تفسير سورة آل عمران - 10
عدد الزيارات 2528

عناصر المادة :
تفسير الآية (29)
تفسير الآية (30)
تفسير الآية (31)
هذا بالنسبة للانتصار بهم، ونحن ذكرنا أن قوله: أَوْلِيَاءَ [آل عمران: ٢٨] يشمل الوجهين، أما بالنسبة للانتصار لهم فهذا لا يجوز أبدًا، لا يجوز أن ننصر كافرًا على مؤمن بأي حال من الأحوال، ولكن هل يجوز أن ننصر كافرًا على كافر إذا اقتضت المصلحة ذلك؟
نقول: إن المؤمنين فرحوا حين غلَبت الروم الفرس وهم كفّار على كفّار كما قال تعالى: وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ [الروم: ٤، ٥] فإذا كان هناك عدو مشترك لنا ولهذه الطائفة من الكفار ونحن نعلم أننا إن لم ننصر الكفار على هذا الكافر غلبه، ثم استأصلنا فحينئذٍ يكون عونه للحاجة جائزًا؛ لأننا نعينه لا لذاته لأنه كافر، ولكن لمصلحة المسلمين، وهذا كله يعود على المصلحة، أما لو رأينا كافرًا يطلب منا العون على مسلم، فهذا لا يجوز بأي حال من الأحوال، ولهذا قال: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٢٨] يعني من سِوى المؤمنين يعادون المؤمنين ويوالون الكفار، فهذا لا يمكن، ولهذا جاءت الآية: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَولم يقل: لا تتخذوا؛ لأن الله فرّق بين قوله: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَوبين ما إذا اتخذ المؤمنون الكافرين أولياء لا من دون المؤمنين، فوجّه الخطاب إلى المؤمنين مباشرة، في الثانية دون الأولى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [المائدة: ٥١] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة: ١] فخاطبهم خطابًا مباشرًا، لكن هنا قال: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ. ففرّق بينهما، هكذا قال بعض العلماء وقال: إن الله لم يخاطب المؤمنين خطابًا مباشرًا؛ لأن هذا أمر مشين، والأمر المشين تكون المخاطبة المباشرة فيه صدمة عظيمة، ولهذا قال الله تعالى للرسول: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى [عبس: ١، ٢] ولم يقل: عبست، وهذا القول أول ما يتكلم به الإنسان يظنه جيدًا، لكن المشكل يشكل على هذا قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [النساء: ١٤٤] فهنا واجههم بالخطاب مباشرة مع أنه قال: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، وعلى هذا فيكون التوجيه الذي ذكره بعض المعاصرين فيه نظر، ونقول: إن الله عبّر بصيغة الغائب هنا: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَعن الخطاب لبلاغة يعلمها الله عز وجل قد نعلمها وقد لا نعلمها. لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينما جاوبت الأسئلة؟
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، أقول: سؤال الكتب النافعة من بعض..
الشيخ: سؤالك، احذف الميم هنا، احذف الميم جزاك الله خيرًا.
طالب: أقول: أحسن الله إليكم، سؤال الكتب النافعة من بعض الإخوان هل ينافي تمام العِفّة؟
الشيخ: أما إذا كان يقول: سؤال الكتب للاستعارة، الاستعارة كذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: الاستعارة ولا تملُّك؟
الطالب: الاستعارة يقرؤها.
الشيخ: لا، الاستعارة جائزة ما فيها إشكال.
الطالب: لكن آخذها أصورها مثلًا كذا أو أقرؤها وأردها؟
الشيخ: الظاهر أن التصوير من جنس الاستعارة، وآخذها أقرؤها وأردها هذه استعارة، لكن سؤالها تملكًا هذا هو المذموم، أما الاستعارة فما زال المسلمون يستعيرون، الرسول صلى الله عليه وسلم استعار من صفوان بن أمية دروعًا .
الطالب: لكن لو كان مثلًا عنده مثلًا نسخ متعددة وأنا ما عندي والسوق ليس في شيء مهم فأشتريه؟
الشيخ: اشترِ.
الطالب: نعم؟
الشيخ: اشترِ منه.
الطالب: إن قال ما أبيع؟
الشيخ: قل: أعرني إياه؟
الطالب: يعني إعارة؟
الشيخ: إيه الإعارة ما فيها شيء.
الطالب: بس، يعني ما أنا بآخده يوم ولَّا يومين يعني كتاب سفر مضخّم يحتاج إني أخليه مرجعًا عندي أستفيد منه وكذا؟
الشيخ: ما أشوف.
الطالب: لكن النبي مرة يا شيخ: «اسْتَعْنِ بِاللَّهِ وَاحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ» ؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: أقول..
الشيخ: نعم، ومما ينفعك أن لا تسأل الناس شيئًا.
الطالب: لكن مما ينفعني ما في هذا الكتاب.
الشيخ: حتى السارق يقول: والله أنا بأسرق لينفعني.
طالب: شيخ، مناسبة قوله بغير حساب؟
طالب آخر: شيخ، الآن فيه ناس من المسلمين يتجنسون جنسية أمريكية؟
الشيخ: لا، ما يجوز، يعني اتخاذ جنسية كافرة حرام؛ لأن مقتضى هذه الجنسية أيش؟ أن توالي من يوالون وتعادي من يعادون، وأن تناصرهم بكل شيء حتى على المسلمين، هذا حرام ما يجوز أبدًا.
طالب: شيخ، قوله: وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [آل عمران: ٢٧] قلنا يا شيخ إنها تخرج العالِم من الجاهل، وقوله تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ [الأنعام: ١٢٢]؟ لكن قوله: وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّالجاهل تخرجه من العالم أي العكس، كيف يعني هل معناه أنه ينسى العلم؟
الشيخ: لا، معنى ذلك: إنه يكون رجل عالم أولاده جهّال.
الطالب: لا، على المعنى الأول أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًااللي هو؟
الشيخ: على المعنى الأول أنه كان ميتًا ما ترد هذه، ما ترد وربما يكون، لا ما ترد الظاهر.
طالب: شيخ، في قوله تعالى: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [آل عمران: ٢٧] يعني ما يكون فيها من الفوائد أن مصلحة النبات والثمر أنه ما بعض الثمر ما يحصل إلا في فصل الشتاء والعكس أيضًا؟
الشيخ: نحن ما قلناها؟
طلبة: قلنا هذه فائدة موجودة.
الشيخ: ذكرناها.
الطالب: يا شيخ، نحن إذا استنصرنا بالكفار.
الشيخ: إذا أيش؟
الطالب: إذا استنصرنا بالكفار من حيث العتاد الأسلحة يجوز الاستنصار بهم صح ولَّا لا؟
الشيخ: (...).
الطالب: إذا الكفار استنصروا بنا نعرف أن الإسلام ليس نقدر نقول: انقسموا لسنة وشيعة، إذا استنصروا بنا ما منا من عتاد على شيعة يجوز؟
الشيخ: وهذه تحتاج لنظر إذا كان الشيعة على وجه يكفرون به فيجوز، إذا كان على وجه لا يكفرون ما يجوز؛ لأن المسلم مهما كان من المعاصي لا يجوز أن تُعين الكافر عليه.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: ٢٨- ٣٠].

الشيخ: قال الله تعالى: تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ [آل عمران: ٢٧] ما المراد بالولاية هنا؟
قلنا: إنه لا ينتصر بهم ولا لهم، أما تحريم الانتصار لهم فالأمر ظاهر، لكن تحريم الانتصار بهم يشكل عليه أن الرسول صلى الله عليه وسلم حالف خزاعة وهم كفار.
