تفسير الآية (20)
تفسير الآيات (21-25)
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ [آل عمران: ٢٠] تقدم الكلام على أول هذه الآية وقلنا: إن المحاجة هي المناظرة
والمجادلة؛ لأن كل واحد منهما يدلي بحجته ليغلب صاحبه؛ والضمير يعود على الذين
أوتوا الكتاب؛ لقوله: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُوربما يعود عليهم وعلى غيرهم
إما بدلالة اللفظ أو بدلالة القياس المعنوي؛ وذكرنا أن الله أمره إذا حاجوه أن يبين
أنه قد أسلم وجهه لله وأنه يقول بأمر الله ويدعو بأمر الله هو ومن اتبعه، وأمره
الله أن يقول بعد أن أقام الحجة للذين أوتوا الكتاب والأميين -وهم العرب-: أَأَسْلَمْتُمْوهذا الاستفهام ذكرنا أن فيه قولين لأهل العلم
إما أنه بمعنى؟
طالب: البلاهة.
الشيخ: ويش معنى البلاهة؟ كيف البلاهة؟
الطالب: كأنه يسخر منهم، أي: بعد هذا الوضوح والتبيين هل أسلمتم أم أنتم على ما أنتم عليه؟
الشيخ: طيب أو؟
طالب: فعل الأمر.
الشيخ: أنه للأمر يعني أسلموا. ثم قال الله تعالى: فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْاإِنْ أَسْلَمُوايعني استسلموا لله ظاهرًا وباطنًا، أما باطنًا فبالإيمان بما يجب الإيمان به وهي الأركان الستة التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم، وظاهرًا بعمل الجوارح وهو الإسلام المبني على خمسة أركان: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، إِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْااهتدوا هداية توفيق كما قد هُدُوا هداية الدلالة، فهداية الدلالة شاملة لجميع الخلق ما من أناس إلا وقد هداهم الله هداية الدلالة وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] لكن هداية التوفيق هي التي حُرِمها قوم ووُفِّق لها قوم آخرون، فَقَدِ اهْتَدَوْاأي هداية التوفيق بعد هداية الدلالة، وَإِنْ تَوَلَّوْايعني أعرضوا عن الإسلام فلم ينقادوا بظواهرهم ولا بواطنهم فقد أديت ما عليك؛ ولهذا قال: فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُالجملة هذه جواب الشرط في قوله: وَإِنْ تَوَلَّوْاوهي تفيد الحصر يعني ما عليك نحوهم إلا أيش؟ إلا البلاغ، وقد بلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام، أما الهداية فهي بيد الله سبحانه وتعالى، ولو كان بيد النبي صلى الله عليه وسلم شيء من الهداية هداية التوفيق لكان أولُ من يهتدي على يديه عمَّه أبا طالب، لكن ليس عليه هدى الناس، إنما عليه البلاغ أي إبلاغ الرسالة إلى الأمة، فإن اهتدوا فلهم وإن أساؤوا فعليهم. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِبصير بهم أي عليم بأحوالهم، وعليم بأهليتهم مَن يصلح للهداية ومَن لا يصلح، والبصر هنا بصر الرؤية وبصر العلم، فالله تعالى بصير بالعباد بالرؤية لا يخفى عليه شيء منهم، بصير بالعباد بالعلم لا يخفى عليه شيء من أحوالهم، فالله بصير بالعباد، والعباد هنا يشمل جميع الخلق؛ لأنه ما من شيء في السماوات ولا في الأرض بل ما من أحد في السماء والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣] ولهذا قال: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِفإذا كان الله بصيرًا بالعباد وأنت قد أديت ما عليك من البلاغ فمن الذي يحاسبهم؟ الله، كما قال تعالى: إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [الرعد: ٤٠].
في هذه الآية من الفوائد فوائد عديدة: أولًا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان عرضة لمحاجة أعدائه.
طالب: فوائد ما قبله.
الشيخ: من قبل؟
الطالب: إي.
الشيخ: صحيح.
الطالب: إي.
الشيخ: طيب إذن نبدأ من إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: ١٩] من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا دين مقبول عند الله إلا الإسلام؛ لقوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُيعني الدين الذي يُعتد به ويكون مقبولًا هو الإسلام، قال الله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥].
من فوائد الآية الكريمة: أن كل دين يخالف الإسلام في أي زمان فليس بمقبول ولا مرضي عند الله. ومن المعلوم كما سبق أن الإسلام بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم هو ما جاء به الرسول وعلى هذا فدين اليهودية والنصرانية دين باطل، دين باطل غير مقبول عند الله، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه مَا مِنْ يَهُودِيٍّ وَلَا نَصْرَانِيٍّ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ -يَعْنِي أُمَّةَ الدَّعْوَةَ- يَسْمَعُ بِهِ -بِالرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ لَا يَتَّبِعُ مَا جَاءَ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ .
من فوائد الآية الكريمة: أن من ادَّعى أن دين اليهودية أو النصرانية أو غيره من الأديان مقبول عند الله الآن فهو كافر، لماذا؟ لأنه مكذب للقرآن: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ.
ومن فوائدها: بيان ضلال أولئك القوم الذين إذا تكلموا عن الديانات قرنوا بين دين الإسلام واليهود والنصارى وقالوا: هذه هي الأديان السماوية حتى إن الجاهل لا يظن أن اختلاف الأديان الثلاثة كاختلاف المذاهب الفقهية في الأمة الإسلامية، وهذا ضلال عظيم ومصانعة ومداهنة لليهود والنصارى، بل نقول: إن الأديان السماوية اليهودية والنصرانية كانت أديانًا مقبولة عند الله، أما الآن فقد نسخها الله عز وجل وصار الدين السماوي المقبول الذي لا يمكن أن يَشركه دين آخر هو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن اختلاف اليهود والنصارى كان عن علم بعد أن جاءهم العلم اختلفوا، ولهذا قال: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ [آل عمران: ١٩].
ومن فوائد هذه الكريمة: أن اختلاف هؤلاء ليس لقصد الحق بل لقصد البغي والعدوان بعضهم على بعض حتى يُضلل بعضهم بعضًا بل ويُكَفِّر بعضهم بعضًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى التحذير مما وقع فيه هؤلاء الكفار الذين أوتوا الكتاب، وجه ذلك قوله: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [آل عمران: ١٩] والبغي معلوم أنه مُحَذَّرٌ منه غير مرغوب فيه؛ فلهذا نقول في هذه الآية: التحذير من هذا الاختلاف الذي وقع لأهل الكتاب.
ومن فوائدها: الإشارة إلى أنه يجب على الإنسان إذا خالفه غيره ألا يتطاول عليه وألا يقصد بسَوْق الأدلة المؤيدة لقوله البغيَ على غيره والتطاولَ عليه، بل يقصد أيش؟
الطلبة: الحق.
الشيخ: بل يقصد إظهار الحق لينتفع هو وينفع غيره، أما أن يأتي بالأدلة من أجل أن يعلوَ على أخيه ويكون قوله هو الأعلى فهذا خطأ عظيم، بل الواجب أن يؤيد الإنسان الحق وإن خالفه غيره ويأتي بالأدلة التي تؤيد الحق قاصدًا بذلك أيش؟
الطلبة: إظهار الحق.
الشيخ: إظهار الحق ونصره، لا أن يغلب ويبغي على غيره.
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الكفر بآيات الله؛ لقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.
ومن فوائدها: أنه إذا كان التحذير من الكفر بآيات الله فعلى العكس من ذلك: الإيمان بآيات الله؛ لأن القدح في الشيء مدح لضده.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بكونه سريع الحساب.
ومن فوائدها أيضًا: أنه لا بد أن يحاسَب الإنسان على عمله، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥] هذا الحسبان لا شك أنه ضلال مخالف لما تقتضيه الحكمة، ما الفائدة من أن تُخلَق هذه الخليقة العظيمة وتُنزَّل عليها الكتب وترسَل إليها الرسل وتؤمر وتنهى ثم في النهاية أن تؤول إلى تراب؟! ما الفائدة؟ لا فائدة، إذن لا بد من حساب.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أنه ينبغي للعاقل أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب كما قال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا . فكون الإنسان يحاسب نفسه ليصلح ما عساه فسد أولى من سكوته وإهماله وعدم حساب نفسه؛ لأن الذنوب تتراكم عليه ثم يهلك. هل يُستفاد منها الرد على الجبرية؟
طالب: ما وجهه؟
الشيخ: وجه ذلك أن الله أسند هذه الأفعال إلى فاعليها: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ، بَغْيًا بَيْنَهُمْوما أشبه ذلك، كل هذا يفيد أن للإنسان إرادة وفعلًا اختياريين خلافًا للجبرية الذين قالوا: إن أفعال العباد يُجبر عليها الإنسان.
ثم قال تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِفي هذه الآية دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم له من يحاجه من أعدائه وهو كذلك، فإنهم حاجوه في أصل الدين وفي فروع الدين وسخروا منه وأوجدوا الشبهات الكثيرة منذ بُعِث وإلى يومنا هذا، والناس يثيرون الشبهات حول الدين الإسلامي ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره؛ لأنهم يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم والله متم نوره.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين يحاجون الرسول عليه الصلاة والسلام لا يحتاجون إلى كبير عناء؛ لأنهم يُحاجون على أمر واضح؛ ولهذا أمره الله أن يسفههم وأن يقول: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِفإن أسلمتم فهو لكم وإن لم تسلموا فعليكم. ويتفرع على ذلك: أن من علمت أنه إنما يحاجك لقصد نصر قوله ولو كان باطلًا فلك أن تُعرض عنه وتقول: هذا ما أدين الله به، وهذا ما أستسلم له، وتدعه لماذا؟ لأن هذا معاند مكابر وليس أهلًا لأنْ تدخل معه في محاجة أو خصومة؛ لأنه لا يريد الحق، لو كان يريد الحق ما حصلت محاجة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذون حذوه في إسلامهم لله وتفويض الأمر إليه؛ لقوله: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الوجه أشرف الأعضاء وهو الذي يكون به الانقياد وعدم الانقياد؛ لقوله: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِفإن إسلام الوجه هو الذي يكون به الانقياد؛ ولهذا كان أذل ما يكون الإنسان لربه إذا كان ساجدًا وأقرب ما يكون من ربه إذا كان ساجدًا؛ لأن هذا هو تمام الذل أن تضع أشرف أعضائك على موطئ الأقدام على الأرض.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم متبوع لا تابع؛ لقوله: وَمَنِ اتَّبَعَنِ. ويتفرع على ذلك: أن الواجب على مَن تبين له الحق أن يأخذ به إذا كان يريد أن يكون من أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، أما من يلوي أعناق النصوص إلى قوله فهذا ليس بمتبع الحقيقة؛ لأن بعض الناس إذا قال قولًا وجاء في النص القرآني أو النبوي ما يخالف قوله حاول أن يلوي عنق النص ويحرف النص من أجل أن يكون موافقًا لقوله وهذا حرام؛ لأنك أنت تابع ولست بمتبوع.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يكون قول أحد من أهل العلم حجة على الآخرين؛ لماذا؟ لأن الكل تابعون لا متبوعون، ومن أراد أن يكون الناس أتباعًا له لا للحق فقد جعل نفسه شريكًا في الرسالة، والواجب أنك إذا دعوت إلى الحق ألا تريد أن يتبعك الناس لأنك فلان بن فلان، بل أن يتبع الناس قولك لأنه هو القول الذي دل عليه الدليل.
