تفسير الآيات (38-41)
ومن فوائد الآية الكريمة: تسمية
المولود حين يولد؛ لقولها: وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ [آل عمران: 36]، وهذا هو السُّنَّة أن يسمَّى الإنسان حين يولد
إلا إذا لم يتهيأ الاسم فإنه يسمى في اليوم السابع، وبهذا تجتمع الأدلة؛ فإن النبي
صلى الله عليه وسلم لما ولد إبراهيم قال: «وُلِدَ لِيَ
اللَّيْلَةَ وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ» ،
وفي حديث العقيقة قال: «تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ
وَيُسَمَّى» ،
فيكون الجمع بين هذا وهذا أن من كان مهيئًا للاسم من قبل الولادة فالأفضل أن يسميه
حال الولادة، ومن لم يهيئ فالأفضل أن يؤجله إلى اليوم السابع.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التسمية تعود للأم.
طالب: لا.
الشيخ: لأيش؟
طالب: لأن هنا ليس (...).
الشيخ: هي ما قالت: وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ؟
طالب: ليس له أب.
الشيخ: كيف ما له أب، هذا له أب، فيه احتمال، لكن أقرب شيء أن يقال: إن في هذا دليلًا على جواز تصرف الفضول، أي أن الإنسان يتصرف في حق غيره فينفذ إذا وافق عليه الغير، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: أنتم عرفتم تصرف الفضول، مثلًا رجل باع ساعة رجل بدون إذنه فأجازه صاحب الساعة ووافق على البيع، نقول: هذا البيع صحيح؛ لأنه أجازه، فهنا يحتمل أن الاتفاق كان جاريًا بين الأم والأب في التسمية، أو أن الأم رأت أن الأب لا يعارض فسمّت، وإلا فالأصل أن التسمية تكون للأب؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وُلِدَ لِي وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ» ، ولكن الأفضل أن لا يتنازع الأبوان في تسمية الولد، وأن يكون الاتفاق بينهما، أحيانًا تصر الأم أن يسمى ولدها بفلان أو ابنتها بفلانة، وأحيانًا يصر الأب على عكس ذلك، والذي ينبغي أن لا يكون هذا موضع نزاع بينهما، وأن يتفقا على الاسم، فإذا اختلفا يُرجع إلى أفضل الأسماء، لو قالت الأم: أنا أريد أن يسمى ابني على اسم جده واسم جده ناصر، وقال الأب: أنا أحب أن يسمى بعبد الله، فالحق للأب وأيضًا جانبه أرجح؛ لأن «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» ولكن عند النزاع وعدم المرجِّح من حيث التسمية لا شك أن الحق للأب.
ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية إعاذة الإنسان أبناءه بالله عز وجل من الشيطان الرجيم ومن شر الخلق؛ لقولها: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: جواز الدعاء للمعدوم، من أين يؤخذ؟ من قوله: وَذُرِّيَّتَهَا؛ لأن ذريتها لم تأت بعد، فهي امرأة صغيرة طفلة، لكن يجوز أن يقال: أصلحك الله وذريتك، غفر الله لك ولذريتك، وما أشبه ذلك.
هل يقال: إن في هذه الآية كرامة لامرأة عمران؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: نعم، كيف؟
الطلبة: (...).
الشيخ: لا غير هذا، من قوله: وَذُرِّيَّتَهَا؛ فإنها توقعت أن يكون لها ذرية، فصار لها ذرية، توقعت أن يكون لها ذرية فصار لها ذرية وهو عيسى عليه الصلاة والسلام، وإلا فقد يقال: كيف تقول: وَذُرِّيَّتَهَا؟ هل هي على علم بأن هذه الطفلة ستبقى وسيكون لها أولاد؟ ليست على علم بلا شك، لكن كونها تقول هكذا جازمة بذلك فيأتي الأمر فيقع على حسب ما توقعت هذا نوع من الكرامات.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان عدو لبني آدم، حيث يطلب الإنسان من الله عز وجل أن يعيذه منه.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى على كل شيء، ومن ذلك الإجارة من الشيطان، وإلا لكان الاستعاذة به من الشيطان عبثًا.
ثم قال الله عز وجل: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًاإلى آخره، من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل سميع قريب مجيب؛ لأنها دعت فسمعها الله، ولأنها دعت فأجابها الله، وفي القرآن الكريم: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦].
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الملاحدة الذين ينكرون وجود الرب، وجهه؟
طالب: (...) الرد على الملاحدة.
الشيخ: وأيش لون الرد على الملاحدة وأين الملاحدة؟
الطالب: قولها إنك..
الشيخ: لكن من ذكر الرد على الملاحدة؟
الطالب: أنت الذي ذكرت.
الشيخ: أنا؟
الطالب: وجه الرد على الملاحدة لأنهم ينكرون وجود الله، فقالت: إنك سميع الدعاء، فلا يسمع الدعاء إلا موجود.
الشيخ: أنا قلت هكذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أنا قلت فيه الرد على الملاحدة لقوله: إن ربي سميع الدعاء؟
الطالب: قلت لنا: فيه رد على الملاحدة الذين ينكرون وجود الله ما قلت (...).
الشيخ: طيب، من أين يؤخذ هذا؟
الطالب: قولها إنك أنت سميع الدعاء.
الشيخ: ما.. هذا سبق فين؟
الطالب: ما قلت (...).
الشيخ: لكن من أين؟ ها الآن أقول.
الطالب: نأخذ (...) قولها: إنك أنت سميع الدعاء.
الشيخ: ما ذكرت فيما قالت: سَمِيعُ الدُّعَاءِ، فيه: إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
الطالب: إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
الشيخ: سبق هذا في درس مضى وأخذنا فوائده.
الطالب: إي نعم نأخذ من قولها: إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
الشيخ: لا إله إلا الله.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم؟
الطالب: من قوله: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا.
الشيخ: من قوله: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ؛ لأنها لما دعت قال: فَتَقَبَّلَهَا، والفاء هذه عاطفة تدل على السببية وعلى الترتيب والفورية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل منَّ على هذه الطفلة بشيئين: بالقبول الحسن، والنبات الحسن، فصار في ذلك تنمية لأخلاقها ولجسمها وبدنها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن تطور الإنسان في حياته بأمر الله؛ لقوله: أَنْبَتَهَا، وما الغذاء والعناية بالطفل إلا سبب، والله تعالى هو المسبب وهو المكوِّن للإنسان والمنبت له.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد ييسر للإنسان من يكفله من أهل الخير فيكون ذلك من أسباب إعاذته من الشيطان الرجيم؛ لقوله: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا.
ومن فوائدها أيضًا: إثبات الحضانة للطفل، الدليل؟ قوله: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا، هل يؤخذ من ذلك أن الكفالة تكون للأب دون الأم؟ الجواب: ليس بظاهر؛ لأنه قد يراد بالكفالة هنا كفالة التأديب والتربية وإيجاد النفقة دون القيام عليه بالحَضن، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأم طفل: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تُنْكَحِي» .
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الطفلة صارت من العابدات القانتات؛ لقوله: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد ييسر للإنسان من الرزق ما لا يكون في حسبانه؛ لقوله: قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن لكل ضَعف لطفًا، فهذه المرأة الضعيفة التي منّ الله عليها بالاشتغال بالعبادة يسر الله لها من يأتيها بالرزق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأشياء تضاف إلى الله وإن كان لها سبب؛ لقوله: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وإضافة الأشياء إلى أسبابها ليست إلا مجرد إضافة مسبَّب إلى سببه لا إلى موجِده، وإلا فإن الموجِد هو الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء لا يعلمون الغيب؛ لقوله: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا.
ومن فوائدها: إثبات أن الله عز وجل يرزق في غير مكافأة ولا انتظار لمكافأة؛ لقولها: إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
ثم قال الله عز وجل: هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ [آل عمران: 38]، وهذا مبتدأ الدرس.
هُنَالِكَهذه اسم إشارة إلى المكان، واللام يقولون: إنها للبعد، والكاف حرف خطاب، يعني: في ذلك الزمن، والإشارة هنا يحتمل أن تكون للزمن، أي في ذلك الزمان، أو في المكان الذي هو محراب مريم. هُنَالِكَأي: في ذلك المكان وفي ذلك الزمان. دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ، وزَكَرِيَّافيها قراءتان: المد والقصر؛ زَكَرِيَّاءُ رَبَّهُهذا مد، زَكَرِيَّا رَبَّهُهذا القصر.
قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، هَبْ لِي: أعطني، والهبة هي التبرع بالشيء بلا عوض، لكن قال العلماء: إن هناك هبة وهدية وصدقة، كم؟ ثلاثة أشياء، فالصدقة: ما أريد به ثواب الآخرة، والهدية: ما أريد به التودد والتقرب بين المهدِي والمهدَى إليه، والهبة: ما قُصِد به مجرد انتفاع الموهوب له، وهنا قَالَ رَبِّ هَبْ لِيأي: أعطني عطاء بلا ثمن.
مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، مِنْ لَدُنْكَ: من عندك، وأضافه إلى عندية الله عز وجل ليكون أبلغ وأعظم؛ لأن هدية الكريم أكرم. وقوله: ذُرِّيَّةًبمعنى: مذروءة أي: مخلوقة، وقوله: طَيِّبَةًأي: طيبة في أقوالها وأفعالها وكذلك في أجسامها، فهو متناول للطيب الحسي والطيب المعنوي.
إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِأي: مجيبه، والدعاء هو سؤال العبد ربه حاجته إما بجلب منفعة وإما بدفع مضرة.
قال: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وفي قراءة: {فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ}، فأما على قراءة الجمع: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُفالتأنيث في الفعل ظاهر؛ لأن الْمَلَائِكَةُجمع وكل جمع يجوز تأنيث فعله، كل جمع إلا جمع المذكر السالم فإنه لا يؤنث إلا نادرًا جدًّا، فمثال التأنيث في الجمع ولو للمذكر قوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ [البقرة: ٢٥٣]، فالرسل هنا مؤنث، ما الدليل؟ الإشارة بالتأنيث، بصيغة التأنيث، وقال تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا [الحجرات: ١٤] قالت الأعراب، ولم يقل: قال الأعراب؛ لأنه جمع، وأما جمع المؤنث السالم فيجب تأنيثه، وجمع المذكر السالم يجب تذكيره، ولهذا قال ابن مالك رحمه الله:
المعنى أن التاء مع الجمع كالتاء مع إحدى اللبِن، ما هي إحدى اللبن؟ لبنة، فلبنة مؤنث لكن تأنيثها مجازي، فيجوز في فعلها التذكير والتأنيث، فتقول: انكسرت اللبنة، وانكسر اللبنة، وظاهر كلامه حتى جمع المؤنث السالم لا يجب تأنيثه، والصحيح أنه يجب تأنيث المؤنث السالم، فالسالم من مذكر أو مؤنث حسب (...)، المذكر يجب تذكيره والمؤنث يجب تأنيثه، وما عدا ذلك من الجموع يجوز فيه التذكير والتأنيث.
فهنا نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُليس في تأنيث الفعل إشكال، لماذا؟ لأنه جمع؛ لأن الفاعل جمع، لكن على قراءة: {فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ}، هل فيه إشكال؟ نقول: لا إشكال فيه أيضًا، لا إشكال فيه، لماذا؟ لأن الملائكة جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث، فتقول: قام الرجال وقامت الرجال، ويمكن أن يراد بالملائكة واحد وهو جبريل ناداه، وعبّر عنه بالجمع باعتبار الجنس؛ لأنه واحد منهم.
نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ، جملة وَهُوَ قَائِمٌفي محل نصب على الحال، الحال من الضمير الهاء في قوله: نَادَتْهُ، وقوله: قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ، (المحراب) مكان الصلاة أو مكان العبادة، وسمي بذلك لأنه مكان حرب الشياطين؛ فإن العبادة حرب للشياطين، وليس المراد بالمحراب طاق القبلة كما يظنه بعض الناس فيفسر الآية به، ويقول: إن هذه المحاريب موجودة من قديم الزمان، ألا تسمع إلى قوله تعالى: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ، وإلى قوله تعالى: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ، ولكن هذا ليس بصحيح.
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ، أَنَّقراءة بالفتح وقراءة بالكسر، فأما على قراءة الكسر {إِنَّ اللَّهَ}؛ فلأن النداء قول، ومقول القول إذا صُدِّر بـ (إنّ) يجب فيه كسر (إن)، كقوله تعالى: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مريم: ٣٠] ولا يجوز أن تقول: قال: أني عبد الله، كذا؟ طيب. وأما على قراءة الفتح فهي على تقدير حرف الجر: فنادته الملائكة بأن الله يبشرك، أي: ببشرى، بشرى الله تعالى بهذا الابن يحيى.
وَأيضًا في قوله: يُبَشِّرُكَقراءتان {يَبْشُرُكَ} ويُبَشِّرُكَ، وكلاهما سبعيتان، فصار في هذه الآية في ثلاث كلمات منها كل كلمة فيها قراءتان:فَنَادَتْهُ، {فَنَادَاهُ}، أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ، {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ}، {إِنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ}، {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ}، نعم، والبَشارة الإخبار بما يسُرّ، وسميت بذلك لتأثر البشرة بالخبر؛ لأن الإنسان إذا بُشِّر بما يسره يفرح ويظهر ذلك على وجهه، ألم تر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل مُجَزِّزٌ المدلجي على أسامة بن زيد وزيد بن حارثة وعليهما كساء لم يَبْدُ منه إلا أقدامهما، فنظر إلى أقدامهما وقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فدخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة تبرق أسارير وجهه ، تأثر، بماذا؟ بالخبر السارّ، طيب، إذا قال قائل: إن قلتم هكذا فاجعلوا الإخبار بما يسوء بُشرى؛ لأن البشرة تتأثر بذلك، الرجل إذا أخبرته بما يسوؤه التفع وجهه وتغيّر فسمِّها بشرى؟ فما الجواب؟ نقول: هذا قد يطلق عليه، أي الخبر بما يسوء قد يطلق عليه بشارة، ومنه قوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١]، بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء: ١٣٨]؛ لأن هذا يؤثر في البشرة.
طالب: شيخ، ما (...) مريم (...) بأنها نذرتها ثم (...)؟
الشيخ: مريم يعني أن أباها مات قبل أن تولد؟
الطالب: أيوه لأنها نذرتها ولم (...).
الشيخ: والله ما هو ببعيد.
الطالب: بعدين سمتها.
الشيخ: وأيضًا كفلها زكريا، إي نعم، فهذا جيد أن والدها كان غير موجود، نعم، لا يؤخذ منها، وحينئذ يزول الإشكال.
طالب: مريم كم عمرها كان؟
الشيخ: عمرها متى؟
الطالب: (...).
الشيخ: والله لا بد يمكن المؤرخون يذكرون ذلك، ولكن الظاهر أنها كبيرة شابة؛ لأنها حملته فانتبذت به مكانًا قصيًّا.
الطالب: متوسطة العمر.
الشيخ: الله أعلم، لكنها لا شك أنها كبيرة نشيطة، لا وصلت إلى حد الكبر ولا إلى الصغر الذي لا تستطيع الحمل.
طالب: شيخ، (...)، أقول إذا ذكرتم بأن الاسم إذا كان مهيأ فإنه حين الولادة، وإذا لم يكن مهيأ ففي اليوم السابع، وأحسن الله إليكم فإذا تهيأ بعد الولادة بيوم أو يومين فهل يسمى في الحال ولّا..؟
الشيخ: لا، الأحسن يؤجل.
الطالب: إلى حين السابع؟
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة للقراءات يعني هل يجوز يخلط بين قراءتين في آن واحد، في وقت واحد يعني؟
الشيخ: إن كان هذا على سبيل التعليم فلا شك أنه جائز، على سبيل التعليم، وإن كان على سبيل القراءة فمن العلماء من أجاز ذلك ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنهم من لم يجز وقال: إذا قرأت على قراءة واحد من القراء فاستمِر عليه، لكن الذي يظهر أن القرآن شيء واحد، وأنه يجوز أن تقرأ بقراءة واحد، والحرف الثاني بقراءة آخر.
الطالب: يعنى في وقت واحد؟
الشيخ: إي ما فيه بأس، نعم؟ لا قصدك فيه يعني بمعنى أنك تردد الكلمة مرتين؟
الطالب: لا لا، يعني يقرأ..
الشيخ: مثلًا تقرأ {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ} و{أَنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ} كذا؟
الطالب: لا لا، يعني يقرأ الآية بقراءة مثلًا حفص والآية الثانية بقراءة قارئ آخر الآية التي تليها.
الشيخ: في نفس الوقت أو التي تليها الآية الثانية؟
طالب: الآية التي تليها.
الشيخ: لا بأس، هذه اللي فيها الخلاف، هذا هو اللي فيه الخلاف.
طالب: شيخ ما يمكن يستدل بقوله سبحانه تعالى: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّابأن هذه الآية مؤيدة لقصة تنازع جعفر وعلي بن أبي طالب.
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: لما تنازعوا في ابنة.. فأيد الرسول صلى الله عليه وسلم أعطاها جعفر لأن خالتها (...)، وخالة مريم تحت زكريا؟
الشيخ: بس هل في هذا نزاع؟ ما نعرف هل في هذا نزاع أو لا.
الطالب: يمكن يعني..
الشيخ: ما نقدر نقول فيه نزاع وهو ما ذُكِر في القصة، والظاهر كما ذكر الأخ أن أباها كان توفي، أبو مريم الظاهر أنه توفي ولعله توفي قبل أن تولَد، بدليل أن مريم تصرفت فيها وسمتها.
الطالب: ما يكون تأييد.
الشيخ: تأييد لأيش؟
الطالب: للنبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: لا ما فيه تأييد، ما فيه نزاع، من نازع زكريا.
الطالب: بالنسبة لحفظه، بالنسبة مثلًا أنه تكون الحضانة أو تكون كفالة لزوج الخالة.
الشيخ: أصلًا الأب ما هو موجود.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: وأمها موجودة، وهي عند أمها.
الشيخ: قال الله تعالى: يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىهذا المبَشَّر به، وعندنا (بشارة) كما أسلفنا و(مُبَشِّر) و (مُبَشَّر به) و(مُبَشَّر)، كم هذه؟
الطلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة، كلها تضمنها قوله: يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى، ويحيى قيل إنه من الحياة، وأن الله سماه بذلك إشارة إلى أنه سيحيى ويبقى، وعلى هذا فهو ممنوع من الصرف للعلَمية ووزن الفعل، والعلَمية ووزن الفعل علّتان توجبان المنع من الصرف، وقيل: بل هو اسم أعجمي، والأسماء الأعجمية ليست بمشتقة؛ لأنها غير عربية، وعلى هذا فالمانع له من الصرف العلَمية والعُجمة؛ لأن العلمية والعجمة علتان مانعتان من الصرف، وموانع الصرف نذكرها الآن استطرادًا، تسعة، مجموعة في البيت، أنت؟
طالب: لا أحفظه.