طالب: إذا اقتضت المصلحة الدفاع مثلا عن المسلمين من قريب واقتضت المصلحة أنه الاستعانة بهم استعنَّا.
الشيخ: نعم، نقول: هذا إذا اقتضت المصلحة أو الضرورة الانتصار بهم فهذا لا بأس به. نكمل هذا البحث لأنه مهم، لو قال قائل: إذا كان الانتصار بهم ليس لمصلحة الإسلام ولكن لأن هؤلاء أعداء لمن أراد الاعتداء على المسلمين، فناصروا المسلمين لأن هذا عدو مشترك؛ يعني هم لم يناصروا المسلمين لله ولا لإقامة دين الله لكن لأن العدو مشترك، فهل يجوز أن ننتصر بهم في هذه الحال؟
الطالب: نعم، ننتصر بهم ولكن ليس لأجل مناصرة الكفار وإنما لمصلحة المسلمين.
الشيخ: نقول: نعم، هم إذا ناصرونا، سواء كان ذلك لله أو ليس لله قطعًا أو كان من أجل أن عدونا وعدهم واحد مشترك، واضح؟ ولكن مع ذلك لا يجوز أن نجعل هذا الانتصار بهم على حساب ديننا؛ يعني أن نداهنهم ونمكنهم من أفعالهم القبيحة في بلادنا بلاد الإٍسلام لا؛ لأن هذا مداهنة والمداهنة في دين الله حرام لا يجوز.
يقول عز وجل: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَوهذا هو الواقع، الواقع أن الإنسان المؤمن لا يمكن أن يتولى الكافر دون المؤمن، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد أن الذين يفعلون ذلك من المنافقين. الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء: ١٣٩].
ثم قال: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ [آل عمران: ٢٨] المشار إليه الاتخاذ، وعادت الإشارة هنا على المفهوم من الفعل؛ لأن الفعل يدل على حدَث وفاعل، على الحدث وفاعله، الحدث هنا هو الاتخاذ، والفاعل هو المؤمن، فهنا نقول عاد الضمير على الاتخاذ المفهوم من أيش؟ من (يتخذ)، مثل قوله تعالى: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة: ٨] فهو عاد على العدل المفهوم من كلمة اعْدِلُوا. وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَأي يتخذهم أولياء من دون المؤمنين فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍيعني فالله بريء منه؛ لأن الله تعالى لا يرضى أن يتولَّى أحد من المؤمنين أحدًا من الكافرين؛ لأن الكافر عدو لله، بل هو عدو لك أيضًا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَمهما كان فإن الكافر لا يمكن أن يُضمر لك المحبة أو الولاية أبدًا، ولا يمكن أبدًا أن يُناصرك إلا لمصلحته هو؛ لأنه عدو، والعدو لا يمكن أن يريد منفعة عدوه، ولهذا قال: فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍأي: فالله منه بريء والعياذ بالله.
ثم قال: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةًو(إلا) هنا لا شك أنها حرف استثناء، ولكن هل هذا الاستثناء متصل أو منقطع؟ الصواب أنه منقطع، بل يتعين لأنه في حالة التقاة لا نتخذهم أولياء، ولكن نوافقهم في الظاهر ونخالفهم في الباطن، وأيضًا شوف إِلَّا أَنْ تَتَّقُوامعناه أن هؤلاء الكفار لهم سيطرة وقوة وقدرة نخشاهم فنتقي منهم؛ أي: نتخذ وقاية من بطشهم وتنكيلهم بنا، لكن في الظاهر دون الباطن، إذن انتبه فهذا لا يجوز إلا في حال الخوف على النفس، ولضعف المسلمين وقوة الكفار.
ثانيًا: لا بد أن تكون هذه الموالاة باللسان فقط بالظاهر، أما في الباطن فيجب أن نُضمر لهم العداوة والبغضاء وعدم الولاية. وقوله: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةًفي هذا التفات من الغيبة إلى الحضور، والخطاب للحضور؛ لأنه لولا الالتفات لقال: إلا أن يتقوا منهم تقاة. والالتفات سبق لنا أن له فوائد، من يذكرها؟
طالب: فائدة عامة في جميع الالتفات وهي التنبيه، والفائدة الخاصة لكل سياق..
الشيخ: نعم، الفائدة العامة التنبيه؛ تنبيه المخاطَب، وذلك أن الخطاب إذا كان على نسق واحد استمر الإنسان يسير فيه دون أن ينتبه، فإذا اختلف انتبه، وهذا موجود أعني الانتباه عند التغير موجود في كل سير سواء سير ذهني أو سير حسي، لو كنت تمشي ثم وجدت حفرة في الطريق انتبهت، أو وجدت ارتفاعًا في الطريق عتبة انتبهت، أليس كذلك؟ كذلك في الكلام لو كنت على نسق واحد وأنت خطيب كانت خطبتك تأتي بالنوم، لكن إذا كانت الخطبة فيها أمر ونهي واستفهام وعرض وتحضيض صار في ذلك تنبيه، تنبيه للمخاطَب، فكذلك أيضًا في القرآن أحيانًا يعدل الله سبحانه وتعالى عن السياق الأول إلى سياق آخر جديد من أجل التنبيه، أما الفائدة الثانية فتتقيد بحسب القرائن.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: ٢٨- ٣٠].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ(لا) هنا هل هي نافية أو ناهية؟
طالب: (لا) نافية.
الشيخ: نافية؟
الطالب: ناهية.
الشيخ: ناهية؟ ما الدليل؟
الطالب: دليل الجزم أنها جزمت الفعل وقلبت الجزم سكونًا لالتقاء الساكنين.
الشيخ: قلبت الجزمة سكونًا؟!
الطالب: قلبت السكون كسرة لالتقاء الساكنين.
الشيخ: خطأ.
الطالب: قلبت السكون كسرة لالتقاء الساكنين.
الشيخ: خطأ.
الطالب: كسر الذال لالتقاء الساكنين.
الشيخ: خطأ.
طالب: حُرِّك بالكسر لالتقاء الساكنين.
الشيخ: حرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
الطالب: أقول: لا مشاحة في الاصطلاح!
الشيخ: لا لا، لا مشاحة في الغلط! لأن لَا يَتَّخِذِإذا قلنا: حرك بالكسر معناها أن الكسرة هذه ما هي كسرة إعراب، ما هي بدل عن السكون، لكن حرك لفظًا فقط لسهولة الانتقال من المتحرك إلى الساكن؛ لأن الانتقال من ساكن إلى ساكن هذا اختصار.
الطالب: وأبدلت يا شيخ، ما هي صحيحة؟
الشيخ: لا لا؛ لأن الإبدال معناه حلت محلها حقيقة وحكمًا، وهذا حكمه السكون لكنه حرك تحريكًا فقط.
قوله تعالى: أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَما الذي نصب أولياء؟
الطالب: مفعول يَتَّخِذِ.
الشيخ: الكافرين مفعول يَتَّخِذِلَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ.
الطالب: مفعول ثاني لـيَتَّخِذِ.
الشيخ: مفعول ثاني لـيَتَّخِذِإيه. قوله تعالى: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَدُونِبمعنى؟
طالب: من سوى المؤمنين.
الشيخ: من سوى المؤمنين، وأظن ما كمّلنا الآية؟
قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍمعناها؟ معنى الجملة وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ؟
الطالب: أي الذي يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين فإن الله سبحانه وتعالى غير راض عنه، فليس من أوليائه يعني.