ومن فوائد الآية الكريمة:النداء بالسفه والبلاهة على مَن جادل وعارض دون أن يستسلم لله؛ لقوله: فَقُلْ: أَأَسْلَمْتُمْ. وإن جعلناها أمرًا فالأمر واضح.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظيم منة الله عز وجل على العرب ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، وجه ذلك أنه قال: لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَفرْق بين الوصفين بين من أوتي الكتاب وبين الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، فالذين أوتوا الكتاب أصحاب علم وأصحاب كتاب، والأميون أصحاب جهل لكنهم ببعثة الرسول عليه الصلاة والسلام كانوا هم أهل الكتاب حقًّا؛ لأن هذا الكتاب الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفه الله بأنه مصدِّق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه، فصار -والحمد لله- صار هؤلاء الأميون هم أهل الكتاب الحق، فيكون في هذا بيان عظيم منة الله عز وجل على العرب ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث كانوا في الأول أميين جاهلين، وفي الثاني أهل كتاب وزكاء: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤].
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإسلام لله سواء قلنا: إن الاستفهام لاستبلاه هؤلاء القوم والإنكار عليهم، أو قلنا: إنه للأمر، فإنه يدل على وجوب الإسلام والاستسلام لله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الهدى هم المسلمون؛ لقوله: فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا. ومن فوائدها أيضًا: أن مَن لم يسلم فهو ضال؛ فإن كان قد علم بالحق كان من الضالين المغضوب عليهم؛ لأن كل من علم الحق ولم يتبع فهو مغضوب عليه.
يقول عز وجل: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُفي هذه الجملة التحذير تحذير مَن تولى بعد أن دُعِي، فإن قوله: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِلا شك أنه يحذرهم من مخالفتهم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجب على من بلغ إلا البلاغ، أما الهداية فإلى الله؛ لقوله: فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ. ومن فوائدها: وجوب البلاغ على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ. ومن فوائدها أيضًا -وهي فرع عما قبلها-: أن من آتاه الله علمًا بهذا الوحي وجب عليه البلاغ خلفًا لمن؟ لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الإنسان لا يُسأل عن عمل غيره، أن يقوم بما يجب عليه وأما غيره فأمره إلى الله؛ لقوله: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُولم يقل: فإنما عليك إثمهم، عَلَيْكَ الْبَلَاغُوأنت سالم من إثمهم. وهذه الآية أحد الفائدة يتفرع عنها مسائل كثيرة منها ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام حين قالَ له قومٌ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ قومًا يأتوننا باللحمِ لا ندري أَذَكروا اسمَ اللهِ عليه أم لا؟ فقال لهم: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا» . إشارة إلى أنك إنما تطالَب بفعلك أما فعل غيرك فلست منه في شيء، ما قال: تأكدوا هل سَمَّوْا أم لا؟ قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ». وهذه التسمية التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم أهي على فعل الذابحين أو على فعل الآكلين؟
الطلبة: على الآكلين.
طالب: على الذابحين.
الشيخ: طيب إذا كانت على فعل الذابحين كما قاله من قاله منكم فهذه تسمية على فعل سابق، وهل فيها فائدة؟
الطلبة: ما فيها فائدة.
الشيخ: ما فيها فائدة، الفائدة أن تسمي على فعل لاحق، وعلى هذا فقوله: «سَمُّوا». أي على الأكل؛ لأن الذبح تولاه غيركم وهو المسؤول عنه، أما أنتم فعليكم التسمية عند الأكل، وهذا من نعمة الله، لو كنا مأمورين أن نبحث عن فعل غيرنا لوقعنا في حرج لا نهاية له، كأن إذا قدَّم لنا إنسان لحم نقول له: تعال من ذبحها؟ فلان؟ هل سمى أو لا؟ من أين اشترى هذه الشاة؟ هل غصبها أو سرقها؟ قد تكون مسروقة، إذا قال: اشتراها من فلان، فلان من أين اشتراها؟ أو سرقها أو كيف؟ لو أننا أُمرنا بأن نبحث عن فعل غيرنا لكنا إذا تقدم الإمام قلنا تعال أنت متوضئ ولَّا لا؟ عليك جنابة ولََّا ما عليك جنابة؟ في ثوبك نجاسة أو طاهر؟ هل هو مغصوب ولَّا حلال؟ مشكلة، لكن من نعمة الله أننا لا نُسأل عن فعل غيرنا، كل من فعل فعلًا وهو أهل له فإننا لا نَسأل عنه، والسؤال عنه من التنطع وتكليف النفس ما لم تكلَّف به؛ ولهذا قال: إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُفأنت تقوم بفعلك وهم يحاسَبون على فعلهم؛ ولهذا قال: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.
من فوائد الآية الكريمة: إثبات اسم البصير لله عز وجل على أنه يحتمل أن يكون المراد بالبصير هنا الصفة؛ لأنه قيَّدها قال: بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، واسم الله غير المقيد مثل واللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج: ٦١] وما أشبهه.
ومن فوائدها أيضًا: عموم علم الله عز وجل؛ لقوله: بَصِيرٌ بِالْعِبَادِأي بجميع أحوالهم.
ومن فوائد الآية: التحذير من مخالفة الله، كيف؟ إذا كان الله بصيرًا بي فكل إنسان يخجل ويستحيي أن يفعل ما نهاه الله عنه أو أن يترك ما أمره الله به؛ لأنه يعلم أن الله بصير به وسوف يعاقبه.
طالب: البلاهة.
الشيخ: ويش معنى البلاهة؟ كيف البلاهة؟
الطالب: كأنه يسخر منهم، أي: بعد هذا الوضوح والتبيين هل أسلمتم أم أنتم على ما أنتم عليه؟
الشيخ: طيب أو؟
طالب: فعل الأمر.
الشيخ: أنه للأمر يعني أسلموا. ثم قال الله تعالى: فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْاإِنْ أَسْلَمُوايعني استسلموا لله ظاهرًا وباطنًا، أما باطنًا فبالإيمان بما يجب الإيمان به وهي الأركان الستة التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم، وظاهرًا بعمل الجوارح وهو الإسلام المبني على خمسة أركان: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، إِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْااهتدوا هداية توفيق كما قد هُدُوا هداية الدلالة، فهداية الدلالة شاملة لجميع الخلق ما من أناس إلا وقد هداهم الله هداية الدلالة وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] لكن هداية التوفيق هي التي حُرِمها قوم ووُفِّق لها قوم آخرون، فَقَدِ اهْتَدَوْاأي هداية التوفيق بعد هداية الدلالة، وَإِنْ تَوَلَّوْايعني أعرضوا عن الإسلام فلم ينقادوا بظواهرهم ولا بواطنهم فقد أديت ما عليك؛ ولهذا قال: فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُالجملة هذه جواب الشرط في قوله: وَإِنْ تَوَلَّوْاوهي تفيد الحصر يعني ما عليك نحوهم إلا أيش؟ إلا البلاغ، وقد بلغ البلاغ المبين عليه الصلاة والسلام، أما الهداية فهي بيد الله سبحانه وتعالى، ولو كان بيد النبي صلى الله عليه وسلم شيء من الهداية هداية التوفيق لكان أولُ من يهتدي على يديه عمَّه أبا طالب، لكن ليس عليه هدى الناس، إنما عليه البلاغ أي إبلاغ الرسالة إلى الأمة، فإن اهتدوا فلهم وإن أساؤوا فعليهم. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِبصير بهم أي عليم بأحوالهم، وعليم بأهليتهم مَن يصلح للهداية ومَن لا يصلح، والبصر هنا بصر الرؤية وبصر العلم، فالله تعالى بصير بالعباد بالرؤية لا يخفى عليه شيء منهم، بصير بالعباد بالعلم لا يخفى عليه شيء من أحوالهم، فالله بصير بالعباد، والعباد هنا يشمل جميع الخلق؛ لأنه ما من شيء في السماوات ولا في الأرض بل ما من أحد في السماء والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣] ولهذا قال: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِفإذا كان الله بصيرًا بالعباد وأنت قد أديت ما عليك من البلاغ فمن الذي يحاسبهم؟ الله، كما قال تعالى: إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [الرعد: ٤٠].
في هذه الآية من الفوائد فوائد عديدة: أولًا: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان عرضة لمحاجة أعدائه.
طالب: فوائد ما قبله.
الشيخ: من قبل؟
الطالب: إي.
الشيخ: صحيح.
الطالب: إي.
الشيخ: طيب إذن نبدأ من إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: ١٩] من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا دين مقبول عند الله إلا الإسلام؛ لقوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُيعني الدين الذي يُعتد به ويكون مقبولًا هو الإسلام، قال الله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥].
من فوائد الآية الكريمة: أن كل دين يخالف الإسلام في أي زمان فليس بمقبول ولا مرضي عند الله. ومن المعلوم كما سبق أن الإسلام بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم هو ما جاء به الرسول وعلى هذا فدين اليهودية والنصرانية دين باطل، دين باطل غير مقبول عند الله، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه مَا مِنْ يَهُودِيٍّ وَلَا نَصْرَانِيٍّ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ -يَعْنِي أُمَّةَ الدَّعْوَةَ- يَسْمَعُ بِهِ -بِالرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ لَا يَتَّبِعُ مَا جَاءَ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ .
من فوائد الآية الكريمة: أن من ادَّعى أن دين اليهودية أو النصرانية أو غيره من الأديان مقبول عند الله الآن فهو كافر، لماذا؟ لأنه مكذب للقرآن: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ.
