ثم قال عز وجل: وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة: ٢٨٣].
يستفاد من الآية الكريمة: تحريم كتمان الشهادة؛ يعني
إخفاءها.
وهل المراد الشهادة على الغير، أو على الغير والنفس؟ تشمل المعنيين؛
لأن الإنسان يشهد على نفسه كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [النساء: ١٣٥]. وشهادته على نفسه إقراره واعترافه بالحق الذي
عليه، فالآية فيما يظهر شاملة للأمرين: شهادة الإنسان لغيره على غيره ولغيره على
نفسه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كتم الشهادة من
الكبائر لوجود العقوبة الخاصة بها وهي قوله: فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ.
ومن فوائدها: عِظم كتم الشهادة؛
لأنه أضاف الإثم فيها إلى القلب، وإذا أثم القلب أثمت الجوارح لقول النبي صلى الله
عليه وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا
صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» ولقوله:
«التَّقْوَى هَاهُنَا» التقوى في القلب ليست التقوى في اللسان،
ولا في الأفعال، ولا في الأحوال، التقوى في القلب، قد يكون الإنسان متقيًا بفعله،
متقيًا بقوله غير متقٍ بقلبه، ولَّا لا؟
تجده بفعله يتزيَّا بزي المسلم الخالص
من إعفاء اللحى، والوقار، والسكينة، وكذلك يقول قول المسلم الخالص: أستغفر الله،
اللهم اغفر لي، ويذكر، ويُهلل، ويُكبر، هذه لا شك أنها تقوى في الظاهر، لكن هل هي
دليل على أن في الباطن تقوى؟
طالب: الغالب.
الشيخ: الغالب نعم، هذا وهو بالنسبة لنا هو الحكم؛ يعني بالنسبة
لنا إذا رأينا تقواه ظاهرًا وجب علينا أن نحكم بتقواه باطنًا، يعني ما لنا إلا
الظاهر، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد حين قتل المشرك الذي
قال: لا إله إلا الله وبارقة السيف على رأسه قال له: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ؟». قال: نعم، وما زال يقولها حتى تمنى أسامة أنه لم يكن أسلم بعد
فنحن
ما لنا إلا الظاهر، لكن إذا دلت الدلائل أو شهدت الشواهد على أنه منافق في الباطن
لم ينتفع بتقواه الظاهرة، لم ينتفع ولا يعتبر، ولهذا قال الله تعالى: إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [المنافقون: ١] شوف أكدوا الجملة بثلاث مؤكدات، الشهادة وأيش بعد؟
و(إن) و(اللام) نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِهذا
وأيش نحكم بالظاهر؟ أنهم مؤمنون تمامًا، ولهذا أكدوا، لكن شوف المؤكد هذا أُكد
بمقابل وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَشهادة بشهادة، وتوكيد بتوكيد،
وتوكيد بتوكيد، يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَتأمل قوله: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُقبل أن يقول: وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَلأجل أن لا يتبادر إلى الذهن ما لا ينبغي حتى
يُعلم أن الرسول حق بعلم الله عز وجل، وأن شهادة هؤلاء شهادة كذب، المهم أن الله
قال: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُوقلت لكم: إن هذه
تتضمن توحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات.
طالب: رجل أقرض آخر ألف ريال، ثم جحده الذي اقترض، ثم جاء اللي
اقترض ائتمن هذا الشخص بعد زمن بما اقترض بألف، هل جزاؤه أن يخونه؟
الشيخ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ
خَانَكَ» .
طالب: ما هو الحق؟
الشيخ: ما هو حق،
حق خفي، أقول: هذا حق خفي، ما يجوز بخلاف الإنسان الذي لا ينفق عليك وهو ممن تجب
نفقته، فهذا إذا قدرت على شيء من ماله فخذ.
طالب: شيخ،
أليس هذا من تغيير المنكر؟
الشيخ: لا يا أخي، تغيير
المنكر أنك تيجي تنصحه، تقول له: اتقِ الله، أعطني الأمانة، أما أن تخونه
لا.
الطالب: شيخ، معلوم من الفساق أنهم يحتجون بهذا
الحديث؟
الشيخ: نعم، أحسنت، لا يقول لك يحتج بهذا
الحديث ويضرب بأطراف أصابعه على صدره حتى يكاد ينخفس من شدة التحقيق «التَّقْوَى هَاهُنَا» . نقول له: صدقت. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «التَّقْوَى هَاهُنَا» ولكن الذي قال: «التَّقْوَى هَاهُنَا» هو الذي قال: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ
الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ» ، ففساد ظاهرك دليل على فساد
باطنك شئت أم أبيت.
طالب: شيخ، قول الذين يقولون: إن
الرهان لا بد أن يكون مقبوضة، يشترطون في الرهان أن تكون مقبوضة؟
الشيخ: لصحتها أو للزومها؟
الطالب:
لصحتها، رددنا عليهم (...) السفر؛ يعني الله عز وجل اشترط في الآية السفر، وهم
يردون علينا بأننا أخرجناه بمخرج وهو الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في الحضر،
كيف نرد عليهم؟
الشيخ: رددنا عليهم قلنا: هذا دليل على
أن هذه القيود ليست شرطًا في صحة الحكم، لكنها تصير لقضية واقعة، وإلا لو كانت
شرطًا لكان أول الآية أشد شرطية من آخرها.
الطالب: لكن
إذا أخرج الشرط مخرج، وهو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: دل على أنها غير معتبرة.
الطالب: لماذا يدل على أنه فقط فقد هذا الشرط وباقي (...)؟
الشيخ: ما يدل على هذا؛ لأنه وأيش الذي أخرج هذا؟
الطالب: السنة.
الشيخ:
طيب، وأيش الذي أخرج هذا القيد من القرآن بالسنة؟
طالب:
فِعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: طيب، إذن معناه
أن هذه الشروط ما هي إلا لزيادة التوثقة فقط، مثل ما جاءت السنة وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة: ٢٨٢] جاءت السنة بشهادة رجل
واحد مع اليمين.
قال الله سبحانه تعالى: وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌسبق لنا الكلام على هذا، وبينا أن الله أضاف الإثم إلى
القلب؛ لأن القلب بصلاحه يصلح الجسد.
يقول الله عز وجل: وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ. ثم قال: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.
قوله: بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ(ما) اسم موصول، والاسم الموصول
يفيد العموم فيشمل كل ما نعمل من أعمال القلوب وأعمال الجوارح؛ أعمال الجوارح أفعال
بالأركان وأقوال باللسان، وأعمال القلوب حركة القلب بالمحبة والبغض والخوف والرجاء
وما أشبه ذلك، كذلك أيضًا أقوال القلوب وهي التصديق والإقرار والطمأنينة بالشيء،
فهذه أربعة أشياء: أقوال القلوب وأعمالها، وأقوال الجوارح وأعمالها، أقوال الجوارح
مخصوصة باللسان هو الذي يقول، هو الذي ينطق، وأقوال القلب قلنا: هو الإقرار
والاعتراف؛ يعني الإيمان بالشيء والتصديق والطمأنينة به، هذا قول القلب، أعمال
الجوارح هي الأفعال كالقيام والقعود والركوع والسجود وما أشبهها، أعمال القلوب؛
حركة القلب بالخوف والرجاء والتوكل والمحبة والكراهة، وما أشبه ذلك، فالأعمال كلها
تدور على هذه الأقسام الأربعة، وهي أعمال القلوب وأقوالها، وأعمال الجوارح
وأقوالها، وإلى هذا أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية حيث
قال: ومن أصول أهل السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان،
وعمل القلب واللسان والجوارح.
