تفسير سورة البقرة - 79
عدد الزيارات 5071

طالب: ربما تنسى المرأتان جميعًا.
الشيخ: نعم.
طالب: ربما تنسى هذه جملة وهذه جملة.
الشيخ: يعني يكون النسيان من المرأتين جميعًا؛ يعني: أن تضل إحداهما فتذكرها الأخرى معناه أن النسيان وقع من واحدة؛ فإذا قال: أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى صار معناه أنه قد يكون النسيان من المرأتين جميعًا، وهو كذلك فإنها قد تنسى واحدة بعض الجمل والأخرى بعض الجمل.
قوله: وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواما هنا؟
الطالب: ما؟
الشيخ: إِذَا مَا دُعُواوأيش ما هذه؟
طالب: ما زائدة.
الشيخ: ما زائدة؟
طالب: لا، ليست بزائدة.
الشيخ: ما دليلك على أنها زائدة؟
طالب: ليس لها يعني معنى في هذا الموضوع.
الشيخ: لكن ما هو الدليل الذي يبنى على قاعدة معروفة عند النحويين؟
طالب: لأن المعنى إذا دعوا.
الشيخ: هذا المعنى صح، لكن نريد دليلًا مبنيًّا على قاعدة نحوية؟
الطالب: ابن مالك يقول:
يا طالبًا..
الشيخ: أعطنا القاعدة وبعدين استشهد لها بالبيت؟
الطالب: القاعدة أنها وقعت بعد إذا؟
الشيخ: لأنها وقعت بعد إذا كذا؟

وَيَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ مَا بَــــــــــــــعْدَ إِذَا زَائِــــــــــــدَهْ

خذها أنت يا أخ.. هذه الحروف الزائدات في القرآن الكريم، هل هي زائدة لفظًا ومعنى أو لفظًا فقط؟
طالب: لفظًا ومعنًى.
الشيخ: لفظًا ومعنًى.
طالب: يعني زيادة المبنى يفيد زيادة في المعنى وزيادة في الإعراب.
الشيخ: إذن يختلف زائدة معنى عن زائدة لفظًا، زائدة لفظًا يعني في الإعراب؛ لكن زائدة معنى أنها تزيد المعنى كذا ولّا لا؟
إذن نقول: هي زائدة زائدة زائدة كذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: زائدة من حيث الإعراب، زائدة من حيث المعنى أي أنها تزيد في المعنى أما في الإعراب فلا تزيد؛ لأنها لو حُذفت استقام الكلام.
قوله: إِذَا مَا دُعُوالماذا بناها للمجهول؟
طالب: لأنه قد يكون الداعي لهم هو صاحب الحق، وقد يكون (...) فجعل الفعل مبنيًّا للمجهول ليعود..
الشيخ: وقد يكون الحاكم.
الطالب: وقد يكون الحاكم.
الشيخ: إِذَا مَا دُعُوالأنه قد يدعوهم صاحب الحق ليشهدوا له؛ أو من عليه الحق إذا ادعي عليه زيادة؛ أو الحاكم إذا تحاكم الخصمان عنده دعا الشهود؛ فلهذا جاءت مبنية للمجهول.
قوله: وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهوأيش معنى تَسْأَمُوا؟
الطالب: وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا.
الشيخ: نعم وأيش معنى تَسْأَمُوا؟
الطالب: السأم هو افتقاد الشيء.
الشيخ: السآمة السآمة؟
طالب: افتقاد الشيء، الإنسان يعنى لا يعبأ بهذا الشيء يقال: يعني هذا الشيء يعني سئم منه.
الشيخ: لا.
الطالب: هو الملل؛ أي لا تملوا.
الشيخ: الملل؛ أي لا تملوا من كتابة الدين، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هل لها شاهد مر عليك في الحديث؟
طالب: نعم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا» .
الشيخ: نريد السآمة؟ بمعنى الملل.
طالب: السآمة بمعنى الملل في الحديث؟
الشيخ: إي نعم، نحن ذكرناه لكم.
الطالب: قول ابن مسعود رضي الله عنه من الصحابة قال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا .
الشيخ: نعم مخافة السآمة علينا.
طالب: فيه بيت شعر.
الشيخ: طيب ما هو؟
الطالب: يقول الشاعر:
سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الْحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ ثَمَانِينَ حَوْلًا -لا أَبَا لَكَ- يَسْأَمِْ

الشيخ:
سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الْحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ ثَمَانِينَ حَوْلًا -لا أَبَا لَكَ- يَسْأَمِْ

قال: صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِلماذا بدأ بالصغير؟ وما نوع هذا الانتقال عند البيانيين؟
طالب: بدأ بالصغير يعني؛ لأنه قد يكون قليل ما يهتم به فنبّه عليه.
الشيخ: أحسنت، بدأ بالصغير؛ لأنه مظنة أن لا يهتم به؛ أحسنت أما عند البيانيين فيقال: هذا انتقال من الأدنى إلى الأعلى.
نظير هذا أن يُبدأ بالشيء خوف التهاون به قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ [النساء: ١١] أيهما الذي يبدأ به؟ الدين، لكن بدأ قدم الوصية لئلا يُستهان بها.
ذكرنا أن هذا الحكم -أي الكتابة- علَّله الله تعالى بثلاث علل قلها يا أخي؟
الطالب: ثلاث عِلل: أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ؛ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ؛ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا.
الشيخ: أحسنت، ماذا يفيد تعليل هذا الحكم بهذه العلل الثلاث؟
الطالب: بيان سمو الشريعة واطمئنان المكلَّف.
الشيخ: وأهمية هذا العمل.
الطالب: أحكام العلل هذا.
الشيخ: طيب، أقول: يراد بهذا بيان العناية بهذا الحكم؛ ولهذا علَّله الله تعالى هذا بثلاث علل؛ أنا ذكرت لكم أنني لا أعلم شيئًا عن هذه الثلاث علل، وأنتم أوردتم عِدة أمثلة عُلِّلت بثلاث عِلل؛ إذن يكون النفي السابق لا عمل عليه؛ لأنه قد يوجد شيء عُلّل بثلاث علل.

***

قال الله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ.

أولًا: في هذه الجملة إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةًقراءتان: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً؛ وقراءة الثانية بالرفع {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ}
على الأول إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةًأين اسم كان؟ اسم كان مستتر. التقدير: إلا أن تكون الصفقة تجارة حاضرة إلى آخره.
وتكون تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْالجملة صفة ثانية لـتِجَارَةً، والصفة الأولى: حَاضِرَةً.
أما على قراءة الرفع {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ تُدِيرُونَهَا} فإن {تِجَارَةٌ} اسم تَكُونَ، و{حَاضِرَةٌ} صفة، وتُدِيرُونَهَاالجملة خبر كان.
يقول الله تعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ} أوإِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا
تِجَارَةًالتجارة هي كل صفقة يراد بها الربح فهي تجارة، واضح؟
تشمل البيع والشراء، وتشمل كذلك عقود الإيجارات؛ ولهذا سمى الله تعالى الإيمان والجهاد في سبيله سماه الله تجارة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الصف: ١٠].
وأما قوله: حَاضِرَةًفهي ضد قوله: إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍالحاضر يعني غير المؤجَّل؛ فإن الصفقة إما أن تكون حاضرة وإما أن تكون مؤجلة؛ وقد سبق بيان حكم المؤجل وأنه يجب أيش؟
الطلبة: كتابته.
الشيخ: الكتابة، كتابته.
وقوله: تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْأي تتعاطونها بينكم بحيث هذا يأخذ سلعته والآخر يأخذ الثمن وهكذا؛ فالمراد هنا بالإدارة المراد بها المعاطاة؛ أي يعطيها بعضكم بعضًا.
يقول: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌالفاء هذه عاطفة أو للتفريع؛ يعني ففي هذه الحال ليس عليكم جناح ألا تكتبوها؛أي ليس عليكم إثم في عدم كتابتها، وقلنا في عدم كتابتها؛ لأن الفعل منصوب بـ (أن) الواقع بعدها نفي، وإذا نُصب الفعل بـ (أن) الواقع بعدها نفي فإنه يُحوّل إلى مصدر مسبوق بعدم، وأيش معنى بعدم؟ أي بكلمة عدم.
