تفسير سورة آل عمران - 2
عدد الزيارات 3679

عناصر المادة :
تفسير الآية (5)
تفسير الآية (6)
تفسير الآية (7)
كما يؤخذ من هذا أيضًا: الإشارة إلى أنه ينبغي الاعتناء لمعرفة الفروق بين الأشياء المتشابهة، وهذا شيء، أو هذا فن أخذ به بعض أهل العلم، ولا سيما في كتب الفقه، مثلًا يقول: أنا أذكر الفروق بين البيع والإجارة، بين الإجارة والجِعالة، بين الرهن والضمان، بين الضمان والكفالة، بين الفرض والتطوع، وهذه من فنون العلم الشريفة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها، كذلك في العقائد والتوحيد يفرق بين الشرك الأكبر والأصغر؛ رجل حلف بغير الله نقول: هو مشرك، ورجل عبد صنمًا نقول: هو مشرك، لكن بينهما فرق عظيم، العابد للصنم شركه أكبر، والحالف بغير الله شركه أصغر، إلا أن ينضاف إلى حلفه بغير الله جعله المحلوف عليه كالله تعالى في التعظيم، فحينئذٍ يكون شركًا أكبر لا من حيث القسم، ولكن من حيث إنه جعل رتبة المحلوف به كرتبة الخالق.
من فوائد الآية الكريمة: بيان عقوبة الكفار، وهو العذاب الشديد، وذكر عقوبة الكافر يستلزم التحذير من الكفر، فيكون في هذا فائدة متفرعة عن الأولى: التحذير من الكفر، كذا؟
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الناس ينقسمون إلى قسمين: كافر له العذاب الشديد، ومؤمن له الثواب الجزيل؛ لأنه إذا ذُكر عقوبة الضد فإن ضده يثبت له ضد تلك العقوبة، ولهذا لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» . وقد يكون هذا من جملة الفرقان الذي يحصل، حيث نفرق بين الكفار وبين المؤمنين، فكما اختلفوا وتفرقوا في أعمالهم فإنه يلزم أن يفترقوا في ثواب تلك الأعمال.
طالب: يا شيخ، مثلًا الأشياء التعبدية؟ يعني (...) نعلم أن الله له فيها حكمة، ولكن نحن ما ندري ما الحكمة.
الشيخ: إي نعم، هذا لقصور أفهامنا، يعني مثلًا كون الصلاة أربعًا، وأربعًا، وثلاثًا، وثنتين، لم تكن ستًّا أو ثمانيًا أو ما أشبه، ذلك صحيح، هذه العقل ما له فيه مجال، ولا يمكن، لكن لا نقول: إنه ليس فيه حكمة، لا بد من حكمة لكن غير معلومة لنا.
الطالب: إيه، لكن كل من وُفّق يعني يعلم الحكم، ولكن كثير من العلماء ومن الناس ما يعرف حكمة هذه؛ لأنها تعبدية.
الشيخ: نادر، يعني نادر الأشياء اللي ما تبلغه عقول كل الناس، هذا نادر.
الطالب: مثلًا الوضوء ومسح الرأس ما نعلم له حِكمة؟
الشيخ: لا، نعلم له حكمة، كيف؟! له حِكمة ظاهرة.
الطالب: وأيش الحكمة؟
الشيخ: لأن غسل الرأس يُؤذي.
الطالب: لا، المسح.
الشيخ: أقول: لأن غسل الرأس يؤذي، لو غسل الإنسان رأسه وفيه الشعر، ولا سيما في أيام الشتاء يتأذى كثيرًا، ثم لو غسل أيضًا، الرأس عالٍ على كل شيء بيتناثر الماء على كل بدنه وثيابه.
الطالب: ما يستفيد يعني؟
الشيخ: من اللي ما يستفيد؟
الطالب: ها الإنسان.
الشيخ: المسح؟
الطالب: من المسح.
الشيخ: لا، يستفيد تعبد لله.
الطالب: إيه، صح، تعبُّد.
الشيخ: إذن هو تطهير، وليس الغرض أيضًا من الوضوء مجرد التطهير الحسي؛ لأنك تغسل يديك مثلًا بعد الطعام غسلًا بالصابون، ثم إذا أردت تتوضأ تغسلها ثلاثًا مع أنك الآن غسلتها.
طالب: شيخ، أنزل القرآن أحيانًا يأتي التعبير مثلًا بـ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ [البقرة: ٩٩]، وأحيانًا يعني أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ [النحل: ٦٤] يعني: أنزل ونزَّل، إليك وعليك، ما الفرق؟
الشيخ: إيه، هو للتنوع مثلًا: أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ [النساء: ١٠٥]، أَنْزَلْنَاباعتبار آخر نزول؛ يعني نزوله جملة، أنزله كله؛ يعني إن كان هذا آخر ما نزل فواضح أنه تم القرآن كله، إذا كان ما هو آخر ما نزل فباعتبار أنه سيكمُل؛ لأنه إذا كمل كله صار كأنه نازل جملة واحدة؛ لأن جملة الآن كلها نزلت، وأما إِلَيْكَفهي تفيد الغاية، يعني أن نهاية الإنزال إلى الرسول، وأما عَلَيْكَفهي تفيد العلو والاستقرار، ولهذا قال: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] وهي أبلغ من إليك؛ لأنها إذا وصلت حتى استقرت في القلب صارت أبلغ.
طالب: أقول: المسلم الذي لا يمكنه، يعني ما وصل عِلمه إلى أن يفرق بين الحكمة من حِكم رب العالمين، أليس الأحوط له أن يؤمن بأن كل ما فعله رب العالمين فهو -يعني- حكمة؟
الشيخ: هذا واجب، أن نؤمن بأن كل ما فعله -يعني- أو شرعه فهو لحكمة، لكن أحيانًا نفهمها وأحيانًا ما نفهمها، والمؤمن هو الذي يُسلِّم للأحكام الشرعية سواء علم الحكمة أم لا، أما الذي لا يؤمن إلا إذا علم الحكمة معناه ما آمن إلا بعقله، لم يؤمن بالشرع.
طالب: يا شيخ، الحلف بغير الله، واحد حلف بغير الله بسبق اللسان يكون شرك أصغر؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: واحد حلف بغير الله، لكن بسبق اللسان ما قصده، تعود؟
الشيخ: لا، ليس عليه شيء لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [البقرة: ٢٢٥]، وبِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ [المائدة: ٨٩]، ولكن يجب أن يُنزّه لسانه عن القول المحرم، لما يبتغي يبتدئ يقول: والنبي، وقال له: لا تحلف بالنبي فإنه شرك. فيقول: والنبي لا أحلف بالنبي، هذا ما هو صحيح.
طالب: شيخ، هل التوراة والإنجيل من كلام الله؟
الشيخ: المعروف عند السلف أنها من كلام الله، لكن ما أذكر حتى الآن وصفهما بأنهما من كتاب الله، إنما وصفهما الله بأنها منزَّلة، وأنها كتب، أما كلام الله في هذا ما فيه إلا القرآن هو اللي صريح.
الطالب: شيخ، بالنسبة لبعض الشباب، بالنسبة للحديث، يبحث عن حكمة لها فلا يجد، ولا أحد من السلف ما تكلم في حكمة فيها، فيقول: أنا لا أعمل بها؛ لأنه لا يوجد فيها حكمة.
الشيخ: أعوذ بالله.
الطالب: ماذا يعني؟
الشيخ: هذا لا يجوز، هذا يُخشى أن يكون كافرًا، إذا كان لا يؤمن إلا بما اختاره عقله فهو لم يؤمن بالشرع.
الطالب: لا، يقول: يعني حتى السلف العلماء والأئمة لم يجدوا لها حكمة.
الشيخ: ما هو لازم أن يجدوا لها حكمة، الله عز وجل يقول: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء: ٨٥] والإنسان يجب أن يتعبد لله، ما هو لنفسه.
الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، قولكم: إنه اختلف السلف في التوراة والإنجيل، هل هي كلام الله أوْ لا، أقول: ألا يلزم شخص؟
الشيخ: لا، ما قلت السلف.
الطالب: يعني مذهب السلف.
الشيخ: قلت: إن السلف قالوا: إنها كلام الله غير مخلوق.
