تفسير الآيتين (12-13)
تفسير الآية (14)
القنابل الذرية والنووية، وحصل بذلك شر كثير عليهم وعلى من حولهم،
لو شاء الله سبحانه وتعالى لأعتم الجو فقط إعتامًا بالضباب ولم يستطيعوا أن يفعلوا
شيئًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قدرته وقوته لا يقهرها شيء، ولهذا قال: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [آل عمران: ١٠].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفار في النار؛ لقوله: وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ [آل عمران: ١٠]، ولكن هل نشهد لكل كافر أنه في النار؟ لا، هل نشهد لكل كافر يعني بعينه أنه في النار؟ الجواب: لا، لكن نشهد على سبيل العموم ونقول: كل كافر في النار، كما نقول: كل مؤمن في الجنة ولكن لا نشهد لواحد معين بالجنة، ففرق بين العموم وبين الخصوص.
وفي الآية أيضًا إثبات النار؛ لقوله: وَقُودُ النَّارِ(...).
الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاهل المراد بالذين كفروا قوم معينون أم هو عام؟
طالب: عام.
الشيخ: بل عام.
الطالب: (...).
الشيخ: وله أموال وأولاد فإن هؤلاء الأموال والأولاد؟
الطالب: لن يغنوا عنه من الله شيئًا.
الشيخ: هل نفي الإغناء هنا في الدنيا أو في الآخرة؟
طالب: في الآخرة.
الشيخ: وفي الدنيا؟
الطالب: يمكن أن يغني عنهم في الدنيا.
الشيخ: من الله؟
الطالب: لا، من الناس.
الشيخ: أبغي أقول: لن تغني عنهم من الله.
الطالب: في الآخرة لن تغني عنهم.
الشيخ: وفي الدنيا؟
الطالب: من الله؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لا يغني عنهم.
الشيخ: اجزم؟
الطالب: لا يغني عنهم جزم.
الشيخ: لا في الدنيا ولا في الآخرة، توافقون على هذا؟ نعم، لن تغني عنهم من الله شيئًا؛ لقوله تعالى: وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ [الرعد: ١١]. قوله: وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ، وقود النار بمعنى ما يوقد به، أي أنهم توقد بهم النار، وهل يشاركهم في ذلك أحد؟
طالب: لا يشاركهم فيها أحد إلا من كفر برسله.
الشيخ: هم الكفار، نعم.
طالب: المنافقون.
الشيخ: المنافقون كفار.
الطالب: ولَّا اليهود.
الشيخ: لا لا.
طالب: الحجارة.
الشيخ: الحجارة، وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ. قوله: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَأيش معناها؟
طالب: يعني مثل قوم فرعون.
الشيخ: الدأب بمعنى؟
الطالب: مثل قوم.
الشيخ: يعني كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَأي: كمثل آل فرعون؟
الطالب: كعادتهم وشأنهم.
الشيخ: كعادتهم وشأنهم. وأيش هذه الجملة، أو هذه الكلمة محلها من الإعراب؟
طالب: محلها من الإعراب؟
الشيخ: نعم.
الطالب: يعني (دأب) مبتدأ، (آل فرعون) هو خبر.
الشيخ: لا لا.
الطالب: الدأب (...) مثله.
الشيخ: لا.
الطالب: ما هو إعرابه هذا.
الشيخ: لا ليس إعرابه هذا.
طالب: (كدأب) جار ومجرور خبر مقدم.
الشيخ: خبر مقدم لأيش؟
الطالب: لمبتدأ مقدر.
الشيخ: خبر مقدم لمبتدأ مقدر؟ خبر مقدم ما دام المبتدأ مقدر فهو بيدك (...) تحطه بعد (...) تحطه قبل، إذن الآن تقولون: خبر لمبتدأ مقدر مؤخر كذا؟
الطالب: أضربت عن المؤخر.
الشيخ: أضربت عن المؤخر؟ إذن خبر لمبتدأ مقدر والتقدير؟
طالب: التقدير: دأبهم.
الشيخ: دأبهم كدأب آل فرعون، ما المراد بآل فرعون هنا؟
طالب: فرعون؟
الشيخ: آل فرعون.
الطالب: فرعون نفسه والذين اتبعوه أو الذين كفروا من قومه.
الشيخ: الذين اتبعوه، لأيش ما نقول: الذين اتبعوه؟
الطالب: الذين كفروا من قومه أو الذين اتبعوه.
الشيخ: الذين اتبعوه، يعني هو وأتباعه. الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْمثل مَن؟
طالب: مثل قوم نوح.
الشيخ: نعم.
الطالب: وعاد.
الشيخ: نعم.
الطالب: وثمود.
الشيخ: نعم، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين، كثير. جملة: كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُما محلها من الإعراب؟
طالب: جملة مستأنفة مبينة.
الشيخ: نعم، جملة استئنافية لبيان هذا الدأب. المراد بالآيات هنا؟
طالب: الكونية والشرعية.
الشيخ: والشرعية، كيف التكذيب بالآيات الشرعية؟
طالب: كذبوا بما أتى به موسى.
الشيخ: نعم، أو رسلهم؛ لأنه يقول: وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.
الطالب: الرسل جميعًا، بما أتى به رسلهم.
الشيخ: نعم.
الطالب: وكذلك في الآيات الكونية.
الشيخ: في الآيات الكونية، كذّبوا بها إما بنسبتها إلى غير الله، أو بأن الله له فيها مشارك أو معين. قال الله تعالى: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْالباء أيش معناها؟
طالب: الباء هنا سببية.
الشيخ: الباء هنا سببية، أخذهم الله بسبب ذنوبهم، وتصح معنى آخر؟
طالب: العوض.
الشيخ: العوض، يعني أن جزاءهم من جنس عملهم وعوضًا عنه، وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ، نأخذ الفوائد الآن.
من فوائد هذه الآيات، أولًا الآية الأولى: أن الكافرين قد يُرْزَقون بالأموال والأولاد.
طالب: أخذناها.
الشيخ: أخذتموها؟
الطالب: نعم.
الشيخ: من فوائد الآية الكريمة: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْوهي الآية الثانية، من فوائدها: أن الكفار المتأخرين كالكفار السابقين؛ لأن سنة الله تعالى في الخلق واحدة؛ لأنه عز وجل ليس بينه وبين الخلق نسَب يراعيه ويحابي من يتصل به، فالناس عند الله تعالى سواء، أكرمهم عند الله أتقاهم؛ لقوله: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَإلى آخره.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن فرعون وآله قد عُذِّبُوا في الدنيا كما سيُعَذَّبون في الآخرة؛ لقوله: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ.
ومن فوائدها: الرد على من زعم أن فرعون أسلم فنفعه إسلامه؛ لأن الله تعالى ذكر ذلك على وجه المؤاخذة والمعاقبة، ولو كان تائبًا توبة تنفعه ما ذُكِر ذنبه بدون ذكر توبته؛ لأن الله تعالى عدْلٌ لا يذكر أحدًا بذنب تاب منه إلا أن يبين توبته، فآدم عليه الصلاة والسلام لما أكل من الشجرة وحصل له ما حصل وتاب إلى الله فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة: ٣٧]، ذكر الله تعالى معصيته وذكر أنه تاب، وذكر أنه بعد التوبة كان خيرًا منه قبلها ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه: ١٢٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الآيات لله، وهي العلامات الدالة على الله عز وجل، على وجوده، وعلى ما تتضمنه هذه الآيات من صفاته؛ فمثلًا نزول الرحمة، نزول الغيث، دليل على الرحمة، آية على رحمة الله، على وجوده وعلى رحمته، نزول العقوبات دليل على وجود الله وعلى غضبه، وهكذا كل آية تدل على وجود الله سبحانه وتعالى، وعلى ما تقتضيه تلك الآية من الصفات، سواء كانت آية رحمة أو آية عذاب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله لا يظلم الناس شيئًا، وإنما يؤاخذهم بالذنوب، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، ونظير ذلك قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠].
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية الذين لا ينسبون فعل العبد إليه؛ لقوله: بِذُنُوبِهِمْ، فأضاف الذنوب إليهم، والفعل لا يُنْسَب إلا لمن قام به حقيقةً، والجبرية يقولون: إن الفعل لا ينسب إلى الإنسان على وجه الحقيقة.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات صفة شدة العقاب لله؛ لقوله: وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
ثم قال تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، قُلْالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، واعلم أن الخطاب الموجه للنبي صلى الله عليه وسلم تارة يكون شاملًا له وللأمة بالنص المقترن بذلك الخطاب، وتارة يكون خاصًّا به، وتارة يكون عامًّا له وللأمة بمقتضى كونه إمامًا للأمة، يعني ليس بالخطاب ما يدل على العموم لكن باعتبار أنه إمام الأمة يكون الخطاب له، وحكمه يشمله ويشمل الأمة، مثال الأول الخطاب الموجه للنبي صلى الله عليه وسلم واقترن به ما يدل على أنه عام له وللأمة قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١]، فقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، ثم قال: إِذَا طَلَّقْتُمُولم يقل: إذا طَلَّقْتَ، فدل هذا على أن هذا الخطاب موجه له ولأمته، ومثال العام الذي ليس فيه نص مقترن به على أنه عام أكثر الخطابات الموجهة للرسول عليه الصلاة والسلام من هذا القسم، مثل هذه الآية: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُواهذا شامل له وللأمة، حتى نحن نقول للذين كفروا: سَتُغْلبون وتُحشَرون إلى جهنم. والمثال الثالث قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١]، أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى: ٦]، هذا خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام.
قال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ، يعني قل يا محمد، وأمته تقول ذلك أيضًا للكفار على وجه الاقتداء به والتأسي به، قل لهم: سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ، وفي قراءة: {سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ} قراءة سبعية، سَتُغْلَبُونَمن الذي يغلبهم؟ الذي يغلبهم المؤمنون، كما قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨]، وقال الله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: ٢١]، ولكن من المؤمن الغالب؟ المؤمن الغالب هو الذي آمن حقًّا وقام بالعمل الصالح، ليس مجرد الإيمان هو القول باللسان، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨]، لا بد من إيمان صادق يشهد له العمل فيكون صالحًا، والله عز وجل يقول: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١]، فالذين آمنوا إيمانًا حقيقيًّا مصدَّقًا بالعمل سوف يغلبون بلا شك، سوف يغلبون الكفار.
ولكن إذا قال قائل: ما تقول في الأمة الإسلامية اليوم؛ فإنها مغلوبة على أمرها، والكفار يستذلّونها غاية الذل ويحاربونها من كل وجه بكل أنواع السلاح؟ فجوابنا أن نقول: أقول في الأمة الإسلامية إنها يصدق على عامتها ما هو على كل فرد منها أنه ليس لهم من الإسلام إلا اسمه فقط، ولا من القرآن إلا رسمه، ولذلك تجد واحدًا منهم يعظّم القرآن تعظيمًا متعديًا لحدود الشرع، لكن تعظيم رسمي فقط، يقبّل القرآن ويحبه ويضم على جبهته لكن ما يعمل بما فيه إلا نادرًا، حتى إنه ربما يفعل ذلك وهو يشرك بالله، يدعو غير الله، أين العمل بالقرآن؟ ما فيه عمل بالقرآن، وإذا نظرت نظرة فاحصة في العالم الإسلامي اليوم وجدت أنه لا يمثل الإسلام حقيقة، وجدت في العبادة أنواعًا كثيرة من الشرك بالأموات وبالأحياء، وجدت أنواعًا كثيرة من البدع العقدية والعملية، وجدت أنواعًا كثيرة من نقض العهد والغدر والخيانة والكذب والغش، فأين الإسلام؟ ليس هو إلا اسمه، ومن ثم لم نغلب الذين كفروا، بل الذين كفروا هم الذين غلبونا في الواقع، وهم الذين لهم السيطرة الآن، السيطرة على العالم اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، نعم.
إذن هذه الآية إذا قال قائل: كيف تصدق هذه الآية أو يصدق مقتضاها مع ما نشاهد اليوم؟ الجواب: أننا لم نصدُق الله حتى يكون لنا النصر، فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [محمد: ٢١]، نعم.
سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ، في الدنيا تُغلبون، في الآخرة تُحشرون إلى جهنم - والعياذ بالله - يُجمعون إليها ويدخلونها ويُخلدون فيها، فيكون هؤلاء الكفار قد خسروا الدنيا والآخرة، خسروا الدنيا بالغلبة غُلِبوا، والذل، وخسروا الآخرة بأنهم يُحشرون إلى جهنم، وهذا كقوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال: ٣٦]، هذه الآية نظير هذه الآية.
وقوله: وَبِئْسَ الْمِهَادُهذا قدح، قدح للنار - والعياذ بالله - وأنها بئس المهاد، يعني بئس ما يتمهد به الإنسان كالذي يتمهد في فراشه ويلتحف بلحافه، لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر: ١٦] - والعياذ بالله - يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت: ٥٥]، لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف: ٤١] أي: شيء يغشيهم ويغطيهم من العذاب، فهم - والعياذ بالله - حالهم حال لا يمكن أن يتصورها الإنسان لعظمها وشدتها وهم خالدون فيها أبدًا.
قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا، قَدْ كَانَيحتمل أن تكون هذه من جملة مقول القول السابق في قوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ، فتكون من جملة مقول القول، يعني: قل لهم اعتبروا بمثل أضربه لكم كَانَ لَكُمْ آيَةٌأي: علامة على أنكم ستُغلبون؛ لأن الآية في اللغة العلامة، آية على أنكم ستغلبون، فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَايعني للقتال بينهما، والفئة بمعنى الطائفة.
وهل المراد بالفئتين فئتان حقيقيتان واقعتان، أو هو على سبيل المثال؟ أكثر المفسرين على أنهما فئتان حقيقيتان في أمر واقع، وقال بعض المفسرين: إن ذلك على ضرب المثل، يعني ولنفرض أن هناك فئتين على هذا الوجه؛ فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة.