الشيخ: نعم، ما الذي أوجب الإتيان بالفاء في قوله: فَلَيْسَ؟
الطالب: أنه جواب شرط.
الشيخ: كيف؟
الطالب: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍجواب شرط.
الشيخ: وجواب الشرط يحذف فيه الفاء؟
طالب: شيخ، اقتران الفاء بجواب الشرط.
الشيخ: واقتران الفاء بجواب الشرط لازم؟
طالب: إذا كان ليس (...).
الشيخ: يعني يجوز لو كان بيقرأ القرآن جاز حذف الفاء؟
الطالب: شيخ، جملة اسمية.
الشيخ: ما هي جملة اسمية.
الطالب: شيخ، لأن الجواب هنا جامد فوجب اقترانه بالفاء.
الشيخ: يعني مبدوء بفعل جامد، وإذا بُدئ الجواب بفعل جامد.
الطالب: يجب اقترانه بالفاء.
الشيخ: طيب هل لديك شاهد أو كلام مشهور في ذلك؟
الطالب: قال بعضهم في الجمع بين اشتراط اقتران الفاء
اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌ وَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْ وَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ

الشيخ:
اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌ وَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْ وَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ

طيب هذه من أي الأنواع السبعة؟
الطالب: الجامد، هذا الجامد.
الشيخ: جامد ليس يعني.
الطالب: نعم، فعل جامد لا يتصرف.
الشيخ: إيه، لا يتصرف، أحسنت. قال الله تعالى: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةًما معنى قوله: تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً؟
الطالب: أي: تتقوا شرهم.
الشيخ: إلا أن تقولوا شيئًا تتقوا به شرهم، الاستثناء هنا منقطع ولا متصل؟
الطالب: منقطع.
الشيخ: منقطع نعم، صح، يعني لكن إن اتقيتم منهم تقاة كالمكره على الكفر فيكفر وقلبه مطمئن بالإيمان فهذا ليس بشيء، لا يضر.
قال الله عز وجل: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةًيُقال: تقاة ويقال: تَقِيَّة، وأما (تُقية) فهي من اللحن الشائع قولهم: (تُقْية) هذا من اللحن الشائع؛ لأننا لو قلنا تُقية لوجب أن تحول إلى تُقاة بمقتضى القاعدة الصرفية المعروفة، وعلى هذا فنقول: إن الصواب تُقاة أو تَقِيَّة.
قال الله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُيُحَذِّرُكُمُفيها فعل ومفعول به، ولفظ الجلالة (الله) فاعل ونَفْسَهُمفعول ثاني يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُأي: يخوفكم من نفسه عز وجل، ويحذركم من عقابه إذا اتخذتموهم أولياء إلا في الحال التي تكون موالاتهم تقاة وليس عن قصد واختيار.
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُأي: المرجع، والجملة -كما تشاهدون- جملة اسمية قدم فيها الخبر لفائدة الحصر؛ يعني إلى الله لا إلى غيره، المصير: المرجع، وأي مرجع هذا؟ هل المراد المرجع في الآخرة، أو المرجع في جميع الأمور؟
الجواب: المرجع في جميع الأمور كما قال الله تعالى في آية أخرى: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [آل عمران: ١٠٩] فإلى الله المصير يعني بعد الانتقال من الدنيا، وإلى الله المصير المرجع في كل الأحوال وفي كل الأمور.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أولًا: تحريم اتخاذ الكفار أولياء لقوله: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.
ومن فوائدها: أن مقتضى الإيمان الحقيقي أن يتخذ الإنسان الكافرين أعداء لقوله: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَفعلّق هذا الحكم بالمؤمنين، وهو دليل على أن مقتضى إيمانهم أن لا يتخذوهم أولياء بل أن يتخذوهم عدوًّا أعداء؛ لأن هؤلاء الكفار شيعة الشيطان وأولياؤه وقد قال الله عز وجل: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [فاطر: ٦].
ومن فوائدها: أن اتخاذ الكافرين أولياء منافٍ إما للإيمان أصلًا، وإما للإيمان كمالًا؛ يعني أنه ينافي أصل الإيمان أو كمال الإيمان، لماذا؟ لأن الحكم إذا عُلّق بوصف فإنه يتبع ذلك الوصف قوة وضعفًا، فكلما كمل الإيمان كملت المعاداة وانتفت الموالاة، وإذا وُجدت الموالاة ضعف الإيمان، وإذا ضعف الإيمان أيضًا وُجدت الموالاة.
ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه يجب أن يتخذ المؤمن أولياء من المؤمنين لقوله هنا: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَوهذا لا شك هو مقتضى الإيمان قال الله تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة: ٧١] فالواجب على المؤمن أن يتخذ له أولياء من المؤمنين.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن اتخاذ الكافرين أولياء من كبائر الذنوب، وجه الدلالة: أن الله تبرأ منهم، وتعليق الحكم أو تعليق البراءة بحكم من الأحكام يدل على أنه من كبائر الذنوب، والكبائر جمع (كبيرة)، وأحسن ما قيل في تعريفها: ما رُتّبت عليه عقوبة خاصة، وذلك لأن المحرمات نوعان: إما منهي عنها أو مذكورة بلفظ التحريم ولكن ليس على فاعلها عقوبة خاصة، فهذه من الصغائر، وإما أن يُرتّب على فعلها عقوبة خاصة وحينئذٍ تكون من الكبائر، ولكن كما أن الصغائر تختلف حتى يصل بعضها إلى قريب الكبائر كذلك الكبائر تختلف، ليس قطيعة الرحم بين العم وابن أخيه كعقوق الوالدين مع أن كلا منهما من كبائر الذنوب، والمهم أن الكبائر تختلف، وكذلك الصغائر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى ولي المؤمنين، ووجهه أن الذي يتخذ الكافرين أولياء ويدع المؤمنين يتبرأ الله منه؛ لأنه ليس من المؤمنين في شيء، فلم يكن الله منه في شيء، وهذا له شاهد من القرآن مثل قوله تعالى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [المائدة: ٥٥] مثل قوله: وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران: ٦٨] مثل قوله: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢٥٧] والآيات في هذا المعنى كثيرة؛ أن الله تعالى ولي المؤمنين فيوالي من والوه ومن والاهم ويعادي من عاداهم، وقد صح في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه أن الله سبحانه وتعالى قال: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: سهولة الإٍسلام ويسره حيث رفع الحرج عن الأمة؛ وذلك بما أباح من اتخاذ التقاة عند الضرورة إليها لقوله: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً.
ومن فوائد الآية: أنه لا تجوز المداهنة لأعداء الله وإظهار الرضا بما هم عليه لقوله: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةًومعلوم أن التقاة لا تجوز إلا عند الضرورة ومع ذلك ينوي بها الإنسان أيش؟ أنها وقاية مما يخاف منهم لا رضًا بما فعلوا أو اطمئنانًا إليه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل مع كمال رحمته وشمولها ومحبته للتوبة في مقام الوعيد يذكر من الآيات أو من الكلمات الكلمات الشديدة القوية لقوله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُلأن المقام مقام يقتضي الشدة في ذلك، فإنه من أعظم الأشياء أن يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ولهذا قال: يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق النفس على الذات؛ لأن المراد نفسه أي: ذاته يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُأي: ذاته، والتعبير بالنفس أوْلى من التعبير بالذات، وإن كان التعبير بالذات هو المشهور عند العلماء، لكن التعبير بالذات عن النفس ليس من اللغة العربية الفصحى كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وإنما هو متلقى من اصطلاح عرفي، وأصله أن (ذات) تُستعمل مضافة فيقال: ذات جمال، ذات دين، ذات مال، وما أشبه ذلك، فيعبرون بالذات عن العين المتصفة بصفات، ثم سلبوها من الإضافة وعبّروا بكلمة (ذات) مجردة عن الإضافة، هذا هو الأصل في استعمال كلمة (ذات)، وإلا فإنها ليست عربية محضة.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب رد الأشياء إلى الله عز وجل لقوله: وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.