ومن فوائدها: بيان ضلال أولئك القوم الذين إذا تكلموا عن الديانات قرنوا بين دين الإسلام واليهود والنصارى وقالوا: هذه هي الأديان السماوية حتى إن الجاهل لا يظن أن اختلاف الأديان الثلاثة كاختلاف المذاهب الفقهية في الأمة الإسلامية، وهذا ضلال عظيم ومصانعة ومداهنة لليهود والنصارى، بل نقول: إن الأديان السماوية اليهودية والنصرانية كانت أديانًا مقبولة عند الله، أما الآن فقد نسخها الله عز وجل وصار الدين السماوي المقبول الذي لا يمكن أن يَشركه دين آخر هو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن اختلاف اليهود والنصارى كان عن علم بعد أن جاءهم العلم اختلفوا، ولهذا قال: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ [آل عمران: ١٩].
ومن فوائد هذه الكريمة: أن اختلاف هؤلاء ليس لقصد الحق بل لقصد البغي والعدوان بعضهم على بعض حتى يُضلل بعضهم بعضًا بل ويُكَفِّر بعضهم بعضًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى التحذير مما وقع فيه هؤلاء الكفار الذين أوتوا الكتاب، وجه ذلك قوله: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [آل عمران: ١٩] والبغي معلوم أنه مُحَذَّرٌ منه غير مرغوب فيه؛ فلهذا نقول في هذه الآية: التحذير من هذا الاختلاف الذي وقع لأهل الكتاب.
ومن فوائدها: الإشارة إلى أنه يجب على الإنسان إذا خالفه غيره ألا يتطاول عليه وألا يقصد بسَوْق الأدلة المؤيدة لقوله البغيَ على غيره والتطاولَ عليه، بل يقصد أيش؟
الطلبة: الحق.
الشيخ: بل يقصد إظهار الحق لينتفع هو وينفع غيره، أما أن يأتي بالأدلة من أجل أن يعلوَ على أخيه ويكون قوله هو الأعلى فهذا خطأ عظيم، بل الواجب أن يؤيد الإنسان الحق وإن خالفه غيره ويأتي بالأدلة التي تؤيد الحق قاصدًا بذلك أيش؟
الطلبة: إظهار الحق.
الشيخ: إظهار الحق ونصره، لا أن يغلب ويبغي على غيره.
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الكفر بآيات الله؛ لقوله: وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ.
ومن فوائدها: أنه إذا كان التحذير من الكفر بآيات الله فعلى العكس من ذلك: الإيمان بآيات الله؛ لأن القدح في الشيء مدح لضده.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بكونه سريع الحساب.
ومن فوائدها أيضًا: أنه لا بد أن يحاسَب الإنسان على عمله، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [المؤمنون: ١١٥] هذا الحسبان لا شك أنه ضلال مخالف لما تقتضيه الحكمة، ما الفائدة من أن تُخلَق هذه الخليقة العظيمة وتُنزَّل عليها الكتب وترسَل إليها الرسل وتؤمر وتنهى ثم في النهاية أن تؤول إلى تراب؟! ما الفائدة؟ لا فائدة، إذن لا بد من حساب.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أنه ينبغي للعاقل أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسب كما قال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا . فكون الإنسان يحاسب نفسه ليصلح ما عساه فسد أولى من سكوته وإهماله وعدم حساب نفسه؛ لأن الذنوب تتراكم عليه ثم يهلك. هل يُستفاد منها الرد على الجبرية؟
طالب: ما وجهه؟
الشيخ: وجه ذلك أن الله أسند هذه الأفعال إلى فاعليها: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ، بَغْيًا بَيْنَهُمْوما أشبه ذلك، كل هذا يفيد أن للإنسان إرادة وفعلًا اختياريين خلافًا للجبرية الذين قالوا: إن أفعال العباد يُجبر عليها الإنسان.
تفسير الآية (20)
00:13:48
ثم قال تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِفي هذه الآية دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم له من يحاجه من أعدائه وهو كذلك، فإنهم حاجوه في أصل الدين وفي فروع الدين وسخروا منه وأوجدوا الشبهات الكثيرة منذ بُعِث وإلى يومنا هذا، والناس يثيرون الشبهات حول الدين الإسلامي ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره؛ لأنهم يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم والله متم نوره.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين يحاجون الرسول عليه الصلاة والسلام لا يحتاجون إلى كبير عناء؛ لأنهم يُحاجون على أمر واضح؛ ولهذا أمره الله أن يسفههم وأن يقول: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِفإن أسلمتم فهو لكم وإن لم تسلموا فعليكم. ويتفرع على ذلك: أن من علمت أنه إنما يحاجك لقصد نصر قوله ولو كان باطلًا فلك أن تُعرض عنه وتقول: هذا ما أدين الله به، وهذا ما أستسلم له، وتدعه لماذا؟ لأن هذا معاند مكابر وليس أهلًا لأنْ تدخل معه في محاجة أو خصومة؛ لأنه لا يريد الحق، لو كان يريد الحق ما حصلت محاجة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذون حذوه في إسلامهم لله وتفويض الأمر إليه؛ لقوله: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الوجه أشرف الأعضاء وهو الذي يكون به الانقياد وعدم الانقياد؛ لقوله: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِفإن إسلام الوجه هو الذي يكون به الانقياد؛ ولهذا كان أذل ما يكون الإنسان لربه إذا كان ساجدًا وأقرب ما يكون من ربه إذا كان ساجدًا؛ لأن هذا هو تمام الذل أن تضع أشرف أعضائك على موطئ الأقدام على الأرض.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم متبوع لا تابع؛ لقوله: وَمَنِ اتَّبَعَنِ. ويتفرع على ذلك: أن الواجب على مَن تبين له الحق أن يأخذ به إذا كان يريد أن يكون من أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، أما من يلوي أعناق النصوص إلى قوله فهذا ليس بمتبع الحقيقة؛ لأن بعض الناس إذا قال قولًا وجاء في النص القرآني أو النبوي ما يخالف قوله حاول أن يلوي عنق النص ويحرف النص من أجل أن يكون موافقًا لقوله وهذا حرام؛ لأنك أنت تابع ولست بمتبوع.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يكون قول أحد من أهل العلم حجة على الآخرين؛ لماذا؟ لأن الكل تابعون لا متبوعون، ومن أراد أن يكون الناس أتباعًا له لا للحق فقد جعل نفسه شريكًا في الرسالة، والواجب أنك إذا دعوت إلى الحق ألا تريد أن يتبعك الناس لأنك فلان بن فلان، بل أن يتبع الناس قولك لأنه هو القول الذي دل عليه الدليل.
ومن فوائد الآية الكريمة:النداء بالسفه والبلاهة على مَن جادل وعارض دون أن يستسلم لله؛ لقوله: فَقُلْ: أَأَسْلَمْتُمْ. وإن جعلناها أمرًا فالأمر واضح.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظيم منة الله عز وجل على العرب ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، وجه ذلك أنه قال: لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَفرْق بين الوصفين بين من أوتي الكتاب وبين الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، فالذين أوتوا الكتاب أصحاب علم وأصحاب كتاب، والأميون أصحاب جهل لكنهم ببعثة الرسول عليه الصلاة والسلام كانوا هم أهل الكتاب حقًّا؛ لأن هذا الكتاب الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفه الله بأنه مصدِّق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه، فصار -والحمد لله- صار هؤلاء الأميون هم أهل الكتاب الحق، فيكون في هذا بيان عظيم منة الله عز وجل على العرب ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث كانوا في الأول أميين جاهلين، وفي الثاني أهل كتاب وزكاء: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤].
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإسلام لله سواء قلنا: إن الاستفهام لاستبلاه هؤلاء القوم والإنكار عليهم، أو قلنا: إنه للأمر، فإنه يدل على وجوب الإسلام والاستسلام لله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الهدى هم المسلمون؛ لقوله: فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا. ومن فوائدها أيضًا: أن مَن لم يسلم فهو ضال؛ فإن كان قد علم بالحق كان من الضالين المغضوب عليهم؛ لأن كل من علم الحق ولم يتبع فهو مغضوب عليه.
يقول عز وجل: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُفي هذه الجملة التحذير تحذير مَن تولى بعد أن دُعِي، فإن قوله: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِلا شك أنه يحذرهم من مخالفتهم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يجب على من بلغ إلا البلاغ، أما الهداية فإلى الله؛ لقوله: فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ. ومن فوائدها: وجوب البلاغ على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لقوله: فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ. ومن فوائدها أيضًا -وهي فرع عما قبلها-: أن من آتاه الله علمًا بهذا الوحي وجب عليه البلاغ خلفًا لمن؟ لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الإنسان لا يُسأل عن عمل غيره، أن يقوم بما يجب عليه وأما غيره فأمره إلى الله؛ لقوله: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُولم يقل: فإنما عليك إثمهم، عَلَيْكَ الْبَلَاغُوأنت سالم من إثمهم. وهذه الآية أحد الفائدة يتفرع عنها مسائل كثيرة منها ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام حين قالَ له قومٌ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ قومًا يأتوننا باللحمِ لا ندري أَذَكروا اسمَ اللهِ عليه أم لا؟ فقال لهم: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا» . إشارة إلى أنك إنما تطالَب بفعلك أما فعل غيرك فلست منه في شيء، ما قال: تأكدوا هل سَمَّوْا أم لا؟ قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ». وهذه التسمية التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم أهي على فعل الذابحين أو على فعل الآكلين؟
الطلبة: على الآكلين.
طالب: على الذابحين.
الشيخ: طيب إذا كانت على فعل الذابحين كما قاله من قاله منكم فهذه تسمية على فعل سابق، وهل فيها فائدة؟
الطلبة: ما فيها فائدة.
الشيخ: ما فيها فائدة، الفائدة أن تسمي على فعل لاحق، وعلى هذا فقوله: «سَمُّوا». أي على الأكل؛ لأن الذبح تولاه غيركم وهو المسؤول عنه، أما أنتم فعليكم التسمية عند الأكل، وهذا من نعمة الله، لو كنا مأمورين أن نبحث عن فعل غيرنا لوقعنا في حرج لا نهاية له، كأن إذا قدَّم لنا إنسان لحم نقول له: تعال من ذبحها؟ فلان؟ هل سمى أو لا؟ من أين اشترى هذه الشاة؟ هل غصبها أو سرقها؟ قد تكون مسروقة، إذا قال: اشتراها من فلان، فلان من أين اشتراها؟ أو سرقها أو كيف؟ لو أننا أُمرنا بأن نبحث عن فعل غيرنا لكنا إذا تقدم الإمام قلنا تعال أنت متوضئ ولَّا لا؟ عليك جنابة ولََّا ما عليك جنابة؟ في ثوبك نجاسة أو طاهر؟ هل هو مغصوب ولَّا حلال؟ مشكلة، لكن من نعمة الله أننا لا نُسأل عن فعل غيرنا، كل من فعل فعلًا وهو أهل له فإننا لا نَسأل عنه، والسؤال عنه من التنطع وتكليف النفس ما لم تكلَّف به؛ ولهذا قال: إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُفأنت تقوم بفعلك وهم يحاسَبون على فعلهم؛ ولهذا قال: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ.