الطالب: نعم، جزاك الله خيرًا، لكن أقول: يا شيخ، ألا يلزم من كونها مُنزَّلة أن تكون من كلام الله؟
الشيخ: الله أعلم؛ لأن الله يقول: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٤٥] وجاء في الحديث: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ . فأنا أتوقف في هذا، لكن السلف كلامهم واضح، يقولون: إن التوراة والإنجيل من كلام الله، والزبور، لكن لا شك أنها منزلة من الله، هذا يجب الإيمان به، يكفي نؤمن بأنها نازلة من الله.

***

طالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: ٥ - ٧].
الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.
قال الله تعالى: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [آل عمران: ٤] سبق لنا أن العزة ثلاثة أقسام، فيستفاد من هذه الآية الكريمة إثبات اسم من أسماء الله فهو العزيز بالمعاني الثلاثة السابقة.
ومن فوائد الآية: أن الله تعالى موصوف بالانتقام؛ لقوله: ذُو انْتِقَامٍ، ولكنه ليس على سبيل الإطلاق، بل هو منتقم ممن يستحق ذلك، وهم المجرمون، كما قال الله تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [السجدة: ٢٢]، ولهذا لم يرد من أسماء الله المنتقم على سبيل الإطلاق، وإنما الذي ورد مقيدًا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ، أو ورد صفة منكَّرة، مثل: ذُو انْتِقَامٍ، أي صاحب انتقام، وهذا لا يؤدي إلى، أو لا يدل على الوصف المطلق أنه موصوف بالمنتقِم؛ لأن الانتقام يكون مدحًا في موضعه، وأما في غير موضعه فلا يكون مدحًا، فإذا كان الانتقام تقتضيه الحكمة صار ممدوحًا وإلا فلا.

***

تفسير الآية (5)
00:12:55

ثم قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.
هذه الجملة -كما نرى- خبرية مؤكدة بـ (إن)، وخبرها منفي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، والخفاء ضد الظهور، وفيها (شيء) نكرة في سياق النفي فتعم كل شيء. فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِمتعلقة بـيَخْفَى؛ يعني لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌلا في هذا، ولا في هذا، والمراد بالأرض والسماء: الجنس، فيشمل الأرَضين والسماوات جميعًا، في هذه الآية الكريمة يُخبر الله عز وجل بأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهي صفة سلبية المراد بها بيان كمال علمه؛ لأن الصفات المنفية لا يراد بها مجرد النفي كما مر علينا في العقيدة، وإنما يراد بها بيان كمال ضد ذلك المنفي، فإذا قال: لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌلماذا؟ لكمال علمه لا يخفى عليه شيء، فالله عز وجل كامل العلم لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، والغرض من هذه الجملة تربية الإنسان نفسه في امتثال أمر الله واجتناب نهيه، وأنك لا تظن أن عملك يخفى على ال
له، بل هو معلوم له، فعليك أن تقوم بطاعته وتجتنب معصيته، لا تقل: أنا في بيتي، أنا في حجرة، أنا في غرفة لا يطلع عليَّ أحد؛ لأن الله مطلع عليك، إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.
من فوائد الآية الكريمة: التحذير من مخالفة الله، وكيف ذلك؟ خوفًا من أن يعلم بك بمخالفتك إياه.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدَرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم الشيء الذي يفعله العبد إلا بعد وقوعه، وهؤلاء غُلاتهم كما سبق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى عالم بالكليات والجزئيات، مأخوذ من قوله: شَيْءٌالنكرة في سياق النفي، فيعُم كل شيء.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأرض والسماء، وهذا أمر معلوم، لكن إذا قال قائل: وما سوى الأرض والسماء هل يخفى على الله؟ الجواب: لا، لكنه خص الأرض والسماء؛ لأنه هو المشهود لنا، فنحن لا نشهد إلا الأرض والسماء، وما عدا ذلك لا نعلمه إلا عن طريق الغيب، فذكر الأرض والسماء، هل يمكن أن نقول: إن من فوائد الآية أن صفات الله عز وجل إما منفية وإما مثبتة؟
الجواب: نعم، وهذا قد سبق لنا تقسيمه في التوحيد، وقلنا: إن صفات الله عز وجل إما مثبتة وإما منفية، فالمثبتة يسمونها ثبوتية والمنفية يسمونها سلبية. وقلنا: إن السلبية متضمنة للثبوت لا بد، ولكنه ينفى نقص ذلك الثابت، فلكمال علمه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
تفسير الآية (6)
00:17:28

ثم قال الله عز وجل: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ، وهذا من جملة معلوماته التي تخفى على كثير من الناس وهي معلومة له، هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُيُصَوِّرُكُمْأي: يجعلكم على صورة معينة يختارها ويريدها، وقوله: يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِالأرحام جمع (رَحِم)، وهو وعاء الجنين في بطن أمه، وقد بين الله تعالى في آية ثانية أن الجنين في بطن أمه في ظلمات ثلاث؛ وهي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة؛ المشيمة يعني الوعاء المائي الذي يكون فيه الجنين، ويسمى عند العامة (القمقم).
وقوله: كَيْفَ يَشَاءُهذه حال من فاعل يَشَاءُيعني أنه يصورنا على أي كيفية شاء، وأما قوله: فِي الْأَرْحَامِفهي حال من الضمير من الكاف يُصَوِّرُكُمْيعني: حال كونكم في الأرحام. وقوله: كَيْفَ يَشَاءُيعني لا خيار لنا في اختيار صورة معينة للجنين الذي في البطن.
ثم قال: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُهذه الجملة الخبرية منفية مثبَتة فيها الحصر الذي طريقه النفي والإثبات، والإله بمعنى (مَأْلُوه). وقوله: إِلَّا هُوَالضمير (هو) بدل من الخبر المحذوف؛ أي: لا إله حق إلا هو، وليس اسمًا من أسماء الله كما تقوله الصوفية الذين يدعون أن (هو) اسم من أسماء الله، ويدعون الله به، فيقولون: (هو، هو، هو)، وهذا من شطحاتهم. الْعَزِيزُ الْحَكِيمُالعزيز سبق لنا قريبًا معناه، وأنه ذو العزة الكاملة، وأن عزة الله عز وجل ثلاثة أقسام: عزة القدر، والقهر، والامتناع. والْحَكِيمُفعيل بمعنى (مُفْعِل)، وفعيل بمعنى (فاعِل)، أما فعيل بمعنى فاعل فهي كثير في اللغة العربية مثل: قدير بمعنى قادِر، سميع بمعنى سامِع، وأما سميع بمعنى مُسمِع؛ فهي واردة في اللغة العربية، قال الشاعر:

أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ يُؤَرِّقُنِــــــي وَأَصْحَابِـــــــي هُجُــــــــوعُ

أمن ريحانة الداعي السميع، السميع بمعنى (المسمِع) الذي يسمعني، يؤرقني وأصحابي هجوع، فتكون حكيم هنا بمعنى (مُحكِم) وبمعنى (حاكِم)، فالله عز وجل حاكِم مُحكِم لما حكم، الحاكِم ينقسم حكمه إلى قسمين: حكم كوني، وحكم شرعي، فالحكم الكوني ما قضاه الله على عباده كونًا، وهذا يخضع له كل أحد من مؤمن وكافر وبر وفاجر، ولا يستطيع أحد أن يتهرب منه أبدًا، والحكم الشرعي ما قضاه الله على عباده شرعًا، وهذا هو الذي اختلف فيه الناس، فمنهم كافر ومنهم مؤمن، منهم من خضع لهذا الحكم الشرعي، وقام بما يجب عليه نحوه، ومنهم من استكبر عنه وكذب به ولم يرفع به رأسًا، واضح؟ ماذا قلنا؟
طالب: (...) للناس.
الشيخ: لا، أولًا: الحكم؟
الطالب: الحكم معناه التأبيد.
الشيخ: الحكم؟
الطالب: معناه (...) الحاكم.
الشيخ: الحكم ذكرنا أنه قسمان.
الطالب: الحاكم (...) معناه المحكم.
الشيخ: لا لا يا أخي، لا يا أخي.
طالب: حكم شرعي ما يقضي به بين عباده.