فقوله: بِمَا تَعْمَلُونَيشمل هذا كله، كل ما نعمل فالله سبحانه وتعالى عالم به، بل زد
على ذلك أنه يعلم ما لم نعمل مما سنعمل، ونحن لا نعلمه، فإن الله تعالى يعلم ما
سيكون على الكيفية التي يكون عليها.
وقوله: بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌإذا قال قائل: ما فائدة التقديم هنا؟
إن قال:
لمراعاة الفواصل، قلنا: والنون تأتي في الفواصل كثيرًا، مثل: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [يوسف: ١٩]. وإن قال:
للحصر، قلنا: لا يصح؛ لأن الله يعلم كل شيء، لا يختص علمه بما نعمل فقط فلا وجه
للحصر.
إذن ما الفائدة؟ الفائدة: شدة التحذير والتنبيه كأنه يقول: لو لم يعلم
شيئًا -وحاشاه من ذلك- لكان عالِمًا بعملنا، فمن قوة التحذير والإنذار صِيغ الأسلوب
مَصاغ أيش؟ الحصر، وهو قطعًا لا يراد به الحصر؛ لأننا لو أردنا به الحصر لكان هذا
يقتضي أن الله لا يعلم إلا ما نعمله والأمر ليس كذلك.
وقوله: بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌإذا قال قائل: هل نستفيد من هذا أن
من أسماء الله العليم؟ قلنا: ربما نقول ذلك وقد لا نقوله، قد نقول: إن الاسم إذا
قيد بمتعلَّق فإنه ينقلب إلى وصف، فيكون عليم بكذا ليس كقوله: وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [البقرة: ١٣٧]؛ لأن هذا قُيد،
عليم به، فكان وصفًا وليس اسمًا، أما لو قال: وهو العليم الحكيم لكان هذا اسمًا بلا
شك.
من فوائد الآية الكريمة: التهديد بكون الله سبحانه وتعالى عالِمًا بما
نعمل، وجه التهديد تقديم المعمول؛ لأنه -كما أشرنا- لا يفيد الحصر.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على غلاة القدرية الذي
يقولون: إن الله لا يعلم بأعمال العباد إلا إذا وقعت، فإن قوله: بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌيتضمن ما قد عملناه بالفعل وما
سنعمله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي
التحذير في مقام التحذير والترغيب في مقام الترغيب؛ لأنه لما قال: وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُفالمناسب هنا
التحذير أو الترغيب؟
طالب: التحذير.
الشيخ: المناسب التحذير، وهذا مطابق للبلاغة.
ثم قال الله عز وجل: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ.
قوله: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِجملة خبرية قُدم فيها الخبر، وقوله: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُجملة شرطية، جوابها: يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ.
وقوله: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء فيما دون الكفر كما سيأتي إن شاء الله.
وفيها قراءتان، قراءة: {فَيَغْفِرْ} {وَيُعَذِّبْ} وقراءة بالرفع، وجهها؛ أي وجه الآية على قراءة الجزم واضح جدًّا؛ لأنه معطوف على يُحَاسِبْكُمْالذي هو جواب الشرط، والمعطوف على المجزوم مجزوم، ووجه قراءة الرفع أنه على سبيل الاستئناف، فالفاء استئنافية تفيد قطع الجملة التي بعدها عما قبلها.
وقوله: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌيعني أنه قدير على كل شيء، فلا يعجزه شيء.
نبدأ في الآية: قوله: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِيعني أن كل شيء في السماوات أو في الأرض فهو لله ملكًا وتدبيرًا، وليس لأحد غيره فيه ملك، ودليل اختصاص ملكه بالله: تقديم الخبر؛ لأن لدينا قاعدة، وهو أنه إذا قُدم ما حقه التأخير كان ذلك دليلًا على الحصر، كل شيء حقه التأخير إذا قُدم فالجملة مفيدة للحصر.
وقوله: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِيشمل ما في السماوات من العاقل وغير العاقل، فيشمل بني آدم والجن ويشمل الحيوانات الأخرى، ويشمل الأشجار والبحار والأنهار وغير ذلك، وكذلك ما في السماوات يشمل ما فيها من الملائكة وأرواح بني آدم التي تكون في السماء كأرواح المؤمنين في الجنة، بل ويشمل ما بين السماء والأرض من الأفلاك والنجوم وغير ذلك؛ لأنها داخلة في السماوات فإنها في جهتها.
قال: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُتُبْدُوابمعنى تظهروا، مَا فِي أَنْفُسِكُمْأي: ما في قلوبكم. أَوْ تُخْفُوهُيعني تسرونه، فلا يطلع عليه أحد، فأما ما أبداه الإنسان مما في نفسه فمثل أن يريد أن يقول قولًا فيقوله، يريد أن يفعل فعلًا فيفعله ويشاهده الناس، والإخفاء أن يريد أن يقول قولًا فيسره في نفسه ولا يطلع عليه أحد، أو يريد أن يفعل فعلًا فيفعله فيتحرك بحركات لا يطلع عليها أحد كما لو نظر إلى شيء محرم فالناس لا يعرفون أنه نظر إلى شيء محرم؛ لأن هذا مما لا يطلع عليه إلا الله، فالمهم أنه سواء أبداه الإنسان أو أخفاه يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ، والمحاسبة لا تستلزم العقوبة، ولهذا قال: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ، فهو يحاسب العبد على ما في نفسه سواء أبداه أم أخفاه يحاسبه فيقول: عملت كذا، يعني قلت: كذا في نفسك، أضمرت كذا في نفسك، إذا أظهره حاسبه الله عليه.
حساب الله الإنسان على ما أظهره واضح؛ لأنه عمله وفعله، وقاله إن كان قولًا، لكن حساب الله على ما في نفسه مما لم يظهره نقول: إن هذا ينقسم إلى قسمين، أحدهما: أن يخفي شيئًا ويهم به، ولكن لا يركن إليه ولا يطمئن إليه ولا يصدق به، وهذا كالوساوس التي ترد على قلب الإنسان من الشكوك وغيرها من إرادة السوء، ولكن لا يكون لها أثر في القلب، فهل يحاسب عليه أو لا؟ نقول: إن ظاهر الآية الكريمة أنه يحاسب عليه إذا أخفى شيئًا وإن لم يركن إليه ويطمئن فإنه يحاسب.
القسم الثالث.. الإبداء، الإخفاء من غير أن يركن إليه. القسم الثالث: الذي لم يُبدَ ولم يظهر، لم يركن إليه، ولكنه حدث به نفسه وأضمره لكنه لم يركن إليه مثل أن تحدثه نفسه بفعل معصية، مجرد حديث لكن ما ركن إليه، ولا فعل الأسباب التي توصله إليه، أو تُحدثه نفسه عما يتعلق بصفات الله عز وجل والإيمان به، ولكن لم يركن إلى هذا ولم يطمئن، لا، قصدي أنه ركن إليه واطمأن إليه، فهذا لا شك أنه يحاسَب على هذا الشيء، مثل: حدثته نفسه أن استواء الله على العرش كاستواء الإنسان على السرير وركن إلى ذلك واطمأن إليه، لكن لم يبده ولم يظهره للناس، القسم الأول أظهره، وصار يقول للناس هكذا: إن استواء الله على عرشه كاستواء الإنسان على السرير والبعير. والقسم الثالث: حدَّث نفسه بهذا ولكن لم يطمئن إليه ورفضته نفسه ولم يقبله.