الشيخ: لا تحفظ البيت، نعم؟
طالب:
الشيخ: أحسنت.
طالب: (...).
الشيخ: ما هو؟
طالب:
الشيخ: إي، طيب.
طالب: أسمعنا.
الشيخ: نعم، سمّع.
الطالب: جَمْعٌ وَعَدْلٌ زَادَ وَزْنٌ وَصِفَهْ
الشيخ: اصبر، لكن نبغي نسمّعكم بشرط أن تحفظوه، يلّا.
الطالب: أقولها من الأول.
الشيخ: إي.
الطالب:
طالب: على ما (...) أحسن.
الشيخ: سمعتم؟
الطلبة: (...).
الشيخ: نيجي بالدور الثاني إن شاء الله، البيت الأول من حفظه معروف مشهور:
هذه تسعة ثلاثة منها لا تحتاج إلا إلى علة واحدة، وثلاث منها تحتاج إلى علتين إحداهما العلَمية مع علة الأخرى، وثلاثة تحتاج إلى علتين إحداهما العلَمية أو الوصفية مع علة أخرى، فهذه العلل التسعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يكفي فيها علة واحدة، وقسم علتان إحداهما العلَمية، وقسم علتان إحداهما العلَمية أو الوصفية، الذي معنا فيها العلَمية والعجمة، وهذه لا تأتي بها الوصفية، العجمة ما تأتي بها الوصفية، العلمية ووزن الفعل تأتي فيها الوصفية ولّا لا؟ تأتي؛ لأن الوصفية ووزن الفعل علتان مانعتان من الصرف، والعلَمية ووزن الفعل علتان مانعتان من الصرف.
طيب، يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا، مُصَدِّقًاحال من يَحْيَى، بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِهو عيسى ابن مريم، يعني مصدقًا بعيسى؛ لأن عيسى كلمة من الله أو كلمة الله، وسمي بذلك لأنه كان بكلمة الله، لم يكن من أب كما يكون البشر، بل كان بكلمة الله عز وجل، قال الله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ [آل عمران: ٥٩] أي: آدم، مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩]، ولهذا سُمِّي عيسى بالكلمة، بكلمة الله؛ لأنه كان بكلمته وليس هو كلمة الله، لماذا؟ لأن كلمة الله وصف لله عز وجل، فالكلام وصف للموصوف، ولا يمكن أن يكون وصف الله عينًا بائنة منه، بل هو يعني يتعين أن يكون معنى كونه كلمة أنه كان أيش؟ بكلمة الله مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ.
وقوله: مِنَ اللَّهِبيان لابتداء الأمر وليست للتبعيض، فالكلمة ليست هنا بعضًا من الله، بل منشؤها منه، فـ(من) للابتداء؛ لأن منشأ الكلمة من الله؛ لأنه هو الذي تكلم، وَسَيِّدًامعطوفة على مُصَدِّقًافتكون منصوبة على أيش؟ على الحال، تكون منصوبة على الحال، سَيِّدًامَن السيد؟ السيد مَن ساد غيره وشرُف عليه بالعلم والدين والخلق والمعاملة، وقولنا (الخلق) يشمل كل خلق يسود به الإنسان غيره من الجود والشجاعة والإيثار وغير ذلك، المهم أن السيد من ساد غيره في الكمالات، يعني فضل عليه وزاد عليه، فيكون جامعًا لصفات الكمال الممكنة في المخلوق، وكذلك أيضا قال في وصفه: وَحَصُورًامعطوفة على مُصَدِّقًافهي منصوبة على الحال، حَصُورًافَعُول بمعنى فاعل، أي حاصرًا نفسه عن أراذل الأخلاق، فيكون هذا المبشَّر به موصوفًا بصفات الكمال الدال عليها قوله أيش؟ سَيِّدًامبرأً من النقص وسوء الأخلاق الدال عليه حَصُورًا، فيكون جمع له بين النفي والإثبات، وذلك لأن الإنسان لا يكمل إلا بوجود صفات الكمال وانتفاء صفات النقص، ولاحظوا أيها الإخوة أن صفات الكمال والنقص هنا لا نعني بها النقص المطلق والكمال المطلق، هذا لا يكون إلا لمن؟ لله، لكنه أمر نسبي، قد يكون الإنسان عنده كمال في الصفات لكن عنده سوء من جهة أخرى، هذا ناقص، وقد يكون عنده سوء ونقص في الكمال فيكون هذا أنقص، وقد يكون عنده كمال في الكمال وتنَزّه عن النقص وهذا هو أيش؟ الكمال كما وُصِف به يحيى عليه الصلاة والسلام.
وأما من قال من المفسرين: إن الحصور الممنوع عن إتيان النساء، يعني ما يقدر على النساء، فإن في هذا نظرًا، نظرًا واضحًا؛ لأن عدم قدرة الإنسان على النساء ليس كمالًا، إذ إن ذلك ليس منه بتخلق ولكنه عيب ولّا لا؟ عيب، نعم فيها قول آخر: أنه لا يأتي من النساء مَن لا تحل له، فيكون وصفًا له بماذا؟ بكمال العفة، هذا يُمدح عليه الإنسان، هذا يمدح، لكن ما قلنا أشمل من هذا القول، أشمل، ومعلوم أنه إذا وُجِد معنى أشمل فهو مقدم على المعنى الأقل؛ لأن الأقل داخل في الأشمل، ولا عكس، المهم أن (الحصور) هو الذي منع نفسه عن مساوئ الأخلاق وأراذلها، فيكون في الآية وصف له بكمال الأخلاق وانتفاء المساوئ، وهذا غاية الكمال.
وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَهذه معطوفة أيضًا على مُصَدِّقًا، فهو مصدق ونبي، ولا يلزم من تصديقه بعيسى أن يكون تابعًا له، فها هو محمد صلى الله عليه وسلم مصدق لجميع الأنبياء، وهو تابع لهم؟ لا، هم يتبعونه ولا يتبعهم، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» ، ولهذا صار إمامًا لهم ليلة المعراج، ولهذا إذا نزل عيسى في آخر الزمان يحكم بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام، المهم أن تصديقه لعيسى ابن مريم لا ينافي أن يكون نبيًّا، فهو نبي مصدِّق بالأنبياء، ولهذا قال: وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ، مِنَ الصَّالِحِينَأي: من جملتهم، وإنما قلنا ذلك؛ لأن النبوة وصف أعلى من الصلاح، لكن هو في جملة الصالحين، النبوة صلاح وزيادة، والدليل على ذلك قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: ٦٩]، فالصالحون في المرتبة الرابعة، كل من قبلهم داخل فيهم، ولّا لا؟ فكل نبي صالح ولا عكس، كل صدِّيق صالح ولا عكس، كل شهيد صالح ولا عكس، كذا؟ كل صالح صالح، صحيح كل صالح فهو صالح.
طالب: ولا عكس.
الشيخ: ولا عكس أيش؟
الطلبة: (...).
الشيخ: العكس ما هم؟ يعني كل فاسد فاسد ولا أيش؟
طالب: عكس كل صالح صالح.
الشيخ: إي نعم، على كل حال قوله: مِنَ الصَّالِحِينَأي من جملتهم؛ لأن النبي أَخَذ بوصف النبوة والصلاح فهو من جملتهم.
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ، قال لما بَشَّره الله عز وجل: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَيعني: كيف، يقول ذلك ليس استبعادًا ولا استنكارًا ولكن تثبتًا، وإلا فإنّا نعلم أن زكريا عليه الصلاة والسلام قد آمن بما بشّره الله به ولا يمكن أن يستبعدها، ولكنه قال ذلك من أجل أيش؟ التثبت، والإنسان بشر ناقص في الإدراك والعلم يحتاج إلى شيء يثبّت له الأمور، إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا شك أنه يؤمن إيمانًا كاملًا لا شك معه بأن الله يحيي الموتى، ومع ذلك قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠]؛ لأنه ليس الخبر كالمعاينة، إذا أخبرك إنسان بخبر مهما بلغ في الصدق لن يكون خبره عندك مثل المعاينة، فزكريا عليه الصلاة والسلام سأل الله: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُبقصد أيش؟ التثبت وتثبيت هذا الأمر لا استبعادًا لقدرة الله عز وجل ولا شكًّا في خبره عز وجل، بل هو مؤمن بذلك ومؤمن بقدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون لا سيما وأنه كان قد رأى عند مريم الرزق فقال: أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ، قال: غُلَامٌمع أنه لم يولد بعد، لكن هذا باعتبار ما سيكون، والتعبير بما سيكون أمر سائغ في اللغة وارد في القرآن قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا [يوسف: ٣٦]، يعني أعصر عنبًا يكون خمرًا؛ لأن الخمر ما هو بيُعصر، اللي يُعصر العنب وعصيره يتحول إلى خمر، فعبّر عن الشيء بما يؤول إليه، طيب هنا أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ، كيف يكون غلام وهو ما بعد وُلِد؟ نقول: باعتبار ما سيكون.
