تفسير سورة البقرة - 76
عدد الزيارات 4849

عناصر المادة :
تفسير الآية (281)
تفسير الآية (282)

ومن فوائد الآية الكريمة: أن التائب من أخذ أموال الناس لا تصح توبته إلا بردها إليهم؛ لقوله: فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْولكن إذا كان لا يعرف صاحبها، أحيانًا يسرق الإنسان من أحد ولا يعرفه بعد ذلك، فماذا يصنع؟ نقول: يتصدق بها تخلصا منها لا تقربها بها، فينويها لمن؟ لصاحبها والله سبحانه وتعالى يعلم بذلك، ثم إن جاء صاحبها مرة من المرات فيخيره، يقول: لك مالك أو أجرك، إن قال: أريد مالي، فالأجر للمتصدق، إن قال: أريد أجره، فأجره له قد نوي له.
ثم قال الله تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ.
طالب: (...) اختلاط المالين (...) رأس المال الحلال (...)؟
الشيخ: لا، اختلاط المالين المحرم والحلال إن كان على وجه يمكن التمييز بينهما فنعم، يعني: يمكن التمييز بحيث يكون هذا مثلا بر وهذا رز، أو يمكن التمييز بالأجزاء مثل اختلاط دهن بدهن، فهذا يمكن يميز بعضه على بعض، أما إذا ما يمكن فلا طريق إلى اجتناب الحرام إلا باجتناب الكل.
قال: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة: ٢٨٠]
قوله تعالى: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍكان المعروف أنها من الأفعال الناقصة التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، وهنا نلتمس الخبر لا نجد خبرا إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍفكيف نعربها؟ نقول: كان هذه تامة، وإذا كانت تامة، فإنها تكتفي بمرفوعها، قال ابن مالك في الألفية:

....................... وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
وَمَا سِوَاهُ نَاقِصٌ........ .....................
وذو تمام ما برفع يكتفي هذه تامة، وعلى هذا نقول: كان فعل ماض وذو فاعل، رفعت بالواو لأنه من الأسماء الستة أو الخمسة، والجملة هنا شرطية، والجواب قوله: فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍنَظِرَةٌمبتدأ خبره محذوف، فكيف نقدر هذا الخبر؟ نقدر فعليكم ولَّا فله؟ أو فالواجب؟ نعم، فالواجب عليكم نظرة، أو فعليكم نظرة، أو فله نظرة، يصلح؛ لأنه إذا كان الحق له وجب علي أن أوفية حقه.
وقوله: وَأَنْ تَصَدَّقُواأنا أحب لو نبتديء بالإعراب قبل الشرح، طيب وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْتَصَدَّقُواهذه فعل مضارع دخل عليه أن المصدرية فيحول إلى مصدر، ويكون التقدير: تصدقكم، فيكون مبتدأ خبره خَيْرٌ لَكُمْ، وقوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَجملة شرطية، نقول في إعرابها كما سبق في قوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة: ٢٧٨]
أما القراءات في هذه الآية ففيها قراءات: في مَيْسَرَةٍفيها قراءة: {مَيْسُرَةٍ} بضم السين {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسُرَةٍ}، وقوله: وَأَنْ تَصَدَّقُوافيها قراءة: {وَأَنْ تَصَّدَّقُوا} أي: تتصدقوا، لكن أدغمت التاء في الصاد.
يقول الله عز وجل: إِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍيعني: إن وجد ذو عسرة، أي صاحب عسرة لا يستطيع الوفاء، فهناك ثلاثة طرق: إما التجاوز عنه، وإما الإنظار إلى ميسرة، وإما الربا، الربا محرم، فما الذي بقي؟ الإنظار، والإبراء يعني الإعفاء، وكلاهما ذكره الله فقال: فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْفأوجب الله الإنظار، وندب إلى الإعفاء، أوجب الإنظار في قوله: فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍنظرة في معنى إنظار، يعني: عليكم أن تنظروه، إلى متى؟ إلى ميسرة، الميسرة ليست معلومة، ليست معلومة قد يوسر بسنة، قد يوسر بسنتين بثلاث، قد لا يوسر أبدًا، فيقال: يفرق بين الابتداء والاستدامة، فلو بعت شيئا على شخص فقير، وقلت: إلى ميسرة، فالمعروف عند أهل أكثر العلم (...) فالواجب أيش؟ إنظاره إلى ميسرة، إن لم تختر الفسخ إن اخترت الفسخ فلا بأس، لكن إذا لم تختر الفسخ فالواجب الإنظار، على أن القول الراجح أنك إذا بعته إلى ميسرة، فإن البيع صحيح والتأجيل صحيح؛ لأن هذا مقتضى العقد، فإن من باع على شخص يعلم أنه معسر فمقتضى العقد أيش؟ أن ينظره؛ لأنه عارف أنه ما يمكن يطالبه الآن، فلو قال: أنا أشتريه منك، والله ما عندي شيء، لكن أشتريه منك حتى يغنيني الله، فالصواب في هذا الصحة، وقد ورد في هذا حديث عن عائشة رضي الله عنها: أن رجلا قدم له بَزٌّ من الشام، فقالت له عائشة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام: إنّ فلانًا قَدِمَ له بزٌّ منَ الشّامِ فلو أرسلْتَ إليه لتشتريَ ثوبيْنِ إلى مَيْسَرة ، فهذا يدل على أن مثل هذا جائز، على كل حال هذا إن شاء الله يأتي في الفوائد.
وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ، وفي قراءة: {مَيْسُرَةٍ} بالضم، وَأَنْ تَصَدَّقُواوفي قراءة: {وَأَنْ تَصَّدَّقُوا} أوجب الله عز وجل الإنظار، إنظار من كان معسرًا، عكس ما كانوا يفعلون في الجاهلية أن المعسر يزاد عليه في الدين، أو يلزم بالتسديد، فقال: فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍوقوله: إِلَى مَيْسَرَةٍوإن كانت مجهولة، لكن هذا هو الواقع؛ لأنه مادام معسرا فسبب الإنظار موجود أو فسبب وجوب الإنظار موجود، فلا يجوز مطالبته ولا طلب الدين منه.
ثم قال الله تعالى: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْتَصَدَّقُوابماذا؟ قيل: بالإنظار، ولكن فيه نظر، وقيل: بالإبراء، يعني: أن تعفوا عن الدين خير لكم، وهذا هو الصحيح، يكون معنى أَنْ تَصَدَّقُوابماذا؟ بإبراء المدين من دينه خير لكم من إنظاره؛ لأنكم إذا أبرأتموه برئت ذمته، وإذا أنظرتموه فذمته مشغولة، لكنه أمهل حتى يوسر، ومعلوم أن الأول أولى وأرفق بالمدين وهو الإبراء، وإنما كان خيرا للسبب الذي ذكرناه وهو إبراء ذمة المدين، فإبراء ذمته حتى يبقى سليما من الدين خير من إنظاره مع بقاء الدين.
ثم قال: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَهذه الجملة الشرطية مستقلة يراد بها الحث، وقلت: مستقلة يعني أنها لا توصل بما قبلها؛ لأنها لو وصلت بما قبلها لأوهم معنى فاسدا، أوهم أن التصدق خير لنا إن كنا نعلم، فإن لم نكن نعلم فليس خيرا لنا، ولاشك أن هذا معنى فاسد لا يراد بالآية، لكن المعنى إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَيعني إن كنتم من ذوي العلم فافعلوا أي: تصدقوا، والمراد بالجملة هنا أيش؟ الحث والإغراء؛ لأن كل ذي علم عاقل فلابد أن يختار ما هو خير، فلابد أن يكون يختار ما هو خير.
في هذه الآية فوائد منها: ثبوت رحمة الله عز وجل، وجه ذلك: أنه أوجب على عباده إنظار المعسر، وهذا رحمة بمن؟ بالمعسر، ففيه إثبات رحمة الله عز وجل التي منها أنه ألزم من له الدين أن ينظر المعسر.
ومنها: حكمة الله عز وجل في انقسام الناس إلى موسر ومعسر، من الموسر في هذه الآية؟ الدائن، والمعسر المدين، وحكمة الله عز وجل هذه لا يمكن أن تستقيم أمور العباد إلا بها أبدا؛ ولذلك بدأ الشيوعيون الذي يريدون أن يساووا الناس بدؤوا يتراجعون الآن، بدؤوا يتراجعون؛ لأنهم عرفوا أنه لا يمكن أن يصلح العباد إلا هذا الاختلاف، قال الله عز وجل: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف: ٣٢] لولا هذا الرفع، هل يمكن أن يسخر لنا أحد يعمل لنا ما نريد؟ أبدا، تجيء للعامل تقول: تعال اعمل عندي، وبأعطيك فلوس، وأيش يقول؟ يقول (...) ما أنا بعامل، أنت تعمل عندي. تجد التاجر تقول له مثلا: أورد لي التجارة وأعطيك كذا وكذا، وأيش يقول؟ يقول اللي عندك عندي.. (...) وأنت ورد لي. وهكذا، فلا يمكن إصلاح الخلق إلا بما تقتضيه حكمة الله عز وجل وشرعه من التفاوت بينهم، هذا معسر وهذا موسر حتى يتبين بذلك حكمة الله عز وجل وتقوم أحوال العباد.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب إنظار المعسر يعني إمهاله، وجوب إنظار المعسر؛ لقوله: فَنَظِرَةٌ.