ومن فوائدها أيضًا: تكرار التحذير، وأنه إذا كان المقام يقتضي ذلك كان تكراره من أعلى أنواع البلاغة؛ لأن قوله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُهذا تحذير وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُهذا أيضًا تحذير، فإنه تهديد ووعيد لمن خالف ما حذَّر الله منه.
تفسير الآية (29)
00:36:01

ثم قال: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهقُلْالخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن لا بأس أن يقوله من يحتاج إليه وإن كان من غير الرسول عليه الصلاة والسلام. تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْوالذي في الصدور هو ما تُكنّه القلوب، وجعله في الصدور؛ لأن القلوب في الصدور كما قال الله تعالى: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦].
وقوله: إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْمن أي شيء؟ من كل شيء؛ من الخير أو من الشر أو العداوة أو الولاية أو غير ذلك، كل ما يخفيه الإنسان في صدره أو يبديه لمن؟ للناس.
قال: أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُيَعْلَمْهُبالجزم جوابًا للشرط في قوله: إِنْ تُخْفُوايعلمه الله عز وجل، وهو سبحانه وتعالى عالم به قبل أن تخلق الصدور وما فيها، ولكن يعلمه أيضًا بعد أن يقع في الصدور عِلم وقوع، وأما علمه السابق فهو علم بما سيكون، وأما بعد وقوع الشيء فهو علم بالشيء بعد كونه، فلله سبحانه وتعالى فيما يكون بالنسبة للعلم اعتباران:
الاعتبار الأول: باعتبار ما سيكون، والثاني: باعتبار ما كان، وبهذا التقرير يزول الإشكال الذي يرد على النفس ويورده كثير من الناس في مثل قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد: ٣١] فيقول: أليس الله عز وجل قد علم المجاهدين والصابرين من غيرهم في الأزل؟ والجواب: بلى، لكن علمه في الأزل علم بما سيكون، وعلمه بعد كون الشيء علم به كائنًا وفرْق بين الأمرين، هذا من وجه.
من وجه آخر: أن علمه الأزلي لا يترتب عليه عقاب ولا ثواب، وعلمه بالشيء بعد كونه هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، فيكون المعنى حَتَّى نَعْلَمَأي: علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب وإلا فالله عالم من قبل أن يبتلينا.
قال: يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ(يعلمُ) بالرفع على الاستئناف، والتقدير: وهو يعلم، ولا يجوز في مثل هذا الجزم عطفًا على يَعْلَمْهُ اللَّهُبخلاف قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُفإنه يجوز (فيغفرْ لمن يشاء) ويجوز (فيغفرَ) ثلاثة أوجه، لكن في هذه الآية لا يجوز سوى الرفع، لماذا؟ لأننا لو جعلناه بالجزم صار علم الله بما في السماوات وما في الأرض مقيدًا بقوله: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ؛ لأن المعطوف على جواب الشرط له حكم جواب الشرط، وجواب الشرط معلّق بماذا؟ بفعل الشرط، وعلى هذا فيتعين في قوله: ووَيَعْلَمُالاستئناف والرفع ولا يجوز الجزم.
وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِمَامن صيغ الموصول أو من الأسماء الموصولة، وكل اسم موصول فإنه يفيد العموم سواء كان من صيغ الجمع كـ(الذين) و(اللائي)، أو من صيغ المفرد كـ(الذي) و(التي)، أو من الصيغ المشتركة كـ(ما) و(من)، وعليه فجميع الأسماء الموصولة بأصنافها الثلاثة كلها تفيد العموم، ألم تروا إلى قول الله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر: ٣٣] وين الخبر؟ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر: ٣٣] فجعل الخبر جمعًا مع أن المبتدأ مفرد؛ لأنه مفرد لكنه عام.
هنا مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِأقول: إن مَااسم موصول تفيد العموم، فكل ما في السماوات فهو معلوم لله عز وجل، وكل ما في الأرض فهو معلوم لله عز وجل بعلمه الأزلي القديم قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [آل عمران: ٥] وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ مَقَادِير َكُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» ولا يكتب إلا ما كان معلومًا عنده عز وجل.
وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌختم الآية ببيان عموم قدرته إشارة إلى أن الله تعالى قد وسع كل شيء علمًا وقدرة، وأنه قادر على الانتقام منكم فيما إذا أخفيتم ما لا يرضيه، ولكنه لحكمته قد يؤخِّر الانتقام.
قوله: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌالصيغة عامة كما تشاهدون عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌسواء كان ذلك من أفعاله أو من أفعال العباد فهو قادر على كل شيء، وسواء شاء ذلك الشيء أم لم يشأه فهو قادر على كل شيء شاءه أم لم يشأه، وكل شيء شاءه فهو قادر عليه، فلدينا الآن عمومان: العموم الأول في القدرة فنقول: هو قادر على كل شيء سواء شاءه أم لم يشأه، والعموم الثاني: في المشيئة، فكل ما شاءه الله فهو قادر عليه كما جاء في الحديث القدسي: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» .
في هذه الآية من الفوائد؛ أولًا: وجوب إبلاغ الناس بعلم الله تعالى بما في صدورهم لقوله: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ.
ومن فوائدها أيضًا: عموم علم الله عز وجل لما أخفاه الإنسان وما أبداه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن العقل في القلب، والتدبير في القلب، والإرادة في القلب؛ لأنه قال: إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُوهذه المسألة اختلف فيها أهل الكلام، هل العقل في القلب أو في الدماغ؟ ولكن من تأمل الآيات القرآنية وجد أن العقل في القلب، بل من تأمل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ قال الله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا [الحج: ٤٦] فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦]. وهذه الآية نص صريح على أن العقل في القلب، ونص صريح على أنه ليس المراد بالعقل القوة المعنوية التي في المخ، وإنما المراد بالقلب أيش؟ القلب الحقيقي قِطعة اللحم الذي في الصدر، ولهذا قال: الَّتِي فِي الصُّدُورِوالكلام هنا كلام مَن؟ كلام الخالق عز وجل، والخالق أعلم بما خلق، ولكن الدماغ لا شك أن له تأثيرًا؛ لأن الدماغ يتصور الشيء ويرتّبه ويجهزه، ثم يرسله إلى القلب وينتظر الأوامر، ثم يصدر القلب الأوامر إلى أين؟ إلى المخ ما هو إلى العقل، العقل هو في القلب، يرسله إلى المخ، المخ خادم أمير مطيع على طول يوجّه الأوامر إلى الجنود؛ الجوارح، ولا تستغرب هذا الأمر كيف تقول بها اللحظة هذه يكون فيه أمر إصدار وإيراد؟ نقول: الله عز وجل على كل شيء قدير، فالمخّ يتصور ويصلح الأشياء، ثم يرسل إلى القلب ويقول الأمر، القلب يأمر ولَّا ينهى، ثم هذا المخ ينفّذ على طول ما يتأخر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» .
