من فوائد الآية الكريمة: بيان تثبيت المعاني
المعقولة بالأمور المحسوسة، وجه ذلك: أن الله تعالى ضرب مثلًا للمعاني بهذه القصة
أو بهذه الصورة التي لا يودها أحد.
ومن فوائدها:
وجه المطابقة بين الإنسان المرائي وبين حال هذا الرجل؛ لأن المرائي إذا أنفق ماله
يظهر من الناس مدحه والثناء عليه فيزداد ويربو في نفسه، ويظن أنه حصل على ما يريد،
فإذا جاء يوم القيامة الوقت الذي يحتاج إلى هذا، لا يجد ثواب ما عمله، فيكون هذا
العمل، العمل الذي فيه رياء كالإعصار الذي أصاب تلك الجنة.
ومن فوائد الآية: جواز ضرب المثل بالحكاية القولية.
فهل
يجوز ضرب المثل بالحكاية الفعلية؟ وهو ما يُسمى بالتمثيل؟
الجواب: نعم يجوز،
لكن بشرط أن لا يشتمل على شيء محرم، ولنضرب لذلك أمثلة للأشياء المحرمة في التمثيل
أولًا: أن لا يكون فيه قيام رجل بدور امرأة، أو قيام امرأة بدور رجل، أن لا يقوم
الرجل بدور تمثيل المرأة أو بالعكس، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ
وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ .
ثانيًا: ألَّا يتضمن
ازدراء ذوي الفضل من الصحابة وأئمة الأمة؛ لأن ازدراءهم واحتقارهم محرم، والقيام
بتمثيلهم يحط من قدرهم لا سيما إذا عُلم من حال الممثل أنه فاسق؛ لأن الغالب إذا
كان فاسقًا وتقمص شخصية هذا الرجل التقي الذي له قدرُه وفضله في الأمة، فإن ذلك يحط
من قدر هذا الذي قام بدوره في التمثيلية.
الثالث: ألَّا يكون فيه تقليد لأصوات
الحيوانات، مثل أن يقوم بدور تمثيل الكلب أو الحمار؛ لأن الله لم يجعل التشبه في
الحيوان إلا في مقام الذم مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ [الجمعة: ٥]
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦] إلى آخره، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ
فِي قَيْئِهِ» .
الرابع: ألا يتضمن
تمثيل دور الكافر أو الفاسق، يعني بمعنى أن لا يكون أحد القائمين بأدوار هذه
التمثيلية يمثل دور الكافر أو دور الفاسق، لماذا؟
الطلبة: (...).
الشيخ: لأنه يخشى أن
يؤثر ذلك على قلبه، أن يتذكر يومًا من الدهر أنه قام بدور الكافر، فيؤثر على قلبه
ويدخل عليه الشيطان من هذه الناحية، لكن لو فعل هل يكون كافرًا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، يكون
كافرًا؛ لأن هذا الرجل لا ينسب الكفر (...) يصور نفسه إنه رجل طلق امرأته وله زوجة
هل تطلق الزوجة أو لا تطلق؟
الطلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا تطلق الزوجة.
طالب: لماذا لا تطلق الزوجة؟
الشيخ:
لأنه ليس يضيف الطلاق إلى نفسه كما أن هذا الذي مثَّل دور الكافر ليس يضيف الكفر
إلى نفسه إنما يضيفه إلى غيره، وقد ظن بعض الناس أنه إذا قام بدور الكافر فإنه
يكفُر ويخرج من الإسلام، ويجب عليه أن يجدد إسلامه، واستدل بالقرآن وكلام أهل
العلم.
أما القرآن فاستدل بقوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: ٦٥، ٦٦] فقال: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ.
وبقول أهل
العلم: إن من أتى بكلمة الكفر ولو مازحًا فإنه يكفر، قالوا: وهذا الرجل مازح ليس
جادًّا. فنقول لهم: والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثَلَاثٌ
جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ»
فلو قال الرجل
لزوجته: أنت طالق، يمزح عليها فإنها تطلق، فهل تقولون إذا قام الرجل بدور، إذا قام
الممثل بدور رجل طلق امرأته أتقولون إنها تطلق امرأته؟ سيقولون: لا، وكل يقول: لا،
والفرق ظاهر؛ لأن المازح يضيف الفعل إلا نفسه، والممثل يضيفه إلى غيره، ولهذا لا
تطلق زوجته لو قام بدور تمثيل المطلِّق ولا يكفر لو قام بدور تمثيل الكافر، لكن أرى
أنه لا يجوز من ناحية أخرى وهي لعله يتأثر قلبه في المستقبل حيث يتذكر أنه كان
يومًا من الدهر يمثل دور الكافر. هل يمكن أن نأتي بدليل يمثل الأمر بالحكاية
الفعلية؟
طالب: نعم (...).
الشيخ: ما هو؟
طالب: الرسول صلى الله عليه وسلم كان يومًا مع الصحابة وخط مستقيمًا
وَخَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ؟
الشيخ: سمعتم كلامه؟
الطلبة:
لا.
الشيخ: ذكر الخطوط التي خط النبي عليه الصلاة
والسلام فيها خط خطوطًا يمثل الإنسان وأمله وأجله، وكذلك خط خطوطًا لصراط الله
المستقيم وللسُّبل، لكن هذا قد يكون فيه نظر.
الطالب:
قصة الأقرع والأعمى والأبرص الملك الذي أتى لواحد أتي بصورة يعني رجل فقير متمثل
.
الشيخ: إي نعم، الملك أتى الأبرص والأقرع والأعمى
وسألهم ماذا يريدون كل ذكر أمنيته فأعطاهم الله تعالى أمنيتهم، ثم عاد إليهم الملك
مرة أخرى، عاد إلى الأبرص بصورته وهيئته يعني أبرص وفقير وقال له: إنني رجل فقير
وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، الآن
الملَك يمثل دور رجل فقير وهو ليس بفقير هو ملك ولا يحتاج إلى أكل ولا شرب، وكذلك
بالنسبة للأقرع وكذلك بالنسبة للأعمى، فبعض العلماء استدل بهذا الحديث وقال: إن
الكذب باطل، ولا يمكن أن الله تعالى يقر ملَكًا من ملائكته على أمر باطل، ولكن هذا
جيء به لبيان الصورة بدلًا أن تُحكى بالقول حُكيت بالفعل، ولا شك أن ضرب الأمثال
بالقول كثير في القرآن؛ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ [النحل: ٧٥].
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا [الزمر: ٢٩] إلى
آخره.
فالمهم أن نقول: إن التمثيل إذا لم يشتمل على شيء محرم من الأمثلة التي
ذكرناها أو غيرها فإنه لا بأس به وليس من الكذب في شيء؛ لأن الكذب يضيف الإنسان
الأمر إلى نفسه فيأتي إليك ويقول: يقرع الباب فتقول مَنْ؟ يقول: أنا زيد، وليس هو
بزيد، هذا كاذب واضح، لكن يأتي إنسان ويقول: أنا أُمثِّل دور فلان ويعرف الناس أنه
ليس فلانًا هو ما كذب، ولكنه نعم إذا نسب القول إلى شخص معين هذا يحتاج إلى ثبوت
هذا القول عن هذا الشخص المعين، أما إذا حكى قصة رجل بوصفه لا بعينه فليس فيه كذب.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن الله سبحانه وتعالى يبين لعباده الآيات،
الشرعية أو الكونية؟
الطلبة: كلتاهما.
الشيخ: كلتاهما، الآيات الكونية والآيات الشرعية كلتاهما مبينة
أو كلها مبيّنة في كتاب الله سبحانه وتعالى أتمّ بيان.
