عبد يُؤمر ويُنهى؛ لقول الله تعالى: قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ، وليس له حق في الربوبية أبدًا، فهو لا يحيي ولا يميت، ولا
يرزق، ولا يدفع الضر عن نفسه ولا عن غيره، ولا يعلم الغيب، يمتاز عن الناس
بماذا؟
الطلبة: بالرسالة.
الشيخ: بالرسالة قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف: ١١٠].
هذه الميزة ونِعمت الميزة هذه، وهو أيضًا عليه الصلاة والسلام نفسه شخصيًّا هو عنده من الاستعداد لتحمل أعباء الرسالة ما ليس عند غيره، كما قال الله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤].
ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بخلقه، فإنه لما ذكر ما زُين لهم من الشهوات في الأمور السبعة يُخشى أن ينصرف الناس إلى هذه الشهوات، فمن عناية الله بهم أن أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينبئهم بما هو خير من ذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: حسن أسلوب التعليم والدعوة، وأنه ينبغي للإنسان في مقام الدعوة أن يأتي بالألفاظ التي توجب الانتباه؛ لأن الإنسان إذا قيل له: ألا أنبئك بكذا وكذا؟ سوف يتشوق وينتبه، ما هذا الذي تريد أن تنبئني فيه؟ بخلاف ما لو جاء الكلام مرسلًا لم يكن له هذا الوطأ.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المفاضلة بين شيئين بينهما فرق عظيم؛ لقوله: بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ، ومعلوم أن كل ما ذُكر من الشهوات السبع لا يساوي شيئًا أبدًا بالنسبة لثواب الآخرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ، وهل جاء مثل هذه الصيغة في القرآن؛ تفاضل بين شيئين بينهما فرق عظيم؟
طالب: قوله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤].
الشيخ: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا، كذا؟ بل إن الله قال -تنزلًا مع الخصم أو موافقة الخصم في دعواه- قال: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُون [النمل: ٥٩].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الخير الذي شوَّق الله العباد إليه ثابت للمتقين؛ لقوله: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْوسبق معنى التقوى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الخير لهؤلاء المؤمنين في أكرم جوار وهو جوار رب العالمين؛ لقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ، فأقرب الناس إلى الله هم أصحاب الجنة؛ ولهذا جعلهم الله عنده كما في قوله: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف: ٢٠٦].
ومن فوائد الآية الكريمة: عظم هذه الجنات لكونها عند الله في جواره سبحانه وتعالى.
ومن فوائدها: أن جزاء هؤلاء المتقين هذه الدار العظيمة المشتملة على النعيم الذي لا نظير له؛ لقوله: جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، والأنهار سبق لنا أنواعها.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على تقوى الله بأن ذكر ثواب المتقين يتضمن الحث على التقوى.
ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بهؤلاء القوم؛ لقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْوالربوبية هنا؟
الطلبة: خاصة.
الشيخ: خاصة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء السادة يتنعمون في ثواب الله بكل أنواع النعيم بالأكل والشرب والنكاح، الأكل والشرب في قوله: جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُفمن الجنات يأكلون، ومن الأنهار يشربون، أما النكاح فقال: وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ، وهذه أصول لذائذ البدن: الأكل والشرب والنكاح.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الأزواج في الجنة بكونهن مطهَّرات وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ، وسبق لنا معنى التطهير أنه حسي ومعنوي.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن تمام نعيم هؤلاء برضوان الله؛ لقوله: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ، وقد بين الله تعالى في سورة التوبة أن هذا الرضوان أكبر النعيم فقال: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: ٧٢].
ومن فوائدها: إثبات صفة الرضا لله؛ لقوله: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ، والرضا من الصفات الذاتية أو الفعلية؟
الطلبة: الفعلية.
الشيخ: الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته، متى وجد سبب الرضا وجد الرضا، وكل صفة تكون معلقة بسبب فإنها من الصفات؟
الطلبة: الفعلية.
الشيخ: الفعلية.
ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة الله سبحانه وتعالى بالعباد علمًا ورؤية؛ لقوله: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل حيث قسم الناس إلى قسمين: متقين، وعصاة، من أين أخذنا ذلك؟ من قوله: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْبعد قوله: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ، فدل هذا على أن الناس قسمان: قسم متقي، وقسم غير متقي عاصي.
ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى حكيم حيث جعل التقوى في أهلها؛ لقوله: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، فمن بصره بعباده أن جعل هؤلاء متقين والآخرين عصاة، وهؤلاء ثوابهم الجنة، وأولئك ثوابهم النار، ولا شك أن هذا من حكمة الله سبحانه وتعالى، فإن الله كما هو أعلم حيث يجعل رسالته فهو أعلم حيث يجعل ميراث رسالته، وميراث رسالته هو العلم، العلم المتضمن للدعوة والعبادة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل الخلق عباد لله، نأخذها من أين؟
طالب: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.
الشيخ: وجه الدلالة؟
الطالب: أن الله سبحانه وتعالى بصير بعباده.
الشيخ: وجه الدلالة أنه عام.
طالب: لأنه قال: بِالْعِبَادِ.
الشيخ: طيب، مع قوله: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ، فدل هذا على أنه بصير بجميع العباد: المتقي وغير المتقي.
ومن فوائدها: التحذير من مخالفة أمره؛ لأنه متى علم الإنسان أن الله بصير به فسوف يرتدع، أو فسوف يردع نفسه عن مخالفة ربه؛ لأنه إذا خالف ربه فالله بصير به وسوف يجازيه بحسب مخالفته.
الطلبة: بالرسالة.
الشيخ: بالرسالة قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف: ١١٠].
هذه الميزة ونِعمت الميزة هذه، وهو أيضًا عليه الصلاة والسلام نفسه شخصيًّا هو عنده من الاستعداد لتحمل أعباء الرسالة ما ليس عند غيره، كما قال الله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤].
ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بخلقه، فإنه لما ذكر ما زُين لهم من الشهوات في الأمور السبعة يُخشى أن ينصرف الناس إلى هذه الشهوات، فمن عناية الله بهم أن أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينبئهم بما هو خير من ذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: حسن أسلوب التعليم والدعوة، وأنه ينبغي للإنسان في مقام الدعوة أن يأتي بالألفاظ التي توجب الانتباه؛ لأن الإنسان إذا قيل له: ألا أنبئك بكذا وكذا؟ سوف يتشوق وينتبه، ما هذا الذي تريد أن تنبئني فيه؟ بخلاف ما لو جاء الكلام مرسلًا لم يكن له هذا الوطأ.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المفاضلة بين شيئين بينهما فرق عظيم؛ لقوله: بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ، ومعلوم أن كل ما ذُكر من الشهوات السبع لا يساوي شيئًا أبدًا بالنسبة لثواب الآخرة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ، وهل جاء مثل هذه الصيغة في القرآن؛ تفاضل بين شيئين بينهما فرق عظيم؟
طالب: قوله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤].
الشيخ: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا، كذا؟ بل إن الله قال -تنزلًا مع الخصم أو موافقة الخصم في دعواه- قال: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُون [النمل: ٥٩].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الخير الذي شوَّق الله العباد إليه ثابت للمتقين؛ لقوله: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْوسبق معنى التقوى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الخير لهؤلاء المؤمنين في أكرم جوار وهو جوار رب العالمين؛ لقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ، فأقرب الناس إلى الله هم أصحاب الجنة؛ ولهذا جعلهم الله عنده كما في قوله: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف: ٢٠٦].
ومن فوائد الآية الكريمة: عظم هذه الجنات لكونها عند الله في جواره سبحانه وتعالى.
ومن فوائدها: أن جزاء هؤلاء المتقين هذه الدار العظيمة المشتملة على النعيم الذي لا نظير له؛ لقوله: جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، والأنهار سبق لنا أنواعها.
ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على تقوى الله بأن ذكر ثواب المتقين يتضمن الحث على التقوى.
ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بهؤلاء القوم؛ لقوله: عِنْدَ رَبِّهِمْوالربوبية هنا؟
الطلبة: خاصة.
الشيخ: خاصة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء السادة يتنعمون في ثواب الله بكل أنواع النعيم بالأكل والشرب والنكاح، الأكل والشرب في قوله: جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُفمن الجنات يأكلون، ومن الأنهار يشربون، أما النكاح فقال: وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ، وهذه أصول لذائذ البدن: الأكل والشرب والنكاح.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الأزواج في الجنة بكونهن مطهَّرات وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ، وسبق لنا معنى التطهير أنه حسي ومعنوي.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن تمام نعيم هؤلاء برضوان الله؛ لقوله: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ، وقد بين الله تعالى في سورة التوبة أن هذا الرضوان أكبر النعيم فقال: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: ٧٢].
ومن فوائدها: إثبات صفة الرضا لله؛ لقوله: وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ، والرضا من الصفات الذاتية أو الفعلية؟
الطلبة: الفعلية.
الشيخ: الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته، متى وجد سبب الرضا وجد الرضا، وكل صفة تكون معلقة بسبب فإنها من الصفات؟
الطلبة: الفعلية.
الشيخ: الفعلية.
ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة الله سبحانه وتعالى بالعباد علمًا ورؤية؛ لقوله: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل حيث قسم الناس إلى قسمين: متقين، وعصاة، من أين أخذنا ذلك؟ من قوله: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْبعد قوله: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ، فدل هذا على أن الناس قسمان: قسم متقي، وقسم غير متقي عاصي.
ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى حكيم حيث جعل التقوى في أهلها؛ لقوله: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، فمن بصره بعباده أن جعل هؤلاء متقين والآخرين عصاة، وهؤلاء ثوابهم الجنة، وأولئك ثوابهم النار، ولا شك أن هذا من حكمة الله سبحانه وتعالى، فإن الله كما هو أعلم حيث يجعل رسالته فهو أعلم حيث يجعل ميراث رسالته، وميراث رسالته هو العلم، العلم المتضمن للدعوة والعبادة.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل الخلق عباد لله، نأخذها من أين؟
طالب: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.
الشيخ: وجه الدلالة؟
الطالب: أن الله سبحانه وتعالى بصير بعباده.
الشيخ: وجه الدلالة أنه عام.
طالب: لأنه قال: بِالْعِبَادِ.
الشيخ: طيب، مع قوله: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ، فدل هذا على أنه بصير بجميع العباد: المتقي وغير المتقي.
ومن فوائدها: التحذير من مخالفة أمره؛ لأنه متى علم الإنسان أن الله بصير به فسوف يرتدع، أو فسوف يردع نفسه عن مخالفة ربه؛ لأنه إذا خالف ربه فالله بصير به وسوف يجازيه بحسب مخالفته.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: ١٨ - ٢٠].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُقال الله سبحانه وتعالى قبل ذلك: الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ [آل عمران: ١٧] إلى آخره، وسبق الكلام على الصبر وأقسامه، وعلى الصدق وأقسامه، وعلى القنوت، فما هو القنوت؟
طالب: دوام العبادة مع الخشوع والخضوع.
الشيخ: دوام العبادة مع الخشوع والخضوع، ما هو الدليل على أن القنوت دوام العبادة؟
طالب: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان: ٦٤].
طالب: قوله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨].
الشيخ: نعم، هذا دليل على أنه الخشوع والخضوع.
طالب: قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: ٩].
الشيخ: نعم، أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا.
وقوله: الْمُنْفِقِينهل هذه الآية أو هذا الوصف على إطلاقه؟
طالب: المنفقين الذين يصرفون الأموال في سبيل الله بغير إسراف..
الشيخ: ولا تقتير.
الطالب: ولا تقتير.
الشيخ: الدليل على هذا؟ على أن الإنفاق المحمود هو الذي يكون بلا إسراف ولا تقتير؟
الطالب: سورة الفرقان: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: ٦٧].
الشيخ: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا، وقد بيَّن الله أيضًا لما ذكر ميزان الإنفاق ذكر جهة الإنفاق؟
طالب: قوله تعالى: قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة: ٢١٥].
الشيخ: أحسنت، تمام.
قوله: الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِما معنى المستغفرين؟
طالب: الطالبين المغفرة من الله.
الشيخ: الطالبين المغفرة من الله، ما معنى المغفرة؟
الطالب: هي الستر مع التجاوز.
الشيخ: ستر الذنب والتجاوز عنه.
لماذا خص الاستغفار بالأسحار؟
طالب: لأنه وقت نزول الله سبحانه وتعالى في الثلث الأخير من الليل.
الشيخ: طيب، هذا واحد.
طالب: وإنه يكون بعد التهجد.
الشيخ: بعد التهجد، فيكون فيه دفع للإعجاب بالنفس، وبيان أن الإنسان مفتقر إلى ربه؛ لأنه لا يخلو من؟
الطالب: نقص.