الشيخ: حكم شرعي والثاني؟
الطالب: حكم كوني.
الشيخ: حكم كوني، طيب، عرفت؟ يلّا، الحكم الشرعي ما هو؟
طالب: الحكم الشرعي: هو أحكام الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: ما قضاه على عباده شرعًا، والكوني؟
الطالب: الكوني: ما قضاه سبحانه وتعالى على عباده كلهم المؤمن والكافر.
الشيخ: الحكم الكوني كل أحد يرضخ له، ولا يستطيع أحد أن يهرب منه، والشرعي؟
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، ينقسم الناس فيه إلى قسمين: قسم قابل لهذا الحكم قائم به، وقسم غير قابل ولا قائم به، واضح؟
قلنا: إنه من (حاكِم) ومن (مُحكِم)، بمعنى (متقِن)، وهنا يكون بمعنى (ذي الحكمة)، أي: متقن لكل ما حكم به، فكل ما حكم الله به من حكم كوني أو شرعي فهو على أتم وجه وأتقنه وأحسنه مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ [الملك: ٣ - ٤]. أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠]، هذا الحكم الشرعي أو الكوني محكَم، متقَن ليس فيه خلل ولا نقص، ثم هو أيضًا محكَم في صفته وصورته التي هو عليها، ومتقَن في غايته المرادة منه، فالحكمة قد تكون صورية؛ أي على صورة معينة موافقة للحكمة، وقد تكون غائية أي: الغاية منها هي المصلحة والمنفعة ودفع المضار وما أشبه ذلك، المهم أن تكون غاية محمودة، فالحكمة إذن في الحكم الكوني، وفي الحكم الشرعي؛ وهي إما صورية بأن يكون الشيء على صورة مُطابقة للحكمة، أو غائية بأن يكون الغرض منها، والغاية منها غاية حميدة، واضح؟
كل هذا داخل في قولنا: (محكِم)، فمثلًا إذا نظرنا إلى الشرع، وإذا جميع المشروعات على صورة مطابِقة للحكمة كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ثم الغرض منها أيضًا موافِق للحكمة، الغرض منها إصلاح القلوب، وإصلاح الأعمال، وإصلاح الفرد، وإصلاح المجتمع، فكلها غاية حميدة، كل هذا داخل في قوله تعالى: الْحَكِيم.
في هذه الآية عدة فوائد:
أولًا: بيان قدرة الله عز وجل حيث كان يصور المخلوقات في الأرحام هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ.
وثانيًا: من فوائد الآية أيضًا: أن الصور يكون تصويرها بأمر الله، بإذنه، كيف يشاء، هذا أبيض، وهذا أسود، وهذا جميل، وهذا قبيح، وهذا طويل، وهذا قصير، وهذا غليظ، وهذا دقيق، وهكذا، بل ممكن أن نقول: إنه يشمل: وهذا ذكر وهذا أنثى؛ لأن صورة الذكر تختلف عن صورة الأنثى.
من فوائد الآية الكريمة: بيان رحمة الله عز وجل حيث يتولى شؤون الجنين ويصوره، لا يخرج غير مُصور، لو شاء الله لخرج الجنين غير مُصوَّر، ثم صار يُصوّر شيئًا فشيئًا كما ينمو عقله، ولكن من حكمة الله ورحمته أنه لا يخرج إلا على الصورة التي أرادها الله عز وجل، إلا على الصورة التي أرادها الله، فإذا قال قائل: كَيْفَ يَشَاءُيستفاد منها: أن هذا التصوير لا يرجع إلى فعل العبد، وإنما يرجع إلى مشيئة الله عز وجل، وهو كذلك، ولكن هذا لا ينافي أن تكون الصورة قريبة من صورة الأب، أو من صورة الأم، أو الجد، أو الجدة؛ يعني أن يكون هذا الجنين قد نزعه عرق من آبائه، وأمهاته، وأقاربه، هذا لا يمنع؛ لأن الله عز وجل قد جعل لكل شيء سببًا، ويدل لهذا قصة الرجل الذي جاء إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ -وكان الرجل وزوجته أبيضين، فكأنه يُعرِّض بزوجته؛ وأيش اللي جاب الأسود لها- فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قَالَ: نَعَمْ. «قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟». قَال: حُمْرٌ. قال: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟» -الأورق: الفضي اللي بين البياض والسواد- قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «أَنَّى لَهَا ذَلِكَ؟». قال: لَعَله نَزَعَهُ عِرْقٌ. فَقَالَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «فَابْنُكَ هَذَا لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ» . فاقتنع الرجل؛ لأن هذا قياس جلي واضح، المهم الشاهد من هذا قوله: «لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ». فيستفاد من ذلك أن هذه الكيفية التي يريد الله عز وجل في الأرحام لا يمنع أن يكون نزعها عرق من آبائه، أو أمهاته، أو أجداده، أو جداته.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة؛ لقوله: كَيْفَ يَشَاءُ، وقد سبق لنا أن المشيئة إذا أُطلقت فهي مقرونة بالحكمة، فما من شيء يشاء الله إلا لحكمة.
فإن قال قائل: هل في الآية دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يعمل عملية تجميل؛ لقوله: كَيْفَ يَشَاءُحيث جعل التصوير راجعًا إلى مشيئته وحده؟
الطلبة: قد يقال.
الشيخ: قد وقد، يعني قد يقال، وقد لا يقال، قد لا يقال؛ لأن الله تعالى أخبر في آيات كثيرة بأنه يبسط الرزق لمن يشاء، يقبض ويبسط، ولَّا لا؟ يقدر ويبسط، يعني يقدر يُضيق، وهل نقول: إن الإنسان ممنوع من أن يفعل الأسباب التي يكون بها بسط الرزق؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لأن البسط راجع إلى مشيئة الله؟ لا، لا نقول، ولكن نقول: إن هناك فرقًا بين مسألة بسط الرزق وطلب البسط، وبين هذه المسألة؛ لأن النصوص وردت بمنع التجميل، فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ لَعَنَ النَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ، وَالْوَاشِرَةَ وَالْمُسْتَوْشِرَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ . وهذا يدل على أن الإنسان ممنوع من التجميل الذي يكون دائمًا، أما التجميل الطارئ كتجمل المرأة بالحناء وشبهه هذا لا بأس به.
فإذا قال قائل: هل في الآية ما يدل على منع رقْع العيوب وإزالة العيوب؛ لقوله كَيْفَ يَشَاءُ؟
طالب: (...) ليس (...).
الشيخ: إذا خرج هذا الصبي له ستة أصابع في كل يد فهل يجوز أن نقطع الإصبع الزائد؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الأخ (...) يقول: لا. من اللي صوره؟
الطلبة: الله.
الشيخ: الله، إذن كَيْفَ يَشَاءُدع هذا لمشيئة الله.
طالب: (...).
الشيخ: يقال: إن هذا ليس من باب التجميل، قطع هذا الإصبع ما هو من باب التجميل، لكن من باب إزالة العيب.
طالب: التحسين والتجميل.
الشيخ: التحسين والتجميل واحد يا شيخ، وإزالة العيب جاءت السنة بجوازها، فَإن الرجل الذي أُصيب أنفُه وقُطِع أَذِنَ له الرسولُ عليه الصلاة والسلام أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ -يعني من فضة- فَأَنْتَنَتْ، فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ . لئلا يبقى أنفه مقطوعًا فيه تشوه، فهذا يدل على أن إزالة العيب ليست كجلب الجَمال، التجميل لا يجوز، والعيب تجوز إزالته؛ لأنه خلاف الأصل، وبناءً على ذلك نقول: يجوز قطع الأصبع الزائدة، ولكن بعض أهل العلم صرح بالتحريم، وقال: إنه يحرم، إلا أنهم علَّلوا ذلك بأنه يُخشى على من قطعت أصبعه أن يموت بنزيف الدم، وهذه العلة في زمننا الحاضر منتفية، وعلى هذا فيجوز قطع الأصبع الزائدة.
