وفتح لنا باب العفو، بل ندبنا للعفو إذا كان فيه إصلاح فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى: ٤٠]، وإذا تأملت أشياء كثيرة وجدت أن الله سبحانه وتعالى خفف عن هذه الأمة، ووضع
عنها الآصار التي كانت على من قبلهم.
كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة: ٢٨٦] من هم؟ اليهود والنصارى،
وغيرهم من الناس؛ لأن هذا يشمل كل أحد كل الأمم السابقة.
رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِرَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِهل المراد من الأمور الكونية أو من الأمور الشرعية أو منهما؟
طالب: منهما.
الشيخ: إن
قلت منهما أشكل علينا ما سبق لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَافإنا قلنا إن معناها لا يكلف الله شرعا نفسا إلا وسعها،
وهذا خبر، والخبر لا بد أن يكون واقعا، لا بد أن يكون واقعا، وإذا كان واقعا صار
الدعاء في قولك: رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِلغوا لا حاجة إليه؛ لأنه من الأصل لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَافهو مسقط عنا من الأصل، وحينئذ
يكون المراد: ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به شرعا أو قدرا، لا باعتبار أصل
الشرع، ولكن باعتبار حال العبد، أحيانا يحصل للإنسان ما يمنعه من فعل الطاعة، ولا
يطيقها لمرض أو غيره، كذا؟ فإذا قال قائل: نعم، هذا حاصل لكن في هذه الحال لا يكلفك
الله ما لا تستطيع؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ
تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» ، وقال تعالى في
الصيام: وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر [البقرة: ١٨٥] فقد سقط عنك ولم تكلف به، فالجواب،
والله أعلم، أن يقال: إنه إذا رفع عنك التكليف بهذا مع عدم الطاقة فإن معنى ذلك أنك
تسأل الله تعالى أن يتمم لك الأجر، أن يتمم لك الأجر الحاصل بهذا الفعل الذي لا
تطيقه، فيكون هذا هو فائدة الدعاء بأن لا تحمل ما لا طاقة لك به في الأمور الشرعية؛
لأنه إذا ارتفع التحميل، إذا ارتفع التحميل صار الإنسان كأنه فعله فلا يتحمل
المسؤولية فيه وحينئذ يكتب له الأجر.
فإن قال قائل: وعلى هذا المعنى أيضًا يرد
عليكم قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ
كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» والإنسان
العاجز عن العبادة التي كان يفعلها في حال صحته إذا مرض كتب له أجر العبادة التامة؛
إذن الدعاء بهذا أيضًا لغو لا فائدة منه؟
قلنا: الجواب على ذلك أنه وإن كان
الرسول أخبر بذلك عليه الصلاة والسلام، فقد لا يكون ذلك متيسرا لي أنا إما لتخلف
صدق النية والعزيمة أو لأي سبب آخر، صحيح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا
الكلام: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ» لكن هذا لا ينطبق
على كل واحد بعينه، كما أننا نحن نعلم جميعا أن كل مؤمن يدخل الجنة، لكن هل ينطبق
على كل واحد بعينه؟ ما يمكن أن ينطبق على كل واحد بعينه إلا من شهد له الرسول صلى
الله عليه وسلم؛ إذن فيكون فائدة الدعاء هنا أن تسأل الله تحقيق هذا الذي أخبر به
الرسول صلى الله عليه وسلم.
أما ما لا طاقة لنا به من الأمور الكونية فأمرها
ظاهر، ولَّا لا؟ ما لا طاقة لنا به من الأمور الكونية فأمرها ظاهر. انتبه! وسؤال
الإنسان أن لا يحمله الله ما لا طاقة له به يتضمن شيئين: أحدهما: دفع هذا الشيء أن
لا يرد عليك أصلا، والثاني: أن يقويك الله عليه حتى تتحمله ويدخل في طاقتك، انتبه!
رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِنقول يشمل أمرين: أن لا يحملك الله إياه أصلا يعني يدفعه عنك، أو إذا
حملك إياه يخففه عليك حتى يكون داخلا تحت طاقتك، مثل أيش الأمور الكونية اللي ما
تدخل تحت الطاقة؟ مثل ظلم الإنسان، إنسان ظلمك في مالك، في بدنك، ألزمك بأن تحفر
عشرة أمتار في خلال ساعة وتنقل الطين حقها، يسلط عليك، قال: افعل وإلا فالحبس مدى
الحياة ولَّا القتل، طيب فيه طاقة هذه ولا؟ ما فيه طاقة، عشرة أمتار في ساعة؟ يمكن
تكون الأرض صلبة، هذا لا طاقة لنا به، فتسأل الله أن لا يسلط عليك أحدًا أن يحملك
ما لا طاقة لك به، أو أن الله عز وجل بحكمته قد ينزل عليك مرضًا يشق عليك حتى
الحركة، أليس كذلك؟ طيب أو قد يبتليك الله تعالى بعسر البول، أو بعسر الغائط، أو ما
أشبه ذلك من الأمور التي لا طاقة لك بها، نحن الآن - ولله الحمد والمنة - نقول
تحدثا بنعمة الله يسهل علينا الأكل والشرب، نأكل هنيئا مريئا ميسر، وكذلك الخروج،
لكن يبتلى بعض الناس بأن لا يستطيع الأكل لا يستطيع الشرب، لا يستسيغ الأكل ولا
الشرب، إنسان آخر يفعل ذلك لكن يشق عليه خروجهما، إذن كل هذا داخل في قولك: رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، إذن
ما لا طاقة لنا به من التكاليف الشرعية وأيش بعد؟ والأمور القدرية.
وهنا نشوف
أصحاب سيبويه وأيش إعراب مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ؟
طالب: مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِما في محل نصب مفعول به.
الشيخ: أيش
مفعول به أيش؟
الطالب: تُؤَاخِذْنَا.
الشيخ: لا، تُؤَاخِذْنَاكيف؟
الطالب: وَلَا تُحَمِّلْنَا
الشيخ: مفعول
أول، ولَّا ثاني، ولَّا ثالث، ولَّا رابع؟
الطالب:
مفعول ثاني.
الشيخ: ثاني طيب.
الطالب: لَا، لا نافية.
الشيخ: نافية لأيش؟
الطالب: نافية
لـطَاقَةَ.
الشيخ: إيه لكن
وأيش نوع هذا النفي؟ طيب إذن عليك درجتان؟
طالب: ربنا
ولا تحملنا
الشيخ: لا، لا، نافية.
طالب: لا نافية للجنس.
الشيخ: طيب
وأيش عملها؟
الطالب: عملها عمل إن، نعم.
الشيخ: اصبر وش عمل إن؟
الطالب: عمل
إن تنصب الاسم وترفع الخبر، وطَاقَةَاسمها.
الشيخ: نعم.
الطالب: مبنية على
الفتح في محل نصب.
الشيخ: نعم.
الطالب: والجار والمجرور في محل رفع خبر.
الشيخ: أيهم؟ به ولا لنا؟
الطالب:
به.
الشيخ: طيب ولنا.
الطالب: الأول، الجار والمجرور الأول مَا لَا طَاقَةَ لَنَاأي: ما لا طاقة كائنة لنا.
الشيخ: صفة لطاقة؟ نعم، طيب.
ثم قال: وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا [البقرة: ٢٨٦] إلى آخره لما كان الإنسان له أحوال، بل له
حالان: حال مضت وحال مستقبلة، الحال التي مضت قد يكون مخلا بفعل الأوامر، وقد يكون
مرتكبا لفعل المحظور، والحال المستقبلة علمها عند الله، قال: وَاغْفِرْ لَنَاهذا في مقابل فعل المحظور يعني اغفر لنا
الذنوب التي فعلناها، اغفر لنا الذنوب التي عملناها، والإنسان لا يخلو من ذنب «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ
التَّوَّابُونَ» والذنوب
قد تكون في القلوب، وقد تكون في اللسان، وقد تكون في الجوارح، أو يكون الإنسان قد
فرط في مأمور، فرط في مأمور قصر فيه، يقابله قوله: اعْفُ عَنَّافالعفو في مقابل التقصير في المأمور به، والمغفرة في مقابل أيش؟ فعل
المحظور، في مقابل فعل المحظور.