وإذا قلنا إنهما فئتان في قضية واقعة فقد قال هؤلاء القائلون بهذا القول: إن المراد بهما فئة الكفار والمؤمنين في بدر، فهما فئتان، فئة تقاتل في سبيل الله وهم النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، وفئة كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت كما قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ [النساء: ٧٦]، الله أكبر، فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِالخطاب لمن؟ للمؤمنين، فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء: ٧٦]، سبحان الله لو أخذنا بهذه الآية ونحن مؤمنون حقيقة نقاتل في سبيل الله لكان هؤلاء بين أيدينا كالفَراش، ولكن الأمر كما تعرفون.
قوله: آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِأي: طائفتين من الناس الْتَقَتَا، يعني لقي بعضهما بعضًا، فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فِئَةٌمبتدأ، وتُقَاتِلُخبره، وجاز كون المبتدأ نكرة؛ لأنه للتقسيم، وقد مر علينا أنه إذا كان هناك تقسيم جاز الابتداء بالنكرة، ومنه قول الشاعر:
فبدأ بالنكرة من أجل التقسيم، فهنا قال: فِئَةٌ تُقَاتِلُ، فبدأ بالنكرة؛ لأن المقام مقام تقسيم، تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أي: في طريقه، والقتال في سبيل الله يتضمن أمورًا، الأول: إخلاص النية لله، الثاني: أن يكون موافقًا فيه أمر الله، الثالث: أن تُتَجَنَّب فيه محارم الله، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» .
الأول أن يكون مرادًا بها وجه الله، وأن تكون كلمته العليا، وهذا الإخلاص، لا يقصد الإنسان بقتاله السيطرة على العالم وأن يملك الأرض ويغنم الأموال ويسبي الذرية، إنْ قصد هذا فليس قتاله في سبيل الله.
الثاني: أن يكون القتال في حدود شريعته، بحيث لا يكون فيه عدوانٌ على أحد، فإن كان فيه عدوانٌ على أحد فإنه ليس في سبيل الله.
ومثاله: أن يكون بيننا وبين المشركين عهد ثم ننقضه ونقاتل، وهذا حرام، وليس هذا القتال في سبيل الله، بل هو معصية لله عز وجل؛ لأن الله تعالى قال: فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ [التوبة: ٧]، ونهى أن نقاتل في حال العهد وقال: إِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ [الأنفال: ٥٨]، يعني حتى إذا عاهدت قومًا من الكفار وخفت أن يخونوا لا يجوز أن تنقض العهد، ولكن انْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ، يعني قل لهم: لا عهد بيننا وبينكم، عَلَى سَوَاءٍ، حتى تكون (...) على سواء، يعني على علم بأن العهد قد نُقِض، أما أن تقاتل مع العهد فهذا ليس في سبيل الله.
الأمر الثالث: أن تجتنب فيه أيش؟ محارم الله، فإن لم تجنب فيه محارم الله فإنه وإن كان أصله في سبيل الله لكن لا تتحقق فيه الغلبة والنصر، بدليل ما وقع للمسلمين في غزوة أحد، فإن المسلمين في غزوة أحد كان الأمر في أول النهار في أيديهم والغلبة لهم، ولكنهم عصوا الرسول عليه الصلاة والسلام فخُذِلوا، فكانت الدائرة للمشركين، يقول الله عز وجل: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ [آل عمران: ١٥٢]، يعني حصلت الهزيمة، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ [آل عمران: ١٥٢]، الله أكبر، الله عز وجل صرف المسلمين عنهم فلم يقاتلوهم، لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ [آل عمران: ١٥٢]، شوف بعد هذا التقريع والتوبيخ الذي يتعظ به من يأتي بعدهم قال بعده: وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ، ونحن لو فعلنا كما فعلوا هل نحن ضامنون أن يعفو الله عنا؟ لا، لكن الصحابة عفا الله عنهم وصار ما فعلوه كأن لم يكن، المهم أن نقول: في سبيل الله لا بد فيه من شروط، لا بد فيه من شروط، ماذا تقولون في قوم يقاتلون للقومية، هذا في سبيل الله؟ ليس في سبيل الله، ولهذا سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرَى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» ، يعني هذه كلها ليست في سبيل الله، الرجل يقاتل شجاعة لأنه شجاع والشجاع يحب أن يقاتل؛ لأن الشجاعة من سجيته والإقدام من سجيته فيحب هذا، والثاني يقاتل حمية وحدبًا على قومه، والثالث يقاتل رياء وسمعة ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ».
الأخرى كافرة، ولم يقل الله عز وجل: تقاتل في سبيل كذا، وهذا من باب الاكتفاء بأحد الوصفين عن الآخر، الأولى قال: فِئَةٌ تُقَاتِلُولم يقل: فئة مؤمنة، تقاتل في سبيل الله، والثانية قال: وَأُخْرَى كَافِرَةٌولم يقل: تقاتل في سبيل الطاغوت، فحذف من الأول مقابل ما ذُكِر في الثاني، وأيش حذف من الأول؟ مؤمنة التي تقابلها كافرة، وحذف من الثاني ضد ما ذُكِر في الأول، فحذف في سبيل الطاغوت، وقد ذكر في الأولى: في سبيل الله، وهذا من الاكتفاء بذكر أحد الوصفين على الآخر، وهو من البلاغة الإيجازية، قال: وَأُخْرَى كَافِرَةٌيعني: تقاتل في سبيل الطاغوت.
يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ، وفي قراءة سبعية: {تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ}، وهنا نشوف مَن الرائي هل هم المقاتلون في سبيل الله، أو الكفار؟ الواقع أن الضمير يصلح لهذا وهذا، لكن تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِواضح أنها تعود إلى الكفار، ترون المقاتلين الفئة التي تقاتل في سبيل الله مثلي الكفار لكن رؤيا فقط ما هي حقيقية إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور [الأنفال: ٤٣]، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا [الأنفال: ٤٤].
يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِيعني يشاهدونهم بأعينهم أنهم مثليهم، سواء كانوا مؤمنين ولا كفارًا، فإن كانوا مؤمنين يرون الكفار مثليهم، فواضح أن الفئة القليلة هي المؤمنة، وإن كان الكفار يرونهم مثليهم رأي العين ففيها إشكال؛ لأنهم إذا كان الكفار يرون المؤمنين رأي العين مثليهم صارت الغلبة لمن؟
طالب: المؤمنين.
الشيخ: إي لكن (...)، صارت الغلبة للأكثر، لكنهم قالوا: إن رؤيتهم إياهم مثليهم من باب إراءة الله إياهم كذلك وإن كانوا في الواقع دون ذلك، إن كانوا في الواقع دون ذلك.
على كل حال الأقرب أن الرائي هم الطائفة المؤمنة، وأن المثلين مَن؟ الطائفة الكافرة، يعني ترى الطائفةُ المؤمنة الطائفةَ الكافرة مثليهم، وتتحقق أن هؤلاء الكفار يبلغون ضعفيهم، المِثْلان كم، إذا كان المؤمنون مئة ك الكفار؟ يكونون مئتين.
فإذا قلنا: إن هذه الآية في قضية واقعة وهي في يوم بدر صار عندنا إشكال كبير في قوله: مِثْلَيْهِمْ، لماذا؟ لأن عدد المؤمنين في بدر ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، وعدد الكفار ما بين تسع مئة إلى ألف، وهل تسع مئة وألف تكون مثلي ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا؟ نعم تقريبًا ثلاثة أمثال، ثلاثة أمثال أو أكثر، فذهب بعض العلماء إلى أنهم يرونهم مثليهم وإن كانوا في الحقيقة أكثر.
وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالمثل هنا الزائد، وجعل معنى قوله: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْأي: يرونهم أكثر منهم، وهذا إذا قلنا: إن الآية في قضية واقعة وهي قضية بدر.
أما إذا قلنا: إنها ضَرْبُ مَثَل ففيه إشكال ولّا لا؟ لا إشكال فيه، إذا قلنا: إنه من باب ضرب المثل، وأن المؤمنين إذا كانوا نصف الكفار فإنهم يغلبونهم، وهذا هو المطابق لقوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ [الأنفال: ٦٦]، فهنا الفئة تغلب مثليها، أليس كذلك؟ الفئة تغلب مثليها، المئة تغلب مئتين، والألف يغلب ألفين.
قال الله تعالى: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ، رَأْيَ الْعَيْنِهذه مصدر مؤكِّد لقوله: ترونهمأو يَرَوْنَهُمْإذا جعلنا الرؤية أيش؟ بصرية، وأما إذا جعلناها علمية، أي يعلمونهم مثليهم رأي العين، فهي أيضًا من باب التوكيد المعنوي، يعني يعلمونهم علمًا يقينيًّا كما يرونهم بأعينهم.
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ، يُؤَيِّدُ: يُقَوِّي، والباء هنا باء الوسيلة، أي: يؤيد بسبب نصره من يشاء، وقلت: إن باء الوسيلة كما يقال: ذبحت بالسكين، وضربت بالعصا، فالنصر إذن وسيلة التأييد، فهو يقوي عز وجل بنصره من يشاء. مَنْ يَشَاءُممن تقتضي الحكمةُ نَصْرَه، أو ممن تقتضي الحكمةُ تأييدَه، ويجب أن نقيد كل آية جاءت بلفظ المشيئة أو جاءت معلقة بالمشيئة يجب أن نقرنها بالحكمة؛ لقول الله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠].
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُإِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ، إِنَّ فِي ذَلِكَالمشار إليه ما سبق من ذكر هذه القضية، أي إن في ذلك المذكور لعبرة يعني: لاعتبارًا، والاعتبار هو العبور من شيء إلى شيء، مأخوذ من العبور من شيء إلى شيء، يعني كأن الإنسان يعبر بعقله من المذكور إلى المعقول، فهنا ذُكِرت لنا قصة، نأخذ منها عبرة بماذا؟ بأن الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة، فيكون في هذا تحقيق لقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ، فإذا افتخر الكفار بكثرتهم نقول لهم: إن كثرتكم لا تغني عنكم شيئًا، فهذه فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، ومع ذلك صارت الغلبة لمن؟ للتي تقاتل في سبيل الله.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ، (الأبصار) جمع (بصر)، كـ(أسباب) جمع (سبب)، ولكن ما المراد بالأبصار هنا؟ هل هو بصر الرؤية الحسية أو بصر العقل أو يشمل؟ يشمل ما دام أنهم يرونهم رأي العين فيكون فيه عبرة لأولي الأبصار، للذين رأوا بأعينهم، وكذلك هو عبرة لأولي الأبصار بالعقول، بعقولهم ولو كانوا لم يروا ذلك رأي العين؛ لأنهم إذا سمعوا اعتبروا، إذا سمعوا اعتبروا فكان في ذلك عبرة لهم.
طالب: ألا يصدق على المسلمين اليوم أنهم غثاء كغثاء السيل؟
الشيخ: إي نعم، بلى، يصدق على المسلمين اليوم أنهم غثاء كغثاء السيل؛ لأن الأمم تداعوا عليهم كما تداعى الأكلة على قصعتهم.
طالب: فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِهذه الفئة تمثل كل (...) وهذا من حيث (...) وكذلك البلاغة إذا حذفتم أحد الوصفين يخرج الوصف الآخر.
الشيخ: نعم.
الطالب: يمكن (...) فئة.
الشيخ: هو يقول: إنه يجوز أن نجعل فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِخبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير: إحداهما فئة تقاتل، وهذا الصحيح، ما ذكره وجه من أوجه إعراب الآية، يعني أنه يجوز أن نجعل فِئَةٌخبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: إحداهما، ولكن قد قرر أهل العلم قاعدة وهو أنه إذا أمكن أن يكون الكلام غير مقدر فهو أولى، مر علينا هذا في أيش؟ في النحو وفي أصول الفقه أيضًا، أنه يُحمل الكلام إذا أمكن على غير حذف.
الطالب: (...).
الشيخ: لا لا، إذا قلت: قوم يبيعون وقوم يؤجرون، صار تقسيم، يقسم هؤلاء إلى هذا، وهؤلاء إلى هذا.
طالب: (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: هل هذا قدح؟
الشيخ: نعم نعم قدح في مهادهم.
الطالب: في جهنم..
الشيخ: في المهاد، نعم.
طالب: (...)، ثلاثة أقسام، ثم قلنا: قد يكون خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومثلنا بقول الله سبحانه وتعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] (ألم نشرح لك صدرك) هذه عامة، إن كل واحد إذا اهتدى شرح صدره للإسلام؟
الشيخ: لا؛ لأن الاستفهام هذا للتقرير وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ٤] وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ٢] هذا خاص بالرسول. نعم.
طالب: ما موقف المجاهد الذي يجاهد مع ناس ويعصون الله سبحانه وتعالى، إما معصية لا تخرج عن الملة، أو بعض معاصي تخرجهم عن الملة كالشركيات.
الشيخ: على كل حال هؤلاء لا يستحقون النصر، الذين يعصون الله عز وجل لا يستحقون النصر؛ لأن المعصية سبب للخذلان، لكن قد يُنْصَرون لظلم خصمهم، أحيانًا يُنصر الظالم على الظالم من أجل إهانة الثاني، كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام: ١٢٩]، فانتصار اليهود مثلًا على أهل فلسطين من هذا النوع، وإلا أهل فلسطين أحق بالنصر من اليهود إذا كانوا مسلمين، فالمسلم أحق بالنصر من الكافر، لكن قد يكون عند المسلم معاصي كثيرة توجب أن يُذَلّ من قبل الكافر.
نقول: إن هذا هو السر في السجود، كمال التعبد لله والتواضع له، ولهذا كان جزاء الساجد أن يكون أقرب ما يكون من ربه عز وجل؛ لأنه تواضع لله ونزل، فرفعه الله وصار أقرب ما يكون إلى ربه، وقد ورد في الحديث: «أَنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَعْضَاءَ السُّجُودِ» فيمن يدخل النار من العصاة؛ لأن عصاة المؤمنين إذا لم يتُب الله عليهم ولم تكن لهم حسنات تَرْجُح على سيئاتهم فإنهم يعذَّبون في النار بقدر ذنوبهم، لكن أعضاء السجود محترمة لا تأكلها النار ولا تؤثر فيها، ولهذا قال بعضهم:
يعني فتوسل إلى الله بعتق هذه الأعضاء إلى أن يعتق جميع البدن بسريان العتق إليه، قال المؤلف رحمه الله: ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده، قال: ويجافي عضديه عن جنبيه، يجافي، الفاعل مَن؟ المصلي الساجد يجافي عضديه عن جنبيه يعني يبعدهما.