وأما ما اشتهر عند الأطباء الآن من أن القلب ماتور فقط يُصفي الدم ويرسل، يستقبل الدم الفاسد وينظّفه ويرسله إلى العروق والشرايين فهذا ليس بصحيح؛ لأننا نقول لهم: أأنتم أعلم أم الله؟ لا شك أن الله أعلم؛ لأنه الخالق، لكننا نوافقكم على أن للدماغ تأثيرًا، ولكن وجه التأثير فيه أنه بإذن الله قابل لكل ما يأمر به القلب.
طالب: شيخ، نريد السنة؟
الشيخ: السنة هذا الحديث اللي أشرنا إليه.
طالب: الذين يجلبون الخدم من الكفار، هل هذا يعتبر موالاة لهم؟
الشيخ: السؤال: الذين يجلبون الخدم من الكفار، هل يعتبر هذا موالاة لهم أم لا؟
طالب: يعتمد على صاحبه ينظر، بعض الناس.
الشيخ: الظاهر ينظر في هذا، إذا كان مقصود ذلك الاستخدام والاستذلال فهو استذلال لهم، وإذا كان المراد بذلك نفعهم؛ أن ينفعهم، فهذا لا شك أنه موالاة؛ لأنه يُعتبر مناصر لهم، فإن هذه الدراهم التي تخرج من جيوبنا لهؤلاء الكفار تؤخذ عليهم ضرائب عليها لدولهم الكافرة فتنتفع الدول بها، وبالتالي تستعين بها على ضرب المسلمين؛ فالمسألة في الحقيقة خطيرة، لكن أكثر المسلمين اليوم لا ينظرون إلى هذه المسائل هذه النظرة الفاحصة، يريدون أن يمشّوا دنياهم فقط، لكن لو أنهم فكروا في الأمر وين تروح الدراهم هذه، ثم إنك لا تأتي بكافر إلا حرمت مسلمًا بدلًا من الكافر هات مسلمًا، وليكن المسلم أقل إنتاجًا من الكافر، الأمر سهل، لكني أنفعه وأنفع عائلة من ورائه مسلمة تتلهف إلى أن تجد خبزة عيش، ولكن نسأل الله أن يهدي إخواننا إلى أن النظر في هذه الأمور.
طالب: شيخ، قوله تعالى: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُيعني الشيء اللي بيجيلي في صدري أنا محاسب به في الآية؟
الشيخ: لا، ما يدل على هذا إلا ما ركن إليه الإنسان واطمأن به.
الطالب: كيف يعني؟
الشيخ: يعني أصر عليه، عزم عليه وأراد يفعله، لكن مجرد الهم لا.
طالب: شيخ، قوله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُبعضهم يقول: إنها على حذف أن يحذركم الله من عقاب نفسه لأن الذات ما يتصور منها الخوف، يعني هل إذا قلت لشخص ترى خاف من نفسه والآن نقول: ما يتصور من نفسه إنما من أفعاله؟
الشيخ: أنا إذا قلت: أنا أحذّرك نفسك، كل يعرف أنه ليس معناه إن الواحد (...) على الثاني هذا لأن يوقفه، المعنى: يحذّركم ما في نفسه من العقاب، ولكن هذا أبلغ؛ يعني إضافة التحذير إلى النفس أبلغ من إضافته إلى الفعل، فإذا قلنا: عقاب نفسه ضعف التحذير، وإذا قلنا: نفسه صار أشد.
طالب: شيخ، قلنا: موالاة الكفار من كبائر الذنوب، فإن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة: ٥١] فهل هذا كفر أو من كبائر الذنوب؟
الشيخ: ما هو قلنا إحنا: قد يكون كفرًا وقد يكون دون ذلك.
الطالب: كيف الصورة تكون دون ذلك؟
الشيخ: يمكن أن يتولهم في أمر من الأمور الدنيوية ما هو لأجل دينهم ولا إعانة لهم على دينهم وكفرهم، فلا يكون هذا كفرًا، ما يكون كفرًا، افرض واحد ودّه يبر ها الكافر هذا، وده يبرّه ويعطيه مالًا ما يعتبر هذا كفرًا، وإن اعتبرناه ولاية فإنه لا يُخرج من الإسلام، لكن الموالاة المناصرة والمعاونة سواء عاونهم على المؤمنين، وسبق لنا أنهم إذا عاونوهم على الكفار أعداء المسلمين فلا بأس.
الطالب: شيخ، لما أعطي شخصًا مالًا تعمل مودة بيني وبينهم؟
الشيخ: لا، أبدًا ما يزعمون هذا.
الطالب: شيخ، يعني هل يمكن أن أعطيه بدون أي مودة أو أي شيء؟
الشيخ: لا، أبدًا، هذا إحسان، مجرد إحسان (...) والله قال: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ [الممتحنة: ٨].
الطالب: شيخ، بعض الناس يلبسون لبس النصارى أو اليهود، هل يعتبر هذا من الموالاة؟
الشيخ: يعني يقول: هل إذا لبست لبسة اليهود أو النصارى أو غيرهم من الكفار هل هذا موالاة؟
هو لا شك أنه تشبه هذا متفق عليه، لكن إذا قصد بذلك إعزازهم ورفع شأنهم فهو موالاة؛ لأنه قد يتشبه بهم من أجل أن يعزهم ويظهر لباسهم الخاص بهم وزيهم فيكون هذا موالاة.
الطالب: بيسوون عمليات نقل القلب يا شيخ من شخص إلى شخص ما يتأثر بالشخص الثاني بعد ما ينقل له القلب فتتغير يعني عقيدته ويتغير أفكاره
طالب آخر: يعني قلب صناعي هذا.
الشيخ: وأيشنو بها الإرادة؟ هذا أوردناه من قبل وأجبنا عليه، والإنسان الفاهم يفهم الجواب من كلامي.
طالب: (...) أقول: الذي ينتقل هو الجسد، وليس الروح، وإنما المحاسبة في القلب هي الروح الذي في القلب وليس الجسد.
الشيخ: لا، هو ما هو يقصد مسألة المحاسبة، يقول: إن أفكار الإنسان ما تتغير.
الطالب: نعم، لأنا نقول إن هذا متعلق بالروح وليس بالجسم، وهذا..
طالب آخر: شيخ، إحنا قلنا الذي يرسل الدماغ يجهز الشيء ويصوره ثم يرسله إلى القلب ثم القلب يأمر بالتنفيذ.
الشيخ: على مقتضى ما ورد إليه، فهمت؟ هذا الرجل مثلًا دماغه ما تغيرت وتصوراته ما تغيرت، والقلب يرسل ويأمر حسب ما يصل إليه من التصورات، فإذا كان هذا الرجل مستقيمًا وصالحًا صار يصل إلى القلب الذي نقل إليه الشيء الصالح أمر به، ولّا هذا يقولون: يحط أظن هذا قلب صناعي.
طالب: (...) الإيمان ما فيه مشكلة؟
الشيخ: لا، ما هو مشكلة أبدًا، ما هو مشكل؛ لأن هذا القلب له صمامات وله أشياء خلقها الله عز وجل على صفة ما يصنعونه، أو هم يصنعونها على صفة ما خلق الله فلا يُشكل.
طالب: شيخ، في قوله تعالى: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَقيدها إنه لا (...).
الشيخ: إي نعم، هذه تكلمنا عليها إن هذا لبيان أقبح الموالاة وإلا ففيه آية أخرى تدل على تحريم اتخاذهم الأولياء مطلقًا.