وَارْحَمْنَافي
المستقبل، يعني تفضل علينا بالرحمة؛ حتى لا نقع في فعل محظور أو في تهاون في مأمور،
وهذا أحسن من قول بعض المفسرين: إن هذه من باب التأكيد؛ لأن العفو والمغفرة كلها
محو الذنوب، والرحمة حصول المطلوب، نحن نقول: لا، للإنسان حالان: حال مضت وحال
مستقبلة، الحال الماضية إما أن يكون منه تقصير في مأمور، أو ارتكاب لمحظور.
اعْفُ عَنَّافي مقابل التقصير في المأمور، اغْفِرْ لَنَافي مقابل فعل المحظور، ارْحَمْنَابالنسبة للمستقبل حتى تعصمنا من المحظورات، وترك
المأمورات، فيكون هذا الدعاء شاملا، من أشمل ما يكون من الدعاء مثل هذا الدعاء.
لو أن رجلا قصر في الصلاة مثلا، ولم يصلها في أول الوقت، هذا نقول تقصير في
مأمور، لو التفت وهو يصلي هذا ارتكاب لمحظور لمنهي عنه؛ لأن الرسول صلى الله عليه
وسلم نهي عن الالتفات في الصلاة وإن
كان الالتفات هنا مكروها، لكنه منهي عنه.
أَنْتَ مَوْلَانَاالجملة هنا خبرية، الجملة خبرية مكونة من مبتدأ وخبر كلاهما
معرفة، توافقون على هذا ولَّا لا؟ توافقونني؟
طالب: لا
مبتدأ فقط.
طالب: لا يا شيخ مبتدأ وخبر.
الشيخ: الجملة اسمية خبرية مكونة من مبتدأ وخبر معرفتين، صح؟
الطلبة: صح.
الشيخ: إي
نعم، صح، وقد قال علماء البلاغة: إن الجملة المكونة من مبتدأ وخبر كلاهما معرفة
تفيد الحصر، فقوله: أَنْتَ مَوْلَانَاليست كقول: أنت
مولى لنا، قوله: أَنْتَ مَوْلَانَاتفيد أنه لا مولى
لنا غيرك، صح؟ طيب، لكن أنت مولى لنا ما تفيد هذا، تفيد إنك مولى من الموالي، تقول
للشخص: أنت حبيبي، وتقول: أنت حبيب لي، بينهما فرق ولَّا لا؟ نعم، الأول وأيش يدل
عليه؟ الحصر، والثاني لا يدل على الحصر، وتقول للكافر: أنت عدو لي، لا يفيد الحصر،
وتقول: أنت عدوي، يفيد الحصر؛ ولهذا قال الله عز وجل في المنافقين: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون: ٤] هم العدو كأنه
قال: لا عدو سواهم، ولا شك أن عداوة المنافق للمؤمن أشد من عداوة الكافر للمؤمن، أو
لا، صحيح؟ يا شيخ، المنافق يجيئك يقول أهلا وسهلا بالأخ الكريم المؤمن الصالح، هذا
المشكل، إي نعم، نقول: عداوة المنافق للمؤمن أشد من عداوة الكافر؛ لأن الكافر يبدي
عداوته ونتحرز منه، لكن البلاء كل البلاء هذا الذي يتقي، ويظهر أنه صديق وهو عدو،
إذن أَنْتَ مَوْلَانَاجملة خبرية تفيد الحصر ولَّا لا؟
نعم، تفيد الحصر، ولهذا قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ [محمد: ١١] حتى أولياؤهم يتولونهم ما ينفعونهم.
أَنْتَ مَوْلَانَاما معنى المولى؟ هل المراد بالمولى الناصر أو المتولي لجميع
شؤوننا؟ الثاني، الثاني أحسن؛ لأن الثاني يعم ويشمل، يعني: أنت المتولي لجميع
أمورنا، ومن تمام ولايتك لنا أنك لم تكلفنا إلا ما نطيق، وأنك ملجؤنا وملاذنا ومحل
دعوتنا ورغبتنا ورهبتنا، وأنك شرعت لنا هذا الدين الميسر، كل ما يترتب على هذه
الولاية فهو داخل في قوله: أَنْتَ مَوْلَانَا.
ثم
قال: فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَالفاء
هذه للتفريع، يعني: فبولايتك الخاصة انصرنا على القوم الكافرين، والولاية ولاية
الله عز وجل للخلق نوعان: ولاية خاصة، وولاية عامة، فالولاية الخاصة ولاية الله
للمؤمنين، والعامة ولايته لكل أحد، فالله تعالى ولي لكل أحد بمعنى تولي الأمور، أو
لا؟ كما قال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام: ٦١، ٦٢] هذه عامة، الخاصة: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢٥٧]، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا [محمد: ١١]، وهذه الخاصة فيها أيضًا خاص أخص، وهي ولاية
الله لرسوله مثل: أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [يوسف: ١٠١]، ومثل قوله تعالى: وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ [التحريم: ٤] هو وحده
عز وجل مولاه، والملائكة إلى آخره وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ.
إذن نقول: الولاية قسمان أو نوعان، ثم نقول: فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَانصرنا عليهم
يعني اجعل النصر لنا عليهم، والنصر على الكافرين يكون بأمرين: بالحجة والبيان،
وكذلك بالسيف والسلاح، يكون بالسيف والسلاح، أما السيف والسلاح فظاهر، وأما الحجة
والبيان فقد يجتمع كافر ومسلم، ويتناظران في أمر من أمور العقيدة، إذا لم ينصر الله
المسلم خذل وكان في هذا خذلان له وللدين الذي هو عليه، هذا النوع من النصر بالحجة
والبيان يتعين في المنافقين، المنافق الانتصار عليه مو بالسلاح، لكن بالحجة
والبيان؛ لأن المنافق يظهر أنه معك وأنه منك، ولهذا لما استئذن الرسول صلى الله
عليه وسلم في قتل المنافقين قال: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ
أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» مسلم
ظاهره أنه مثلك، ومشكلة لو نسلط سيوفنا على المنافقين ربما نقتل من هو مؤمن؛ لأن ما
في القلب ليس معلوما، إلا من أظهر نفاقه وتبين وظهر فهذا على القول الراجح يدعى
للإيمان، إن آمن وعلم حسن إيمانه ترك وإلا فلا، وقال بعض أهل العلم: لا يقبل إيمانه
المنافق ما نقبل إيمانه، لأيش؟ قال: لأنه من الأصل يظهر أيش؟ يظهر الإيمان وأنه
مؤمن، لو مسكناه وقلنا: تعال أُومِنْ وإلا قتلناك، وأيش يقول؟ يقول هو مؤمن، ما في
إشكال، أومن أنا أقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأقيم الصلاة،
ما تشفوني وأنا كل يوم آجي معكم؟، نعم، أوتي الزكاة، طيب، ونعطيكم عطيناكم الآن،
أصوم نعم، مشكل، لكن إذا علم يقينا أنه منافق بحيث إنه إذا لقي الذين آمنوا قال
آمنت، وإذا خلا إلى شياطينه قال إني معكم إنما أنا مستهزئ ألعب عليهم، إذا علمنا
هذا وثبت قتلناه، لكن هل تقبل توبته؟ المشهور من المذهب أن توبته لا تقبل وأنه
يقتل، فإن كان صادقا في توبته فأجره على الله، أجره على الله، وإن كان كاذبا فقد
وقع القتل محله ولَّا لا، والقول الثاني: إذا علمنا حقيقة أنه تاب رفعنا عنه القتل؛
لأن الله تعالى قال: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [النساء: ١٤٥، ١٤٦] لكن شوف في توبة المنافق ذكر قيود إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهأربعة شروط إذا تحققت فأولئك مع المؤمنين.