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، هذه الآية مصدَّرة بـ(قل)، تدل على أن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بإبلاغها إلى الكفار، فما الذي يفيده تصدير بعض الأحكام أو الأخبار بـ(قل)؟ يعني كون الله يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أمرًا خاصًّا بتبليغ هذا الشيء ما الذي يدل عليه؟
طالب: يدل على أهميته.
الشيخ: على أهميته، وأنه أُمِر أن يبلغه أمرًا خاصًّا مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم أُمِر أن يبلّغ القرآن كله، لكن هذا يدل على أنه معتنًى به، مثل: قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ [إبراهيم: ٣١]، قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور: ٣٠] والأمثلة على هذا كثيرة.
قوله: سَتُغْلَبُونَفيها قراءتان.
طالب: سَتُغْلَبُونَ.
الشيخ: نعم و{سَيُغْلَبُونَ}. قوله: تُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ.
طالب: تُحْشَرُونَو{يُحْشَرُونَ}.
الشيخ: و{يُحْشَرُونَ}، ومعنى الحشر؟
الطالب: الجمع.
الشيخ: الجمع. قوله: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِآية على أيش؟ نعم آية يعني علامة، لكن على أيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: على أنهم سيُغلبون، على أن الكافر مغلوب. ما المراد بالفئتين في قوله: فِئَتَيْنِالمراد؟
طالب: على قول المؤلف أن..
الشيخ: ما عندنا مؤلف، هذا قرآن.
الطالب: قال بعض المفسرين: إنها غزوة بدر.
الشيخ: إي، إنها إشارة إلى غزوة بدر، وهذا هو الذي عليه الجمهور. وقال بعض العلماء؟
الطالب: غير ذلك.
الشيخ: مثال مثال، يعني معنى آيَةٌتشمل أهل بدر وغيرهم، إذا قلنا: إنهم أهل بدر، إنها إشارة إلى أهل بدر فكيف نجمع بين الواقع وبين قوله: تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ؟
طالب: مثليهم يعني روعي الكثرة (...).
الشيخ: مطلق الزيادة، ولا يدل ذلك على التثنية، مثل: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [الملك: ٤]، نقول: المراد بمثلين يعني الزيادة، بقطع النظر عن كونه مثلًا ومثلًا؛ لأن المعروف أن المسلمين في بدر ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، وأن المشركين ما بين تسع مئة إلى ألف، فيه رأي آخر؟
طالب: مثليهم بمعنى أكثر منهم.
الشيخ: هذا قيل.
الطالب: يعني وإن كانوا أكثر منكم لكنهم يرون أنهم مثليكم.
الشيخ: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ، يعني قُلِّلُوا في أعينهم، ويؤيد هذا، وأيش يؤيد؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، نبغي من القرآن.
طالب: (...) الله إذا التقيتم في أعينهم لكنه يقللهم في أعينكم.
الشيخ: نعم وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا، ولماذا خص المثلين مع أنه في آية الأنفال قال قَلِيلًافقط؟
طالب: لقوله وتعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ [الأنفال: ٦٦].
الشيخ: صح، أراهم الله (...) مثليهم؛ لأن المؤمن يجب أن يصابر الاثنين، يجب على المؤمنين أن يصابروا مثليهم، فأُرُوا مثليهم، هذان رأيان.
فيه رأي ثالث عثرت عليه اليوم أن المراد بمثلين أي: ضعفين، وعليه فيكون مطابقًا للواقع؛ لأن ضعف الشيء كثره مرتين، فإذا كان ضعفين صار كثره ثلاث مرات، والمشركون ما بين تسع مئة إلى ألف، والمسلمون ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا.
قوله: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِالفاعل مَن؟ مَن الفاعل يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ؟
طالب: المؤمنون.
الشيخ: المؤمنون، والمفعول به؟
الطالب: تقصد أيش؟
الشيخ: يَرَوْنَهُمْ.
الطالب: المشركين.
الشيخ: إي يعود على الكافرين، يعني يرى المؤمنون الكافرين. الضمير في مِثْلَيْهِمْيعود على مَن؟
طالب: على المؤمنين.
الشيخ: على المؤمنين، يعني يرى المؤمنون الكافرين مثليهم أي مثلي المؤمنين. فيها هنا قراءة.
طالب: في (ترون)؟
الشيخ: في يَرَوْنَهُمْ.
الطالب: في قراءة (ترون).
الشيخ: {تَرَوْنَهُمْ}، وعلى هذا يكون الخطاب في قوله: {تَرَوْنَهُمْ} عائدًا على المؤمنين، أو عائدًا على الكفار بناء على مرجع (لكم) في قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ.
في قوله: فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌفيها ما يُعرف بحذف أحد المتقابلين لدلالة الآخر عليه في المقابل.
طالب: حذف المؤمنين فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
الشيخ: وأيش حذف منها؟
الطالب: المقابل.
الشيخ: وأيش المقابل؟
الطالب: المؤمنين. حذف مقابل الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت.
الشيخ: لا.
طالب: حذف الكافرين والمشركين، حذف المؤمنون.
الشيخ: وأيش التقدير؟
الطالب: فئة مؤمنون وأخرى كافرة.
الشيخ: التقدير: فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت، في الكفار ذكر كافرة قال أُخْرَى كَافِرَةٌ، لكن لم يذكر ما تقاتل فيه، وفي المؤمنين ذكر ما يقاتلون فيه ولم يذكر وصف الإيمان، فإذا قال قائل: ما هو الدليل على هذا التقسيم الذي ذكرتم؟
طالب: (...).
الشيخ: قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا...
الطالب: يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ. [النساء: ٧٦].
الشيخ: نعم، تمام، قوله تعالى: وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ، كلمة: مَنْ يَشَاءُهل المشيئة مطلقة؟
طالب: مقيدة.
الشيخ: مقيدة، بماذا؟ بالحكمة، كل نص عُلِّق على المشيئة فهو مقيد بالحكمة، ما دليلك؟
الطالب: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠].
الشيخ: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، فهذا دليل على أن مشيئة الله تابعة لعلمه وحكمته، وقوله: لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ، ما هي العبرة؟
طالب: العبرة العظة.
الشيخ: العظة، وأصلها في اللغة ما يُعْبَر به من شيء إلى شيء، ومنه عند الناس عَبَّارة يعني تُعَبِّر الماء من جهة إلى جهة، فالإنسان يعبر من هذه الحال إلى هذه الحال. ومن الذي يعتبر؟
طالب: أولو الأبصار.
الشيخ: الأبصار بالعين ولّا الأبصار بالقلب؟
طالب: أبصار القلب.
الشيخ: القلب؟ ما دليلك؟
الطالب: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى [النازعات: ٢٦]، الذي يخشى هو القلب.
الشيخ: نعم.
طالب: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦].
الشيخ: نعم فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ.
قال الله عز وجل: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ. في هذه الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدٌ تُوَجَّه إليه الأوامر؛ لقوله: قُلْفهو عبد لا يُعبد ورسول لا يُكَذَّب.
وفيها: أهمية هذا الأمر أو هذا الخبر الذي أمر الله نبيه أن يبلغه للكافرين.
ومن فوائدها أيضًا: تقوية المؤمنين، حيث يقال لأعدائهم الكفار: ستُغْلَبون في الدنيا وليس لكم عاقبة في الآخرة؛ فإنكم ستُحشرون إلى جهنم.
ومن فوائدها أيضًا: إرعاب الكفار وتحذيرهم؛ لقوله: سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ.
ومن فوائد الآية أيضًا: أن الله عز وجل يجمع للكفار بين العقوبتين: عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة؛ أما عقوبة الدنيا ففي قوله: سَتُغْلَبُونَ، حتى وإن بذلوا أموالًا كثيرة، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ، وأما العقوبة الثانية فهي قوله: وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ، أما المؤمن فإن الله تعالى إذا عاقبه في الدنيا لم يعاقبه في الآخرة، لن يجمع الله له بين عقوبتين، وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ.
ومن فوائد الآية الكريمة: البشرى لنا نحن في هذا الزمن أن الكفار لو صدَقْنا الله تعالى بالإيمان لكانوا مغلوبين، قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ، ومن الذي يغلب؟ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فلو أننا رجعنا إلى الإيمان حقًّا بالعقيدة، والقول، والعمل، والأخلاق، والآداب، وجميع ما يتعلق بالشريعة الإسلامية لكان الكفار أمامنا مغلوبين، ويشهد لهذا الواقع الذي حصل في سلف هذه الأمة حيث ملكوا مشارق الأرض ومغاربها.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عذاب النار؛ لقوله: وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ، وهذا أمر ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، ومن أنكر فقد كفر.
ومن فوائد الآية الكريمة: إنشاء الذنب، بل غاية الذنب للنار؛ لقوله: وَبِئْسَ الْمِهَادُ.
أما قوله: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِفمن فوائدها: ضرب الأمثال بالأمور الواقعة؛ لأن ذلك أبلغ في التصديق والطمأنينة، ويتفرع على ذلك: أنه ينبغي للواعظ والداعية إلى الله عز وجل أن يضرب الْمُثُل للمدعوين بالأمور الواقعة؛ لأن ذلك أبلغ، فمثلًا: إذا أراد أن يدعو إلى ترك المنكرات والقيام بالواجبات قال: انظر إلى البلد الفلاني حيث كان يسمَّى منذ عهد ليس ببعيد يسمى زهرة الشرق الأوسط، وكل من أراد المتعة من الشرق الأوسط ومن أوروبا ومن غيرها يذهب إلى هذا البلد؛ لأنه يجد غاية ما يكون من المتعة، أصبح الآن أنهارًا تجري من الدماء، جعل الله تعالى بأسهم بينهم حتى فروا من ديارهم، فبدل أن كانت مدينتهم تزيد على المليون أصبح الآن ليس فيها إلا مئتي ألف وكسر، يعني ذهب أكثر من ثلاثة أرباع أهل البلد من الفتن والمحن، فإذا ضربت هذا المثل الواقع لمن تحذرهم أن يقعوا في الترف فيهلكوا صار في هذا عبرة، ولهذا ضرب الله هذا المثل بقوله: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا.
من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان مهما بلغ من الصدق فإن عرضه الأشياء الواقعة تجعل كلامه حق اليقين، والمراتب قد سبق لنا أنها ثلاثة: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين؛ علم اليقين هو خبر الصادق، وعين اليقين ما تراه بعينك مشاهدة، وحق اليقين ما تدركه بحسك، فإذا قال لك قائل: هذه تفاحة، أو عندي تفاحة، في جيبي تفاحة، وهو رجل صادق فالذي أدركت أنه يوجد تفاحة؟ أدركت بعلم اليقين، فإذا أخرجها ونظرت إليها فهذا عين اليقين، فإذا أكلتها فهو حق اليقين؛ لأن هذا هو الواقع، إذن نقول: إنه ينبغي للإنسان مهما بلغ من ثقة الناس به أن يضرب الأمثال للناس حتى يقتنعوا بقوله؛ لأننا نحن لا نشك في أن أصدق الكلام كلام الله، وقد قال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ، ثم ضرب مثلًا واقعيًّا بأن الكفار غُلِبوا مع أنهم أكثر من المؤمنين.
من فوائد الآية الكريمة: أن النصر ليس بكثرة العَدد، ولا بقوة العُدد، ولكنه من الله؛ لأن الله لما ضرب هذا المثل قال: وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ، ولكن إذا قيل: ما هي الوسيلة الحقيقية لنصر الله الذي به التأييد؟ فالجواب: ما ذكره الله عز وجل بقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور: ٥٥]، إلى الآن لم يأت سبب النصر، قال: يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور: ٥٥]، هذا واحد، إخلاص العبادة لله عز وجل هذا من أسباب النصر، وهناك أيضًا أسباب أخرى ذكرها الله في قوله: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج: ٤٠، ٤١].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القتال لا يكون سببًا للنصر إلا إذا كان في سبيل الله، في سبيل الله إخلاصًا وأيش بعد؟
الطلبة: موافقة الشرع.
الشيخ: واتباع الشرع، موافقة الشرع.
الطلبة: واجتناب المحارم.
الشيخ: واجتناب المحارم، فإذا تمت هذه الأمور الثلاثة: الإخلاص، وأن يكون موافقًا للشرع، وأن تتجنب فيه المحارم المعاصي، فهذا هو الذي في سبيل الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا إلفة بين المؤمنين والكافرين؛ لقوله: فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ، فمن حاول أن يجمع بين المؤمنين والكافرين فقد حاول الجمع بين النار والماء، وهذا شيء غير ممكن، لا يمكن لأولياء الله أن يكونوا متآلفين مع أعداء الله، ومن حاول أن يؤلف بين أولياء الله وأعداء الله فمعنى ذلك أنه سوف يقضي على ولاية الله؛ لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١]، وكيف يمكن لشخص يقول إنه من أولياء الله وأنه مؤمن بالله أن يوالي أعداء الله الكافرين بالله؟ هذا لا يمكن، ولهذا نجد أن الصراع بين أتباع الرسل وأعداء الرسل أن الصراع قائم دائم إما بالقول وإما بالفعل؛ إما بالقول: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ [الممتحنة: ٢]، وإما بالصراع المسلح كما هو معروف.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يُرِي المجاهدين الأمر على الواقع، أو على خلاف الواقع لحكمة، كما تشهد بذلك آية الأنفال: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ؛ لأن الإنسان إذا رأى عدوه قليلًا نشط، نشط على القتال، وإذا رآه كثيرًا انخذل، فالله سبحانه وتعالى أرى المؤمنين الكفار قليلًا، وأرى الكافرين المؤمنين قليلًا، لأجل كل واحد يُقْدِم على القتال.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الفعل أو إثبات أفعال الله؛ لقوله: وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ.