الشيخ: من تقصير ونقص.
طالب: لأنه وقت الغفلة والنوم، لذة النوم (...).
الشيخ: والله هذه أقول: تعليلًا؛ لأنه يمكن أن يقال أيضًا: يركعون ويسجدون.
قوله: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِالملائكة معطوفة؟
طالب: معطوفة على الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: أين؟
الطالب: يعني: شهد الله أنه لا إله إلا هو وكذلك الملائكة تشهد أنه لا إله إلا هو.
الشيخ: زين، يعني والملائكة شهدت أنه لا إله إلا هو.
أُولُو الْعِلْمِمعطوفة على أيش؟
الطالب: كذلك وَأُولُو الْعِلْمِ.
الشيخ: على؟
الطالب: على شَهِدَ اللَّهُ.
الشيخ: على شَهِدَ اللَّهُكلها؟
الطالب: لا، وأولوا العلم كذلك يشهدون.
طالب آخر: معطوفة على لفظ الجلالة.
الشيخ: على لفظ الجلالة فقط؟ طيب.
من المراد بأولي العلم؟
طالب: العارفين بالله بالعلم الشرعي.
الشيخ: أصحاب العلم بالله، بالله بأسمائه وصفاته وأحكامه، كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب.
لو قال قائل: ألا يراد بأولي العلم أصحاب العلم بالطبائع بطبائع الأشياء والصنائع؟
الطالب: لا، ليس المراد.
الشيخ: ليس هذا المراد.
الطالب: لا، قد يكون أشد الناس كفرًا.
الشيخ: نعم، المراد بالعلم العلم بالله عز وجل وأسمائه وصفاته وأحكامه.
قوله تعالى: قَائِمًا بِالْقِسْطِما إعرابها؟
طالب: حال.
الشيخ: حال منين؟
الطالب: لفظ الجلالة.
الشيخ: أين لفظ الجلالة؟
الطالب: حال من شَهِدَ اللَّهُالله جل وعلا.
الشيخ: إذن شهد الله وقائمًا بالقسط؟ شهد الله حال كونه قائمًا بالقسط؟
طالب: لفظ الجلالة فقط.
الشيخ: ما يخالف، لكن كون المعنى: شهد الله حال كونه قائمًا بالقسط، توافقون على هذا؟
طالب: قَائِمًاضمير مستتر هو الله.
الشيخ: إي نعم لكن حال منين؟
الطالب: حال من لفظ الجلالة هو الله.
الشيخ: من الضمير في (هو)، أنه لا إله إلا هو حال كونه قائمًا بالقسط، يعني: أن ألوهيته ليست جورًا وظلمًا بل هي قيام بقسط.
قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَما موضع الجملة أو ما موقع الجملة مما قبلها في المعنى؟
طالب: توكيد.
الشيخ: توكيد، توافقون على هذا؟
طالب: حُكم.
الشيخ: حُكم، صح، شهد الله لنفسه بأنه لا إله إلا هو ثم حكم لنفسه، وعلى هذا فالجملة تأسيسية ولا توكيدية؟
الطلبة: تأسيسية.
الشيخ: الصحيح أنها تأسيسية لا توكيدية؛ لأن الحكم تسبقه الشهادة، فهي دعوة وشهادة وحكم، فجملة لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَحكم من الله عز وجل بأنه وحده هو المتفرد بالألوهية.
أما الْعَزِيزُ الْحَكِيمُفقد تقدمتا مرارًا وعرفنا أن العزة تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وأن الحكمة مأخوذة من الحُكم والإحكام، وأن الحكم: كوني وشرعي، وأن الحكمة فيهما إما حالية وإما؟
طالب: غائية.
الشيخ: غائية.
أما قوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ.
قال الله عز وجل: قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْإلى آخره.
من قوله: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، وتكلمنا عن الأزواج وأنها مطهرة من الرجس الحسي والمعنوي، وسبق لنا أيضًا تكلمنا عن الرضوان، وأنه أعظم وأكبر نعيم الجنة، ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: وذكرنا أنه يستفاد منه إثبات صفة الرضا لله، وأنه من الصفات الفعلية.
ثم قال عز وجل: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّاإلى آخره.
من فوائد هذه الآية: أن من صفات المتقين إعلانهم بالإيمان بالله؛ لقوله: الَّذِينَ يَقُولُونَوالقول هنا يكون باللسان ويكون بالقلب.
ومنها: اعترافهم بالعبودية وأنهم مربوبون لله بقولهم: رَبَّنَا.
ومن فوائدها أيضًا: أن من صفات المتقين عدم الإعجاب بالنفس وأنهم يرون أنهم مقصرون لطلبهم المغفرة من الله لقولهم: فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا.
ومنها: أن التقوى لا تعصم العبد من الذنوب، بل قد يكون له ذنوب لكن المتقي يبادر بالتوبة إلى الله عز وجل.
ومنها: جواز التوسل بالإيمان؛ لقوله: رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، فإن الفاء هنا للسببية تدل على أن ما بعدها مسبب عما قبلها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله المغفرة والوقاية من النار؛ لقوله: وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
فإن قال قائل: سؤال المغفرة يغني عن سؤال الوقاية من النار؛ لأن الإنسان إذا غفر له وقي من النار؟
فالجواب: أن الأمر كذلك، وأن الإنسان إذا غفر له وفي من عذاب النار، لكن باب الدعاء ينبغي فيه البسط؛ لسببين: السبب الأول: أن يستحضر الإنسان جميع ما يدعو به في أنواعه.
والثاني: أن الدعاء مخاطبة لله عز وجل، وكلما تبسط الإنسان مع الله بالمخاطبة كان ذلك أشوق وأحب إليه مما لو دعا على سبيل الاختصار.
ثالثًا: أنه كلما ازداد دعاءً ازداد قربة إلى الله عز وجل.
رابعًا: أن كلما ازداد دعاءً كان فيه إظهار لافتقار الإنسان إلى ربه؛ ولهذا نجد أنه جاءت في النصوص: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ؛ دِقَّهُ وَجِلَّهُ، عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ، وَأَوْلَهُ وَآخِرَهُ» . وهذه يُغني عنها قوله: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي»، بل لو قيل يغني عنها: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» لكان صحيحًا، لكن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط؛ ولهذا قالوا: فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عذاب النار؛ لقوله: وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وعذاب النار إما دائم مستمر، وهذا لأصحاب النار الذين هم أصحابها، وإما مؤقت، وهذا لأصحاب المعاصي، فإنهم يعذبون بحسب معاصيهم إذا لم يغفر الله لهم.
ثم ذكر أوصافهم فقال: الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَإلى آخره.
ففي هذه الآية من الفوائد: فضيلة الصبر، وأنه من الصفات التي يثنى بها على الإنسان؛ لأن السياق سياق مدح وثناء.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: فضيلة الصدق؛ لأن الله وصف به المتقين فقال: وَالصَّادِقِينَ.
ومن فوائدها أيضًا: فضيلة القنوت؛ لأن الله وصف به المتقين، وفضيلة الإنفاق؛ لأن الله وصف به المتقين، وفضيلة الاستغفار، وفضيلة الأسحار، كذا؟
ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الاتصاف بهذه الصفات وهي: الصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار.
من أين أُخذ الحث على هذه الصفات؟ لأنها سيقت مساق المدح والثناء، والشيء يعلم طلبه؛ إما بالأمر به، أو بالنهي عن تركه، أو بالثناء على فاعله، أو بترتيب الثواب عليه، أو ما أشبه ذلك، المهم أن علامات كون الشيء مأمورًا به متعددة.
هل يؤخذ من الآية أن الصبر أفضل هذه الصفات لأن الله بدأ به؟ نعم، قد يؤخذ، فيقال: في هذه الآية دليل أن الصبر أفضل هذه الصفات. وفي الحقيقة أن الإنسان إذا حقق الصبر حقق؟ جميع هذه الصفات؛ لأن من أقسام الصبر: الصبر على طاعة الله وعن معصيته.
من فوائد الآية الكريمة: ذم الاتصاف بضد هذه الصفات، الجزع وأيش بعد؟
الطلبة: الكذب.
الشيخ: الكذب، قلة الطاعة، الرابع؟
الطلبة: البخل.
الشيخ: البخل والشح، والخامس؟ الاستكبار عن الاستغفار، وأن الإنسان يرى نفسه أنه غير مذنب، فإن هذه من البلية التي يبتلى بها كثير من الناس.
أظن أننا نبهنا على أن العطف هنا عطف صفات لا عطف ذوات ولَّا لا؟
الطلبة: (...).
الشيخ: طيب الآن ننبه.
نقول: إن العطف هنا عطف صفات وليس عطف ذوات؛ لأن الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار شيء واحد، تعود إلى شيء واحد، وعطف الصفات جائز؛ لأن فيه تغايرًا؛ إذ إن كل صفة تغاير الصفة الأخرى ألم تروا إلى قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ١ - ٤]، وهو واحد عز وجل، لكن هذا من باب؟ عطف الصفات.
ومن فوائد قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُإلى آخره: بيان فضيلة التوحيد حيث أخبر الله به عباده بلفظ الشهادة.
ومن فوائدها: فضيلة الملائكة حيث جعلهم الله تعالى في المرتبة الأولى في الشهادة بهذا التوحيد.
ومن فوائدها أيضًا: فضيلة العلم وأهله؛ لقوله: وَأُولُو الْعِلْمِ.
ومن فوائدها: الإشارة إلى ذم الجهل؛ حيث إن الجاهل لا يشهد بأنه لا إله إلا الله، يعني: ليس في قلبه ما يؤيد ذلك وإن كان يقول بلسانه، فشهادة العالم أن لا إله إلا الله ليس كشهادة العامي، من جهة تقدير الله عز وجل حق قدره؛ لأنه يقولها عن عاطفة وعن تعظيم لله لكن ليس كالعالم قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩].
ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد الشيء الهام وإن كان المخبر به من أهل الصدق، من أين يؤخذ؟
طالب: شَهِدَ اللَّهُ..
الشيخ: من قوله: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَمع أنه لو قال عز وجل: لا إله إلا الله، كفى، لكن لما كان هذا الأمر هامًّا وعظيمًا صدَّره الله تعالى بالشهادة، وبيَّن أن هذه الشهادة ليست له وحده، بل له وللملائكة ولأولي العلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: وصف الله تعالى بتمام العدل؛ لقوله: قَائِمًا بِالْقِسْطِأي: بالعدل، سواء ما يتعلق بفعله أو بالحكم بين عباده؛ يعني سواء ما يتعلق بالحكم بينه وبين عباده أو بين عباده بعضهم مع بعض، فالله سبحانه وتعالى لا يظلم أحدًا، والله سبحانه وتعالى يقضي للناس بالعدل.
ويتفرع على هذه المسألة فائدة عظيمة يخشاها بعض الناس وهي: أن بعض الظلمة يدعو على المظلوم فهل يقبل دعاؤه؟ لا؛ لأن هذا خلاف العدل الذي اتصف الله به، بعض الناس أيضًا يدعو على القاضي الذي حكم بالحق، فهل يُقبل منه؟ لا؛ لأن هذا عدوان.
حدثني بعض القضاة أنه حكم على شخص فلما انتهى الحكم قام هذا الشخص قائمًا واستقبل القبلة ومد يديه إلى الله يدعو على هذا القاضي، فالقاضي يعني كأنه خائف من هذه الدعوة، فقلت له: لا تخف، لا تخف، مهما دعا وأنت على حق فإن الله لن يقبل دعاءه ولن يستجيب له؛ لأن الله يقول: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف: ٥٥]، ومن كان لا يحب المعتدين لا يمكن أن يجيبهم، وهذا معتدي، ما دُمت تعرف أنك على حق وأنك حكمت بمقتضى الشرع فلا يهمنك دعاء الداعي.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لما أخبر بل لما شهد لنفسه بالألوهية أو بانفراده بالألوهية أكد ذلك بالحكم بها لنفسه فقال: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وهذا ليس توكيدًا لما سبق؛ أي: ليس إعادة للشهادة بلفظ الخبر، ولكنه حكم من الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: انفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية. فيتفرع على ذلك: أن من أشرك مع الله أحدًا في العبادة؛ أي: عبده كما يعبد الله، فإنه مشرِك وعمله منافٍ لهذا التوحيد.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العزة والحكمة لله في قوله: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
ومن فوائدها: أن عزة الله -ومنها الغلبة والقهر لغيره- عزة مبنية على الحكمة وتنزيل الأشياء في منازلها، وهذا مأخوذ من ضم الاسمين الكريمين بعضهما إلى بعض، أعرفتم؟ لأن العزيز من المخلوقين قد تأخذه العزة بالإثم، فلا يقول الحق ولا يهدي إليه، أما الله عز وجل فإنه يقول الحق مع كمال عزته.