ومنها أي من فوائد الآية: وجوب إمتداد إنظاره إلى الميسرة، لا إلى شهر ولا إلى سنة، وإلا إلى أسبوع إلى الميسرة، طيب وإن طالت مدة الميسرة؟ وإن طالت نعم.
ومن فوائد الآية: أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، كيف ذلك؟ لأنه لما كان وجوب الإنظار معللًا بالإعسار صار مستمرًا إلى أن تزول العلة وهي العسرة حتى يجوز مطالبته، وفي عكس ذلك ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» الغني يحرم عليه المماطلة، والدائن تحرم عليه المطالبة إذا كان المدين معسرا، لو أن الناس مشوا على تقوى الله عز وجل في هذا الباب لسلمت أحوال الناس من المشاكل، لكن نجد الغني يماطل، الدراهم عنده في الدرج أو في الصندوق، يأتيه صاحب الحق يقول: اقضني حقي. يقول: بكرة. يجيئهم بكرة، يقول: بعد بكرة، وهكذا، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» ، ونجد أولئك القوم الأشحاء ذوي الطمع لا ينظرون المعسر ولا يرحمونه، يقول: أعطني وإلا فالحبس، ويحبس فعلا، وإن كان لا يجوز حبسه إذا تيقنا أنه معسر، لا يجوز أن يحبس، بل يعزر الدائن إذا ألح عليه في الطلب وهو معسر، يعزر الدائن، لماذا؟ لأن طلبه مع الإعسار معصية، والتعزير عند أهل العلم واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإبراء، فضيلة الإبراء من الدين؛ لقوله: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْالإبراء سنة و الإنظار واجب، وهنا السنة أفضل من الواجب بنص القرآن وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْأليس كذلك؟ السنة الآن أفضل من الواجب بنص القرآن، وحينئذ يرد علينا إشكال وهو كيف نجمع بين مدلول القرآن الكريم هنا وبين قوله الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ» فإن هذا يقتضي أن الفرائض أفضل من النوافل، أليس كذلك؟ وهذا لاشك فيه أن الفرائض أفضل من النوافل، وإن كان الجهلة منا والسفهاء يعتنون بالنوافل أكثر مما يعتنون بالفرائض، تجده في صلاة نافلة خاشعا يتدبر ما يقول وما يفعل، وفي صلاة الفريضة على العكس ينظر إلى الساعة تارة، وإلى القلم تارة، ويذكر شيئا نسيه فيخرج القلم يكتب براحته حتى لا ينسى، وفي النفل تجده خاشعا متدبرا ما يقوله ويفعل، وهذا لاشك أنه من جهلنا، وإلا فالعناية بالفرائض أولى من العناية بالنوافل، المهم كيف نجمع بين مدلول هذه الآية الكريمة وبين ما دل عليه الحديث القدسي؟ الجواب أن الجمع بينهما هو أنه إذا كان النفل شاملًا للواجب، شاملًا للواجب يعني يتضمن الواجب فهو أفضل؛ لأنه صار واجبا وزيادة، صار واجبا وزيادة عرفتم؟ طيب، الإبراء يتضمن الإنظار ولَّا لا؟ إي نعم، فيه إنظار وزيادة، أليس كذلك؟ فيه إنظار وزيادة، إذن فنقول إنما كان أفضل؛ لأنه مشتمل على الواجب وزيادة، ونظير ذلك ما قاله بعض العلماء: الوضوء ثلاثا سنة والوضوء مرة واجب، والثلاث أفضل من الواجب، كيف الثلاث أفضل من الواجب، وهي سنة والواجب فريضة؟ الجواب: لأن هذه السنة متضمنة للواجب، فهي واجب وزيادة، قالوا أيضا: ابتداء السلام سنة ورده فرض، والابتداء أفضل من الرد؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ» ، كيف هذا؟ والحديث: «مَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ» . قالوا: نعم؛ لأن هذا الرد مبني على الابتداء، فصار الابتداء مشروعا لذاته ولغيره، لولا الابتداء ما حصل الرد، فلما كان الرد مبنيا على الابتداء صار الابتداء هنا أفضل؛ لأنه صار سببًا وذاتًا، فهو سلام ابتدائي وسبب لواجب فأعطي فضيلة الواجب؛ لأنه سببه، وفضيلة الابتداء؛ لأنه الابتداء، عرفتم؟