ومن فوائدها أيضًا: الرد على الجبرية في قوله: تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فأضاف الفعل إليها، والجبرية يقولون: إنه لا يضاف الفعل إلى الفاعل إلا على سبيل المجاز، كما تقول: أكلت النارُ الحطبَ، وإلا فإن الإنسان لا يفعل باختياره بل يُجْبَر على فعله.
ومن فوائد الآية: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: مَنْ يَشَاءُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يعتبر بالأمور إلا أولو البصائر؛ لقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ.
ومن فوائدها: أنك إذا وجدت من نفسك عدم اعتبار واتعاظٍ بما يجري فاعلم أنك ضعيف البصيرة؛ لأن الله إذا أثبت العبرة لأولي الأبصار فإن انتفاء العبرة يدل على ضعف البصيرة أو عدمها بالكلية.
ومن فوائد الآية: الثناء على أهل البصيرة؛ لأن السياق سياق مدح فيكون فيه ثناء على أهل البصيرة وقدح في عُمْيِ القلب.
ثم قال الله عز وجل: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِكم هذه؟ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِسبعة، إلا إن كنت تريد أن تجعل الذهب والفضة واحدة، الذهب والفضة اثنان.
زُيِّنَ لِلنَّاسِ، أي: جُعِل هذا الشيء زينًا في قلوبهم، ومَن الذي زيّن؟ هل المزَيِّن الله عز وجل؟ أو المزين الشيطان؟ المزين هو الله، وقد أضاف الله التزيين إلى نفسه في عدة آيات كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ [الأنعام: ١٠٨]، إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ [النمل: ٤].
وأضاف التزيين أيضًا إلى الشيطان: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ [النمل: ٢٤]، لكن تزيين الشيطان إنما كان بالنسبة لأعمال هؤلاء، يعني زين لهم الأعمال، أما الأشياء المخلوقة فالذي يزينها هو الله عز وجل.
زُيِّنَ لِلنَّاسِأي: زيّنها الله عز وجل في قلوبهم ابتلاءً واختبارًا؛ لأنه لولا تزيين هذه الأشياء في قلوب الناس ما عُرِف المؤمن حقًّا، لو كان الإنسان لا يهتم بمثل هذه الأمور لم يكن له ما يصده عن دين الله، فإذا أُلْقِي في قلبه حب هذه الشهوات فإن قوي الإيمان لا يقدمها على محبة الله عز وجل.
ألم تروا إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ» ؟ هذا ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والمرأة ذات المنصب والجمال هي من أشد ما يتعلق بالإنسان في النساء، منصب وجمال، ومع ذلك قال: إني أخاف الله، ودعته في موضع خالٍ ليس فيه أحد؛ لأنه لو كان فيه أحد لقال: عندنا أحد كيف تقولين ها الكلام هذا؟ لكن قال: إني أخاف الله، الموضع خال فالموانع منتفية، وأسباب الفاحشة موجودة متوفرة، ومع ذلك قال: إني أخاف الله، إذن فهذا التزيين نقول: إنه ابتلاء واختبار من الله عز وجل.
قال: حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، ولم يقل: حب النساء، الشهوات، يعني أن يتزوج الإنسان المرأة لمجرد الشهوة لا لأمر آخر، ولهذا هل يدخل في هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ويقال: إنه ممن زُيِّن له حب الشهوات؟ لا؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يتزوج امرأة بكرًا، ولو كان يريد الشهوة لاختار الأبكار الجميلات ولا يمنعه مانع من ذلك، ولكنه قال: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ» ؛ لما في اختيار النساء من قِبَله عليه الصلاة والسلام من المصالح العظيمة كاتصاله بالناس وقبائل العرب، وكذلك نشر العلم عن طريق النساء، لا سيما العلوم البيتية التي لا يطلع عليه إلا النساء، إلى غير ذلك من المصالح، المهم أن الآية تقول: حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، ولم يقل: حب النساء؛ لأن تزيين حب النساء إذا كان لغير مجرد الشهوة قد يُحْمَد عليه الإنسان، لكن إذا كان لمجرد الشهوة فهذا من الفتنة، ولهذا قال: حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ.
الثاني: الْبَنِينَ، أيضًا يحب البنين لا ليكون عونًا له على طاعة الله ولكن ليفتخر بهم، وكانوا في الجاهلية يفتخرون بالبنين ويتشاءمون من البنات، إذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ماذا يكون حاله؟ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ [النحل: ٥٨، ٥٩]: يختفي منهم مخافة المسبة، ثم يفكر ويقدر أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ [النحل: ٥٩]، يعني: أيمسك هذا المولود وهو الأنثى على هُون وذُلّ وهضم لحقها، أم يدسه في التراب؟ يدفنها حية في التراب، قال الله تعالى: أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [النحل: ٥٩]، المهم أن البنين لا شك أن كثيرًا من الناس زُيِّن لهم حب البنين شهوةً، وليس الشهوة الجنسية ولكن شهوة الفخر والشرف والأبهة، أنا أولادي عشرة، أنا عندي عشرون من الولد، وما أشبه ذلك.
وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، القناطير المقنطرة، القناطير جمع قنطار، وما المراد بالقنطار؟ قيل: المراد به ألف مثقال ذهب، ألف مثقال ذهب، فإذا صارت قناطير تكون آلاف، مقنطرة: مُعْتَنًى بها، وقيل: إن القنطار ما يملأ مَسْك الثور، يعني جلد الثور من الذهب، وهذا أكثر من ألف مثقال؟ إي نعم، على كل حال ذكر الله تعالى هذه المبالغ من الذهب والفضة؛ لأنه كلما كثر المال في الغالب افتتن الإنسان به، كلما كثر افتتن الإنسان به، فإذا كانت قناطير مقنطرة من الذهب صارت الفتنة بها أشد، مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِنص عليهما لأنها أغلى ما يكون من الأموال، ولذلك تتعلق الرغبات بهذين الجوهرين: الذهب والفضة، حتى لو وُجِد جواهر نفيسة لا تجد تعلق القلوب بهذه الجواهر كتعلقها بالذهب والفضة، الآن يدلّسون على الذهب ويدلّسون على الفضة، يأتون بالأشياء مطلية باللون الأصفر، تقليدًا للذهب، وإلا ما هي ذهب؛ لأنهم يعرفون أن النفوس تندفع بقوة إلى الذهب ولها رغبة قوية في الذهب، والشاعر يقول:
يقول: مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، الذهب هو المعدن المعروف ذو اللون الأصفر، واشتهر أخيرًا عند الناس ما يسمونه بالذهب الأبيض، ولكن ليس هذا هو الذهب وإن كان عندهم أنه بمنزلة الذهب في الغلاء وتعلق النفوس به، لكنه ليس هو الذهب المعني في هذه الآية، والفضة أيضًا معدن معروف وجوهر مألوف لكنه أقل من الذهب.
طالب: شيخ ذكرت أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما تزوج بكرًا؟
الشيخ: لا، ما تزوج بكرًا في الغالب إلا عائشة فقط، عائشة تزوجها وهي بكر.
طالب: قلنا إنه أمر المؤمنين لا يتخذون الكافرين أولياء لكن في حال الدعوة يعني دعوتهم، يعني كيف إن الإنسان يجمع بين أنه ما يتخذه وليّ وبين أنه يريد أن يرغّبه في الإسلام؟
الشيخ: اتخاذهم أولياء معناه أن يتولاهم وينصرهم، هذا اتخاذهم أولياء لا أن يتقرب إليهم لدعوتهم.
طالب: فإذا تقربنا إليهم لدعوتهم؟
الشيخ: ألسنا نعطيهم من مال الزكاة؟ نعطيهم المال لنتألفهم على الإسلام، فأنا ما أتقرب إليه لأني أحب أن أقرب إليه شخصيًّا، أتقرب إليه ليقرب إلى الإسلام، وهنا أشعر بنفسي أنني أنا وليه في الواقع ما هو الولي، فمن اتخذ وليًّا من النصارى، من الكفار عمومًا يتولاه ويناصره ويعاضده، فهذا هو الذي اتخذهم أولياء.
الطالب: يعني لو ذهبنا ندعوهم نبدؤهم بالسلام وهكذا؟
الشيخ: لا، ما نبدؤهم بالسلام، السلام ما نبدؤهم، نبدؤهم بالتهنئة مثلًا صباح الخير، كيف حالك، المصافحة إن مدوا أيديهم فصافحهم وإلا فلا.
طالب: (...).
الشيخ: بلى لكن (...).
الشيخ: أحسنت، بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَإلى آخره، قوله: زُيِّنَمن المزين؟
طالب: المزين الله سبحانه وتعالى أصلًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: ثم للشيطان..
الشيخ: لماذا زينها؟
الطالب: زينها الله سبحانه وتعالى لتكون بشرى للعباد في الدنيا.
الشيخ: بشرى؟
الطالب: لتكون امتحانًا للعباد.
الشيخ: نعم، زينها امتحانًا للعباد هل يقدمون هذه الشهوات أو ما يرضي الله عز وجل. قوله: لِلنَّاسِهل يشمل المؤمن والكافر؟ إي نعم يشمل المؤمن والكافر؛ لأنه إذا قيل: الناس، نقول: للعموم، إذا قيل: المؤمنون، فهو خاص.
قوله: حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِإلى آخره، لماذا لم يقل: حب النساء، بل قال: حب الشهوات؟
طالب: لأن حب النساء لغير شهوة ربما يكون محمودًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن حب النساء لشهوة (...).
الشيخ: نعم، لماذا خص البنين دون البنات؟
طالب: لأنهم كانوا يفتخرون بالبنين وكانوا يكرهون البنات.
الشيخ: نعم؛ لأن هذا هو موضع الافتخار عند العرب وما زال الناس الآن يرغبون الأبناء أكثر من البنات.
الْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِالقناطير جمع؟
طالب: قنطار.
الشيخ: وما هو القنطار؟
الطالب: ألف مثقال.
الشيخ: نعم، الآلاف الكثيرة، على القول الراجح أنها الآلاف الكثيرة من الدنانير. الْمُقَنْطَرَةِوأيش معناها؟
الطالب: المعْتَنَى بها.
الشيخ: نعم، المعتنى بها التي يعتني بها أصحابها ويحفظونها ويعدونها، بل ربما أحيانًا يدفنونها خوفًا عليها.
قال الله عز وجل: مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، الذهب والفضة هما المعدنان المعروفان اللذان تتعلق بهما رغبة الخلق جميعًا، كل بني آدم تتعلق رغبتهم بالذهب والفضة أكثر مما تتعلق بغيرهما، ولهذا كان الذهب والفضة قيمة لجميع الأشياء، كل الأشياء تباع بماذا؟ بالذهب والفضة، يعني ما تجد مثلًا غيرهما من الأموال يكون قيمة للأشياء تباع به الأشياء أبدًا، بعت دارك؟ بماذا بأي شيء؟ بالذهب والفضة، بعت سيارتك بالذهب والفضة، بعت كتابك بالذهب والفضة، كل شيء يكون عوضه الذهب والفضة، فهما محل رغبة الناس، ولهذا قال: مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، الذهب هو ذلك المعدن الأحمر، والفضة هو المعدن الأبيض المعروف، ولكن هل إذا حُوِّل الذهب وصار أبيض يثبت له حكم الذهب الأحمر فيحرم على الرجال لبسه؟ أو يتغير الحكم بتغير الحال؟ نحن نسمع أن فيه ذهبًا أبيض، ولكن الذهب الأحمر هو الذي نُصّ عليه، فإذا حُوِّل إلى ذهب أبيض فإن كان مجرد اللون فهو عندي محل نظر، هل يعتبر ذهبًا ويكون نصابه في الزكاة نصاب الذهب، ويكون حرامًا على الرجال، ويحرم بيعه بالذهب الأحمر متفاضلًا؟ أو نقول: إنه انتقل وصار في حكم الفضة؟ هذا يحتاج إلى أن نعرف ما رأي الكيماويين في هذا الشيء، هل إنه ينتقل بما يضاف إليه من المادة التي تجعله أبيض أو لا ينتقل.
وقوله: مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ، الخيل هي هذه الحيوانات المعروفة؛ وسميت خيلًا؛ لأن صاحبها غالبًا يبتلى بالخيلاء لأنها أفخر المراكب، فالراكب لها يكون في قلبه خيلاء، أو لأنها هي تختال في مشيتها، ولهذا ترى الخيل عند مشيتها ليست كغيرها، تشعر بأن فيها ترفعًا واختيالًا، قال بعضهم: أو لأنها يخيل إليها أنه لا شيء يساميها، وهذا لا ندري عنه، اللهم إلا ما يظهر من أثر مثل اختيالها في مشيتها، على كل حال الخيل معروفة، وأصحابها لا شك أنهم يرون أنهم فوق الناس؛ لأنها أفخر المراكب في ذلك الوقت وإلى الآن، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ، ومن المعلوم أن الآية هنا في سياق من أحب شهوة الخيل، يعني اتخذها شهوة، فهذا هو محل التزيين المذموم، أما من اتخذها ليجاهد بها في سبيل الله فهذا خير، هذا لا شك أنها خير له، كما أن من أحب الذهب والفضة لا للشهوة وجمع المال ولكن لما يترتب على المال من المصالح فهذا محمود.
الخيل قسمها الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أقسام ثلاثة: فخر وخيلاء، أو ليناوئ بها المسلمين، فهذا له وزر، ثانيًا: اتخذها ليجاهد عليها في سبيل الله فهذا له أجر، ثالثًا: اتخذها للركوب والتنمية والاستفادة من ورائها فهي له ستر، لا إثم، لا أجر..
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفار في النار؛ لقوله: وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ [آل عمران: ١٠]، ولكن هل نشهد لكل كافر أنه في النار؟ لا، هل نشهد لكل كافر يعني بعينه أنه في النار؟ الجواب: لا، لكن نشهد على سبيل العموم ونقول: كل كافر في النار، كما نقول: كل مؤمن في الجنة ولكن لا نشهد لواحد معين بالجنة، ففرق بين العموم وبين الخصوص.
وفي الآية أيضًا إثبات النار؛ لقوله: وَقُودُ النَّارِ(...).
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران: ١١ - ١٤].الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًاهل المراد بالذين كفروا قوم معينون أم هو عام؟
طالب: عام.