ثم قال: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُالواو هذه يسميها العلماء: واو الحال، يعني أنها تدل على أن الجملة التي بعدها في موضع نصب على الحال، يعني والحال أنه قد بلغني الكبر، حال من أين؟ من الياء في قوله؟
طالب: (...).
الشيخ: لا يا أخي، هي حال من الياء في قوله: لِي، أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ، فهي في موضع نصب على الحال من الياء في قوله: لِي.
بَلَغَنِيَ الْكِبَرُيعني: وصل إليّ الكبر، والحقيقة أنه قد يتراءى للإنسان أن في المعنى قلبًا، هل الكبر بلغك أو أنت بلغت الكبر؟ أو يجوز هذا وهذا؟ قال الله تعالى: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [مريم: ٨]، فصار هو الذي بلغ الكبر، وهنا يقول: قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ، إذن فالتعبير صحيح في هذا وهذا، فأنت إن بلغت الكبر فقد بلغك الكبر، وإذا بلغك الكبر فقد بلغت، وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُيعني: أصابني، وعادة أن الكبير إذا لم يولَد له في حال في سن الشباب فإنه لن يرى الأولاد؛ لأن الإنجاب والإخصاب إنما يكون في حال الشباب، وكلما تقدمت السن بالإنسان من رجل أو امرأة قلّ إنجابه، فيقول: كيف لما كنت شابًّا لا يأتيني ولد والآن بيأتيني الولد؟ أيضًا المرأة، امرأته عاقر، عاقر يعني لا تحمل، وعاقر لفظه مذكر لكن معناه هنا مؤنث، ويطلق على الذكر والأنثى، يقال: رجل عاقر، وامرأة عاقر، وهو الذي لا يولد له، فالآن كل من الزوجين يعني ليسَا بصدد الولادة، ولكن الله على كل شيء قدير، إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن فيكون، ولهذا قال: قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، كَذَلِكَ اللَّهُ(كذلك) يجوز عندي فيها وجهان؛ الوجه الأول: أنها خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر كذلك، يعني أنك بلغك الكبر وامرأتك عاقر ولكن الله يفعل ما يشاء، والوجه الثاني: أن تكون في موضع نصب على المفعولية المطلقة، أي: مثل ذلك الفعل يفعله الله؛ لأنه يفعل ما يشاء، وكلا الوجهين صحيح، فإنه سيكون له ولد ولو كان بلغه الكبر ولو كانت امرأته عاقرًا، لماذا؟ لأن الله يفعل ما يشاء، فكل ما شاءه الله فعله؛ لأنه عز وجل لا يمنعه مانع كما نقول نحن في دبر كل صلاة: اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ، فالله عز وجل يفعل ما يشاء؛ لأن له الملك المطلق في خلقه فلا أحد يمنعه ولا أحد يسأله: لِمَ فعلت، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣]، كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، فلما أيقن بأن الله تعالى سيهب له الولد قال: قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً، أي: صَيِّر لي علامة تدل على هذا الولد، يعني كأنه يقول: متى تكون هذه العلامة، رب اجعل لي آية تدل على حصول هذا الولد، وأن الولد بدأ ينشأ، لماذا؟ ليزداد أيش؟ طمأنينة، ليزداد طمأنينة فيما بشّره الله به، اجْعَلْ لِي آيَةًأستدل بها على أن الولد بدأ ينشأ، أو اجْعَلْ لِي آيَةًأزداد بها طمأنينة على ما بشرتني به، والآية في اللغة: العلامة، وآيات الله عز وجل كونية وشرعية، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أُيِّدُوا بماذا؟ بالآيات الدالة على صدقهم، الآيات الكونية والآيات الشرعية، وكثير من الناس يسمي آيات الأنبياء معجزات، وهذه التسمية وإن اشتهرت على الألسن لكن فيها قصورًا، والتعبير الصحيح السليم أن نسميها آيات كما سماها الله، نسمي ما يحصل من خوارق العادات على أيدي الأنبياء نسميها آيات، ولهذا لا تجد آية في القرآن سمى الله هذه الخوارق معجزات أبدًا، بل كان يسميها آيات، علامات على الصدق، أما معجزات فهي قاصرة؛ لأنها لو أخذناها على ظاهرها لشملت ما يأتي به السحرة، أو ما تأتي به الجن؛ لأن ما يأتي به السحرة والجن مُعْجِز ولّا لا؟ معجز، لكن هل هو آية؟ لا، لهذا كان التعبير الذي في القرآن خيرًا من التعبير الذي عبّر به بعض العلماء بتسمية خوارق العادات التي يجريها الله على أيدي الأنبياء معجزات.
قَالَ آيَتُكَيعني: الآية التي تدلك، فأضافها إلى زكريا مع أنه ليس هو الذي أوجدها، لكن لأنها علامة له، أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أنا أحب أن أفهم إعراب آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ؟
طالب: آيَتُكَمبتدأ.
الشيخ: نعم.
الطالب: والكاف مضاف إليه، والمصدر المؤول من (أن) و(...) في محل رفع الخبر.
الشيخ: (أن) وما تحويه في تأويل مصدر؟
الطالب: في محل رفع الخبر.
الشيخ: في محل رفع ولّا في تأويل مصدر خبر، ولا في محل الرفع؟
الطالب: خبر.
الشيخ: خبر؛ لأنها مفرد، واللي يقال: في محل، الجملة، طيب، قدِّر؟
الطالب: الآية (...).
الشيخ: أحسنت تمام، آيَتُكَيعني العلامة التي أعطيك إياها أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا، أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَيعني لا تخاطبهم، إِلَّا رَمْزًا، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍثلاثة أيام بلياليها؟ نعم، بدليل قوله تعالى في سورة مريم: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [مريم: ١٠]، آيته أن لا يكلم الناس بلياليها، قال: إِلَّا رَمْزًا، إِلَّاهذه أداة استثناء، ولكن أحب أن أفهم هل هذا الاستثناء متصل أو منقطع؟
طالب: منقطع.
الشيخ: منقطع؟
الطالب: لأن ما بعد (إلا) ليس من جنس ما قبلها.
الشيخ: الرمز ليس كلامًا؟ كلام ولّا غير كلام؟
الطلبة: لا، غير كلام.
الشيخ: طيب، نعم؟
طالب: السياق أنه متصل؛ لأنه قال أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ، ثم قال له: إِلَّا رَمْزًاعده كلامًا بمعنى أنه متصل.
الشيخ: متصل، هذان قولان.
طالب: أما عند النحويين فلا يسمونه كلامًا، والبلاغيون يسمونه كلامًا.
الشيخ: نعم، هذا قول مفصّل، والواقع أن المفسرين اختلفوا هل الاستثناء متصل فتكون الإشارة من الكلام؛ لأن الكلام هو ما يعبر عما في النفس من قول أو إشارة أو كتابة، وبعض المفسرين يقول: إن الاستثناء منقطع؛ لأن الرمز ليس بكلام، ولذلك لو رمز الإنسان في الصلاة لم تبطل صلاته، ولو كان كلامًا لبطلت؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» ، فمن نظر إلى المعنى قال: إن الرمز كلام؛ لأنه ينبئ عما في النفس، وقد اعتبره الشارع، الشارع اعتبر الإشارة، أليس النبي عليه الصلاة والسلام قتل اليهودي بإشارة الأنصارية، الجارية الأنصارية التي قالت حينما قالوا: من قتلك؟ فلان، فلان، فلان. فأشارت: نعم ، فاعتبر الإشارة، ولا شك أن الإشارة تعبر عن ما في النفس، لكنها ليست القول الذي هو الصوت لا شك فيه هذا أيضًا، فمن لحظ المعنى قال: الاستثناء متصل، ومن لحظ اللفظ وأن الكلام هو الصوت قال: الاستثناء منقطع، ولكن على القولين المعنى واحد، لن يستطيع أن ينطق بلسانه مع الناس، ولكن يشير إليهم إشارة، ووجه كون هذا آية أنه عجز عن النطق مع أنه سليم، وأنه عجز عن النطق مع الناس لا مع الله، وهذا شيء غريب، يعني إنسان يتكلم يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، إنسان سويّ لم يأته آفة ولا علة في لسانه ولا يستطيع أن يكلم الناس؟ هذه آية، عجزٌ في مقام القدرة وقدرة في مقام العجز، عجز عن كلام الناس في مقام القدرة على الكلام، وقدرة على الكلام مع الله بالتسبيح وغيره وعجز عن الكلام مع الناس، فهذا من آيات الله عز وجل؛ ليريه أنه سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، الكلام الذي أنا وغيري يعلم أنه أخف حركة في البدن ولّا لا؟ يستطيع الواحد يتكلم من إلى صار يعطيه الله إمداد في المعنى يتكلم كم ساعة؟
الطلبة: (...).
الشيخ: إلى (...) والله ما (...) عن هذا، لكن يتكلم كثيرًا ولا يتعب، لكن المشي يتعب والبطش يتعب، أما هذا الكلام اليسير اللي كلٌّ يستطيعه يمتنع من هذا الرجل ما يقدر يكلم الناس إلا رمزًا، وأما مع الله فقال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا، ما انتهى الوقت.
طالب: شيخ، الراجح من المسألة الأولى..
الشيخ: أيهم؟
الطالب: التي ذكرناها قبل؟
الشيخ: ما هي؟
الطالب: الكلام يعني الرمز هو كلام..