الآن نقول: أن ناصبة للفعل ولهذا قال: أَلَّا تَكْتُبُوهَافحذف النون، أعقبها لا النافية، فإذا حولنا الفعل إلى مصدر فلا بُدَّ أن نأتي بكلمة عدم لتحل محل النفي؛ لأن النفي عدم، ومن أين قدَّرنا في؟ قدرناها بحسب السياق، فيكون التقدير: فليس عليكم جناح في عدم كتابتها.
وقوله: أَلَّا تَكْتُبُوهَاالضمير يعود على التجارة؛ فهذه التجارة المتداولة بين الناس ليس على الإنسان جناح إذا لم يكتبها؛ لأن الخطأ فيها والنسيان بعيد؛ إذ إنها حاضرة تُدار ويتعاطاها الناس بخلاف المؤجَّل.
ثم قال: وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْأشهدوا على أي شيء؟ على البيع.
وقوله: إِذَا تَبَايَعْتُمْأي إذا وقع البيع بينكم، والتبايع في الأصل بل البيع في الأصل إنما يكون للمعطِي، والشراء للآخذ، ولكن قد يحصل التغليب فيقال: تبايع الرجلان، بدلًا من أن يقال: تَشارى الرجلان.
البائع يسمى بائعًا، والمشترِي يُسمى مبتاعًا، البائع يسمى شاري والآخر يسمى؟
الطلبة: مشتري.
الشيخ: مشتري، قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ [البقرة: ٢٠٧] أي يبيع نفسه.
أَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْيعني إذا باع بعضكم على بعض فأشهدوا، وهذا الأمر قيل: للندب، وقيل: للإرشاد، والفرق بينهما أنه إذا جُعل للندب فهو من باب العبادات، وإذا جُعل للإرشاد فهو من باب المصالح العائدة على أمور الدنيا، هكذا قيل، وعندي أن الإنسان إذا امتثل ما أرشد الله إليه فإنه يُثاب بهذه النية حتى وإن قلنا: إن الأمر ليس للندب؛ لأن الرجل ما دام فعله امتثالًا لأمر الله فلا شك أنه يثاب على هذا.
وقوله: وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ، كلمة يُضَارَّمأخوذة من الضرر، ولكنها يحتمل أن تكون مبنية للفاعل أو مبنية للمفعول، ويختلف إعراب كَاتِبٌوشَهِيدٌبحسب بناء الفعل، فإن كانت مبنية للفاعل فـكَاتِبٌفاعل، وإن كانت مبنية للمفعول فـكَاتِبٌنائب فاعل.
ما الذي يُبيِّن لنا ذلك؟ يبين لنا ذلك إذا فُكّ الإدغام تبيَّن؛ فعلى أنها مبنية للفاعل إذا فككنا الإدغام نقول: ولا يُضارِر كاتب ولا شهيد، وعلى أنها مبنية للمفعول إذا فك الإدغام يقال: ولا يُضارَر كاتب ولا شهيد، مثل يشارِك ويشارَك؛ يشارِك فاعل، يشارَك مفعول، ومثل أيضًا مختار هل هي مبنية للفاعل ولّا للمفعول؟
الطلبة: تصلح.
الشيخ: تصلح لهذا وهذا كذا؟ إن كانت للفاعل فهي مختارِر، وإن كانت للمفعول فهي مختارَر.
ومثلها ما سبق لنا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ [البقرة: ٢٣٣] أي لا تضارِر وتكون فاعل، ولا تضارَر فتكون نائب فاعل.
وهذا من بلاغة القرآن أن تأتي الكلمة صالحة لوجهين لا ينافي أحدهما الآخر.
فهنا وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌإذا جعلناها فاعلًا صار معنى الآية أن الله سبحانه وتعالى نهى أن يضارّ كاتب أو يضارّ الشهيد، يعني أن يعمل عملًا يَضُر المكتوب له أو عليه، هذا إذا كان فاعلًا كذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: وكذلك نقول في الشاهد أن يعمل الشاهد عملًا يكون فيه ضرر على المشهود له أو عليه، أما إذا جعلناها نائب فاعل فنقول: لا يجوز للمكتوب له أو عليه أن يُضار الكاتب، ولا يجوز للمشهود له أو عليه أن يُضار الشهيد.
فإذا قلت: كيف مضارّة الكاتب؟ مَضارّة الكاتب إما مضارة حِسية أو مضارة معنوية، المضارة الحسية أن نُملِّل الطالب إذا طُلب منه أن يكتب، نُملِّله أو يتكره لما يجب عليه من الانقياد إلى الكتابة، فيقولون: تعالَ اكتب يقعد يحبرش بالقلم ويحك الريشة وينظفه ويبغي وعيله يمشي وما أشبه ذلك.
ربما يملّ الطالب وينصرف كذا، هذه مضارة حسية.
المضارة المعنوية أن يُخل بشيء يختل به الحكم، مثل أن يترك بعض الشروط، أو أن يأتي بأوصاف تُوجب فساد العقد، أو ما أشبه ذلك، هذه لا شك أنها مضارة، لكنها مضارة معنوية؛ لأن المكتوب له قد لا يعرف هذه الأمور، والكاتب هو الذي يعرف، كذا.
أما في الشهادة فيطلب من الشهيد أن يشهد ويتحمل يقول: طيب روح هاد آجي (...) يذهب يبقى عشر دقائق عشرين دقيقة ثلاثين دقيقة يأتي إليه، يلّا تعال اشهد، يقول: انتظر هذا تقدم وأنا وراءك، ويتقدم وهو وراءه كما يقول، ويبقى نصف ساعة، ساعة إلا ربع فيرجع إليه فيقول: تقدم هاجي وراءك وكلما جاء تقدم جاي وراءك، أذن الظهر قال: نبغي نصلي قبل، صلى الظهر قال: جاء الغداء، انتهى الغداء قال: جاء النوم. على كل حال هذه مضارة حسية ولا معنوية؟
الطلبة: حسية.
الشيخ: حسية، يمكن يكون من الشاهد مضارة معنوية؟ يمكن، يزيد في شهادته أو ينقص، أما مضارتنا نحن للكاتب فأن نأتيه في وقت لا يناسب أن نأتيه فيه مثل أن نأتيه الساعة الواحدة من الليل يعني بعد منتصف الليل بساعة قرعنا عليه الباب وأيش عندك؟ قال: امشِ اكتب لي بيني وبين فلان، فيه مضارة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، أو بعد أن قُدم الغداء أو العشاء جئنا نقول أو في شدة حر أو شدة برد أو مطر أو غير ذلك، هذه هي المضارة.
إذا قال قائل: كيف يكون فيه مضارة؟ أفلا يستطيع أن يقول:أنا لا أكتب؟ قلنا: نعم، يستطيع أن يقول: أنا لا أكتب وهو معذور، لكن قد يلحقه حرج في ذلك، هو بنفسه يفكر أنا أخطأت، أنا ما امتثلت أمر الله تعالى في قوله: وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْأنا أخطأت ربما إني خالفت قول الله تعالى: وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواوحينئذٍ يقع في نفسه شيء من الحرج والقلق، هذا نوع مضارة، هذا إذا جعلنا أن الكاتب والشهيد على أنها نائب فاعل.
قال الله تعالى: وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ، وَإِنْ تَفْعَلُواأي يُضار الكاتب أو الشهيد على الوجهين.
فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْفإنه أي الفعل، من أين عرفنا أنه الفعل؟ من قوله: وَإِنْ تَفْعَلُوالأن الفعل مُتضمن للمعنى الذي هو المصدر وللزمن. إذن وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُأي فعلكم.
فإذا قال قائل: ما سبق كلمة فعل؟ نقول: لكنه مفهوم من كلمة: إِنْ تَفْعَلُوا، ونظير ذلك قوله تعالى: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: ٨] هو أيش؟
الطلبة: العدل.
الشيخ: أي العدل المفهوم من كلمة: اعْدِلُوا. فهنا نقول: فإنهأي الفعل المفهوم من كلمة تَفْعَلُوا.