ثم قال عز وجل: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ.
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ(إن) فيها قراءتان: القراءة الأولى: فتح الهمزة، والثانية: كسر الهمزة، فعلى قراءة فتح الهمزة تكون عطف بيان لقوله: أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَيعني: وشهد أيضًا أن الدين عند الله الإسلام، أو: شهد أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام.
والدِّينَيراد به العمل ويراد به الجزاء، هات لي مثالًا يراد بالدين العمل؟
طالب: كما تدين تدان.
الشيخ: لا، هذا مثال يُقال هكذا، لكن ما في آية من القرآن تدل على ذلك؟
طالب: قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة: ٤٣].
طالب آخر: قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦]، يعني: لكم أعمالكم ولي أعمالي.
الشيخ: نعم صح، ومثل لو كمّل وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: ٥].
ويكون الدين بمعنى الجزاء، الجزاء على العمل، ومثاله؟
طالب: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤].
الشيخ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.
والمراد به في هذه الآية: العمل، يعني أن الدين الذي هو عبادة الله والعمل له هو الإسلام.
والإسلام مصدر (أسلم يُسلم) وهو- أي الإسلام- التعبد لله تعالى بما شرع حال قيام الشريعة، وهذا معنًى للإسلام بالمعنى العام، أما بالمعنى الخاص فالإسلام هو التعبد لله بشرع محمد صلى الله عليه وسلم.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على هذا التقسيم؟ أن الإسلام عام وخاص؟
قلنا: الدليل في القرآن كثير، فالله تعالى وصف إبراهيم بأنه كان حنيفًا مسلمًا، وقال عن ملكة سبأ: وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل: ٤٤]، وقال يعقوب لبنيه: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٢]، وقال عن التوراة: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ، والآيات في هذا كثيرة، أن الإسلام بالمعنى العام هو: التعبد لله بأيش؟
طالب: بما شرع.
الشيخ: بما شرع حال قيام الشريعة.
أما الإسلام بالمعنى الخاص فهو التعبد لله بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا لو سألنا سائل: هل اليهود مسلمون؟
طالب: لا.
الشيخ: إن قلنا: لا، أخطأنا، وإن قلنا: نعم، أخطأنا.
فنقول: أما بالمعنى العام فهم مسلمون؛ يعني أنه لما كانت شريعة التوراة قائمة وكانوا يتبعونها فهم مسلمون بلا شك، وأما بالمعنى الخاص الذي لا يراد سواه بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فليسوا بمسلمين، بل هم كفار بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وكذلك نقول في النصارى، لو سألنا سائل: هل هم مسلمون؟ فالجواب: التفصيل؛ إن أريد بالإسلام الإسلام بالمعنى العام فهم مسلمون متى؟
الطلبة: (...).
الشيخ: حال كون شريعتهم قائمة، وإذا أريد به المعنى الخاص -وهو المراد عند الإطلاق بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم- فهم ليسوا بمسلمين.
وهنا نقطة ننبه لها وهي: أن كثيرًا من الكتاب اليوم إذا تكلموا عن اليهودية والنصرانية والإسلام قالوا: هذه هي أيش؟ الأديان؟
الطلبة: السماوية.
الشيخ: السماوية، فيظن السامع أن دين اليهود قائم، وأن دين النصارى قائم كقيام دين الإسلام، وهذا لا يصح، فإن هذه الأديان أديان سماوية لا شك لكنها؟ حُرفت، حُرفت وبُدلت وغيرت ونسخت ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، فليست دينًا يرتضيه الله اليوم، بل المتمسكون بها كفار لا يُعدون من المسلمين، فينبغي أن نتنبه لهذه النقطة التي يطلقها بعض الناس حتى يوهم العامة بأن اختلاف هذه الأديان كاختلاف المذاهب الإسلامية؛ يعني كاختلاف مذهب الشافعي ومالك والإمام أحمد وأبي حنيفة، وهذا خطأ عظيم؛ لأن من زعم أن دينًا قائم بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر؛ فإن دينه نسخ جميع الأديان.
يقول: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُما المراد بالإسلام هنا المعنى العام ولا الخاص؟
الطلبة: الخاص.
الشيخ: الخاص؛ لأنه بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم محمد لم يكن هناك دين قائم، وعلى هذا فالمراد بالإسلام: الشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم.
فإذا قال قائل: هل المراد بالإسلام هنا ما علَّمه النبي صلى الله عليه وسلم جبريل، أو المراد به الدين كله بجميع شرائعه الظاهرة والباطنة؟ الجواب؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، يعني المراد بالإسلام هنا ليس قسيم الإيمان بحديث جبريل بل المراد به ما يعم جميع شرائع الإسلام، فالصلاة من الإسلام، والزكاة من الإسلام، والتوكل على الله من الإسلام، والخوف من؟ من الإسلام، وهكذا جميع شرائع الدين من الإسلام.
وقوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، يعني: أن المرجع في كون هذا الشيء دينًا أو غير دين هو الله عز وجل، هل هذا دين عند الله فهو إسلام مقبول، هل إنه ليس بدين عند الله فليس بإسلام ولا مقبول، حتى لو زعم أهله أنهم مسلمون، فإن زعمهم هذا باطل ولا معول عليه.
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ، يعني: أن الإسلام قد اتفقت عليه هذه الأمة لم تختلف فيه، لكن الأمم السابقة جرى منهم الاختلاف، ومع ذلك لم يختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم وعلموا الحق، لكنهم اختلفوا فيه بغيًا وعدوانًا، كل واحد منهم يبغي على الآخر، كل واحد منهم يقول: إن دينك باطل، فتفرقوا وتمزقوا، وهذا كما وجد في الأمم السابقة وجد في هذه الأمة، نجد بعض العلماء يخالف الآخرين، ثم يجعل من هذا الخلاف خلاف قلب، فتتنافر القلوب وتشتت، فمن كان على ذلك ففيه شبه ممن؟ من اليهود والنصارى.
وقوله: إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُالعلم بماذا؟ العلم بالشريعة، بعد أن عرفوا الشريعة وعلموها تنازعوا فيها.
وقوله: بَغْيًا بَيْنَهُمْيعني: أن الحامل لهم على هذا الاختلاف هو البغي، أن بعضهم يبغي على بعض؛ ولهذا جرى بين اليهود وبين النصارى من الحروب ما هو معلوم؛ وذلك لقوة الخلاف بينهم، يعني: أن الخلاف أدى إلى خلاف مسلح.
وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِمَنْ يَكْفُرْالجملة هذه شرطية، فعل الشرط يَكْفُرْ، وجوابه جملة: فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، وهنا نقول: لماذا ارتبطت جملة الجواب بالفاء؟
طالب: يقتضي (...).
الشيخ: كيف؟ لماذا ارتبطت جملة جواب الشرط بالفاء؟
طالب: لأنها جملة اسمية.
الشيخ: وين الجملة الاسمية؟
الطالب: فَإِنَّ اللَّهَ؟
الشيخ: ما بـ(إن) هذه حرف؟
الطالب: إن واسمها وخبرها..
الشيخ: من يعرف؟
الطالب: الجملة اسمية إنما (...) على الأسماء (...).
الشيخ: الجملة اسمية؟ ما يمكن نقول: الجملة حرفية؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لأن أولها حرف.
طالب: أولها اسم.
الشيخ: نقول: لا يمكن؛ فالجملة إما اسمية وإما فعلية ولا ثالث لهما، إلا عند بعض النحويين ما كان شبه جملة وهو: الظرف؟
الطلبة: والجار والمجرور.
الشيخ: والجار والمجرور.
المهم أن قوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِهذا فعل الشرط، فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِهذا جواب الشرط، وقد أنشدوا بيتًا في الجمل التي هي تحتاج إلى ارتباط بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط من يقرؤها علينا:
طالب:
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُقال الله سبحانه وتعالى قبل ذلك: الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ [آل عمران: ١٧] إلى آخره، وسبق الكلام على الصبر وأقسامه، وعلى الصدق وأقسامه، وعلى القنوت، فما هو القنوت؟
طالب: دوام العبادة مع الخشوع والخضوع.
الشيخ: دوام العبادة مع الخشوع والخضوع، ما هو الدليل على أن القنوت دوام العبادة؟
طالب: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان: ٦٤].
طالب: قوله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨].
الشيخ: نعم، هذا دليل على أنه الخشوع والخضوع.
طالب: قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر: ٩].
الشيخ: نعم، أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا.
وقوله: الْمُنْفِقِينهل هذه الآية أو هذا الوصف على إطلاقه؟
طالب: المنفقين الذين يصرفون الأموال في سبيل الله بغير إسراف..
الشيخ: ولا تقتير.
الطالب: ولا تقتير.
الشيخ: الدليل على هذا؟ على أن الإنفاق المحمود هو الذي يكون بلا إسراف ولا تقتير؟
الطالب: سورة الفرقان: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان: ٦٧].
الشيخ: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا، وقد بيَّن الله أيضًا لما ذكر ميزان الإنفاق ذكر جهة الإنفاق؟
طالب: قوله تعالى: قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة: ٢١٥].
الشيخ: أحسنت، تمام.
قوله: الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِما معنى المستغفرين؟
طالب: الطالبين المغفرة من الله.
الشيخ: الطالبين المغفرة من الله، ما معنى المغفرة؟
الطالب: هي الستر مع التجاوز.
الشيخ: ستر الذنب والتجاوز عنه.
لماذا خص الاستغفار بالأسحار؟
طالب: لأنه وقت نزول الله سبحانه وتعالى في الثلث الأخير من الليل.
الشيخ: طيب، هذا واحد.
طالب: وإنه يكون بعد التهجد.
الشيخ: بعد التهجد، فيكون فيه دفع للإعجاب بالنفس، وبيان أن الإنسان مفتقر إلى ربه؛ لأنه لا يخلو من؟
الطالب: نقص.
الشيخ: من تقصير ونقص.
طالب: لأنه وقت الغفلة والنوم، لذة النوم (...).
الشيخ: والله هذه أقول: تعليلًا؛ لأنه يمكن أن يقال أيضًا: يركعون ويسجدون.
قوله: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِالملائكة معطوفة؟
طالب: معطوفة على الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: أين؟
الطالب: يعني: شهد الله أنه لا إله إلا هو وكذلك الملائكة تشهد أنه لا إله إلا هو.
الشيخ: زين، يعني والملائكة شهدت أنه لا إله إلا هو.
أُولُو الْعِلْمِمعطوفة على أيش؟
الطالب: كذلك وَأُولُو الْعِلْمِ.
الشيخ: على؟
الطالب: على شَهِدَ اللَّهُ.
الشيخ: على شَهِدَ اللَّهُكلها؟
الطالب: لا، وأولوا العلم كذلك يشهدون.
طالب آخر: معطوفة على لفظ الجلالة.
الشيخ: على لفظ الجلالة فقط؟ طيب.
من المراد بأولي العلم؟
طالب: العارفين بالله بالعلم الشرعي.
الشيخ: أصحاب العلم بالله، بالله بأسمائه وصفاته وأحكامه، كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب.
لو قال قائل: ألا يراد بأولي العلم أصحاب العلم بالطبائع بطبائع الأشياء والصنائع؟
الطالب: لا، ليس المراد.
الشيخ: ليس هذا المراد.
الطالب: لا، قد يكون أشد الناس كفرًا.
الشيخ: نعم، المراد بالعلم العلم بالله عز وجل وأسمائه وصفاته وأحكامه.
قوله تعالى: قَائِمًا بِالْقِسْطِما إعرابها؟
طالب: حال.
الشيخ: حال منين؟
الطالب: لفظ الجلالة.
الشيخ: أين لفظ الجلالة؟
الطالب: حال من شَهِدَ اللَّهُالله جل وعلا.
الشيخ: إذن شهد الله وقائمًا بالقسط؟ شهد الله حال كونه قائمًا بالقسط؟
طالب: لفظ الجلالة فقط.
الشيخ: ما يخالف، لكن كون المعنى: شهد الله حال كونه قائمًا بالقسط، توافقون على هذا؟
طالب: قَائِمًاضمير مستتر هو الله.
الشيخ: إي نعم لكن حال منين؟
الطالب: حال من لفظ الجلالة هو الله.
الشيخ: من الضمير في (هو)، أنه لا إله إلا هو حال كونه قائمًا بالقسط، يعني: أن ألوهيته ليست جورًا وظلمًا بل هي قيام بقسط.
قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَما موضع الجملة أو ما موقع الجملة مما قبلها في المعنى؟
طالب: توكيد.
الشيخ: توكيد، توافقون على هذا؟
طالب: حُكم.
الشيخ: حُكم، صح، شهد الله لنفسه بأنه لا إله إلا هو ثم حكم لنفسه، وعلى هذا فالجملة تأسيسية ولا توكيدية؟
الطلبة: تأسيسية.
الشيخ: الصحيح أنها تأسيسية لا توكيدية؛ لأن الحكم تسبقه الشهادة، فهي دعوة وشهادة وحكم، فجملة لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَحكم من الله عز وجل بأنه وحده هو المتفرد بالألوهية.
أما الْعَزِيزُ الْحَكِيمُفقد تقدمتا مرارًا وعرفنا أن العزة تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وأن الحكمة مأخوذة من الحُكم والإحكام، وأن الحكم: كوني وشرعي، وأن الحكمة فيهما إما حالية وإما؟
طالب: غائية.
الشيخ: غائية.
أما قوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ.
قال الله عز وجل: قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْإلى آخره.
من قوله: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، وتكلمنا عن الأزواج وأنها مطهرة من الرجس الحسي والمعنوي، وسبق لنا أيضًا تكلمنا عن الرضوان، وأنه أعظم وأكبر نعيم الجنة، ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: وذكرنا أنه يستفاد منه إثبات صفة الرضا لله، وأنه من الصفات الفعلية.
ثم قال عز وجل: الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّاإلى آخره.
من فوائد هذه الآية: أن من صفات المتقين إعلانهم بالإيمان بالله؛ لقوله: الَّذِينَ يَقُولُونَوالقول هنا يكون باللسان ويكون بالقلب.
ومنها: اعترافهم بالعبودية وأنهم مربوبون لله بقولهم: رَبَّنَا.
ومن فوائدها أيضًا: أن من صفات المتقين عدم الإعجاب بالنفس وأنهم يرون أنهم مقصرون لطلبهم المغفرة من الله لقولهم: فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا.
ومنها: أن التقوى لا تعصم العبد من الذنوب، بل قد يكون له ذنوب لكن المتقي يبادر بالتوبة إلى الله عز وجل.
ومنها: جواز التوسل بالإيمان؛ لقوله: رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، فإن الفاء هنا للسببية تدل على أن ما بعدها مسبب عما قبلها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله المغفرة والوقاية من النار؛ لقوله: وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
فإن قال قائل: سؤال المغفرة يغني عن سؤال الوقاية من النار؛ لأن الإنسان إذا غفر له وقي من النار؟
فالجواب: أن الأمر كذلك، وأن الإنسان إذا غفر له وفي من عذاب النار، لكن باب الدعاء ينبغي فيه البسط؛ لسببين: السبب الأول: أن يستحضر الإنسان جميع ما يدعو به في أنواعه.
والثاني: أن الدعاء مخاطبة لله عز وجل، وكلما تبسط الإنسان مع الله بالمخاطبة كان ذلك أشوق وأحب إليه مما لو دعا على سبيل الاختصار.
ثالثًا: أنه كلما ازداد دعاءً ازداد قربة إلى الله عز وجل.
رابعًا: أن كلما ازداد دعاءً كان فيه إظهار لافتقار الإنسان إلى ربه؛ ولهذا نجد أنه جاءت في النصوص: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ؛ دِقَّهُ وَجِلَّهُ، عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ، وَأَوْلَهُ وَآخِرَهُ» . وهذه يُغني عنها قوله: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي»، بل لو قيل يغني عنها: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» لكان صحيحًا، لكن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط؛ ولهذا قالوا: فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عذاب النار؛ لقوله: وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وعذاب النار إما دائم مستمر، وهذا لأصحاب النار الذين هم أصحابها، وإما مؤقت، وهذا لأصحاب المعاصي، فإنهم يعذبون بحسب معاصيهم إذا لم يغفر الله لهم.
ثم ذكر أوصافهم فقال: الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَإلى آخره.
ففي هذه الآية من الفوائد: فضيلة الصبر، وأنه من الصفات التي يثنى بها على الإنسان؛ لأن السياق سياق مدح وثناء.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: فضيلة الصدق؛ لأن الله وصف به المتقين فقال: وَالصَّادِقِينَ.
ومن فوائدها أيضًا: فضيلة القنوت؛ لأن الله وصف به المتقين، وفضيلة الإنفاق؛ لأن الله وصف به المتقين، وفضيلة الاستغفار، وفضيلة الأسحار، كذا؟
ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الاتصاف بهذه الصفات وهي: الصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار.
من أين أُخذ الحث على هذه الصفات؟ لأنها سيقت مساق المدح والثناء، والشيء يعلم طلبه؛ إما بالأمر به، أو بالنهي عن تركه، أو بالثناء على فاعله، أو بترتيب الثواب عليه، أو ما أشبه ذلك، المهم أن علامات كون الشيء مأمورًا به متعددة.
هل يؤخذ من الآية أن الصبر أفضل هذه الصفات لأن الله بدأ به؟ نعم، قد يؤخذ، فيقال: في هذه الآية دليل أن الصبر أفضل هذه الصفات. وفي الحقيقة أن الإنسان إذا حقق الصبر حقق؟ جميع هذه الصفات؛ لأن من أقسام الصبر: الصبر على طاعة الله وعن معصيته.
من فوائد الآية الكريمة: ذم الاتصاف بضد هذه الصفات، الجزع وأيش بعد؟
الطلبة: الكذب.
الشيخ: الكذب، قلة الطاعة، الرابع؟
الطلبة: البخل.
الشيخ: البخل والشح، والخامس؟ الاستكبار عن الاستغفار، وأن الإنسان يرى نفسه أنه غير مذنب، فإن هذه من البلية التي يبتلى بها كثير من الناس.
أظن أننا نبهنا على أن العطف هنا عطف صفات لا عطف ذوات ولَّا لا؟
الطلبة: (...).
الشيخ: طيب الآن ننبه.
نقول: إن العطف هنا عطف صفات وليس عطف ذوات؛ لأن الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار شيء واحد، تعود إلى شيء واحد، وعطف الصفات جائز؛ لأن فيه تغايرًا؛ إذ إن كل صفة تغاير الصفة الأخرى ألم تروا إلى قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ١ - ٤]، وهو واحد عز وجل، لكن هذا من باب؟ عطف الصفات.
ومن فوائد قوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُإلى آخره: بيان فضيلة التوحيد حيث أخبر الله به عباده بلفظ الشهادة.
ومن فوائدها: فضيلة الملائكة حيث جعلهم الله تعالى في المرتبة الأولى في الشهادة بهذا التوحيد.
ومن فوائدها أيضًا: فضيلة العلم وأهله؛ لقوله: وَأُولُو الْعِلْمِ.
ومن فوائدها: الإشارة إلى ذم الجهل؛ حيث إن الجاهل لا يشهد بأنه لا إله إلا الله، يعني: ليس في قلبه ما يؤيد ذلك وإن كان يقول بلسانه، فشهادة العالم أن لا إله إلا الله ليس كشهادة العامي، من جهة تقدير الله عز وجل حق قدره؛ لأنه يقولها عن عاطفة وعن تعظيم لله لكن ليس كالعالم قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر: ٩].
ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد الشيء الهام وإن كان المخبر به من أهل الصدق، من أين يؤخذ؟
طالب: شَهِدَ اللَّهُ..
الشيخ: من قوله: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَمع أنه لو قال عز وجل: لا إله إلا الله، كفى، لكن لما كان هذا الأمر هامًّا وعظيمًا صدَّره الله تعالى بالشهادة، وبيَّن أن هذه الشهادة ليست له وحده، بل له وللملائكة ولأولي العلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: وصف الله تعالى بتمام العدل؛ لقوله: قَائِمًا بِالْقِسْطِأي: بالعدل، سواء ما يتعلق بفعله أو بالحكم بين عباده؛ يعني سواء ما يتعلق بالحكم بينه وبين عباده أو بين عباده بعضهم مع بعض، فالله سبحانه وتعالى لا يظلم أحدًا، والله سبحانه وتعالى يقضي للناس بالعدل.
ويتفرع على هذه المسألة فائدة عظيمة يخشاها بعض الناس وهي: أن بعض الظلمة يدعو على المظلوم فهل يقبل دعاؤه؟ لا؛ لأن هذا خلاف العدل الذي اتصف الله به، بعض الناس أيضًا يدعو على القاضي الذي حكم بالحق، فهل يُقبل منه؟ لا؛ لأن هذا عدوان.
حدثني بعض القضاة أنه حكم على شخص فلما انتهى الحكم قام هذا الشخص قائمًا واستقبل القبلة ومد يديه إلى الله يدعو على هذا القاضي، فالقاضي يعني كأنه خائف من هذه الدعوة، فقلت له: لا تخف، لا تخف، مهما دعا وأنت على حق فإن الله لن يقبل دعاءه ولن يستجيب له؛ لأن الله يقول: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [الأعراف: ٥٥]، ومن كان لا يحب المعتدين لا يمكن أن يجيبهم، وهذا معتدي، ما دُمت تعرف أنك على حق وأنك حكمت بمقتضى الشرع فلا يهمنك دعاء الداعي.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لما أخبر بل لما شهد لنفسه بالألوهية أو بانفراده بالألوهية أكد ذلك بالحكم بها لنفسه فقال: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وهذا ليس توكيدًا لما سبق؛ أي: ليس إعادة للشهادة بلفظ الخبر، ولكنه حكم من الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: انفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية. فيتفرع على ذلك: أن من أشرك مع الله أحدًا في العبادة؛ أي: عبده كما يعبد الله، فإنه مشرِك وعمله منافٍ لهذا التوحيد.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العزة والحكمة لله في قوله: الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
ومن فوائدها: أن عزة الله -ومنها الغلبة والقهر لغيره- عزة مبنية على الحكمة وتنزيل الأشياء في منازلها، وهذا مأخوذ من ضم الاسمين الكريمين بعضهما إلى بعض، أعرفتم؟ لأن العزيز من المخلوقين قد تأخذه العزة بالإثم، فلا يقول الحق ولا يهدي إليه، أما الله عز وجل فإنه يقول الحق مع كمال عزته.
ثم قال عز وجل: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ.
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ(إن) فيها قراءتان: القراءة الأولى: فتح الهمزة، والثانية: كسر الهمزة، فعلى قراءة فتح الهمزة تكون عطف بيان لقوله: أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَيعني: وشهد أيضًا أن الدين عند الله الإسلام، أو: شهد أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام.
والدِّينَيراد به العمل ويراد به الجزاء، هات لي مثالًا يراد بالدين العمل؟
طالب: كما تدين تدان.
الشيخ: لا، هذا مثال يُقال هكذا، لكن ما في آية من القرآن تدل على ذلك؟
طالب: قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة: ٤٣].
طالب آخر: قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦]، يعني: لكم أعمالكم ولي أعمالي.
الشيخ: نعم صح، ومثل لو كمّل وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة: ٥].
ويكون الدين بمعنى الجزاء، الجزاء على العمل، ومثاله؟
طالب: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤].
الشيخ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.
والمراد به في هذه الآية: العمل، يعني أن الدين الذي هو عبادة الله والعمل له هو الإسلام.
والإسلام مصدر (أسلم يُسلم) وهو- أي الإسلام- التعبد لله تعالى بما شرع حال قيام الشريعة، وهذا معنًى للإسلام بالمعنى العام، أما بالمعنى الخاص فالإسلام هو التعبد لله بشرع محمد صلى الله عليه وسلم.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على هذا التقسيم؟ أن الإسلام عام وخاص؟
قلنا: الدليل في القرآن كثير، فالله تعالى وصف إبراهيم بأنه كان حنيفًا مسلمًا، وقال عن ملكة سبأ: وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل: ٤٤]، وقال يعقوب لبنيه: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٢]، وقال عن التوراة: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ، والآيات في هذا كثيرة، أن الإسلام بالمعنى العام هو: التعبد لله بأيش؟
طالب: بما شرع.
الشيخ: بما شرع حال قيام الشريعة.
أما الإسلام بالمعنى الخاص فهو التعبد لله بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا لو سألنا سائل: هل اليهود مسلمون؟
طالب: لا.
الشيخ: إن قلنا: لا، أخطأنا، وإن قلنا: نعم، أخطأنا.
فنقول: أما بالمعنى العام فهم مسلمون؛ يعني أنه لما كانت شريعة التوراة قائمة وكانوا يتبعونها فهم مسلمون بلا شك، وأما بالمعنى الخاص الذي لا يراد سواه بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فليسوا بمسلمين، بل هم كفار بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وكذلك نقول في النصارى، لو سألنا سائل: هل هم مسلمون؟ فالجواب: التفصيل؛ إن أريد بالإسلام الإسلام بالمعنى العام فهم مسلمون متى؟
الطلبة: (...).