الشيخ: بل عام.
الطالب: (...).
الشيخ: وله أموال وأولاد فإن هؤلاء الأموال والأولاد؟
الطالب: لن يغنوا عنه من الله شيئًا.
الشيخ: هل نفي الإغناء هنا في الدنيا أو في الآخرة؟
طالب: في الآخرة.
الشيخ: وفي الدنيا؟
الطالب: يمكن أن يغني عنهم في الدنيا.
الشيخ: من الله؟
الطالب: لا، من الناس.
الشيخ: أبغي أقول: لن تغني عنهم من الله.
الطالب: في الآخرة لن تغني عنهم.
الشيخ: وفي الدنيا؟
الطالب: من الله؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لا يغني عنهم.
الشيخ: اجزم؟
الطالب: لا يغني عنهم جزم.
الشيخ: لا في الدنيا ولا في الآخرة، توافقون على هذا؟ نعم، لن تغني عنهم من الله شيئًا؛ لقوله تعالى: وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ [الرعد: ١١]. قوله: وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ، وقود النار بمعنى ما يوقد به، أي أنهم توقد بهم النار، وهل يشاركهم في ذلك أحد؟
طالب: لا يشاركهم فيها أحد إلا من كفر برسله.
الشيخ: هم الكفار، نعم.
طالب: المنافقون.
الشيخ: المنافقون كفار.
الطالب: ولَّا اليهود.
الشيخ: لا لا.
طالب: الحجارة.
الشيخ: الحجارة، وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ. قوله: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَأيش معناها؟
طالب: يعني مثل قوم فرعون.
الشيخ: الدأب بمعنى؟
الطالب: مثل قوم.
الشيخ: يعني كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَأي: كمثل آل فرعون؟
الطالب: كعادتهم وشأنهم.
الشيخ: كعادتهم وشأنهم. وأيش هذه الجملة، أو هذه الكلمة محلها من الإعراب؟
طالب: محلها من الإعراب؟
الشيخ: نعم.
الطالب: يعني (دأب) مبتدأ، (آل فرعون) هو خبر.
الشيخ: لا لا.
الطالب: الدأب (...) مثله.
الشيخ: لا.
الطالب: ما هو إعرابه هذا.
الشيخ: لا ليس إعرابه هذا.
طالب: (كدأب) جار ومجرور خبر مقدم.
الشيخ: خبر مقدم لأيش؟
الطالب: لمبتدأ مقدر.
الشيخ: خبر مقدم لمبتدأ مقدر؟ خبر مقدم ما دام المبتدأ مقدر فهو بيدك (...) تحطه بعد (...) تحطه قبل، إذن الآن تقولون: خبر لمبتدأ مقدر مؤخر كذا؟
الطالب: أضربت عن المؤخر.
الشيخ: أضربت عن المؤخر؟ إذن خبر لمبتدأ مقدر والتقدير؟
طالب: التقدير: دأبهم.
الشيخ: دأبهم كدأب آل فرعون، ما المراد بآل فرعون هنا؟
طالب: فرعون؟
الشيخ: آل فرعون.
الطالب: فرعون نفسه والذين اتبعوه أو الذين كفروا من قومه.
الشيخ: الذين اتبعوه، لأيش ما نقول: الذين اتبعوه؟
الطالب: الذين كفروا من قومه أو الذين اتبعوه.
الشيخ: الذين اتبعوه، يعني هو وأتباعه. الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْمثل مَن؟
طالب: مثل قوم نوح.
الشيخ: نعم.
الطالب: وعاد.
الشيخ: نعم.
الطالب: وثمود.
الشيخ: نعم، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وأصحاب مدين، كثير. جملة: كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُما محلها من الإعراب؟
طالب: جملة مستأنفة مبينة.
الشيخ: نعم، جملة استئنافية لبيان هذا الدأب. المراد بالآيات هنا؟
طالب: الكونية والشرعية.
الشيخ: والشرعية، كيف التكذيب بالآيات الشرعية؟
طالب: كذبوا بما أتى به موسى.
الشيخ: نعم، أو رسلهم؛ لأنه يقول: وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.
الطالب: الرسل جميعًا، بما أتى به رسلهم.
الشيخ: نعم.
الطالب: وكذلك في الآيات الكونية.
الشيخ: في الآيات الكونية، كذّبوا بها إما بنسبتها إلى غير الله، أو بأن الله له فيها مشارك أو معين. قال الله تعالى: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْالباء أيش معناها؟
طالب: الباء هنا سببية.
الشيخ: الباء هنا سببية، أخذهم الله بسبب ذنوبهم، وتصح معنى آخر؟
طالب: العوض.
الشيخ: العوض، يعني أن جزاءهم من جنس عملهم وعوضًا عنه، وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ، نأخذ الفوائد الآن.
من فوائد هذه الآيات، أولًا الآية الأولى: أن الكافرين قد يُرْزَقون بالأموال والأولاد.
طالب: أخذناها.
الشيخ: أخذتموها؟
الطالب: نعم.
الشيخ: من فوائد الآية الكريمة: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْوهي الآية الثانية، من فوائدها: أن الكفار المتأخرين كالكفار السابقين؛ لأن سنة الله تعالى في الخلق واحدة؛ لأنه عز وجل ليس بينه وبين الخلق نسَب يراعيه ويحابي من يتصل به، فالناس عند الله تعالى سواء، أكرمهم عند الله أتقاهم؛ لقوله: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَإلى آخره.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن فرعون وآله قد عُذِّبُوا في الدنيا كما سيُعَذَّبون في الآخرة؛ لقوله: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ.
ومن فوائدها: الرد على من زعم أن فرعون أسلم فنفعه إسلامه؛ لأن الله تعالى ذكر ذلك على وجه المؤاخذة والمعاقبة، ولو كان تائبًا توبة تنفعه ما ذُكِر ذنبه بدون ذكر توبته؛ لأن الله تعالى عدْلٌ لا يذكر أحدًا بذنب تاب منه إلا أن يبين توبته، فآدم عليه الصلاة والسلام لما أكل من الشجرة وحصل له ما حصل وتاب إلى الله فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة: ٣٧]، ذكر الله تعالى معصيته وذكر أنه تاب، وذكر أنه بعد التوبة كان خيرًا منه قبلها ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه: ١٢٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الآيات لله، وهي العلامات الدالة على الله عز وجل، على وجوده، وعلى ما تتضمنه هذه الآيات من صفاته؛ فمثلًا نزول الرحمة، نزول الغيث، دليل على الرحمة، آية على رحمة الله، على وجوده وعلى رحمته، نزول العقوبات دليل على وجود الله وعلى غضبه، وهكذا كل آية تدل على وجود الله سبحانه وتعالى، وعلى ما تقتضيه تلك الآية من الصفات، سواء كانت آية رحمة أو آية عذاب.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله لا يظلم الناس شيئًا، وإنما يؤاخذهم بالذنوب، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، ونظير ذلك قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: ٣٠].
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الجبرية الذين لا ينسبون فعل العبد إليه؛ لقوله: بِذُنُوبِهِمْ، فأضاف الذنوب إليهم، والفعل لا يُنْسَب إلا لمن قام به حقيقةً، والجبرية يقولون: إن الفعل لا ينسب إلى الإنسان على وجه الحقيقة.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات صفة شدة العقاب لله؛ لقوله: وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ.
تفسير الآيتين (12-13)
00:13:17
ثم قال تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، قُلْالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، واعلم أن الخطاب الموجه للنبي صلى الله عليه وسلم تارة يكون شاملًا له وللأمة بالنص المقترن بذلك الخطاب، وتارة يكون خاصًّا به، وتارة يكون عامًّا له وللأمة بمقتضى كونه إمامًا للأمة، يعني ليس بالخطاب ما يدل على العموم لكن باعتبار أنه إمام الأمة يكون الخطاب له، وحكمه يشمله ويشمل الأمة، مثال الأول الخطاب الموجه للنبي صلى الله عليه وسلم واقترن به ما يدل على أنه عام له وللأمة قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١]، فقال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، ثم قال: إِذَا طَلَّقْتُمُولم يقل: إذا طَلَّقْتَ، فدل هذا على أن هذا الخطاب موجه له ولأمته، ومثال العام الذي ليس فيه نص مقترن به على أنه عام أكثر الخطابات الموجهة للرسول عليه الصلاة والسلام من هذا القسم، مثل هذه الآية: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُواهذا شامل له وللأمة، حتى نحن نقول للذين كفروا: سَتُغْلبون وتُحشَرون إلى جهنم. والمثال الثالث قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١]، أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى: ٦]، هذا خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام.
قال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ، يعني قل يا محمد، وأمته تقول ذلك أيضًا للكفار على وجه الاقتداء به والتأسي به، قل لهم: سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ، وفي قراءة: {سَيُغْلَبُونَ وَيُحْشَرُونَ} قراءة سبعية، سَتُغْلَبُونَمن الذي يغلبهم؟ الذي يغلبهم المؤمنون، كما قال الله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون: ٨]، وقال الله تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: ٢١]، ولكن من المؤمن الغالب؟ المؤمن الغالب هو الذي آمن حقًّا وقام بالعمل الصالح، ليس مجرد الإيمان هو القول باللسان، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ [البقرة: ٨]، لا بد من إيمان صادق يشهد له العمل فيكون صالحًا، والله عز وجل يقول: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١]، فالذين آمنوا إيمانًا حقيقيًّا مصدَّقًا بالعمل سوف يغلبون بلا شك، سوف يغلبون الكفار.
ولكن إذا قال قائل: ما تقول في الأمة الإسلامية اليوم؛ فإنها مغلوبة على أمرها، والكفار يستذلّونها غاية الذل ويحاربونها من كل وجه بكل أنواع السلاح؟ فجوابنا أن نقول: أقول في الأمة الإسلامية إنها يصدق على عامتها ما هو على كل فرد منها أنه ليس لهم من الإسلام إلا اسمه فقط، ولا من القرآن إلا رسمه، ولذلك تجد واحدًا منهم يعظّم القرآن تعظيمًا متعديًا لحدود الشرع، لكن تعظيم رسمي فقط، يقبّل القرآن ويحبه ويضم على جبهته لكن ما يعمل بما فيه إلا نادرًا، حتى إنه ربما يفعل ذلك وهو يشرك بالله، يدعو غير الله، أين العمل بالقرآن؟ ما فيه عمل بالقرآن، وإذا نظرت نظرة فاحصة في العالم الإسلامي اليوم وجدت أنه لا يمثل الإسلام حقيقة، وجدت في العبادة أنواعًا كثيرة من الشرك بالأموات وبالأحياء، وجدت أنواعًا كثيرة من البدع العقدية والعملية، وجدت أنواعًا كثيرة من نقض العهد والغدر والخيانة والكذب والغش، فأين الإسلام؟ ليس هو إلا اسمه، ومن ثم لم نغلب الذين كفروا، بل الذين كفروا هم الذين غلبونا في الواقع، وهم الذين لهم السيطرة الآن، السيطرة على العالم اقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، نعم.
إذن هذه الآية إذا قال قائل: كيف تصدق هذه الآية أو يصدق مقتضاها مع ما نشاهد اليوم؟ الجواب: أننا لم نصدُق الله حتى يكون لنا النصر، فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [محمد: ٢١]، نعم.
سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ، في الدنيا تُغلبون، في الآخرة تُحشرون إلى جهنم - والعياذ بالله - يُجمعون إليها ويدخلونها ويُخلدون فيها، فيكون هؤلاء الكفار قد خسروا الدنيا والآخرة، خسروا الدنيا بالغلبة غُلِبوا، والذل، وخسروا الآخرة بأنهم يُحشرون إلى جهنم، وهذا كقوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال: ٣٦]، هذه الآية نظير هذه الآية.
وقوله: وَبِئْسَ الْمِهَادُهذا قدح، قدح للنار - والعياذ بالله - وأنها بئس المهاد، يعني بئس ما يتمهد به الإنسان كالذي يتمهد في فراشه ويلتحف بلحافه، لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر: ١٦] - والعياذ بالله - يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت: ٥٥]، لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ [الأعراف: ٤١] أي: شيء يغشيهم ويغطيهم من العذاب، فهم - والعياذ بالله - حالهم حال لا يمكن أن يتصورها الإنسان لعظمها وشدتها وهم خالدون فيها أبدًا.
قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا، قَدْ كَانَيحتمل أن تكون هذه من جملة مقول القول السابق في قوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ، فتكون من جملة مقول القول، يعني: قل لهم اعتبروا بمثل أضربه لكم كَانَ لَكُمْ آيَةٌأي: علامة على أنكم ستُغلبون؛ لأن الآية في اللغة العلامة، آية على أنكم ستغلبون، فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَايعني للقتال بينهما، والفئة بمعنى الطائفة.
وهل المراد بالفئتين فئتان حقيقيتان واقعتان، أو هو على سبيل المثال؟ أكثر المفسرين على أنهما فئتان حقيقيتان في أمر واقع، وقال بعض المفسرين: إن ذلك على ضرب المثل، يعني ولنفرض أن هناك فئتين على هذا الوجه؛ فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة.
وإذا قلنا إنهما فئتان في قضية واقعة فقد قال هؤلاء القائلون بهذا القول: إن المراد بهما فئة الكفار والمؤمنين في بدر، فهما فئتان، فئة تقاتل في سبيل الله وهم النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، وفئة كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت كما قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ [النساء: ٧٦]، الله أكبر، فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِالخطاب لمن؟ للمؤمنين، فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء: ٧٦]، سبحان الله لو أخذنا بهذه الآية ونحن مؤمنون حقيقة نقاتل في سبيل الله لكان هؤلاء بين أيدينا كالفَراش، ولكن الأمر كما تعرفون.