طالب: شيخ، هل الشيطان يعلم ما يوسوس في نفس الإنسان؟
الشيخ: وأيش تقولون؟
طلبة: هو اللي يوسوس، أصلًا هو اللي يوسوس.
الشيخ: الشيطان لا شك أنه يجس القلب يختبره؛ لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، ثم إذا رأى أن القلب قوي؛ يعني وعجز عنه، عجز عنه، مثل ما كان الشيطان يهرب من عمر بن الخطاب رضي الله عنه، «مَا سَلَكَ فَجًّا إِلَّا سَلَكَ الشَّيْطَانُ فَجًّا آخَرَ» ، وإن وجد في القلب لينًا وتهاونًا زاده من اللين والتهاون، وإن وجد فيه القوة حاول أن يزيده في الغلو والإفراط.
طالب: لكن يا شيخ، لو حدثت مثلًا نفسي بشيء هل يعلم هذا التحديث؟
الشيخ: الله أعلم، لكنه لا شك أنه يختبر القلوب.
الطالب: لكن الله سبحانه وتعالى متفرد بهذا العلم.
الشيخ: لكن قد يطلع الله غيره.

***

طالب: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢) [آل عمران: ٣٠ - ٣٢].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله عز وجل: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا.
قال الله عز وجل: قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُفي هذه الآية أيضًا رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مُجبر على عمله وليست له فيه إرادة، ووجه الرد عليهم: أن الله أضاف الفعل إلى الإنسان، فقال: إِنْ تُخْفُواأَوْ تُبْدُوهُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله محيط بكل شيء علمًا حتى ما بين جوانح الإنسان لقوله: إِنْ تُخْفُواأَوْ تُبْدُوهُيعلمه الله، فلا يخفى عليه شيء مما في نفس الإنسان، بل زد على ذلك أنه يعلم ما لم يُحدّث به الإنسان نفسه بأنه سيحدث به نفسه في الوقت والمكان المعين، واضح؟
ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من أن يُسرّ الإنسان في نفسه ما لا يرضي الله؛ لأن الله إنما أخبرنا عن علمه بذلك تحذيرًا لنا من أن نخفي في صدورنا ما لا يرضى.
ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله في قوله: وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. والآيات في العلم متنوعة، تارة تكون مجملة وتارة تكون مفصّلة، وتارة تكون فيما يتعلق بفعل الإنسان وتارة تكون فيما يتعلق بفعل الله عز وجل؛ لأن صفة العلم متى آمن بها الإنسان أوجب له ذلك أمرين:
الأمر الأول: الهروب من معصية الله، فلا يجده أي: فلا يجده الله عز وجل حيث نهاه.
والثاني: الرابح في طاعة الله، فلا يفقده حيث أمره؛ لأنه يعلم أن الله سبحانه وتعالى، يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى يعلمه.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات السماوات، وأنها جمع، وقد صرح الله في كتابه أنها سبع، فقال: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [المؤمنون: ٨٦] وأما الأرض فإنها تأتي مفردة ولم تأتِ في القرآن مجموعة، لكن جاءت في السنة مجموعة، وفي القرآن إشارة إلى أنها سبع في قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [الطلاق: ١٢] فإن المثلية هنا بالكيفية متعذّرة، وإذا تعذرت المثلية في الكيفية لزم أن تكون المثلية في العدد كما تقول: سبحان الله عدد خلقه والحمد لله مثل ذلك؛ يعني عدد خلقه.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قدرة الله عز وجل لقوله: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌوعموم هذه القدرة لقوله: عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
ومن فوائدها: إرشاد الإنسان إلى أن يتعلق بربه؛ لأنك متى علمت أن الله على كل شيء قدير فإنه لن يمنعك مانع من أن تلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى بسؤال ما تريد، لا تستبعد شيئًا، ولهذا قال الله تعالى منبِّهًا على هذا الأمر: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً [الممتحنة: ٧] ومعلوم أن العداوة بين المؤمنين والكافرين أمر ثابت، وأن الإنسان قد يستبعد أن يجعل الله في قلبه مودة لهذا الكافر بإيمانه، فقال الله تعالى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌقَدِيرٌبالنسبة لتقليب القلوب عز وجل. غَفُورٌبأن ييسّر هؤلاء الكفار إلى الإسلام فيغفر لهم، وقع هذا ولَّا ما وقع؟ وقع، وقع فإنه أسلم عام الفتح وقبل عام الفتح أُمة من الكفار وصارت العداوة في قلوب المؤمنين لهم صارت مودة.
المهم أنك متى علمت قدرة الله عز وجل فإن ذلك يوجب لك التعلق بربك سبحانه وتعالى، وأن لا تستبعد شيئًا تسأله إياه.
تفسير الآية (30)
01:04:28

ثم قال عز وجل: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًاقوله: يَوْمَظرف زمان، والقاعدة المعروفة عند أهل النحو أن الظرف والجار والمجرور لا بد له من متعلق؛ لأن الظرف والجار والمجرور شبه مفعول به، أو شبه خبر إذا وقع خبرًا، أو شبه صلة إذا وقع صلة، المهم أنه لا يستقل بنفسه لا بد له من عامل، كما قال ناظم الجمل:
لَا بُـــــدَّ لِلْجَــــارِ مِـــــنَ التَّـعَـلُّـــــــــــــقِ بِـفِعْـــــلٍ اوْ مَعْـنَـــــاهُ نَحْــــوِ مُرْتَقِــــــــــي
وَاسْتَثْــــنِ كُــــلَّ زَائِــــدٍ لَــــهُ عَمَــــلْ كَالْبَا وَمِنْ وَالْكَافِ أَيْضًا وَلَعَلْ

فكل حرف أصلي من حروف الجر لا بد له من متعلق.
قوله: يَوْمَ تَجِدإذن هي ظرف زمان ولا بد لها من متعلّق، فأين متعلقها؟ المتعلق محذوف، تقديره: اذكر يوم تجد، اذكر بالناس وذكّرهم بهذا اليوم العظيم. تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًاكُلُّ نَفْسٍوالمراد بالكلية هنا كلية النفوس المكلفة وهم الإنس والجن، فإن هؤلاء مكلفون بعبادة الله لقول الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: ٥٦] أما البهائم فإنها لا تجد ما عملت، لكن يُوفى لها الظلم إن ظُلمت كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: بأنه «يُقْتَصُّ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وأما هي فهي غير مكلفة عملها يذهب، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍإذن كُلُّ نَفْسٍمقيدة بماذا؟ مكلَّفة، كل نفس مكلفة تُؤمر وتُنهى. مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًامَاهنا اسم موصول مفعول أول، مُحْضَرًامفعول ثاني، ومِنْ خَيْرٍجار ومجرور بيان لـ(ما) في قوله: مَا عَمِلَتْ. وجملة عَمِلَتْصلة الموصول، وعائد الموصول محذوف، والتقدير: ما عملته من خير محضرًا. وقوله: مَا عَمِلَتْيشمل كل ما عملت قل أو كثر قال الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة: ٧] كل ما عملت.