الشيخ: إن أحببت أن يكون الراجح أن الاستثناء منقطع فهو منقطع، وإن أحب من قال إنه متصل فهو متصل، وإن أحب التفصيل مَن فصل فلنفصل، المسألة ما يترتب عليها شيء.
الطالب: (...).
الشيخ: والله فيه احتمال الحقيقة.
طالب: شيخ..
الشيخ: نعم؟
الطالب: قلنا من شروط استجابة الدعاء الجزم بالدعاء، أن يكون الإنسان موقن الإجابة، وهنا زكريا يعني لما قال قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُمع أنه دعا أول كأنه يعني لم يكن يوقن الإجابة.
الشيخ: لا إله إلا الله! هذا لو كان الاستفهام على سبيل الاستبعاد، وما استفهم مستبعدًا الواقع، مستفهم للتثبت، أنا الآن لو قلت: بأعطيك مثلًا عشرين ريال وأنت ترى أني صادق، قلت: تعطيني عشرين ريال؟ وأيش قصدك بهذا؟ التثبت، ما قصد الاستبعاد ولا الشك.
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًاأمره الله تعالى بأن يذكر ربه كثيرًا؛ لأن بذكر الله تطمئن القلوب، ويزداد الإيمان ويستنير القلب، فلهذا أمره الله أن يذكر ربه كثيرًا، وفائدة الذكر كثيرًا هنا أو الأمر بالذكر كثيرًا؛ لأن الله لما أخبره بأنه سيمنعه من مكالمة الناس بشَّره بأنه لن يمتنع من ذكر الله الذي هو أجلّ وأشرف من مخاطبة الناس وكلامهم، فقال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا؛ لأنه ربما يقع في قلبه لما قال الله له: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًاربما يقع في قلبه أن يُمنع من الكلام، فأراد الله تعالى أن يُسَرِّي عنه وأن يُذهب عنه ما قد يقع في قلبه وقال له: اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا، وهنا لم يقل له: وإنك ستذكر ربك، بل قال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ، فأمره بذكر الله؛ ليكون ذكره لله تعالى في حال امتناع مكالمة الناس عبادةً خاصة مأمورًا بها، لما مُنع من مخاطبة الناس صار متفرغًا، فأُمِر بأن يشغل هذا الفراغ بماذا؟ بذكر الله عز وجل، وهذا أحسن له وأفيد له مما لو قال الله له: وإنك ستذكر ربك كثيرًا، ووجهه كما قلت لكم أنه إذا أُمِر به صار طاعة، وإن كان الذكر من أصله طاعة، لكن يكون هذا طاعة خاصة في هذه الحال التي يمتنع فيها من مكالمة الناس.
وقوله: اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا، هل كَثِيرًاصفة لزمن محذوف؟ أي زمانًا كثيرًا، أو لمصدر محذوف أي ذكرًا كثيرًا؟ الثاني، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: ٤١، ٤٢]، وهنا قال: وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ، العشي آخر النهار، والإبكار أول النهار، وهذان الوقتان قد أمر الله بذكره فيهما فقال: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ق: ٣٩]، وقال تعالى: سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِهنا، بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ [ص: ١٨]، والآيات في هذا كثيرة؛ لأن في الإشراق مستقبَل النهار، وفي العشي مستدبَر النهار، فيكون الإنسان شاغلًا وقته أوله وآخره بماذا؟ بذكر الله، من أين يبتدئ العشي؟ العشي يبتدئ من زوال الشمس، بدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي . وهي إما الظهر وإما العصر، وقيل: العشي ما بعد صلاة العصر إلى منتصف الليل، ولكن الأول أصح، نعم المساء يطلَق من صلاة العصر إلى منتصف الليل، وأما العشي فهو آخر النهار.
وقوله تعالى: وَالْإِبْكَارِ، (الإبكار) ليست جمعًا لـ(بَكَر)؛ لأن جمع (بَكَر) (أبكار) كـ(سبب) و(أسباب)، لكنها مصدر أو اسم لهذا الوقت المعين الذي هو أول النهار.
وقوله: سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِيشمل تنزيه الله عز وجل عن كل ما لا يليق به، وقد مر علينا أن تسبيح الله يكون عن أمور ثلاثة: عن صفة العيب، وعن نقص في كماله، وعن مماثلة المخلوقين، انتبهوا (المشابهة) هذه أخرجوها من ألسنتكم، قولوا: مماثلة؛ لأن هذا هو اللفظ الذي جاء به القرآن، فيُسَبَّح الله عن هذه الأمور الثلاثة، ما هي؟ النقص، والنقص في الكمال، ومماثلة المخلوقين.
فالنقص كقوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ [الفرقان: ٥٨]، والنقص في الكمال مثل قوله: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥]، وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨]، ومماثلة المخلوقين مثل قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥]، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤].
والتسبيح يكون بالقول ويكون بالفعل، فكل مَن عَبَدَ الله فقد سبَّحه، كل من عبد الله فقد سبحه، بالقول ولّا بالفعل؟ بالفعل، وإن لم يكن فيها كلمة (سبحان)؛ لأن العابد تستلزم عبادته المعبود أن يكون كاملًا؛ لأن الناقص لا يمكن للعاقل أن أيش؟ أن يَعْبُدَه، فكونه يعبد الله يستلزم أن يكون مقرًّا له بالكمال مسبِّحًا له عن النقص، واضح يا جماعة؟
وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ، الباء في قوله: بِالْعَشِيِّيحتمل أن تكون للاستيعاب، يعني في كل الوقت، وأن تكون للظرفية، أي في العشي، فإن جعلناها للظرفية لم يلزم أن يستوعب الوقتَ بالتسبيح؛ لقوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، هم يمرون عليهم كل ليل يدلجون عليهم؟ لا، يمرون في أوله، في آخره، في وسطه، وإذا كانت للاستيعاب فإن المعنى إن الله أمره أن يستوعب هذين الوقتين كلهما، بماذا؟ بالتسبيح.
نرجع الآن إلى الفوائد، قال الله تعالى: هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً، إلى آخره، يؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله، حتى الأنبياء لا يستغنون عن دعاء الله؛ لقوله: دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس، من أين؟ لأنه لما رأى أن الله يرزق هذه المرأة بدون سبب معلوم علم أن الذي يسوق لها الرزق وهي امرأة منقطعة عن التكسب في محرابها قادر على أن يرزقه ولدًا، فيكون انتقال من الشيء إلى نظيره، وهذا هو نفس القياس، صح؟ إذن هو استدل أو أخذ من هذه القصة عبرة وهو أن يسأل الله أمرًا وإن كان مستبعدًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصيغة التي يُتَوَسَّل بها في الدعاء هي اسم الرب؛ لقوله: رَبَّهُ، ولم يقل: الله، ولهذا تجدون أكثر الأدعية مصدرة بالرب؛ لأن إجابة الداعي من مقتضى الربوبية، ولّا لا؟ لأنها فعل، وكل الأفعال من مقتضى الربوبية، فلهذا يتوسل الداعي دائمًا إلى الله بالرب، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ» .
ومن فوائد الآية الكريمة:أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه الولد، من أين يؤخذ؟ من قوله: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ.
طالب: بقول يا شيخ بفرضكم بُكْرَةً وَعَشِيًّاوبِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ، بكرة وعشيا تعني (...) كله، والعشي والإبكار تعني (...).
الشيخ: إذا جعلنا الباء للظرفية صحيح صار بينهما فرق، إن جعلناها للاستيعاب لم يكن فرق.
الطالب: أن الاستيعاب بس..
الشيخ: لا الاستيعاب إن كل الوقت، يستوعب كل الوقت، وليس المعنى دون غيرهما، لكن هذين الوقتين مخصوصان بالتسمية ولا غيره يسبح، لكن هذا أهم شيء.
طالب: (...) مخصوص معًا ولا..؟
الشيخ: لا ليس معًا، ولهذا أكثر ما تكون التسبيحات والتهليلات في أول النهار وآخره.
طالب: قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، من هو القائل اللي رد عليه زكريا؟
الشيخ: اقرأ من نادى زكريا؟
الطالب: الملائكة.
الشيخ: إذن يكون القائل معناه واصل، ما وصلنا للحقيقة، هذا سؤال مطروح.
طالب: التسبيح، قلنا: التسبيح يشمل الفعل والقول، الذي يسبح في سره ما يشمل ذلك؟
الشيخ: حديث النفس يعني؟ حديث النفس يدخل في هذا، لكنه من الفعل؛ لأنه حدّث نفسه.
طالب: هل نقول: سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: أن سيدنا محمد، والله محمد سيدنا، لكن هل الصحابة يقولون كذا؟
طالب: رسول الله.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: نشأ من أبوين مشركين، بينما يحيى عليه السلام من أبوين صالحين، فيؤخذ من قوله تعالى: وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَالجمع بين النبي والصلاح؟
الشيخ: يعني أنه وُلِد من صالحين.
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو بالظاهر، هذه من بيان لحال يحيى.
طالب: شيخ بعض الناس يقولون: يا سيدي، هل فيها شيء؟
الشيخ: يا سيدي من؟
الطالب: يعني إذا تكلم يقول: يا سيدي.
الشيخ: إذا كان الرجل أهلًا للسيادة لا بأس، يعني مثلًا لو قال: يجي واحد لفاسق فاجر يقول له: يا سيدي، ما يجوز، لكن الأهل للسيادة لا بأس.