قوله: آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِأي: طائفتين من الناس الْتَقَتَا، يعني لقي بعضهما بعضًا، فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فِئَةٌمبتدأ، وتُقَاتِلُخبره، وجاز كون المبتدأ نكرة؛ لأنه للتقسيم، وقد مر علينا أنه إذا كان هناك تقسيم جاز الابتداء بالنكرة، ومنه قول الشاعر:
| فَيَــــــــوْمٌ عَلَيْنَــــــــا وَيَـــــــــــوْمٌ لَنَــــــــــــــا | وَيَــــــــوْمٌ نُسَــــــــاءُ وَيَــــــــوْمٌ نُسَــــــــــــــــرْ |
فبدأ بالنكرة من أجل التقسيم، فهنا قال: فِئَةٌ تُقَاتِلُ، فبدأ بالنكرة؛ لأن المقام مقام تقسيم، تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أي: في طريقه، والقتال في سبيل الله يتضمن أمورًا، الأول: إخلاص النية لله، الثاني: أن يكون موافقًا فيه أمر الله، الثالث: أن تُتَجَنَّب فيه محارم الله، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» .
الأول أن يكون مرادًا بها وجه الله، وأن تكون كلمته العليا، وهذا الإخلاص، لا يقصد الإنسان بقتاله السيطرة على العالم وأن يملك الأرض ويغنم الأموال ويسبي الذرية، إنْ قصد هذا فليس قتاله في سبيل الله.
الثاني: أن يكون القتال في حدود شريعته، بحيث لا يكون فيه عدوانٌ على أحد، فإن كان فيه عدوانٌ على أحد فإنه ليس في سبيل الله.
ومثاله: أن يكون بيننا وبين المشركين عهد ثم ننقضه ونقاتل، وهذا حرام، وليس هذا القتال في سبيل الله، بل هو معصية لله عز وجل؛ لأن الله تعالى قال: فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ [التوبة: ٧]، ونهى أن نقاتل في حال العهد وقال: إِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ [الأنفال: ٥٨]، يعني حتى إذا عاهدت قومًا من الكفار وخفت أن يخونوا لا يجوز أن تنقض العهد، ولكن انْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ، يعني قل لهم: لا عهد بيننا وبينكم، عَلَى سَوَاءٍ، حتى تكون (...) على سواء، يعني على علم بأن العهد قد نُقِض، أما أن تقاتل مع العهد فهذا ليس في سبيل الله.
الأمر الثالث: أن تجتنب فيه أيش؟ محارم الله، فإن لم تجنب فيه محارم الله فإنه وإن كان أصله في سبيل الله لكن لا تتحقق فيه الغلبة والنصر، بدليل ما وقع للمسلمين في غزوة أحد، فإن المسلمين في غزوة أحد كان الأمر في أول النهار في أيديهم والغلبة لهم، ولكنهم عصوا الرسول عليه الصلاة والسلام فخُذِلوا، فكانت الدائرة للمشركين، يقول الله عز وجل: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ [آل عمران: ١٥٢]، يعني حصلت الهزيمة، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ [آل عمران: ١٥٢]، الله أكبر، الله عز وجل صرف المسلمين عنهم فلم يقاتلوهم، لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ [آل عمران: ١٥٢]، شوف بعد هذا التقريع والتوبيخ الذي يتعظ به من يأتي بعدهم قال بعده: وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ، ونحن لو فعلنا كما فعلوا هل نحن ضامنون أن يعفو الله عنا؟ لا، لكن الصحابة عفا الله عنهم وصار ما فعلوه كأن لم يكن، المهم أن نقول: في سبيل الله لا بد فيه من شروط، لا بد فيه من شروط، ماذا تقولون في قوم يقاتلون للقومية، هذا في سبيل الله؟ ليس في سبيل الله، ولهذا سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ليُرَى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» ، يعني هذه كلها ليست في سبيل الله، الرجل يقاتل شجاعة لأنه شجاع والشجاع يحب أن يقاتل؛ لأن الشجاعة من سجيته والإقدام من سجيته فيحب هذا، والثاني يقاتل حمية وحدبًا على قومه، والثالث يقاتل رياء وسمعة ليُرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ».
الأخرى كافرة، ولم يقل الله عز وجل: تقاتل في سبيل كذا، وهذا من باب الاكتفاء بأحد الوصفين عن الآخر، الأولى قال: فِئَةٌ تُقَاتِلُولم يقل: فئة مؤمنة، تقاتل في سبيل الله، والثانية قال: وَأُخْرَى كَافِرَةٌولم يقل: تقاتل في سبيل الطاغوت، فحذف من الأول مقابل ما ذُكِر في الثاني، وأيش حذف من الأول؟ مؤمنة التي تقابلها كافرة، وحذف من الثاني ضد ما ذُكِر في الأول، فحذف في سبيل الطاغوت، وقد ذكر في الأولى: في سبيل الله، وهذا من الاكتفاء بذكر أحد الوصفين على الآخر، وهو من البلاغة الإيجازية، قال: وَأُخْرَى كَافِرَةٌيعني: تقاتل في سبيل الطاغوت.
يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ، وفي قراءة سبعية: {تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ}، وهنا نشوف مَن الرائي هل هم المقاتلون في سبيل الله، أو الكفار؟ الواقع أن الضمير يصلح لهذا وهذا، لكن تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِواضح أنها تعود إلى الكفار، ترون المقاتلين الفئة التي تقاتل في سبيل الله مثلي الكفار لكن رؤيا فقط ما هي حقيقية إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور [الأنفال: ٤٣]، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا [الأنفال: ٤٤].
يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِيعني يشاهدونهم بأعينهم أنهم مثليهم، سواء كانوا مؤمنين ولا كفارًا، فإن كانوا مؤمنين يرون الكفار مثليهم، فواضح أن الفئة القليلة هي المؤمنة، وإن كان الكفار يرونهم مثليهم رأي العين ففيها إشكال؛ لأنهم إذا كان الكفار يرون المؤمنين رأي العين مثليهم صارت الغلبة لمن؟
طالب: المؤمنين.
الشيخ: إي لكن (...)، صارت الغلبة للأكثر، لكنهم قالوا: إن رؤيتهم إياهم مثليهم من باب إراءة الله إياهم كذلك وإن كانوا في الواقع دون ذلك، إن كانوا في الواقع دون ذلك.
على كل حال الأقرب أن الرائي هم الطائفة المؤمنة، وأن المثلين مَن؟ الطائفة الكافرة، يعني ترى الطائفةُ المؤمنة الطائفةَ الكافرة مثليهم، وتتحقق أن هؤلاء الكفار يبلغون ضعفيهم، المِثْلان كم، إذا كان المؤمنون مئة ك الكفار؟ يكونون مئتين.
فإذا قلنا: إن هذه الآية في قضية واقعة وهي في يوم بدر صار عندنا إشكال كبير في قوله: مِثْلَيْهِمْ، لماذا؟ لأن عدد المؤمنين في بدر ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، وعدد الكفار ما بين تسع مئة إلى ألف، وهل تسع مئة وألف تكون مثلي ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا؟ نعم تقريبًا ثلاثة أمثال، ثلاثة أمثال أو أكثر، فذهب بعض العلماء إلى أنهم يرونهم مثليهم وإن كانوا في الحقيقة أكثر.
وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالمثل هنا الزائد، وجعل معنى قوله: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْأي: يرونهم أكثر منهم، وهذا إذا قلنا: إن الآية في قضية واقعة وهي قضية بدر.
أما إذا قلنا: إنها ضَرْبُ مَثَل ففيه إشكال ولّا لا؟ لا إشكال فيه، إذا قلنا: إنه من باب ضرب المثل، وأن المؤمنين إذا كانوا نصف الكفار فإنهم يغلبونهم، وهذا هو المطابق لقوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ [الأنفال: ٦٦]، فهنا الفئة تغلب مثليها، أليس كذلك؟ الفئة تغلب مثليها، المئة تغلب مئتين، والألف يغلب ألفين.
قال الله تعالى: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ، رَأْيَ الْعَيْنِهذه مصدر مؤكِّد لقوله: ترونهمأو يَرَوْنَهُمْإذا جعلنا الرؤية أيش؟ بصرية، وأما إذا جعلناها علمية، أي يعلمونهم مثليهم رأي العين، فهي أيضًا من باب التوكيد المعنوي، يعني يعلمونهم علمًا يقينيًّا كما يرونهم بأعينهم.
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ، يُؤَيِّدُ: يُقَوِّي، والباء هنا باء الوسيلة، أي: يؤيد بسبب نصره من يشاء، وقلت: إن باء الوسيلة كما يقال: ذبحت بالسكين، وضربت بالعصا، فالنصر إذن وسيلة التأييد، فهو يقوي عز وجل بنصره من يشاء. مَنْ يَشَاءُممن تقتضي الحكمةُ نَصْرَه، أو ممن تقتضي الحكمةُ تأييدَه، ويجب أن نقيد كل آية جاءت بلفظ المشيئة أو جاءت معلقة بالمشيئة يجب أن نقرنها بالحكمة؛ لقول الله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠].
وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُإِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ، إِنَّ فِي ذَلِكَالمشار إليه ما سبق من ذكر هذه القضية، أي إن في ذلك المذكور لعبرة يعني: لاعتبارًا، والاعتبار هو العبور من شيء إلى شيء، مأخوذ من العبور من شيء إلى شيء، يعني كأن الإنسان يعبر بعقله من المذكور إلى المعقول، فهنا ذُكِرت لنا قصة، نأخذ منها عبرة بماذا؟ بأن الفئة القليلة تغلب الفئة الكثيرة، فيكون في هذا تحقيق لقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ، فإذا افتخر الكفار بكثرتهم نقول لهم: إن كثرتكم لا تغني عنكم شيئًا، فهذه فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، ومع ذلك صارت الغلبة لمن؟ للتي تقاتل في سبيل الله.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ، (الأبصار) جمع (بصر)، كـ(أسباب) جمع (سبب)، ولكن ما المراد بالأبصار هنا؟ هل هو بصر الرؤية الحسية أو بصر العقل أو يشمل؟ يشمل ما دام أنهم يرونهم رأي العين فيكون فيه عبرة لأولي الأبصار، للذين رأوا بأعينهم، وكذلك هو عبرة لأولي الأبصار بالعقول، بعقولهم ولو كانوا لم يروا ذلك رأي العين؛ لأنهم إذا سمعوا اعتبروا، إذا سمعوا اعتبروا فكان في ذلك عبرة لهم.
طالب: ألا يصدق على المسلمين اليوم أنهم غثاء كغثاء السيل؟
الشيخ: إي نعم، بلى، يصدق على المسلمين اليوم أنهم غثاء كغثاء السيل؛ لأن الأمم تداعوا عليهم كما تداعى الأكلة على قصعتهم.
طالب: فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِهذه الفئة تمثل كل (...) وهذا من حيث (...) وكذلك البلاغة إذا حذفتم أحد الوصفين يخرج الوصف الآخر.
الشيخ: نعم.
الطالب: يمكن (...) فئة.
الشيخ: هو يقول: إنه يجوز أن نجعل فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِخبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير: إحداهما فئة تقاتل، وهذا الصحيح، ما ذكره وجه من أوجه إعراب الآية، يعني أنه يجوز أن نجعل فِئَةٌخبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: إحداهما، ولكن قد قرر أهل العلم قاعدة وهو أنه إذا أمكن أن يكون الكلام غير مقدر فهو أولى، مر علينا هذا في أيش؟ في النحو وفي أصول الفقه أيضًا، أنه يُحمل الكلام إذا أمكن على غير حذف.
الطالب: (...).
الشيخ: لا لا، إذا قلت: قوم يبيعون وقوم يؤجرون، صار تقسيم، يقسم هؤلاء إلى هذا، وهؤلاء إلى هذا.
طالب: (...).
الشيخ: نعم.
الطالب: هل هذا قدح؟
الشيخ: نعم نعم قدح في مهادهم.
الطالب: في جهنم..
الشيخ: في المهاد، نعم.
طالب: (...)، ثلاثة أقسام، ثم قلنا: قد يكون خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومثلنا بقول الله سبحانه وتعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] (ألم نشرح لك صدرك) هذه عامة، إن كل واحد إذا اهتدى شرح صدره للإسلام؟
الشيخ: لا؛ لأن الاستفهام هذا للتقرير وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ٤] وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ٢] هذا خاص بالرسول. نعم.
طالب: ما موقف المجاهد الذي يجاهد مع ناس ويعصون الله سبحانه وتعالى، إما معصية لا تخرج عن الملة، أو بعض معاصي تخرجهم عن الملة كالشركيات.
الشيخ: على كل حال هؤلاء لا يستحقون النصر، الذين يعصون الله عز وجل لا يستحقون النصر؛ لأن المعصية سبب للخذلان، لكن قد يُنْصَرون لظلم خصمهم، أحيانًا يُنصر الظالم على الظالم من أجل إهانة الثاني، كما قال تعالى: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام: ١٢٩]، فانتصار اليهود مثلًا على أهل فلسطين من هذا النوع، وإلا أهل فلسطين أحق بالنصر من اليهود إذا كانوا مسلمين، فالمسلم أحق بالنصر من الكافر، لكن قد يكون عند المسلم معاصي كثيرة توجب أن يُذَلّ من قبل الكافر.
نقول: إن هذا هو السر في السجود، كمال التعبد لله والتواضع له، ولهذا كان جزاء الساجد أن يكون أقرب ما يكون من ربه عز وجل؛ لأنه تواضع لله ونزل، فرفعه الله وصار أقرب ما يكون إلى ربه، وقد ورد في الحديث: «أَنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَعْضَاءَ السُّجُودِ» فيمن يدخل النار من العصاة؛ لأن عصاة المؤمنين إذا لم يتُب الله عليهم ولم تكن لهم حسنات تَرْجُح على سيئاتهم فإنهم يعذَّبون في النار بقدر ذنوبهم، لكن أعضاء السجود محترمة لا تأكلها النار ولا تؤثر فيها، ولهذا قال بعضهم:
| يَا رَبِّ أَعْضَاءَ السُّجُودِ عَتَقْتَهَا | مِنْ فَضْلِكَ الْوَافِي وَأَنْتَ الْبَاقِي |
| وَالْعِتْقُ..................... | فَامْنُنْ عَلَى الْفَانِي بِعِتْقِ الْبَاقِــي |
يعني فتوسل إلى الله بعتق هذه الأعضاء إلى أن يعتق جميع البدن بسريان العتق إليه، قال المؤلف رحمه الله: ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده، قال: ويجافي عضديه عن جنبيه، يجافي، الفاعل مَن؟ المصلي الساجد يجافي عضديه عن جنبيه يعني يبعدهما.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران: ١٢ - ١٤].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، هذه الآية مصدَّرة بـ(قل)، تدل على أن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بإبلاغها إلى الكفار، فما الذي يفيده تصدير بعض الأحكام أو الأخبار بـ(قل)؟ يعني كون الله يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أمرًا خاصًّا بتبليغ هذا الشيء ما الذي يدل عليه؟
طالب: يدل على أهميته.