وظاهر الآية الكريمة أن جميع الأقسام الثلاثة يحاسب عليها، هذا ظاهر الآية الكريمة، ولهذا لما نزلت هذه الآية كبُر ذلك على الصحابة وشق عليهم وقالوا: إذن نهلك، فأنزل الله تعالى الآية التي بعدها: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ. وصار الإنسان لا يؤاخذ على ما في نفسه إلا على ما ركن إليه واطمأن به، أما مجرد حديث النفس بدون طمأنينة وركون فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» فرفع الحرج عن الأمة، فهمنا الآن؟ الآية الكريمة ظاهرها أن الإنسان يحاسب على الأمور الثلاثة: ما أبداه، ما أخفاه وركن إليه، ما أخفاه ولم يركن إليه، لكن الأخير نُسخ بالآية التي بعدها، وكذلك بالأحاديث الدالة على أن الإنسان لا يحاسب على مجرد حديث النفس.
قال: يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُالمحاسبة معناه أن الإنسان يناقَش على ما فعل، ويقال: فعلت كذا في يوم كذا، تركت كذا في يوم كذا فيناقش، هذه المحاسبة، المحاسبة التامة، أما المحاسبة اللي ما فيها مناقشة وإنما فيها إطلاع الإنسان على فعله فهذه محاسبة يسيرة كما قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٧، ٨].
قال: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُيَغْفِرالمغفرة مأخوذة من (الْمِغْفر) وهو ما يضعه الإنسان في القتال على رأسه يتقي به السهام، وهذا -أعني المغفر- يجمع بين الستر والوقاية، ولهذا نقول: إن مغفرة الله للذنب تتضمن شيئين؛ أحدهما: الستر، والثاني: العفو والوقاية من أثر الذنب، أما الستر فمعناه أن الله يُخفي عن العباد ذنب هذا المذنب ولا يُطلع عليه، وأما العفو والتجاوز فمعناه أن الله لا يعاقِب هذا المذنب، لا يعاقبه؛ لأنه غفر له، إذن المغفرة هي ستر الذنب، وأيش بعد؟ والتجاوز عنه والعفو وعدم المعاقبة عليه وليست مجرد الستر؛ لأنها مأخوذة من (الْمِغْفَر).
وقوله: لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُمَنْ يَشَاءُ: هذه من صيغ العموم؛ يعني من شاء الله أن يغفر له غفر، ومن شاء أن لا يغفر لم يغفر، ولكن سبق لنا مرارًا وتكرارًا أن كل فعل من أفعال الله مُعلق بالمشيئة فإنه تابع لحكمة إن اقتضته حصل، وإن لم تقتضه لم يحصل بدليل قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠]. وعليه فيغفر لمن يشاء ممن اقتضت حكمته أن يغفر له، ويعذب من يشاء ممن اقتضت حكمته أن يعذبه.
وقوله: يُعَذِّبُالعذاب هو التألم من الشيء والتضجر منه، وقد يكون عقوبة، وقد لا يكون عقوبة، قد يكون عقوبة يعاقَب بها الإنسان وتكون بقدر ذنبه بلا زيادة، وهي قابلة للنقص، وقد لا تكون عقوبة بل مجرد ألم، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ، أَوْ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» فإن هذا العذاب ليس عذاب عقوبة؛ لأن الله يقول: لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام: ١٦٤] ولكنه عذاب تألم، تألم وتوجّع، فهو نظير قوله صلى الله عليه وسلم: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ». وأحيانًا تقول: عذبتني رائحة البصل، عذبتني رائحة الدخان، مع أنها ليست عقوبة ولا فيها ضرر، لكنها تؤذي.
والمراد بقوله هنا: يُعَذِّبُأي القسمين؟ العذاب الذي هو عقوبة؛ لأنه على ذنب، وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُأي: بالعقوبة.
وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌالله على كل شيء قدير مما يمكن أن يكون، كل شيء ممكن فالله قدير عليه بدون استثناء حتى على أفعال نفسه هو قادر، قادر على أن ينزل إلى السماء الدنيا وعلى أن يستوي على العرش، وعلى أن يجيء للفصل بين العباد، وعلى أن يضحك، وعلى أن يفرح، ويغضب ويرضى، كل ذلك الله قادر عليه بدون استثناء، وأما ما لا تتعلق به القدرة من الأمور المستحيلات، فهذا لا يمكن.
لو قال قائل: هل الله قادر على أن ينسي نفسه شيئًا مما علمه وهو يعلم كل شيء؟ قلنا: هذا مستحيل.
لو قال قائل: هل الله يقدر على أن يمرض نفسه عز وجل؟ قلنا: هذا مستحيل.
لو قال قائل: هل يقدر الله عز وجل أن يجعل السماوات والأرض كلها في جوف بيضة وهي على ما هي عليه والبيضة على ما هي عليه؟ قلنا: هذا مستحيل.
المهم أن القدرة تتعلق بالشيء الممكن، أما المستحيل فهو مستحيل، المستحيل مستحيل، ومن علق القدرة بشيء مستحيل فإن هذا نوع من الاستهزاء بالله عز وجل، كما لو قلت لإنسان: أنت تستطيع أن تنزل القمر في الأرض؟ يستطيع ولَّا ما يستطيع؟
الطلبة: ما يستطيع.
الشيخ: ما يستطيع أتهكم به، يكون هذا تهكم بالإنسان. (...)
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قبل أن نبدأ درس اليوم نأخذ الفوائد على ما سبق في الآية الباقية، وهي قوله تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.
ففي هذه الآية الكريمة: بيان عموم ملك الله عز وجل، وجه ذلك من قوله: مَا فِي السَّمَاوَاتِ؛ لأن (ما) اسم موصول، والاسم الموصول يفيد العموم.
فسرنا قوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَوفسرنا: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِإلى آخره، كذا ولَّا لا؟
قال: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِيعني آمن بما أنزل إليه من الوحي في كتاب الله وفيما يُوحي إليه من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وفي قوله: بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِربوبية خاصة؛ لأنها أُضيفت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والربوبية المضافة إلى الرسل هي أخص أنواع الربوبية، ويليها الربوبية المضافة إلى المؤمنين، ثم أعمها الربوبية المضافة إلى جميع الناس، مثل: رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، هذه الربوبية الخاصة لا شك أنها تقتضي تربية خاصة لا يماثلها تربية أحد من المربوبين.
وقوله: وَالْمُؤْمِنُونَبالرفع عطفًا على قوله: الرَّسُولُيعني: والمؤمنون كذلك آمنوا بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من الله، فيؤمنون بالرسول، ويؤمنون بالمرسِل، ويؤمنون بالمرسَل به، ثلاثة أشياء: المرسِل وهو الله، المرسَل وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، المرسَل به، وهو الوحي؛ الكتاب والسنة.