لو فرض أن هناك لحمة زائدة في الأذن، أو في الرأس، أو في الرقبة أتجوز إزالتها؟ نعم، نقول: تجوز كالأصبع.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات انفراد الله عز وجل بالألوهية؛ لقوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
ومن فوائدها: إثبات الاسمين الكريمين الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وما تضمناه من صفة، وقد مر علينا أن كل اسم من أسماء الله دال على الذات وعلى الوصف المشتق منه، كل اسم، فإن كان متعديًا ففيه دلالة ثالثة، وهي: الأثر المترتب على ذلك، فالسميع مثلًا فيه إثبات للسمع وهو السميع، والصفة؛ وهي السمع، والأثر، وهو أنه يسمع، وهكذا العليم، أما ما لا يتعدى للغير ففيه إثبات الاسم والصفة فقط، مثل: الحي، العظيم، العلي، هذا لا يتعدى للغير.
تفسير الآية (7)
00:35:41

ثم قال عز وجل: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَهُوَ الَّذِيالضمير في (هو) يعود على (الله)، وتأمل هنا ترابط الآيات بعضها من بعض، لما ذكر الله عز وجل أنه هو المصور، وهو ابتداء الخلق، ذكر بعده إنزال الكتاب الذي به الهداية مثل: الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) [الرحمن: ١ - ٤] فأحيانًا يبين الله النعمة الدينية قبل، وأحيانًا يبين الله النعمة الدنيوية قبل، فالتصوير هنا بدأ الله به، ثم ذكر إنزال القرآن، لكن الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَذكر تعليم القرآن قبل خلق الإنسان، ثم قال: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، والمراد به القرآن، وسبق معنى كونه كتابًا أنه مكتوب في اللوح المحفوظ، وفي الصحف التي بأيدي الملائكة، وفي الصحف التي بأيدينا، ثم قسم الله هذا الكتاب فقال: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُيعني: ومنه أُخَر، مُتَشَابِهَاتٌ. وهنا يتعين أن نقول: ومنه أخر؛ ليتم التقسيم. قوله: آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌالآيات جمع (آية)، وهي العلامة، وكل آية في القرآن فهي علامة على منزلها لما فيها من الإعجاز والتحدي. وقوله: مُحْكَمَاتٌأي: متقنات في الدلالة والحكم والخبر؛ يعني أخبارها وأحكامها متقنة معلومة ما فيها إشكال. وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتيعني أن أحكامها غير معلومة أو أخبارها غير معلومة، فصار المحكم المتقَن في الدلالة، سواء كان خبرًا أو حكمًا، المتشابه: الذي دلالته غير واضحة، سواء كان خبرًا أو حكمًا. ثم قال: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِقدم وصف هذه المحكمات وبيان حالها ليتبادر إلى الذهن أول ما يتبادر أنه يرد المتشابهات إلى المحكمات؛ لأنها أم، وأم الشيء مرجعه وأصله، قال الله تعالى: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: ٣٩]، أي: المرجع، وهو اللوح المحفوظ الذي تُرجع الكتابات كلها إليه، ومنه سُميت الفاتحة (أم الكتاب)؛ لأن مرجع القرآن إليها، فهذه المحكمات يجب أن تُرد المتشابهات إليها، إلى هذه المحكمات. قال الله تعالى: وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتمتشابهات في أيش؟ في الدلالة، سواء كان حكمًا أو خبرًا، ولهذا نجد أن بعض الآيات لا تدل دلالة صريحة على الحكم الذي استدل بها عليه، وبعض الآيات الخبرية أيضًا لا تدل دلالة صريحة على الخبر الذي استدُل بها عليه، فماذا نعمل؟ قال: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌإلى آخره، ينقسم الناس بالنسبة إلى هذه المتشابهات إلى قسمين: قسم يتبعون المتشابه، ويضعونه أمام الناس، يعرضونه على الناس يقول: كيف كذا؟ وكيف كذا؟ وقسم آخر يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، وإذا كان كل من عند ربنا فإنه لا يمكن أن يتناقض ولا يمكن أن يتخالف، بل هو متحد متفق، فيُرد المتشابه منه إلى المحكَم ويكون الجميع محكمًا، يقول الله عز وجل: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، الزيغ بمعنى: الميل، ومنه قولهم: زاغت الشمس إذا مالت عن كبد السماء.
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌأي: ميل عن الحق، ولا يريدون الحق، يتبعون المتشابه، فتجدهم -والعياذ بالله- يأخذون آيات القرآن التي فيها اشتباه حتى يضربوا بعضها ببعض، وما أكثر هذا عند النصارى، النصارى الآن يُدخلون تشكيكات كثيرة على المسلمين في المتشابه، مثلًا يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، عندنا دليل، ألستم تقرؤون في القرآن: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا [الحجر: ٩]، وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٧]؟ صيغة الضمير صيغة جمع، إذن فالله تعالى أكثر من اثنين، ثلاثة، وهكذا يأتون بأشياء يموهون بها على الناس؛ لأن في قلوبهم زيغًا، كذلك أيضًا بعض الآيات ظاهرها التعارض، مثل قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا [النساء: ٤٢]، هنا قال: لَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، وفي آية أخرى يقول: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] فكتموا ولَّا لا؟
الطلبة: كتموا.
الشيخ: كتموا، قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَكتموا، أنكروا أن يكونوا مشركين، كذلك أيضًا يأتيك يقول: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ [آل عمران: ١٠٦]، وقال في آية أخرى: وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا [طه: ١٠٢]، ثم يأتيك يقول: وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [المرسلات: ٣٦]، وفي آية أخرى: يعتذرون، يقولون: إنهم لو رُدُّوا إلى الدنيا لصلحوا واستقامت أحوالهم فيعتذرون، المهم أن الذين في قلوبهم زيغ يأتون بهذه الآيات المتشابهة ليصدوا عن سبيل الله، ويشككوا الناس في كلام الله عز وجل؛ يعني وأما الذين ليس في قلوبهم زيغ وهم الراسخون في العلم الذين عندهم من العلم ما يتمكنون به أن يجمعوا بين الآيات المتشابهة، وأن يعرفوا معناها، فهؤلاء لا يكون عندهم هذا التشابه، يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: ٧] فلا يرون في القرآن شيئًا متعارضًا متناقضًا.
طالب: في قوله: يُصَوِّرُكُمْهل يؤخذ منها أحكام فعلًا معلقة بالتصوير مثل الصلاة وغيره؟
الشيخ: من أيش؟
الطالب: من الصلاة أي الصلاة عليه قبل أن يصوره، ومن قبل التصوير ليس بشيء، قوله: يُصَوِّرُكُمْ.
الشيخ: هل تؤخذ من هذا؟ يقول: إن قوله: يُصَوِّرُكُمْهل يؤخذ منها أن الجنين في بطن أمه لو سقط قبل أن يُصوَّر فليس له حكم؟
طالب: ما يؤخذ يا شيخ ما يؤخذ.
الشيخ: ما يؤخذ.
الطالب: ما يؤخذ؛ لأن الجنين أطوار تنطبق عليه اسم الصورة في بدايته.
الشيخ: والله ما هي واضحة، ما هي واضحة.
طالب: شيخ، قال الله سبحانه وتعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَوسمي الكتاب وهو ما زال بين الملائكة، وفي أيدينا ما بتكون إلا بعد ما يوصل إلينا.
الشيخ: باعتبار ما يكون، ألم تقرأ قول الله تعالى: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا [يوسف: ٣٦]، الخمر مو هو بيعصر، يعصر العنب فيكون خمرًا بعد ما ينزل.
طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، لو كان مثلًا رجل في يعني خشمه ميلان قليل في أنفه، أو مثلًا في أسنانه طول بعضها وبعضها قِصر، أو مختلفة قليلًا، فهل يجوز لهذا أن يعمل عملية حتى يُعدّل هذا المائل قليلًا؟
الشيخ: إي نعم، الميل اللي يكون عيبًا لا شك أنه يجوز.
الطالب: سيما وإن كان منه ضرر.
الشيخ: لا، لا، كيف يكون ضرر؟! الضرر!
الطالب: لا لا، أقول: يجوز سِيَّما وإن كان منه ضرر.
الشيخ: إيه، يعني لا سيما إن كان منه ضرر، إي نعم، كذلك بالنسبة للأسنان إذا كان اختلافها اختلافًا مُشوهًا فلا بأس بتعديلها، لكن إذا كان اختلافها اختلافًا يسيرًا لكن يريدون أن تكون كسن واحد، كما يفعل بعض النساء الآن، فهذا لا يجوز، هذا من جنس الوشم، هذا الوشم.