الشيخ: على أهميته، وأنه أُمِر أن يبلغه أمرًا خاصًّا مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم أُمِر أن يبلّغ القرآن كله، لكن هذا يدل على أنه معتنًى به، مثل: قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ [إبراهيم: ٣١]، قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور: ٣٠] والأمثلة على هذا كثيرة.
قوله: سَتُغْلَبُونَفيها قراءتان.
طالب: سَتُغْلَبُونَ.
الشيخ: نعم و{سَيُغْلَبُونَ}. قوله: تُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ.
طالب: تُحْشَرُونَو{يُحْشَرُونَ}.
الشيخ: و{يُحْشَرُونَ}، ومعنى الحشر؟
الطالب: الجمع.
الشيخ: الجمع. قوله: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِآية على أيش؟ نعم آية يعني علامة، لكن على أيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: على أنهم سيُغلبون، على أن الكافر مغلوب. ما المراد بالفئتين في قوله: فِئَتَيْنِالمراد؟
طالب: على قول المؤلف أن..
الشيخ: ما عندنا مؤلف، هذا قرآن.
الطالب: قال بعض المفسرين: إنها غزوة بدر.
الشيخ: إي، إنها إشارة إلى غزوة بدر، وهذا هو الذي عليه الجمهور. وقال بعض العلماء؟
الطالب: غير ذلك.
الشيخ: مثال مثال، يعني معنى آيَةٌتشمل أهل بدر وغيرهم، إذا قلنا: إنهم أهل بدر، إنها إشارة إلى أهل بدر فكيف نجمع بين الواقع وبين قوله: تَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ؟
طالب: مثليهم يعني روعي الكثرة (...).
الشيخ: مطلق الزيادة، ولا يدل ذلك على التثنية، مثل: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [الملك: ٤]، نقول: المراد بمثلين يعني الزيادة، بقطع النظر عن كونه مثلًا ومثلًا؛ لأن المعروف أن المسلمين في بدر ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، وأن المشركين ما بين تسع مئة إلى ألف، فيه رأي آخر؟
طالب: مثليهم بمعنى أكثر منهم.
الشيخ: هذا قيل.
الطالب: يعني وإن كانوا أكثر منكم لكنهم يرون أنهم مثليكم.
الشيخ: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ، يعني قُلِّلُوا في أعينهم، ويؤيد هذا، وأيش يؤيد؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، نبغي من القرآن.
طالب: (...) الله إذا التقيتم في أعينهم لكنه يقللهم في أعينكم.
الشيخ: نعم وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا، ولماذا خص المثلين مع أنه في آية الأنفال قال قَلِيلًافقط؟
طالب: لقوله وتعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ [الأنفال: ٦٦].
الشيخ: صح، أراهم الله (...) مثليهم؛ لأن المؤمن يجب أن يصابر الاثنين، يجب على المؤمنين أن يصابروا مثليهم، فأُرُوا مثليهم، هذان رأيان.
فيه رأي ثالث عثرت عليه اليوم أن المراد بمثلين أي: ضعفين، وعليه فيكون مطابقًا للواقع؛ لأن ضعف الشيء كثره مرتين، فإذا كان ضعفين صار كثره ثلاث مرات، والمشركون ما بين تسع مئة إلى ألف، والمسلمون ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا.
قوله: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِالفاعل مَن؟ مَن الفاعل يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ؟
طالب: المؤمنون.
الشيخ: المؤمنون، والمفعول به؟
الطالب: تقصد أيش؟
الشيخ: يَرَوْنَهُمْ.
الطالب: المشركين.
الشيخ: إي يعود على الكافرين، يعني يرى المؤمنون الكافرين. الضمير في مِثْلَيْهِمْيعود على مَن؟
طالب: على المؤمنين.
الشيخ: على المؤمنين، يعني يرى المؤمنون الكافرين مثليهم أي مثلي المؤمنين. فيها هنا قراءة.
طالب: في (ترون)؟
الشيخ: في يَرَوْنَهُمْ.
الطالب: في قراءة (ترون).
الشيخ: {تَرَوْنَهُمْ}، وعلى هذا يكون الخطاب في قوله: {تَرَوْنَهُمْ} عائدًا على المؤمنين، أو عائدًا على الكفار بناء على مرجع (لكم) في قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ.
في قوله: فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌفيها ما يُعرف بحذف أحد المتقابلين لدلالة الآخر عليه في المقابل.
طالب: حذف المؤمنين فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
الشيخ: وأيش حذف منها؟
الطالب: المقابل.
الشيخ: وأيش المقابل؟
الطالب: المؤمنين. حذف مقابل الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت.
الشيخ: لا.
طالب: حذف الكافرين والمشركين، حذف المؤمنون.
الشيخ: وأيش التقدير؟
الطالب: فئة مؤمنون وأخرى كافرة.
الشيخ: التقدير: فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت، في الكفار ذكر كافرة قال أُخْرَى كَافِرَةٌ، لكن لم يذكر ما تقاتل فيه، وفي المؤمنين ذكر ما يقاتلون فيه ولم يذكر وصف الإيمان، فإذا قال قائل: ما هو الدليل على هذا التقسيم الذي ذكرتم؟
طالب: (...).
الشيخ: قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا...
الطالب: يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ. [النساء: ٧٦].
الشيخ: نعم، تمام، قوله تعالى: وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ، كلمة: مَنْ يَشَاءُهل المشيئة مطلقة؟
طالب: مقيدة.
الشيخ: مقيدة، بماذا؟ بالحكمة، كل نص عُلِّق على المشيئة فهو مقيد بالحكمة، ما دليلك؟
الطالب: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠].
الشيخ: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، فهذا دليل على أن مشيئة الله تابعة لعلمه وحكمته، وقوله: لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ، ما هي العبرة؟
طالب: العبرة العظة.
الشيخ: العظة، وأصلها في اللغة ما يُعْبَر به من شيء إلى شيء، ومنه عند الناس عَبَّارة يعني تُعَبِّر الماء من جهة إلى جهة، فالإنسان يعبر من هذه الحال إلى هذه الحال. ومن الذي يعتبر؟
طالب: أولو الأبصار.
الشيخ: الأبصار بالعين ولّا الأبصار بالقلب؟
طالب: أبصار القلب.
الشيخ: القلب؟ ما دليلك؟
الطالب: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى [النازعات: ٢٦]، الذي يخشى هو القلب.
الشيخ: نعم.
طالب: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦].
الشيخ: نعم فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ.
قال الله عز وجل: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ. في هذه الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدٌ تُوَجَّه إليه الأوامر؛ لقوله: قُلْفهو عبد لا يُعبد ورسول لا يُكَذَّب.
وفيها: أهمية هذا الأمر أو هذا الخبر الذي أمر الله نبيه أن يبلغه للكافرين.
ومن فوائدها أيضًا: تقوية المؤمنين، حيث يقال لأعدائهم الكفار: ستُغْلَبون في الدنيا وليس لكم عاقبة في الآخرة؛ فإنكم ستُحشرون إلى جهنم.
ومن فوائدها أيضًا: إرعاب الكفار وتحذيرهم؛ لقوله: سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ.
ومن فوائد الآية أيضًا: أن الله عز وجل يجمع للكفار بين العقوبتين: عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة؛ أما عقوبة الدنيا ففي قوله: سَتُغْلَبُونَ، حتى وإن بذلوا أموالًا كثيرة، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ، وأما العقوبة الثانية فهي قوله: وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ، أما المؤمن فإن الله تعالى إذا عاقبه في الدنيا لم يعاقبه في الآخرة، لن يجمع الله له بين عقوبتين، وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ.
ومن فوائد الآية الكريمة: البشرى لنا نحن في هذا الزمن أن الكفار لو صدَقْنا الله تعالى بالإيمان لكانوا مغلوبين، قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ، ومن الذي يغلب؟ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فلو أننا رجعنا إلى الإيمان حقًّا بالعقيدة، والقول، والعمل، والأخلاق، والآداب، وجميع ما يتعلق بالشريعة الإسلامية لكان الكفار أمامنا مغلوبين، ويشهد لهذا الواقع الذي حصل في سلف هذه الأمة حيث ملكوا مشارق الأرض ومغاربها.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عذاب النار؛ لقوله: وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ، وهذا أمر ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، ومن أنكر فقد كفر.
ومن فوائد الآية الكريمة: إنشاء الذنب، بل غاية الذنب للنار؛ لقوله: وَبِئْسَ الْمِهَادُ.
أما قوله: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِفمن فوائدها: ضرب الأمثال بالأمور الواقعة؛ لأن ذلك أبلغ في التصديق والطمأنينة، ويتفرع على ذلك: أنه ينبغي للواعظ والداعية إلى الله عز وجل أن يضرب الْمُثُل للمدعوين بالأمور الواقعة؛ لأن ذلك أبلغ، فمثلًا: إذا أراد أن يدعو إلى ترك المنكرات والقيام بالواجبات قال: انظر إلى البلد الفلاني حيث كان يسمَّى منذ عهد ليس ببعيد يسمى زهرة الشرق الأوسط، وكل من أراد المتعة من الشرق الأوسط ومن أوروبا ومن غيرها يذهب إلى هذا البلد؛ لأنه يجد غاية ما يكون من المتعة، أصبح الآن أنهارًا تجري من الدماء، جعل الله تعالى بأسهم بينهم حتى فروا من ديارهم، فبدل أن كانت مدينتهم تزيد على المليون أصبح الآن ليس فيها إلا مئتي ألف وكسر، يعني ذهب أكثر من ثلاثة أرباع أهل البلد من الفتن والمحن، فإذا ضربت هذا المثل الواقع لمن تحذرهم أن يقعوا في الترف فيهلكوا صار في هذا عبرة، ولهذا ضرب الله هذا المثل بقوله: قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا.
من فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان مهما بلغ من الصدق فإن عرضه الأشياء الواقعة تجعل كلامه حق اليقين، والمراتب قد سبق لنا أنها ثلاثة: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين؛ علم اليقين هو خبر الصادق، وعين اليقين ما تراه بعينك مشاهدة، وحق اليقين ما تدركه بحسك، فإذا قال لك قائل: هذه تفاحة، أو عندي تفاحة، في جيبي تفاحة، وهو رجل صادق فالذي أدركت أنه يوجد تفاحة؟ أدركت بعلم اليقين، فإذا أخرجها ونظرت إليها فهذا عين اليقين، فإذا أكلتها فهو حق اليقين؛ لأن هذا هو الواقع، إذن نقول: إنه ينبغي للإنسان مهما بلغ من ثقة الناس به أن يضرب الأمثال للناس حتى يقتنعوا بقوله؛ لأننا نحن لا نشك في أن أصدق الكلام كلام الله، وقد قال الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ، ثم ضرب مثلًا واقعيًّا بأن الكفار غُلِبوا مع أنهم أكثر من المؤمنين.
من فوائد الآية الكريمة: أن النصر ليس بكثرة العَدد، ولا بقوة العُدد، ولكنه من الله؛ لأن الله لما ضرب هذا المثل قال: وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ، ولكن إذا قيل: ما هي الوسيلة الحقيقية لنصر الله الذي به التأييد؟ فالجواب: ما ذكره الله عز وجل بقوله: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور: ٥٥]، إلى الآن لم يأت سبب النصر، قال: يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور: ٥٥]، هذا واحد، إخلاص العبادة لله عز وجل هذا من أسباب النصر، وهناك أيضًا أسباب أخرى ذكرها الله في قوله: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج: ٤٠، ٤١].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القتال لا يكون سببًا للنصر إلا إذا كان في سبيل الله، في سبيل الله إخلاصًا وأيش بعد؟
الطلبة: موافقة الشرع.
الشيخ: واتباع الشرع، موافقة الشرع.
الطلبة: واجتناب المحارم.
الشيخ: واجتناب المحارم، فإذا تمت هذه الأمور الثلاثة: الإخلاص، وأن يكون موافقًا للشرع، وأن تتجنب فيه المحارم المعاصي، فهذا هو الذي في سبيل الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا إلفة بين المؤمنين والكافرين؛ لقوله: فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ، فمن حاول أن يجمع بين المؤمنين والكافرين فقد حاول الجمع بين النار والماء، وهذا شيء غير ممكن، لا يمكن لأولياء الله أن يكونوا متآلفين مع أعداء الله، ومن حاول أن يؤلف بين أولياء الله وأعداء الله فمعنى ذلك أنه سوف يقضي على ولاية الله؛ لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١]، وكيف يمكن لشخص يقول إنه من أولياء الله وأنه مؤمن بالله أن يوالي أعداء الله الكافرين بالله؟ هذا لا يمكن، ولهذا نجد أن الصراع بين أتباع الرسل وأعداء الرسل أن الصراع قائم دائم إما بالقول وإما بالفعل؛ إما بالقول: إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ [الممتحنة: ٢]، وإما بالصراع المسلح كما هو معروف.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يُرِي المجاهدين الأمر على الواقع، أو على خلاف الواقع لحكمة، كما تشهد بذلك آية الأنفال: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ؛ لأن الإنسان إذا رأى عدوه قليلًا نشط، نشط على القتال، وإذا رآه كثيرًا انخذل، فالله سبحانه وتعالى أرى المؤمنين الكفار قليلًا، وأرى الكافرين المؤمنين قليلًا، لأجل كل واحد يُقْدِم على القتال.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الفعل أو إثبات أفعال الله؛ لقوله: وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ.