ومن
فوائد الآية الكريمة: الحث على التفكُّر، وأنه غاية مقصودة لقوله: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَفالإنسان مأمور بالتفكر؛ لأن
التفكر يؤدي إلى نتائج طيبة، لكن هذا فيما يمكن الوصول إليه بالتفكّر فيه، يقول:
هذا فيما يمكن أيش؟ الوصول إليه بالتفكر فيه، أما مالم يمكن الوصول بالتفكر فيه فإن
التفكر فيه ضياع وقت وربما يوصل إلى محظور، مثل التفكر في كيفية صفات الله عز وجل،
هذا لا يجوز؛ لأنك لن تصل إلى نتيجة، ولهذا جاء في الأثر: تَفَكَّرُوا فِي آيَاتِ اللَّهِ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ
اللَّهِ ؛ لأن
هذا أمر لا يمكن الوصول إليه وغاية لا تمكن الإحاطة بها لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام: ١٠٣] فلو
أن أحدًا قال: بأتفكر كيف استوى الله على العرش وأيش لون استوائه على العرش؟ قلنا:
هذا مطلوب ولّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، هذا غير مطلوب، بل يجب الكف عنه؛ لأنه سيؤدي إلى
نتيجة سيئة؛ إما إلى التكييف أو التمثيل أو التعطيل ولا بد.
التفكر في معاني
أسماء الله وصفاته مطلوب ولّا لا؟
الطلبة:
نعم.
الشيخ: نعم، مطلوب؛ لأن المعنى كما قال الإمام
مالك رحمه الله لما سُئل: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول،
والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة .
هل يمكن أن نأخذ من عموم
قوله: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَأنه يشمل التفكر في
الأمور الكونية كأن يتفكر الإنسان في الوصول إلى صنع الأسلحة التي يدافع بها عن
الإسلام، والوصول إلى صنع الطائرات التي يحمل بها الناس وما أشبه ذلك؟ نعم، يمكن؟
طالب: نعم يمكن.
الشيخ: هل
يمكن أن نقول إنها تشمل التفكر في طبقات الأرض وما عسى أن يُستخرج من هذه الطبقات
من معادن جارية وجامدة؟
طالب: نعم، يمكن يا شيخ.
الشيخ: يمكن، إذن هي عامة.
***
ثم قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [البقرة: ٢٦٧] قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواسبق لنا مرارًا وتكرارًا أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أيش؟ على أهميته والعناية به؛ لأن النداء يتضمن التنبيه، والتنبيه على الشيء دليل على الاهتمام به، وأن تصديره بـيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوابهذا الوصف يفيد عدة فوائد:
الأولى: الإغراء، والإغراء معناه الحث على قبول ما تُخاطب به، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: إِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ ، ولهذا لو ناديتك بوصفك وقلت: يا رجل، يا ذكي، يا كريم، معناه يا من تُوصف بهذا اجعل آثار هذا الشيء باديًا عليك، فيكون الفائدة الأولى هي الإغراء.
الفائدة الثانية: أن امتثال ما أُمر به من مقتضيات الإيمان كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا إن إيمانكم يدعوكم إلى كذا وكذا.
الشيء الثالث: أن مخالفته نقص في الإيمان؛ لأنه لو حقَّق هذا الوصف لقام بما أُمِر به.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْبعد أن ذكر الله فيما سبق فضيلة الإنفاق ابتغاء وجهه، وسوء العاقبة لمن منّ بصدقته أو أنفق رياءً حث على الإنفاق، لكن الفرق بين ما هنا وبين ما سبق؛ أن ما هنا بيان للذي يُنفق منه، وهناك بيان للذي يُنفق عليه عرفتم؟ هنا بيان للذي ينفق منه، من أين نُنفق؟ قال: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْالطيِّب من الكسب هو الكسب الحلال، والخبيث هو الكسب الحرام، كل كسب حرام فهو خبيث، وكل كسب حلال فهو طيِّب. أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْلا من خبائثه عرفتم؟ والخبيث: قد يراد به الحرام وهو خبيث لكسبه، وقد يراد به الرديء، وهو خبيث لعينه بعينه، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك.
قال: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْأي ما حصَّلتموه بالكسب مثل الدراهم، التجارة، مغلَّة الوقف، الإجارة، وغير ذلك، كل شيء حصل بعمل منك فهو من كسبك.
قال: وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِقال بعضهم: إن قوله: وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِمعطوف على (ما) في قوله: مَا كَسَبْتُمْيعني ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض، ولكن الصحيح اللي يظهر أنه معطوف على قوله: طَيِّبَاتِيعني أنفقوا من طيبات ما رزقناكم، وأنفقوا مما أخرجنا لكم من الأرض؛ لأن ما أخرج الله لنا من الأرض كله طيب، ملك لنا هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا.
وقوله: وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِهنا (من) للتبعيض ولّا للبيان؟
الطلبة: للتبعيض.
الشيخ: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْأنفقوا بعض طيبات ما كسبتم وبعض ما أخرجنا لكم من الأرض، أو أنفِقوا مما أخرجنا لكم من الأرض ولو أنفقتم الكل؟
الطلبة: الأوَّل.
الشيخ: فيه احتمال أن (مِن) لبيان الجنس، والمعنى أَنْفِقُوامن هذا ولو أنفق الإنسان كل ماله، أو أن المراد البعض التبعيض، ويكون الأمر بالإنفاق أمرًا بإنفاق البعض لا إنفاق الكل، ولكن أنا عندي أنها للجنس أحسن؛ لأنها للجنس تعم القليل والكثير.
قال: وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِوالله يخرج لنا من الأرض أيش؟
طالب: النبات والمعادن.
الشيخ: النخيل، الأعناب، الزروع، الفاكهة، المعادن، وغير ذلك أشياء كثيرة، فما أخرج لنا من الأرض يجب أن نُنفق منه.
قال: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُتَيَمَّمُوابمعنى: تقصدوا؛ لأن التيمم في اللغة: القصد، ومنه قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة: ٦].
وقوله: الْخَبِيثَالمراد بالخبيث هنا الردي، يعني لا تقصدوا الردي تخرجونه وتبقون لأنفسكم الطيِّب، فإن هذا ليس من العدل، ولهذا قال: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ. كلمة: مِنْهُمتعلقة بـالْخَبِيثَعلى أنها حال؟ أو متعلقة بـتُنْفِقُونَ؟
فيها وجهان: قيل: إنها مِنْهُمتعلقة بـالْخَبِيثَعلى أنها حال، الخبيث حال كونه مما أخرجنا لكم من الأرض، وعلى هذا يكون في تُنْفِقُونَضمير محذوف، تقديره: تنفقونه. وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُأي مما أخرجنا لكم تنفقونه.
وقيل: بل متعلق بقوله: تُنْفِقُونَيعني ولا تقصدوا الخبيث تُنفقون منه، وأنه قدمها على عاملها لأي شيء؟
طالب: للحصر.
الشيخ: للحصر، والقولان من حيث المعنى لا يختلفان، فإن معناها أن الله ينهانا أن نقصد الخبيث وهو الردي لننفق منه.
قال: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِنشوف الجيد منكم يعرب لنا بِآخِذِيهِ؟ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ.
طالب: خبر ليس.
الشيخ: أعربها لَسْتُمْكلها كل الجملة أعربها؟
الطالب: بِآخِذِيهِجار ومجرور.
الشيخ: لا أعرب لَسْتُمْ.
الطالب: ليس فعل ماضٍ مبني على الفتح.
الشيخ: ليس فعل ماضٍ ناقص.