من فوائد الآية الكريمة: إثبات اسم البصير لله عز وجل على أنه يحتمل أن يكون المراد بالبصير هنا الصفة؛ لأنه قيَّدها قال: بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ، واسم الله غير المقيد مثل واللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج: ٦١] وما أشبهه.
ومن فوائدها أيضًا: عموم علم الله عز وجل؛ لقوله: بَصِيرٌ بِالْعِبَادِأي بجميع أحوالهم.
ومن فوائد الآية: التحذير من مخالفة الله، كيف؟ إذا كان الله بصيرًا بي فكل إنسان يخجل ويستحيي أن يفعل ما نهاه الله عنه أو أن يترك ما أمره الله به؛ لأنه يعلم أن الله بصير به وسوف يعاقبه.
تفسير الآيات (21-25)
00:27:02
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍفي هذه الآية قراءتان في كلمتين، أولًا: النَّبِيِّينَفيها قراءة {النَّبِيئِينَ}، وثانيا: وَيَقْتُلُونَفيها قراءة {وَيُقَاتِلُونَ} {وَيُقَاتِلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ}.
قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِيكفرون بآيات الله الكونية أو الشرعية، والآيات جمع آية وهي في اللغة العلامة، وهذه الآيات الكونية التي نشاهدها مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها هي آية على الله، آية تدل على أن الخالق واحد لا شريك له وعلى أنه لا يشبهه شيء؛ لأن الناس لو اجتمعوا كلهم على أن يخلقوا جبلًا واحدًا ما استطاعوا، أو أن يخلقوا حيوانًا واحدًا ما استطاعوا: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: ٧٣]. آيات الله الشرعية أيضًا لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [الإسراء: ٨٨] فالآيات الشرعية هي العلامات الدالة على أن الذي أنزل هذه الآيات إله واحد وأنه كامل الحكمة، هؤلاء الذين يكفرون بهذه الآيات يقول عز وجل بعد أن ذكر معطوفات متعددة: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍولكن كيف يكون الكفر بآيات الله؟ نقول أولًا: الآيات الكونية؟
طالب: (...) بأن يجحد الخالق سبحانه وتعالى بأنه خلقها.
الشيخ: أن يدَّعي أن الذي خلقها غير الله، هذا واحد.
الطالب: أو أن ينسب له له شريك في خلقه.
الشيخ: أو أن له شريكًا في خلقه.
الطالب: أو أن ينسب له معينًا في خلقه.
الشيخ: أو أن له معينًا في خلقه، ثلاثة أشياء. طيب الكفر بالآيات الشرعية؟
طالب: إما أن يكون بالجحود أو بالاستكبار والعياذ بالله.
الشيخ: نعم إما بجحودها وتكذيبها أو بالاستكبار والعناد، ومن تكذيبها أو الاستكبار عنها تحريف النصوص، فإن تحريف النصوص نوع من الكفر بلا شك. يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّيقتلون النبيين الذين أرسلهم الله إليهم بغير حق، والنبيون هنا يشمل الرسل ومَن لم يرسَل من النبيين، وأكثر ما وُجِد هذه الصفة في اليهود؛ لأن اليهود هم أعتى المخالفين للرسل وأشدهم غلظة والعياذ بالله، فصار منهم مَن قتل الأنبياء بغير حق وعبد الطاغوت، وهنا يقول: النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، هذه الصفة لا يراد بها إخراج ما خالفها، وإنما يراد بها بيان الواقع والدلالة على أن هذا القتل كان عدوانًا، فيراد بها شيئان:
أولًا بيان الواقع وأنهم يقتلونهم وهم غير محقين يعني لا يقتلونهم قصاصًا مثلًا، بل يقتلونهم عدوانًا وظلمًا.
ثانيًا: أنَّ قتلهم كان بباطل بغير حق، وإلا فليس هناك قتْلٌ يكون بحق لأحد من النبيين.
وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِوفي قراءة: {يُقَاتِلُونَ} مَن الذين يأمرون بالقسط من الناس؟ الرسل وغير الرسل، أهل العلم يأمرون الناس بالقسط، الخلفاء الراشدون يأمرون الناس بالقسط، النبيون يأمرون الناس بالقسط؛ وحينئذ فعطفه على النبيين من باب عطف العام على الخاص، ولكنه خص الأنبياء لأن قتلهم أعظم من قتل غيرهم، فلا قتْلَ أعظم جرمًا من قتل النبيين بغير حق. وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِبِالْقِسْطِأي بالعدل، مِنَ النَّاسِيشمل النبيين وغيرهم، وقد مر علينا إذا عُطف العام على الخاص أو الخاص على العام هل هذا يدل على إخراج الخاص من الحكم العام؟ أو على التنصيص عليه لأهميته فيكون قد ذُكر مرتين؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني هو الأقرب يكون ذُكر مرتين مرة بطريق العموم ومرة بطريق الخصوص، ولكن خُص من بين سائر الأفراد أو أُعيدَ الحكم عليه من بين سائر الأفراد للاعتناء به والاهتمام به. فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍالخطاب إما للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتَّى خطابه، وبَشِّرْهُمْ: أَخبِرْهم بِعَذَابٍ أَلِيمٍوالعذاب: العقوبة، والأليم بمعنى المؤلِم. وهذه البشارة هل هي على سبيل التهكم بهؤلاء؟ أو هو من باب تشبيه البشارة بما يسوء بالبشارة بما يسُرّ بجامع أن كلًّا منهما تتأثر فيه البشرة وتتغير.
طلبة: يشمل الأول.
طالب: الثاني.
الشيخ: يحتمل الواقع يحتمل هذا وهذا، ولكن إذا قلنا: إنه من باب التهكم استُفيد بذلك زيادة الألم على هؤلاء المبشَّرين، كقوله تعالى: خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ-يعني قولوا له: ذُقْ- إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٧ - ٤٩] فإن هذه الكلمة أو الجملة لا شك أنها ستبلغ في قلبه كل مبلغ؛ لأنه سيتذكر أين العزة؟ وأين الكرم؟! أين العزة التي بها أغلب والكرم الذي به أجود؟! فيكون أشد وقعًا وأشد تحسرًا أنه فاته هذا الوصف الذي كان في الدنيا يرى نفسه من أهله.
طالب: قول صاحب الجلالين أن اليهود قتلوا ثلاثة وأربعين نبيًّا؟
الشيخ: لا ما أعرف جيدًا، لا شك أنهم قتلوا الأنبياء بغير حق، لكن كونهم ثلاثة وأربعين أو أربع مئة أو أكثر أو أقل الله أعلم.
طالب: لو كانت الدولة من الدول تستورد لحوم معروف أنها من بلد شيوعي.
الشيخ: أيش؟
الطالب: تستورد لحوم من دولة يعني ملحدة ما تؤمن بالله شيوعية يعني معظم استيرادها أو كله تقريبًا وفيه بأه لحم بلدي في البلد لكن ما أحد يشتريه لغلاء سعره أو قليل ما يشتريه، وأنت تعلم أن هذا مثلًا اللي عزمك ما يشتري إلا من هذا اللحم دائمًا أو غالبًا وعزمك يا شيخ أو أعطاك مثلًا لحمًا هل تتحرج إنك ما تعرف هو من وين؟ المعظم شراؤه منه دائمًا ما يشتري بلدي؟
الشيخ: أولًا: إن الدول الشيوعية قد يكون فيها مسلمون، ألم تعلم الضجة التي حصلت في يوغوسلافيا هذه الأيام؟
الطالب: لا.
الشيخ: فيه مسلمون كثيرون، وقد قيل: إن أكثر من يتولى المسالخ هم المسلمون؛ لأنهم فقراء في ذلك المكان، فربما يكون الذابح مسلمًا؛ لكن مع هذا أهل العلم يقولون: إذا وُجدت مُذَكَّاة في بلد أكثر أهله ممن تحل ذبيحته فهو حلال اعتبارًا بالأكثر والأغلب وتيسيرًا على الأمة، فيُنظر إذا قيل: والله أكثر المسالخ في البلد الشيوعي هذا أكثرها يتولاها مسلمون صار الوارد منه حلالًا، وإذا قال: أكثره غير مسلمين صار الوارد حرامًا حتى لو فُرض أنها بلد يهود أو نصارى، وقد عُلم أن أكثر من يتولى الذبح غير يهودي ولا نصراني فإنها لا تحل ذبيحتهم.
طالب: شيخ، طيب يعني الإنسان إذا ذهب مثلًا هناك كثرة الدجاج الذي يعني يأتي من الخارج يا شيخ يكون من الخارج متيقنين أنه لم يسمَّ عليه، لم يسموا عليه لأنهم لا يعرفون التسمية أصلًا حتى يعني إنه ذهب ناس هناك وقال: إنهم يأكلونها؟
الشيخ: ما علمت لأنه قال: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام: ١٢١] ولم يقل: ولا تأكلوا مما لم تعلموا، قال: مِمَّا لَمْ يُذْكَرِيعني إنه إذا تيقنا أنه لم يذكر اسم الله عليه.
الطالب: هذا شبه متيقنين يا شيخ لأني أنا عارف ما يسمون؟
الشيخ: إذا كان شيء متيقن لا تأكل، لكن ما دمت لم تتيقن فلك الأكل.
الطالب: إذا كان تيقنا فلا نأكل؟
الشيخ: معلوم إذا تيقنا لا يجوز الأكل.
طالب: الفائدة اللي أخذناها هي أن من آتاه الله علمًا في هذا الوقت فعليه البلاغ أو يجب عليه البلاغ (...)؟
الشيخ: نعم، العالم يجب عليه أن يبلغ الشرع.
الطالب: الوحي يا شيخ ما معنى الوحي؟
الشيخ: إي، الوحي (...) القرآن وحي.
الطالب: (...)
الشيخ: لا، لا نبي بعد محمد.