ومن فوائدها أيضًا: الرد على الجبرية في قوله: تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فأضاف الفعل إليها، والجبرية يقولون: إنه لا يضاف الفعل إلى الفاعل إلا على سبيل المجاز، كما تقول: أكلت النارُ الحطبَ، وإلا فإن الإنسان لا يفعل باختياره بل يُجْبَر على فعله.
ومن فوائد الآية: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: مَنْ يَشَاءُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يعتبر بالأمور إلا أولو البصائر؛ لقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ.
ومن فوائدها: أنك إذا وجدت من نفسك عدم اعتبار واتعاظٍ بما يجري فاعلم أنك ضعيف البصيرة؛ لأن الله إذا أثبت العبرة لأولي الأبصار فإن انتفاء العبرة يدل على ضعف البصيرة أو عدمها بالكلية.
ومن فوائد الآية: الثناء على أهل البصيرة؛ لأن السياق سياق مدح فيكون فيه ثناء على أهل البصيرة وقدح في عُمْيِ القلب.
تفسير الآية (14)
01:12:43
ثم قال الله عز وجل: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِكم هذه؟ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِسبعة، إلا إن كنت تريد أن تجعل الذهب والفضة واحدة، الذهب والفضة اثنان.
زُيِّنَ لِلنَّاسِ، أي: جُعِل هذا الشيء زينًا في قلوبهم، ومَن الذي زيّن؟ هل المزَيِّن الله عز وجل؟ أو المزين الشيطان؟ المزين هو الله، وقد أضاف الله التزيين إلى نفسه في عدة آيات كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ [الأنعام: ١٠٨]، إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ [النمل: ٤].
وأضاف التزيين أيضًا إلى الشيطان: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ [النمل: ٢٤]، لكن تزيين الشيطان إنما كان بالنسبة لأعمال هؤلاء، يعني زين لهم الأعمال، أما الأشياء المخلوقة فالذي يزينها هو الله عز وجل.
زُيِّنَ لِلنَّاسِأي: زيّنها الله عز وجل في قلوبهم ابتلاءً واختبارًا؛ لأنه لولا تزيين هذه الأشياء في قلوب الناس ما عُرِف المؤمن حقًّا، لو كان الإنسان لا يهتم بمثل هذه الأمور لم يكن له ما يصده عن دين الله، فإذا أُلْقِي في قلبه حب هذه الشهوات فإن قوي الإيمان لا يقدمها على محبة الله عز وجل.
ألم تروا إلى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ» ؟ هذا ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والمرأة ذات المنصب والجمال هي من أشد ما يتعلق بالإنسان في النساء، منصب وجمال، ومع ذلك قال: إني أخاف الله، ودعته في موضع خالٍ ليس فيه أحد؛ لأنه لو كان فيه أحد لقال: عندنا أحد كيف تقولين ها الكلام هذا؟ لكن قال: إني أخاف الله، الموضع خال فالموانع منتفية، وأسباب الفاحشة موجودة متوفرة، ومع ذلك قال: إني أخاف الله، إذن فهذا التزيين نقول: إنه ابتلاء واختبار من الله عز وجل.
قال: حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، ولم يقل: حب النساء، الشهوات، يعني أن يتزوج الإنسان المرأة لمجرد الشهوة لا لأمر آخر، ولهذا هل يدخل في هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ويقال: إنه ممن زُيِّن له حب الشهوات؟ لا؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يتزوج امرأة بكرًا، ولو كان يريد الشهوة لاختار الأبكار الجميلات ولا يمنعه مانع من ذلك، ولكنه قال: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ» ؛ لما في اختيار النساء من قِبَله عليه الصلاة والسلام من المصالح العظيمة كاتصاله بالناس وقبائل العرب، وكذلك نشر العلم عن طريق النساء، لا سيما العلوم البيتية التي لا يطلع عليه إلا النساء، إلى غير ذلك من المصالح، المهم أن الآية تقول: حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، ولم يقل: حب النساء؛ لأن تزيين حب النساء إذا كان لغير مجرد الشهوة قد يُحْمَد عليه الإنسان، لكن إذا كان لمجرد الشهوة فهذا من الفتنة، ولهذا قال: حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ.
الثاني: الْبَنِينَ، أيضًا يحب البنين لا ليكون عونًا له على طاعة الله ولكن ليفتخر بهم، وكانوا في الجاهلية يفتخرون بالبنين ويتشاءمون من البنات، إذا بُشِّر أحدهم بالأنثى ماذا يكون حاله؟ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ [النحل: ٥٨، ٥٩]: يختفي منهم مخافة المسبة، ثم يفكر ويقدر أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ [النحل: ٥٩]، يعني: أيمسك هذا المولود وهو الأنثى على هُون وذُلّ وهضم لحقها، أم يدسه في التراب؟ يدفنها حية في التراب، قال الله تعالى: أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [النحل: ٥٩]، المهم أن البنين لا شك أن كثيرًا من الناس زُيِّن لهم حب البنين شهوةً، وليس الشهوة الجنسية ولكن شهوة الفخر والشرف والأبهة، أنا أولادي عشرة، أنا عندي عشرون من الولد، وما أشبه ذلك.
وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، القناطير المقنطرة، القناطير جمع قنطار، وما المراد بالقنطار؟ قيل: المراد به ألف مثقال ذهب، ألف مثقال ذهب، فإذا صارت قناطير تكون آلاف، مقنطرة: مُعْتَنًى بها، وقيل: إن القنطار ما يملأ مَسْك الثور، يعني جلد الثور من الذهب، وهذا أكثر من ألف مثقال؟ إي نعم، على كل حال ذكر الله تعالى هذه المبالغ من الذهب والفضة؛ لأنه كلما كثر المال في الغالب افتتن الإنسان به، كلما كثر افتتن الإنسان به، فإذا كانت قناطير مقنطرة من الذهب صارت الفتنة بها أشد، مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِنص عليهما لأنها أغلى ما يكون من الأموال، ولذلك تتعلق الرغبات بهذين الجوهرين: الذهب والفضة، حتى لو وُجِد جواهر نفيسة لا تجد تعلق القلوب بهذه الجواهر كتعلقها بالذهب والفضة، الآن يدلّسون على الذهب ويدلّسون على الفضة، يأتون بالأشياء مطلية باللون الأصفر، تقليدًا للذهب، وإلا ما هي ذهب؛ لأنهم يعرفون أن النفوس تندفع بقوة إلى الذهب ولها رغبة قوية في الذهب، والشاعر يقول:
| رَأَيْــــتُ النَّــــاسَ قَــــدْ ذَهَبُــــــــــــــــوا | إِلَــــــــى مَـــــــــنْ عِنْـــــــــدَهُ ذَهَــــــــــــــــبُ |
| وَرَأيْــــتُ النَّــــاسَ قَــــدْ مَالُـــــــــــــــوا | إِلَـــــــى مَــــــــــنْ عِنْــــــــــدَهُ مَــــــــــــــــــــــالُ |
يقول: مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، الذهب هو المعدن المعروف ذو اللون الأصفر، واشتهر أخيرًا عند الناس ما يسمونه بالذهب الأبيض، ولكن ليس هذا هو الذهب وإن كان عندهم أنه بمنزلة الذهب في الغلاء وتعلق النفوس به، لكنه ليس هو الذهب المعني في هذه الآية، والفضة أيضًا معدن معروف وجوهر مألوف لكنه أقل من الذهب.
طالب: شيخ ذكرت أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما تزوج بكرًا؟
الشيخ: لا، ما تزوج بكرًا في الغالب إلا عائشة فقط، عائشة تزوجها وهي بكر.
طالب: قلنا إنه أمر المؤمنين لا يتخذون الكافرين أولياء لكن في حال الدعوة يعني دعوتهم، يعني كيف إن الإنسان يجمع بين أنه ما يتخذه وليّ وبين أنه يريد أن يرغّبه في الإسلام؟
الشيخ: اتخاذهم أولياء معناه أن يتولاهم وينصرهم، هذا اتخاذهم أولياء لا أن يتقرب إليهم لدعوتهم.
طالب: فإذا تقربنا إليهم لدعوتهم؟
الشيخ: ألسنا نعطيهم من مال الزكاة؟ نعطيهم المال لنتألفهم على الإسلام، فأنا ما أتقرب إليه لأني أحب أن أقرب إليه شخصيًّا، أتقرب إليه ليقرب إلى الإسلام، وهنا أشعر بنفسي أنني أنا وليه في الواقع ما هو الولي، فمن اتخذ وليًّا من النصارى، من الكفار عمومًا يتولاه ويناصره ويعاضده، فهذا هو الذي اتخذهم أولياء.
الطالب: يعني لو ذهبنا ندعوهم نبدؤهم بالسلام وهكذا؟
الشيخ: لا، ما نبدؤهم بالسلام، السلام ما نبدؤهم، نبدؤهم بالتهنئة مثلًا صباح الخير، كيف حالك، المصافحة إن مدوا أيديهم فصافحهم وإلا فلا.
طالب: (...).
الشيخ: بلى لكن (...).
***
طالب: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ [آل عمران : ١٤].الشيخ: أحسنت، بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَإلى آخره، قوله: زُيِّنَمن المزين؟
طالب: المزين الله سبحانه وتعالى أصلًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: ثم للشيطان..
الشيخ: لماذا زينها؟
الطالب: زينها الله سبحانه وتعالى لتكون بشرى للعباد في الدنيا.
الشيخ: بشرى؟
الطالب: لتكون امتحانًا للعباد.
الشيخ: نعم، زينها امتحانًا للعباد هل يقدمون هذه الشهوات أو ما يرضي الله عز وجل. قوله: لِلنَّاسِهل يشمل المؤمن والكافر؟ إي نعم يشمل المؤمن والكافر؛ لأنه إذا قيل: الناس، نقول: للعموم، إذا قيل: المؤمنون، فهو خاص.
قوله: حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِإلى آخره، لماذا لم يقل: حب النساء، بل قال: حب الشهوات؟
طالب: لأن حب النساء لغير شهوة ربما يكون محمودًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن حب النساء لشهوة (...).
الشيخ: نعم، لماذا خص البنين دون البنات؟
طالب: لأنهم كانوا يفتخرون بالبنين وكانوا يكرهون البنات.
الشيخ: نعم؛ لأن هذا هو موضع الافتخار عند العرب وما زال الناس الآن يرغبون الأبناء أكثر من البنات.
الْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِالقناطير جمع؟
طالب: قنطار.
الشيخ: وما هو القنطار؟
الطالب: ألف مثقال.
الشيخ: نعم، الآلاف الكثيرة، على القول الراجح أنها الآلاف الكثيرة من الدنانير. الْمُقَنْطَرَةِوأيش معناها؟
الطالب: المعْتَنَى بها.
الشيخ: نعم، المعتنى بها التي يعتني بها أصحابها ويحفظونها ويعدونها، بل ربما أحيانًا يدفنونها خوفًا عليها.
قال الله عز وجل: مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، الذهب والفضة هما المعدنان المعروفان اللذان تتعلق بهما رغبة الخلق جميعًا، كل بني آدم تتعلق رغبتهم بالذهب والفضة أكثر مما تتعلق بغيرهما، ولهذا كان الذهب والفضة قيمة لجميع الأشياء، كل الأشياء تباع بماذا؟ بالذهب والفضة، يعني ما تجد مثلًا غيرهما من الأموال يكون قيمة للأشياء تباع به الأشياء أبدًا، بعت دارك؟ بماذا بأي شيء؟ بالذهب والفضة، بعت سيارتك بالذهب والفضة، بعت كتابك بالذهب والفضة، كل شيء يكون عوضه الذهب والفضة، فهما محل رغبة الناس، ولهذا قال: مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، الذهب هو ذلك المعدن الأحمر، والفضة هو المعدن الأبيض المعروف، ولكن هل إذا حُوِّل الذهب وصار أبيض يثبت له حكم الذهب الأحمر فيحرم على الرجال لبسه؟ أو يتغير الحكم بتغير الحال؟ نحن نسمع أن فيه ذهبًا أبيض، ولكن الذهب الأحمر هو الذي نُصّ عليه، فإذا حُوِّل إلى ذهب أبيض فإن كان مجرد اللون فهو عندي محل نظر، هل يعتبر ذهبًا ويكون نصابه في الزكاة نصاب الذهب، ويكون حرامًا على الرجال، ويحرم بيعه بالذهب الأحمر متفاضلًا؟ أو نقول: إنه انتقل وصار في حكم الفضة؟ هذا يحتاج إلى أن نعرف ما رأي الكيماويين في هذا الشيء، هل إنه ينتقل بما يضاف إليه من المادة التي تجعله أبيض أو لا ينتقل.
وقوله: مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ، الخيل هي هذه الحيوانات المعروفة؛ وسميت خيلًا؛ لأن صاحبها غالبًا يبتلى بالخيلاء لأنها أفخر المراكب، فالراكب لها يكون في قلبه خيلاء، أو لأنها هي تختال في مشيتها، ولهذا ترى الخيل عند مشيتها ليست كغيرها، تشعر بأن فيها ترفعًا واختيالًا، قال بعضهم: أو لأنها يخيل إليها أنه لا شيء يساميها، وهذا لا ندري عنه، اللهم إلا ما يظهر من أثر مثل اختيالها في مشيتها، على كل حال الخيل معروفة، وأصحابها لا شك أنهم يرون أنهم فوق الناس؛ لأنها أفخر المراكب في ذلك الوقت وإلى الآن، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ، ومن المعلوم أن الآية هنا في سياق من أحب شهوة الخيل، يعني اتخذها شهوة، فهذا هو محل التزيين المذموم، أما من اتخذها ليجاهد بها في سبيل الله فهذا خير، هذا لا شك أنها خير له، كما أن من أحب الذهب والفضة لا للشهوة وجمع المال ولكن لما يترتب على المال من المصالح فهذا محمود.
الخيل قسمها الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أقسام ثلاثة: فخر وخيلاء، أو ليناوئ بها المسلمين، فهذا له وزر، ثانيًا: اتخذها ليجاهد عليها في سبيل الله فهذا له أجر، ثالثًا: اتخذها للركوب والتنمية والاستفادة من ورائها فهي له ستر، لا إثم، لا أجر..