الطالب: فعل ماضٍ ناقص.
الشيخ: أيش يعمل؟
الطالب: ينصب المفعول، يرفع المبتدأ وينصب الخبر.
الشيخ: طيب، لَسْتُمْ.
الطالب: ضمير الفصل مبني على الضم في محل رفع فاعل.
الشيخ: فاعل؟
الطالب: لا ما هو فاعل في محل رفع.
الشيخ: اسم؟
الطالب: اسم (ليس).
الشيخ: اسم (ليس) والميم؟
الطالب: ميم الجمع.
الشيخ: بِآخِذِيهِ؟
الطالب: الباء حرف جر زائد.
الشيخ: زائد؟ إما قيدها وإلا قل زائد زائد.
طالب: زائد بس؟
الشيخ: زائد بس، ما يصلح؟
طالب: نقول: الباء حرف جر زائد لفظًا يعني غير زائد معنى.
الشيخ: نعم زين صح.
طالب: وآخِذخبر كان منصوب بها وعلامة نصبه الياء وآخِذمضاف.
الشيخ: وين الياء؟
الطالب: ياء في آخذيه.
الشيخ: ما هو حرف جر؟
الطالب: بس يعني مقدر.
الشيخ: وعلامة نصبه؟
طالب: كسرة.
الشيخ: الياء ولّا كسرة؟
الطالب: الياء.
الشيخ: الياء المقدّرة على الياء التي اجتلبت لحرف الجر الزائد، شوف فلسفة هذه، لكن هذه قواعد النحو، والنون؟
الطالب: محذوف للإضافة.
الشيخ: للإضافة طيب المعنى؟
طالب: زائد معنى ولا غير زائد يا شيخ؟
الشيخ: المعنى.
طالب: من غير زائد ولا زائد؟
الشيخ: لا في المعنى غير زائد، يفيد التوكيد.
قوله: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِالإعراب كما سمعتم والباء حرف جر زائد لفظًا غير زائد معنى، لفظًا بمعنى أن الإعراب يصح بدونه، هذا اللفظ بس معنى قولنا زائد لفظًا أن الإعراب يصح بدونه، لكنه غير زائد معنى؛ لأنه يفيد أيش؟
الطلبة: التوكيد.
الشيخ: يفيد التوكيد، يعني أن الله عز وجل يقول: كيف تيمموا الخبيث تنفقون منه ولستم بآخذيه لو أُعطيتموه؟ أنت لو كان لك حق عند شخص وأعطاك الرديء من المال المشترك تقبل ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا تقبل إلا أن تغمضوا فيه، يعني أن تأخذوه عن إغماض وتساهل، فربما ولنضرب لهذا مثلًا: بيني وبينك تمر مشترك، في هذا التمر الردي والوسط والطيب، أردت القسمة فأعطيتك الجانب الردي من هذا التمر أتقبل؟
الطلبة: لا.
الشيخ: قد تقول: لا أقبل، لك الحق في هذا، وربما يكون عندك حياء وخجل فتأخذه على إغماض، ومعنى الإغماض معناه التساهل والتغاضي عن الشيء كالرجل يُغمض عينيه عن الشيء كراهة أن يراه لكن خجلًا منه، فكما يقال في المثل: (خذه وأنت ما تشوف). فنقول: لو أُعطيت من مال مشترك بينك وبين غيرك من الردي من هذا المال أتقبل؟ لا، إلا على إغماض، فكيف ترضى أن تُعطي من يستحق الإنفاق من مالك تعطيه من الجانب أيش الردي، هل هذا من العدل؟
ليس من العدل، علمًا بأنك إذا أعطيته من الردي فإنما أعطيت نفسك، وإذا أعطيته من الجيد فإنما أعطيت نفسك، قال الله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢] وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أعجبه شيء من ماله تصدَّق به ، وأبو طلحة -تعرفون قصته رضي الله عنه- لما نزلت هذه الآية جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إن الله يقول: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢] وإن أحب مالي إليَّ بَيْرُحاء- بيرحاء بستان مستقبلة المسجد النبوي كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي إليها ويشرب من ماء فيها طيب قَراح ونظيف، يعني هذا البستان يزداد غلاؤه من حيث مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم إليه وشربه منه- قال رضي الله عنه: وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إليَّ بَيْرُحَاءُ، وَإِنَّنِي– يعني - أُقَدِّمُهَا صَدَقَةً، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَخٍ بَخٍ، مَالٌ رَابِحٌ مَالٌ رَابِحٌ» الله أكبر، هذا المال الرابح «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ» ؛ لأنه قال: ضعها حيث أراك الله. الشاهد أن هذا الإنسان الذي ينفق الطيب هو أنفق لنفسه في الواقع، والذي يُنفق الخبيث لنفسه أيضًا.
هنا يقول: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَوالطيِّب يعني نُنفق الطيب.
قال: وَاعْلَمُوا.
طالب: الجملة يا شيخ.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ
الشيخ: من حيث أيش؟
الطالب: من حيث الإعراب، فيه موضع نصب على الحال.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: لَسْتُمْ بِآخِذِيهِمِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ.
الشيخ: مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْيمكن تصلح للحال.
قال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّفهو لم يطلب منكم الإنفاق لفقره واحتياجه. حَمِيدٌيعني حامد ومحمود؛ لأن فعيلًا تأتي بمعنى فاعل وبمعنى مفعول، إتيانها بمعنى فاعل مثل؟
طالب: سبحانه.
الشيخ: لا، إتيان فعيل بمعنى فاعل مثل أيش؟
طالب: رحيم بمعنى راحم.
الشيخ: سميع بمعنى سامع، بصير بمعنى مُبصر، إتيانها بمعنى مفعول كقتيل وجريح وذبيح وما أشبه ذلك. هنا حَمِيدٌتصح أن تكون بمعنى حامِد وبمعنى محمود، أما كون الله محمودًا فظاهر، وأما كونه حامدًا فكيف؟
لأنه يحمد عز وجل من يستحق الحمد من عباده، ولهذا أثنى على أنبيائه ورسله والصالحين من عباده، وهذا يدل على أنه عز وجل حامد لمن يستحق الحمد، وهو كذلك محمود، وجه المناسبة في ذكر الحميد بعد الغني أن غناه عز وجل غنى يُحمد عليه بخلاف غنى المخلوق، فقد يحمد عليه وقد لا يحمد، متى لا يحمد المخلوق على غناه؟
الطلبة: إذا كان بخيلًا.
الشيخ: إذا كان بخيلًا، إذا كان بخيلًا فإنه لا يُحمد على غناه، ويحمد إذا بذل، والله عز وجل غني حميد، فهو لم يسألكم هذا لحاجته إليه، ولكن لمصلحتكم أنتم.
طالب: (...) قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب: ٥٣] يقول: أعطني من الجيد.
الشيخ: أيش؟ إي نعم له أن يقول هذا، لكن يمكن إذا قال: أعطني من الجيد لشريكي قال شريكه: لا، ما أعطيك من الجيد، نتقاسم أنا وإياك الجيد ونعطيك حقك منه ونتقاسم الرجل ونعيطك حقك منه ونتقاسم الوسط ونعيطك حقك منه.
طالب: ذكرنا في أول الآية أن الذي يمثِّل؛ يعني كالذي مثلًا يمثل أصوات الناس (...) صوت، ويقف ليلفت الناس بها؟
الشيخ: هو ينسبها إلى شخص معين؟
الطالب: نعم، بعضهم ينسبها إلى شخص معين.
الشيخ: لا، هذه تكون مثل الغيبة؛ لأن ما كل أحد يرضى أن الناس يقلدون صوته.