من فوائد الآية الكريمة: تفاضل الأعمال، كيف؟ لقوله: خَيْرٌ لَكُمْوتفاضل الأعمال يقتضي تفاضل العامل، وأن العاملين بعضهم أفضل من بعض، وهذا أمر معلوم بالضرورة الشرعية والعقلية، أن العمال يختلفون لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ [النساء: ٩٥] ولَّا يستوون؟ لا يستوون، لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد: ١٠]، يتفرع على ذلك عندنا الآن من الآية الكريمة نأخذ تفاضل الأعمال يتفرع عليه: تفاضل العامل، يتفرع على ذلك: تفاضل الإيمان، تفاضل الإيمان، كيف ذلك؟ لأن الأعمال من الإيمان عند أهل السنة والجماعة، فإذا تفاضلت لزم من ذلك تفاضل الإيمان؛ ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العلم، وأن العلم يهدي صاحبه إلى الخير؛ لقوله: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، هل يستفاد من الآية الكريمة: أن إبراء الغريم يجزئه من الزكاة؟ انتبهوا يعني إنسان عليه مائة ريال زكاة، يطلب شخصا فقيرا مائة ريال: وقال: أبرأت هذا الفقير، أبرأته عن زكاتي، هل تجزئه أو لا؟ نشوف من الآية، هل تقولون إن الآية تدل على إجزاء إبراء الفقير عن الزكاة؟ لو قال قائل نعم الآية تدل على أنه يجزئ لأن الله سمى الإبراء صدقة وقال: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة: ٦٠] فإذا كان الإبراء صدقة، وأبرأت الفقير فقد أديت الزكاة، ولكن الصحيح أنه لا يجزئ، الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يجزئ، كيف؟ لأن الله عز وجل قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [البقرة: ٢٦٧] وجعل الدين زكاة للعين هذا من تيمم الخبيث لإخراجه عن الطيب، والمراد بالخبيث هنا الرديء ما هو الحرام، أليس كذلك؟ لأن العين ملك قائم بيد المالك يتصرف فيه كيف يشاء، والدين الذي على معسر مال تالف في الواقع، مال تالف؛ لأن الأصل بقاء الإعسار ولَّا زواله؟ الأصل بقاء الإعسار، وحينئذ يكون هذا الدين بمنزلة المال التالف، فلا يصح أن يجعل هذا المال التالف زكاة عن العين؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن هذا لا يجزئ بلا نزاع، بلا نزاع لا يجزئ، ولو قلنا يجزئ لكان كل إنسان له غرماء لا يستطيعون الوفاء يقول: أبرأته ونويتها من الزكاة فتبقى الأموال عنده، والديون التالفة الهالكة التي لا يرجى حصولها تكون هي الزكاة، هذا لا يمكن؛ ولهذا لو خيرت شخصا فقلت: أنا أعطيك عشرة ريالات أو أحولك على إنسان فقير بالعشرة، وأيش يختار؟
طلبة: العشرة.
الشيخ: تعطيني عشرة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: الله يهديكم تأملوا؟ قلت لإنسان: أنا باعطيك عشرة ريالات نقدا ولَّا باحولك على إنسان فقير، وأيش يأخذ؟
الطلبة:العشرة.
الشيخ: العشرة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ولا يتردد؟
الطلبة: ولا يتردد.
الشيخ: ولا يتردد، إذن صارت العشرة بالنسبة للدين من باب الطيب، وذاك من باب الرديء، لو أردت أن تعطي شخصا شاة سمينة صحيحة، وتعطيه شاة هزيلة مريضة، أيٍّ اللي يختار؟ الأول، هذا نفس الشيء، إذن نقول لا يجوز إبراء الفقير واحتساب ذلك من الزكاة، نعم، لو فرض أنه سيجعلها زكاة عن دين، زكاة عن دين، إذا قلنا بوجوب الزكاة في الدين فهذا ربما نقول إن هذا صحيح؛ لأن هذا الدين الذي أبرأت صار من جنس المال الذي زكيت به عنه.
تفسير الآية (281)
00:28:59

ثم قال الله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِوفي قراءة: {تَرْجِعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [البقرة: ٢٨١].
قوله: يَوْمًاهنا ليست ظرفا؛ لأن الفعل واقع عليها لا فيها، والظرف يكون الفعل واقعا فيه لا عليه، فاليوم متقى فهو مفعول به، وجملة: تُرْجَعُونَصفة ليوم؛ لأنه نكرة، والجمل بعد النكرات صفات، وقوله: ثُمَّ تُوَفَّىمعطوف على تُرْجَعُونَيعني: يوم ترجعون فيه، وتوفون فيه ما كسبتم، وقوله: وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَجملة استئنافية، ويحتمل أن تكون جملة حالية لكن الأول أظهر.
يقول الله عز وجل بعد أن ذكر كثيرا من أنواع المعاملات والربا حذر من هذا اليوم الذي يرجع فيه الخلائق إلى الله عز وجل، وهذا اليوم نَكَّره للتعظيم ولم يبينه إلا بوصفه وهو قوله: تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِوهو يوم القيامة، أمرنا الله باتقائه حتى لا نعتدي على أحد؛ لأننا إذا اعتدينا على أحد بظلم فإنه في هذا اليوم الذي نحن محتاجون فيه للثواب سوف يأخذ المظلوم من ثوابنا.