وقوله: فُسُوقٌ بِكُمْأي خروج بكم عن الصراط المستقيم وعن طاعة الله، وأصل الفسق في اللغة الخروج، ومنه قولهم: فسقت الثمرة إذا خرجت من قشرها، فيكون الفسق الخروج عن الطاعة، وإنما كان هذا فسوقًا بمن فعل؛ لأنه خروج عن طاعة الله عز وجل.
ثم قال: وَاتَّقُوا اللَّهَاتقوا الله سبق عِدة مرات أن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله، ويكون ذلك.
الطالب: اتخاذ وقاية من عذاب الله بالبُعد عن معاصي الله.
الشيخ: نعم، لكن بماذا يكون؟ اتخاذ الوقاية بماذا يكون؟
طالب: الأعمال الصالحة.
الشيخ: وأيش بعد؟
طالب: بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
الشيخ: نعم، اتخاذ الوقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه كذا.
وقال بعض العلماء: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عقاب الله.
وقال بعضهم في ذلك معنى ثالثًا؟
طالب: شيخ، أن لا يراك حيث نهاك وأن لا يفتقدك حيث أمرك.
الشيخ: نعم.
طالب:
خَلِّ الذُّنُـــــــــــوبَ صَغِيرَهَــــــــــــا وَكَـــــــبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَـــــــى
وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَــــــرَى
لَا تَحْقِــــــــــــــــــــــــــرَنَّ صَـــــــــــغِيـــــرَةً إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى

الشيخ: إي نعم، هذه منظومة:
خَلِّ الذُّنُـــــــــــوبَ صَغِيرَهَــــــــــــا وَكَـــــــبِيرَهَا ذَاكَ التُّقَـــــــى
وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَــــــرَى
لَا تَحْقِـــــــــــــــــــــــــــرَنَّ صَـــــــــــغِيـــــرَةً إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى

لكن المعنى الأول أجمع: اتخاذ الوقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
ثم قال: وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُالواو هنا للاستئناف، ولا يصح أن تكون معطوفة على التقوى، بل مُستأنفة، يعني اتقوا الله بفِعل كل ما سبق، ثم بيَّن أن كل ما سبق من الإرشادات والتوجيهات كلها تعليم من الله عز وجل وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ، وإنما قلنا ذلك حذرًا من أُناس ادَّعوا العلم اللدني بسبب تقواهم كما زعموا، وهم الصوفية الذين قالوا: إن رؤساءَهم يأخذون العلم من الله مباشرة بدون وحي؛ لأنهم اتقوا الله، والله يقول: اتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ، وهذا لا شك أنه خطأ وخطل وكُفر بالرسالة، الذي يدَّعي أنه يتلقى من الله تعليمات غير تعليمات الرسول صلى الله عليه وسلم كافر برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنهم يقولون:التقوى عندنا والله يقول: اتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ، وهو أيضًا من ناحية المعنوية ليس بصواب؛ يعني هو خطأ الناحية العقدية، وخطأ من الناحية النحوية والعربية؛ لأنه لا يُعطف الخبر على الإنشاء وَاتَّقُوا اللَّهَإنشاء وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُخبر، وخطأ من ناحية ثالثة المعنوية، الخطأ المعنوي وهو أنه لا تقوى إلا بعلم، فالعلم سابق على التقوى؛ لأنك إذا لم يكن لديك علم، فماذا تتقي؟
إلا أن يدَّعي مدعٍ أن قوله: وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُأي زيادة على ما عندكم، فإن ادعى هذه الدعوى منع ذلك الوجهان السابقان.
وهنا قال: وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُفأظهر، وقال: وَاتَّقُوا اللَّهَفأظهر، وقال: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌفأظهر.
ولو كان في غير القرآن وقيل: واتقوا الله ويعلمكم وهو بكل شيء عليم، يستقيم الكلام؟
الطلبة: يستقيم.
الشيخ: لكن الله تعالى أظهر في موضع الإضمار في هذه الجمل ليتبين أن كل جملة مستقلة عما قبلها وهو كذلك، فكل جملة مستقلة، فالخطاب في: وَاتَّقُوا اللَّهَلنا والتقوى من عملنا، والتعليم في قوله: وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُمن الله عز وجل وهو لنا، من الله لنا، والتقوى منا لله. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌهذا لله وحده.
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌفيما يتعلق بأفعالنا وأفعاله.
وقوله: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌيشمل كل ما في السماء والأرض كما قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ٥] فعِلم الله تعالى واسع شامل للصغير والكبير والدقيق والجليل، وشامل للمستقبَل والحاضر والماضي، وشامل لما يتعلق بفعله وفعل مخلوقاته، وشامل للواجب والجائز والمستحيل، كذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لعموم قوله: بِكُلِّ شَيْءٍفمن تعلقه بالواجب مثال لتعلقه بالواجب؟
الطالب: إن الله موجود.
الشيخ: كيف وأيش معنى إن الله موجود؟
الطالب: الله موجود يعني الله يعلم أنه موجود.
الشيخ: لا، نريد مثالًا ذكر الله فيه العلم وهو مما يتعلق بالواجب؟
الطالب: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤].
الشيخ: هذا يمكن يصح لكن على وجه بعيد.
طالب: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ [آل عمران: ١٨].
الشيخ: هذا.
الطالب: واجب.
الشيخ: هذا واجب الانفراد بالألوهية واجب. وبالمستحيل؟ تعلق علم الله بالمستحيل؟
طالب: قول الله لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا [آل عمران: ١٨١] والكتابة تتضمن.
الشيخ: غير هذا؟ لأنه قال: ما قالوا وقد وقع هذا.
طالب: قوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢].
الشيخ: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَافأخبر عن شيء ممتنع مترتب على شيء ممتنع. طيب بالممكن؟
الطالب: وجود الإنسان، وجود المخلوقات.
الشيخ: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍفِي كَبَدٍ [البلد: ٤].
الطالب: الوجه الآخر للرد على من يجادل يقول وَيُعَلِّمُكُمُ، وَاتَّقُوا. نقول وَاتَّقُواهذه مجزومة ووَيُعَلِّمُكُمُمرفوعة؟
الشيخ: لأ.
الطالب: لأيش؟
الشيخ: لأن هذه مبنية (اتقوا) فِعل أمْر هذا.
طالب: شيخ، إذا قال لَا تُضَارَّمبنية على المفعول أيش يكون إعراب وَلَا شَهِيدٌ؟
الشيخ: معطوفة على كاتب، هي معطوفة على كاتب على كل حال.
الطالب: النائب، إذا بني على أنه مفعول به؟
الشيخ: النائب، الفعل إذا بُني للمفعول يكون نائب الفاعل هو المفعول به في المعنى، نائب الفاعل هو المفعول به في المعنى، فإذا قلت مثلًا: ضُرب زيد، فزيد نائب فاعل وهو المفعول به في المعنى؛ لأن هو المضروب.
طالب: شيخ، قلنا:إنه لا يصح عطف الخبر على الإنشاء، والعكس أيضًا صحيح أنه لا يصح عطف الإنشاء على الخبر؟
الشيخ: هي المسألة كلها خلافية، لكن المشهور من رأي البصريين أنه لا يصح.
طالب: المناقشة في المشهور أنه لا يصح الوجهان.
الشيخ: نعم.
طالب: الراجح في وَأَشْهِدُواالأمر هنا.
الشيخ: إيه بيجينا في الفوائد.
طالب: شيخ، قول الله سبحانه وتعالى فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌهل يأخذ منها وجوب الكتابة، معناته (...) هل معناته إذا لم تكن في التجارة هذا يكون فيه (...).
الشيخ: وأيش هذه؟ هذه فائدة.
طالب: وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ [البقرة: ٢٨٢] الاستشهاد يكون في حال الكتابة أو في حال المداينة؟
الشيخ: لا حال المداينة، وإذا لم يمكن فحال المكاتبة؛ لأن المكاتبة قد تتأخر.
طالب: شيخ فُسُوقٌ بِكُمْما معنى بكم هنا؟
الشيخ: الباء هنا بمعنى (في) أي فسوق فيكم.