وقوله: مُحْضَرًامن الذي يحضره؟ الذي يحضره الله عز وجل؛ إما بقوله وإما بملائكته تحضره الملائكة أو هو عز وجل يأمر فيحضر، وقوله: مُحْضَرًاقد يتبادر للذهن أن هذا العمل يكون جسمًا فيُحضر كما تحضر الدراهم لمن يستوفيها، وإذا كان هذا مراد الله عز وجل فليس بغريب أن تُجعل الأعمال وهي أمر معنوي تجعل أجسامًا، وهو ظاهر في القرآن الكريم بأن الأعمال تُوزن، والوزن لا يكون إلا لجسم كثيف، فتوزن الأعمال توضع في كفة الحسنات والسيئات، وليس هذا بغريب على قدرة الله سبحانه وتعالى، فها هو الموت وصف وهو زوال الحياة يُمثّل يوم القيامة بكبْشٍ ويُوقف بين الجنة والنار ويقال: يا أهل النار، يا أهل الجنة، فيطَّلعون فيُقال لهم: تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت فيُذبح ويقال: يا أهل الجنة، خُلود ولا موت، ويا أهل النار، خلود ولا موت، وحينئذٍ يزداد أهل الجنة سرورًا إلى سرورهم وأهل النار حزنًا إلى حزنهم والعياذ بالله.
وقوله: وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّالواو هذه يحتمل أن تكون استئنافية، فتكون (ما) مبتدأ، ويحتمل أن تكون عاطفة، فتكون (ما) معطوفة على (ما) الأولى يعني ما عملت من خير محضرًا وتجد ما عملت من سوء محضرًا كذلك، فعلى الأول تكون (ما) مبتدأ، وتود لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًاالجملة خبره، وعلى الثاني تكون (ما) معطوفة على ما عملت الأولى، ويكون في الكلام حذف وتقديره: وما عملت من سوء محضرًا تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا، ولكن المعنى الأول أظهر؛ لأن الأصل عدم الحذف، والاستئناف كثير وارد في اللغة العربية، وهو أيضًا أبلغ؛ لأن ما عملت من سوء قد يحضر، وقد يُقرّر به الإنسان ولا يُحضر، والكلام هنا عام، الكلام عام يشمل المؤمنين والكافرين، والمؤمن في حسابه لا يُحضر له عمله السيئ، وإنما يقرر بذنوبه يخلو به الله عز وجل فيقرّر ويقول: «عَمِلْتَ كَذَا؟ عَمِلْتَ كَذَا؟ عَمِلْتَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» .
أما الكفار فيُحضر عملهم يُحضر؛ قال الله تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا [الكهف: ٤٩] لأن سيئات الكفار ما تمحى، تُحضر ويحاسبون عليها، وبهذا يتبين أن إعراب الواو استئنافية و(ما) مبتدأ أظهر من أن تكون عاطفة و(ما) معطوفة على ما سبق، إذن مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍلا تفرح به تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًايعني زمنًا طويلًا أو مكانًا بعيدًا، تود أنها لم تعمله ولم تُذكَّر به، ولم يُحضر لها إن كانت ممن يحضر لها العمل السيئ، والود خالص المحبة، إذن تحب محبة شديدة من كل قلبها لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا.
لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًالَوْهذه كيف نعربها؟ هل نقول إنها مصدر؟
طالب: حرف امتناع لامتناع.
الشيخ: لا، ليست حرف امتناع لامتناع، هل نقول إنها مصدر أو نقول إنها زائدة؛ لأن (لو) إذا وقعت بعد (ود) تكون مصدرية كما في قوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: ٩]، يعني ودوا أن تدهنوا، وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ [البقرة: ١٠٩] أي: أن يردوكم، لكن هنا فيه إشكال وهي (أن) اللي بعدها مصدرية، ولكن يمكن الانفكاك عن هذا الإيراد بأن يقال لَوْداخلة على فعل محذوف، تقديره: لو ثبت أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا، أو لو حصل، تود لو حصل أن بينه وبينها أمدًا بعيدًا، وحينئذٍ تكون مصدرية، ويكون الفعل محذوفًا، الفعل الذي يتصل به محذوفًا والتقدير: لو حصل أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا، وإلا نقول: زائدة، والتقدير: تود أن بينها وبينه أمدًا بعيدا، وأنت لو حذفت لو في غير القرآن وقلت: (تود أن بينها) استقام الكلام، إذن لنا في إعرابها توجيهان؛ التوجيه الأول: أن تكون زائدة للتأكيد أو للتوكيد، والثاني: أن تكون مصدرية والفعل محذوف تقديره: لو حصل أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا.
وقوله: أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًاأمدًا بالنصب على أنه اسم (أن) مؤخر.
قال الله تعالى: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُكرر ذلك؛ لأن المقام يقتضيه، يقتضي التحذير، فاحذر الله عز وجل، احذر الله أن يصيبك بعقابه إذا عصيته وخالفت أمره، والأول يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُفي العمل، والثاني في الجزاء، الأول في العمل في موالاة الكفار، والثاني في الجزاء؛ لأنه ذكره بعد أن ذكر الجزاء الذي يكون يوم القيامة. ثم قال: وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِفيها قراءتان، القراءة الأولى: رَءُوفٌوالقراءة الثانية: {رَءُفٌ} بدون واو {رَءُفٌ رَحِيمٌ} و(الرؤوف) فعول من الرأفة، وهي أشد الرحمة، وأرق الرحمة؛ لأن الرأفة فيها شيء من الرق واللين أكثر من ما في الرحمة. وقوله: بِالْعِبَادجمع (عَبْد)، والمراد بهم الخلق، فهو من العبودية العامة.
استشكل بعض العلماء إتيان قوله: وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادبعد قوله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُوقال: كان مقتضى الحال أن يقال: ويحذركم الله نفسه والله شديد العقاب؛ لأن مقام التحذير يقتضي الوعيد، فأُجيب عن ذلك بأن من رأفته عز وجل بالعباد أن حذّرهم نفسه، وأخبرهم بأن الأمر عظيم؛ لأن إخبار الإنسان بحقيقة الحال لا شك أنه من الرأفة به، وإلا فليس من المناسب أن يهدد الإنسان بالتحذير ثم يقال: ولك رأفة ورحمة، ولكن قالوا: إن الرأفة بالعباد عائدة إلى أيش؟ إخبار العباد بحقيقة الأمر وتحذيرهم من مغبته، وهذا لا شك أنه وجه حسن وطيِّب.
طالب: قوله: وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَاد(...) أنها خاصة بالمؤمنين؛ لأن هذا السياق يوم القيامة فيكون الله سبحانه وتعالى رؤوف بالعباد المؤمنين يخرج من كان في قلبه ذرة.
الشيخ: لا؛ لأن إحنا قلنا: ما هو المراد الرأفة من التحذير، الرأفة بالإخبار؛ لأن الناس لو وكلوا إلى ما عندهم ضلّوا.
الطالب: جزاكم الله خيرًا بالنسبة لـ(أمدًا) ما تكون منصوبة على الظرفية ظرف زمان؟
الشيخ: لا.
الطالب: زمنًا بعيدًا.
الشيخ: لا؛ لأنها تتأثر بالعوامل، فيقال: إلى أمد بعيد، إلى أمد قريب، ويقال: أمده أمد طويل.
طالب: بالنسبة يوم تجد يعني ما عملت من سوء محضرًا، ألا يمكن أن يكون يعني يحتمل أن تحضر السجلات فيكون هذا من إحضار الأعمال؟ عندما تحضر لها سجلات وتراها أمامها يكون هذا من إحضار الأعمال.
الشيخ: يمكن، يمكن، ولهذا قلنا: فيها وجهان، ولكن الأقرب أن تكون استئنافية.
طالب: شيخ، قوله تعالى: وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ مُحْضَرًايشمل الكبائر والصغائر؟
الشيخ: إي نعم، كل شيء لم يُعف عنه.