وقوله: انْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَهل المراد بالكافرين هنا الكافرون من بني آدم أو حتى من الشياطين؟ يشمل، يشمل
الكافرين من بني آدم والكافرين من الشياطين؛ لأن الشيطان كافر لا شك، فيكون في هذا
الدعاء دعاء بنصرك على الكافر من بني آدم، وعلى الكافر من الشياطين، فيكون بمنزلة
الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
الطالب: (...)؟
الشيخ: في ناس مرتكبين للمحظور لكن في فعل المأمور من
أحسن الناس، في ناس الآن يرابون، لكنهم من أحرص الناس على الصلاة والزكاة والصيام
والحج.
الطالب: (...) هو فعل المحظور.
الشيخ: لكن يقال ترك المأمور حتى فعل المحظور ترك لواجب الترك،
هي متلازمات لكن الفرق بينهما، المأمور ما طلب إيجاده، والمحظور ما طلب تركه وعدمه،
هذا الفرق ولا كلها متلازمات.
الطالب: من التفت في
الصلاة هل عليه إثم؟
الشيخ: لا ما عليه إثم إلا إذا
التفت بجميع بدنه، أما برأسه فليس عليه إثم، ولكنه مكروه إلا لحاجة.
طالب: شيخ، بعض الناس يتكلم على العقيدة النصرانية قال شريعة إذا
ضربك على خدك فألن له خدك الآخر وما إلى ذلك من الأشياء التي قد تكون مشروعة عندهم
هل يجوز تنقص شريعتهم بهذه الطريقة وإن كانت (...)؟
الشيخ: لا، من جهة أنها تنقص هي بالنسبة إلى تشريع الله ليست
ناقصة؛ لأنها موافقة للحكمة، لكن بالنسبة إلى أنها أغلال عليهم وآصار، إذا نظرنا
إليها مقارنة بالشريعة الإسلامية صارت ناقصة.
الطالب:
لكن هل يقال هذا الكلام أم لا؟
الشيخ: والله ما ندري
هذا على حسب نية قائله، إن كان قصده التعريض والقدح في شريعتهم فهذا لا يجوز؛ لأن
شريعتهم حين قيامها شريعة لله عز وجل.
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُوهذه أخذنا فوائدها، ناقشنا فيها؟ نعم، نناقش في الآية الأخيرة.
قوله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْأظن ناقشنا في
أولها أيضًا؟
قال: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَاإعراب رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا؟
طالب: (...)
الشيخ: حذفت منه ياء النداء، ما هي الفائدة والحكمة من حذف ياء
النداء؟
الطالب: (...)
الشيخ: اختصارا وتبركا بالبداءة باسم الله عز وجل طيب. أكثر ما
يكون التوسل في الدعاء بمقام الربوبية لماذا؟
طالب:
لأن الربوبية تشتمل على فعل الله عز وجل وتشتمل على كل ما يحيط بالإنسان.
الشيخ: صح؛ لأن إجابة الدعاء من متعلقات الفعل، من فعل الله وهذا
يتعلق بالربوبية أكثر من غيره من التوحيد.
قوله: إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَاما الفرق بينهما؟
طالب: النسيان هو ذهول القلب عن شيء معلوم، أما الخطأ فهو فعل
شيء أو مخالفة بغير قصد المخالف.
الشيخ: المخالفة بغير
قصد المخالف.
قوله: لَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًاإِصْرًا؟
طالب: (...)؟
الشيخ: الشيء الثقيل، نعم؟ طيب.
كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَاوأيش اللي
حمل على من قبلنا؟
طالب: (...).
الشيخ: لما أمر أن يتوبوا من عبادة العجل أن يقتلوا أنفسهم، وهذه
الأمة؟
الطالب: هذه الأمة إذا أرادوا أن يتوبوا
استغفروا الله ويتوبوا توبة نصوحًا (...).
الشيخ: نعم،
طيب قوله: لَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمَا لَا طَاقَةَ لَنَامن التكاليف الشرعية؟ أو من
البلايا والأقدار؟
طالب: كليهما.
الشيخ: طيب كيف ذلك في الأول، التكاليف الشرعية؟
الطالب: ما يحملنا ما لا نطيقه من العبادات من جميع العبادات
الشرعية.
الشيخ: طيب، والقدرية؟
الطالب: يقولون بأن لا تبتلينا بأمور لا نستطيع أن نصبر عليها.
الشيخ: مثل؟
الطالب: جميع
البلايا والمصائب.
الشيخ: مثل، مَثِّل؟
الطالب: مثل القتل.
الشيخ: نعم،
الفتن، حروب، الجوع، الخوف وغير ذلك.
وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَاما الفرق بين هذه الجمل الثلاث الدعائية؟
طالب: العفو هو المجاوزة عن الذنب.
الشيخ: لا، يعني متعلق هذه الأشياء الثلاثة؟ العفو يتعلق بأيش؟
طالب: بالذنوب
الشيخ:
كلها بالذنوب؟
طالب: العفو يتعلق بالتقصير في الطاعة
أن يعفو عنا فيما قصرنا في طاعته، الغفران يكون في الخطأ أو ارتكاب الذنوب.
الشيخ: صح.
الطالب: وَارْحَمْنَافي الآخرة
الشيخ:
في المستقبل.
الطالب: في المستقبل.
الشيخ: صح، يعني إذن العفو والمغفرة عما مضى، فالعفو يتعلق
بالتفريط في الواجب، والمغفرة بانتهاك المحرم، والرحمة في المستقبل بحيث تعصمنا من
الذنوب والمخالفات.
قوله: أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَما معنى قوله: مَوْلَانَا؟
طالب: معنى قوله
مَوْلَانَاليس لنا مولى غير الله.
الشيخ: إيه نعم، لكن وأيش معنى المولى؟
الطالب: الذي يناصرنا ويكون عونا لنا على (...)
الشيخ: المتولي لأمورنا، الناصر لنا على غيرنا طيب. هذه الجملة،
هل تفيد الحصر؟
طالب: نعم
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لتعرف
الطرفين
الشيخ: لتعرف الطرفين، أفلا يمكنك أن تأتي
بمثال تبين لنا هذا؟ عندكم كلمة واجد وكثير (...) لكن نبغي واحد بس، نبغي من الواجد
أن تحذف النقطة اللي في الأصل.
الطالب: (...)
الشيخ: لا، مثال من عندك ما هو بلازم من القرآن ومن
السنة.
الطالب: لو قال قائل: أنا المسلم (...).
الشيخ: أنا المسلم يعني وغيره ليس بمسلم.
الطالب: (...) أو أنت مثلًا حبيبي (...).
الشيخ: نعم، أخشى يقول: أنت حبيبي، إنه صاحب المطعم!! على كل حال
لو قلت مثلا: أنت ضارب أو أنت الضارب أو لا؟
طالب:
(...)
الشيخ: وين أيهم؟
طالب: (...).
الشيخ: لا ما هي بخطأ
طيب قوله: فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَالفاء وأيش معناها؟
طالب: تعقيب.
الشيخ: تعقيب؟ لا.
طالب: تفريع
الشيخ: تفريع يعني فبسبب ولايتك نسألك أن تنصرنا على
القوم الكافرين.
نأخذ الفوائد، قال الله عز وجل: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخره
من فوائد هذه الآية
الكريمة: أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مكلف بالإيمان بما أنزل
إليه؛ لأن قوله: آمَنَ الرَّسُولُهذا خبر يقتضي أن
يكون وصفا له إن لم نقل إنه بمعنى الأمر، كذا؟ طيب. وقد مر علينا في البخاري أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ
اللَّهِ» في قصة دين
والد جابر رضي الله عنه.
من فوائد الآية الكريمة:
أن القرآن كلام الله؛ لقوله: بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِوالمنزل هو الوحي، والكلام وصف لا يقوم إلا بمتكلم، لا يمكن أن
يقوم بنفسه، وعلى هذا فيكون في الآية دليل على أن القرآن كلام الله، الوحي الذي
أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الآية
أيضًا: إثبات علو الله؛ لأن النزول لا يكون إلا من أعلى بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ.
ومن
فوائدها: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: الرَّسُولُ، وفي قوله: بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ.
ومن فوائدها
أيضًا: عظم ربوبية الله وأخصيتها بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛
حيث قال: بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ.