طالب: قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال: ٢٩] يعني هل فيه علاقة في وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ؟
الشيخ: لا، على القول الصحيح ما فيها، لكن الآية التي أشرت إليها تدل على أن الإنسان إذا اتقى الله سبحانه وتعالى جعلَ له فرقانًا بين الحق والباطل والصدق والكذب.
الطالب: ذكر يا شيخ شيخ الإسلام أن منزلة التقوى قد تصل إلى..
الشيخ: إلى أيش؟
الطالب: منزلة التقوى قد تصل في العدل إلى أنه يعني في بعض الأمور التي لم يأتِ الشرع بأدلة عليها أنه يفتي بها بعلمه؟
الشيخ: لا لا، يعني أن الله يفتح عليه؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لكنه من أدلة الشرع.
الطالب: ما (...).
الشيخ: أيه من أدلة الشرع معلوم، يعني قد يلقي الله سبحانه وتعالى في ذهن الإنسان من الفهم ما لا يحصل لغيره، وقد يُوفق الإنسان يقول قولًا فيشهد له الحق مثل لو فُرض إني أنا مثلًا في تأملي قلت: هذا حرام وأنا ما عندي فيه نص، ثم إني اطلعت على نص يحرمه، هذا ربما يقع مثل ما حصل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث وافق الله في عدة مسائل.
الطالب: قال الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر: ٢٨] هذه الآية وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُيعني يكون نتيجة العلم التقوى؟
الشيخ: إي نعم، ونتيجة العلم الخشية والخوف.
الطالب: يعني (...).
الشيخ: إيه، لكن إحنا قلنا: إن هذه الجمل كل واحدة مستقلة عن الأخرى، ولهذا أظهر، قال: وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُثم قال: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
طالب: شيخ، يشهد لهذا المعنى قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال: الْحَسَنُ مَا اسْتَحْسَنَهُ النَّاسُ،يقصد به الصحابة أنهم كانوا من تقواهم لله تعالى يعني الحسن الذي يعني..
الشيخ: قال «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا» .
الطالب: ما رآه المسلمون حسنًا في حسن، معناه ما يدل هذا عليه أن الله سبحانه وتعالى يعني يُوفِّق العبد هذا (...)؟
الشيخ: هذا يدل على الإجماع، أن المسلمين إذا أجمعوا على شيء بأن هذا حسن صار حسنًا، ما رآه المسلمون حسنًا فهو حسن.
الطالب: التقوى الله سبحانه وتعالى يدخل في هذا الشيء فيجتنب ما يكره الله.
الشيخ: إي نعم، ولا شك أنه إذا وهب الله الإنسان علمًا وتقوى فإنه يسدده وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق: ٢].

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٨٣]

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ.
يقول الله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍأي مسافرين كقوله تعالى في آيات الصيام: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ [البقرة: ١٨٥] وأتى بكلمة عَلَىلتحقُّق هذا الأمر وهو السفر؛ لأن (على) تدل على الاستعلاء، فكأنه متمكِّن من السفر كالراكب على الرَّحْل، قال: وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًايعني يكتب بينكم، وهذا كم سبق في الآية التي قبلها يُحتاج إليه فيما إذا تداينّا بدين إلى أجل مسمى؛ يعني إذن يكون معناها إن كنتم على سفر وتداينتم بدين إلى أجل مسمى ولم تجدوا كاتبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ.
قوله: فَرِهَانٌفيها قراءتان، القراءة الأولى: رِهَانٌوالقراءة الثانية: {رُهُنٌ} {فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ}، ولهذا لم تُكتب بالألف من أجل أن تصلح للقراءتين. وقوله: {فَرُهُنٌ} أي فعليكم رُهُنٌ، أو فالوثيقة رُهُنٌ أو رِهَانٌ. فعلى هذا تكون إما مبتدأ خبره محذوف، وإما خبر مبتدأ محذوف، أي فالوثيقة رُهُن.
والجملة في محل جزم على أنها جواب الشرط، وقُرنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية، وإذا كان جواب الشرط جملة اسمية فإنه يقترن بالفاء وجوبًا ولا تحذف إلا شذوذًا أو اضطرارًا، ومن حذفها قول الشاعر:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ............................

ولم يقل: فالله يشكرها، لكن هذا على سبيل الضرورة أو الندرة والشذوذ.
وقوله: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌالرهان جمع رَهْن، والرهن في اللغة الحبس، ومنه قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر: ٣٨] أي محبوسة بما عملت، ولكنه في الاصطلاح اصطلاح الفقهاء: توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها، هذا الرهن في الاصطلاح، مثال ذلك: زيد مدين لعمرو بعشرة آلاف ريال، فأرهنه سيارة تساوي عشرين ألف ريال، هنا يمكن استيفاء الدين من بعضها ولّا لا؟ إذن لأن الرهن أكثر من الدين.
مثال آخر: زيد مدين لعمرو بعشرين ألف ريال، أرهنه سيارة تساوي عشرة آلاف ريال، إذن يمكن استيفاء بعضه منها؛ لأن الدَّيْن أكثر من الرهن، فإذا كان الدين مساويًا للرهن كما لو كان دينُه عشرة آلاف ريال فأرهنه سيارة تساوي عشرة آلاف ريال فهنا يمكن استيفاء الدين كله من كل الرهن.
إذن الرهن في اللغة الحبس، وفي الاصطلاح: توثقة دَيْن بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها.
السفر إِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍالسفر مُفارقة الوطن، هذا السفر، وبعضهم قال: مفارقة محل الإقامة؛ لأن الإنسان قد لا يستوطن ولكن يقيم دائمًا، فهذا هو السفر.
المفارقة قد تكون طويلة ويسمى سفرًا طويلًا، وقد تكون قصيرة ويسمى سفرًا قصيرًا، وهنا نُقيِّده بالسفر الذي يُعدم فيه الكاتب غالبًا وإن كان غير بعيد.
قال: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌمن يقبضها؟ يقبضها من يتوثّق بها وهو الطالب، يقبضها الطالب، من أين يقبضها؟
الطلبة: من الراهن.
الشيخ: من المطلوب الذي هو الراهن، والطالب الذي قبض الرهن يسمى مرتهنًا، فهنا راهِن ومُرتهِن ورَهْن، الرَّهن العين، والراهِن مُعطِي الرَّهن، والمرتهن آخِذ الرهن.
وممكن نقول: الرابع مرهون به، فعليه تكون أركان الرهن أربعة. مَقْبُوضَةٌولم يبيِّن الله سبحانه وتعالى كيف القبض، فيرجع في ذلك إلى العُرف، والعرف يقتضي أن القبض معناه أن يكون الشيء في قبضة الإنسان وتحت يده، وليس أن يعُدّه أو يزنه ويبقى عند غيره، بل يكون في قبضته وتحت يده.
فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُإِنْ أَمِنَيعني اتخذه أمينًا، بمعنى أنه وثِق منه وأنه لن ينكر ولن يبخس ولن يُغيِّر، وهذا يوجد في الناس ولّا لا؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: يوجد، يوجد في الناس من إذا عاملته أمنت منه ووثقت منه غاية الثقة، فإذا أمِنته، فهنا مؤتمَن ومؤتمِن، المؤتِمن هو الذي له الحق، والمؤتمَن هو الذي عليه الحق.
ماذا نُوجّهه إلى المؤتمن، إذا أمن بعضنا بعضًا؟ ما نوجهه إلى المؤتمِن؟ نقول: لا حرج عليك أن لا تكتب وأن لا تُشهد وأن لا ترهن لا حرج عليك، لا حرج عليك في أن لا تكتب ولا تشهد ولا ترهن؛ لأنك أمنت صاحبك ووثقت منه، وأصل الكتابة والإشهاد والارتهان من أجل حفظ الحق، وإذا أمن الإنسان صاحبه فإن ثقته به هي حفظه في الواقع، وعلى هذا فتكون الآية هذه مُقيِّدة لكل ما سبق، ويكون وجوب الكتابة والإشهاد والرهان حيث لا يَأتمن بعضنا بعضًا، فإن ائتمن بعضنا بعضًا فلا حاجة؛ لأن المقصود هو التوثقة، هذا الذي ذهب إليه أكثر المفسرين، وبعضهم قال: إن هذه قاعدة عامة لا تختص في هذا الباب، والمعنى أنكم متى اؤتمنتم فعليكم أداء الأمانة بقطع النظر عن هذه الآية، وأنه يدخل فيها ما لو قَبض المرتهِن الرهن فإن الراهِن قد أيش؟ ائتمنه، ائتمنه عليه فليتقِّ الله ربه.
