفضل باعتبار العامل لكن في آخر الزمان باعتبار أجر العامل يكون أفضل أنه يعني لاقى من الصحابة ما لم يلاقيه هو؟
الشيخ: يعني معنى ذلك أن عمل الصحابة أفضل ممن بعدهم بلا شك، لكن هذا له أجر خمسين من أجل معاناة العمل ومشقته، كالذي أصاب السُّنّة في التيمم لما لم يُعد الصلاة قال: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ» والثاني قال له: «الْأَجْر مَرَّتَيْنِ» ، فهل نقول الآن إن هذا أفضل من ذاك؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، فيقال: الصحابة لا يدانيهم أحد في فضل العمل من أجل الصحبة، لكن هذا أفضل من أجل المعاناة والمضايَقة.
طالب: ما الفرق بين واسع وكبير؟
الشيخ: الفرق بينهما أن الواسع من السّعة، وهو بلوغ غاية الشيء، وأما الكبير فإنه يعود إلى الذات والصفة وهي الكبرياء فقط، فمتعلق الواسع أشمل وأعم؛ لأنه يشمل جميع الصفات، أما هذا فهو فقط خاص بالكبرياء من الصفات وكذلك بكبر الذات ذات الله عز وجل فإنه أكبر من كل شيء.
طالب: ما نقول واسع بذاته؟
الشيخ: والله أخشى أن يتوهم منها متوهم بأن الأشياء حالَّة فيه، كما في قوله: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [البقرة: ٢٥٥] فإن الكرسي محيط بالسماوات والأرض، ولهذا أتحاشى أن أقول هكذا، قل واسع في صفاته.
طالب: يا شيخ فيها قراءة.
الشيخ: إيه فيها قراءة {يُضَعِّفُ}.
***
طالب: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٦١ - ٢٦٤].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ.
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْالأجر هو الثواب كما قلنا سابقًا، وسُمِّي أجرًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى تعهد به للعامل كتعهد المستأجر بالأجرة لأجيره، وهذا من غاية فضل الله عز وجل أن يجعل الثواب للعاملين بمنزلة الأجرة على المستأجرين كما سمى الله تعالى ذلك قرضًا في قوله: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ [التغابن: ١٧]، ووجه مشابهة القرض ظاهر وهو أن كلًّا منهما لازم وفاؤه، فكأن الله عز وجل لكرمه وإحسانه جعل البذل من أجله والإنفاق من أجله بمنزلة القرض الذي يلزم المقترض وفاؤه.
وقوله: لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْأصل العندية تكون في المكان، وقد يراد بها ما يعم المكان أو الالتزام كما تقول: عندي لفلان كذا وكذا، أي: في عهدي وفي ذمتي له كذا وكذا، حتى وإن لم يكن ذلك عنده في مكانه، فالعندية قد يراد بها المكان وقد يراد بها ما يلتزم به الإنسان في ذمته وعهده. وهنا عِنْدَ رَبِّهِمْيحتمل معنيين؛ يحتمل أنه عند الله سبحانه وتعالى ملتزمًا به، ولا بد أن يوفيه، ويحتمل معنى آخر وكلاهما صحيح: أن الثواب هذا يكون في الجنة التي عرش الرحمن سقفها، وهذه عِندية مكان، وهو لا ينافي ما سبق من عندية العهد والالتزام بالوفاء.
قال: وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَلا خوف عليهم مما يُستقبل ولا هم يحزنون على ما مضى، فالحزن هو الهم أو الغم مما وقع سابقًا، والخوف والهم مما سيقع، فإذا كان هؤلاء لا يحزنون على فائت ولا يخافون من مستقبل كمل لهم النعيم؛ لأن النعيم يكون فيه الندم أو الحزن على ما سبق إذا فات النعيم كلية أو فات كماله، إذا فات كلية يتمنى الإنسان أنه عمل لهذا النعيم، أو فات كماله يتمنى أنه أيش؟ أتمه وأكمله، لكن هؤلاء لا يحزنون أبدًا حتى وإن كانوا في منازل دون المنازل العالية فإنهم لا يحزنون؛ لأن كل واحد من أهل الجنة يرى أنه لا أحد أنعم منه؛ لأنه على فرض أن يرى أحدًا أنعم منه فإنه سوف يحزن، وسوف يرى نفسه غير كامل النعيم، وأهل الجنة لا يرون أنفسهم إلا في كامل النعيم، على العكس من أهل النار فإن أهل النار- والعياذ بالله- كل واحد منهم يرى أنه لا أحد أشد منه عذابًا لأجل أن لا يتأسى بغيره، فإن الإنسان إذا رأى أن غيره يُعذب ولو بمثل عذابه تأسى به وهان عليه الأمر، فإذا رأى أنه لا يمكن أن يكون أحد مثله فإنه يشتد عليه العذاب والعياذ بالله من الناحية النفسية.
إذن هذا النفي ماذا يُقصد به؟ يُقصد به كمال نعيمهم؛ فلا يحزنون على فائت ولا يهتمون بمستقبل؛ لأن الذي يحزن على فائت لا شك أنه يتناقص نعيمه ولا يتم، وتجده دائمًا يفتح عليه الشيطان العمل لو كان كذا لكان كذا لو كان كذا لكان كذا، والخائف أيضًا لا يتم نعيمه؛ لأنه لا يدري ماذا يكون في مستقبل أمره فتجده يُقدِّر وينظر ويفكر ولا يتهنّى بنعيم، فيكون المراد بالسلب هنا إثبات كمال النعيم.
ثم قال الله تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًىقَوْلٌمبتدأ وخَيْرٌخبره، وساغ الابتداء به هنا وهو نكرة؛ لأنه وُصف، وإن شئت فقل: لأنه أفاد، وطريق إفادته الوصف، وإذا علَّلت بأنه أفاد صار أحسن؛ لأن هذا هو ما قاله علماء النحو، وشاهد ذلك قول ابن مالك:
| وَلَا يَــــجُوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِــــــــرَهْ | مَـــــــــا لَمْ تُفِدْ كَعِنْدَ زَيْدٍ نَمِرَهْ |
| وَهَلْ فَتًى فِيكُمْ فَمَا خِلٌّ لَنَا | وَرَجُلٌ مِنَ الْكِرَامِ عِنْدَنَـــــــــــــا |
| وَرَغْبَةٌ فِي الْخَيْرِ خَيْرٌ وَعَمَلْ | بِرٍّ يَزِينُ وَلْيُقَسْ مَا لَمْ يُقَلْ |
هذه الأمثلة أي مثال ينطبق على هذه الآية؟
الطلبة: ورجل من الكرام عندنا.
الشيخ: ورجل من الكرام عندنا.
قَوْلٌ مَعْرُوفٌالقول المعروف هو ما نطق به اللسان معروفًا في الشرع ومعروفًا في العُرف؛ لأن القول قد يكون معروفًا في الشرع غير معروف في العرف وقد يكون معروفًا في العُرف غير معروف في الشرع؛ فمثلًا لو كان من عادة هؤلاء القوم أن يتكلموا بالسب والشتم وما أشبه ذلك ويرون هذا أمرًا لا بأس به مثل ما يعتاد بعض الناس: تعالَ يا ملعون، تعالَ يا فاعل يا تارك، يا ابن الزنا والعياذ بالله وما أشبه ذلك، فيه ناس اعتادوا على هذا الكلام، وصار هذا المنكر عندهم معروفًا، هذا لا يدخل في هذه الآية؛ لأن..