ويتفرع على ذلك: أن الله سبحانه وتعالى سينصره؛
لأن الربوبية الخاصة تقتضي ذلك، لا سيما وأنه سوف يبلغ ما أنزل إليه من ربه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمنين تبع لرسولهم
صلى الله عليه وسلم، حيث قال: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ، وجه التبعية: أنه ذكر المؤمَن به
قبل أن يذكر التابع، يعني ما قال: آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه، وهذا يدل
على أنهم أتباع للرسول عليه الصلاة والسلام لا يستقلون بشريعة دونه.
ومن فوائدها أيضًا: أنه كلما كان الإنسان أقوى إيمانا
بالرسول صلى الله عليه وسلم كان أشد اتباعا له، وجهه؟ أنه قال: بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَيعني:
آمنوا بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم من ربه، وعليه فكل من كان أقوى إيمانا
كان أشد اتباعا.
ومن فوائدها أيضًا: أن إيمان
الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين شامل لكل أصول الدين؛ لقوله: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، كذا؟ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ.
ويبقى عندنا إشكال وهو أنه لم
يذكر الإيمان باليوم الآخر والإيمان بالقدر؟
والجواب على ذلك: أنه في ضمن
الإيمان بالكتب والرسل؛ لأن الإيمان بالقدر والإيمان باليوم الآخر مما جاءت به
الكتب والرسل، فيكون داخلا في ضمن الإيمان بالرسل والإيمان بالكتب.
من فوائد الآية الكريمة: إثبات الملائكة؛ لقوله: وَمَلَائِكَتِهِ. ووجوب الإيمان بهم؛ لقوله: كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وقد سبق لنا في
التفسير عن كيفية الإيمان بهم: أن نؤمن بأسمائهم ما علمنا منها، وبأوصافهم
وبأعمالهم وأيش بعد؟ وبوظائفهم، الأعمال الخاصة بهم، والوظائف التي يقومون بها
كالكتبة وحفاظ بني آدم وما أشبه ذلك، والأعمال التي يقومون بها على وجه خاص كالذين
يذكرون ويسجدون وما أشبه ذلك.
ومن فوائد الآية
الكريمة: أن الإيمان بالرسل ليس فيه تفريق، لا نقول مثلا: نؤمن بمحمد عليه
الصلاة والسلام، ولكن لا نؤمن بعيسى؛ لأن عيسى من بني إسرائيل، لا، نحن لا نفرق بين
الرسل، وقد سبق لنا معنى قوله: لَا نُفَرِّقُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من صفات المؤمنين
السمع والطاعة؛ لقوله: وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، وذكرنا في التفسير أن الناس ينقسمون في هذا المقام إلى ثلاثة
أقسام: معرض لا يسمع ولا يطيع، والثاني: سامع مطيع عكسه، والثالث: سامع غير مطيع
وهذا أشد من الأول.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن
كل أحد محتاج إلى مغفرة الله؛ لقوله: غُفْرَانَكَفكل
إنسان محتاج إلى المغفرة حتى النبي عليه الصلاة والسلام محتاج إلى المغفرة؛ ولهذا
لما قال عليه الصلاة والسلام: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ
أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:
«وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ
بِرَحْمَتِهِ» ،
وقال الله تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح: ١، ٢] كل إنسان محتاج إلى المغفرة، ومن ذهب من أهل العلم إلى أن الرسول صلى
الله عليه وسلم لا يقع منه الذنب، وأن الاستغفار الذي يقع منه إنما هو للتعليم فقط،
فقد أبعد النجعة، كما أن من قال: إن الاستغفار الذي كان الرسول يقوم به كان
استغفارًا لذنوب أمته. وهذا أيضًا خطأ؛ لأن الله قال له: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد: ١٩] فخص ذنبه، ثم قال: وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، واعلم أن الإنسان قد يكون بعد الذنب أعلى مقاما منه قبل
الذنب؛ لأنه قبل الذنب قد يكون مستمرئا للحال التي عليها، وماشيا على ما هو عليه
معتقدا أنه كامل، وأنه ليس عليه ذنوب، فإذا أذنب وأحس بذنبه رجع إلى الله، وأناب
إليه، وأخبت إليه فيزداد إيمانا ويزداد مقاما، ويرتفع مقامه عند الله عز وجل؛ ولهذا
قال الله تعالى في آدم: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ [طه: ١٢١، ١٢٢] فجعل الاجتباء بعد هذه المعصية،
اجتباه فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى، وهذا كثيرا ما يقع،
إذا أذنب الإنسان عرف قدر نفسه وأنه محتاج إلى الله ورجع إلى الله وأحس بالخطيئة
وأكثر من الاستغفار وصار مقامه بعد الذنب أعلى من مقامه قبل الذنب.
من فوائد الآية الكريمة: إثبات أن المصير إلى الله عز وجل في
كل شيء؛ لقوله: وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُوقد سبق لنا في
التفسير أن المراد بذلك المصير إلى الله في الآخرة والمصير إلى الله في الدنيا
أيضًا فهو الذي يحكم بين الناس وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: ١٠].
ثم قال عز وجل لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاإلى آخره.
يستفاد من هذه الآية الكريمة بيان رحمة الله
سبحانه وتعالى بعباده؛ حيث لا يكلفهم إلا ما استطاعوه ولو شاء أن يكلفهم ما لم
يستطيعوا لفعل، فإذا قال قائل: كيف يفعل وهم لا يستطيعون، وما الفائدة أن يأمرهم
بشيء لا يستطيعون؟ قلنا: الفائدة أن يعاقبهم على عدم الفعل، هذه هي الفائدة، أنه لو
كلفهم بما لا يستطيعون وعجزوا عاقبهم على ذلك، لكن من رحمته سبحانه وتعالى أن ما لا
نستطيع فإننا لا نكلف به، وهذه قاعدة عظيمة من أصول الشريعة لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاولها نظائر في القرآن وكذلك في
السنة.
من فوائدها: إثبات القاعدة المشهورة عند
أهل العلم وهي: لا واجب مع عجز، ولا محرم مع الضرورة انتبه، لكن إن كان الواجب
المعجوز عنه له بدل وجب الانتقال إلى بدله، فإن لم يكن له بدل سقط، وإن عجز عن بدله
وهو له بدل سقط كذا ولَّا لا؟ مثال ذلك إذا عجز عن الطهارة بالماء سقط عنه وجوب
التطهر بالماء، لكن ينتقل إلى التيمم فإن عجز سقط التيمم أيضًا، لو كان شخصا محبوسا
مكبلا لا يستطيع أن يتيمم ولا أن يتوضأ، قلنا: صل على حسب حالك بدون وضوء وبدون
تيمم، واضح؟ طيب.
رجل قاتلٌ نفسًا خطأ قلنا له: عليك أن تعتق رقبة قال: لا أجد،
عليك أن تصوم شهرين متتابعين قال: لا أستطيع. ماذا نقول؟ يسقط عنه حتى لو كان عنده
من الدراهم الشيء الكثير فإنه لا يجب عليه الإطعام.
رجل جامع زوجته في نهار
رمضان، قلنا له أيش: أعتق رقبة. قال: لا أجد. صم شهرين متتابعين. قال: لا أستطيع.
أطعم ستين مسكينا. قال: لا أجد. ماذا نقول؟ نقول: لا شيء عليك. إذن القاعدة لا واجب
مع عجز أخذ من هذه الآية.
رجل جاء والصف تام ما يستطيع أن يصف بين الناس، نقول:
صل وحدك خلف الصف؛ لأن واجب المصافة الآن عجزت عنه، فيسقط عنك.
إنسان لا يستطيع
أن يصلي قائما في الفريضة، نقول: صل قاعدا. قال: لا أستطيع. صل على جنب قال: لا
أستطيع ما عندي حركة إطلاقا. نقول: صل بقلبك. فالقاعدة هذه والحمد لله مطردة لا
تنخرم أبدا.