طالب: يا شيخ، بالنسبة للحديث الذي قلته آنفًا، الرجل الذي جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وكان أنفه مقطوعًا، فأمره بأن يأخذ أنفًا من الذهب.
الشيخ: إي نعم من ورِق أول، ثم أنتن.
الطالب: يعني هذا أنفه ما ولد وأنفه مقطوع؛ يعني هذا عارض يعني عليه ما كان ذلك في الأصل يعني وُلد أصلا وعنده ستة أصابع.
الشيخ: إيه، لا فرق، أقول: لا فرق، المقصود إزالة العيب، سواء كان العيب طارئًا أو أصليًّا.
طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، قلنا: إن الإصبع السادس يُشَال ولا بأس في ذلك، والله عز وجل قال عن الشيطان: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ [النساء: ١١٩] وهذا الإصبع السادس من خلق الله.
الشيخ: إي نعم، لكن ما هو كل شيء منهي عنه، التغيير المأمور به مأمور به، فالختان مثلًا تغيير لخلق الله وهو مأمور به، إزالة الشارب تغيير لخلق الله وهو مأمور به.
الطالب: لكن ما أمره أن يشيل السادس.
الشيخ: نعم، وجدنا أن الشارع لا يعني يمنع الإنسان من إزالة الشيء الذي يعتبر عيبًا عند الناس، وقصة صاحب الأنف هذه هي العُمدة في هذه المسألة.
طالب: لكن صاحب الأنف النبي أمره أن يضع لا أن يزيل يا شيخ.
الشيخ: هذا الذي وضع على أنفه ما هو بتكميل له؟
طالب: لكن ما عنده أنف هذا.
الشيخ: إي نعم، قُطع أنفه، فجعل له تكميلًا، هذا إذا أزاله يكون تكميلًا له؛ لأن الناس الآن يعتبرون اللي فيه زيادة يعتبرونه عيبًا، فهو مزيل لعيب.
طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا يا شيخ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِتقول إن فِي الْأَرْضِمتعلقة بـيَخْفَى؟
الشيخ: لا بـ (شيء) صفة لـ (شيء).
طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، بالنسبة لـ، لو واحد ابتدأ مثلًا السورة أو أي كلمة بـ (بسم الله الرحيم الرحمن)؟
الشيخ: أيش لون؟
الطالب: بيعكس الرحمن الرحيم، يعني إذا ابتدأ سورة فيقول: بسم الله الرحيم الرحمن، فهل في هذا نهي؟
الشيخ: هو قصده التلاوة؛ تلاوة القرآن، ولَّا لا؟
الطالب: إن كان قصده التلاوة وإن كان غيرها.
الشيخ: إن كان قصده التلاوة فهو حرام؛ لأن القرآن مُرتب في كلماته، ومرتب في آياته أيضًا، نعم، السور الصحيح أن ترتيبها اجتهادي.
الطالب: يعني البسملة تعتبر آية من القرآن؟
الشيخ: معلوم إيه.
الطالب: يعني البسملة اللي في أول السورة.
الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، هناك من قالوا: وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌأنها في الصفات (...)؟
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله تعالى هذا في الفوائد.
الطالب: يا شيخ أيضًا سؤال، الذي يأتي بآيات يعني عنده (...)؟

***

طالب: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: ٧].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌسبق لنا أن الله سبحانه وتعالى بيَّن أنه قسم القرآن إلى قسمين: آيات محكمات؛ أي: واضحات المعنى، لا يخفى معناهن على أحد، والثاني: آيات مشتبهات فيهن خفاء في الدلالة أو في التعارض بينهن وبين غيرهن، أو غير ذلك من أسباب التشابه، وهذه الآيات المتشابهات انقسم الناس فيها إلى قسمين: قسم في قلوبهم زيغ؛ أي: ميل عن الحق، فهؤلاء اتبعوا المتشابه، وصاروا يأتون بالمتشابه يُلبِّسون به على الناس وابتغاء الفتنة، وكذلك ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِأي: طلب تأويله لما يريدون هم لا لما يريد الله عز وجل، وهذا كثير، كل أهل البدع من الرافضة والخوارج والمعتزلة والجهمية وغيرهم، كلهم اتبعوا ما تشابه منه، لكن من مقل ومستكثر، فهؤلاء يتبعون ما تشابه لهذين الغرضين، أو لأحدهما، ما هما؟ ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِأي: صد الناس عن دين الله؛ لأن الفتنة بمعنى الصد عن دين الله كما قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠] فتنوهم يعني: صدوهم عن دين الله، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ، وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِه؛ أي: طلب تأويله لما يريدون هم، يفسرونه على مرادهم لا على مراد الله سبحانه وتعالى.
وسبق لنا أيضًا أن قوله: وَأُخَرُليست معطوفة على قوله: آيَاتٌمِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌلفساد المعنى، وأن (أُخَر) مبتدأ خبره محذوف، يعني: ومنه أخر متشابهات، وذكرنا لها نظيرًا، وهو قوله تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود: ١٠٥]، فإن سَعِيدٌهنا ليست معطوفة على شَقِيٌّ؛ لأنها لو كانت معطوفة عليها لفسد التقسيم، ولكن التقدير: منهم شقي ومنهم سعيد، هذا أيضًا: منه آيات محكمات، ومنه أخر متشابهات.
الاشتباه قلنا: إنه يكون اشتباه في المعنى، يكون المعنى غير واضح، أو اشتباه في التعارض، يظن الظانّ أن القرآن يُعارِض بعضه بعضًا، وذكرنا من ذلك أمثلة فيما سبق.
الطالب: ما ذكرنا؟
الشيخ: كيف الله يهديك، ذكرنا، ذكرنا أمثلة، وأجبنا عنها، وقلنا: لا يمكن أبدًا أن يكون في القرآن شيء متعارض إطلاقًا، لا يمكن؛ لأن الله عز وجل يقول: لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢]، يعني ولما كان من عند الله لم يكن فيه اختلاف، فهو يصدق بعضه بعضًا، ولكن التعارض الذي قد يفهمه من يفهمه من الناس يكون إما لقصور في العلم، أو قصور في الفهم، هذا اثنين، أو تقصير في التدبر هذه ثلاثة، أو سوء ظن، أو سوء ظن بحيث يظن أن القرآن يتعارض، فإذا ظن هذا الظن لم يُوفّق للجمع بين النصوص، يحرم الخير؛ لأنه ظن ما لا يليق بالقرآن، فهذا هو أسباب ظن التعارض ممن يظن التعارض، أسباب أربعة؛ هي: قصور العلم، أو قصور الفهم، أو التقصير في التدبر، أو سوء القصد، فإذا وجد واحد من هذه الأمور الأربعة حينئذٍ يحصل التشابه، أما من أعطاه الله علمًا وفهمًا وحسن قصد، الرابع؟
الطلبة: حسن الظن، خمسة.
الشيخ: وحسن ظن، فإنه لا يحصل لديه تعارض في القرآن الكريم؛ لأن عنده كمال في العلم، وكمال في الفهم، ونشاط في التدبر، وحسن نية وقصد، فهذا يُوفق، يوفقه الله تعالى فيعرف كيف يجمع بين ما ظاهره التعارض، أو كيف يعرِف هذا المتشابه.
قال الله تعالى: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ، هذه الآية الكريمة اختلف السلف في الوقف عليها، فأكثر السلف وقف على قوله: إِلَّا اللَّهُوجعل الوقف هنا لازمًا، يعني يجب أن تقف تقول: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُثم تبتدئ فتقول: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِوعلى هذا فيكون الواو هنا في قوله: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِللاستئناف وَالرَّاسِخُونَمبتدأ، وجملة يَقُولُونَخبر المبتدأ، وهذا الذي عليه أكثر السلف، يعني أن هذا المتشابه لا يعلم تأويله، المراد به إلا الله عز وجل، والراسخون في العلم الذين لم يعلموا لا يطلبون بذلك الفتنة، وإنما يقولون: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، وليس في كلام ربنا تناقض ولا تضارب، ويسلمون الأمر إلى الله عز وجل؛ لأنه هو العالم بما أراد، فينقسم الناس إذن إلى قسمين: الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِوالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ.