وقوله: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍأي: تعطى، والتوفية بمعنى الاستيفاء وهو أخذ الحق ممن هو عليه، فـ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍأي تعطى ثوابها وأجرها المكتوب لها إن كان عملها صالحا أو (...)
بمعنى الاستيفاء وهو أخذ الحق ممن هو عليه، فـ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍأي: تعطى ثوابها وأجرها المكتوب لها إن كان عملها صالحًا، أو إن كان علمها سيئًا تعطى العقاب على عملها.
وقوله: مَا كَسَبَتْالكسب هو ما عمله الإنسان أو ما حصل له بعمل، ما حصل له بعمل يسمى كسبا، لو أن الإنسان اتجر وحصل له ربح نقول هذا كسب، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» .
وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَالظلم في الأصل النقص، ومنه قوله تعالى: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا [الكهف: ٣٣] يعني:لم تنقص، هذا في الأصل ولكنه استعمل بمعنى أعم، فصار الظلم يكون بالنقص وبالزيادة، بالنقص من العمل الصالح، وبالزيادة من العمل السيئ يعني أن الإنسان لا ينقص من حسناته ولا يزاد في سيئاته، كما قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢] ظُلْمًا [طه: ١١٢] بزيادة السيئات وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢] بنقص الحسنات.
في هذه الآية الكريمة: وجوب اتقاء هذا اليوم الذي هو يوم القيامة؛ لقوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، لكن بماذا نتقيه؟ نتقيه بفعل أوامر الله واجتناب نواهيه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى قد تضاف لغير الله، لكن إذا لم تكن على وجه العبادة فإنها تضاف إلى غير الله، فيقال: اتق فلانا، اتق كذا، وهذا في القرآن والسنة كثير قال الله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات: ١٠] وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١] لكن فرق بين التقويين، التقوى الأولى تقوى عبادة وتذلل وخضوع، والثاني تقوى وقاية فقط، يأخذ ما يتقي به عذاب هذا اليوم أو عذاب النار، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ» فأضاف التقوى هنا إلى الدعوة، واشتهر بين الناس: اتق شر من أحسنت إليه، لكن هذه التقوى المضافة إلى المخلوق ليست تقوى العبادة الخاصة بالله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ.
ومن فوائدها: أن مرجع الخلائق كلها إلى الله حكمًا وتقديرًا وجزاء، فالمرجع كله إلى الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى [النجم: ٤٢] في كل شيء.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قدرة الله عز وجل، وذلك بالبعث؛ فإن الله تعالى يبعث الخلائق بعد أن كانوا رميما وترابا.
ومن فوائدها: الرد على الجبرية.
الطلبة: (...)
الشيخ: (...)وَاتَّقُوا يَوْمًا؛ لأن الأمر بالتقوى لو كان الإنسان مجبورا لكان من تكليف ما لا يطاق، أليس كذلك؟ نعم
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يوفى يوم القيامة إلا عمله؛ لقوله: ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْواستدل به بعض العلماء على أنه لا يجوز إهداء القرب من الإنسان، يعني أنك لو عملت عملًا صالحًا لشخص معين فإن ذلك لا ينفعه ولا يستفيد منه؛ لأن الله قال: تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْلا ما كسب غيرها، فما كسب غيره فهو له، فلو أن الإنسان عمل عملًا صالحًا يريد أن يكون لأخيه أو عمه أو خاله أو صديقه فإن ذلك لا ينفعه، واستُثْنِي من ذلك الأولاد؛ قالوا: لأن الأولاد من الكسب، ولأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة المرأة التي قالت: إن أباها لا يثبت الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نَعَمْ» ، وفي الأخرى التي قالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نَعَمْ» قالوا: وهذا لأن الأولاد من الكسب، فأجزأ العمل الصالح منهم عن آبائهم وأمهاتهم، وأما الدعاء للغير إذا كان المدعو له مسلما فإنه ينتفع به بإجماع المسلمين، بالنص والإجماع، النص: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ [الحشر: ١٠] ولم يذكر الله ذلك عنهم إلا وهم أي المدعو لهم ينتفعون به، وأما الإجماع فإن المسلمين كلهم يصلون على الأموات ويقولون في الصلاة أيش؟ اللهم اغفر له وارحمه، فهم مجمعون على أنه ينتفع بذلك.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم خلاف طويل عريض، والراجح ما ذهب إليه الإمام أحمد في هذه المسألة، أنه يجوز للإنسان أن يعمل العمل الصالح لمن شاء من المسلمين إلا ما كان فريضة، فإنه لا يجوز أن يجعله لغيره؛ لأنه مفروض عليه هو بنفسه، فلو توضأ الإنسان لصلاة الظهر ونوى أن يكون الوضوء لأبيه، فإن ذلك لا يجزئ ولا يصح؛ لأنه مفروض عليك أنت فرضًا، فالفرائض لا تهدى لأحد، النوافل يجوز إهداؤها بأن تعمل تنوي بعملك هذه النافلة أنها لفلان، ولكن هل هذا أمر مطلوب، ومشروع أن يفعله الإنسان؟ أم هو من الأمر الجائز الذي لا نقول: إنه بدعة، ولكن لا نحبذه؟ الثاني: فنحن لا نقول إنه مشروع ولا نقول إنه بدعة، وإنما نقول هو من الأمر الجائز، والدعاء أفضل منه، الدعاء أفضل منه، الدليل على أن الدعاء أفضل من العمل: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انَْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنَتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» ، ولم يقل: يصلي له أو يتصدق أو يصوم أو ما أشبه ذلك، وإرشاد النبي عليه الصلاة والسلام إلى الدعاء خاصة دليل على أنه أفضل وهو كذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصغير يكتب له الثواب، تؤخذ منين؟ كُلُّ نَفْسٍمن العموم، لو قال قائل: ويكتب عليه العقاب؟
الطلبة: (...)