وقوله: آمَنَ الرَّسُولُوَالْمُؤْمِنُونَ، إذا قال قائل: كيف قال: وَالْمُؤْمِنُونَفوصفهم بالإيمان مع أنهم مؤمنون؟ فنقول: هذا من باب التحقيق، يعني أن المؤمنين حققوا الإيمان، وليس إيمانهم إيمانًا ظاهرًا فقط كما يكون من المنافق الذي يُظهر الإيمان، ولكنه مبطن للكفر.
كُلٌّيعني من الرسول والمؤمنين كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِإلى آخره كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ(آمن) مرت علينا كثيرًا بأن المراد بها الإقرار المتضمن للقبول والإذعان، وليس مجرد الإيمان بوجود الله فقط، هذا ليس بإيمان حتى يستلزم قبول ما جاء به أو قبول ما أخبر به وما أمر به مع الإذعان والتسليم.
وقوله: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِالإيمان بالله يتضمن أربعة أمور؛ الأمر الأول: الإيمان بوجوده، والثاني: الإيمان بربوبيته، والثالث: الإيمان بألوهيته، والرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته، لا بد أن يكون الإيمان متضمنًا لهذه الأشياء الأربعة، الإيمان بوجود الله احترازًا من الذين أنكروا وجود الله، وقالوا: إن هذا الكون ما هو إلا أشياء تتفاعل ويأتي بعضها ببعض أرحام تدفع، وأراضٍ تبلع، وليس هناك شيء والعياذ بالله، لا بد أن نؤمن بوجود الله عز وجل، ولا بد أن نؤمن بربوبيته، وهنا عندما نقول: نؤمن بربوبيته؛ يعني بانفراده بالربوبية، وأنه الرب المطلق، وربوبية ما سواه مقيدة ليست شاملة ولا عامة ولا كاملة بل هي ناقصة مقيدة أيضًا، ناقصة من حيث حدودها وناقصة من حيث سلطانها، أما ربوبية الله عز وجل فإنها كاملة واسعة، لا معقب لحكمه وهو السميع العليم.
الثالث: الإيمان بألوهيته؛ الألوهية الحق، ولا ألوهية لغيره، وكل ما ادُّعيت فيه الألوهية فإنه باطل كما قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢].
الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته؛ بأن له أسماء وصفات انفرد بها، لا يماثله أحد فيها، فنثبت الأسماء والصفات وننفي المشاركة أو المماثلة؛ لأن هذا هو حقيقة التوحيد.
إذن من لم يؤمن بوجود الله فليس بمؤمن، من آمن بوجوده دون ربوبيته بأن قال: إن له مشاركًا أو معينًا في خلق السماوات والأرض، أو أن هناك إلهًا آخر منفردًا بما خلق، فنقول: إن هذا لم يؤمن بالله، ومن آمن بوجود الله وربوبيته، وأنه منفرد بالربوبية الكاملة، لكن أنكر ألوهيته بأن قال كما قال الكفار: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٥] فإنه لم يؤمن بالله، من آمن بوجود الله وربوبيته وألوهيته، لكن لم يؤمن بأسمائه وصفاته فإنه لم يؤمن بالله، قد يكون إيمانه معدومًا وقد يكون ناقصًا حسب ما قام عنده من الإيمان والتصديق أو الإنكار والتكذيب.
إذن الذين يؤمنون ببعض الأسماء دون بعض، نقول: لم يحققوا الإيمان بالله، والذين يؤمنون بالأسماء دون الصفات لم يحققوا الإيمان بالله، والذين يؤمنون ببعض الصفات ويكفرون ببعض لم يحققوا الإيمان بالله، ثم إن كان إنكارهم لما أنكروه من ذلك تكذيبًا وجحودًا فهم أيش؟
الطلبة: كفار.
الشيخ: كفرة، وإن كان تأويلًا فليسوا بكفار، ولكن ينظر في تأويلهم هل له مساغ أو يكون تأويلًا يُنزل منزلة الإنكار فيُحكم لهم بما يقتضيه حالهم.
لو قال قائل: كيف نقيم الأدلة على وجود الله عز وجل؟ قلنا: نقيمها من عدة أوجه؛ بالحس، والعقل، والشرع والفطرة، أما العقل فلأننا نقول: هذه الموجودات الكائنات التي تتغير صباحًا ومساءً بعدم، ووجود، وتغير حال، من الذي يغيرها؟ ننظر من؟ يغيرها فلان أو فلان أو فلان؟! أبدًا، لا يستطيعون أن يغيروا بل هم مغيَّرون، إذن لا بد لهذه الكائنات من مكون محدِث مغير، ولا نجد إلا الله عز وجل، لا نجد إلا الله، ولهذا أشار الله إلى ذلك بقوله: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: ٣٥]. نجد السماوات والأرض، من خلق هذه الأرض؟ هل هم عمال خلقوها وأوجدوا فيها الرمال والجبال والأودية والأنهار والبحار؟
الجواب: لا، لو اجتمعت الدنيا كلها بعمالها ما استطاعوا ذلك؛ إذن لا بد لها من خالق، السماوات كذلك وأعظم لا أحد يستطيع خلقها إلا الله عز وجل، ولهذا قال: أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [الطور: ٣٦]. والجواب: لا، بَلْ لَا يُوقِنُونَ. هذا دليل عقلي على وجود الله ولا أحد ينكره.
لو قال لك قائل: هذه اللمبة ما صنعها أحد، وأيش تقول؟ تقول: عجلوا بهذا الرجل إلى المارستان؛ لأنه مجنون، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: ولو قال: هذا المسجل ما صنعه أحد، قلنا: كذلك، ولهذا يذكر أن طائفة من السمنية من ملاحدة من الهنود جاؤوا إلى أبي حنيفة في بغداد قالوا له: يعني كيف نثبت وجود خالق؟ فأطرق وسكت وقالوا: أجب؟ ظنوه قد انقطع وعجز، قال: أنا أفكر في سفينة أرست في ماء الفرات أو دجلة بدون أن يكون لها ملاح، ونزلت الحمل بدون عمال، وانصرفت بدون قائد، شوفوا هل هذا ممكن ولَّا غير ممكن؟
الطلبة: غير ممكن.
الشيخ: هو يقول لهم كذا، فشوفوا ممكن هذا ولَّا ما هو ممكن؟ قالوا: ما يكون هذا، تصور هذا جنون، معقول أن السفينة تيجي محملة وتنزل حملها وتروح بدون الملاح وبدون عمال؟! قال: والله إذا كان أنكم تدعون أن السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم وُجدت بلا مُوجد وتسير بلا مسيِّر فإن هذه السفينة أهون، فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ [الأعراف: ١١٩]، إذن هذا دليل عقلي.
الدليل الحسي على وجود الله أيضًا واقع، من أكبر شواهده إجابة الدعوة، إذا دعا الإنسان ربه أجابه، والقرآن مملوء بهذا، قال الله تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ [القمر: ٩ - ١١] لما قال: يا رب إن قومي كذبون رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح: ٢٦] أجابه الرب وأرسل عليهم الطوفان، ففتح أبواب السماء بماء منهمر وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا [القمر: ١٢] فغرقوا عن آخرهم إلا من آمن، هذا يدل على عدم وجود الرب ولَّا على وجوده؟
الطلبة: على وجوده.
الشيخ: على وجوده، وما زال هذا أمرًا محسوسًا مشهودًا ملموسًا، حتى الإنسان يدعو ربه بأمر، ثم يراه بعينه رأي العين قد حصل، إذن دل على وجود الله عز وجل أيش؟ الحس والواقع.