ووصل بعض السلف ولم يقف، أي قرأ: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِفتكون الواو للعطف، وَالرَّاسِخُونَمعطوفة على لفظ الجلالة؛ أي: ما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم بخلاف الذين في قلوبهم زيغ وليس عندهم علم فهؤلاء لا يعلمون، والحقيقة أن ظاهر القراءتين، أن ظاهرهما التعارض؛ لأن القراءة الأولى تقتضي أنه لا يعلم تأويل هذا المتشابه إلا الله، والقراءة الثانية تقتضي أن هذا المتشابه يعلم تأويله الله والراسخون في العلم، فيكون في ظاهر القولين التعارض، ولكن الصحيح أنه لا تعارض بينهما، وأن هذا الخلاف مبني على الاختلاف في معنى التأويل في قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُفإن كان المراد بالتأويل التفسير فقراءة الوصل أوْلى؛ لأن الراسخين في العلم يعلمون تفسير القرآن المتشابه، ولا يخفى عليهم لرسوخهم في العلم وبلوغهم عمق العلم؛ لأن الراسخ في الشيء الثابت فيه المتمكن منه، فهم لتمكنهم وثبوت أقدامهم في العلم وتعمقهم فيه يعلمون ما يخفى على غيرهم، فإذا جعلنا التأويل بمعنى التفسير فقراءة الوصل أوْلى، أما إذا جعلنا التأويل بمعنى العاقبة والغاية المجهولة فالوقف على إِلَّا اللَّهُأوْلى؛ لأن عاقبة هذا المتشابه وما يؤول إليه أمر مجهول لكل الخلق، فإذا قال قائل: الآن نطلب أمرين؛ الأمر الأول: أن التأويل يكون بمعنى التفسير، والأمر الثاني: أن التأويل يكون بمعنى العاقبة المجهولة التي لا يعلمها إلا الله، الجواب على ذلك أن نقول: نعم، لا بد من هذا، وهو موجود في القرآن، أولًا: التأويل بمعنى التفسير؛ مثل قول صاحبي السجن ليوسف عليه الصلاة والسلام قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ [يوسف: ٣٦] أي بتفسير هذه الرؤيا، وأيش معناها؟ ففسرها لهم. ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» ، أي: تفسير الكلام ومعرفة معناه، وأما التأويل بمعنى العاقبة فمنه قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٥٣] فقوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُيعني: عاقبته وما يؤول إليه، يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُيعني: تأتي عاقبته التي وُعِدوا بها، يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ. ومنه قوله تعالى: ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: ٥٩] يعني: أحسن عاقبة ومآلًا، فتبين بهذا أن كلمة (تأويل) صالحة للمعنيين جميعًا؛ التفسير والعاقبة، فإذا جعلناها بمعنى التفسير فلا ريب أن الراسخين في العلم يعلمون تفسير القرآن ولا يخفى عليهم شيء، ولا يمكن -بأي حال من الأحوال- أن ينزل الله سبحانه وتعالى على عباده كتابًا يسألهم عنه يوم القيامة وهم لا يعرفون معناه، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: لا يمكن أبدًا أن ينزل عليهم كتابًا يسألهم عنه يوم القيامة وهم لا يعرفون معناه، صحيح أنه قد لا يعرفه البعض، لكن الراسخون في العلم لا بد أن يعلموه وإلا لبطلت الحجة، فلا بد من معرفة هذا الكتاب المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما إذا قلنا بأن التأويل ما آل إليه الأمر، وما كان عليه في نفس الواقع مما هو مجهول لنا فهنا يتعين الوقوف على قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ.
واعلم أن كثيرًا من الناس الذين تكلموا في العقائد فسروا المتشابه بآيات الصفات، قالوا: إن المتشابهات هن آيات الصفات، ولكن لا شك أن تفسير المتشابهات بآيات الصفات على الإطلاق ليس بسديد ولا بصحيح؛ لأن آيات الصفات معلومة مجهولة؛ فهي من حيث المعنى معلومة، ولا يمكن أن يخاطبنا الله عز وجل ويحدِّثنا عن نفسه بأمر مجهول لا نستفيد منه، وليس هو بالنسبة إلينا إلا كنسبة الحروف الهجائية التي ليس فيها معنى، هذا غير ممكن إطلاقًا، نعم، هي مجهولة من جهة أخرى، وهي الحقيقة والكيفية التي هي عليها، فهذا مجهول لنا، لا نعلم كيف يد الله ولا ندرك حقيقتها، لا نعلم كيف وجه الله ولا ندرك حقيقته، لا ندرك حقيقة علم الله عز وجل، ولا ندرك، كل صفاته لا ندرك حقائقها؛ لأن الله يقول: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه: ١١٠]، فمن زعم أن آيات الصفات من المتشابه -على سبيل الإطلاق- فقد أخطأ، والواجب أيش؟ الواجب: التفصيل، فنقول: إن أردت بكونها من المتشابه تشابه الحقيقة التي هي عليها فأنت مصيب، وإن أردت بالمتشابه تشابه المعنى، وأن معناها مجهول لنا فأنت مخطئ غاية الخطأ، وقد ذهب إلى هذا من ذهب من الناس، وقال: إن آيات الصفات وأحاديثها مجهولة لا نعلمها، لا يعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا ابن مسعود، ولا ابن عباس، ولا فقهاء الصحابة، ولا فقهاء التابعين، ولا أئمة الإسلام، كلهم لا يدرون ما معناها، تقول له: ما معنى استوى على العرش؟ فيقول: الله أعلم. ما معنى يد الله في قوله: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة: ٦٤]؟ يقول: الله أعلم، ما معنى: يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن: ٢٧]؟ الله أعلم، كل شيء الله أعلم، كل ما يتعلق بصفات الله يقول: الله أعلم، والغريب أن هذا القول في غاية ما يكون من السقوط، وإن كان بعض الناس يظن أنه مذهب أهل السنة، أو أنه مذهب السلف، حتى أدى بهم الأمر إلى هذه الكلمة الكاذبة، طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعْلم وأحكم، وهذه الجملة والقضية من أكذب القضايا، أن تكون طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، لكن نقول: طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم، المهم أن من الناس من يظن أن مذهب السلف هو التفويض وعدم معرفة المعنى وعدم الكلام به حتى النبي صلى الله عليه وسلم -على زعمهم- يقول: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» لو سألته وقلت: يا رسول الله، ما معنى يضحك؟ قال: ما أدري! «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ» لو سألته: وأيش معنى ينزل؟ قال: لا أدري، وأنا أعجب كيف يستقيم لسان شخص يدّعي أن هذا مذهب السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى يوم القيامة؟! هذا بعيد من الصواب!
إذن نقول: آيات الصفات من المتشابه في الحقيقة والكيفية التي هي عليها؛ لأن الإنسان بشر لا يمكن يدرك هذه الصفات العظيمة، لكن في المعنى محكَمة معلومة لا تخفى على أحد، كلنا يعرف ما معنى العلم، كلنا يعرف ما معنى الاستواء، كلنا يعرف ما معنى الوجه، ما معنى اليد، ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله قوله المشهور الذي روي عن شيخه قال: إن الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بِدعة.
طالب: شيخ، متشابه في الحقيقة وغير متشابه، كيف يعني متشابه في الحقيقة، يعني بمعنى الدلالة؟
الشيخ: كم بقي على الأسئلة.
الطالب: لا، بس مو سؤال، عشان تعليق في نفس الآية.
الشيخ: إيه! أنا قلت: لو فهمتم تقولوا نعم.
طالب: نعم يا شيخ، ما نريد ها النوع لكن فيه بعض الأشياء كما ذكره.