قال ربنا عز وجل: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا.
من فوائد هذه الآية: التحذير والتذكير لهذا اليوم العظيم الذي يجد الإنسان فيه ما عمل من خير أو سوء.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب -أو على الأقل- استحباب تذكّر الإنسان لهذا اليوم؛ لأن قوله: (اذْكُر) يشمل الذكر الخبري والذكر الفكري؛ يعني التدبر في القلب.
ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت الجزاء لكل نفس، وهل هذا على عمومه؟ أو يُستثنى منه من لا يكلَّف؟ يحتمل، إن نظرنا إلى عموم اللفظ قلنا: إنه شامل وغير المكلف يُكتب له ولا يُكتب عليه، فيكون ما عمل من خير محضرًا وما عمل من سوء فهو مرفوع عنه، ويحتمل أن يراد بها النفوس التي يلحقها الجزاء عقوبة وكرامة، وهي الأنفس المكلَّفة، ولا شك أنه ليس على عمومه فيما يتعلق بالبهائم؛ فإن البهائم لا تجد هذا.
ومن فوائد الآية الكريمة: كمال قدرة الله عز وجل بإحضار ما عمله الإنسان من قليل وكثير، ومن أين يؤخذ أنه من قليل وكثير؟ من (ما) الموصولة التي تفيد العموم.
ومن فوائدها: كمال رقابته عز وجل؛ وأنه لا يفوته شيء، كل ما عمل الإنسان سوف يجده، فأنت ونفسك! انظر ماذا تقدّم لهذا اليوم من خير أو من ضده.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر الذي هو يوم الجزاء، وهو معلوم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشر يسوء صاحبه، من أين يؤخذ؟ لأن قوله: وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍعديل لقوله: مِنْ خَيْرٍوكان مقتضى المعادلة أن يقول: وما عملت من شر؛ لأنه قال: مِنْ خَيْرٍضده الشر، لكنه عبر عن الشر بعاقبة السوء؛ لأن الشر يسوء فاعله مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت: ٤٦].
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الشعور في ذلك اليوم لقوله: تَوَدُّلأن المودّة خالص المحبة، وهي فرع عن الشعور بالشيء.
ومن فوائد الآية الكريمة: كراهة المسيء لما عمله في ذلك اليوم، وأنه يحب أن يكون بينه وبينها ما بين المشرق والمغرب لقوله: تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًاوهكذا يود الإنسان أن يكون بينه وبين عمله السيئ الأمد البعيد، وبينه وبين قرين السوء الأمد البعيد، قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) [الزخرف: ٣٦ - ٣٨] في الدنيا هم أصدقاء لكن في الآخرة أعداء.
ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله بعباده بتحذيرهم نفسه لئلّا يقعوا في عقوبته ونقمته لقوله: وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي استعمال الأسلوب المناسب للحال، فالله عز وجل قال في هذه الآية: يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُوفي آيات كثيرة يتحبب إلى عباده عز وجل ويتودد إليهم؛ لأن هذا المقام الذي نحن فيه مقام أيش؟ تحذير وتهديد، ومقام التحذير والتهديد ينبغي أن يؤتى فيه بالأساليب المناسبة، ولهذا يقال: إن غاية البلاغة صيغة الكلام مطابقًا لمقتضى الحال، هذه غاية البلاغة أن يُصاغ الكلام مطابقًا لمقتضى الحال؛ لأنه لو صيغها غير مطابق لعُدّ عِيًّا، لو جاء صدوق لك وقال: إن فلانًا قدم، والله إنه قدم، والله إنه قدم، والله الذي لا إله إلا هو إنه قدم، وأيش يكون هذا بلاغة ولَّا غير بلاغة؟ غير بلاغة، لأنك تقول له: اوقف يا أخي، أنا ما حلفتك، إلى الآن ما قلت لك إنك كاذب حتى تحلف! فالإتيان بالكلام مطابقًا لمقتضى الحال لا شك أنه غاية البلاغة كما في هذه الآية.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرأفة لله عز وجل، بل إثبات الاسم والصفة في قوله: رَءُوفٌوالرأفة أشد الرحمة وأرقها، وتأمل قوله تعالى عن نفسه: وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِوقوله عن نبيه: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] فإن رأفة الله عامة، أما رأفة النبي صلى الله عليه وسلم فهي خاصة بالمؤمنين، الكفار والمنافقون لا يرأف بهم يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التوبة: ٧٣] هذه وصية الله لنبيه في الكفار والمنافقين، وفي جلد الزاني قال الله تعالى: وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّه [النور: ٢] لكن الرب عز وجل رؤوف بالعباد يسعهم حلمه ورحمته وعافيته ورزقه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعرف قدر نفسه بالنسبة إلى ربه، فما نسبته إلى ربه؟ أنه عبد، وأن الرب رب، والعبد يجب أن يكون منقادًا لأمر أيش؟ لأمر ربه، وأن يكون ذليلًا له سبحانه وتعالى، شرعًا كما أنه ذليل له قدرًا، كل الناس أذلة لله قدرًا ما يستطيعون أن يخالفوا قدره، أكبر واحد في الدنيا وأشدهم عتوًّا يمرض ويموت، وهذا خضوع لأيش؟ للربوبية القدريّة، لكن من ليس بمؤمن ليس بخاضع للربوبية الشرعية وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ.
تفسير الآية (31)
01:29:47

ثم قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران: ٣١] هذه الآية يسميها بعض السلف آية المحنة؛ يعني آية الاختبار والامتحان، وذلك أن قومًا ادَّعوا أنهم يحبون الله، فأمر الله نبيه أن يتحداهم بهذا الميزان؛ وهو إن كانوا صادقين فليتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم سواء كانوا من اليهود أو من النصارى أو من المنافقين، المهم أي واحد يدعي أنه يحب الله فهذا الميزان وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨] إذا كانوا صادقين فليتبعوا الرسول، أما مجرد دعوى:

فَكُـــــلٌّ يَدَّعِــــي وَصْــــلًا لِلَيْلَــــــــــــــــــــــــى وَلَيْلَــــى لَا تُقِــــرُّ لَهُــــمْ بِــــــــــــــــــــــــــــذَاكَ

كل يدعي أنه يحب الله؛ لأن الدعوى سهلة، لكن الكلام على البينة، البينة على المدعي، إذا كانوا يحبون الله حقًّا فليتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم لينالوا ما هو أعظم من دعواهم وهو محبة الله لهم، ولهذا قال: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهفالشأن ليس أن تُحِبّ، الشأن أن تُحَبّ هذه هي الثمرة، أما أن تُحِب ولا تُحَب فهذا عداء، انظروا إلى بريرة ومغيث؛ بريرة تبغض مغيثًا ومغيث يحبها، عُذِّب بحبها ولَّا لا؟ نعم عُذِّب لما عتقت خيَّرها النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اخْتَارِي نَفْسَكِ»، قالت: والله ما أبغي الرجل، زوجها، لكن أعتقته، فطلبت الخيار لنفسها والشرع يمكّنها من ذلك، فكان زوجها يبكي وراءها في السوق في أزقة المدينة يطلب أن لا تختار، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: اشفع لي يا رسول الله عندها، فكلمها النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ارْجِعِي إِلَى مُغِيثٍ»، قالت: يا رسول الله، إن كنت تأمرني فسمعًا وطاعة - لله درُّها - وإن كنت تشير عليَّ فلا حاجة لي فيه .