طالب: يا شيخ، قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَهذا المعطوف على كل موصول صلة على خبر (إن) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍهذا خبر، وهذا الاسم، الفاء الجزائي من وين؟
الشيخ: فهمتم سؤاله؟
طالب: أعد.
الشيخ: هذا الرجل فهم فهمًا جيدًا وأنتم وُلدتم في البلد هنا في العرب ولا فهمتم ذلك ها؟
طالب: إيه نعم.
الشيخ: يقول: الفاء الواقعة في خبر المبتدأ كده، ويش اللي جابها هنا؟ ما هي أداة شرط؟ يقول العلماء: إن اسم الموصول يشبه اسم الشرط في العموم إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَفهو كقوله: إن من يكفر بآيات الله.
الطالب: يعني متضمن لمعنى الشرط.
الشيخ: إي نعم، اسم الموصول متضمن لمعنى الشرط، ويقول: إنك تقول: الذي يأتيني فله درهم، فهو بمعنى قولك: من يأتيني فله درهم. معلوم؟
طالب: شيخ يقول الله سبحانه وتعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِإذا قيل: المقصود من الوجه هنا الذات أي أسلمت ذاتي كلها لله سبحانه وتعالى؟ فما يكون قوله: أَقْرَبُ إِلَيْهِ [ق: ١٦]؟
الشيخ: هو من أسلم وجهه فقد أسلم نفسه، الآن مثلًا واحد يكلمك وهو (...) وقلت أنا أتسمع لك وأنت ويش تقول يصدقونك الناس؟ ما يصدقونك.
طالب: أقول يا شيخ، أن اختلاف العلماء في فهم النص يعني أحيانًا بعض العلماء يعطيك فهم للنص بيختلف من عالم إلى آخر هل هذا يكون اختلاف تنوع أو تضاد؟
الشيخ: ما ندري، إذا كان يمكن الجمع بين القولين فهو من باب التنوع، فمثلًا قال بعض العلماء في قوله: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ [التكوير: ١٧] أي أدبر، وقال آخرون: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ: [التكوير: ١٧] أقبل. ولا تضاد في هذا، فهو اختلاف تنوع، فإذا كان القولان لا يمكن الجمع بينهما مثل: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨] منهم من قال: المراد بالقرء الحيض، ومنهم من قال: المراد بالقرء الطهر هذا ما يمكن الجمع بينهما، فهذا اختلاف تضاد. وكذلك قال الأحناف: يدخل وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه. وقال غيرهم: يخرج وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثليه.
طالب: (...).
الشيخ: ما يمكن الجمع، هذا اختلاف تضاد هذا (...).
طالب: يا شيخ، الله عز وجل أمر النبي صلى الله عليه وسلم عند محاجة أن يقول: أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ، ما حكم المحاجة لو تحدث فيما بين المسلمين وأهل الكتاب؟
الشيخ: نعم المحاجة هذه إذا ظهر عناده فقل هكذا، أما ما دام أنهم غير معاندين لكنهم يتطلبون الحق فجادلهم حتى يتبين الحق، ولكن إذا تبين عنادهم الآن فإننا نقول: إما أن نضرب أعناقكم أو أن تعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، هذا الواجب على المسلمين إذا قدروا، وأما إذا لم يقدروا في الوقت الحاضر فهذا شيء (...).
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران: ٢٢ - ٢٧]
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِهذا مبتدأ الدرس، المناقشة.
طالب: فإن أسلموا باطنًا بالإيمان.
الشيخ: قال الله تعالى: فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِأين جواب الشرط في قوله: فَإِنْ أَسْلَمُوا؟
طالب: فَقَدِ اهْتَدَوْا.
الشيخ: فَقَدِ اهْتَدَوْا، لماذا اقترن بالفاء؟
الطالب: لأن الماضي بقد الماضي إذا كان بقد وجب الفاء عليه.
الشيخ: أحسنت تمام، فيه بيت مشهور في الجمل التي يجب ارتباطها بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط؟
طالب:
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِهذا مبتدأ الدرس، المناقشة.
طالب: فإن أسلموا باطنًا بالإيمان.
الشيخ: قال الله تعالى: فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِأين جواب الشرط في قوله: فَإِنْ أَسْلَمُوا؟
طالب: فَقَدِ اهْتَدَوْا.
الشيخ: فَقَدِ اهْتَدَوْا، لماذا اقترن بالفاء؟
الطالب: لأن الماضي بقد الماضي إذا كان بقد وجب الفاء عليه.
الشيخ: أحسنت تمام، فيه بيت مشهور في الجمل التي يجب ارتباطها بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط؟
طالب:
| اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌ وَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ | وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْ وَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ |
الشيخ: هذه قد، طيب يقول: إِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْاما المراد بالهداية هنا؟
طالب: هداية التوفيق.
الشيخ: هداية التوفيق، هل تستطيع أن تأتي لي بمثال فيه هداية الدلالة والتوفيق؟
الطالب: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت: ١٧]
الشيخ: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَىهذه هداية أيش؟
الطالب: الدلالة.
الشيخ: هداية دلالة. يستفاد من هذه الآية أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس عليه هداية الناس؟
طالب: لقوله تعالى: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ.
الشيخ: وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ. هل ينسحب هذا الحكم على من ورث النبي صلى الله عليه وسلم من أهل العلم؟
الطالب: نعم.
الشيخ: فيكون عليهم البلاغ دون هداية التوفيق. استدل بعض العلماء بهذه الآية على أنه على القاعدة المعروفة في أصول الفقه: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. كيف ذلك؟
طالب: قوله: إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ، إن هذا حصر، تفيد الحصر.
الشيخ: طيب، لكن ما وجه دلالته على قولهم: إنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؟
الطالب: عَلَيْكَ}و(على) ظاهرة الوجوب، والتبليغ واجب إذا ظهر هذا الأمر (...) قوله: عَلَيْكَ الْبَلَاغُ
الشيخ: يعني لو لم يبين عند الحاجة لم يكن مبلغًا لأخل بهذا الواجب واضح؟ طيب. إذا سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن شرط والحاجة تدعو إلى بيانه لو كان شرطًا فهل يمكن أن يستدل بذلك على أنه ليس بشرط؟ يعني مثلًا مسألة اشترطها بعض العلماء لصحة العبادة والنبي صلى الله عليه وسلم سكت عنها في حال تدعو الحاجة إلى بيانها لو كانت واجبة فهل يمكن أن نستدل بذلك على أنها ليست بشرط؟
الطالب: نعم.
الشيخ: من هذه الآية؟
الطالب: من هذه الآية؟
الشيخ: من هذه الآية لأنها لو كانت شرطًا لبلغه النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِهل المراد بصر الرؤية أو بصر العلم؟
طالب: يراد بالآية بصر العلم.
الشيخ: بصر العلم، لماذا قيدتها في هذه الآية ببصر العلم؟
الطالب: لأن قوله: بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(...) ما يعملون.
الشيخ: طيب، ولا يمكن أن يكون بصيرًا بأعمالهم يراها؟
الطالب: (...) السياق هذا (...).
الشيخ: ما وجه السياق؟
الطالب: قال: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(...).
الشيخ: إذن يشمل بصر الرؤية وبصر العلم. طيب هل هناك دليل على أن الله يبصر بصر رؤية؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ».
الشيخ: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ» . فأثبت لله بصرًا يرى به عز وجل. طيب ماذا تفيده هذه الجملة التي وقعت جوابًا لقوله: وَإِنْ تَوَلَّوْ؟
طالب: التهديد.
الشيخ: التهديد وأنه إذا كان بصيرًا بهم فسوف يجازيهم على توليهم. قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِفي يَقْتُلُونَالثانية قراءتان؟
طالب: {يَقُاتِلُونَ} ويَقْتُلُونَ.
الشيخ: يَقْتُلُونَو{يَقُاتِلُونَ}. طيب، هل يمكن العمل بالقراءتين؟ وهل بينهما منافاة؟
الطالب: ليس بينهما منافاة.
الشيخ: نعم؛ لأنهم يقتلون من الذين يأمرون بالقسط من الناس يقتلون مَن لا يقاتلهم ويقاتلون مَن يقاتلهم. في النَّبِيِّينَقراءتان أيضًا؟
الطالب: النَّبِيِّينَو{النَّبِيئِينَ}.
الشيخ: النَّبِيِّينَو{النَّبِيئِينَ}، أظن مر علينا أنه إذا جاءت قراءتان في آية فإن الأفضل أن يقرأ الإنسان بهذه مرة وبهذه مرة، كما لو جاءت السنة بصفتين من صفات العبادة فالأفضل أن يفعل الإنسان هذا مرة وهذا مرة كذلك القراءتان، ولكن يجب أن يتأكد الإنسان من القراءة، فإذا تأكد أن هذه قراءة سبعية فإن الأفضل أن يقرأ بهذه مرة وبهذه مرة لأن الكل سنة. طيب قوله تعالى: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّهل هناك قتل للنبيين بحق؟ لأنه جعل محط الدم قتل النبيين بغير حق، فهل هناك قتل للنبيين بحق؟
طالب: كأن يكون قصاص يعني يا شيخ؟
الشيخ: (...).
الطالب: (...) من النبيين مقصودون بهذا.
الشيخ: طيب هل المقتول قصاصًا يُذَم قاتله؟ إذن الآية سيقت مساق الذم؟
طالب: شيخ؟ هذه الآية لبيان الواقع.
الشيخ: لبيان الواقع صحيح، هذه الآية لبيان الواقع والتنديد بهم، لبيان الواقع أنهم يقتلون الأنبياء بغير حق بل بالباطل والتنديد بهؤلاء حيث يقتلون هؤلاء السادة بغير حق. نعم قال الله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، كيف استعمل البشارة بالعذاب والبشارة ما تكون إلا بالخير؟
طالب: إما على سبيل التهكم بهم.
الشيخ: وهل يذكر الثناء أو الوصف بالطيب في مقام التهكم؟ هل يمكن أن يذكر الشيء المحبوب في مقام تهكم؟
الطالب: (...)
الشيخ: هات مثالًا تستشهد به لتقوية قولك؟
طالب: في قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩]
الشيخ: مثاله في قوله: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُطيب، هذا وجه، الوجه الثاني؟ الوجه الأول أنه على سبيل التهكم بهم، والوجه الثاني؟
طالب: تظهر البشارة على وجوههم.
الشيخ: أنه استعملت البشارة في مقام الوعيد لأنها علامة الخبر هذا يظهر على بشرته فتتغير كما تتغير البشرة بما يسر.