الشيخ: إيه، لكن إذا قلت: أفهمتم؟ وقال بعضكم: نعم، وسكت الباقون، معناه أنهم كلهم فهموا، الواجب على من لا يفهم، لا، إذا قلت: أنا فهمت، معناه أن انقطع الكلام اللي عندي، فإذا قلت: أفهمت؟ وأنت ما فهمتم لازم تبينون، أقول مثلًا: نحن نعلم معنى العين ولَّا لا؟ لكن حقيقة عين الله وكيفيتها معلومة ولَّا غير معلومة؟ غير معلومة، نحن ما ندري أعيننا معروفة مكونة من طبقات متعددة ومن عروق، ومن كذا ومن كذا ومن كذا، معروفة، لكن عين الله لا يمكن أن تقول فيها هكذا، مجهولة لك، كذا؟ إذن هي حقيقتها غير معلومة، لكن معنى العين وهي التي يحصل بها النظر والرؤية أمر معلوم، يد الله عز وجل هي معلومة لنا معلومة على الحقيقة؟ لا، اليد معروفة والأصابع معروفة، والقبض باليد معروف، والأخذ باليد معروف، كذا ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لكن حقيقة هذه اليد وكيفيتها ما تستطيع تتكلم فيها، ومن ادعى العلم بها فهو كاذب، هذا معنى الحقائق؛ فالحقائق شيء والمعاني شيء آخر، وثقوا بأننا لو نقول: إننا لا نعلم معاني آيات الصفات أنه سيفوتنا ثلاثون في المئة من معاني القرآن أو أكثر؛ لأن ما تكاد تجد آية إلا وفيها اسم من أسماء الله أو صفة من صفاته.
يقول: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِمن الراسخون في العلم؟ الثابتون الذين وصلوا إلى عمقه، عمق العلم؛ لأن الرسوخ في الأصل الثبوت والاستقرار، يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِأي: صدّقنا به، بالمحكَم وبالمتشابه، أما المحكم فظاهر أنهم يؤمنون به؛ لأنهم عرفوا معناه واطمأنوا إليه، وأما المتشابه فإيمانهم به هو التسليم، ولهذا قال فيه: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَاولا يمكن أبدًا أن يكون فيه تعارض أو تناقض.
هنا قسم الله القرآن إلى قسمين، ولكنه في موضع آخر جعله قسمًا واحدًا، فقال: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزمر: ٢٣]، وقال في آية أخرى: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ [يونس: ١]، وقال: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [هود: ١] ولم يذكر التشابه، نقول: هذا أيضًا من المتشابه، أليس كذلك؟ لأنه كيف يوصف القرآن بأوصاف ظاهرها التعارض، فنقول: الراسخون في العلم يعلمون أن لا تعارض؟ فيقولون: المتشابه الذي وُصف به القرآن غير مقرون بالمحكم يراد به التشابه في الكمال والجودة والهداية، فهو متشابه، كل آياته متشابهة، كلها كاملة بلاغةً، كلها كاملة في الخبر، كاملة في الأمر والنهي، فهو متشابه من حيث أيش؟
الكمال والجودة والأحكام والأخبار وغير ذلك، محكم، إذا ذُكرت المحكم بدون ذكر المتشابه فالأمر واضح أنه متقن، متقن ليس فيه تناقض، ولا تعارض، ولا كذب في خبر، ولا جور في حكم، فإذا ذُكر الإحكام والتشابه حُمل الإحكام على معنى والتشابه على معنى آخر، يحمل الإحكام على أيش؟ على الوضوح، إذا ذكر الأحكام والتشابه، لما ذكر الأحكام وذكر التشابه صار كل واحد منهما قسيمًا للآخر، فإذا كان تشابه وأيش قسيمه؟ الواضح، الواضح المعنى، الواضح البيِّن، فــمِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌأي: بينات واضحات، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌقسيمتها ضدها، واضح الآن؟
يقول الله عز وجل: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ(ما) نافية، يَذَّكَّرُأصلها: يتذكر، لكن قلبت التاء ذالًا وأُدغمت في الذال الأخرى صارت وَمَا يَذَّكَّرُ، أي: لا يتعظ وينتفع بالقرآن إلا أولو الألباب؛ أي: إلا أصحاب العقول؛ لأن الألباب جمع (لُبّ)، واللب هو العقل، والمراد بالعقل هنا عقل الإدراك أو عقل التصرف، أو الأمران؟
الطلبة: يشمل الأمرين.
الشيخ: يشمل، لكن الأهم عقل التصرف، عقل الإدراك الذي ضده الجنون، وعقل التصرف الذي ضده السفه، فالذي يتذكر بالقرآن هو الإنسان الذي أعطاه الله عقلًا يدرك به الأشياء، وأعطاه الله تعالى رشدًا يحسن به التصرف، هذا هو اللي يتذكر، وأما من أعطاه الله تعالى عقلًا يدرك به الأشياء وهو العقل المضاد للجنون ولم يعطِه عقلًا يحسن به التصرف؛ وهو العقل المضاد للسفه فهذا لا ينتفع بالقرآن، لا ينتفع إلا العاقل عقل إدراك وعقل تصرف.
في هذه الآية الكريمة فوائد جليلة كثيرة؛ أولًا: أن هذا القرآن كلام الله؛ لقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ، فإن قال قائل: يَرِدُ عليك وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد: ٢٥]، أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الأنعام: ٩٩] فهل تقول: إن الحديد كلام الله؟ وإن الماء كلام الله؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا؟ كلكم تقولون: لا؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: لماذا جعلتم هذا يدل على أن القرآن كلام الله؟ نقول: لأن الكلام صفة لا تقوم بذاتها، لا تقوم إلا بمتكلم، بخلاف الماء وبخلاف الحديد فإنه عين قائمة بنفسها فتكون مخلوقة، وأما القرآن فليس بمخلوق؛ لأنه صفة الخالق عز وجل، والمخلوق شيء بائن عن الخالق، منفصل عنه، لكن الكلام صفة هي فِعْلُه، فليس بمخلوق.
من فوائد الآية الكريمة: إثبات علو الله عز وجل، والإنزال لا يكون إلا من أعلى لأسفل، فإذا كان القرآن كلامه ونزل؛ إذن الله فوق، وهو كذلك، ومذهب أهل السنة والجماعة، بل مذهب الرسل كلهم أن الله تعالى فوق كل شيء، ألم تروا إلى فرعون قال: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى [غافر: ٣٦، ٣٧]، وهذا يدل على أن موسى قال له: إن الله فوق.
الطلبة: في السماء.
الشيخ: والعلو لله عز وجل ثابت بالقرآن، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، خمسة أنواع من الأدلة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، أما الكتاب فأدلته أكثر من أن تُحصى، وهي أدلة متنوعة تارة بذكر العلو، وتارة بالفوقية، وتارة بنزول الأشياء منه، وتارة بصعود الأشياء إليه، وتارة بذكر (في) مثل في السماء، والسنة كذلك متواترة بعلو الله ومتنوعة، فتارة بقول الرسول عليه الصلاة والسلام، وتارة بفعله، وتارة بإقراره، أما قوله: فكان يقول في كل صلاة: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» ، وأما فعله: فقد أشار إلى السماء غير مرة، يشير إلى السماء في الدعاء، يرفع يديه إلى السماء، وأشار إلى السماء حين أشهد ربه على أمته أنهم أقروا بإبلاغه الرسالة، متى؟
الطلبة: يوم عرفة.
الشيخ: في حجة الوداع في يوم عرفة، في أكبر مجمع للمسلمين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وأما إقراره؛ فَسَأَلَ الْجَارِيَةَ: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» ، وأما الإجماع فقد أجمع السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى بعدهم على أن الله تعالى فوق كل شيء، ولم يُنقل عن واحد منهم أنه قال: إن الله في كل مكان، ولا أنه قال: إن الله لا يوصف بأنه فوق العالم، ولا تحته ولا داخله ولا خارجه ولا متصل ولا منفصل ولا مباين ولا محايد، أبدًا ما أحد قال هذا، وأما العقل فإنا لو سألنا أي إنسان: ما تقول في العلو أهو صفة كمال أو نقص؟ لقال: صفة كمال، والعقل يقول: كل صفة كمال فهي ثابتة لله عز وجل، فيثبت العلو لله بدلالة العقل من هذه الناحية ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: أما الفطرة فحدِّث ولا حرج، الإنسان الذي لم يتعلم ولا يدري عن كلام العلماء في هذا إذا سأل الله أين يرفع يديه؟
الطلبة: إلى السماء.