ثم قال: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُالفاء هنا رابطة للجواب جواب الشرط، وهو قوله: إِنْ أَمِنَ، ولماذا جاءت الفاء رابطة مع أن جواب الشرط هنا فعل مضارع؟ لأنه مقترن بلام الأمر الدالة على الطلب، ومتى كانت الجملة الجزائية طلبيَّة وجب اقترانها بالفاء، وما أحسن أن ينشدنا أحدكم قول الناظم في هذا الباب؟
طالب:
اسْــمِيَّةٌ طَلَــبِيَّةٌ وَبِجَــامِدٍ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَـنْ وَبِالتَّنْفِيـسِ

التنفيس (...) السين وسوف.
الشيخ: تمام، هنا اللي معنا؟
الطالب: طلبية.
الشيخ: طيب، قال: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ، واللام هنا صارت ساكنة لماذا؟
طالب: صارت بعد الفاء.
الشيخ: لوقوعها بعد الفاء، ولام الأمر تقع ساكنة إذا وقعت بعد الفاء أو الواو أو ثم، بخلاف لام التعليل فإنها تكون مكسورة على كل حال، ولهذا لا يصح أن نقول مثلًا: جئتُ ولتقرأ مثلا ما يصح أن نقول: جئت ولْتقرأ، إلا إذا أردنا الطلب الأمر.
قال: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُاؤْتُمِنَفعل ماضٍ مبني للمجهول، ولهذا كُسر ما قبل آخره وضم أوله، لكنه مبدوء بهمزة وصل. قال: اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُأمانته التي أؤتمن عليها.
قال: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُنقول في قوله: وَلْيَتَّقِ اللَّهَبالنسبة للام؟
الطلبة: كالأولى.
الشيخ: وقوله: وَلْيَتَّقِهذه مجزومة بحذف حرف العلة، وهي الياء، والكسرة قبلها دليل عليها.
وقوله: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُهنا أردف الاسم الأعظم اللَّهَبقوله: رَبَّهُتحذيرًا من المخالفة؛ لأن الرب هو الخالق المالك المدبر، فاخشَ هذا الرب الذي هو إلهك أن تخالف تقواه، والتقوى: اتخاذ الوقاية. وهي في الشرع: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أجمع ما قيل في حد التقوى وأوضح ما قيل؛
لأنه يُذكر فيه الاشتقاق، وهي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. وقوله: رَبَّهُالربوبية هنا ربوبية عامة ولّا خاصة؟
طلبة: خاصة.
الشيخ: كيف تكون خاصة مع المدين وما وجه الخصوصية؟
طالب: قال يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواوقال أيضًا فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُيعني موضع الأمانة للمؤمنين ربوبية خاصة.
الشيخ: على كل حال فيها احتمال الواقع، أن تكون عامة أو خاصة؛ إن قلنا: إن هذه الآية تابعة لما قبلها والخطاب موجّه للمؤمنين فالربوبية خاصة.
وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَلا ناهية، والكتمان الإخفاء، والشهادة ما شهد به الإنسان، أي لا تخفوا ما شهدتم به لا في أصله ولا في وصفه، في أصله بأن ينكر الشهادة رأسًا يقول: ما عندي شهادة، في وصفه بأن يزيد فيها أو ينقص، فالنهي هنا عن كتمان الشهادة نهي عن كتمانها أصلًا ووصفًا.
ثم قال: وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُقال: مَنْشرطية للعموم، فأي إنسان يكتم الشهادة فهذا استحقاقه؛ فإنه آثم قلبه. قال بعض المفسرين: آثم بمعنى فاجر من الفجور.
وهنا قال: آثِمٌ قَلْبُهُإعراب الجملة نقول: إِنَّ: حرف توكيد ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، والهاء اسمها. وآثِمٌخبرها، وقَلْبُهُفاعل، ويجوز أن نقول: قلب مبتدأ وآثِمٌخبر مُقدم، والجملة خبر إن. أي فإنه قلبه آثم، الوجهان جائزانِ.
على كل حال هنا أضاف الإثم إلى القلب؛ لأن الشهادة أمر خفي، فالإنسان قد يكتمها ولا يُعلم به، إذا قال: أنا ما أدري ولا شهدت ولا علمت، فهنا يكون الأمر راجعًا إلى القلب؛ ولأن القلب عليه مدار الصلاح كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةٌ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» فإثم القلب بكتم الشهادة يؤدي إلى إثم بقية البدن، وإذا فجر القلب-والعياذ بالله- فجر البدن، فصار إضافة الإثم إلى القلب هنا من وجهين: أولًا: باعتبار المحل؛ لأنه هو محل الإخفاء فإن الشهادة لا تُعلم.
والثاني: لأن القلب بإثمه تأثم بقية الجوارح، وهذا فيه تحذير شديد من كتم الشهادة.
ثم قال: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ(ما) هذه موصولة فتفيد العموم، وتشمل جميع ما يعمله الإنسان حتى عمل القلب.
فكتم الشهادة مثلًا فإن كتم الشهادة من أعمال القلوب، والله سبحانه وتعالى عالم بها.
وهنا قدَّم بِمَا تَعْمَلُونَمراعاة للفواصل لأن
طالب: قبلها عليم.
الشيخ: نشوف قبلها أيش؟
الطالب: عليم.
الشيخ: قبلها عليم.
وأيضًا فائدة أخرى: قوة التحذير، قوة التحذير وشدته كأنه حصر علمه فيما نعمل فيكون هذا أشد في بيان إحاطته بما نعمل فيتضمن قوة التحذير، وليس معناه أو وليس مقتضاه الاقتصار على ما نعمل فقط؛ يعني أن علم الله تعالى يختص بما نعمل، لا، لكن هذا من باب قوة التحذير كأنه عز وجل يقول: إن عملكم لن يخفى علينا كأنه لشدة عناية الله تعالى به لا يعلمه إلا هو، هذا الكلام على الآية.
أما الكلام على فوائد هذه الآية والتي قبلها ففيها فوائد عظيمة جدًّا:
أولًا: العناية بما ذُكر فيها من الأحكام، من أين تؤخذ؟ من تصدير الحكم بالنداء ثم توجيه النداء إلى المؤمنين، وهذا يدل على العناية بهذه الأحكام، وأنها جديرة بالاهتمام بها.
ثانيًا: أن التزام هذه الأحكام من مقتضى الإيمان؛ لأنه لا يُوجَّه الخطاب بوصف إلا لمن كان هذا الوصف سببًا لقبوله ذلك الحُكم.
الثالث: أن مخالفة هذه الأحكام نقص في الإيمان كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا، لإيمانكم افعلوا كذا وكذا، فإن لم تفعلوا فإيمانكم ناقص، وهي دعوى وليست حقيقة؛ لأن كل من يدعي الإيمان ثم يخالف ما يقتضيه هذا الإيمان فإن دعواه ناقصة إما نقصًا كليًّا أو نقصًا جزئيًّا.
ومن فوائد الآية أيضًا: بيان أن الدين الإسلامي لا يعتني بالعبادات فقط التي هي معاملة الخالق بل هو شامل لمعاملة الخالِق والمخلوق.
ومنها أي من فوائد الآية الكريمة: دحْر أولئك الذين يقولون: إن الإسلام ما هو إلا أعمال خاصة بعبادة الله عز وجل وبالأحوال الشخصية كالمواريث والنكاح وما أشبهها، وأن المعاملات يجب أن تكون خاضعة للعصر والحال، وعلى هذا فينسلخون من أحكام الإسلام فيما يتعلق بالبيوع والإجارات وغيرها إلى الأحكام الوضعيَّة المبنية على الظلم والجهل. كذا؟
فإن قال قائل: لهم في ذلك دليل، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة ورآهم يُلقِّحون الثمار قال: «مَا أَظُنُّ ذَلِكَ يُغْنِي شَيْئًا» فتركوا التلقيح فخرج التمر فاسدًا، فقال لهم: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» ، قالوا: والمعاملات من أمور الدنيا ليست من أمور الآخرة؟ فما الجواب؟ الإشكال واضح الآن؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: أو الإيراد؟ ما هو الجواب؟
طالب: أن ذلك فيما لم يرد فيه نص، أما ما ورد فيه نص فلا يجوز الخروج عليه.