طالب: أيضًا يعني ما يكون محبوب.
الشيخ: فيكون ذكرك أخاك بما يكره، نحن نريد مثلًا تمثيل واحد يبيع، يحكي إنسان يسيء الأدب.
طالب: طب الجواب يا شيخ عن الحديث؟
الشيخ: إنسان يسيء الأدب مع معامِله، إنسان مثلًا يسيء الأدب في تصرفه في الأسواق في المساجد، وما أشبه ذلك.
طالب: الحديث يا شيخ «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» قلنا: إن الأول يعني إذا مثلًا مثل دور الكافر كيف نجيب عن الحديث؟
الشيخ: لأنه لا يمثل دور الكافر.
الطالب: لا أنت ذكرت قلنا: يعني لا يكفر مثلًا، لكن لو رضي بهذا ومثله؟
الشيخ: لا، أبدًا، ما يكفر؛ لأنه ما ينسب الكفر إلى نفسه.
طالب: لكن الحديث «مَنْ تَشَبَّهَ»؟
الشيخ: نعم من تشبه قصد الفعل، يعني رجل راح يلبس ثياب الكفار مثلًا، هذا يصير ما فيه شك متشبه؛ لأنه أضاف الفعل إلى نفسه، ثم هذا الحديث ليس يكفُر كفرًا مخرجًا عن الملة، ولهذا من تشبه بالكفار فإنه ليس بكافر، بل بعض العلماء قال: يكره وبعضهم قال: يحرم، والصحيح أنه يحرم التشبه بالكفار.
طالب: شيخ، إحنا قلنا: التشبُّه تقليد أصوات الحيوانات يحرم، لكن إذا قلد مثلًا صوت الديك؟
الشيخ: وأيش الديك؟
طالب: يعني لم يأتِ به ذم في الشرع، يعني لم يعني نقول: الديك لم يُذم شرعًا، ما هو مثل الكلب؟
الشيخ: أيش تقولون في هذا؟
طالب: ليس حيوان أصلًا.
الشيخ: السؤال يقول: لو أنه شبَّه أذان الديك؟ هو بيصير له عرف ولّا لا؟! لا صحيح وأيش تقولون: إذا قلد صوت حيوان لم يرد في الشرع ذمه وليس مما يُذم؟
طالب: نشوف إذا الديك من الحيوان.
طالب آخر: نقول يا شيخ، الحديث: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحدث لِيُضْحِكَ الْقَوْمَ وَيْلٌ لَهُ ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ»؟
الشيخ: يكذب يكذب «وَيْلٌ لِلَّذِي يَكْذِبُ» .
طالب: ما هو يحدث؟
الشيخ: يحدث فيكذب.
طالب: شيخ، هلا شو اسمه، الحيوان من حيث هو يعنى مذموم؛ لأن الله سبحانه وتعالى لما كرم بني آدم قال: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء: ٧٠] والإنسان نزوله إلى الحيوان، يشمل كل شيء أي شيء مكروه للإنسان؛ لأنه نزول؟
الشيخ: هذا وجه جيد، يقول: حتى لو كان في الديك أو في الـ..
طالب: مردود يا شيخ.
الشيخ: كيف؟
الطالب: هل يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه وضعه على كتفه وكان يمشي بهم ويقول: «نِعْمَ الرَّاكِبَانِ أَنْتُمَا» .
طالب: الحسن والحسين.
الشيخ: إي يعني جعله كأنه بعير يعني؟ طيب نشوف الآن، يظن بعض الناس أن الله سبحانه وتعالى فضل الآدمي على كل شيء وليس كذلك؛ لأن الله يقول: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا [الإسراء: ٧٠] ما هو على كل شيء، ولهذا الإنسان ما هو مُفضّل على كل شيء، صحيح إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [البينة: ٧]، ولهذا في بني آدم من هو شر من الحيوان، ولّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة: ٦].
يقول بعض الناس: هذا أخي في الإنسانية وما أشبه ذلك، هذا حرام، الإنسانية ما هي وصف يُمدح فيه الإنسان إلا إذا قام الإنسان بمقتضى هذه الإنسانية، وأما أنه إنسان وهو أخبث من الحيوان فليس فيه خير.
طالب: شيخ تقليد صوت القرّاء؟
الشيخ: ما فيه شيء.
الطالب: يتعمد يقلد قارئًا؟
الشيخ: إي نعم، قد يكون هذا القارئ قراءته جيدة؛ يعني يستأنس الناس بها ويستريحون لها ما فيه شيء.
طالب: الديك (...).
طالب آخر: اللي يمثل دور الكافر لو تلفَّظ بألفاظ كفرية مازحًا فيها يعني يسب الدين أو يسب القوم يعنى يسب المسلمين أو يسب الله؟
الشيخ: إيه، لكن هو ما يسبه مضيفًا ذلك إلى نفسه، يسبه مضيفًا ذلك إلى من يقوم بدوره، ما هو يضيف لنفسه، هو لو يستهزئ بدين الله أو بالمسلمين ولو كان مازحًا، يعني مثلًا لو واحد يبي يتكلم يستهزئ بسنة من السنن، لو هي سنة من سنة الرسول وهو ينسب الشيء إلى نفسه كفر، وكما وضحت لكم يعني يتضح لك المثال تمامًا برجل طلق زوجته مازحًا ومثَّل دور رجل طلق زوجته، في المثال الأول تطلق الزوجة، وفي المثال الثاني إي نعم لا تطلق.
طالب: شيخ، نقول فيه فرق إنه هذا الشيء يتعلق أما الاستهزاء بالله هذا يتعلق بـ.. ؟
الشيخ: لا، هو يقول: أنا ما أستهزئ.
الطالب: كلمات كفر.
الشيخ: هذا ما يقول استهزئ، يعني هذه الكلمة التي قالها ينسبها إلى غيره، كأنه يقول: قال هذا الرجل الذي أنا أقوم بتمثيله كذا وكذا، وحاكي الكفر ليس بكافر.
ففرق بين الإنسان اللي مثلًا يسخر بالدين ويضيف السخرية إلى نفسه لو قال: والله أنا ما قصدت، نقول: وإذا لم تقصد أشد، أما أن يحكي عن رجل بأنه استهزأ بالدين فإنه لا يكفُر.
طالب: شيخ، يعني أكثر من هذا يعني خاصة المشاهدين أن يصبح هذا الشيء متساهلًا، هذا الاستهزاء بالدين؟
الشيخ: نحن قلنا: هذا حرام، لكن الكلام مش عليه، على الكفر هل يكفر ولَّا لا؟ لأن الخروج من الدين ما هو هين؛ يعني ليس إخراجك الإنسان من الدين كإخراجك إياه من المسجد أو من البيت، مسألة ليست بهينة.
ثانيًا: أن من مقتضى الإيمان امتثال أمر الله واجتناب نهيه، وجهه: أن الله قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوافلولا أن للإيمان تأثيرًا لكان تصدير الأمر بهذا الوصف لغوًا لا فائدة منه.
ثالثًا: وجوب الإنفاق من طيبات ما كسبنا لقوله: أَنْفِقُواوالأصل في الأمر الوجوب حتى يقوم صارِف عنه، أو حتى يدل دليل صارف عن الوجوب.
ومن فوائد الآية: وجوب الزكاة في عروض التجارة لقوله: مَا كَسَبْتُمْولا شك أن عروض التجارة كسب، فإنها كسب بالمعاملة.
ومن فوائدها: أن المال الحرام (...).