الشيخ: نقول: لَا يُظْلَمُونَ؟ إي نعم، نقول: أولا أن السنة جاءت برفع القلم عنه ،كذا؟ وأيضًا قال: وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَوالصبي لو عوقب لكان في ذلك ظلم.
لكن لو قال قائل: إن سيئات الصبي لا تدخل هنا، بل ولا سيئات الكبير؛ لأن الله قال: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦] ففرق بين العمل الصالح فقال: مَا كَسَبَتْوالسيئ قال: عَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْلو قال قائل: إن كَسَبَتْهنا أخرجت اكتسبت، نقول ما يصح هذا، لا يصح؛ لأن الله تعالى قال: فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ [الزمر: ٥١]فجعل السيئات كسبا، لكن فائدتها في آية البقرة قيل: إن فائدتها لفظية يعني من أجل تنويع اللفظ كسب واكتسب، يعني لو كانت الآية: لها ما كسبت وعليها ما كسبت صار فيها شيء من القلق، لكن لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦] والمعنى واحد لكن اختلفا في اللفظ، وقيل: بل بينهما فرق؛ وذلك لأن الكسب قد يكون من فعل الإنسان، وقد يكون من فعل غيره، فلو وهب لك هبة فهي كسب، أما الاكتساب فهو ما عالج الإنسان الوصول إليه، ويكون لا يكتب عليه إلا ما فعله مباشرة دون ما حصل من غيره؛ ولهذا قال الله تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى [فاطر: ١٨]
لو قال قائل لقريبه: يا فلان، أنت شربت الخمر، قال: نعم، قال: إثمك علي. يا فلان، أنت سرقت؟ قال: نعم. إثمك علي. يا فلان، أنت فعلت الفاحشة؟ قال نعم. قال: إثمك علي. يا فلان، أنت أشركت بالله؟ قال: نعم: قال: إثمك علي. طيب المهم، اللي حصل عليه هاتان من ها دول؟ أبدا، ولا واحد منها، الشرك وما دونه ما يلحقه، قال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [العنكبوت: ١٢].
طالب:(...)؟
الشيخ: يقول المعنى انقطع عمله الذي هو عمله؛ ولهذا أضافه إلى نفسه، ولم يقل: انقطع العمل عنه، لو كان لفظ الحديث انقطع العمل عنه ما يصله أي عمل، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر أن عمله هو نفسه ينقطع إلا من ثلاثة.
طالب: (...) والده وقد حج (...) عامي (...) بعد أن عرف المناسك وعرف الحج الصحيح فهل يحج (...)؟
الشيخ: يعني شاك في أداء الفريضة؟
طالب: هو شاك، يا شيخ أن والده ما أدى الفريضة على الوجه الصحيح
الشيخ: إذا كان يظن أنه قد أخل بالفريضة، فالظاهر هنا أن نرجح أن يحج عنه، أما إذا كان يريد أن يحج عنه وهو يعرف أنه قد أدى الفريضة على وجه الأكمل حسب الاستطاعة، فنقول: إن الدعاء أفضل.
طالب: (...)
الشيخ: والله العوام إذا وفقوا برجل عالم صالح انتفعوا.