الشيخ: حال كون شريعتهم قائمة، وإذا أريد به المعنى الخاص -وهو المراد عند الإطلاق بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم- فهم ليسوا بمسلمين.
وهنا نقطة ننبه لها وهي: أن كثيرًا من الكتاب اليوم إذا تكلموا عن اليهودية والنصرانية والإسلام قالوا: هذه هي أيش؟ الأديان؟
الطلبة: السماوية.
الشيخ: السماوية، فيظن السامع أن دين اليهود قائم، وأن دين النصارى قائم كقيام دين الإسلام، وهذا لا يصح، فإن هذه الأديان أديان سماوية لا شك لكنها؟ حُرفت، حُرفت وبُدلت وغيرت ونسخت ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، فليست دينًا يرتضيه الله اليوم، بل المتمسكون بها كفار لا يُعدون من المسلمين، فينبغي أن نتنبه لهذه النقطة التي يطلقها بعض الناس حتى يوهم العامة بأن اختلاف هذه الأديان كاختلاف المذاهب الإسلامية؛ يعني كاختلاف مذهب الشافعي ومالك والإمام أحمد وأبي حنيفة، وهذا خطأ عظيم؛ لأن من زعم أن دينًا قائم بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر؛ فإن دينه نسخ جميع الأديان.
يقول: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُما المراد بالإسلام هنا المعنى العام ولا الخاص؟
الطلبة: الخاص.
الشيخ: الخاص؛ لأنه بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم محمد لم يكن هناك دين قائم، وعلى هذا فالمراد بالإسلام: الشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم.
فإذا قال قائل: هل المراد بالإسلام هنا ما علَّمه النبي صلى الله عليه وسلم جبريل، أو المراد به الدين كله بجميع شرائعه الظاهرة والباطنة؟ الجواب؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، يعني المراد بالإسلام هنا ليس قسيم الإيمان بحديث جبريل بل المراد به ما يعم جميع شرائع الإسلام، فالصلاة من الإسلام، والزكاة من الإسلام، والتوكل على الله من الإسلام، والخوف من؟ من الإسلام، وهكذا جميع شرائع الدين من الإسلام.
وقوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، يعني: أن المرجع في كون هذا الشيء دينًا أو غير دين هو الله عز وجل، هل هذا دين عند الله فهو إسلام مقبول، هل إنه ليس بدين عند الله فليس بإسلام ولا مقبول، حتى لو زعم أهله أنهم مسلمون، فإن زعمهم هذا باطل ولا معول عليه.
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ، يعني: أن الإسلام قد اتفقت عليه هذه الأمة لم تختلف فيه، لكن الأمم السابقة جرى منهم الاختلاف، ومع ذلك لم يختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم وعلموا الحق، لكنهم اختلفوا فيه بغيًا وعدوانًا، كل واحد منهم يبغي على الآخر، كل واحد منهم يقول: إن دينك باطل، فتفرقوا وتمزقوا، وهذا كما وجد في الأمم السابقة وجد في هذه الأمة، نجد بعض العلماء يخالف الآخرين، ثم يجعل من هذا الخلاف خلاف قلب، فتتنافر القلوب وتشتت، فمن كان على ذلك ففيه شبه ممن؟ من اليهود والنصارى.
وقوله: إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُالعلم بماذا؟ العلم بالشريعة، بعد أن عرفوا الشريعة وعلموها تنازعوا فيها.
وقوله: بَغْيًا بَيْنَهُمْيعني: أن الحامل لهم على هذا الاختلاف هو البغي، أن بعضهم يبغي على بعض؛ ولهذا جرى بين اليهود وبين النصارى من الحروب ما هو معلوم؛ وذلك لقوة الخلاف بينهم، يعني: أن الخلاف أدى إلى خلاف مسلح.
وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِمَنْ يَكْفُرْالجملة هذه شرطية، فعل الشرط يَكْفُرْ، وجوابه جملة: فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، وهنا نقول: لماذا ارتبطت جملة الجواب بالفاء؟
طالب: يقتضي (...).
الشيخ: كيف؟ لماذا ارتبطت جملة جواب الشرط بالفاء؟
طالب: لأنها جملة اسمية.
الشيخ: وين الجملة الاسمية؟
الطالب: فَإِنَّ اللَّهَ؟
الشيخ: ما بـ(إن) هذه حرف؟
الطالب: إن واسمها وخبرها..
الشيخ: من يعرف؟
الطالب: الجملة اسمية إنما (...) على الأسماء (...).
الشيخ: الجملة اسمية؟ ما يمكن نقول: الجملة حرفية؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لأن أولها حرف.
طالب: أولها اسم.
الشيخ: نقول: لا يمكن؛ فالجملة إما اسمية وإما فعلية ولا ثالث لهما، إلا عند بعض النحويين ما كان شبه جملة وهو: الظرف؟
الطلبة: والجار والمجرور.
الشيخ: والجار والمجرور.
المهم أن قوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِهذا فعل الشرط، فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِهذا جواب الشرط، وقد أنشدوا بيتًا في الجمل التي هي تحتاج إلى ارتباط بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط من يقرؤها علينا:
طالب:
| اسْمِيَّــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌ وَبِجَامِـــــــــــــــــــــدٍ | وَبِمَــــا وَلَـــنْ وَبِقَــــدْ وَبِالتَّنْفِيـــــــــــسِ |
الشيخ:
| اسْمِيَّــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌ وَبِجَامِـــــــــــــــــــــدٍ | وَبِمَــــا وَلَـــنْ وَبِقَــــدْ وَبِالتَّنْفِيـــــــــــسِ |
طالب: الإسلام ما هو الاستسلام لله؟
الشيخ: بلى، إي نعم، صح.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: ١٩، ٢٠]
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُالدين ذكرنا أنه يطلق على معنيين، المعنى الأول؟
طالب: شريعة الإسلام (...).
الشيخ: العمل، والثاني؟
طالب: الجزاء.
الشيخ: الثاني الجزاء.
الشيخ: هاتِ مثالًا لإطلاقه على العمل؟
طالب: قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦].
الشيخ: نعم، مثال الإطلاق على الجزاء؟
طالب: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤].
الشيخ: نعم، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِأي يوم الجزاء.
الشيخ: الْإِسْلَامُمعناه هنا؟
طالب: الإسلام معناه الأعمال الظاهرة..
الشيخ: لا، هنا إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ؟
طالب: الإسلام يعني العمل.
الشيخ: لا.
طالب: هو الشريعة الإسلامية المستقر عليها، ما قال به محمد صلى الله عليه وسلم.
طالب آخر: يشمل كل شيء كل شيء ما دخل في الإسلام.
الشيخ: إي، لكن ويش معنى الإسلام؟
الطالب: الإسلام من قول وفعل من الاستسلام والتسليم.
الشيخ: الاستسلام لله تعالى ظاهرًا وباطنًا، فالاستسلام بالباطن الإيمان، وبالظاهر؟ الأقوال والأعمال الظاهرة، هذا هنا لكن إذا جاء الإيمان والإسلام فسر الإيمان بالاستسلام الباطن، والإسلام بالاستسلام الظاهر.
قوله: الْإِسْلَامُإِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُهل المراد به هنا: الإسلام الخاص الذي بعث به الرسول عليه الصلاة والسلام أو الإسلام العام؟
طالب: الإسلام الخاص الذي بعث به النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: طيب، هذا قول، فيه قول آخر يقول: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُوهو في كل زمان بحسبه، فالدين عند الله في زمن موسى هو ما جاء به موسى (...) وفي زمن عيسى ما جاء به عيسى، وفي زمن إبراهيم ما جاء به إبراهيم، فالإسلام هو الدين عند الله، بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام ليس هناك إسلام إلا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن شريعته نسخت جميع الشرائع، وعلى هذا فمن استكبر عن دين الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فليس؟ بمسلم، فالمهم الآن أن نقول: الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُوهو الاستسلام لله تعالى ظاهرًا وباطنًا في كل زمان بحسبه، فالإسلام في زمن موسى هو؟ الشريعة اليهودية، وفي زمن عيسى؟ الشريعة النصرانية، وفي زمن إبراهيم؟ الشريعة الإبراهيمية وهكذا، في زمن صالح؟ الشريعة الصالحية، وعلى هذا فقِسْ، لكن الآن وبعد أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم ونسخ دينه جميع الأديان، فالإسلام هو ما تضمنته شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام.
ويدل لذلك على أن المراد بالإسلام هنا -يعني يؤيد هذا القول- قوله: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْيعني: فكان الدين عند أهل الكتاب هو الإسلام، والإسلام يقتضي توحيد الأمة المسلمة.
ولكن هل بقيت الأمم السابقة على ما يقتضيه إسلامها؟ الجواب: لا، بل اختلفوا اختلافًا عظيمًا، فكانوا في شقاق بعيد.
وهل هذا الاختلاف يعذرون به؟ والجواب: لا؛ ولهذا قال: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، أي: أعطوه، والإيتاء هنا إيتاء شرعي، وقد يكون الإيتاء إيتاءً كونيًّا، فإيتاء الله سبحانه وتعالى المال والصحة والعافية، هذا إيتاء كوني يستوي فيه الكافر والمؤمن والفاجر والبر، وإيتاء الله تعالى العلم هذا إيتاء شرعي، يعني ينتفع به الإنسان في شريعة الله عز وجل.
ثم إنه يقول: الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُوقامت عليهم الحجة وبينت لهم المحجة ولكنهم اختلفوا وتنازعوا، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَالنَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» ، قاله النبي صلى الله عليه وسلم تحذيرًا للأمة عن الاختلاف وليس تقريرًا لها، بل هو تحذير أن يصيبنا ما أصاب هؤلاء المختلفين؛ ولهذا لما اختلفنا الآن تفرقنا وتمزقنا وكان كل حزب منا فرحًا بما لديه، وانتشرت البدع والأهواء، لا في الأمراء ولا في العلماء، الأمراء لم يجتمعوا حتى يكونوا خلافة، والعلماء لم يجتمعوا حتى يكونوا إمامة، بل اختلفوا وصار بعضهم يضلل بعضًا وربما يكفر بعضهم بعضًا.
إذن وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُولماذا اختلفوا؟ هل هم اختلفوا يريدون الحق؟ لا، بل بَغْيًا بَيْنَهُمْبغي وعدوان، كل واحد منهم يريد أن تكون كلمته هي العليا، سواء كانت موافقة لكلمة الله أم مخالفة، وهذا مع الأسف هو الحاصل في زمننا، وفيما قبل زمننا من بعض العلماء يريد أن تكون كلمته هي العليا، ثم يأخذ في سب من خالفه -والعياذ بالله- وإن كان قد يعلم في قرارة نفسه أن الحق معه، لكن لما سبق إلى الحق وأبرزه للناس حسده على ذلك، ثم صار يبغي عليه، والحقيقة إنما بغيه على نفسه.
ثم إن البغي على العلماء لإظهار الحق إذا أظهروه وبينوه ليس بغيًا على العلماء بأشخاصهم وأعيانهم، بل هو بغي على شريعة الله، لا سيما إذا علم الباغي بأن الحق مع المبغي عليه، كما يوجد من بعض الناس إذا وجدوا أهل الحديث -مثلًا- وهم مقلدة متعصبة صاروا يذمونهم ذمًّا عظيمًا، وربما يخرجونهم إلى الضلالة وإلى البدعة وإلى الكفر -والعياذ بالله- بغيًا، وهذا من أخطر ما يكون على الأمة الإسلامية.
والواجب على الإنسان الذي يتقي ربه أن يفرح إذا أظهر الله الحق، سواء على يديه أو على يد غيره، لكن لا شك أن فرحه إذا أظهره الله على يديه سيكون أقوى وأشد من فرحه إذا أظهر الله الحق على يد غيره، لكن إذا أظهر الله الحق على يد غيره، فلا يجوز أن يبغي عليه، وأن يسعى في سبه وشتمه؛ لأنه إذا فعل ذلك أشبه من؟ اليهود والنصارى؛ ولهذا قال: بَغْيًا بَيْنَهُمْ.
وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِالجملة هنا شرطية، وفعل الشرط يَكْفُرْ، وفَإِنَّ اللَّهَجواب الشرط، وقرن بالفاء؛ لأن الجواب جملة اسمية، والمعروف أن الجواب إذا كان جملة اسمية، فإنه يجب اقترانه بالفاء، وقد لا يقترن لكنه نادر.