إذا قال قائل: ماذا أصنع به إذا تبت؟ يعني رجل اكتسب مالًا حرامًا ثم تاب، فماذا يصنع به؟
نقول: يتصدق به تخلصًا منه وإبراء لذمته لا تقربًا به؛ لأنه لو تصدَّق به تقرُّبًا به لم يُقبل منه ولم تبرأ ذمته، لم يقبل منه لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا» ، ولم تبرأ ذمته لأنه إنما تصدق به على أنه مُلكه، لا على أنه متخلص منه متبرئ بخلاف من تصدق به تخلصًا منه فإنه يُؤجر على ذلك، فإذا تصدق به تبرئًا منه هل يؤجر على نفس الصدقة أو على البراءة والتوبة؟
الطلبة: على البراءة والتوبة.
الشيخ: على البراءة والتوبة.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية لقوله: أَنْفِقُواومَا كَسَبْتُمْ، وجه الدلالة من أَنْفِقُواأنه لو كان الإنسان مجبرًا على عمله لم يصح أن يوجه إليه الأمر بالإنفاق؛ لأنه يقول: ما أقدر، لو أردت أن أنفق وأنا مجبر على العمل ما تمكنت. كذلك قوله: كَسَبْتُمْأضاف الكسب إليهم فهو دليل على أن الإنسان يُنسب إليه الفعل ولا يُجبر عليه.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الزكاة من الخارج من الأرض، من أين تؤخذ؟
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ.
طالب: مِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِهذا الشاهد.
الشيخ: قوله: وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِففيها وجوب الزكاة فيما خرج من الأرض، عرفتم؟
وظاهر الآية وجوب الزكاة من الخارج من الأرض مطلقًا سواء كان قليلًا أم كثيرًا، وسواء كان مما يوسق ويكال أم لا، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم على أن الزكاة تجب في الخارج من الأرض مطلقًا لعموم الآية، ولكن الصواب خلاف ذلك لدلالة السنة على التفصيل في هذا، فأولًا: لا تجب الزكاة في القليل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» فإذا حصَّل الإنسان من الزرع دون خمسة أوسق، والوسق هو الحِمل، ومقدار الخمسة ثلاثمئة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا حصَّل الإنسان من الزرع ما يساوي مئتي صاع فقط، فلو رجعنا إلى ظاهر الآية؟
الطلبة: لوجبت عليه.
الشيخ: لوجبت عليه، ولكن السنة بينت أنه لا شيء عليه فيما دون ذلك في المئتين.
ثانيًا: دلت السنة على أن ما لا يُكال لا تجب فيه الزكاة، كيف ذلك؟
من قوله: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» والوسق كما قلت هو الحمل وهو ستون صاعًا، وعليه فلا تجب الزكاة في الخضروات مثل التفاح والبرتقال والأترج وشبهها؛ لأن السُّنة بينت أنه لا بد من أن يكون ذلك الشيء مما يُوسق.
ثالثًا: أُجمل في الآية مقدار ما ينفق أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وقد دلت السنة فيما خرج من الأرض أن الواجب فيما يسقى بمؤونة نصف العشر، يعني خمسة في المئة، وفيما يسقى بلا مؤونة العُشر؛ يعني عشرة في المئة، واضح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْهل بينت السُّنة ما يجب في عروض التجارة؟ نقول: نعم؛ لأن عروض التجارة تُقوَّم بالذهب والفضة، والذهب والفضة قد بينت السنة بأن في كل واحد منها أيش؟ رُبع العشر، ربع العشر كم؟
الطلبة: اثنان ونصف.
الشيخ: واحد من أربعين، وهو كذلك.
من فوائد الآية: ما يتبين من اختلاف التعبير في قوله: مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ، فلماذا عبر بالأول تعبيرًا يدل على أن ذلك من فعل العبد، والثاني عبر تعبيرًا يدل على أنه ليس من فِعل العبد؟
الأمر في هذا واضح؛ لأن نمو التجارة بالكسب غالبه من فعل العبد، يبيع ويشتري ويكسب، أما ما خرج من الأرض فليس من فِعل العبد في الواقع أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة: ٦٣، ٦٤].
من فوائد الآية الكريمة أيضًا: وجوب الزكاة في المعدن، في المعادن.
الطلبة: وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ.
الشيخ: لدخولها في عموم وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ. لكن العلماء يقولون: إن كان المعدن ذهبًا وفضة وجبت فيه الزكاة بكل حال، وإن كان غير ذهب وفضة كالنحاس والرصاص وما أشبهها ففيه الزكاة إن أعده للتجارة؛ لأن هذه المعادن لا تجب الزكاة فيها بعينها إنما تجب الزكاة فيها بالنية يعني إذا نواها للتجارة وجبت الزكاة فيها.
طيب هل يستفاد منها وجوب الزكاة في الرِّكاز؟
الطلبة: لا يُستفاد.
الشيخ: فيه خلاف؛ منهم من قال: يستفاد من ذلك، وجوب الزكاة في الركاز، ولا بد أن نعرف ما هو الركاز؟
الركاز: ما وجد من دفن الجاهلية أي مدفون الجاهلية، يعني ما وجد من النقود القديمة التي تُنسب إلى زمن بعيد بحيث يغلب على الظن أنه ليس لها أهل اليوم، هذه الدراهم والدنانير إذا وُجدت تكون ركازًا، فهل تجب فيها الزكاة أو لا تجب؟ فيها خلاف بين العلماء، هذا الخلاف مبني على المراد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» .
فمنهم من قال: إن المراد بالخمس واحد من خمسة.
ومنهم من قال: إن المراد بالخمس (أل) للعهد المعروف شرعًا وهو الخمس الذي يُصرف مصرف الفيء، وقال: إنه لا يوجد شيء من أموال الزكاة والخمس، والذين قالوا: المراد بالخمس واحد من خمسة قالوا: إنما وجب فيه الخمس لسهولة الحصول عليه، يعني مثلًا الدراهم والدنانير أو عروض التجارة فيها تعب، وما أخرج الله من الأرض تعبه أسهل والركاز أسهل من الجميع فوجب في كل واحد منها ما تقتضيه الحكمة.
طالب: ما يأخذ أحد يا شيخ.. ما أحد يدوّر ركازًا.
الشيخ: لا، يوجد، يوجد ناس يعثرون عليه، يوجد؛ إما حفريات أو أحد ينبه يجي أحد في الرؤيا ينبهه يقول: المكان الفلاني فيه كذا وكذا.
طالب: الراجح يا شيخ؟
الشيخ: الراجح وجوب الخمس.
من فوائد الآية الكريمة: تحريم قصد الرديء في إخراج الزكاة لقوله: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ.
ومن فوائدها أيضًا: إذا ضُمت إلى حديث ابن عباس حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن قال: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» إذا ضممت الحديث إلى الآية تبين لك العدل في الشريعة؛ لأن قوله: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» لو أن العامل على الزكاة قصد الكرائم من الأموال صار في هذا إجحاف على من؟
الطلبة: على صاحب المال.
الشيخ: على أهل الأموال، ولو قصد الردي صار إجحاف على أهل الزكاة، فصار الواجب وسطًا، لا نُلزم صاحب المال بإخراج الأجود ولا نمكنه من إخراج الأردأ، يُخرج الوسط.
من فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى قاعدة إيمانية عامة وهي قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبُّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» لقوله: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ. فما وجه الدلالة؟ من يعرف؟
طالب: أن الإنسان نفسه إذا كان لا يرضى بهذا لنفسه فمن باب أولى أنه لا يرضاه لغيره.