الشيخ: طيب هذا وجه، وجه آخر؟
طالب: فرق بين النبي استدلالًا بهذا الشيء في الأمور، يعني ما الفرق بين قول النبي صلى الله عليه وسلم وبين المعاملات في إصلاح الظروف والأشياء ذاتية الأشياء هذا اللي هو أعلم بها، يعني فيه معنى لكن فيه فرق يا شيخ.
الشيخ: طيب يعني فيه فرق ولكن لا نعرف أن نُعبِّر عنه.
طالب: (...) بعينه بالعكس بل هو فيه تعلق، نقول: إصلاح الشؤون بين المسلمين وتنظيمها وغيرها فيه إصلاح للآخرة في حال الخصومات للخلق (...) ثم المطالبة (...).
الشيخ: طيب.
طالب: نقول يا شيخ، إن الدليل قرينة من القصة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» في هذا المجال؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأتِ ليعلمنا كيف نزرع التمر وكذا، إنما علّمنا القواعد الشاملة التي بها يكون الصلاح، ولم يعلمنا القواعد التي نزرع بها وكذا.
الشيخ: يعني تقيّده القرينة؟ تقول الذي قاله الرسول عليه الصلاة والسلام إنما هو علم الصناعة والحرف، الإسلام ما جاءنا يقول: إذا أردت مثلًا أن التمر يصلح افعل كذا وافعل كذا، ما هو هذا، هذا يفعله يحصل بماذا؟ بالتجارِب، ولا كان نقول: لازم الإسلام يعلّمنا كيف نصنع السيارات، كيف نصنع المسجلات، كيف نصنع الراديو، كيف نصنع الطوب، كيف نصنع كل شيء، هذا يرجع للتجارِب، أما الأحكام الحلال والحرام فهذا مرجعه إلى أي شيء؟
الطلبة: إلى الشرع.
الشيخ: إلى الشرع وإلى الإسلام وقد وفى بكل ما يحتاج الناس إليه واضح؟ طيب الرسول ما جاء يعلمنا يقول: بتنجر الباب الخشب يلّا هات القدوم وهات كذا وكذا وجيب المسمار وجيب المخراط، ما هو هذا يعلمنا هذا شيء يرجع إلى أيش؟
الطلبة: إلى التجارب.
الشيخ: إلى التجارب وصناعات الناس، ما هو يرجع إلى الأمور الشرعية، لكن إذا قال: هذا حلال وهذا حرام، هذا الذي يُرجع إليه في الشرع.
طالب: شيخ، فيه قيد أن لا يكون مخالفًا للشرع، أن لا يكون فيه مخالفة للشرع، «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ».
الشيخ: لا، ما يصح هذا؛ لأن فيه أشياء سكت عنها الشرع وتُعرف بالتجارِب.
ومن فوائد الآية: جواز الدَّيْن لقوله: إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍسواء كان هذا الدين ثمن مبيع، أو قرضًا، أو أُجرة، أو صداقًا، أو خُلعًا، عِوض خُلع، أو أي دَين يكون، المهم أن في الآية إثبات الدين شرعًا، وما هو الدين؟ سبق لنا أن الدين كل ما يثبت في الذمة.
ومن فوائدها: أن الدين ينقسم إلى قسمين: مؤجَّل بأجل مسمى، وغير مؤجّل، ومُؤجّل بأجل مجهول.
إلى ثلاثة أقسام: غير مؤجل، ومؤجل بأجل مسمى، ومؤجل بأجل مجهول، من أين يؤخذ؟ قال: بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّىكل كلمة خذ منها قسم، دين غير مؤجل، إلى أجل غير مسمى وإلى أجل مسمى ثلاثة أقسام؛ الدين إلى غير أجل: هذا جائز.
مثل: أن أشتري منك هذه السلعة بعشرة ريالات ولا أعطيك العشرة ولا أعينها، هذا جائز ولّا لا؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: هذا جائز ولا إشكال فيه، ولك أن تطالبني بمجرد ما ينتهي العقد، تقول: أعطني الدراهم. الدين إلى أجل غير مسمى لا يصح، مثل أن أقول: اشتريت منك هذه السلعة إلى قدوم زيد، هذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه مجهول، غرر، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في السلم: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» الدين إلى أجل مُسمى: جائز ولّا لا؟
الطلبة:
جائز.
الشيخ: جائز، بنص الآية إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، الأجل غير المسمى يكتب ولّا ما يكتب؟
الطلبة: ما يكتب.
الشيخ: لا، لا يكتب؛ لأنه غير قائم، لاغي وفاسد، بل يهدر ولا يُكتب. هل تدل الآية على جواز السَّلَم؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: تُدل، والسَّلَم؟
الطالب: السَّلَم هو أن يأخذ التمر بسنة ويرده بعد سنتين أو ثلاث سنوات..
الشيخ: تعجيل الثمن وتأخير المثمَن، هذا السَّلم، يُقدّم الثمَن ويؤجل المثمَن، اشتريت منك مثلًا مئة صاع بُرّ بعد سنة خذ الدراهم، يسمى هذا سَلمًا؛ لأن الرجل أسلم الثمن وقدمه.
هل يدخل في ذلك ما يسمونه اليوم بالمداينة؟
الطلبة: لا ما يدخل يا شيخ.
الشيخ: المداينة الآن يقول: أريد منك عشرة آلاف ريال، العشرة إحدى عشر أو اثنا عشر حسب ما يتفقون عليه، ويذهب إلى صاحب دكان ويشتري منه، يشتري منه الطالب اللي بيعطي يشتري منه أي سلعة تتفق، أي سلعة حتى لو كان قد ملأ الأكياس على رمل وقال: هذا سكر أخذه على أنه سكر، فيبيعها صاحب الدكان على الدائن، ثم الدائن يبيعها على المدِين، ثم المدين يبيعها على صاحب الدكان، فيكوى المدين من الجانبين ولّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: من جانب الدائن ومن صاحب الدكان؛ لأن الدكان يقول: ما أبيعك حتى تنزلني من قيمتها لأني بعتها على الدائن، صاحب الدكان باع على الدائن كل كيس بمائة عندما يشتريها من المدِين يقول: كل كيس خمس وتسعين مثلًا فيُنهش من الجانبين.
يقول قائل: هذا من الدين ايتوني بدليل يُخرجها من الآية وإلا فإن بيني وبينكم كتاب الله، لما قلنا: هذا حرام، يا رجل، ما يجوز، قال: هذا حلال بنص القرآن.
اسمع قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُوهنا الأجل مُسمى والدَّيْن ثابت فلنكتبه.
طالب: ما يجوز.
الشيخ: بس ما يجوز ما يطيب! هو يقول بدَيْن؟
طالب: نقول: إن هذا ليس بدين، هذا دخل فيه بيع وشراء؛ لأنه صاحب الدين الدائن يشتري من صاحب الدكان وباع على المدين؟
الشيخ: ما هو، هو يقول لك الآية عامة فيه دين؟
طالب: نقول يا شيخ، هذا أصلًا ليس بدين؛ لأن الحديث نفى أن يكون العقد ليس صحيحًا فلا يكون دينًا؛ لأنه (...).
طالب: شيخ، نقول: هذا ربا، والربا تقدمت الآيات التي تنهى عنه.
الشيخ: أحسنت، نعم، هذا هو الصحيح، نقول: لو أخذنا الإطلاقات بدون.. الشرع يُقيِّد بعضه بعضًا ويُبيِّن بعضه بعضًا، نقول: هذا رِبا، إذا قال: أبدًا ما هذا بربا، أنا بعت سلعة وثبت في ذمة المشتري دراهم والمشتري باع على صاحب الدكان سلعة وأخذ دراهم وين الربا؟ أنا ما بعت دراهم بدراهم؟
نقول له: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» والبيع هذا صوري ما هو حقيقي بدليل أن المشتري لا يسأل عن هذه السلعة هي طيبة هي رديئة هي جيدة، ربما تكون هذه الأكياس أكلتها الأرضة من أسفل ولا تدرون عنها ولّا لا؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، هذا هو الواقع، ولهذا لا تُقلَّب ولا يُكاس حتى المدين، المدين لو كان الكيس يساوي بالسوق خمسين وهذا أجراه عليه بمائة يقبل ولّا لا؟
الطلبة: يقبل.