يقول الله عز وجل: مَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ، والكفر بآيات الله يدور على أمرين: على الجحد والتكذيب، وعلى الاستكبار والعناد، الجهل والتكذيب فيقول: لا، يقول للرسول مثلًا: لم يرسلك الله، ويكذب بالآيات ويجحدها، أو استكبار وعناد: يعلم الحق ويقر به، ولكن يستكبر عنه ويعاند، مثال كفر الاستكبار والعناد: كفر إبليس، فإن إبليس يعلم أن ما حصل حق، لكنه أبى واستكبر وكان من الكافرين، ومثال التكذيب: أن يكذب بأن هذا رسول الله، كما فعل المشركون مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكما فعل أعداء الرسل من قبل.
والحقيقة أن كلًّا منهما ملازم للآخر؛ فإن المكذب مستكبر، والمستكبر وإن لم يكذب بلسانه فهو مكذب بعمله؛ لأنه لم ينقد لأمر الله.
مَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِالآيات نوعان: كونية وشرعية، فالكفر بالآيات الكونية: أن ينكر أن الله عز وجل هو الذي خلقه، أو أن يعتقد بأن لله تعالى شريكًا فيها، أو أن يعتقد بأن لله تعالى مُعينًا فيها، كل هذا كفر بالآيات الكونية: نفي أن يكون الله خلقها، اعتقاد أن لله شريكًا، اعتقاد أن لله مُعينًا، كل هذا من الكفر بآيات الله، وقد قال الله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ: ٢٢]، نفى ثلاثة أشياء: لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِعلى سبيل أيش؟ الاستقلال، وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍعلى سبيل المشاركة، وَمَا لَهُلله مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍمن معين، ثم قال في الرابع: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٣]؛ لكمال سلطانه، لا أحد يشفع إلا لمن؟ إلا من أذن الله له.
فالحاصل أن الكفر بالآيات الكونية يتضمن ثلاثة أمور: نفي أن يكون الله خلقها، اعتقاد أن له شريكًا فيها، الثالث: اعتقاد أن له معينًا في ذلك.
أما الكفر بالآيات الشرعية فقد عرفتموه، يدور على أمرين وهما أيش؟
طالب: الجحد، والاستعلاء.
الشيخ: الجحد والتكذيب، والاستكبار والعناد.
ثم قال: فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِوهذه الجملة خبرية يقصد بها التهديد، أي: سيحاسبه وهو سريع الحساب عز وجل، والسرعة في الزمن والتقدير، أما في الزمن فإن الدنيا مهما طالت سريعة الزوال أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: ونحن إذا قسنا ما مر علينا بما يستقبل وجدنا أن كل الذي مر علينا -وإن طالت السنين -كأنه لا شيء، كم مر على الإنسان مثلًا من سنة ومع ذلك كأنه خلق الآن! سرعة عظيمة، كذلك أيضًا سريع الحساب يوم القيامة، فإن الله تعالى يفرغ من الخلائق كلهم في مقدار نصف يوم، ودليل ذلك قوله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤]، والقيلولة تكون في نصف النهار، هذا سرعة الحساب.
ولكن قد يشكل على الإنسان: كيف يحاسب الله الخلائق يوم القيامة وهو واحد وهم لا يحصيهم إلا الله؟ والجواب على هذا الإشكال: من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله أبو رزين العُقَيْلي قال: يا رسول الله، كيف يحاسبنا الله في يوم وهو واحد ونحن جميع؟ -الجماعة كثيرة- فقال: «أَلَا أُخْبِرُكَ -أو قال: أَلَا أُنَبِّئُكَ- عَلَى شَيْءٍ مِنْ آلَاءِ اللَّهِ؟» -يعني: تستدل به على إمكان ذلك- قال: بلى، قال: «هَذَا الْقَمَرُ» ، القمر واحد والذي يشاهده؟ كل من على وجه الأرض، كل من على وجه الأرض المقابل إذا لم يكن هناك حائل فإنه يشاهد، مع أن القمر من أصغر مخلوقات الله، آية من آيات الله من أصغر آياته، ومع ذلك يحيط بالعالم المقابل له على سطح الأرض.
وهذا مثال تقريبي، وإلا فإن الأمر فيما يتعلق بالخالق أعظم وأجل، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يضرب الأمثال من أجل التقريب للذهن لا التحديد، ألم تروا أنه قال: «إِنَّكُمْ سَتَرْونَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» ، ولا شك أن يقين الرؤية التي تحصل للإنسان بالنسبة إلى الله عز وجل أعظم بكثير من يقين الرؤية التي تحصل له في رؤية القمر أو برؤية الشمس، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد بذلك؟ التقريب.
فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِالحساب أن يحاسب الإنسان ويناقش، لكن لكلٍّ صفة، فالمؤمن لا يناقشه الله عز وجل ولكنه سبحانه وتعالى يقرره بذنوبه ويقول: عملت كذا، في يوم كذا في يوم كذا فيقر ولا يمكن أن ينكر، لو أنكر أحد من يشهد؟
الطلبة: جوارحه.
الشيخ: جوارحه اللي هي جزء منه تشهد عليه الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس: ٦٥]، لكن يقرر الله عز وجل عبده المؤمن بالذنوب ويقر، ويقول الله تعالى له: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» -الحمد لله- فلا يطلع عليها أحد، وما أكثر الذنوب التي سترها الله علينا! لو أحصينا ما ستر الله علينا من الذنوب ما استطعنا أن نعدها، من منا يتقن صلاته على الوجه المطلوب؟
طالب: إلا من شاء الله.
الشيخ: إلا من شاء الله، ما نستطيع ننفي نفيًا قاطعًا، لكن إلا من شاء الله، من منا لم يحصل منه غيبة لأحد أو عدوان أو نظرة محرمة أو غش ولو في الاختبار؟ فالمهم أن الإنسان لا يخلو من الذنوب، ولكن مستورة سترها الله عز وجل بفضله ورحمته، ولو شاء لبينها، لكن لا تغتر بهذا الستر ربما مع كثرة الذنوب ربما يبين أمرك للناس.
حساب الكفار يحاسبون فيوقفون على أعمالهم ويخزون بها والعياذ بالله، ويقال: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨] إذن الحساب يختلف ولَّا لا؟ يختلف باعتبار الإيمان والكفر.
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُالدين ذكرنا أنه يطلق على معنيين، المعنى الأول؟
طالب: شريعة الإسلام (...).
الشيخ: العمل، والثاني؟
طالب: الجزاء.
الشيخ: الثاني الجزاء.
الشيخ: هاتِ مثالًا لإطلاقه على العمل؟
طالب: قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦].
الشيخ: نعم، مثال الإطلاق على الجزاء؟
طالب: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: ٤].
الشيخ: نعم، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِأي يوم الجزاء.
الشيخ: الْإِسْلَامُمعناه هنا؟
طالب: الإسلام معناه الأعمال الظاهرة..
الشيخ: لا، هنا إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ؟
طالب: الإسلام يعني العمل.
الشيخ: لا.
طالب: هو الشريعة الإسلامية المستقر عليها، ما قال به محمد صلى الله عليه وسلم.
طالب آخر: يشمل كل شيء كل شيء ما دخل في الإسلام.
الشيخ: إي، لكن ويش معنى الإسلام؟
الطالب: الإسلام من قول وفعل من الاستسلام والتسليم.
الشيخ: الاستسلام لله تعالى ظاهرًا وباطنًا، فالاستسلام بالباطن الإيمان، وبالظاهر؟ الأقوال والأعمال الظاهرة، هذا هنا لكن إذا جاء الإيمان والإسلام فسر الإيمان بالاستسلام الباطن، والإسلام بالاستسلام الظاهر.
قوله: الْإِسْلَامُإِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُهل المراد به هنا: الإسلام الخاص الذي بعث به الرسول عليه الصلاة والسلام أو الإسلام العام؟
طالب: الإسلام الخاص الذي بعث به النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: طيب، هذا قول، فيه قول آخر يقول: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُوهو في كل زمان بحسبه، فالدين عند الله في زمن موسى هو ما جاء به موسى (...) وفي زمن عيسى ما جاء به عيسى، وفي زمن إبراهيم ما جاء به إبراهيم، فالإسلام هو الدين عند الله، بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام ليس هناك إسلام إلا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن شريعته نسخت جميع الشرائع، وعلى هذا فمن استكبر عن دين الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فليس؟ بمسلم، فالمهم الآن أن نقول: الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُوهو الاستسلام لله تعالى ظاهرًا وباطنًا في كل زمان بحسبه، فالإسلام في زمن موسى هو؟ الشريعة اليهودية، وفي زمن عيسى؟ الشريعة النصرانية، وفي زمن إبراهيم؟ الشريعة الإبراهيمية وهكذا، في زمن صالح؟ الشريعة الصالحية، وعلى هذا فقِسْ، لكن الآن وبعد أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم ونسخ دينه جميع الأديان، فالإسلام هو ما تضمنته شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام.
ويدل لذلك على أن المراد بالإسلام هنا -يعني يؤيد هذا القول- قوله: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْيعني: فكان الدين عند أهل الكتاب هو الإسلام، والإسلام يقتضي توحيد الأمة المسلمة.
ولكن هل بقيت الأمم السابقة على ما يقتضيه إسلامها؟ الجواب: لا، بل اختلفوا اختلافًا عظيمًا، فكانوا في شقاق بعيد.
وهل هذا الاختلاف يعذرون به؟ والجواب: لا؛ ولهذا قال: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ، أي: أعطوه، والإيتاء هنا إيتاء شرعي، وقد يكون الإيتاء إيتاءً كونيًّا، فإيتاء الله سبحانه وتعالى المال والصحة والعافية، هذا إيتاء كوني يستوي فيه الكافر والمؤمن والفاجر والبر، وإيتاء الله تعالى العلم هذا إيتاء شرعي، يعني ينتفع به الإنسان في شريعة الله عز وجل.
ثم إنه يقول: الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُوقامت عليهم الحجة وبينت لهم المحجة ولكنهم اختلفوا وتنازعوا، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَالنَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» ، قاله النبي صلى الله عليه وسلم تحذيرًا للأمة عن الاختلاف وليس تقريرًا لها، بل هو تحذير أن يصيبنا ما أصاب هؤلاء المختلفين؛ ولهذا لما اختلفنا الآن تفرقنا وتمزقنا وكان كل حزب منا فرحًا بما لديه، وانتشرت البدع والأهواء، لا في الأمراء ولا في العلماء، الأمراء لم يجتمعوا حتى يكونوا خلافة، والعلماء لم يجتمعوا حتى يكونوا إمامة، بل اختلفوا وصار بعضهم يضلل بعضًا وربما يكفر بعضهم بعضًا.
إذن وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُولماذا اختلفوا؟ هل هم اختلفوا يريدون الحق؟ لا، بل بَغْيًا بَيْنَهُمْبغي وعدوان، كل واحد منهم يريد أن تكون كلمته هي العليا، سواء كانت موافقة لكلمة الله أم مخالفة، وهذا مع الأسف هو الحاصل في زمننا، وفيما قبل زمننا من بعض العلماء يريد أن تكون كلمته هي العليا، ثم يأخذ في سب من خالفه -والعياذ بالله- وإن كان قد يعلم في قرارة نفسه أن الحق معه، لكن لما سبق إلى الحق وأبرزه للناس حسده على ذلك، ثم صار يبغي عليه، والحقيقة إنما بغيه على نفسه.
ثم إن البغي على العلماء لإظهار الحق إذا أظهروه وبينوه ليس بغيًا على العلماء بأشخاصهم وأعيانهم، بل هو بغي على شريعة الله، لا سيما إذا علم الباغي بأن الحق مع المبغي عليه، كما يوجد من بعض الناس إذا وجدوا أهل الحديث -مثلًا- وهم مقلدة متعصبة صاروا يذمونهم ذمًّا عظيمًا، وربما يخرجونهم إلى الضلالة وإلى البدعة وإلى الكفر -والعياذ بالله- بغيًا، وهذا من أخطر ما يكون على الأمة الإسلامية.
والواجب على الإنسان الذي يتقي ربه أن يفرح إذا أظهر الله الحق، سواء على يديه أو على يد غيره، لكن لا شك أن فرحه إذا أظهره الله على يديه سيكون أقوى وأشد من فرحه إذا أظهر الله الحق على يد غيره، لكن إذا أظهر الله الحق على يد غيره، فلا يجوز أن يبغي عليه، وأن يسعى في سبه وشتمه؛ لأنه إذا فعل ذلك أشبه من؟ اليهود والنصارى؛ ولهذا قال: بَغْيًا بَيْنَهُمْ.
وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِالجملة هنا شرطية، وفعل الشرط يَكْفُرْ، وفَإِنَّ اللَّهَجواب الشرط، وقرن بالفاء؛ لأن الجواب جملة اسمية، والمعروف أن الجواب إذا كان جملة اسمية، فإنه يجب اقترانه بالفاء، وقد لا يقترن لكنه نادر.
يقول الله عز وجل: مَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ، والكفر بآيات الله يدور على أمرين: على الجحد والتكذيب، وعلى الاستكبار والعناد، الجهل والتكذيب فيقول: لا، يقول للرسول مثلًا: لم يرسلك الله، ويكذب بالآيات ويجحدها، أو استكبار وعناد: يعلم الحق ويقر به، ولكن يستكبر عنه ويعاند، مثال كفر الاستكبار والعناد: كفر إبليس، فإن إبليس يعلم أن ما حصل حق، لكنه أبى واستكبر وكان من الكافرين، ومثال التكذيب: أن يكذب بأن هذا رسول الله، كما فعل المشركون مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكما فعل أعداء الرسل من قبل.
والحقيقة أن كلًّا منهما ملازم للآخر؛ فإن المكذب مستكبر، والمستكبر وإن لم يكذب بلسانه فهو مكذب بعمله؛ لأنه لم ينقد لأمر الله.
مَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِالآيات نوعان: كونية وشرعية، فالكفر بالآيات الكونية: أن ينكر أن الله عز وجل هو الذي خلقه، أو أن يعتقد بأن لله تعالى شريكًا فيها، أو أن يعتقد بأن لله تعالى مُعينًا فيها، كل هذا كفر بالآيات الكونية: نفي أن يكون الله خلقها، اعتقاد أن لله شريكًا، اعتقاد أن لله مُعينًا، كل هذا من الكفر بآيات الله، وقد قال الله تعالى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ [سبأ: ٢٢]، نفى ثلاثة أشياء: لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِعلى سبيل أيش؟ الاستقلال، وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍعلى سبيل المشاركة، وَمَا لَهُلله مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍمن معين، ثم قال في الرابع: وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: ٢٣]؛ لكمال سلطانه، لا أحد يشفع إلا لمن؟ إلا من أذن الله له.
فالحاصل أن الكفر بالآيات الكونية يتضمن ثلاثة أمور: نفي أن يكون الله خلقها، اعتقاد أن له شريكًا فيها، الثالث: اعتقاد أن له معينًا في ذلك.
أما الكفر بالآيات الشرعية فقد عرفتموه، يدور على أمرين وهما أيش؟
طالب: الجحد، والاستعلاء.
الشيخ: الجحد والتكذيب، والاستكبار والعناد.
ثم قال: فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِوهذه الجملة خبرية يقصد بها التهديد، أي: سيحاسبه وهو سريع الحساب عز وجل، والسرعة في الزمن والتقدير، أما في الزمن فإن الدنيا مهما طالت سريعة الزوال أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: ونحن إذا قسنا ما مر علينا بما يستقبل وجدنا أن كل الذي مر علينا -وإن طالت السنين -كأنه لا شيء، كم مر على الإنسان مثلًا من سنة ومع ذلك كأنه خلق الآن! سرعة عظيمة، كذلك أيضًا سريع الحساب يوم القيامة، فإن الله تعالى يفرغ من الخلائق كلهم في مقدار نصف يوم، ودليل ذلك قوله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان: ٢٤]، والقيلولة تكون في نصف النهار، هذا سرعة الحساب.
ولكن قد يشكل على الإنسان: كيف يحاسب الله الخلائق يوم القيامة وهو واحد وهم لا يحصيهم إلا الله؟ والجواب على هذا الإشكال: من رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله أبو رزين العُقَيْلي قال: يا رسول الله، كيف يحاسبنا الله في يوم وهو واحد ونحن جميع؟ -الجماعة كثيرة- فقال: «أَلَا أُخْبِرُكَ -أو قال: أَلَا أُنَبِّئُكَ- عَلَى شَيْءٍ مِنْ آلَاءِ اللَّهِ؟» -يعني: تستدل به على إمكان ذلك- قال: بلى، قال: «هَذَا الْقَمَرُ» ، القمر واحد والذي يشاهده؟ كل من على وجه الأرض، كل من على وجه الأرض المقابل إذا لم يكن هناك حائل فإنه يشاهد، مع أن القمر من أصغر مخلوقات الله، آية من آيات الله من أصغر آياته، ومع ذلك يحيط بالعالم المقابل له على سطح الأرض.
وهذا مثال تقريبي، وإلا فإن الأمر فيما يتعلق بالخالق أعظم وأجل، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يضرب الأمثال من أجل التقريب للذهن لا التحديد، ألم تروا أنه قال: «إِنَّكُمْ سَتَرْونَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» ، ولا شك أن يقين الرؤية التي تحصل للإنسان بالنسبة إلى الله عز وجل أعظم بكثير من يقين الرؤية التي تحصل له في رؤية القمر أو برؤية الشمس، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد بذلك؟ التقريب.
فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِالحساب أن يحاسب الإنسان ويناقش، لكن لكلٍّ صفة، فالمؤمن لا يناقشه الله عز وجل ولكنه سبحانه وتعالى يقرره بذنوبه ويقول: عملت كذا، في يوم كذا في يوم كذا فيقر ولا يمكن أن ينكر، لو أنكر أحد من يشهد؟
الطلبة: جوارحه.
الشيخ: جوارحه اللي هي جزء منه تشهد عليه الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يس: ٦٥]، لكن يقرر الله عز وجل عبده المؤمن بالذنوب ويقر، ويقول الله تعالى له: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» -الحمد لله- فلا يطلع عليها أحد، وما أكثر الذنوب التي سترها الله علينا! لو أحصينا ما ستر الله علينا من الذنوب ما استطعنا أن نعدها، من منا يتقن صلاته على الوجه المطلوب؟
طالب: إلا من شاء الله.
الشيخ: إلا من شاء الله، ما نستطيع ننفي نفيًا قاطعًا، لكن إلا من شاء الله، من منا لم يحصل منه غيبة لأحد أو عدوان أو نظرة محرمة أو غش ولو في الاختبار؟ فالمهم أن الإنسان لا يخلو من الذنوب، ولكن مستورة سترها الله عز وجل بفضله ورحمته، ولو شاء لبينها، لكن لا تغتر بهذا الستر ربما مع كثرة الذنوب ربما يبين أمرك للناس.
حساب الكفار يحاسبون فيوقفون على أعمالهم ويخزون بها والعياذ بالله، ويقال: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود: ١٨] إذن الحساب يختلف ولَّا لا؟ يختلف باعتبار الإيمان والكفر.
ثم قال تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِإِنْ حَاجُّوكَالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، وضمير الغيبة حَاجُّوكَالواو هل هي لليهود، أو للنصارى، أو للمشركين، أو
عامة؟
الطلبة: عامة.
الشيخ: ثلاثة أقوال: قيل: لليهود، وقيل: للنصارى؛ لأن الآيات التي في أول سور آل عمران كلها نزلت في النصارى، وقيل: للمشركين؛ لأنهم كانوا يحاجون الرسول عليه الصلاة والسلام، قالوا له: إنك يا محمد تزعم أن الذين يدعون أحدًا غير الله يكون هو ومن يدعوه في النار إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨]، إذن عيسى في النار؛ لأنه يعبد من دون الله، هذه محاجة، فأنزل الله تعالى بعد الآية مباشرة: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ [الأنبياء: ١٠١- ١٠٢].
فالمهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحاجّ، يجادله المشركون ويجادله اليهود ويجادله النصارى، ولكن يقول الله عز وجل: إن حاجوك فقل لهم قولًا تخلص به منهم: قُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ، وإذا أسلم الإنسان وجهه لله قبل كل ما يخبر الله به، وامتثل كل ما يأمر به، وانتهى عن كل ما نهى عنه؛ لأنه مسلم وجهه لله، والمراد بالوجه هنا ليس الوجه الجارحة التي في الرأس، ولكن المراد القصد، كما قال الشاعر:
الطلبة: عامة.
الشيخ: ثلاثة أقوال: قيل: لليهود، وقيل: للنصارى؛ لأن الآيات التي في أول سور آل عمران كلها نزلت في النصارى، وقيل: للمشركين؛ لأنهم كانوا يحاجون الرسول عليه الصلاة والسلام، قالوا له: إنك يا محمد تزعم أن الذين يدعون أحدًا غير الله يكون هو ومن يدعوه في النار إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨]، إذن عيسى في النار؛ لأنه يعبد من دون الله، هذه محاجة، فأنزل الله تعالى بعد الآية مباشرة: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ [الأنبياء: ١٠١- ١٠٢].
فالمهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام يحاجّ، يجادله المشركون ويجادله اليهود ويجادله النصارى، ولكن يقول الله عز وجل: إن حاجوك فقل لهم قولًا تخلص به منهم: قُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ، وإذا أسلم الإنسان وجهه لله قبل كل ما يخبر الله به، وامتثل كل ما يأمر به، وانتهى عن كل ما نهى عنه؛ لأنه مسلم وجهه لله، والمراد بالوجه هنا ليس الوجه الجارحة التي في الرأس، ولكن المراد القصد، كما قال الشاعر:
| ...................... | رَبُّ الْعِبَــادِ إِلَيْــهِ الْوَجْــهُ وَالْعَمَـــلُ |
تقصد بوجهك، أي: الوجه الذي هو وجه القلب تسلمه لله، وربما نقول: إنه يشمل هذا وهذا؛ لأن الإنسان يسلم وجهه لله فتجده يضع وجهه الذي هو أشرف أعضائه يضعه على التراب ذلًّا لله واستسلامًا له، أليس كذلك؟ لو أن أكبر ملوك الدنيا قال لك: اسجد لي ولو على فراش، لقلت: لا سمعًا ولا طاعة ولا أسجد لك، لكن الرب عز وجل يأمرك أن تسجد له فتسجد على الأرض وعلى التراب، هذا إسلام لله تعالى إسلام الوجه لله.
إذا قلت: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِما الذي يترتب على هذا؟ وهل تخلص منهم؟ الجواب: نعم؛ لأنه يترتب عليه تصديق خبر الله وأيش بعد؟ وأيش يترتب عليه؟
طالب: تصديق خبر الله.
الشيخ: والثاني؟
الطالب: واتباع الرسول.
الشيخ: إي، امتثال أمره واجتنابه نهيه، فأنا الآن هذه طريقتي، ومن ذلك أنني أمرت أن أبلغكم؟ فبلغتكم، وليس علي أكثر من ذلك لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة: ٢٧٢]، وبهذا نعرف وجه مطابقة الجواب لأيش؟ للشرط، وإلا فإن الإنسان قد يتوقع جوابًا غير هذا، قد يتوقع أنه قال: فإن حاجوك فحاجهم، قد يتوقع هذا، لكن قال: إن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وآمنت به وانقدت لأوامره، ومِن ذلك أنني أبلغكم وقد فعلت، فإن اهتديتم فلأنفسكم، وإن ضللتم فعليكم.
وقوله: لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ(مَن) هذه معطوفة على أيش؟
الطلبة: على أَسْلَمْتُ.
الشيخ: على أَسْلَمْتُ، وعلى (تُ)، على الضمير في أَسْلَمْتُ، ولا يجوز أن يكون معطوفًا على لفظ الجلالة، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: لأن الرسول لا يسلم لمن اتبعه إنما يسلم وجهه لله، ومثل ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٤]، فإن بعض المعربين قالوا: إن (مَن) معطوفة على لفظ الجلالة يعني: حسبك الله وحسبك من اتبعك من المؤمنين، وهذا غلط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حسبه الله وحده، وحسب من اتبعه من المؤمنين، كأن الذين قالوا: إن (من اتبعك من المؤمنين) معطوف على (الله) استندوا إلى قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٢]، ولكن بينهما فرق عظيم لأيش؟ لأن أَيَّدَكَأي أسند التأييد إلى من؟
طالب: الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: إلى الله، وجعل النصر والمؤمنين وسيلة، فالمؤيِّد هو الله، فبينها وبين قوله: حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَفرق ظاهر. على كل حال إن قوله: وَمَنِ اتَّبَعَنِمعطوفة على التاء في أَسْلَمْتُأي: على الضمير.
وقوله: وَجْهِيَ لِلَّهِفيها قراءتان: قراءة: سكون الياء، وقراءة: فتح الياء، {وَجْهِيْ لِلَّهِ} والثاني: وَجْهِيَ لِلَّهِ، وأما (الهاء) فهي مكسورة، ويشكل على هذا: كيف تكون معطوفة على ما هو في محل الرفع وهو التاء ثم تكون مكسورة؟
طالب: لاشتغال المحل بحركة المناسبة.