ثم قال الله عز وجل: أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَأُولَئِكَالمشار إليهم هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله
ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس وهم أهل الخير
الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، هؤلاء الذين قامت بهم هذه الصفات هم الذين
حبطت أعمالهم، حبوط الشيء يعني ذهابه وزواله وعدم الاستفادة منه، فهؤلاء حبطت
أعمالهم في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فظاهر لأنهم لن يستفيدوا من أعمالهم وإن
كانت خيرًا حتى الإنسان الكافر إذا عمل خيرًا في الدنيا كالإحسان إلى الناس خصوصًا
أو عمومًا فإن ذلك لا ينفعه في الآخرة؛ لقوله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: ٢٣] لكن كيف حبطت أعمالهم في الدنيا؟ حبطت أعمالهم في
الدنيا لأنهم لما لم يستفيدوا منها صاروا كأنهم لم يعملوها فأعمالهم لم تنفعهم،
وشاهد هذا قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر: ١٥].
قال: وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَهذه الجملة كما نعلم جميعًا جملة منفية بما، وأسأل هنا: هل (ما) هذه عاملة عمل (ليس) أو لا؟
طالب: ليست عاملة عمل (ليس).
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه تقدم الخبر.
الشيخ: لأنه تقدم الخبر، وهل لديك شاهد من كلام أهل العلم على ما قلت؟
الطالب: من الألفية؟
الشيخ: من الألفية إذا كانت مغيرة حبة ما يهم.
طالب: قاعدة نحوية تقول: (...) يعمل بمتشابه بليس.
الشيخ: لا، أنا أريد من كلام ابن مالك.
الطالب: وعندي كلام ابن الحاجب.
طالب:
قال: وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَهذه الجملة كما نعلم جميعًا جملة منفية بما، وأسأل هنا: هل (ما) هذه عاملة عمل (ليس) أو لا؟
طالب: ليست عاملة عمل (ليس).
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه تقدم الخبر.
الشيخ: لأنه تقدم الخبر، وهل لديك شاهد من كلام أهل العلم على ما قلت؟
الطالب: من الألفية؟
الشيخ: من الألفية إذا كانت مغيرة حبة ما يهم.
طالب: قاعدة نحوية تقول: (...) يعمل بمتشابه بليس.
الشيخ: لا، أنا أريد من كلام ابن مالك.
الطالب: وعندي كلام ابن الحاجب.
طالب:
| إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ | مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ |
الشيخ: طيب ولكن هنا إشكال وهو قوله: مِنْ نَاصِرِينَكيف نعربها؟
طالب: مِنْ نَاصِرِينَمن زائد حرف جر زائد زائد.
الشيخ: حرف جر زائد زائد، كده؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أيش لون زائد زائد؟ اشرح للإخوان.
الطالب: زائد إعرابًا وزائد في اللفظ.
الشيخ: معنى، أي زائد في الإعراب ويزيد في المعنى.
الطالب: ونَاصِرِينَاسم (ما) مرفوع.
الشيخ: اسم (ما) ومحمد يقول ما تعمل كيف نقول اسم (ما)؟ ما عندك غير هذا؟
طالب: خبر.
الشيخ: خبر لا ما هو صحيح.
طالب: مبتدأ، و(لهم) خبر.
الشيخ: إي نعم لكن كمِّل إعراب ناصرين، مبتدأ.
الطالب: (ناصرين) اسم الفاعل مجرور لفظًا ومرفوع معنًى مبتدأ. و(لهم).
الشيخ: اصبر كمِّل كمِّل.
الطالب: مبتدأ يعني مرفوع لفظًا -في النهاية صح- (ناصرين) اسم الفاعل جمع المذكر السالم ورفعه بالواو ما قبله مضموم، ونصبه وجره بالياء ما قبله مكسور، مجرور لفظًا ومرفوع محلًّا مبتدأ، و(ما) نافية.
الشيخ: إيه علامة رفعه؟ الواو المقدرة.
الطالب: و(ما) نافية و(لهم) ظرف يتعلق بالمحذوف.
الشيخ: جار ومجرور متعلق بمحذوف.
الطالب: والمحذوف هو خبر.
الشيخ: المهم الآن فهمنا من كلامه أن الواو مقدرة في محل الياء منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة؟
الطلبة: حرف الجر
الشيخ: حرف الجر الزائد، يعني هؤلاء الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ليس لهم أحد ينصرهم، وأكد سبحانه وتعالى النفي هنا أكده بـ (من) الزائدة، يعني ما لهم أحد ينصرهم لا على سبيل الاجتماع ولا على سبيل الانفراد؛ لأن (من) الزائدة إذا دخلت تجعل النفي نصًّا في العموم كـ (لا) النافية للجنس.
ثم قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَأَلَمْ تَرَالاستفهام هنا للتعجب، فإن هذه الحال يتعجب منها كل عاقل، وتَرَيحتمل أن يكون رؤية عين ويحتمل أن يكون رؤية علم والثاني أولى؛ لأنه أشمل ولأنه يتعلق بالحال، والحال تُعلم وليست تُرى بالعين، يعني ألم تعلم إلى هؤلاء.
الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِيعني أوتوا نصيبًا من العلم والذي آتاهم النصيب هو الله عز وجل وحذفه للعلم به؛ لأن الله تعالى هو الذي يؤتي العلم، قال الله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا [البقرة: ٢٦٩] وقال تعالى: وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [الكهف: ٦٥] فالذي يؤتي النصيب من العلم هو الله عز وجل.
وقوله: نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِيفيد التقليل أو التكثير؟ يحتمل أن يكون المراد أوتوا نصيبًا كبيرًا من الكتاب بحيث يكون حاملًا لهم على الاهتداء ولكنهم -والعياذ بالله- استكبروا، ويحتمل أنه ليس عندهم إلا علم قليل، وإنه لو فُرض أن عندهم علمًا كثيرًا فإن هذا العلم لم ينفعهم فصاروا كالذي أوتي نصيبًا قليلًا من العلم.
وقوله: يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِهذا محل التعجب، يعني أنهم مع ما عندهم من العلم يُدعون إلى كتاب الله، والداعي لهم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن دعا بدعوته إلى يوم القيامة، هؤلاء يُدعون إلى كتاب الله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، إسناد الحكم هنا يحتمل أن يكون إلى الله عز وجل ليحكم الله بينهم بكتابه، ويحتمل أن يكون إلى الكتاب وأُسند الحكم إليه لأن الحكم صار به ويضاف الشيء إلى سببه كثيرًا، على كل حال سواء قلنا إن الضمير في يَحْكُمَيعود إلى الله أو قلنا إنه يعود إلى الكتاب هؤلاء يُدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ولكنهم لا يقبلون هذا، ولهذا قال: ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَيتولى فريق منهم لا كلهم؛ لأن بعضهم قد هُدِي بعض هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب قد هداهم الله وهم كثير، لكن تولى فريق منهم ومع توليهم فإنهم معرضون -والعياذ بالله- ليس عندهم إقبال لا في الظاهر ولا في الباطن، بل هم متولون معرضون، وإنما قال: وَهُمْ مُعْرِضُونَوهي جملة حالية من فريق إنما قال ذلك؛ لأن الإنسان قد يتولى لسبب طارئ لكن في قلبه شيء من الإقبال، أما هؤلاء فإنهم متولون وهم قد امتلؤوا إعراضًا عن كتاب الله ليحكم بينهم، وهنا يقول: يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَكيف صحت الحال من النكرة؟
طالب: الحال هو ما يبين هيئة الفاعل.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: سواء الفاعل نكرة أو معرفة.
الشيخ: لا لا.
الطالب: هو يبين هيئة الفاعل.
الشيخ: إي لكن الفاعل لا بد أن يكون معرفة أو نكرة فيها سبب.
طالب: لأنها موصوفة.
الشيخ: لأنها موصوفة: فَرِيقٌ مِنْهُمْ، وإذا وُصفت النكرة تخصصت فصارت شبيهة بالمعرفة.
ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍذَلِكَالمشار إليه التولي والإعراض بأنهم خدعوا أنفسهم وقالوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُأي لن تصيبنا إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍأيامًا قلائل؛ لأن كل معدود فهو قليل، ودليل ذلك قوله تعالى: وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ [هود: ١٠٤] وقال: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ [النساء: ٧٧] فكل شيء معدود فهو قليل؛ لأن شيئًا يمضي بالعدد واحد اثنين ثلاثة أربعة لا بد أن ينتهي، هؤلاء يقولون: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍثم من يخلفهم بعده؟ مَن يخلفهم فيها؟ يدَّعون أن الذي يخلفهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهؤلاء هم اليهود قالوا -زعمًا منهم ودعوى مردودة- قالوا: إنهم يدخلون النار ولكنهم لا يمكثون فيها إلا أيامًا معدودة، ثم يخلفهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيها أبد الآبدين، وكذبوا في ذلك، فهم ستمسهم النار ويبقَوْن فيها أبد الآبدين، لكن غروا أنفسهم وخدعوا عوامَّهم بهذا القول الكاذب المفترَى: بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَغرهم الغُرور والخداع بمعنى واحد متقارب، يعني أن هؤلاء خدعوا أو انخدعوا في دينهم حيث ظنوا أنهم على حق، وبعضهم عاند الحق عالمًا به مفتريًا كذابًا وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَأي الذي كانوا يفترونه، ومنه قولهم: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ.
فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَأي فكيف تكون حالهم؟ كيف تكون حالهم في هذا الوقت إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ؟ والاستفهام للتعظيم يعني ما أعظم ما تكون حالهم في تلك اليوم! وما أشد حسرتهم إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِأي جمعناهم لهذا اليوم أي فيه، واللام تأتي دائمًا بمعنى (في) ويسمونها لام التوقيت ومنه قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١] أي في قُبُل عدتهن أي في استقبال عدتهن، فاليوم لا ريب فيه أي جُمِعوا لهذا اليوم أي فيه وهو يوم القيامة. وقوله: لَا رَيْبَ فِيهِإما أنه خبر بمعنى النهي، المعنى: لا ترتابوا فيه، أو أنه خبر على حقيقته والمعنى أن الله عز وجل يخبر عن هذا اليوم بأنه لا ريب فيه أي لا ريب في وقوعه، وهذا اليوم قد دل عليه الكتاب والسنة والعقل، أما الكتاب فما أكثر الآيات التي فيها إثبات اليوم الآخر، وما أكثر الأمثال التي يضربها الله عز وجل لإثبات هذا اليوم ببعث الخلائق، وأما في السنة فكثير أيضًا إثبات هذا اليوم، وأما في العقل فلأن العقل يدل بالضرورة على أن هذه الخليقة لا بد أن يكون لها معاد تحاسب عليه على ما أمرت به؛ لأنه ليس من المعقول أن ينشئ الله الخليقة يأمرها وينهاها ويبعث إليها الرسل وينزل عليها الكتب ويستباح دماء من لم ينقد لهذه الكتب ويتبع هؤلاء الرسل ثم تكون النتيجة أن تموت هذه البشرية ولا تبعث تكون ترابًا، لو وقع هذا الفعل من أي أحد لقيل هذا سفه من أسفه السفه، لو أن الإنسان صنع ثوبًا وخاطه وأتقنه ومِن أحسنِ ما يكون ثم في النهاية أحرقه وتلف ولم يبق له أثر لعدّ الناس كلهم هذا سفهًا، فكيف بهذه الخليقة التي خلقها الله عز وجل وأنزل عليها الكتب وأرسل إليها الرسل وأباح دماء وأموال مَن لم ينقد لهذه الكتب ويتبع هؤلاء الرسل ثم تكون النتيجة أن تُتلف هذه الخليقة بدون أي معاقبة وأي حساب، فالكتاب والسنة والإجماع والعقل كلها دلت على ثبوت هذا اليوم الذي قال الله فيه: فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَوُفِّيت يعني أُعطيت ومنه قولهم: وفَّاه حقه أي أعطاه حقه وافيًا. وقوله: كُلُّ نَفْسٍمن البشر؟ أو من غيرهم؟ من البشر والجن يعني من المكلفين الذين أُمِروا ونُهوا هم الذين يُوفَّون أجورهم، أما من لم يتوجه إليه أمر ولا نهي فإنهم يُجمعون يوم القيامة ولكن ليس لهم أعمال يُجازون عليها، فلا يشملهم قوله: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْكيف تكون حال هؤلاء الذين تولوا وهم معرضون؟ تكون أسوأ حال والعياذ بالله؛ لأنهم ينظرون إلى الناس وقد جُوزُوا بالثواب العظيم وإلى أنفسهم وقد جُوزوا بالعذاب المهين، فتكون أعمالهم حسرات عليهم -والعياذ بالله- يوم القيامة، ولا يستفيدون لا من دنياهم ولا من أُخراهم.
وقوله: كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْيعني من خير أو شر بدليل العموم في كلمة (ما)، ولكن كيف تُوَفَّى؟ أما الخير فيُوَفَّى العامل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأما في الشر فيُوفَّى السيئة بمثلها إن لم يعف الله، قد يعفو الله عنه، وقد يكون له أعمال صالحة تُكفِّر هذه السيئات، فجزاء الله عز وجل وتوفيته للأعمال دائر بين الفضل والعدل، بين الفضل في أهل الخير، والعدل في أهل السوء.
أما القسم الثالث وهو الجور والظلم فهذا ممتنع ولهذا قال: وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَلا يُظلمون فلا يُنقص أحد من حسناته ولا يُزاد في سيئاته، ونحن نعلم أن من أوفى غيره حقه فلا يخلو من ثلاث حالات، إما أن يوفيه بالفضل، أو بالعدل، أو بالجور، إلا الله عز وجل فإن وفاءه دائر بين العدل والفضل، وأما الجور والظلم فهذا ممتنع عليه كقوله تعالى: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف: ٤٩] وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦] وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا [طه: ١١٢] وفي الحديث القدسي أن الله تعالى قال: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا» .
والآن نرجع إلى فوائد الآية التي ذكرناها. قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّإلى آخره [آل عمران: ٢١] في هذه الآية من الفوائد: أنه ينبغي أن يعلَن لهؤلاء الكفار بما أمر الله تعالى أن نبشرهم به بَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍوالنبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنه كلما كانت الحكمة في تبشير هؤلاء بالعذاب الأليم بشرهم، وهكذا مَن ورث النبي صلى الله عليه وسلم في العلم والدعوة ينبغي أن يبشر كل كافر بآيات الله بالعذاب الأليم، لكن يجب أن يكون هذا تابعًا للحكمة، قد لا يكون من الحكمة إذا دعوت رجلًا للإسلام أن تقول: تعال أنت كافر؟ فإذا قال: نعم، قلت: أبشر بالعذاب الأليم وأسلم، يصلح هذا؟ ما يستقيم لكن لكل مقام مقال، إذا دعوته وعاند واستكبر حينئذ يناسب أن تقول: إن بقيت على ما أنت عليه فأبشر بالعذاب الأليم. أو يأتيك رجل يمدح لك هؤلاء الكفار ويقول: فيهم وفيهم وفيهم وفيهم تقول: يا أخي بشِّرهم بعذاب أليم، ماذا ينفعهم هذا يوم القيامة؟
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بآيات الله؛ لأن الله تعالى توعد هؤلاء الكافرين بها بالعذاب الأليم. والإيمان بالآيات الكونية له معنى وبالآيات الشرعية له معنى، فالإيمان بالآيات الشرعية قلنا إنه هو: تصديق الأخبار، والعمل بالأحكام، وألا يتعرض لتحريفها، ثلاثة أشياء، وبالكونية ألا يعتقد أن لله تعالى فيها مشاركًا أو معينًا أو مستقلًّا بملكه.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم قتل النبيين وأنه بغير حق مهما كان؛ لقوله تعالى: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّمع أن قتل النبيين بغير حق من جملة الكفر لكن نص عليه لشدة شناعته والعياذ بالله.
ومن فوائد الآية الكريمة:تحريم أو شناعة كل من يقتل أو يقاتل من يأمر بالقسط من الناس، من هم اللي يأمر بالقسط من الناس؟ قلنا: إنهم علماء وأمراء، فالعلماء يبينون الشرع، والأمراء ينفذون الشرع، فإذا قتلهم قاتل دخل في هذه الآية إذا كانوا يأمرون بالقسط.
ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت العذاب على هؤلاء المتصفين بهذه الصفات، لقوله: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ.
ومن فوائدها: أن العذب الذي يبشَّرون به ليس عذابًا هينًا يُتحمَّل ولكنه عذاب مؤلم.
ومن فوائد الآية التي بعدها: أن هؤلاء الذين كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياءه وقتلوا الآمرين بالقسط من الناس هؤلاء حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، فلا يستفيدون منها، أما في الآخرة فظاهر، وأما في الدنيا فلأنهم لم ينتفعوا بها فكأنها لم تكن.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفر محبط للأعمال؛ لقوله: أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِويدل لذلك أيضًا قوله تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢١٧].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار ليس لهم ناصر وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَولكن هل المراد ليس لهم ناصر في الدنيا والآخرة؟ أو في الآخرة؟ في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصرهم من كان على شاكلتهم ولكن هم ومن نصرهم مآلهم إلى الذل والخذلان؛ لأن الله تعالى يقول: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: ٢١].
طالب: قوله: إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍلمَ التفريق ما بين مَعْدُودَةً [البقرة: ٨٠] مَعْدُودَاتٍ؟ (...)
***
طالب: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: ٢٦]
الشيخ: (...) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَأَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِأما في الآخرة فحبوط أعمالهم ظاهر لأنهم لا ينتفعون بأعمالهم في الآخرة، ولكن في الدنيا كيف يكون حبوط أعمالهم؟
طالب: مغلوبين.
الشيخ: كيف مغلوبين؟
الطالب: يعني هم يقتلون النبيين وهم في الآخر هم مغلوبين، ما عندهم القدرة على المسلمين.
الشيخ: يعني معناه في النهاية تحبط أعمالهم أي عزتهم وكبرياؤهم، هذا وجه جيد، فيه أيضًا؟
طالب: لا ينتفعوا بهذه الأعمال حتى أعمالهم الصالحة.
الشيخ: فلما لم ينتفعوا بها صارت حابطة وإن انتفعوا بها في الدنيا لكن لما لم تكن نافعة لهم في الآخرة صارت ضائعة كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ١٥].
قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَالخطاب لمن في قوله: أَلَمْ تَرَ؟
طالب: الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: للنبي صلى الله عليه وسلم، ما فيه وجه آخر؟
طالب: لأهل الكتاب.
الشيخ: لا.
طالب: لكل من يتأتى له الخطاب.
الشيخ: لكل من يتأتى خطابه يعني كل من يصح أن يخاطَب يخاطبه الله بقوله: أَلَمْ تَرَوهذا القول أعم من القول الأول. مَن المراد بهم؟
طالب: المراد بهم أهل الكتاب.
الشيخ: مَن؟
الطالب: اليهود والنصارى.
الشيخ: اليهود والنصارى. طيب نَصِيبًاهنا نكرة هل هو للتقليل أو للتكثير؟
طالب: نَصِيبًاتدل على التقليل، وقد ترد يعني وقد ترد دالة على التكثير قليلًا.
الشيخ: أيهما المراد هنا؟
الطالب: المراد التقليل.
الشيخ: يعني أنهم؟
الطالب: أُوتوا شيئًا من العلم بينهم، شيئًا قليلًا بينهم.
الشيخ: طيب ويش وجه المناسبة؟ إذا قلت: إن المراد التقليل، قد يقولون: والله إحنا ما عندنا إلا علم قليل ولا ندري عن كتاب الله هل هو حق أو ليس بحق؟
الطالب: مناسبة أيش؟
الشيخ: أقول الآن: إذا قلت المراد التقليل، فكيف يكون العتاب عليهم وهم ليس عندهم إلا علم قليل لا يعرفون به الحق من الباطل؟
الطالب: المراد أنهم أوتوا نصيبًا يعني شيئًا قليلًا من العلم ما يكفيهم في أمر دينهم ودنياهم.
الشيخ: طيب هؤلاء إذا دُعوا إلى الله يقولون: والله ما نعرف به الحق حتى نُلام عن التولي عنه؟
طالب: نقول: يحتمل نَصِيبًاشيئًا كثيرًا من العلم ولكنهم استكبروا إذا دُعوا إلى كتاب الله، ويحتمل أن تكون نَصِيبًاشيئًا قليلًا من العلم.