الشيخ: يقبل، إذن هل هذا بيع؟ أبدًا، هذا ليس بيعًا، بل هذا بيع صوري كما قال شيخ الإسلام في كتابه إبطال التحليل قال: هذا بيع صوري. ولا يمكن أن يخادع الله عز وجل بمثل هذه الخديعة، ولا يمكن أن يكون الرِّبا الذي عظَّم الله شأنه وجاء فيه من الوعيد ما لم يأتِ في ذنب آخر دون الشِّرك، لا يمكن أن يكون حلالًا بأدنى كلفة، كل واحد يقدر يحلّل الربا بمثل هذه وهو جالس، ولهذا لو يُعطى صاحب الدكان، لو قال المدين لصاحب الدكان: أنا بنقل السلعة بأخذها لي، يقول: لا، يرفض هذا هو الواقع، وإن قال: إحنا ما نخالف، لكن لو حصل الصدق خالفوا ولا وافق.
إذن نقول: هذه الآية المطلقة: إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّىمقيدة بماذا؟ بالنصوص الأخرى الدالة على تحريم الرِّبا، وعلى تحريم الحِيل، ولهذا كل من تحيّل على محارم الله إسقاطًا للواجب أو فعلًا للمحرم ففيه شبه بمن؟
الطلبة: باليهود.
الشيخ: باليهود، شبه باليهود. من فوائد الآية الكريمة: وجوب كتابة الدين إلى أجل مسمى، وجه الدلالة؟
الطالب: إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ. فاكتبوه.
الشيخ: من قوله: فَاكْتُبُوهُوالأصل في الأمر؟ الأصل في الأمر الوجوب، لكن قُيِّد هذا الأمر بالآية الثانية: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُعند الجمهور.
وعندي أننا إن سلمنا جدلًا أن هذا الأمر مُقيَّد بقوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًافإنه يجب أن يُستثنى منه ما إذا كان الإنسان متصرفًا لغيره، فإنه إذا كان متصرفًا لغيره فيجب أن يَكتب الدَّيْن لا سيما ما فيه خطر كالدَّيْن الكثير، مثل: لو كان وليًّا على سفيه، وباع ماله بدَيْن إلى أجل مسمى والمال هذا خطير كثير، ولنفرض أنه عشرة آلاف ريال وقال: أنا بعته على رجل أمنته، هل نقول: لا تكتب؟
نقول: لو كان المال لك قلنا: لا تكتب؛ لأن الله يقول: إِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُيعني والثاني قد أمِنه ولا حرج عليه، لكن المال ليس لك، وكونك تهدر كتابة مثل هذا الدين، تفريط، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: تفريط؛ لأن الْمَدِين ربما ينسى، وهذا وارد ولا غير وارد؟
الطلبة: وارد.
الشيخ: نعم، ربما تتغير حاله؛ يعني هو اليوم أمين وغدًا ليس بأمين، وكم من إنسان تغيّرت حاله من الائتمان إلى الخيانة، وبالعكس من الخيانة إلى الائتمان، فلا نأمن أن هذا الرجل الذي أمنته اليوم أن يخون غدًا.
ثالثًا: يحتمل أن يموت، وهذا وارد؟
الطلبة: نعم وارد.
الشيخ: وارد ما فيها شك، وإذا مات يمكن يضيع الحق، يمكن الورثة يقولون: هاتوا شهود ولا ما نعطيكم، ولهم حق في ذلك،
فإذن نقول: إذا سلّمنا أن الآية هذه مخصوصة بقوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًاأو مُقيَّدة بقوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًافيجب أن يُستثنى منها أيش؟
من كان يتصرف لغيره لا سيما في الأمور الخطرة الكثيرة فإنه لا بُدَّ من كتابتها.
طالب: إذا كان العلاقة بين زيد وتداينا بدين إلى قدوم زيد.
الشيخ: كانت أظن هذا اصطلاح؟
الطلبة: لا يا شيخ، ما يحق له.
الطالب: أقول: العلاقة بين زيد، وزيد يعني (...).
الشيخ: أيش؟
الطالب: يعني جالب ما جلبه فيه (...) جاء زيد ومعه الفلوس قال: إلى قدوم زيد، هو حدد أسبوع أو أسوعين ما يجوز هذا؟
الشيخ: طيب قدوم زيد قد يقدم وليس معه فلوس.
طالب: لا يعني تيقن.
الشيخ: وكيف يتيقن؟
الطالب: ممكن جالب معه بعير ولا غنم.
الشيخ: جالب يمكن البعير تضيع، يمكن تضيع البعير.
طالب: هذا واقع يا شيخ.
الشيخ: إحنا الآن ما دام فيه احتمال، لكن ما رأيكم لو قال: إلى أجل إلى ميسرة حتى يُوسر الله عليّ؟
الطلبة: هذا صحيح.
الشيخ: هذا صحيح إذا قال:إلى ميسرة، ونحن نُصحِّحه لا لأن الأجل معلوم؛ لأن الأجل مجهول ما فيه شك ما ندري متى يُيسر، لكن لأن هذا مقتضى العقد، فإن الرجل الفقير إذا استدان ببيع أو شراء أو غيرها، فإن من لازم كونه فقيرًا أن لا يطالب حتى يُوسر، ولهذا القول الصحيح أنه يجوز التأجيل إلى الميسرة.
وقد ورد في ذلك حديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام عن عائشة رضي الله عنها قالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانًا قَدِمَ لَهُ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَاشْتَرَيْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ إِلَى مَيْسَرَة فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَأَبَى الرَّجُلُ ، لكن حتى لو فُرض أنه لم يرد هذا النص فعندنا القاعدة، ما هي القاعدة؟ وأيش القاعدة؟ أن الفقير لا يُطالَب حتى يُوسر، وما دام البائع يعرف أن هذا فقير فقد التزم ضمنًا أنه لن يُطالبه حتى يُوسر.
طالب: هذا يقع كثير يعني؟
الشيخ: ما يجوز، العلماء اختلفوا في الحصاد والجذاذ هل يجوز ولَّا لا؟ أو قدوم الحاج، أما شخص معين؛ لأن الشخص المعين يمكن يعتريه آفات، يمكن ما يجيء يمكن الدراهم.
طالب: (...) ويجي.
الشيخ: ما أكثر ما تحصل حادث ويموت، أما الشيء العام كقدوم الحجاج مثلًا أو حصاد الزرع فالمذهب لا يجوز أيضًا، والصحيح أنه يجوز.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ.
الطالب: بسم الرحمن الرحيم
الفائدة الأولى: العناية بما ذُكر فيها من الأحكام.
إن التزام هذه الأحكام من مقتضى الإيمان وأن مخالفة هذه الأحكام نقص في الإيمان.
بيان أن الدين الإسلامي لا يعتني بالعبادات فقط.
دحر أولئك الذي يقولون: إن الإسلام ما هو إلا أعمال خاصة.
جواز الدين إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ.
وجوب كتابة الدين إلى أجل مسمى، هذا هو الموجود.
الشيخ: كيف؟
الطالب: إن الدين ينقسم إلى ثلاثة أقسام.
الشيخ: إلى ثلاثة أقسام؟ إيه ذُكرت الأقسام ولّا لا؟
الطالب: نعم، مؤجل، وغير مؤجل، وبأجل مسمى.
الشيخ: مؤجل، مؤجل بأجل مجهول.
الطالب: نعم، فيه بأجل مسمى وفيه بغير أجل.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم وذكرنا عناية الإسلام بالمال؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: قال الله تعالى: فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ.