طالب: القياس يا شيخ، هل صح الإنسان إذا شاف أي شيء يعني مثلًا دعاء يقيس عليه يعني؟
الشيخ: إذا كان لا عدوان في ذلك فلا بأس، إذا ما فيه عدوان لا بأس، أما مثلًا يجيء يدعو الله يقول: اللهم اجعلني نبيًّا رسولًا، هذا حرام، طيب كلامنا مع الأخ السائل يقول: سيدي، سيدنا محمد، هل معنى ذلك إنه يحرم إن الإنسان يقول: قال سيدنا محمد؟
طالب: لا يحرم.
الشيخ: لا يحرم.
الطالب: لأنه سيد الأولين والآخرين.
الشيخ: ولأننا نحن ينبغي أن نتأدب كأدب الصحابة، كأدب الصحابة، إذا ساقوا الحديث عن الرسول ما هم بيقولون: قال سيدنا، قال رسول الله، قال نبي الله.
طالب: شيخ، (...) يا سيدي يا مولاي..
الشيخ: إذا صدق الوصف فلا بأس، لو قال العتيق لمن أعتقه: يا مولاي، صح.
الشيخ: قال الله تعالى: هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، أخذنا منها أربعة فوائد؟
طالب: الأولى: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله حتى الأنبياء، ثانيًا: إثبات القياس؛ لأنه لما رأى أن الله يرزق هذه المرأة بدون سبب معلوم علم أن الذي يسوق لها الرزق وهي امرأة منقطعة التكسب في محرابها قادر على أن يرزقه..
الشيخ: أن يرزقه الولد، ولّا لا؟ نعم.
الطالب: الثالثة: أن الصيغة التي يتوسل بها بالدعاء هي اسم الرب، الرابعة: أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه ولد.
الشيخ: طيب الثالثة؟
الطالب: أن الصيغة التي يتوسل بها بالدعاء هي اسم الرب.
الشيخ: غالبًا، الرابعة؟
الطالب: الرابعة: أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه ولد؛ لقوله: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ.
الشيخ: نعم.
من فوائد الآية ما يستفاد من قوله: هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ، حيث أضاف الهبة إلى الله عز وجل، وهبة الكريم تكون كبيرة، ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم فيما علّمه أبو بكر الدعاء الذي يدعو به في صلاته قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي» ، وكما أشرنا إليه أن الشيء من الكريم يكون عظيمًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل مطلق الذرية؛ لأن الذرية قد يكونون نكدًا وفتنة، وإنما يسأل الذرية الطيبة.
ومن فوائد الآية الكريمة التي تشير إليها إشارة: أنه ينبغي للإنسان أن يفعل الأسباب التي تكون بها ذريته طيبة ومنها الدعاء، دعاء الله، وهو من أكبر الأسباب، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن الرجل يبلغ الأشد أنه يقول: أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف: ١٥]، ولا شك أن صلاح الذرية أمر مطلوب؛ لأن الذرية الصالحة تنفعك في الحياة والممات؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» .
من فوائد الآية الكريمة: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه المناسبة للحاجة؛ لقوله: إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، أي: مجيبه، وهكذا ينبغي أن تكون الأسماء التي يتوسل بها الإنسان في دعائه مناسبة لأيش؟ للمدعو به، فالداعي بالمغفرة يتوسل باسم الله الغفور، وبالرحمة الرحيم، وبالرزق باسم الرزاق، وهكذا، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]، فإن قوله: ادْعُوهُ بِهَايتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة، يشمل دعاء المسألة؛ أن تجعلها وسيلة لدعائك، ودعاء العبادة أن تتعبد لله تعالى بمقتضاها، فإذا علمت أنه سبحانه غفور فتعرض لمغفرته، وإذا علمت أنه رحيم كذلك، وهكذا، فقوله عز وجل: ادْعُوهُ بِهَايتناول هذا وهذا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات سمع الله وكرم الله وقدرة الله، من أين يؤخذ؟
طالب: كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
طالب: إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ.
الشيخ: وجه ذلك؟
الطالب: أنه سمع الدعاء فأجابه.
الشيخ: طيب، هذا واحد، إثبات القدرة؟
طالب: القدرة على الإجابة.
الشيخ: القدرة على الإجابة، نعم، الثالث؟
طالب: أنه لا يعطي إلا الكريم.
الشيخ: نعم، إثبات الكرم لله؛ لكونه عز وجل يجب من دعاه، فإن قال قائل: أحيانًا يدعو المرء ولا يستجيب الله دعاءه؟ وهنا زكريا صلى الله عليه وسلم يقول: إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، وقال إبراهيم: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: ٣٩]، فما الجواب؟ الجواب أن يقال: إن عدم إجابة الله الدعاء إما أن تكون لوجود مانع، وإما أن تكون لمصلحة الداعي، أو لفوات شرط، فأما إذا تمت الشروط وانتفت الموانع ولم تقتضِ المصلحة خلاف ما دعا به الداعي فإن الله تعالى يستجيب الدعاء قطعًا؛ لأن الله تعالى يقول: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]، فإذا دعا الإنسان ربه وقلبه لاهٍ، يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرّب إليه من قول وعمل، لكنه في زمن الاختبار قلبه يتجول بين صفحات الكتاب، هذا غافل ولّا حاضر؟
الطلبة: غافل.
الشيخ: غافل؟ نعم، لا يستجيب دعاءً من قلب غافل، كيف تسأل الله سبحانه وتعالى وهو يعلم ما في نفسك وتناجيه: يا رب أعطني كذا، وأنت قلبك مشغول بشيء آخر؟ هذا والله فيه سوء أدب، هذا تتخلف إجابة الدعوة لعدم وجود الشرط، لانتفاء الشرط، ما حضر قلبه، قد يكون ذلك لوجود مانع، ومنها - أي من الموانع - أن يكون الإنسان آكلًا للحرام -والعياذ بالله - فإن أكل الحرام من أكبر موانع إجابة الدعاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ، ثم ذكر النبي الله صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب»، أربعة أسباب من أسباب إجابة الدعاء «وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» - أعوذ بالله - استبعد أن الله يجيب هذا الداعي، فهنا تخلفت إجابة الدعاء، لماذا؟ لوجود مانع.
وقد تكون لمصلحة الداعي، يدّخر الله له عنده ما هو أعظم مما سأل، أو يعلم سبحانه وتعالى أنه لو أجابه لحصل عليه مضرة في دينه، مثل أن تكون إجابته سببًا لفتنته عن دينه، فبرحمة الله وحكمته لا يستجيب له هذا الدعاء، لمصلحة من؟
الطلبة: الداعي.
الشيخ: لمصلحة الداعي، ولهذا ينبغي للإنسان أن لا يضجر إذا دعا الله فلم يستجب له، وأن لا يسأم ويستحسر، فيقول: دعوت ثم دعوت فلم يستجب لي، فإنه إذا قال ذلك لم يستجب له، فزال الإشكال الآن؟ زال الإشكال الذي قد يَرِد على قوله: إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، وبقي إشكال آخر وهو أن يقال: لا فائدة من الدعاء؛ لأن المدعوّ به إن كان قد كُتِب لك فسوف يأتيك بلا دعاء، وإن لم يُكتب لك فلن يأتيك ولو دعوت، هكذا يقول بعض الناس، فبماذا نجيب؟ نجيب أولًا: أن هذا قول باطل من أصله؛ لأنه يقتضي تسفيه الرسل والأنبياء والصالحين، بل يقتضي أن الله عز وجل يأمر بما لا فائدة فيه، فإن الله قال: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي، فكيف يأمر عز وجل بأمر لا فائدة منه؟! هذا مستحيل، فهذا القول باطل من أصله، ثم نقول: الشيء يُكتب لك لكن بسبب، فإذا كان الله قد كتب لك ذرية طيبة بسبب دعائك فإنه إذا انتفى الدعاء انتفت الذرية الطيبة؛ لأن الله قدرها -أي الذرية الطيبة- مقرونة بأيش؟ بالدعاء، وهل يقول عاقل: أنا لا أتزوج، إن كان الله قد أراد لي ولدًا جاء بلا نكاح، وإن لم يُرِد لي ولدًا لم يأت ولو تزوجت، هل يقول هذا عاقل؟ لا، ما يقوله، نقول: إن الله قدر لك الولد بالنكاح، تزوج يأتيك الولد.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التسمية تعود للأم.
طالب: لا.
الشيخ: لأيش؟
طالب: لأن هنا ليس (...).
الشيخ: هي ما قالت: وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ؟
طالب: ليس له أب.
الشيخ: كيف ما له أب، هذا له أب، فيه احتمال، لكن أقرب شيء أن يقال: إن في هذا دليلًا على جواز تصرف الفضول، أي أن الإنسان يتصرف في حق غيره فينفذ إذا وافق عليه الغير، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: أنتم عرفتم تصرف الفضول، مثلًا رجل باع ساعة رجل بدون إذنه فأجازه صاحب الساعة ووافق على البيع، نقول: هذا البيع صحيح؛ لأنه أجازه، فهنا يحتمل أن الاتفاق كان جاريًا بين الأم والأب في التسمية، أو أن الأم رأت أن الأب لا يعارض فسمّت، وإلا فالأصل أن التسمية تكون للأب؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وُلِدَ لِي وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ» ، ولكن الأفضل أن لا يتنازع الأبوان في تسمية الولد، وأن يكون الاتفاق بينهما، أحيانًا تصر الأم أن يسمى ولدها بفلان أو ابنتها بفلانة، وأحيانًا يصر الأب على عكس ذلك، والذي ينبغي أن لا يكون هذا موضع نزاع بينهما، وأن يتفقا على الاسم، فإذا اختلفا يُرجع إلى أفضل الأسماء، لو قالت الأم: أنا أريد أن يسمى ابني على اسم جده واسم جده ناصر، وقال الأب: أنا أحب أن يسمى بعبد الله، فالحق للأب وأيضًا جانبه أرجح؛ لأن «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ» ولكن عند النزاع وعدم المرجِّح من حيث التسمية لا شك أن الحق للأب.
ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية إعاذة الإنسان أبناءه بالله عز وجل من الشيطان الرجيم ومن شر الخلق؛ لقولها: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: جواز الدعاء للمعدوم، من أين يؤخذ؟ من قوله: وَذُرِّيَّتَهَا؛ لأن ذريتها لم تأت بعد، فهي امرأة صغيرة طفلة، لكن يجوز أن يقال: أصلحك الله وذريتك، غفر الله لك ولذريتك، وما أشبه ذلك.
هل يقال: إن في هذه الآية كرامة لامرأة عمران؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: نعم، كيف؟
الطلبة: (...).
الشيخ: لا غير هذا، من قوله: وَذُرِّيَّتَهَا؛ فإنها توقعت أن يكون لها ذرية، فصار لها ذرية، توقعت أن يكون لها ذرية فصار لها ذرية وهو عيسى عليه الصلاة والسلام، وإلا فقد يقال: كيف تقول: وَذُرِّيَّتَهَا؟ هل هي على علم بأن هذه الطفلة ستبقى وسيكون لها أولاد؟ ليست على علم بلا شك، لكن كونها تقول هكذا جازمة بذلك فيأتي الأمر فيقع على حسب ما توقعت هذا نوع من الكرامات.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان عدو لبني آدم، حيث يطلب الإنسان من الله عز وجل أن يعيذه منه.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى على كل شيء، ومن ذلك الإجارة من الشيطان، وإلا لكان الاستعاذة به من الشيطان عبثًا.
ثم قال الله عز وجل: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًاإلى آخره، من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل سميع قريب مجيب؛ لأنها دعت فسمعها الله، ولأنها دعت فأجابها الله، وفي القرآن الكريم: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة: ١٨٦].
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الملاحدة الذين ينكرون وجود الرب، وجهه؟
طالب: (...) الرد على الملاحدة.
الشيخ: وأيش لون الرد على الملاحدة وأين الملاحدة؟
الطالب: قولها إنك..
الشيخ: لكن من ذكر الرد على الملاحدة؟
الطالب: أنت الذي ذكرت.
الشيخ: أنا؟
الطالب: وجه الرد على الملاحدة لأنهم ينكرون وجود الله، فقالت: إنك سميع الدعاء، فلا يسمع الدعاء إلا موجود.
الشيخ: أنا قلت هكذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أنا قلت فيه الرد على الملاحدة لقوله: إن ربي سميع الدعاء؟
الطالب: قلت لنا: فيه رد على الملاحدة الذين ينكرون وجود الله ما قلت (...).
الشيخ: طيب، من أين يؤخذ هذا؟
الطالب: قولها إنك أنت سميع الدعاء.
الشيخ: ما.. هذا سبق فين؟
الطالب: ما قلت (...).
الشيخ: لكن من أين؟ ها الآن أقول.
الطالب: نأخذ (...) قولها: إنك أنت سميع الدعاء.
الشيخ: ما ذكرت فيما قالت: سَمِيعُ الدُّعَاءِ، فيه: إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
الطالب: إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
الشيخ: سبق هذا في درس مضى وأخذنا فوائده.
الطالب: إي نعم نأخذ من قولها: إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.
الشيخ: لا إله إلا الله.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم؟
الطالب: من قوله: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا.
الشيخ: من قوله: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ؛ لأنها لما دعت قال: فَتَقَبَّلَهَا، والفاء هذه عاطفة تدل على السببية وعلى الترتيب والفورية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل منَّ على هذه الطفلة بشيئين: بالقبول الحسن، والنبات الحسن، فصار في ذلك تنمية لأخلاقها ولجسمها وبدنها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن تطور الإنسان في حياته بأمر الله؛ لقوله: أَنْبَتَهَا، وما الغذاء والعناية بالطفل إلا سبب، والله تعالى هو المسبب وهو المكوِّن للإنسان والمنبت له.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد ييسر للإنسان من يكفله من أهل الخير فيكون ذلك من أسباب إعاذته من الشيطان الرجيم؛ لقوله: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا.
ومن فوائدها أيضًا: إثبات الحضانة للطفل، الدليل؟ قوله: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا، هل يؤخذ من ذلك أن الكفالة تكون للأب دون الأم؟ الجواب: ليس بظاهر؛ لأنه قد يراد بالكفالة هنا كفالة التأديب والتربية وإيجاد النفقة دون القيام عليه بالحَضن، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأم طفل: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تُنْكَحِي» .
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الطفلة صارت من العابدات القانتات؛ لقوله: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد ييسر للإنسان من الرزق ما لا يكون في حسبانه؛ لقوله: قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن لكل ضَعف لطفًا، فهذه المرأة الضعيفة التي منّ الله عليها بالاشتغال بالعبادة يسر الله لها من يأتيها بالرزق.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأشياء تضاف إلى الله وإن كان لها سبب؛ لقوله: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وإضافة الأشياء إلى أسبابها ليست إلا مجرد إضافة مسبَّب إلى سببه لا إلى موجِده، وإلا فإن الموجِد هو الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء لا يعلمون الغيب؛ لقوله: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا.
ومن فوائدها: إثبات أن الله عز وجل يرزق في غير مكافأة ولا انتظار لمكافأة؛ لقولها: إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
تفسير الآيات (38-41)
00:13:16
ثم قال الله عز وجل: هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ [آل عمران: 38]، وهذا مبتدأ الدرس.
هُنَالِكَهذه اسم إشارة إلى المكان، واللام يقولون: إنها للبعد، والكاف حرف خطاب، يعني: في ذلك الزمن، والإشارة هنا يحتمل أن تكون للزمن، أي في ذلك الزمان، أو في المكان الذي هو محراب مريم. هُنَالِكَأي: في ذلك المكان وفي ذلك الزمان. دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ، وزَكَرِيَّافيها قراءتان: المد والقصر؛ زَكَرِيَّاءُ رَبَّهُهذا مد، زَكَرِيَّا رَبَّهُهذا القصر.
قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، هَبْ لِي: أعطني، والهبة هي التبرع بالشيء بلا عوض، لكن قال العلماء: إن هناك هبة وهدية وصدقة، كم؟ ثلاثة أشياء، فالصدقة: ما أريد به ثواب الآخرة، والهدية: ما أريد به التودد والتقرب بين المهدِي والمهدَى إليه، والهبة: ما قُصِد به مجرد انتفاع الموهوب له، وهنا قَالَ رَبِّ هَبْ لِيأي: أعطني عطاء بلا ثمن.
مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، مِنْ لَدُنْكَ: من عندك، وأضافه إلى عندية الله عز وجل ليكون أبلغ وأعظم؛ لأن هدية الكريم أكرم. وقوله: ذُرِّيَّةًبمعنى: مذروءة أي: مخلوقة، وقوله: طَيِّبَةًأي: طيبة في أقوالها وأفعالها وكذلك في أجسامها، فهو متناول للطيب الحسي والطيب المعنوي.
إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِأي: مجيبه، والدعاء هو سؤال العبد ربه حاجته إما بجلب منفعة وإما بدفع مضرة.
قال: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وفي قراءة: {فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ}، فأما على قراءة الجمع: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُفالتأنيث في الفعل ظاهر؛ لأن الْمَلَائِكَةُجمع وكل جمع يجوز تأنيث فعله، كل جمع إلا جمع المذكر السالم فإنه لا يؤنث إلا نادرًا جدًّا، فمثال التأنيث في الجمع ولو للمذكر قوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ [البقرة: ٢٥٣]، فالرسل هنا مؤنث، ما الدليل؟ الإشارة بالتأنيث، بصيغة التأنيث، وقال تعالى: قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا [الحجرات: ١٤] قالت الأعراب، ولم يقل: قال الأعراب؛ لأنه جمع، وأما جمع المؤنث السالم فيجب تأنيثه، وجمع المذكر السالم يجب تذكيره، ولهذا قال ابن مالك رحمه الله:
| وَالتَّــاءُ مَعْ جَمْــعٍ سِــوَى السَّالِــــمِ مِــــنْ | مُذَكَّــــرٍ كَالتّــــَاءِ مَــــعْ إِحْــــدَى اللَّبِــــــــنْ |
المعنى أن التاء مع الجمع كالتاء مع إحدى اللبِن، ما هي إحدى اللبن؟ لبنة، فلبنة مؤنث لكن تأنيثها مجازي، فيجوز في فعلها التذكير والتأنيث، فتقول: انكسرت اللبنة، وانكسر اللبنة، وظاهر كلامه حتى جمع المؤنث السالم لا يجب تأنيثه، والصحيح أنه يجب تأنيث المؤنث السالم، فالسالم من مذكر أو مؤنث حسب (...)، المذكر يجب تذكيره والمؤنث يجب تأنيثه، وما عدا ذلك من الجموع يجوز فيه التذكير والتأنيث.