المحظورات نقول: لا محظور مع الضرورة، أو لا محرم مع الضرورة، لكن
بشرط انتبه، كلمة ضرورة تعني أنه لا يمكن الاستغناء عن هذا المحرم، الشيء الثاني
يشترط مع كونه لا استغناء عن هذا المحرم أن تندفع ضرورته به، فإن لم تندفع فلا
فائدة، وإذا عرفت أنه لا بد من هذه الشرطين ما هما: أن لا يمكن الاستغناء عنه
بغيره. الثاني: أن تندفع ضرورته به، فحينئذ لا محرم، يكون حلالا له.
رجل اضطر
إلى أكل الميتة، يأكلها؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: حلالا؟ ولا يأثم؟
طلبة: ولا يأثم.
الشيخ: ولا يأثم؛ لأنه لا استغناء له عنها؛ ولأنه إذا أكل انتفع،
اندفعت الضرورة.
رجل اضطر إلى التداوي بمحرم؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز،
كيف؟
الطلبة: (...).
الشيخ: لا، لا يجوز، أولا لأنه يمكن أن يستغني عنه بغيره، في
أدوية كثيرة غيره؛ ولأنه لو تداوى به فقد تندفع ضرورته به ويشفى وقد لا تندفع،
فيكون ارتكب محرما متيقنا لرجاء منفعة غير متيقنة، ولهذا لا يجوز بالإضافة إلى
الأحاديث الواردة في هذا، طيب إذن هذه تخرم القاعدة أو لا؟ لا تخرم القاعدة؛ لأنها
ما دخلت أصلا حتى تكون خارمة لها.
طالب: طالب: يعني
مثلًا واحد أكل شيء ما مثل (...).
الشيخ: أولًا هذا
ممنوع (...) السؤال ولَّا لا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إيه، لكن هو الآن سيورد نقضا لقاعدتنا الظاهر
قصده، يقول: رجل غص بلقمة دور ما وجد إلا خمر، يعني ضاقت الدنيا ما لقي إلا كأس خمر
ولا يوجد كأس ماء؟! لكن على كل حال ماذا نصنع؟ يشرب منه بقدر ما يدفع اللقمة فقط؛
لأن الشرط تم، لا يمكن أن يستغني عنه، ما عنده غيره، وتندفع به الضرورة، واضح؟
طالب: ولا ينقض القاعدة يا شيخ؛ لأنه هو المشروب هذا
ما هو المقصود به العلاج ولكن دفع اللقمة فقط.
الشيخ:
إي نعم ما هو داخل.
محرم يحتاج إلى حلق رأسه، اضطر إلى ذلك؛ لدفع أذى، فحلقه
يجوز ولَّا لا؟ نعم لا محرم مع الضرورة، يجوز، يأتي بالموسى، ويحلقه وهو مستريح
البال، لكن أوجب الله عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك، كيف ذلك؟ قال العلماء: لأن
هذا الذي انتهك هذا المحرم ما انتهكه لضرورة إليه نفسه، لكن لدفع ضرورته به، ولهذا
القاعدة عندهم الفقهية: من أتلف شيئا لدفع أذاه فلا ضمان، ومن أتلف شيئا لدفع أذاه
به ضمنه، هذه القاعدة، من أتلف شيئا لدفع أذاه لم يضمنه ومن أتلفه لدفع أذاه به
ضمنه، كلام معلوم؟ من أتلف شيئا لدفع أذاه لم يضمنه، صال عليك صيد وأنت محرم والصيد
يحرم على المحرم قتله، أليس كذلك؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة: ٩٥] خفت على
نفسك، ولم يندفع هذا الصيد إلا بقتله فقتلته، عليك ضمان؟ لا؛ لأنك دفعت أذاه، فهو
الذي أسقط حرمته بالأذى، واضح؟
جعت واحتجت إلى قتل الصيد لتأكله فقتلته وأكلته،
قتلك إياه حلال؛ لأنك مضطر، لكنك تضمنه، لماذا؟ لأنك لم تقتله لدفع أذاه ولكن لدفع
أذاك به، لدفع أذاك وتضررك به، المحرم إذا حلق رأسه لإزالة القمل، فهنا ما حلق
الشعر من أجل الشعر، الشعر ما جاءه منه مضرة، لكنه حلقه لأيش؟ لدفع أذاه به؛ لأنه
إذا حلقه ذهب القمل، صار نظيفا ولا فيه ظل يستظل به القمل فاستفاد، ولهذا أوجب الله
فيه الفدية من صيام أو صدقة أو نسك؛ لأنه أتلفه لدفع أذاه به؛ ولهذا يقول الفقهاء:
إذا نزلت شعرة بعينه ثم نقشها بالمنقاش لدفع أذاها فهل يضمن؟ يقولون: لا يضمن وهذا
يقع كثيرا أظن بس ما أدري الآن قليل هذا، كنا نعرف فيما سبق في الجفن هنا يخرج من
داخله شعرات تؤذي العين ونراهم كثيرا ما يمسكون الرجل، ثم يفصل الجفن هكذا ومعه
منقاش ينقش الشعرات، نقول: هذا لدفع أذاها فلا ضمان، وهذا بناء على أن شعر غير
الرأس كشعر الرأس تحرم إزالته في حال الإحرام، وقد سبق لنا في باب محظورات الإحرام
أن الصحيح: أن التحريم خاص بشعر الرأس فقط، أما غيره من الشعور فليس فيه التحريم،
ما عليه دليل على تحريم إزالته في حال الإحرام.
الخلاصة الآن أخذنا من هذه
الآية الكريمة: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاقاعدتين متفق عليهما وهما: لا واجب مع العجز، ولا محرم مع
الضرورة، ولكنا قلنا في الواجب: إذا كان له بدل نتحول إلى بدله، فإن عجزنا سقط.
طالب: القاعدة الثانية شيخ؟
الشيخ: نعم، القاعدة الثانية: لا محرم مع الضرورة، ولكنا قلنا،
إنه يجب أن نعلم ما معنى الضرورة؟ قلنا: الضرورة هو أن لا يستغني عنه، أي عن فعل
هذا المحرم، ويشترط أن تندفع ضرورته به وإلا فلا، ثم أتينا بقاعدة عارضة وهي: إذا
أتلف الإنسان شيئا يحرم عليه إتلافه مع اضطراره إليه، قلنا: لا يأثم، الإثم لا
يأثم، لكن هل عليه الضمان؟ فيه التفصيل: إن أتلفه لدفع أذاه فلا ضمان، وإن أتلفه
لدفع أذاه به ضمنه، وقد ذكرنا الأمثلة لهذا.
من فوائد الآية الكريمة: أن
الإنسان لا يحمل وزر غيره؛ لقوله: وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ، وأن الإنسان قد ينتفع بسعي غيره؛ لقوله: لَهَا مَا كَسَبَتْ؛ لأن لَهَا مَا كَسَبَتْيشمل ما كسبه الإنسان بعمله وما كسبه بعمل غيره، وأما الاكتساب
فلا يتحمل الإنسان إثم غيره.
فإن قلت: يرد عليك أنه ثبت عن النبي صلى الله عليه
وسلم: أن «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا
وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ؟
فالجواب: أن هذا لا يرد؛ لأن الذي فعلها أولا اقتدى الناس به، فكان اقتداؤهم به
من آثار فعله، كان من آثار فعله، ولهذا يكون هو المتسبب، وهو الدال على هذا الفعل
المحرم فيكون مكتسبا له.
استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن القُرَب لا تصل
إلى الأموات كما استدلوا بقوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم: ٣٩] فهل هذا الاستدلال وجيه؟ نقول:
نعم، هو عندهم وجيه؛ لأن الله أضاف الفعل إلى الفاعل: لَهَا مَا كَسَبَتْوالقرب التي فعلها الغير، الكاسب لها هو الغير، فلو أن الإنسان
صلى، وقال: اللهم إني أصلي لفلان فاجعل ثوابها له، يقولون: هذا لا ينتفع به فلان،
لا ينتفع به، لو تصدق وقال: اللهم إن صدقتي هذه لفلان فاجعل ثوابها له، يقولون: لا
ينفع إلا أنهم يستثنون ما جاء به النص؛ لأن الله يقول: لَهَا مَا كَسَبَتْوَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى.