الشيخ: فلماذا يرضاه لغيره أظن واضح؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: إذا كنت أنت لو أُعطيته من هذا المال ما أخذته إلا على إغماض وسهولة وإغضاء عن بعض الشيء، فلماذا تختاره لغيرك؟ وهذا ينبغي للإنسان أن يتخذه قاعدة فيما يُعامل به غيره، بأن يعامله على ما يحب أن يعامله به، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» .
شوف القاعدة في المعاملة مع الناس، ومع الأسف الشديد أن كثيرًا من الناس اليوم لا يتعاملون فيما بينهم هذه المعاملة، أكثر الناس يرى أن المكر غنيمة، وأن الكذب غنيمة حتى إن بعض العامة يقول: (الحلف الكاذب في البيع والشراء مسامير السلع)، مسامير السلع، وأيش معنى هذا؟
يعني يقول اللي يحكم السلع ويضبطه مثل المسمار للخشبة هو الحلف الكاذب أعوذ بالله لم يعلم أن «الْحَلِف مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال القياس، أو إثبات القياس. أقول من فوائد الآية إثبات القياس؟
طالب: الآية؟
الشيخ: الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ.
طالب: حجة القياس؟
الشيخ: ما تدري؟
طالب آخر: قوله تعالى: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ.
الشيخ: من أي الجملتين؟ من لَا تَيَمَّمُواولّا من وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ؟
الطالب: وَلَا تَيَمَّمُوا.
الشيخ: من قوله: وَلَا تَيَمَّمُواتوافقونه؟
الطلبة: لا.
الشيخ: نريد ضيفًا آخر، تفضل.
طالب: وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ
الشيخ: لكن أظن بيعرف على طول ما دام انتفى الجملة الأولى، طيب بيِّن لي وجه القياس عشان نعرف إنك (...) مَنْ؟ لا إن حصل من الضيوف أحب إليّ.
طالب: نعم وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا.
الشيخ: زين، وجه القياس؟
الطالب: إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ.
الشيخ: أقول ما وجه القياس؟ هذا لفظ الآية لكن نريد وجه إثبات القياس من هذه الآية.
الطالب: الذي لا يرضاه لنفسه لا يرضاه لغيره.
الشيخ: يعني إذا كنت لا ترضاه لنفسك، فكيف ترضاه لغيرك يعني قِس هذا بهذا، واضح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب قياس أولوية؟
من فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: غني، حميد، كذا؟
وإثبات صفتين من صفات الله، وهما: الغِنى والحمد.
وفيه أيضًا: إثبات صفة ثالثة من اجتماعهما جميعًا، وهو كمال غناه وهو أنه غِنى يُحمد عليه سبحانه وتعالى.
هذان الاسمان هل هما من الأسماء المتعدية بحيث لا يتم الإيمان بهما إلا بإثبات ثلاثة أمور، أو من الأسماء اللازمة بحيث يتم الإيمان بهما بإثبات الأمرين؟
الطالب: الغني هذا لازم، والحميد متعدي.
الشيخ: زين، الغني لازم، بماذا يتم الإيمان به؟
الطالب: يتم الإيمان به بأنه اسم من أسماء الله عز وجل، وكذلك لا بد أن تؤمن بأنه صفة متضمن لصفة وهي الغنى.
الشيخ: متضمن لصفة وهي الغنى. الحميد قلت: إنه متعدي فلا يتم الإيمان به إلا بأمور ثلاثة، قلها لي؟
الطالب: يعني تؤمن بأنه اسم، وأن نؤمن بأن..
الشيخ: بالصفة وهي الحمد.
الطالب: وهي الحمد. ثالثًا: نؤمن
الشيخ: بالحكم أو الأثر وهو أنه
الطالب: يحمد على المؤمنين
الشيخ: هذا إذا جعلنا حميد بمعنى حامد، فإن جعلناها بمعنى محمود؟
طالب: محمود لازم.
الشيخ: فهو لازم ويتم الإيمان به بأمرين: إثبات الاسم وإثبات الصفة أحسنت.
طالب: الأولى متعدية؟
الشيخ: لا ما هي متعدية.
الطالب: حتى الأولى أنه يغني (...).
الشيخ: لا، لا غني هو بنفسه.
قال الله تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ. الشَّيْطَانُمبتدأ وخبره جملة: يَعِدُكُمُ، ووَيَأْمُرُكُمْفيها قراءتان: الضم والسكون {وَيَأْمُرْكُمْ}، أما قراءة الضم فلا إشكال فيها؛ لأنه معطوف على مرفوع يَعِدُكُمُوَيَأْمُرُكُمْ.
وأما قراءة الجزم ففيها إشكال؛ لأن المعروف في قواعد النحو أن الفعل المضارع إذا لم يدخل عليه جازم ولا ناصب يكون مرفوعًا، وهنا كان مجزومًا قالوا: إن جزمه هنا للتخفيف لتخفيف النطق؛ لأن قوله: {وَيَأْمُرْكُمْ} أخف على اللسان من قوله: وَيَأْمُرُكُمْ.
لكن هذه قاعدة غير متعدية، إنما يُعلَّل بها ما ثبت، هذه عِلَّة غير متعدية، وإنما يُعلّل بها ما ثبت، وأيش الفرق بين يعني لماذا قلنا غير متعدية؟
لأننا لو قلنا متعدية لكان قياس ذلك أن كل لفظة في القرآن يكون فيها ثقل على اللسان تُسكّن، وليس كذلك؛ لأن القرآن مبني على السماع، لكن إذا وردت قراءة فيها خِفّة وتُخالف القواعد العربية المعروفة فنحن نقول: خُولفت القاعدة للتخفيف.
وقوله: وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًاهذه أيضًا جملة مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا؟ المبتدأ؟
الطالب: {وَيَأْمُرْكُمْ} الراء ساكنة.
الشيخ: إي فيها قراءة قلت لكم، فيها قراءة سبعية نعم الراء، فيها قراءة سبعية {وَيَأْمُرْكُمْ} وفيها قراءة: يَأْمُرُكُمْفيها قراءتان.
وَاللَّهُ يَعِدُكُمْأيضًا جملة مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ اللَّهُ، والخبر جملة يَعِدُكُمْ. وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌجملة خبرية أيضًا مكونة من مبتدأ وهو اللَّهُ، وَاسِعٌخبر، وعَلِيمٌخبر ثانٍ.
يقول الله عز وجل: إن الشَّيْطَانُوالشيطان اسم من أسماء إبليس قيل: إنه مشتق من (شطَن) إذا بعُد، وعلى هذا فالنون أصلية. وقيل: إنه مشتق من (شاطَ) إذا تغيظ وغضب؛ لأنه هو صفته التغيظ والغضب والحمق والجهل، ولكن الأول أقرب إنه من (شطن) إذا بعد بدليل أنه مصروف، قال الله تعالى: وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ [الحجر: ١٧]
وصرفه دليل على أن النون؟ أصلية ولا زائدة؟
الطلبة: أصلية.
الشيخ: أصلية، وإنما كان كذلك؛ لأن الله أبعده في قوله: وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [الحجر: ٣٥].
يقول: إن الشيطان يعد بني آدم الفقر ويأمره بالفحشاء، يعده الفقر يقول: لا تُنفق، لا تُنفق؛ لأنك إن أنفقت افتقرت، إذا كان عندك مئة ريال وأنفقت عشرة كم بقي؟
الطلبة: تسعين.
الشيخ: تسعين، أنفقت عشرة أخرى بقي ثمانين، أنفقت خمسين بقي ثلاثين، أنفقت عشرين بقي عشرة، أنفقت عشرة صرت فقيرًا، فهو يقول لك: لا تنفق؛ فإنك إن أنفقت صرت فقيرًا، فهو يعدكم الفقر، ولكن هذا صحيح ولَّا لا؟
الطلبة: لا، غير صحيح.