أما الفطرة فإن كل إنسان لم تجتله الشياطين ولم تغيره البيئة يعترف اعترافًا ضروريًّا بأن له خالقًا انفرد بخلقه بدون أن يسأل أحدًا، لكن قد تفسده البيئة وتجتاله الشياطين فينكر هذا، بقينا بإيه؟
الطلبة: الشرع.
الشيخ: الرابع: الشرع والكتاب السنة والكتب السابقة كلها مملوءة بإثبات وجود الله عز وجل، ولهذا لا يمكن أن تقوم قدم ملحد على إنكار الرب إلا على سبيل المكابرة، والإنسان المكابر مشكلة ما فيه علاج، اللي يكابر فيقول: ليست هذه الشمس الشمس يمكن تعالجه وتقنعه؟ لا يمكن، وأما الإيمان بالربوبية والإيمان بالإلوهية والإيمان بالأسماء والصفات فأمرها واضح، إن الله رب كل شيء ومليكه ومدبره ومتصرف فيه.
ثم قال الله عز وجل: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِيعني: وآمن بملائكته، الرسول والمؤمنون كلهم آمنوا بملائكة الله، والملائكة قال النحويون: إنها جمع (مَلْأَك) الذي أصله (مَأْلَك)؛ لأنه من (الأَلُوكَة)، وهي الرسالة، وقالوا: إن فيه تقديمًا وتأخيرًا في حروفه، إعلالًا بالتقديم والتأخير. الملائكة رسل كما قال تعالى: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ [فاطر: ١] وهم ذوات أو أرواح ومعاني؟
الطلبة: ذوات.
الشيخ: ذوات، يُشاهَدون لهم أجنحة، ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل على صورته التي خُلق عليها له ست مئة جناح قد سَدَّ الأُفُق ، ست مئة جناح قد سد الأفق، كيف يكون سرعة هذا الملك؟ سرعته عظيمة كلمح البصر؛ لأن ست مئة جناح كلها تطير بقوة هائلة معناها أنه يعني أسرع من لمح البصر، ولهذا جعله الله تعالى هو السفير بينه وبين الرسل يرسله بالوحي.
الملائكة خُلقوا من نور، كما ثبت ذلك في الصحيح ، الملائكة لا يأكلون ولا يشربون، لأنهم صمد ليس لهم أجواف، حتى يحتاجون إلى الأكل والشرب، وإنما يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠] يعني لا يسأمون ولا يملون ولا يتعبون؛ لأنه ليس هناك شيء يُذهب طاقتهم وينقصها، ولهذا لا يحتاجون للأكل والشرب.
الملائكة أقسام في وظائفهم منهم الموكَّل بالوحي؛ وهو جبريل، والموكل بالقطر والنبات؛ وهو ميكائيل، والموكل بنفخ الصور وبحمل العرش؛ وهو إسرافيل، والموكل بالجنة؛ وهو رضوان، وبالنار؛ وهو مالِك، وبالموت؛ وهو ملك الموت، وأما ما جاء من تسميته بـ (عزرائيل) فهذا لا يصح، لكن هو ملك الموت كما قال تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [السجدة: ١١].
ومنهم من يعبدون الله تعالى ليلًا ونهارًا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ» وهذا يدل على كثرتهم، ومنهم الموكلون ببني آدم بحفظ أعمالهم يكتبونها عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [ق: ١٧]، ومنهم الموكلون ببني آدم بحفظهم لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد: ١١]. وكل ما جاء في الكتاب والسنة من هذه الأعمال والأوصاف بالنسبة للملائكة فإنه يجب علينا الإيمان به وقبوله متى صح في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِوفي قراءة: {وَكَتَابِهِ} فأما على قراءة (كُتُب) فلا إشكال؛ لأن الكتب كثيرة، وأما على قراءة الإفراد {وَكَتَابِهِ} فهو مفرد مضاف فيفيد العموم.
والكتب المنزلة على الأنبياء الذي يظهر من نصوص الكتاب والسنة أنها بعدد الأنبياء كما قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد: ٢٥] أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ.
وقال تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة: ٢١٣]. ولكن مع ذلك نحن لا نعرف على التعيين إلا عددًا قليلًا منها: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وصحف موسى إن كانت غير التوراة، وإن كانت هي التوراة فالأمر ظاهر، نعرف هذه ونؤمن بها بأعيانها والباقي نؤمن به على سبيل الإجمال.
ولكن كيف الإيمان بهذه الكتب؟ نقول: الإيمان بالقرآن إيمان بأنه من عند الله وأن الله تكلم به حقيقة بلفظه ومعناه، فهو كلام الله تعالى الحروف والمعاني، هذا واحد، نؤمن أيضًا بكل خبر أخبر الله به في القرآن.
ثالثًا: نقبل كل حكم حكمَ الله به في القرآن.
رابعًا ننفذ كل حكمٍ حكمَ الله به في القرآن.
هذه أربعة أشياء الأول نعيدها مرة ثانية: أن القرآن من عند الله نزل من الله، وأنه كلامه الحروف والمعاني.
ثانيًا: نصدق بكل خبر في الكتاب.
ثالثًا: نقبل كل حكم ما نرفضه.
رابعًا: ننفذ الأحكام؛ لأن هناك فرقًا بين القبول والتنفيذ، قد أنفذ ولا أقبل، وقد أقبل ولا أنفذ كيف؟ قد يقبل الإنسان أن الصلاة فريضة لكن ما ينفذها، وقد ينفذ الصلاة لكن لا يقبل أنها فرض يقول: هي تطوع، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها؛ ولهذا كانت الأحكام الشرعية لا بد فيها من أمرين: قبول الحكم وأيش بعد؟ وتنفيذ الحكم والقيام به، فلا يكفي أحدهما عن الآخر.
أما الكتب السابقة فيجب علينا أن نؤمن بأنها من عند الله؛ يعني أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى، ولكن لا يلزمنا أن نؤمن بالتوراة الموجودة بأيدي اليهود أنها هي التوراة التي أنزلها الله على موسى، لماذا؟ لأنها مُحرَّفة مكتومة قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا [الأنعام: ٩١] وأيش بعد؟ وَتُخْفُونَ كَثِيرًافيه أشياء أُخفيت أُزيلت، فيه أشياء حُرفت. إذن نؤمن بأن التوراة التي أنزلها الله على موسى حق، وأن كل خبر فيها فهو حق، وأن كل حكم فيها فهو حق، صح؟
الطلبة: صح.
الشيخ: وننفذ هذه الأحكام أو لا؟ لا، لا ننفذها إلا بدليل من شرعنا. وشرعنا اختلف علماؤنا هل شرع من قبلنا شرع لنا أو ليس بشرع لنا؟ فقيل: ليس بشرع مطلقًا، وقيل: شرع لنا ما لم يأتِ شرعنا بخلافه، والمسألة معروفة في أصول الفقه، كذلك بالنسبة للإنجيل نؤمن بأن الله أنزل على عيسى ابن مريم كتابًا اسمه (الإنجيل)، وأن هذا الكتاب نزل من عند الله حقًّا، وأن كل خبر فيه فهو حق، وأن كل حكم فيه فهو حق، أما امتثاله وتنفيذه فعلى التفصيل الذي في التوراة، والإنجيل أيضًا متمم للتوراة، متمم لها ومكمل لها، وليس مستقلًّا كاستقلال التوراة، ولهذا يذكر الله تعالى التوراة في القرآن كثيرًا، ولا يذكر الإنجيل بالنسبة إلى التوراة إلا قليلًا، الزبور أيضًا نُؤمن بأن الله آتى داود زبورًا، وأنه من عند الله حق، وأن أخباره حق، وأن أحكامه حق، وأما امتثالها، فعلى ما سبق، وكذلك نقول في صحف إبراهيم هكذا الإيمان بالكتب.