ولكن الصحيح خلاف ذلك، وأن الإنسان إذا نوى بالعمل الصالح أن
يكون لغيره فإن غيره ينتفع به، ولنا بذلك أدلة، منها: حديث سعد بن عبادة رضي الله
عنه أنه كان له مِخْرافٌ -يعني بستان- فأرادَ أن يتصدّقَ به عن
أمِّه، فسألَ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فقال: «نَعَمْ»، وأذِنَ له
به .
ومنها
أيضًا: أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا
رسولَ الله إنّ أمّي افتُلتَتْ نفسُها وأظنّها لو تكلمتْ لتصدقتْ أفأتصدّقُ عنها؟
قال: «نَعَمْ» .
ومنها: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ
وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» .
ومنها: أن امرأةً سألتِ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن أبٍ
لها أدركته فريضةُ الله وهو لا يستطيعُ الركوبَ على الراحلة، واستأذنته أن تحجّ عنه
فأذِنَ لها ،
والأمثلة في هذا كثيرة.
فإن قالوا: ما ورد به النص نقتصر عليه، وما لم يرد به
لا ندخله، فالجواب أن يقال: إن هذه قضايا أعيان، وقضايا الأعيان لا تمنع غيرها أن
يثبت له حكمها بالقياس؛ لأن الذي أذن لسعد بن عبادة مثلا وللرجل الآخر أن يتصدقا عن
أمهما، لو جاءه سائل، وقال: يا رسول الله، أرأيت لو قرأت قرآنا أو صليت ركعتين
أجعلها لأمي ما ندري هل يقول لا أو لا يقول، ومقتضى الدليل أن يقول: نعم؛ لأن الكل
عمل صالح، ولا فرق بين صدقة وصوم وحج وقراءة قرآن وصلاة لا فرق بينها، إن قالوا
الصدقة عمل مالي أو قربة مالية ينتفع بها الغير، قلنا: الحج هل هو قربة مالية ولَّا
بدنية؟ بدنية، الصوم قربة بدنية، ومع ذلك أجازه الشارع، والتفريق بين البدني
والمالي لا دليل عليه أبدا، وحينئذ نقول: إن الإنسان إذا نوى بالعمل الصالح أن يكون
ثوابه لفلان فله ذلك ويصل إليه وينتفع به.
فإذا قال قائل: إذا قلتم ذلك، فهل
يشرع أن نجعل ثواب ما عملناه لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ مثل ما يوجد في بعض
المصاحف في آخر المصحف دعاء ختم القرآن: اللهم اجعل ثواب ما قرأناه وتلوناه وكذا
وكذا لروح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولروح آل سيدنا محمد ولكذا ولكذا، فهل من
المشروع أن نقول: إنه ينبغي للإنسان أن يهدي القرب إلى أعظم الناس حقا عليه وهو
رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
الجواب: لا، لا يشرع أبدا، لماذا؟ لأنك مهما
عملت من عمل، فإن ثواب العمل هذا يصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أهديته أم لم
تهد؛ لأنه هو الدال على هذا العمل، فليس بحاجة، وأنت إذا أهديت ثواب عملك إليه
فحقيقة الأمر أنك حرمت نفسك من ثواب هذا العمل؛ لأن ثواب هذا العمل حاصل للرسول
عليه الصلاة والسلام، إذن ليس بمشروع.
هل يشرع أن أهدي الثواب لأقاربي؟
للأقارب؟ يقول بعض العلماء: لا يشرع؛ لأن هذا إنما ورد في الأصل، يعني في الأصول،
ورد في الأصول، فنقول له: هذا خطأ، الذي ورد في الأصول ليس قولًا يفيد العموم
للأمة، إنما هي قضية عين، سعد بن عبادة استأذن أن يجعل ذلك لأمه، والرجل الآخر
استأذن أن يكون لأمه، لكن قل أو ماذا تقول في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» ؟
يشمل أمه وأباه وأخاه وعمه وكل من كان يتولى أمره، فتخصيص هذا بالأبوين ليس عليه
دليل.
إذا قال قائل: هل من المشروع أن أهدي الثواب للأقارب من آباء أو غيرهم؟
فالجواب: لا، ليس من المشروع، لكنه من الأمور الجائزة، التي لم يمنع منها رسول صلى
الله عليه وسلم، ومع كونه لم يمنع منها أرشد إلى ما هو أهم وأولى، وهو الدعاء؛ حيث
قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ
ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ
وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» شوف تأمل الآن سياق
الحديث في العمل ولَّا لا؟ في العمل، «إِذَا مَاتَ
الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ»، وعدل عن قوله: أو ولد صالح يعمل له، إلى
قوله: «أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» وهذه إشارة
واضحة إلى أن العمل للغير ليس بمطلوب من الإنسان، الدعاء أفضل؛ ولذلك لا نجد هذا
موجودا بكثرة في عهد الصحابة رضي الله عنهم مع حرصهم على الخير والإحسان، وبه نعرف
أن ما يفعله كثير من الناس اليوم بإهداء القرب إلى الأموات، وكونه إذا أهدى القربة
إلى الميت يحسنها أكثر مما إذا فعلها لنفسه كما هو مشاهد، نعرف أن هذا من سوء
التصرف وعدم الفقه في دين الله عز وجل.
طالب: هل يجوز
إهداء الثواب (...) للوالدين وهم أحياء؟
الشيخ: إي
نعم، يجوز إلا فيما يشترط فيه أن يباشروا فعله مثل الصلاة، مثلا صلاة الفريضة لو
قال: بأصلي عن أبي؛ لأنه يتعب. ما صح.
طالب: شيخ، قلنا
يا شيخ في لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاأن الله سبحانه وتعالى لو شاء لكلف الناس غير وسعها، لكن يا شيخ
قلنا في موضع آخر: إن الله سبحانه وتعالى لا يشاء شيء إلا لحكمة؛ لقوله تعالى:
وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ [الإنسان: 30].
الشيخ: أحسنت، إي نعم.
الطالب: عدم
يعني تكليف الإنسان ما لا يستطيع (...).
الشيخ: ما صار
هذا، ما صار حتى نذهب إلى أن نشوف وجهه، نقول: لو شاء، وذكرنا الحكمة، قلنا الحكمة
من ذلك أن يعاقبهم إذا أبَوْا.
طالب: الحكمة أن الله
سبحانه وتعالى يعاقبهم عليها، ولكن الله سبحانه وتعالى يعاقب النفس على شيء -يعني
لا تستطيع- الله سبحانه وتعالى يعلم أنها لا تستطيع (...) العدل.
الشيخ: هو لهذا صار غير موجود؛ ولهذا نحن نقول هذا من فضل الله
علينا، يعني: لو قلنا بأن هذا ممتنع ما صار فيه فضل وصار كل ما دل على (...)
التكليف الشاق يصير ما فيه فضل، إحنا نقول: هذا فيه فضل.
الطالب: إي نعم، فضل من ناحية يعني تكليف العبادة.
الشيخ: طيب، إذن من فضل الله أنه لم يكلف ما لا يستطيعه العبد.
الطالب: لكن الفضل يعود على تمام عدل الله سبحانه
وتعالى.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (...) ممتنع.
الشيخ: هذه
إحنا نقول: ممتنعة الآن.
طالب: تفسير الآية قوله
تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم: ٣٩]؟
الشيخ: بيجينا، إن شاء الله الجواب
عليها.
الطالب: (...)
الشيخ: أقول بيجينا إن شاء الله الجواب على هذا على أدلتهم اللي
قالوا ما ينتفع بعمل غيره، إحنا ذكرنا أدلة القائلين بأنه ينتفع، وسنجيب إن شاء
الله تعالى عن أدلة القائلين بأنه لا ينتفع.
طالب: يا
شيخنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ
انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ» أو ولد صالح يدعو له قول النبي صلى
الله عليه وسلم: انقطع معناه العمل ما يأتيه (...) ولا ينتفع من غيره، بل الدعاء
وبولده (...)؟
الشيخ: نعم لا ما في إشكال هذا استثناء
منقطع، ما تعرف الاستثناء المنقطع؟ يكون الاستثناء من غير جنس المستثنى منه.