الشيخ: لا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» الصدقات ما تُنقص الأموال.
وقال الله تعالى: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم: ٣٩] يعني هم الذين نالوا درجة التضعيف.
قال: يَعِدُكُمُ الْفَقْرَوالفقر هو الخلو، ويوافقه في الاشتقاق الأكبر (القفر) وهي الأرض الخالية، يعني خلو ذات اليد. وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِفهو يعد ويخوف من الفقر ويأمر بالفحشاء، ما المراد بالفحشاء هنا؟
الفحشاء هو البخل؛ لأن الفحشاء في كل موضع بحسبه، والموضع الذي هنا هو موضع إنفاق، والذي يُستفحش فيه هو البخل، فالشيطان يأمر بالبخل، والبخل الذي يأمر به الشيطان قسمان: بخل بواجب كالبخل بالزكاة، والبخل بواجب النفقة للزوجة والأقارب، وبخل بمستحب، هذا هو الذي يأمر به الشيطان، أما البخل بالمباح فالشيطان لا يأمر به؛ لأنه لا يفيد المرء، إذا أنفق أو لم يُنفق بل قد يكون عدم إنفاقه في المباح أوْلى.
قال الله تعالى: الفحشاء قلت: إن المراد به هنا البخل، وتأتي لغير البخل؟ نعم، تأتي لما يُستفحش من الذنوب عمومًا مثل قوله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم: ٣٢] وتأتي للزنا واللواط ونكاح ذوات المحارم.
قال الله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً [الإسراء: ٣٢].
وقال الله تعالى في نكاح ذوات المحارم: وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً [النساء: ٢٢]، وقال في اللواط قال عن لوط: أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ [الأعراف: ٨٠]. وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًاشوف فرق بين هذا وهذا.
يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةًلأن الصدقات تُكفَّر بها الخطايا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» .
وَفَضْلًايعني زيادة، فالصدقة تزيد المغفرة ضد يأمركم.
يَعِدُكُمُ الْفَقْرَولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لا تتابعوني حتى تيقنوا.
الطلبة: الفضل ضد الفقر.
الشيخ: الفضل ضد الفقر، والمغفرة ضد الفحشاء؛ لأن الفحشاء تُكسب الذنوب والمغفرة تمحو الذنوب، ففرق بين هذا وهذا.
وقوله وَفَضْلًاإذا قال قائل: كيف تكون الصدقة أو الإنفاق من المال فضلًا ونحن نشاهد أنه ينقص؟ فالعشرة إذا أنفق منها درهمًا صارت تسعة، فما وجه الزيادة؟ أو على الأقل ما وجه عدم النقص؟
طالب: على وجهين؛ الوجه الأول: أن هذا البركة والزيادة في الآخرة والله سيجزيه حسنات، الشيء الثاني: أن البركة التي تُعطى بركة قد تكون معنوية، وقد تكون حسية في بعض الأحيان فيزيد ماله، فما المعقول في هذا؟
الشيخ: نقول: الزيادة! أما بالنسبة لزيادة الأجر في الآخرة فالأمر ظاهِر، إذا أنفقت درهمًا جاءك في الآخرة عشر دراهم إلى سبعمئة درهم، هذه زيادة، لكن إذا أردنا الزيادة الحسية في الدنيا كيف تكون الزيادة؟ قلنا: الزيادة من عدة أوجه:
الوجه الأول: أن الإنسان قد يفتح الله له باب رزق فيتكسَّب ويزيد المال، أليس كذلك؟
الطالب: بلى.
الشيخ: ثانيًا: أن هذا المال ربما يقيه الله تعالى آفات لولا الصدقة لوقعت فيه، وهذا مشاهَد، ولهذا عند العامة الآن إذا ضاع للإنسان شيء ثم وجده بعد يقولون: هذا مال مُزكّى، يعني عند العامة إن المال إذا زُكِّي فالزكاة تقيه الآفات، واضح.
الشيء الثالث مما يزيده: هو البركة، البركة في الإنفاق، إذا نُزعت البركة من الإنفاق فقد يُنفق الإنسان عشرين درهمًا في أمور ما تنفعه، وإذا حلت البركة صار الإنفاق اليسير يقضي به الإنسان حاجات كثيرة، وهذا شيء مشاهَد، وأظن أني قد حكيت عليكم قصة وقعت مع رجلين اقتسما ثمر نخل، وكان ذلك في رمضان، أما أحدهما فقال: سأجذ الثمرة في رمضان نهارًا من أجل أن لا يحضر الفقراء فيأكلوا منه.
الطلبة: بالليل؟
الشيخ: لا، نهارًا، بالليل يجيون يأكلون.
أما الثاني فقال: أؤجل جذاذ النخل إلى الفطر وأجذ في النهار حتى يأتي الناس ويأكلون، شوف، وقُسم الثمر وقال أحدهما للآخر: تخيّر، خذ الذي تريد، فأخذ ما يرى أنه الأكثر، الذي أخذه مَن؟ البخيل، أخذ النصيب الذي يرى أنه الأكثر (...) لما جذوا النخل صار سهم الكريم الذي جذه بعد الفطر وأكل الفقراء منه كثيرًا صار أكثر من ذاك، فتخاصم الرجلان إلى القاضي، وادعى البخيل أن القسمة غلط مع أن الكريم كان قد خيّره، لما ترافعا إلى لقاضي قال: طيب، خيّرك؟ قال: نعم، قال له: اخترت سهمك؟ قال: نعم، لماذا؟ قال: لأني رأيته أكثر. قال: أقررت على نفسك الآن، كيف تطالب؟ ثم قال الكريم: إن القصة كذا وكذا وكذا، هو جذه في النهار في رمضان ولم يحضره فقير يأكل، وأنا أخّرته، ولما صار يوم العيد قلت للناس: إننا سنجذ النخل في اليوم الفلاني فمن شاء منكم أن يحضر فليحضر، وحضر المساكين كثيرًا وأكلوا، فقال له الشيخ: هذا مصداق قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» شوف سبحان الله العظيم، هذا الشيء يعني مشهور عندنا في البلد (...) يُؤْتِيبمعنى يعطي، وهي في هذه الحال تنصب مفعولين، أصلهما المبتدأ والخبر أو لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليس أصلهما المبتدأ والخبر. ويقال: يأتي ويأتي بمعنى يجيء، وهي في هذه الحال تنصب مفعولًا واحدًا قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ [يونس: ٥٠]. أما إذا كانت من (آتى) بمعنى أعطى فهي تنصب مفعولين؛ المفعول الأول هنا يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُالحكمة، والثاني: (مَنْ) في قوله: مَنْ يَشَاءُ.
وقوله: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَربما نقول: إن هذه الجملة الثانية تدل على أن المفعول الأول يُؤْتِي الْحِكْمَةَهو (مَنْ ) والْحِكْمَةَهي المفعول الثاني؛ لأنه جعل المؤتى في قوله: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَهو اسم الشرط مَنْ يُؤْتَ. وقوله: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ. يُؤْتَ: فعل مضارع مبني لأيش؟
الطلبة: للمجهول.
الشيخ: للمفعول، ونائب الفاعل فيه هو المفعول الأول، والْحِكْمَةَهي المفعول الثاني، وجملة فَقَدْ أُوتِيَهي جواب الشرط. وأُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًانقول فيها كما قلنا في وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا.
قال: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِأُولُوفي هذا التركيب.
وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو؟ أُولُووأيش إعرابها؟
الطالب: فاعل.