في هذه الجملة من الآية الأمر بكتابة الدين المؤجّل لقوله: فَاكْتُبُوهُ، ثم هل هذا الأمر للوجوب أو للندب أو للإرشاد؟ لا شك أن الأصل في الأمر الوجوب، لكن قد يكون فيه قرائن تخرجه عن الوجوب إلى الندب أو الإرشاد، فمن العلماء من قال: إنه للندب، ومنهم من قال: إنه للإرشاد، ولا أعلم أن أحدًا قال إنه للوجوب، ولكن مقتضى القواعد الشرعية أنه إذا كان الدَّيْن للغير بأن كان الدائن وكيلًا أو وليًّا أو ناظرًا أو وصيًّا فإنه يجب عليه أن يحتاط، وأن يكتب ما يحتاج إلى الكتابة كالأمور الخطيرة الكثيرة، والذي يتصرف لغيره- كما ذكرنا الآن- أربعة: وكيل، ووصي، وناظر، وولي، والفرق بينهم أن الوكيل من يتصرف لغيره في حال الحياة، والوصي من يتصرف لغيره بعد وفاته، والناظر من يتصرف في الأوقاف، والولي من ولّاه الشرع على القاصرين كوليّ اليتيم والسفيه ونحو ذلك.
فهؤلاء يجب عليهم كتابة الدَّيْن خصوصًا الدين الذي فيه خطر لكثرته ولكون المدِين غير ثقة ويُخشى من إنكاره، أما إذا كان الدَّيْن لك فإن الأمر للاستحباب، وذلك لأنه يجوز للإنسان أن يُسقط هذا الدين، ويجوز أن لا يُثبته أصلًا، وما جاز إسقاطه أو إثباته فإنه لا يجب علينا الطريق الموصل إلى إثباته؛ لأن الكتابة طريق للإثبات، فإذا كان يجوز لي إسقاطه فإن إثباته لا يلزمني.
وأما القول بأنه للإرشاد فهم يقولون؛ لأن هذه أموال ليست من باب التعبُّد، وكل شيء ليس من باب التعبد فإنه ليس للوجوب بل هو للإرشاد؛ لأن الإنسان غير متعبد بهذا الشيء، لكن هذا القول فيه نظر يعني كوننا نطرد القاعدة ونقول: كل أمر لا يتعلق بعبادة فهو للإرشاد، هذا فيه نظر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب اختيار الكاتب العدل لقوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِأي ولتختاروا من يكون كاتبًا بالعدل لئلا يميل أو يجور.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد أن يكون الكاتب محسنًا للكتابة بحيث تُقرأ كتابته لقوله: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ، بَيْنَكُمْلأن الكاتب الذي لا يُحسن الكتابة بحيث لا يقرؤها أحد لو كتب فإنه ليس كاتبًا بيننا إذ إننا لا ندري ما كتب، فلا يُكلف بالكتابة شخص لا يقرأ كتابته إلا هو، أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لأيش؟ لأننا عند الحاجة لهذه الكتابة لا نستفيد منها شيئًا.
من فوائد الآية: أنه يجب على الكاتب أن يكتب بالعدل، بحيث لا يُجحف مع الدائن ولا مع المدِين، وما هو العدل؟
العدل هنا ما طابق الشرع فهو عدل، وما خالف الشرع فهو غير عدل لقول الله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥]
من فوائد الآية الكريمة: أنه لا يشترط تعيين كاتب للناس بشخصه، وأن أي كاتب يتصف بالعدل والثقة فكتابته ماضية نافعة، من أين يؤخذ؟
الطلبة: كَاتِبٌ.
الشيخ: من قوله: كَاتِبٌ، وهي نكرة لا تفيد التعيين.
ومن فوائد الآية الكريمة: نهي الكاتب أن يَكتب إذا طلب منه ذلك، نهيه أن يكتب أو أن لا يكتب؟
الطلبة: أن لا يكتب.
الشيخ: نهيه أن لا يكتب؛ يعني يُنهى أن لا يكتب إذا دُعي إلى ذلك لقوله: وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ، فيكون الأمر في قوله: فَلْيَكْتُبْلمن؟ لأصحاب الدين، والنهي في قوله: وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌللكاتب.
هذا النهي هل هو للتحريم أو للكراهة؟
الطلبة: فيه تفصيل.
الشيخ: فيه تفصيل، إذا كان لا يمكن ثبوت هذا الحق إلا بكتابة هذا الكاتب صار النهي للتحريم كما قلنا بوجوب تحمُّل الشهادة، وأن تحمل الشهادة فرض كفاية، هذا نقول: مثله.
ومن فوائد الآية: أنه يجب على الكاتب أن يكتب كما يعرف من الشرع، كما علمه الله لقوله: كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ، وهذا يشمل ما علمه الله من حيث الشرع، وما علمه الله من حيث حسن الخط والأداء؛ يعني مثلًا إذا كان الكاتب عنده حسن الخط وقال: أريد أن أشيّن الخط وأجعله لا يُقرأ إلا بصعوبة، نقول: لا يجوز هذا؛ لأن الله قال: أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ولأنه كلما كان الخط أوضح كان الحق أبين؛ إذ إن الخط الردي يُتعب في قراءته وربما يُشكل مدلوله، كما أن الألفاظ المعقَّدة يُشكل مدلولها فكذلك الكتابات الرديئة يُشكل مدلولها لا سيما في الإملاء؛ تجد بعض الناس يكتب: سَأل كـ (سُئل)، يعني يكتب الهمزة على ياء، وهذا قد يختلف المعنى كثيرًا، ولهذا يجب أن الإنسان يكتب بين الناس كما علمه الله.
قلنا: كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُمن ناحيتين: من ناحية الشكل، ومن ناحية الشرع؛ من ناحية الشكل بأن يأتي بأحسن ما يكون بأحسن ما يستطيع من الكتابة إملاءً وحروفًا، وكذلك من الناحية الشرعية بحيث لا يُغفل شيئًا يحتاج إليه الدائن أو المدِين، ولهذا يقول العامة: (من أسقط من الشرع حرفًا ندم عليه).
ومن فوائد الآية الكريمة: تذكير هؤلاء الكتبة بنعمة الله، وأن من شكر نعمة الله عليهم أن يكتبوا لقوله: كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ.
وهذا مبني على أن الكاف هنا لأيش؟
الطلبة: للتشبيه.
الشيخ: لا، للتعليل؛ الأول: للتشبيه، وهنا للتعليل، وقد ذكرنا مرارًا كثيرة أن الكلمة إذا كانت تحتمل معنيين ولا يتعارضان تُحمل عليهما جميعًا، وأن القول الراجح من أقوال الأصوليين: أنه يجوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه ما لم يكونا متنافيين، فإن كانا متنافيين طُلب الترجيح.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يستقل بالعلم لقوله: كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُحتى في الأمور الحسية يعني الأمور العقلية قد يقول القائل: صحيح أنا ما أستطيع أني أدرك بعقولي ما لم يُعلِّمني الله حتى في الأمور الحسية التي تُدرك عن طريق الحس، عن طريق النظر، عن طريق السمع، عن طريق الشم، لا يستطيع الإنسان أن يعلمها إلا بتعليم الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لما نهى الكاتب أن يكتب كما علمه الله أمره أن يكتب، وقد سبق لنا فائدة ذكر الأمر بالكتابة بعد النهي عن الامتناع من الكتابة، ما هي الفائدة؟ ذكرنا أثناء التفسير أنه قال: وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌثم قال: فَلْيَكْتُبْذكرنا أن هذا له فائدة يعني ليست المسألة تكرارًا كما يظن بعض الناس.
طالب: تأكيد.
الشيخ: لا، تأكيد لا.
طالب: المبادرة للكتابة بسرعة.
الشيخ: نعم المبادرة؛ لأن قوله: وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌقد يقول: ما أبى عليه ولكن ايتوا العصر يجون العصر يقول ايتوا بكرة، بكرة يقول: بعد بكرة، وهكذا.
وقال: فَلْيَكْتُبْفنستفيد من الأمر هنا الفورية والمبادرة، إذن نأخذ من ذلك فائدة وهي: مبادرة الكاتب إلى الكتابة بدون مماطلة، لقوله: فَلْيَكْتُبْ.
ثم قال تعالى: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ.
يؤخذ من هذه الجملة من الآية.