الطالب: كيف يكون المعنى؟
الشيخ: يعني معنى الحديث: إن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من
صدقة جارية أو علم ينتفع به هذا واضح، هذا من عمله، أو ولد صالح يدعو له هذا
استثناء منقطع، يعني لكن إن دعا له ولد صالح انتفع به.
طالب: الحديث الذي ورد في سبب نزول هذه الآيات آمَنَ الرَّسُولُأتى الصحابة، وقالوا: كلفنا ما لا نطيق،
وأنزلت آية لا نطيقها، وهي هذه الآية، هل هذا فيه دليل على جواز التكليف بما لا
يطاق؟ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقرهم، ما قال لهم لا، «قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا» (...).
الشيخ: لما نزلت يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران: ١٠٢] هو الحقيقة إن
هذا وإن سماه بعض العلماء نسخا، فهو نسخ باصطلاح المتقدمين، يعني تخصيص، وإن كان
بعضهم أطلق عليه النسخ والصحيح أنه ما هو بنسخ، إنه من باب التخصيص.
طالب: لما نزلت: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُأتوا قالوا يا
رسول الله: لا نطيقها، فهنا قالوا: لا نطيقها، والرسول صلى الله عليه وسلم قال:
«قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا».
الشيخ: إي مرادهم بعدم الإطاقة يعني: أنه يأتي على قلوبنا شيء ما
نستطيع دفعه، هذا بعمل القلب، يعني إذا أتى القلب شيء ما يمكن دفعه، ما يمكنه دفعه
لا يطيقه.
الطالب: يعني ما فيه دليل على هذا؟
الشيخ: ما فيه دليل، قد يكون مرادهم بهذا المشقة
الشديدة في التحرز منه.
طالب: شيخ، قراءة القرآن يعني
إذا كان عام من غير تخصيص يعني (...)؟
الشيخ: إي نعم،
إلا ما ورد به النص يعني: مثل لو قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌوخصصها للميت ما فيها شيء؛ لأنها تعدل ثلث القرآن، وكذلك الفاتحة
أعظم سورة في كتاب الله.
طالب: شيخ، حديث الرسول صلة
الله عليه وسلم، «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا
ثلاثة» وذكر صدقة جارية، فلو اكتسب الإنسان يعني، واهب بنى ملاهي مثلا،
ومات، هل الملاهي هذا من دخل فيه يعني ارتكب إثم، هل هذا الإثم يجد وزره؟
الشيخ: إي نعم، نعم، نعم.
الطالب:
إذن هذا ما انقطع عمله؟
الشيخ: هذا ما هي الصدقة
الجارية، هذا عقوبة جارية.
طالب: شيخ، بالنسبة إذا تاب
الإنسان وعنده عمل سيئ وسنه للناس (...) ولكنه تاب أليس..؟
الشيخ: يجب عليه كسر الصنم هذا.
الطالب: ما استطاع.
الشيخ: إذا ما
استطاع سقط عنه التكليف إي نعم.
طالب: قوله تعالى:
رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِما يدخل تحت قول الله تعالى: «قد فعلت»؟
الشيخ: كل هذه الجمل يقول: «قد
فعلت».
الطالب: قول الله: وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِتدخل التكاليف
الشرعية والقدرية؟
الشيخ: إي نعم نعم.
الطالب: (...) ما لا طاقة لهم به.
الشيخ: لا، أنت الآن تدعو فهمت ولَّا لا؟ تدعو الله سبحانه
وتعالى بذلك، فإذا دعوت الله تعالى بصدق فإن هذه المصائب التي قد لا يطيقها بعض
الناس أنت يحملك الله إياها، وتكون عندك سهلة مثل يوم القيامة على المؤمنين يسير،
وعلى الكافرين غير يسير.
الطالب: إذا حصلت على
الإنسان؟
الشيخ: إذا حصلت قد تيسر عليه وكأنها ليست
بشيء.
الطالب: إذا ما يسرت إما إنه ما دعا، أو إنه ما
دعا..
الشيخ: أو إنه ما دعا بإخلاص، أو لغير ذلك.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة: ٢٨٦].
أخذنا من هذه الآية عدة فوائد:
منها: يسر الدين الإسلامي، من أين أخذ؟ من قوله: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.
ثانيا: أن العبادات تتنوع بحسب حال المكلف، فقد نلزم هذا
الرجل أن يصلي قائما مثلًا، ولا نلزم الآخر، نلزم هذا أن ينفق، ولا نلزم الثاني،
نلزم هذا بالجهاد، ولا نلزم الثاني وهكذا، فالتكليفات تتنوع بحسب المخاطب أو بحسب
المكلف.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن للإنسان طاقة
محدودة؛ لقوله: إِلَّا وُسْعَهَافالإنسان له طاقة
محدودة في كل شيء، في العلم والقدرة، والفهم، والحفظ، كل شيء له طاقة محدودة كلف
بحسب طاقته.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن للإنسان
ما كسب مباشرة أو بواسطة غيره؛ لقوله تعالى: لَهَا مَا كَسَبَتْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه
لا يمكن للإنسان أن يظلم ببخس حسنة واحدة من حسناته؛ بدليل قوله: مَا كَسَبَتْومَاهذه اسم موصول
تفيد العموم، أي كل ما كسبت.
ومن فوائد الآية الكريمة
أيضًا: أن على الإنسان وزر ما اكتسب؛ لقوله: مَا اكْتَسَبَتْ.
ويتفرع على اختلاف التعبير
أنه لا يؤاخذ بالهم بالسيئة؛ لقوله: اكتسب والتاء تدل على أيش؟ على الفعل والمباشرة
بخلاف الثواب في الأعمال الصالحة، فإن الإنسان يثاب على نيته؛ ولهذا قال: مَا كَسَبَتْ.
ومنها: أنه لا
يجوز أن يحمل الإنسان غيره وزر نفسه، ويجوز أن يجعل ثواب العمل الصالح لغيره، من
قوله: وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ، فلو أن الإنسان عمل
عملا محرما وقال: اللهم اكتب وزر هذا على عدوي فلان، يمكن؟
الطلبة: ما يمكن.
الشيخ: طيب، عمل
عملا صالحا وقال: اللهم اكتب أجر هذا لأبي أو أخي أو لفلان من الناس؟ هذا يصح، وهذا
هو الفائدة من قوله: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن
الأعمال الصالحة كسب، والأعمال السيئة غرم؛ وذلك مأخوذ من قوله: لَهَا، ومن قوله: عَلَيْهَا، فإن
على ظاهرة في أنها غرم، واللام ظاهرة في أنها كسب.
ومن
فوائد الآية الكريمة: رحمة الله سبحانه وتعالى بالخلق؛ حيث علمهم دعاء
يدعونه به واستجاب لهم إياه، في قوله: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا.
ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يتوسل في الدعاء بالوصف
المناسب، مثل الربوبية التي بها الخلق والتدبير؛ ولهذا أكثر الأدعية اللي في القرآن
كلها مصدرة بوصف الربوبية مثل: ربنا، أو رب، وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح: ٢٦]،
وقال إبراهيم: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ [إبراهيم: ٣٦] وما أشبه ذلك.
ومن فوائد
الآية الكريمة: رفع المؤاخذة بالنسيان والجهل؛ لقوله: لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، فقال الله
تعالى: «قَدْ فَعَلْتُ».