الشيخ: (أولو) فاعل لـيَذَّكَّرُلأن الاستثناء هنا مفرغ، وأُولُوبمعنى أصحاب وهي ملحقة بجمع المذكر السالم، ولهذا رُفعت بالواو.
يقول الله عز وجل في هذه الآية: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُيعني أن الله تعالى يُعطي الحكمة من يشاء من عباده، وذلك لأن الأمر كله بيده سبحانه وتعالى.
قال الله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ٢٦].
الحكمة بيد الله عز وجل يؤتيها من يشاء من عباده، وقد مر علينا كثيرًا بأن فعل الله المقيَّد بمشيئته يُردّ إلى الحكمة على ما تقتضيه الحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠]، فالله سبحانه وتعالى يُعطي الحكمة من يعلم أنه أهل لها، كما يُعطي الرسالة من يعلم أنه أهل لها اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤]
وليس فعل الله عز وجل لمجرد مشيئة أنه يُعطي هذا ويمنع هذا بس بمجرد أنه شاء هذا أو شاء هذا، ولكنه لحكمة.
وقوله: الْحِكْمَةَما هي؟ الحكمة فِعلة من أحكم يُحكم إحكامًا؛ بمعنى أتقن، ولا إتقان إلا بأمرين: بالعلم، والرشد، لا يمكن أن يحصل إحكام لأي شيء من الأشياء إلا بأمرين هما: العلم والرُّشد؛ لأن من فاته العلم كيف يُحكِم الشيء وهو لا يعلم؟
لو قيل لك: إن هذا الرجل سوف يصنع ساعة، ويتقنها ويحسنها وهو لم يتعلم كيف يصنع؟ هل يمكن أن يصنعها أو لا؟
الطلبة: لا، مستحيل.
الشيخ: لا يمكن. لو قيل لك: إن هذا الرجل سوف يبني بناء وهو عالم بالبناء، ولكنه سفيه ما يحسن أن يتصرفن لا يحسن أن يضع الأعمدة ولا الجسور ولا المسطحات ولا شيء من هذا، يعني هو جيد وعنده عِلم، لكن ما عنده حسن تصرف، ليس عنده حسن التصرف، هل يمكن أن يُحكِم ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا يمكن، إذن فالحكمة تعود إلى شيئين؛ العلم والرشد؛ ولهذا قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [النساء: ١١٣]. فبالكتاب العلم، وبالحكمة الرشد، وإن شئت فقل: إن الحكمة تشمل العلم والرشد أيضًا وهي السنة.
على كل حال الله عز وجل يهب الحكمة من يشاء، فتجد بعض الناس يهبه الله علمًا ورشدًا، عنده علم عنده رشد، ينزل الأشياء في منازلها، يُعطي عند كون العطاء أنفع، ويمنع عند كون المنع أنفع، ويتكلم إذا كان الكلام أنفع، ويسكت إذا كان السكوت خيرًا، وهكذا، نقول هذا أيش؟ هذا حكمة، ورشد، علم لأنه علم أن هذا أنفع ورشد؛ لأنه سلك النافع،
فإذا مَنَّ الله على الإنسان بهذا الأمر بالحكمة فإن الله يقول: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًايعني من يهبه الله الحكمة والعلم والرشد فإنه يؤتى خيرًا كثيرًا؛ لأن لديه العلم والرشد فلا يفوته شيء ولا يُضيّع فرصة وهو عالم بأمور الخير وأمور الشر.
وقوله: فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًاولم يقل سبحانه وتعالى: فقد أوتي الخير كله؛ لأنه مهما كان الإنسان فهو ناقص مهما كان، مهما بلغ في العلم وفي الرشد فإنه ناقص يرد عليه الجهل ويرد عليه سوء التصرف، ولهذا ينبغي للإنسان أن يكون دائمًا يسأل الله تعالى التوفيق والرشاد والسداد؛ لأنه مهما كان ناقص، أحيانًا يتكلم الإنسان وهو حين يتكلم بالشيء يرى أنه على صواب، ثم بدأ يتبين له أنه خطأ، لماذا؟
لأنه فاته إما العلم وإما الرشد، بل حتى الإنسان المجتهد أحيانًا يجتهد في طلب الحق ويتحرى ويدرس النصوص، ثم يقول: الحكم كذا، وبعد مُضي مدة يتغير اجتهاده، ويرى أن الحكم خلاف الحكم الأول، وهذا نقص ولَّا كمال؟
الطلبة: نقص.
الشيخ: هذا نقص، ولكنه يكون كمالًا إذا رجع إلى الحق، ولم ينتصر لنفسه ويبقى على خطئه. يقول: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًاقد تقول: لماذا اختلف الأسلوب في قوله: يُؤْتِي الْحِكْمَةَثم قال: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ؟ لماذا لم يقل: ومن يؤته الحكمة؟ لأنه قال في الأول: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ، فلماذا قال: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ؟
الجواب والله أعلم: أن الحكمة قد تكون غريزة وقد تكون مكتسبة بمعنى أن الإنسان قد يحصل له مع المران ومخالطة الناس من الحكمة وحسن التصرف ما لا يحصل له لو كان منعزلًا عن الناس، ولهذا أتى بالفعل المضارع المبني للمفعول ليعُم كل طرق الحكمة التي تأتي منها سواء أُوتي الحكمة من قِبل الله عز وجل أو من قِبل الممارسة والتجارب على أن ما يحصل من الحكمة بالممارسة والتجارب هو من الله عز وجل، هو الذي قيض لك من يفتح لك أبواب الحكمة وأبواب الخير.
يقول: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِمَا يَذَّكَّرُالتذكر بمعنى الاتعاظ والاعتبار بالأمور ومجاريها ونتائجها وثمراتها. مَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوأي أصحاب الْأَلْبَابِأي العقول؛ لأن الألباب جمع (لُبّ) وهو العقل. أصحاب العقول هم الذين يتذكرون سواء كان ذلك فيما أجرى الله على عباده من السنن السابقة في تعذيب المكذِّبين وإهلاك المجرمين، أو كان فيما يحصل من تجارب الحياة في زمانهم فإنه كما قيل: العاقل من اتعظ بغيره، كل إنسان عاقل يأخذ من الأمور عِبرًا ودروسًا، ولذلك تجده ينظر ويفكر ويقيس الماضي بالحاضر ويقيس المستقبل بالحاضر ليصل إلى نتيجة، أما من ليس عنده عقل فهو غافل، غافل لا يتذكر وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١].
إذا قال قائل: هل اللب هو الذكاء أو شيء آخر؟
طالب: هو الذكاء.
الشيخ: لا، اللب قلنا: إنه العقل، والعقل غير الذكاء، قد يكون من الكفار من هو غاية في الذكاء، لكنه غاية في السفه، ولهذا وصف الله الكفار بأنهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٧١].
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [البقرة: ١٧١].
إذن مهما رأينا من سياسات الأمم الكافرة وذكائها لا ينبغي أبدًا أن نقول إنهم عقلاء، كيف الله يقول فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَوأنت تقول إنهم عقلاء؟! ولكن نقول: إنهم أذكياء، ولا يلزم من الذكاء العقل؛ العقل حُسن التصرف، ولهذا سمي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبه عما يضره، أما الذكاء فهو حِدة الإدراك والفهم قد يُحمد وقد لا يحمد، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في الفتوى الحموية عن المتكلمين قال: إنهم أوتوا ذَكاء ولم يُؤتوا ذَكاء، هذا جناس تام ولّا غير تام؟
الطلبة: غير تام.
الشيخ: جناس غير تام. الظاهر أنكم ما تعرفون بعد الجناس..