طالب: شيخ، بالنسبة لبعض أهل العلم يقول: (...) الثواب إلا ما ورد فيه الدليل ويستدلون بعموم قوله الله سبحانه وتعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم: ٣٩] وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌ» يقول: ما ورد يفعل وما لم يرد (...)؟
الشيخ: أما الأول وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم: ٣٩] فصحيح، ما له إلا ما سعى، فسعي غيره ليس له، لكن إذا أراد الغير أن يجعله له يعني: بمعنى أنه ما يمكن إن سعي غيره يؤخذ منه وتعطى إياه، لكن إذا أعطاك ما في مانع كما لو قلت: ليس لك إلا ما تملك من المال، وجاء إنسان وأعطاك من المال، أما الاقتصار على ما ورد فيقال التي وردت قضايا أعيان، لو كانت أقوالًا من الرسول عليه الصلاة والسلام قلنا: نعم نتقيد بها، لكن قضايا أعيان جاءوا الرسول فعلت كذا وقال: نعم يجزئ، وهذا مما يدل على أن العمل الصالح للغير يجزئ في الواقع؛ لأننا ما ندري لو جاء رجل وقال: يا رسول الله صليت ركعتين لأمي أو لأبي أو لأخي ما ندري وأيش يكون الجواب، أما لو كان لأقوال بأن قال: من تصدق لأبيه أو أمه أو لأخيه وما أشبه ذلك لقلنا إن هذا قول ونقتصر عليه، أما أناس يسألوننا فما ندري لو جاء مثلا ألف واحد يسأل كل واحد يسأل عن العمل، فالجواب المتوقع الذي نظن أن الرسول سيقول: نعم، أما من «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» هذا نعم ما عمل عملا ليس عليه أمر الله ورسوله، هذا عمل عملا عليه أمر الله ورسوله أخلص لله واتبع رسول الله، لكن أراد أن ينفع به شخصا مسلما.
طالب: الصلاة؟
الشيخ: صلاة أيش؟
الطالب: مثل قيام الليل يقوم من الليل بنية (...)؟
الشيخ: إي نعم لا، شوف هو إما أن يكون نيابة أو إهداء، إهداء ما فيه مانع،
طالب: يصلي (...)؟
الشيخ: نعم نعم يصلي ويقول: اللهم إني نويت أن هذه الصلاة لأبي ثوابها لأبي، أما أن يقول لأبيه نم بفراشك وأنا أصلي عنك من باب الوكالة لا ما يصلح.
طالب: شيخ، الحج أفضل من الدعاء (...)؟
الشيخ: أيه لكن هل هو مبني على أنه عبادة ما هو دعاء؛ ولهذا لو أنك ذهبت قلت: لبيك اللهم لبيك وطفت ولم تتكلم بأي دعوة، وسعيت ولم تتكلم بأي دعوة وكل الأشياء فعلت الذكر دون الدعاء يجزئ الحج وإلا ما يجزئ؟ يجزئ نعم.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، إن الرجوع إلى الله عز وجل،
الطالب: الحكم (...)؟
الشيخ: الحكم أعم، الحكم أعم يعني إن الله عز وجل يحكم بالشيء فيقع، والتقدير في الأزل السابق.
الطالب: حديث الدعاء هو العبادة (...) أولا المرء يدعو له، أن الدعاء هنا المراد به العبادة شامل للعبادة كلها؛لحديث الدعاء هو العبادة؟
الشيخ: ما يستقيم هذا، لا ما يستقيم، لاشك إن الدعاء عبادة؛ لأن الإنسان إذا رفع يديه إلى الله يسأله فهذا تعبد وتذلل، لكن عندما يطلق الدعاء فالمراد به دعاء المسألة عندما يطلق، لكن دعاء المسألة من العبادة.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، هذه بعض العامة إذا صار الميت يشتهي هذا النوع من الطعام في العادة، فهم إذا قدموه يقول هكذا بأيديهم عليه: اللهم اجعل ثوابه لفلان، هذا لاشك أنها من البدع، هذا من البدع؛ لأنهم يظنون والله أعلم إنه ما دام يحبه يبي يصرفه، إذا كان مثلا جريش ولحم ويحب الجريش واللحم، وقال: اللهم اجعل ثوابه له، إنه يجيب في قبره جريش ولحم.
الطالب: (...)؟
الشيخ: أنا أشوف الناس العامة
طالب: (...)؟
الشيخ: والله، هم ما فيه شك أنها على ها الصيغة ما ورد عن السلف، لكن لو قالوا: احنا بنفعله؛ لأن أكلنا إياه صدقة، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْإِنْسَانُ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَعَلَى زَوْجَتِهِ فَهُوَ صَدَقَةٌ» نبي من هذا الباب..
طالب: (...)؟
الشيخ: أي، نقول هذا ثواب له، ولكن ما ينبغي أن يفتح هذا الباب، ما يفتح هذا الباب أمام العامة أبدا.
طالب: (...)؟
الشيخ: الآن بعض الناس يعتمد على غيره في هذه المسألة، إذا قال: والله ما توصي قال: عيالي هم عشاي وضحيتى العامة (...)

***

طالب: قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ [البقرة: ٢٨٢]
الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ
أظن أننا انتهينا من كل شيء فيما سبق من المناقشة والفوائد؟ طيب.