الشيخ: طيب إذن كل معنى له وجه، إن قلنا: قليلًا، فوجه اللوم عليهم أنهم لمالم يُؤتَوْا إلا علمًا قليلًا كان الواجب عليهم أن يأخذوا بالعلم الذي دُعوا إليه حتى يزدادوا علمًا، وأما إذا قلنا: كثيرًا، فالوجه: أنه كيف يعلمون الحق لأنهم إذا أوتوا علمًا أو نصيبًا كثيرًا من الكتاب فمن جملتها أنهم يعرفون محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكيف يُؤتَوْن العلم الكثير الذي به تقوم الحجة ثم يستكبرون عنه؟ إذن فالآية صالحة للوجهين جميعًا.
طيب، قوله: يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْالفاعل في (يحكم) مَن؟
طالب: في (يحكم) الفاعل هو اسم الجلالة والكتاب كلاهما.
الشيخ: يعني يجوز أن يكون عائدًا إلى الله وعائدًا إلى الكتاب، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لأن الكتاب يحكم، وكذلك الله عز وجل يحكم بين عباده. طيب، لماذا يتولون وهم معرضون؟ ما هو السبب الذي حملهم على ذلك؟
طالب: الاستكبار.
الشيخ: لا.
طالب: السبب في قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ.
الشيخ: نعم، هذا الذي دعاهم إلى ذلك، الغرور وأن أنفسهم غرتهم فقالوا: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة، ثم بعد ذلك تخلفوننا أنتم يا محمد وأصحابه فيها، ولهذا قال: غَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ. طيب، ما المراد بالاستفهام في قوله: فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ؟
طالب: تعظيم هذا اليوم؛ يعني كيف هَوْل هذا اليوم إذا جمعناهم؟ أو كيف حالهم هذا اليوم إذا جُمعوا؟
الشيخ: فيتضمن تعظيم هذا اليوم وتهديد هؤلاء، إذن لتعظيم ذلك اليوم ولتهديد هؤلاء القوم. ما المراد بهذا اليوم؟
طالب: يوم القيامة.
الشيخ: طيب قال الله: لَا رَيْبَ فِيهِ؟
طالب: أي لا شك فيه.
الشيخ: لماذا لا شك فيه وهو أمر غائب؟
طالب: الْمُخبِر عنه حق، إن الله هو الذي أخبر عنه.
طالب: إن الكتاب والسنة والعقل دلوا عليه.
الشيخ: لأن كلًّا من الكتاب والسنة والعقل دل عليه على هذا اليوم والناس يبعثون، نريد دليلًا من القرآن على ثبوت هذا اليوم غير الآية اللي معنا؟
طالب: قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ١٥].
الشيخ: طيب هذا ممكن، لكن ما فيه آية تدل على أن الناس يُجمعون في ذلك اليوم علشان توفق المعنى؟
طالب: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ [التغابن: ٧].
الشيخ: نعم، ما فيه دليل على نفس الجمع؟
طالب: قوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن: ٩]
الشيخ: زين صح إي نعم، وفيه في سورة هود: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣] طيب، يقول الله عز وجل: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍما معناها؟
طالب: نعم معناها أُعطِيت كل نفس حقها.
الشيخ: وافيًا، أحسنت. جملة: وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَمحلها من الإعراب؟
الطالب: خبر.
الشيخ: لا.
طالب: حال.
الشيخ: حال منين؟
طالب: حال من وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ.
الشيخ: من كُلُّ نَفْسٍ؟
الطالب: لا، من
الشيخ: من كل الدنيا والفعل والفاعل.
الطالب: النفس الموفية لها، من الفاعل.
الشيخ: ما عندنا فاعل، اللي عندنا نائب فاعل؛ لأن (وُفِّي) فعل ماضي مبني للمجهول.
الطالب: من نائب الفاعل.
الشيخ: من نائب الفاعل وهو قوله: كُلُّ نَفْسٍ. طيب ما معنى الظلم ال (...)؟
الشيخ: (...) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَأَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِأما في الآخرة فحبوط أعمالهم ظاهر لأنهم لا ينتفعون بأعمالهم في الآخرة، ولكن في الدنيا كيف يكون حبوط أعمالهم؟
طالب: مغلوبين.
الشيخ: كيف مغلوبين؟
الطالب: يعني هم يقتلون النبيين وهم في الآخر هم مغلوبين، ما عندهم القدرة على المسلمين.
الشيخ: يعني معناه في النهاية تحبط أعمالهم أي عزتهم وكبرياؤهم، هذا وجه جيد، فيه أيضًا؟
طالب: لا ينتفعوا بهذه الأعمال حتى أعمالهم الصالحة.
الشيخ: فلما لم ينتفعوا بها صارت حابطة وإن انتفعوا بها في الدنيا لكن لما لم تكن نافعة لهم في الآخرة صارت ضائعة كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ١٥].
قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَالخطاب لمن في قوله: أَلَمْ تَرَ؟
طالب: الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: للنبي صلى الله عليه وسلم، ما فيه وجه آخر؟
طالب: لأهل الكتاب.
الشيخ: لا.
طالب: لكل من يتأتى له الخطاب.
الشيخ: لكل من يتأتى خطابه يعني كل من يصح أن يخاطَب يخاطبه الله بقوله: أَلَمْ تَرَوهذا القول أعم من القول الأول. مَن المراد بهم؟
طالب: المراد بهم أهل الكتاب.
الشيخ: مَن؟
الطالب: اليهود والنصارى.
الشيخ: اليهود والنصارى. طيب نَصِيبًاهنا نكرة هل هو للتقليل أو للتكثير؟
طالب: نَصِيبًاتدل على التقليل، وقد ترد يعني وقد ترد دالة على التكثير قليلًا.
الشيخ: أيهما المراد هنا؟
الطالب: المراد التقليل.
الشيخ: يعني أنهم؟
الطالب: أُوتوا شيئًا من العلم بينهم، شيئًا قليلًا بينهم.
الشيخ: طيب ويش وجه المناسبة؟ إذا قلت: إن المراد التقليل، قد يقولون: والله إحنا ما عندنا إلا علم قليل ولا ندري عن كتاب الله هل هو حق أو ليس بحق؟
الطالب: مناسبة أيش؟
الشيخ: أقول الآن: إذا قلت المراد التقليل، فكيف يكون العتاب عليهم وهم ليس عندهم إلا علم قليل لا يعرفون به الحق من الباطل؟
الطالب: المراد أنهم أوتوا نصيبًا يعني شيئًا قليلًا من العلم ما يكفيهم في أمر دينهم ودنياهم.
الشيخ: طيب هؤلاء إذا دُعوا إلى الله يقولون: والله ما نعرف به الحق حتى نُلام عن التولي عنه؟
طالب: نقول: يحتمل نَصِيبًاشيئًا كثيرًا من العلم ولكنهم استكبروا إذا دُعوا إلى كتاب الله، ويحتمل أن تكون نَصِيبًاشيئًا قليلًا من العلم.
الشيخ: طيب إذن كل معنى له وجه، إن قلنا: قليلًا، فوجه اللوم عليهم أنهم لمالم يُؤتَوْا إلا علمًا قليلًا كان الواجب عليهم أن يأخذوا بالعلم الذي دُعوا إليه حتى يزدادوا علمًا، وأما إذا قلنا: كثيرًا، فالوجه: أنه كيف يعلمون الحق لأنهم إذا أوتوا علمًا أو نصيبًا كثيرًا من الكتاب فمن جملتها أنهم يعرفون محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكيف يُؤتَوْن العلم الكثير الذي به تقوم الحجة ثم يستكبرون عنه؟ إذن فالآية صالحة للوجهين جميعًا.
طيب، قوله: يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْالفاعل في (يحكم) مَن؟
طالب: في (يحكم) الفاعل هو اسم الجلالة والكتاب كلاهما.
الشيخ: يعني يجوز أن يكون عائدًا إلى الله وعائدًا إلى الكتاب، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لأن الكتاب يحكم، وكذلك الله عز وجل يحكم بين عباده. طيب، لماذا يتولون وهم معرضون؟ ما هو السبب الذي حملهم على ذلك؟
طالب: الاستكبار.
الشيخ: لا.
طالب: السبب في قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ.
الشيخ: نعم، هذا الذي دعاهم إلى ذلك، الغرور وأن أنفسهم غرتهم فقالوا: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة، ثم بعد ذلك تخلفوننا أنتم يا محمد وأصحابه فيها، ولهذا قال: غَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ. طيب، ما المراد بالاستفهام في قوله: فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ؟
طالب: تعظيم هذا اليوم؛ يعني كيف هَوْل هذا اليوم إذا جمعناهم؟ أو كيف حالهم هذا اليوم إذا جُمعوا؟
الشيخ: فيتضمن تعظيم هذا اليوم وتهديد هؤلاء، إذن لتعظيم ذلك اليوم ولتهديد هؤلاء القوم. ما المراد بهذا اليوم؟
طالب: يوم القيامة.
الشيخ: طيب قال الله: لَا رَيْبَ فِيهِ؟
طالب: أي لا شك فيه.
الشيخ: لماذا لا شك فيه وهو أمر غائب؟
طالب: الْمُخبِر عنه حق، إن الله هو الذي أخبر عنه.
طالب: إن الكتاب والسنة والعقل دلوا عليه.
الشيخ: لأن كلًّا من الكتاب والسنة والعقل دل عليه على هذا اليوم والناس يبعثون، نريد دليلًا من القرآن على ثبوت هذا اليوم غير الآية اللي معنا؟
طالب: قوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر: ١٥].
الشيخ: طيب هذا ممكن، لكن ما فيه آية تدل على أن الناس يُجمعون في ذلك اليوم علشان توفق المعنى؟
طالب: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ [التغابن: ٧].
الشيخ: نعم، ما فيه دليل على نفس الجمع؟
طالب: قوله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن: ٩]
الشيخ: زين صح إي نعم، وفيه في سورة هود: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣] طيب، يقول الله عز وجل: وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍما معناها؟
طالب: نعم معناها أُعطِيت كل نفس حقها.
الشيخ: وافيًا، أحسنت. جملة: وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَمحلها من الإعراب؟
الطالب: خبر.
الشيخ: لا.
طالب: حال.
الشيخ: حال منين؟
طالب: حال من وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ.
الشيخ: من كُلُّ نَفْسٍ؟
الطالب: لا، من
الشيخ: من كل الدنيا والفعل والفاعل.
الطالب: النفس الموفية لها، من الفاعل.
الشيخ: ما عندنا فاعل، اللي عندنا نائب فاعل؛ لأن (وُفِّي) فعل ماضي مبني للمجهول.
الطالب: من نائب الفاعل.
الشيخ: من نائب الفاعل وهو قوله: كُلُّ نَفْسٍ. طيب ما معنى الظلم ال (...)؟