إنزال الله تعالى الكتب على عباده لا شك أنها من رحمة الله بهم؛ لأنها هي الطريق التي يمشون عليها ويرفضون ما سواها، ومن عدل عنها إلى حكم سواها كان كافرًا.
وقوله: وَرُسُلِهِجمع: رسول (فَعُول) بمعنى (مُفْعَل) لا بمعنى (فاعِل) فالرسول بمعنى مُرسَل أرسله من؟ أرسله الله تعالى إلى الخلق وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] كل أمة جاءها نذير، ولكن هل كل نذير جاء إلى الخلق نعلم به؟
لا، هل كل نذير جاء إلى الخلق قُص علينا؟ لا، وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر: ٧٨] وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [الرعد: ٣٨]، فنحن نؤمن بأن الله تعالى أرسل رسلًا، وأن هؤلاء الرسل كانوا رسلًا من عند الله حقًّا، وما نزل عليهم من الكتب فهو حق، وما جاؤوا به من الأحكام فهو حق، وأما الاتباع فنتبع من؟ نتبع محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأما جاء به أولئك الرسل فعلى الخلاف الذي أشرنا إليه من قبل، هل شرع من قبلنا شرع لنا أو ليس بشرع لنا؟ والصحيح أنه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه.
قال: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِلا نفرق، هنا فيه التفات من أين إلى أين؟
طالب: من الغيبة إلى التكلم.
الشيخ: من الغيبة إلى التكلم نعم، والتكلم حضور؛ لأنه لم يقل: لا يُفرقون كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ، ومقتضى السياق لو كان على نهج واحد لقال: لا يفرقون بين أحد من رسله، لكنه قال: لَا نُفَرِّقُوفائدة الالتفات التي يشترك فيها جميع أنواع الالتفات هي التنبيه، فائدة الالتفات التنبيه؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد، فإن الإنسان ينسجم معه وربما يغيب ذِكره، وأما إذا جاء الالتفات فكأنه يقرع الذهن يقول: انتبه؛ لأنه طبعًا الإنسان إذا سار ينساق في سياق واحد ماشي منسجم، يمكن يجيه النوم، لكن إذا جاء التفات فكأنه يدق فكره ليقول: انتبه. إذن هذا الالتفات من الغيبة إلى التكلم له فائدة غير ها التنبيه، له فائدة غير التنبيه، وهو أن يقول هؤلاء المؤمنون: لا نفرق؛ يعني كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله قائلين ومعتقدين: لا نفرق بين أحد من رسله. كل الرسل عندنا في صدق ما جاؤوا به من الرسالة على حد سواء، فمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم صادِق فيما جاء به من الرسالة، وعيسى بن مريم صادق، وموسى صادق، وصالح صادق، ولوط صادق، وإبراهيم صادق، وهكذا، لا نفرق بينهم في هذا الأمر؛ أي: في صدق رسالتهم والإيمان بها، لكن نفرق بينهم فيما كُلفنا به فنعمل بشريعة محمد، وأما شريعة أولئك فعلى ما ذكرنا من الخلاف.
وهل نفي التفريق هنا نفي للتفضيل؛ يعني لا نفرق بين أحد منهم حتى في المفاضلة؟
الجواب: لا؛ لأن الله تعالى قال: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ [الإسراء: ٥٥]، وقال تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة: ٢٥٣]، ففي المفاضلة نفرق، ونُنزل كل إنسان منهم منزلته، لكن في مقام النبوة وصِدق ما جاؤوا به هم على حد سواء، نؤمن بهم جميعًا.
وقوله: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُواهذا معطوف على قوله: آمَنَ الرَّسُولُيعني (وقالوا) أي: الرسول ومن آمن معه سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ(غفرانَ): مفعول سمعنا وأطعنا.
طالب: سمعنا وأطعنا.
الشيخ: (سمعنا) فعل وفاعل و(أطعنا) فعل وفاعل، و(غفرانَ) منصوب، أفلا يكون مفعولًا به لـ (سمعنا) و(أطعنا)؟
الطلبة: لا (...).
الشيخ: لا، لا، ولهذا يحسن أن تقف فتقول: وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاثم تستأنف فتقول: غُفْرَانَكَ؛ لأن (غفرانَ) مفعول لفعل محذوف تقديره: نسألك غفرانَك.
قوله: وَقَالُواأي: الرسول والمؤمنون سَمِعْنَا وَأَطَعْنَايعني: سمعنا ما أمرتنا به وأطعناه، سمعنا ما نهيتنا عنه وأطعناك؛ فالأول: الأمر نمتثل، والثاني: أيش؟ نجتنبه.
واعلم أن الناس في مقام الوحي وتلقيه ينقسمون إلى أقسام: منهم من لا يسمع فيعرض إعراضًا كليًّا وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ [النور: ٤٨] لا يسمع إطلاقًا، ومنهم من يسمع ولا يطيع، ومنهم من يسمع ويطيع، هل يمكن أن تأتي القسمة الرابعة من يطيع ولا يسمع؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما يمكن؛ لأنه لن يطيع إلا ما سمع، فالناس إذن بالنسبة لتلقي الوحي ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم مُعرض لا يسمع، ولا يطيع، ولا يلتفت، بل هو مستكبر، وقسم معاند، يسمع ولكن لا يطيع، فعنده علم بما أنزل الله وبحدود الله، ولكنه لا يطيع؛ يقولون: سمعنا وعصينا نسأل الله العافية، قسم ثالث: يسمع ويطيع، وهؤلاء هم المؤمنون، هم المؤمنون الذين يقولون: سمعنا وأطعنا، ولكن مع ذلك هل يحاولون التسهيل بعد الانقياد والطاعة؟
الجواب: نعم، يحاولون التسهيل إذا أمكن، ولهذا لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكسر أواني اللحم الذي طُبخ من الحُمُر لما أمر بكسر هذه الأواني التي طُبخت فيها الحمر قالوا: أو نغسلها؟ فقال: «أَوْ ذَاكَ» ما عاندوا، لكن طلبوا التخفيف، فطلب التخفيف لا ينافي الانقياد، أما لو قالوا: لا نفعل فهذا -لا شك- أنه معصية، لكن المؤمنون يقولون: سمعنا وأطعنا، ومع ذلك ربما يسألون التخفيف.
وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاقال الله تعالى في كتابه: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: ٢١ - ٢٣].
طالب: ما الفرق بين طلب التخفيف وبين السؤال عمومًا في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة: ١٠١]؟
الشيخ: هذا يسألون عن أشياء ما أنزل الله بها حكمًا فيقولون: أهذا حرام؟ أهذا واجب؟ وما أشبه ذلك، فربما أنزل الله التحريم أو الوجوب فساءهم ذلك لكونه أُوجب عليهم بسبب سؤالهم وتعنتهم كما جرى لبني إسرائيل لما قال لهم موسى: اذبحوا بقرة قالوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ [البقرة: ٦٨]، لما أخبرهم قالوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا} [البقرة: ٦٩]لما أخبرهم قالوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَفي عملها، الأول: في سنها، والثاني: في لونها، والثالث: في عملها، فشددوا فشدد الله عليهم، لو أنهم ذبحوا بقرة من أول الأمر سهل الأمر.