هذه الآية الكريمة أطول آية في كتاب الله، وهي كما تشاهدون في المعاملات بين الخلق، وأقصر آية في كتاب الله ثُمَّ نَظَرَ [المدثر: ٢١] لأنها ستة أحرف؟
طالب: طه [طه: ١]
الشيخ: إي نعم، لا الحروف الهجائية هذه أظن فيها أقصر من طه [طه: ١]، ن [القلم: ١]، ص [ص: ١]، لكن نريد الحروف غير الهجائية ثُمَّ نَظَرَ [المدثر: ٢١] إذن أطول آية آية الدين، وأقصر آية ثُمَّ نَظَرَ [المدثر: ٢١] وأجمع آية للحروف الهجائية كلها آيتان في القرآن فقط، آيتان في القرآن جمعتا جميع الحروف الهجائية.
طالب: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح: ٢٩]
الشيخ:نعم هذه واحدة، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح: ٢٩] إلي آخر الآية هذه جمعت جميع الحروف الهجائية، نعم، الثانية؟
طالب: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ [آل عمران: ١٥٤]
الشيخ: نعم ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا [آل عمران: ١٥٤] في آل عمران هذه فيها جميع الحروف الهجائية، لكن الآية التي معنا مع طولها لا تشتمل على جميع الحروف الهجائية.
تفسير الآية (282)
00:57:14

يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍسبق لنا أن تصدير الحكم بالنداء يدل على العناية به؛ لأن النداء للتنبيه ولا ينبه إلى على شيء هام، وتقدم لنا أيضا أنه إذا وجه الخطاب للمؤمنين فإن فيه فوائد:
أولا الإغراء والحث، كأنه يناديهم بصفة إيمانهم الذي يحملهم على امتثال الأمر واجتناب النهي.
ثانيا: أن الالتزام بهذا من مقتضيات الإيمان.
ثالثا: أن المخالفة فيه مما ينقص الإيمان، هذه ثلاث فوائد فيما إذا وجه الخطاب إلى من؟ إلى المؤمنين، ويذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: إِذَا قالَ الله تعالى: يَا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا فأَرْعِهَا سَمْعَكَ -يعني: استمع لها- فإمَّا خيرٌ تُؤْمَرُ به، وإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عنْهُ .
يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ، والإيمان في اللغة أخص من التصديق؛ لأنه إيمان (...) تقول: آمنت له، والمخبر به تقول: آمنت به، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواإذن الإيمان شرعًا هو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، للقبول قبول أيش؟ قبول الخبر وقبول الحكم أيضا، أقبل أن هذا فرض أو أن هذا سنة أو ما أشبه ذلك، والإذعان يعني الاستسلام والانقياد، فمن صدق بدون قبول فليس بمؤمن، فأبو طالب مثلًا مصدق برسالة النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لم يكن مؤمنا؛ لأنه لم يقبل ولم يذعن.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُتَدَايَنْتُمْهذه تدل على فعل واقع من اثنين مثل تشارك وتقاتل وتساب وتخاصم وما أشبه ذلك، أي: إذا داين بعضكم بعضا، والمداينة تطلق على الدين المعروف، وعلى المكافآت «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ» و «كَمَا تَدِينُ تُدَانُ» ، فلهذا أكد بقوله: بِدَيْنٍحتى يخرج المكافآت، يعني: إذا أعطيتك وأعطيتني هذا مداينة؛ لأني عملت وكوفئت وعليه يتنزل عليه قولهم: كما تدين تدان، لكن لما قال: بِدَيْنٍرفع هذا الاحتمال وصار المراد ما يثبت في الذمة، يعني: إذا تعاملتم معاملة فيها دين، والدين كل ما يثبت في الذمة وضده العين، فإذا بعتك هذه الحقيبة بهذا المسجل هذا دين ولَّا غير دين؟ هذا عين ليس بدين، وإذا بعتك هذه الحقيبة بعشرة ريالات لم أعينها، فهذا عين ودين، المبيع عين والثمن دين، طيب يقول: تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍإذن الدين كلما ثبت في الذمة فهو دين، ثمن المبيع الذي لم يعين دين، الأجرة دين، القرض دين، الصداق دين، المهم كل ما ثبت في الذمة فإنه دين، خلافًا للمفهوم من الدين عند العامة، عند العامة أن الدين هو التورق، وليس كذلك، بل التورق فرد من أفراد الديون، فالدين إذن كل ما ثبت في الذمة من ثمن مبيع أو أجرة أو صداق أو قرض، قرض يعني سلف، أو غير ذلك.
وقوله: إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّىأي إلى غاية محدودة، الأجل الغاية التي ينتهي إليها الشيء، مُسَمًّىيعني: معين محدود مثل: بعت عليك هذا الشيء بعشرة ريالات إلى شهر رجب، هذا أجل مسمى..؟