وهل يلزم من رفع الإعادة
سقوط الطلب؟ الجواب: لا، لا يلزم من رفع المؤاخذة سقوط الطلب، فمن ترك الواجب
نسيانا أو جهلا وجبت عليه إعادته، ولم يسقط الطلب، بل وجب عليه فعله، ولم يسقط
الطلب به؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه قال: «مَنْ
نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ،
ولما صلى الرجل الذي لا يطمئن في صلاته، قال له: «ارْجِعْ
فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ولم
يعذره بالجهل مع أنه لا يحسن غير هذا، إذن فعدم المؤاخذة بالنسيان والجهل أيش؟ لا
يسقط الطلب، وهل يرفع إثم النهي؟ الجواب: نعم يرفع إثم النهي، وهل يصح أن نقول: إنه
في النهي لا يسقط الطلب؟ يصح، كيف لا يسقط الطلب؟ لأن النهي مطلوب تركه، فإذا فعلته
ناسيا أو جاهلا، لم يرتفع الحكم بل الحكم باق وطلبُ تركه مطلوب باق، لكن الفرق بين
النهي والأمر: أن الأمر يطلب به الإيجاد، والنهي يطلب به الترك، فهذا الرجل الذي
فعل المحرم جاهلا أو ناسيا نقول: كأنك لم تفعله، إذن إذا كان يترتب على هذا المنهي
عنه بطلان العبادة فإن العبادة لا تبطل، إذا كان يترتب عليه كفارة فإن الكفارة لا
تثبت، لماذا؟ لأنه قد رفعت فيه المؤاخذة عن هذا الفعل المحرم، وإذا رفعت المؤاخذة
فيه صار وجوده أيش؟ كالعدم كأن لم يكن شيء، ولهذا نقول: لو أكل الإنسان وهو صائم
ناسيا فصومه صحيح كما دلت عليه السنة، ولو أكل جاهلا يظن أن الشمس قد غربت، ثم تبين
أنها لم تغرب، فصومه صحيح كما جاءت به السنة، ولو جامع جاهلا أن الجماع يفسد الصوم؟
طالب: (...)
الشيخ:
انتبه، جاهلا أنه يفسد الصوم، لكنه عالم أنه حرام، هذا ما دام عنده علم فلا يشترط
العلم بما يترتب على المحرم، ليس بشرط ما دمت تعلم أنه محرم يترتب عليك أثره، فلو
جامع يعرف أن الجماع حرام، لكن لم يعلم أن عليه هذه الكفارة المغلظة، قلنا: إن
الكفارة واجبة عليك؛ لأنك انتهكت المحرم عالما به، أفهمتم الآن؟ طيب ولذلك لم يسقط
النبي صلى الله عليه وسلم الكفارة عن الذي جامع في رمضان مع أنه لا يدري ماذا عليه،
جاي يسأل وأيش عليه، لكنه يعرف أنه حرام بخلاف الإنسان الذي لم يعلم أنه حرام فهذا
ليس عليه إثم ولا قضاء ولا كفارة، والفرق بينهما ظاهر أظن.
رجل جامع في الحج
قبل التحلل الأول، لكنه لا يدري يحسب أن الإنسان إذا وقف في عرفة انتهى حجه، في
ليلة المزدلفة ليلة العيد معه زوجته فنام معها وجامعها، قال: لأيش؟ قال لأن الرسول
صلى الله عليه وسلم يقول: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» الحج
عرفة حججت، فهذا الذي فهمت، فهل يفسد حجه؟ لا يفسد حجه، عليه كفارة؟ لا؛ لأن الجاهل
كما تدل عليه الآية الكريمة غير مؤاخذ، وإذا لم يؤاخذ بفعل المحرم صار وجوده كعدمه.
حلف أن لا يكلم زيدا فرأى شخصا من الناس فكلمه، لكن ما يدري أنه زيد؟ ليس عليه
كفارة؛ لأنه جاهل، والله يقول لما قال: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَاقال: قد فعلت، إذن هذه
القاعدة، فإذا قال قائل: فعل الأوامر ذكرتم أنه لا بد أن يفعل المأمور، فما الذي
يسقط عنه حينئذ؟ نقول: يسقط عنه الإثم؛ لأنه لو فعل المأمور على وجه غير صحيح
متعمدا لكان آثما، إي نعم على وجه غير صحيح متعمدا لكان آثما؛ لأنه كالمستهزئ بآيات
الله، مثل لو صلى محدثا، يعلم حدثه يكون آثما ولَّا لا؟ يكون آثما، صلى محدثا ناسيا
حدثه؟ لا يأثم، إذن فهمنا عدم المؤاخذة، لكن هل نلزمه بأن يعيد الصلاة؟ نعم، نلزمه؛
لأن هذا فعل مأمور، فتبين بهذا وجه كون فاعل المأمور على وجه لا يصح ناسيا أو جاهلا
أنه لا يؤاخذ، ولو أمرناه بالإعادة؛ لأنه لا يأثم بهذا الفعل، ألم تعلموا أن أبا
حنيفة رحمه الله قال: لو صلى الإنسان محدثا عالما ذاكرا لكفر، كفر خرج من الإسلام،
لأيش؟ لأنه مستهزئ، مستهزئ بآيات الله، نحن نقول: لو صلى ناسيا أو جاهلا لم يكفر
وليس عليه إثم؛ لأنه لا يؤاخذ بالجهل والنسيان، لكن نظرا إلى قيام الطلب يجب عليه
أن يفعل المطلوب.
من فوائد الآية الكريمة: أن فعل الإنسان واقع باختياره، فيكون
فيها رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله، وأن الإنسان إذا عمل
عملًا اختياريًا فهو كالذي يجبر على عمله، تحرك الإنسان باختياره كتحرك السعفة في
الهواء ليس باختياره، أعرفتم؟ القول هذا باطل ولَّا لا؟ لا شك، باطل سمعا وعقلا،
أما السمع فإن النصوص الكثيرة في أن فعل الإنسان واقع بإرادته مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران: ١٥٢] لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير: ٢٨]، وأما العقل؛ فلأن الإنسان لو كان مجبرا على
عمله؛ لكان عقوبة الله له ظلما إذ كيف يجبره على شيء ثم يعاقبه عليه؟ أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: طيب،
هم يدعون أن الظلم أن يتصرف الإنسان في ملك غيره، وتصرف الله في ملكه ليس بظلم، حتى
لو عذب المطيع فليس بظالم، ولكن نقول: بل لو فرض أنه عذب المطيع؛ لكان ذلك ظلما؛
لأن الله قال: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢] فنفى عن نفسه
الظلم عز وجل، المهم أن هذا ليس موضع البسط في هذه المسألة، لكن في الآية رد على
الجبرية، ووجه الرد: أن الله رفع المؤاخذة عن الجاهل والناسي؛ لأن الجاهل والناسي
لم يتعمد المخالفة، فدل ذلك على أن ما يؤاخذ به وهو ما صدر عن علم وذكر واقع بأيش؟
بإرادته؛ لأنه يؤاخذ على ذلك، قال: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا.
من فوائد الآية
الكريمة أيضًا: أن النسيان وارد على البشر، والخطأ وارد على البشر، وجهه؟
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَاولو كان هذا غير وارد لكان الدعاء بعدم المؤاخذة به لغوًا
وعبثًا، وكل إنسان ينسى، كل إنسان يخطئ «كُلُّ بَنِي آدَمَ
خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» ،
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ
مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ» .
فإذا قال قائل: ما الحكمة من أن الله سبحانه وتعالى يجعل البشر ينسى ويخطئ؟
قلنا: الحكمة ليتبين للإنسان ضعفه وأنه ضعيف، ضعيف في الإدراك وضعيف في
الإبقاء، في كل حال؛ وليتبين بذلك فضل الله عليه بالعلم والذاكرة، وما أشبه ذلك مما
يحصل به النسيان والجهل؛ ولأجل أن يفتقر الإنسان إلى ربه عز وجل في رفع النسيان
والجهل عنه، فيلجأ إلى الله عز وجل، ويقول: اللهم احفظ علي ما علمت، احفظ علي ديني،
احفظ علي علمي، وما أشبه ذلك مما يوجب أن يكون الإنسان مفتقرا إلى ربه إذا علم أن
حاله هي النسيان وأيش؟ والخطأ.
ومن فوائد الآية
الكريمة: امتنان الله على هذه الأمة برفع الآصار التي حملها من قبلنا؛
لقوله: رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، فقال الله: قد فعلت، فدل هذا
على أن هذه الأمة رفعت عنها الآصار والأغلال التي كانت على من سبق، وهو كذلك ولله
الحمد.
ومنها: أن هذه الأمة رفع عنها حكم النسيان.