الشيخ: إذن الضمة مقدرة؟
الطالب: على ما قبل ياء..
الشيخ: على ما قبل ياء المتكلم لاشتغال المحل بحركة المناسبة؛ لأن الياء لا يمكن أن تطابق غير الكسرة، لا تطابق غير الكسرة، يكسر الشيء الذي قبلها من أجلها؛ فلهذا نقول: لاشتغال المحل بحركة المناسبة وهي الكسرة.
وقوله: وَمَنِ اتَّبَعَنِاتبعن على أيش؟ على ما جئت به من العقيدة والقول والعمل، وعلامة المتبع للرسول عليه الصلاة والسلام حقًّا هو الذي إذا قيل له: قال رسول الله، صار كقول من قال له: قال الله، وإذا قيل له: فعل رسول الله، لم يعدل بفعله فعل أحد من الناس، هذه حقيقة المتبع، أما من قال شيئًا أو فعل شيئًا أو اعتقد شيئًا، ثم حاول أن يصرف كلام الرسول عليه الصلاة والسلام إليه، فهذا حقيقة ليس بمتبع لأيش؟ لأنه لم يذعن لما جاء به الرسول، إنما اتبع هواه، ثم حاول أن يلوي أعناق النصوص إلى ما يوافق؟
الطلبة: هواه.
الشيخ: هواه، وهذه مسألة خطيرة؛ ولهذا إذا قرأت في بعض الأحيان كتب العلماء في باب المناقشة تتعجب: كيف يبنون الأدلة على عقائدهم على ما يعتقدون من الأحكام أو من العقائد القلبية، ويحاولون أن يعطفوا هذه النصوص إلى ما يعتقدون، وتستكبر هذا الأمر منهم، وهم علماء أجلة، وهذه محنة لا يسلم منها إلا من عصمه الله -نسأل الله أن يعصمني وإياكم منها- محنة عظيمة أن تجعل الهدى تابعًا للهوى، والواجب أن يكون الهوى تابعًا للهدى.
يقول: وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْهذا مما يدل على أن الواو في حَاجُّوكَيشمل: اليهود والنصارى والمشركين، يعني: وقل: هل أنتم تفعلون مثل فعلي؟ قُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَوهم اليهود والنصارى، وَالْأُمِّيِّينَوهم العرب، وسموا أميين نسبة إلى الأم؛ لأنهم كانوا جاهلين؛ ولهذا يقال: أهل الجاهلية؛ إذ لم يأتهم رسول بعد إسماعيل عليه الصلاة والسلام فكانوا جاهلين، ومنهم من يتعلم ويأخذ العلم -أي علم الرسالات الإلهية- عن النصارى، مثل؟
طالب: ورقة.
الشيخ: ورقة بن نوفل، وإلا فعامتهم جهال.
قُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْفيها قراءتان: {آأَسْلَمْتُمْ} وأَأَسْلَمْتُمْأي بتحقيق الهمزتين وإدخال ألف بينهما أَأَسْلَمْتُمْ، والاستفهام هنا يراد به الأمر، على قول لأهل العلم، يعني: قل للذين أوتوا الكتاب والأميين أسلموا، فالاستفهام بمعنى الأمر، ومثله قوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [الأنبياء: ١٠٨]، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَيعني أيش؟
الطلبة: أسلموا.
الشيخ: فأسلموا.
وقيل: بل المراد بذلك: استبلاههم، يعني: أنه ينادي عليهم بالبلاهة، يعني: أأسلمتم بعد هذا البيان وهذا الوضوح، أم أنكم بلهاء لم تفقهوا حتى الآن؟! وهذا المعنى أبلغ من المعنى الأول، فيكون المراد بذلك النداء على بلاهتهم وعلى التنديد بهم وأنهم لم يسلموا مع ظهور المعنى ووضوحه.
قال الله عز وجل: فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْاإِنْ أَسْلَمُوابالإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فَقَدِ اهْتَدَوْاهداية التوفيق أو هداية الدلالة؟
طالب: التوفيق.
الشيخ: اهتداء التوفيق، يعني: فقد سلكوا طريق الهداية؛ لأن الهداية نوعان: هداية دلالة، وهذه شاملة لكل أحد، قال الله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤]، لا بد أن يهدي الله سبحانه وتعالى كل أمة، وهداية التوفيق، وهذه خاصة بمن هدي للإسلام في كل زمان ومكان بحسبه، فمن اهتدى هداية التوفيق فهو محل المدح والثناء، وأما الأول الذي اهتدى هداية دلالة -يعني معناه علم الحق- فهذا إذا خالف الحق كان أشد ذمًّا ممن لم يعلم الحق.
فإن قلت: لو فرض أن أحدًا من الناس لم يعلم بالشريعة مثل أصحاب الفترة، فما حكم هؤلاء؟ الجواب: أن حكمهم ما هم عليه، إذا كانوا على باطل فهم على باطل، ولا يحكم بأنهم مسلمون؛ لأنهم لم يسلموا، ولكن في الآخرة أمرهم إلى الله عز وجل لا نعلم، فقد يختبرهم الله سبحانه وتعالى بما شاء على الوجه الذي يريده، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار.
طالب: أهل الفترة، قلنا: إن كل (...) خلا فيها نذير، لكن أهل الفترة دولا يعني ما..
الشيخ: لا، خلا فيها نذير، لكن بدلوا وغيروا، عمرو بن لحي الخزاعي هو الذي بدل وغير.
طالب: العرب ما (...) إسماعيل.
الشيخ: إي، لكن فيهم بقايا من دين إبراهيم، فيهم بقايا.
طالب: شيخ، ظاهر الآية: فَإِنْ حَاجُّوكَترك المحاجة مطلقًا؛ لأنه عندما قال: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ، ولم يقل: بيِّن لهم، بعض الآيات قال: (...) أحسن.
الشيخ: إي، هذه حكاية حال قوم معينين وهم النصارى.
الطالب: الضابط في المحاجة؟
الشيخ: المجادلة، بأن يقولوا مثلًا: ما أنت برسول، لو كنت رسولًا لكنت ملكًا وما أشبه ذلك.
الطالب: المقصود: متى نجادلهم؟
الشيخ: وقد ذكر لنا المحاجة الطويلة مع النبي عليه الصلاة والسلام في سورة الإسراء لو راجعتها لعرفت.
طالب: قوله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِفَإِنَّ اللَّهَجزاء، والجزاء هو الذي مرتب على الشرط، والشرط سبب له، والكفر ما هو سبب أن الله سريع الحساب، يعني: إن يكفر هو سريع الحساب وما يكفر هو سريع الحساب.
الشيخ: إي، هو سريع الحساب سواء كفر أو لم يكفر؟ وأيش تقولون في هذا الإشكال؟ يقول: كيف صح ترتيب سرعة الحساب على الكفر؟ لأن الكفر لا يقتضي سرعة الحساب، سرعة الحساب ثابتة سواء كفروا أم لم يكفروا، كذا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، ما الجواب؟
طالب: نقول: إن هذا ذكره الله سبحانه وتعالى تهديدًا.
الشيخ: أحسنت، وذكرناها أيضًا، هذا للتهديد.
طالب: يعني هذا ما هو الجزاء، فيعاقبه فإن الله سريع الحساب؟
الشيخ: نعم نعم، والمراد التهديد لهؤلاء، مثل ما أقول لشخص أمرته بشيء فقلت: شوف إن خالفتني فإن ضربي شديد.
الطالب: يعني تهدده بذلك يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: في هذا الزمن كثرت يا شيخ كتب الردود اللي بين العلماء في هذا مثلا من الاختلاف (...)، يعني يكون في نفس العالم الآخر المردود عليه، يكون في نفس الشيء على (...) وهذا يمكن يريد الحق، لكن يكون حتى الناس، يعني إذا رأوا هذا الكتاب إما أن ينحازوا إلى هذا أو أن ينحازوا إلى هذا.
الشيخ: نعم، هذه من الخطأ، أنا أرى أن هذه الردود يجب أولًا أن نعرف من هذا المتكلم، هل هو مثلًا شخص معروف بالبدع وبالشر وبالفساد؟ فهذا وإن رددنا عليه ظاهرًا يستحق، ورجل آخر نعرف أنه أخطأ لا عن قصد، فهذا أولًا نتناقش معه حتى نصل إلى الغاية المقصودة للجميع، لأنا نعلم أن هذا الرجل حسن النية، وإذا كان رجلًا حسن النية فسيرجع إلى الحق ولا بد، أما أن يتخذ بعضنا بعضًا خصمًا، فهذا لا شك أنه يبعد كل الجانبين الرادّ والمرود عليه؛ لأن الناس سوف ينقسمون، ما كل الناس يعلم الحق، ولا كل الناس أيضًا يعني يثق بشخص واحد.
طالب: شيخ، ذكرنا أن الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية إرشاد وهداية توفيق، أقول يا شيخ: بعض الناس تنصحه في مكان مثلًا معين، (...) الإرشاد ترشده إلى الدين وإلى الصلاة والعبادة وكذا، ولكن ما تستمر معه دائمًا، تنشد العمل من هذا، فيعود هذا الشخص إلى المعاصي والضلال وكذا، يعني من النظر إلى التلفاز والغناء وكذا والأشياء الخليعة (...) فيترك الصلاة ثم يعود لما كان عليه هكذا، فهل يعني الإثم على المبلِّغ أم..؟
الشيخ: لا، هذه، تعيد عليه النصح، يعني: إذا نصحت إنسانًا واهتدى، ثم عاد إلى ضلاله فأعد؛ لأن بعض الناس إذا لم يكن عنده من يساعده على الاستمرار في الاستقامة والالتزام ربما يحيد والعياذ بالله.
الطالب: أقول: ننصح الناس ثم ننقطع عنهم؟
الشيخ: على كل حال إذا انقطعت، فالأصل إذا أردت أنه قبل منه، فالأصل أنه سيبقى على قبوله، لكن إذا علمت فيما بعد أنه انحرف أعد عليه.
طالب: شيخ، ورقة بن نوفل استمر على النصرانية، وهو كان دين إسماعيل صلى الله عليه وسلم قائم فكيف كان..؟
الشيخ: لا، ما هو قائم، العرب أخلفوه غيّروا فيه، لما ظهر عمرو بن لحي الخزاعي نصب الأصنام للناس وسيب السوائب، فصار الناس يتبعونه، وتعرف أن الإنسان إذا ضل -والعياذ بالله- في شيء صار هذا الضلال سببًا لضلاله في شيء آخر.
طالب: إذن كلمة (آيات) بالباء فيه إشكال؛ لأن الكفر معناه الستر والجحود قلنا، فكيف (...) الآيات (...) فمن يكفر الآيات؟
الشيخ: لا، (كفر بها) ضد (أقر بها)؛ يعني ما هي بمعنى الستر في كل حال، بل تضمنت معنى زائدًا على معنى الستر، فالشيء قد يكون أصله من مادة، ولكنه يضمّن معنى مادة أخرى يكون أبلغ، فإن مجرد الستر دون الكفر بالشيء، الكفر بالشيء يقتضي جحده والمدافعة عن العقيدة التي هي الكفر.
الطالب: طيب أيش ممكن يضمن يا شيخ؟
الشيخ: يعني ممكن أن نقول: جحد بها.
طالب: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُبمعناها الخاص، هل هذا يجيز في المجتمع الإسلامي لغير المسلمين..؟
الشيخ: هل هذا أيش؟
الطالب: هل هذا يجيز في الدولة الإسلامية لغير المسلمين أن يقيموا شعائر دينهم؟
الشيخ: أما الحديث الوارد عن الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه لا يجوز في جزيرة العرب أن يجتمع فيها دينانِ ، أما غير جزيرة العرب فما زالت موجودة منذ عهد الخلفاء الراشدين، تقام فيها الأديان، لكن جزيرة العرب لما كانت هي الأم للإسلام نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجتمع فيها دينان؛ ولهذا يجب على جميع المسلمين العناية ببلدانهم، وأن يحرصوا غاية الحرص على أن لا تقام شعائر الكفر في بلادهم، ولكن لا يمنعون ذوي الحق حقوقهم مما يباح لهم أن يفعلوه.
طالب: كيف تكون المحاجة تكون يوم القيامة على هذا الوجه؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: فَإِنْ حَاجُّوكَ.
الشيخ: لا، ما يصح؛ ولهذا قُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ، هذا ما يمكن أن يقوله يوم القيامة.
الطالب: (...).
الشيخ: إي، يعني أسلموا على قول أو للتنديد ببلاهتهم على قول آخر.