طالب: بالنسبة لقراءة الكتاب، ما يمكن نقول مثلًا: إنه قرآن والإيمان بالقرآن يستلزم الإيمان بالكتب؟
الشيخ: لا يمكن أن نقول ذلك؛ لأن القراءتين يفسر بعضهما بعضًا، فلما جُمعت في القراءة الثانية عُرف أن المراد بالقراءة الإفراد المراد به الجمع، ثم من أجل أن تتلاءم الكلمات كلها دالة على الجمع.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ ابْنِ مَتَّى» (...).
الشيخ: لا، قال ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام لما رأى ما حصل بين الأنصار واليهود من المشاجرة خاف أن يكون هناك فتنة فقال: لا تفضلوني على هذا؛ لأن هذا قد يُفسر بأنه عصبية، وأنكم أيها الأنصار أو أيها العرب متعصبون للنبي العربي ما هو للحق.
الطالب: الذي لا يعلم هذه الأحكام، الذي لا يعلم بعض ما في القرآن من أحكام هل يُقال: إنه ليس بمؤمن بالقرآن؟
الشيخ: نعم، ليس بمؤمن الإيمان الكامل فيُعطى ما يستحقه من الوصف ما لم يكن تركه لهذا العمل المعين موجبًا للكفر فيكون كافرًا.
***
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا. أولًا: قوله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاما المراد بالتكليف هنا؟
طالب: الإلزام.
الشيخ: الإلزام، والوسع بمعنى؟
الطالب: الطاقة.
الشيخ: بمعنى الطاقة، أحسنت، هذا النفي كوني، يعني قدري أو شرعي؟
طالب: شرعي.
الشيخ: شرعي.
الطالب: لأن الله سبحانه وتعالى برحمته وفضله لم يكلفنا إلا ما نطيق.
الشيخ: نعم، قال: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْما الفرق بين كسبت واكتسبت؟
طالب: الفرق.
الشيخ: نعم، يلَّا.
طالب: ما كسبت من الخير، وما اكتسبت من.
الشيخ: من الإثم.
الطالب: نعم، لها ما كسبت من ..
الشيخ: يعني كسب واكتسب بمعنى واحد، لكن يُفرق بينهما المتعلق، وهي لها أوعليها، توافق؟
الطالب: لا يا شيخ، فيه فرق تاني.
الشيخ: طيب ما هو؟
الطالب: أن كسبت في أفعال الخير والطاعة، واكتسبت في الآثام يعني هكذا يعني الواقع، هذا المعنى.
الشيخ: يعني المعنى إذن بينهما فرق، فيه قول: أنهما بمعنى واحد، وقول: أن بينهما فرقًا.
طالب: ما هم بمعنى واحد، لا بد يقولون: بحسب المتعلق.
الشيخ: إيه بمعنى واحد واللي يعين المعنى المتعلق، والقول الثاني؟
طالب: أن أصل الكلمة فيها فرق.
الشيخ: طيب ما هو الفرق؟
الطالب: أن الكسب من أعمال الخير، تساوي أعمال الخير.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن تغيير بنية الكلمة إنما يتم لتغيير المعنى.
الشيخ: ما هو بظاهر!
طالب: شيخ، إن هذا عدي بـ(اللام)، والفعل عدي بـ (على)، وإذا عدي باللام بمعنى (...) قوله تعالى، وإذا عدي بـ(على) مثل قوله تعالى: وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا [الإسراء: ٧].
الشيخ: نعم، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت: ٤٦]؟ هذا هو اللي قاله الأخ، وقاله أيضًا.
الطالب: (ما كسب) تختلف عن (اكتسب) فاكتسب من افتعل تدل على الافتعال والمعالجة، بينما (كسب) ذلك يحدث بأدنى سبب.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: أما الاكتساب فلا يكون إلا بفعل.
الشيخ: نعم، تمام، ويحصل أيضًا من الغير للغير، العمل الصالح يحصل من الغير للغير، بخلاف الاكتساب؛ يعني لو أن رجلًا سرق، وقال: اللهم اجعل وزرها على فلان، حصل؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لكن لو تصدق وقال اللهم: اجعله لفلان حصل؟
الطلبة: حصل.
الشيخ: قوله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَاما الفرق بين النسيان والخطأ؟
قوله تعالى: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [البقرة: ١٣٦] نفي التفريق هنا بأيش؟
طالب: لا نفرق بينهم يعني بينهم في التبليغ والتصديق؛ تبليغ الرسالة، أو صدقه في التبليغ.
الشيخ: أيش تبليغ الرسالة؟
الطالب: (...) الرسل يعني..
الشيخ: وأيش معنى لا نفرق؟ التفريق من فعلنا نحن ليس من فعلهم هم.
الطالب: يعني لا نفرق بينهم بين هؤلاء الرسل في تبليغ الرسالة يعني كله مصدق أو في العقيدة نفسها، أو ما جاء به شرع الله، العقيدة واحدة.
الشيخ: نعم.
الطالب: لا نفرق بالتصديق أنهم من عند الله بكل رسالاته، فنؤمن بكل رسول أتى..
الشيخ: في صحة رسالتهم، وفي صدق خبرهم، وفي قبول خبرهم، أما بالاتباع؟
الطالب: بالاتباع.
الشيخ: فنتبع محمد عليه الصلاة والسلام، وأما في المفاضلة؟
الطالب: فقد قال الله سبحانه وتعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة: ٢٥٣].
الشيخ: فنفاضل بينهما كذا ولَّا لا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إذن لا نفرق في أمور أربعة، لا، لا نفرق في أمور ثلاثة في صحة رسالتهم، في صدق أخبارهم، في قبول ما جاؤوا به، أما في الاتباع فنتبع محمدًا صلى الله عليه وسلم. وهل نفرق بينهم في التفاضل؟ الجواب: نعم.
قوله تعالى: وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَغفرانك، وأيش إعرابها؟
طالب: فعل.
الشيخ: أنت ما قرأت النحو؟! الظاهر أنه ليس بينك وبين سيبويه نسب! منين قلت: إنه فعل؟!
طالب: مصدر.
الشيخ: إيه، لكن وأيش إعرابها؟
الطالب: منصوبة.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: مفعول به لفعل محذوف تقديره (نسألك).
الشيخ: نعم، تقديره (نسألك غفرانك) تمام، المغفرة وأيش المغفرة؟
الطالب: المغفرة يعني الستر على الذنب والتجاوز.
الشيخ: والتجاوز عنه، ستر الذنب والتجاوز عنه، ما هو الدليل لما قلت من حيث الاشتقاق؟
طالب: المغفرة، الغفر، والغفران.
الشيخ: لا.
الطالب: يعني معناها باللغة التغطية.
الشيخ: سبحان الله!!
الطالب: إنه المغفرة من (الْمِغْفَر).
الشيخ: من (الْمِغْفَر).
الطالب: ما يضعه المقاتل ليتقي به.