الشيخ: إلى السماء، ما رأينا أحدًا لما أراد أن يدعو ركز يديه على الأرض أبدًا، ولا روَّح يمين ولا يسار، يرفعها إلى السماء، ولهذا استدل أبو الأعلى الهمداني على أبي المعالي الجويني بهذا الدليل الفطري حتى إن الجويني لم يتمالك أن صرخ وضرب على رأسه وقال: حيرني؛ لأن أبا المعالي الجويني -غفر الله لنا وله- كان يحدث الناس ويقول: كان الله ولا شيء، صح؟ صحيح هذا؟
الطلبة: نعم، صحيح.
الشيخ: كان الله ولا شيء، صح، هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآن على ما كان عليه، شوف الكلمة هذه موهمة، ماذا يريد وهو الآن على ما كان عليه؟ يعني غير مستوٍ على العرش؛ لأن العرش لم يكن، وقد كان الله ولا شيء، وهو الآن على ما كان عليه، إذن فلم يستوِ على العرش، فقال له أبو العلاء الهمداني، قال له: يا أستاذ، دعنا من ذكر العرش؛ لأن الاستواء على العرش دليله غير عقلي، لا عقلي ولا فطري، الاستواء على العرش دليله سمعي؛ لأنه لولا أن الله أخبرنا أنه استوى على العرش ما علمنا ذلك، ولا علمنا عن العرش كل ما نعلم عنه، أخبِرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في نفوسنا، ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو، كل واحد بيسأل الله يقول: يا الله، وين يروح قلبه؟ إلى العلو، فصرخ، ضرب على رأسه، قال: حيرني؛ لأنه لا يجد جوابًا عن هذه الفطرة، فعلو الله -ولله الحمد- قد دل عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، ولولا قول من اجتالتهم الشياطين ما كان يحلم الإنسان أو يفكر في أن الله تعالى في كل شيء، في كل مكان، أبدًا، ولا يطرأ على باله، ولا يفكر أننا نسلب الله عنه كل صفة، فنقول: لا فوق العالم ولا
تحته، ولا يمين العالم ولا شمال العالم، ولا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا متصلًا بالعالم ولا منفصلًا عن العالم، وين يروح؟ عدم، أعوذ بالله، والغريب أن هؤلاء يرون أنهم نزَّهوا الله، وهم لو قيل لهم: صِفوا لنا العدم، ما وجدت أحسن من هذا الوصف، نسأل الله ألا يزيغ قلوبنا، إذن العلو، علو الله عز وجل ثابت بخمسة أدلة أنواع، ما هي أفراد، أفرادها لا تحصى، لكن أنواعها خمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة.
طالب: من المتشابهات أوائل السور (...)؟
الشيخ: ما تقولون في هذا؟ يقول: من المتشابه أوائل السور؟
الطالب: أقول: منها أوائل.
طالب: ليس بصحيح.
الشيخ: إيه أقول: هذا غير صحيح.
طالب: ليست كل السور أوائلها من المتشابه؟
الشيخ: لا، يقول: كل أوائل السور من المتشابه أوائل السور اللي بالحروف الهجائية.
طالب: المقطعة.
الشيخ: نعم، نقول: هذا غير صحيح؛ لأننا نعلم أن هذه الحروف ليس لها معنى في ذاتها، علمنا هذا من القرآن، قال: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] واللسان العربي المبين لا يجعل لهذه الحروف معنى؛ إذن فلا معنى لها فهي واضحة.
طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، في قوله ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِقلنا: يعني الصد عن سبيل الله، وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِما المراد؟
الشيخ: قال العلماء: معنى تَأْوِيلِهِأي تفسيره على غير مراد الله؛ يعني يريدون أن يفسروه على غير مراد الله، سواء افتتن به الناس أو لم يفتتنوا، فيؤدي إلى الشكوك في أنفسهم، هم أنفسهم أيضًا يتشككون في هذا.
طالب: ما يكون هنا مراده حسب أيضًا القولين يعني إما أن يكون ابتغاء تأويله يعني الغاية أو التفسير بينهم على الخلاف من قوله: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ.
الشيخ: إيه، هو معلوم لا بد، هو ما يمكن يفسر إلا على هذا المعنى؛ يعني قصدي أنه ابتغاء تأويله الذي لا يعلمه إلا الله، هم يقولون: فيما لا يعلمه إلا الله: لا نقول فيه شيئًا، يُمسكون عنه، ولا نعم لو فسروه بغير ما أراد الله، كلّا، إنما هم يتبعون المتشابه لأجل أن يقولوا للناس: تفضل، شوف القرآن متناقض! أو يجيبون آيات مثلًا غير واضحة المعنى، ثم يفسرونها بما يريدون هم.
طالب: يا شيخ أحسن الله إليك، إذا قلنا: إن ابتغاء تأويله يعني يحرفونه على غير مراد الله عز وجل، ألا يكون نأخذ من هذه الآية أن التأويل يأتي مع التحريف؟
الشيخ: دي بيجينا إن شاء الله تعالى بالفوائد.
طالب: يقول الله تعالى: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥] هنا الاستثناء متصل؟
الشيخ: الاستثناء؟ ما فيه شك، هذا استثناء مفرَّغ؛ لأن اللَّهُهو الفاعل.
الطالب: استثناء ممن؟
الشيخ: قال: لا يعلم إلا الله، مثل: لا إله إلا الله، هذا استثناء مفرغ؛ يعني لا أحد يعلم إلا الله عز وجل.
طالب: (...) هل نقول: إنه استثناء (...) لا يعلم من إلا الله.
الشيخ: الاستثناء المفرغ يكون المقصود به الحصر.
الطالب: التأويل هنا يا شيخ.
الشيخ: أنت كأنك يعني أشكل عليك: مَنْ فِي السَّمَاوَاتِحتى لو قلنا: مَنْ فِي السَّمَاوَاتِفالله تعالى في السماء كما قال عن نفسه، فيكون الله تعالى فوق كل شيء، هو مفرغ ما هو باستثناء متصل، يعني ليس استثناء من المستثنى منه متصل، لا يعلم الغيب إلا الله، قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النمل: ٦٥] لا ما هو استثناء، أنا قلت مفرغ خطأ، هذا استثناء صحيح، استثناء من كلام تامّ منفي، فيكون المعنى: لا يعلم من في السماوات ومن في الأرض الغيب إلا الله، هذه بدل مِن (مَنْ)، والبدل كما قال النحويون: هو التابع المقصود بالحكم، فإذا كان هو التابع المقصود بالحكم صار معنى الآية: لا يعلم إلا اللهُ الغيبَ.
طالب: يعني (الله) مستثنى من (مَنْ)؟
الشيخ: من (مَنْ)، لكن لما كان بدلًا حيث رُفع الآن صار بدلًا، لما كان بدلًا صار هو المقصود بالحكم، فكأنه لا يعلم الغيب إلا الله، هذا يكون تحليل هذا.
طالب: التأويل يا شيخ والتفسير هل يساوي علم الله بعلم الرَّاسِخُون فِي الْعِلْمِفي التفسير؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: التأويل والتفسير؟
الشيخ: لا لا، لا يساوي لكنهم يعلمون من التفسير ما لا بد لهم منه.
الطالب: فإذن لا يعلمه إلا الله.
الشيخ: وإلا قد لا يعلمون تفسير كل شيء، يعني حتى العلماء الآن تجد بعضهم يستخرج من الآية فائدتين، وبعضهم ثلاثة، وبعضهم أكثر، لكن الشيء الذي لا بد لهم منه من هذا المتشابه يعلمونه.
الطالب: يعني جاء في القرآن لَا يَعْلَمُونَالعلم الذي يعلمه الله.
الشيخ: الشيء الذي لا بد لهم منه لا بد أن يعلموه، لكن الحقائق ما يعلمونها.
طالب: شيخ، الاستواء في اللغة العربية يعني معروف، لكن الإنسان لو أراد أن يترجمه بأي لغة أخرى لناس ما يعرفون اللغة العربية هل يقع يعني التشبيه؟
الشيخ: لا، يعني للإيضاح، ما فيه مانع، يعني إذا كنا لا نعرف، إذا كنا نريد أن نُبين أن الاستواء معناه العلو، ونشير إلى واحد نقول: مثل شيء فوق شيء، مثل استواء الإنسان على البعير بالمعنى فقط لا بالكيفية ما فيه شيء.