الشيخ: يتقي به السهام، وفيه ستر ووقاية، ما هو الدليل من حيث الشرع أو النص الدليل على أن المغفرة هي الستر والتجاوز من الشرع؟ هذا الدليل من حيث اللغة الدليل من حيث النص؟
طالب: قال الرسول صلى الله عليه وسلم «إِذَا خَلَا بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
الشيخ: «إِنَّ اللَّهَ يَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبهِ» .
الطالب: «ثُمَّ يَقُولُ: سَتَرْتُها عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْآنَ».
الشيخ: صح، «سَتَرْتُها عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ».
قوله: وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، المصير يعني يوم القيامة ولَّا شيء أعم من ذلك؟
طالب: إليك المصير عام، كل شيء إلى الله ويشمل يوم القيامة.
الشيخ: أحسنت، يشمل يوم القيامة وغيرها، فمرجع الخلق إلى الله في الدنيا والآخرة.
قال الله سبحانه وتعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ. ثم قال: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَاالجملة هذه مقول لقول محذوف؛ أي: قولوا: ربنا، أو يقولون عودًا على قوله: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهوَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاقالوا: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَاالمهم أن الجملة هنا مقول لقول محذوف.
وقوله: رَبَّنَامنادى حُذفت منه ياء النداء اختصارًا وإيجازًا للكلام وتيمنًا بالبداءة باسم الله عز وجل رَبَّنَا، وتوسلوا بالربوبية؛ لأن الرب هو الخالق المالك المدبر، وهنا يسألون الله شيئًا، وإعطاء هذا الشيء من متعلقات الربوبية، ولهذا تجدون في أكثر القرآن، تجدون الدعاء مقرونًا بالربوبية؛ لأنه إعطاء، والإعطاء فعل، وكل الأفعال متعلقها أيش؟ الربوبية.
وفي قوله: رَبَّنَاالإضافة من التعطف وإظهار الحاجة والفقر ما هو ظاهر. رَبَّنَافإن هذا الذي يضيف إلى نفسه ربوبية الله لا شك أنه مظهِر لفقره إلى هذا الرب، وأنه مربوب عابد ذليل لهذا الرب.
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَاالمؤاخذة بالذنب: المجازاة عليه، والإنسان محل النسيان ومحل الخطأ، وما أكثر نسيانه وخطأه!
فالنسيان: هو ذهول القلب عن معلوم، يكون الإنسان يعلم الشيء ثم يغيب عنه، نسمي هذا نسيانًا، كما لو سألتك ماذا صنعت أمس؟ فقلت: والله نسيت. أنت فاعل لكن نسيت، فتعريف النسيان إذن أيش؟ ذهول القلب عن شيء معلوم، هذا النسيان.
الخطأ: ارتكاب المعصية -أو بعبارة أعم المخالفة- عن غير عمد، أو شئت: المخالفة بلا قصد المخالفة. فيشمل ذلك الجهل، فإن الجاهل إذا ارتكب ما نُهي عنه فإنه قد ارتكب المخالفة من غير قصد المخالفة، وسواء كان جاهلًا بالحكم أو بالحال فهو داخل في قوله: أَوْ أَخْطَأْنَا. هل هذا الدعاء أُجيب؟ الجواب: نعم، قال الله تعالى: «قَدْ فَعَلْتُ» يعني فلا يؤاخذنا لا بالنسيان ولا بالخطأ.
واعلم أنه يُقال: أخطأ، ويقال: خطِئ، ويقال في اسم الفاعل من الأول؟
طالب: خاطئ.
الشيخ: لا، (مُخطئ)، ومن الثاني (خاطِئ)، فالثلاثي من هذا الفعل هو مرتكب المخالفة بقصد المخالفة، والرباعي مرتكب المخالفة بغير قصد المخالفة، فمثلًا الرجل الذي يفعل المعصية وهو عالم بها لكنه قاصد المعصية، نقول لهذا: خاطِئ، والذي يفعلها غير قاصد لها نقول: مخطِئ، ولهذا قال الله تعالى: نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ [العلق: ١٦] يعني: مرتكبة للمخالَفة عن قصد، وهنا قال: أَخْطَأْنَاوقال تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ [الأحزاب: ٥]، وهو ارتكاب المخالفة عن غير قصد المخالفة قال الله تعالى: «قَدْ فَعَلْتُ».
رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَانقول في رَبَّنَافي الإعراب وفي الإضافة، وفي فائدة الإضافة ما قلناه في الأولى، ولكنه قال: وَلَا تُحَمِّلْنَافأتى بالواو ليفيد أن هذه الجملة معطوفة على التي قبلها، وكُرِّر النداء تبركًا بهذا الاسم الكريم وتعطُّفًا إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن ذلك من أسباب إجابة الدعاء.
وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَارَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا، الإصر: هو الشيء الثقيل الذي يثقُل على الإنسان من التكاليف أو العقوبات.
والَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَاعليهم تكاليف عظيمة، وحُمِّلوا عقوبات عظيمة فمثلًا قيل لبني إسرائيل الذين عبدوا العجل قيل لهم في التوبة: لا نقبل التوبة حتى تقتلوا أنفسكم، عرفتم؟ وهذا لا شك أنه تكليف عظيم أُمروا أن يكونوا في ظلمة، وأن يأخذ كل واحد منهم سكينًا أو خنجرًا، وأن يطعن من أمامه سواء كان أباه أو ابنه أو أخاه أو عمه هو (...)، وهذا لا شك أن فيه إصرًا عظيمًا وعبئًا ثقيلًا، أما نحن فقيل لنا: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ [الفرقان: ٧٠] حتى في الشرك وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠] إذن لم يحمِّلنا الله -وله الحمد والمنة- إصرًا كما حمله على الذين من قبلنا، حُرِّم عليهم الشحوم: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الأنعام: ١٤٦]. وقال: يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ [الأعراف: ١٥٧]. مُنع النصارى من أخذ الثأر للنفس فقيل لهم: إنه إذا قُتل لكم قتيل فلا يجوز القصاص فالواجب العفو، ولا قصاص، وهذا لا شك أنه قد يكون فيه إذلال للنفس؛ أن يرى الإنسان قاتل أبيه أو قاتل ابنه يمشي في السوق لم يعوضه عن أعز الناس عليه إلا أيش؟ إلا دُريهمات أو نحوها، هذا فيه غضاضة على النفس.
وقيل لليهود: لا طريق لكم إلى العفو من قتل فليقُتل ولو كان أعز الناس إليك فاقتله، ولا طريق إلى العفو، وهذا فيه مشقة على النفس، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: ربما يقتل ابنك مثلًا شخص من أعز الناس عليك يمكن أحب إليك من ابنك فيقال لك: اقتله، اقتله وجوبًا، نحن -ولله الحمد- قيل لنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: ١٧٨]، وفُتح لنا باب العفو، بل نُدبنا للعفو إذا كان فيه إصلاح فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠].
وإذا تأملت أشياء كثيرة وجدت أن الله سبحانه وتعالى خفف عن هذه الأمة، ووضع عنها الآصار التي كانت على من قبلهم.
كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَامن هم؟ اليهود والنصارى وغيرهم من الناس إن هذا يشمل كل أحد، كل الأمم السابقة.
رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِهل المراد من الأمور الكونية أو من الأمور الشرعية أو منهما؟ إن قلت: منهما أشكل علينا ما سبق لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.