فهنا نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُليس في تأنيث الفعل إشكال، لماذا؟ لأنه جمع؛ لأن الفاعل جمع، لكن على قراءة: {فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ}، هل فيه إشكال؟ نقول: لا إشكال فيه أيضًا، لا إشكال فيه، لماذا؟ لأن الملائكة جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث، فتقول: قام الرجال وقامت الرجال، ويمكن أن يراد بالملائكة واحد وهو جبريل ناداه، وعبّر عنه بالجمع باعتبار الجنس؛ لأنه واحد منهم.
نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ، جملة وَهُوَ قَائِمٌفي محل نصب على الحال، الحال من الضمير الهاء في قوله: نَادَتْهُ، وقوله: قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ، (المحراب) مكان الصلاة أو مكان العبادة، وسمي بذلك لأنه مكان حرب الشياطين؛ فإن العبادة حرب للشياطين، وليس المراد بالمحراب طاق القبلة كما يظنه بعض الناس فيفسر الآية به، ويقول: إن هذه المحاريب موجودة من قديم الزمان، ألا تسمع إلى قوله تعالى: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ، وإلى قوله تعالى: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ، ولكن هذا ليس بصحيح.
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ، أَنَّقراءة بالفتح وقراءة بالكسر، فأما على قراءة الكسر {إِنَّ اللَّهَ}؛ فلأن النداء قول، ومقول القول إذا صُدِّر بـ (إنّ) يجب فيه كسر (إن)، كقوله تعالى: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ [مريم: ٣٠] ولا يجوز أن تقول: قال: أني عبد الله، كذا؟ طيب. وأما على قراءة الفتح فهي على تقدير حرف الجر: فنادته الملائكة بأن الله يبشرك، أي: ببشرى، بشرى الله تعالى بهذا الابن يحيى.
وَأيضًا في قوله: يُبَشِّرُكَقراءتان {يَبْشُرُكَ} ويُبَشِّرُكَ، وكلاهما سبعيتان، فصار في هذه الآية في ثلاث كلمات منها كل كلمة فيها قراءتان:فَنَادَتْهُ، {فَنَادَاهُ}، أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ، {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ}، {إِنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ}، {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ}، نعم، والبَشارة الإخبار بما يسُرّ، وسميت بذلك لتأثر البشرة بالخبر؛ لأن الإنسان إذا بُشِّر بما يسره يفرح ويظهر ذلك على وجهه، ألم تر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل مُجَزِّزٌ المدلجي على أسامة بن زيد وزيد بن حارثة وعليهما كساء لم يَبْدُ منه إلا أقدامهما، فنظر إلى أقدامهما وقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فدخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة تبرق أسارير وجهه ، تأثر، بماذا؟ بالخبر السارّ، طيب، إذا قال قائل: إن قلتم هكذا فاجعلوا الإخبار بما يسوء بُشرى؛ لأن البشرة تتأثر بذلك، الرجل إذا أخبرته بما يسوؤه التفع وجهه وتغيّر فسمِّها بشرى؟ فما الجواب؟ نقول: هذا قد يطلق عليه، أي الخبر بما يسوء قد يطلق عليه بشارة، ومنه قوله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١]، بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء: ١٣٨]؛ لأن هذا يؤثر في البشرة.
طالب: شيخ، ما (...) مريم (...) بأنها نذرتها ثم (...)؟
الشيخ: مريم يعني أن أباها مات قبل أن تولد؟
الطالب: أيوه لأنها نذرتها ولم (...).
الشيخ: والله ما هو ببعيد.
الطالب: بعدين سمتها.
الشيخ: وأيضًا كفلها زكريا، إي نعم، فهذا جيد أن والدها كان غير موجود، نعم، لا يؤخذ منها، وحينئذ يزول الإشكال.
طالب: مريم كم عمرها كان؟
الشيخ: عمرها متى؟
الطالب: (...).
الشيخ: والله لا بد يمكن المؤرخون يذكرون ذلك، ولكن الظاهر أنها كبيرة شابة؛ لأنها حملته فانتبذت به مكانًا قصيًّا.
الطالب: متوسطة العمر.
الشيخ: الله أعلم، لكنها لا شك أنها كبيرة نشيطة، لا وصلت إلى حد الكبر ولا إلى الصغر الذي لا تستطيع الحمل.
طالب: شيخ، (...)، أقول إذا ذكرتم بأن الاسم إذا كان مهيأ فإنه حين الولادة، وإذا لم يكن مهيأ ففي اليوم السابع، وأحسن الله إليكم فإذا تهيأ بعد الولادة بيوم أو يومين فهل يسمى في الحال ولّا..؟
الشيخ: لا، الأحسن يؤجل.
الطالب: إلى حين السابع؟
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة للقراءات يعني هل يجوز يخلط بين قراءتين في آن واحد، في وقت واحد يعني؟
الشيخ: إن كان هذا على سبيل التعليم فلا شك أنه جائز، على سبيل التعليم، وإن كان على سبيل القراءة فمن العلماء من أجاز ذلك ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنهم من لم يجز وقال: إذا قرأت على قراءة واحد من القراء فاستمِر عليه، لكن الذي يظهر أن القرآن شيء واحد، وأنه يجوز أن تقرأ بقراءة واحد، والحرف الثاني بقراءة آخر.
الطالب: يعنى في وقت واحد؟
الشيخ: إي ما فيه بأس، نعم؟ لا قصدك فيه يعني بمعنى أنك تردد الكلمة مرتين؟
الطالب: لا لا، يعني يقرأ..
الشيخ: مثلًا تقرأ {إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ} و{أَنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ} كذا؟
الطالب: لا لا، يعني يقرأ الآية بقراءة مثلًا حفص والآية الثانية بقراءة قارئ آخر الآية التي تليها.
الشيخ: في نفس الوقت أو التي تليها الآية الثانية؟
طالب: الآية التي تليها.
الشيخ: لا بأس، هذه اللي فيها الخلاف، هذا هو اللي فيه الخلاف.
طالب: شيخ ما يمكن يستدل بقوله سبحانه تعالى: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّابأن هذه الآية مؤيدة لقصة تنازع جعفر وعلي بن أبي طالب.
الشيخ: كيف ذلك؟
الطالب: لما تنازعوا في ابنة.. فأيد الرسول صلى الله عليه وسلم أعطاها جعفر لأن خالتها (...)، وخالة مريم تحت زكريا؟
الشيخ: بس هل في هذا نزاع؟ ما نعرف هل في هذا نزاع أو لا.
الطالب: يمكن يعني..
الشيخ: ما نقدر نقول فيه نزاع وهو ما ذُكِر في القصة، والظاهر كما ذكر الأخ أن أباها كان توفي، أبو مريم الظاهر أنه توفي ولعله توفي قبل أن تولَد، بدليل أن مريم تصرفت فيها وسمتها.
الطالب: ما يكون تأييد.
الشيخ: تأييد لأيش؟
الطالب: للنبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: لا ما فيه تأييد، ما فيه نزاع، من نازع زكريا.
الطالب: بالنسبة لحفظه، بالنسبة مثلًا أنه تكون الحضانة أو تكون كفالة لزوج الخالة.
الشيخ: أصلًا الأب ما هو موجود.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: وأمها موجودة، وهي عند أمها.
***
طالب: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [آل عمران: ٣٩ - ٤١]الشيخ: قال الله تعالى: يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىهذا المبَشَّر به، وعندنا (بشارة) كما أسلفنا و(مُبَشِّر) و (مُبَشَّر به) و(مُبَشَّر)، كم هذه؟
الطلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة، كلها تضمنها قوله: يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى، ويحيى قيل إنه من الحياة، وأن الله سماه بذلك إشارة إلى أنه سيحيى ويبقى، وعلى هذا فهو ممنوع من الصرف للعلَمية ووزن الفعل، والعلَمية ووزن الفعل علّتان توجبان المنع من الصرف، وقيل: بل هو اسم أعجمي، والأسماء الأعجمية ليست بمشتقة؛ لأنها غير عربية، وعلى هذا فالمانع له من الصرف العلَمية والعُجمة؛ لأن العلمية والعجمة علتان مانعتان من الصرف، وموانع الصرف نذكرها الآن استطرادًا، تسعة، مجموعة في البيت، أنت؟
طالب: لا أحفظه.
الشيخ: لا تحفظ البيت، نعم؟
طالب:
| مَوَانِعُ الصَّرْفِ تِسْــــعٌ إِنْ أَرَدْتَ بِهَــــا | عَوْنًــــا لِتَبْلُــــغَ فِــــي إِعْرَابِــــكَ الْأَمَــــــــــــــلَا |
| اجْمَــــعْ وَزِنْ عَــــادِلًا أَنِّــــثْ بِمَعْرِفَــــــــــــــــةٍ | رَكِّبْ وَزِدْ عُجْمَةً فَالْوَصْفُ قَدْ كَملَا |
الشيخ: أحسنت.
طالب: (...).
الشيخ: ما هو؟
طالب:
| جَمْــــــــعٌ وَعَــــــــدْلٌ زَادَ وَزْنٌ صِفَــــــــــــــــــــهْ | رَكِّــــــــــــبْ وَأَنِّــــــــــــثْ عُجْمَــــــــــــــــةً (...) |
الشيخ: إي، طيب.
طالب: أسمعنا.
الشيخ: نعم، سمّع.
الطالب: جَمْعٌ وَعَدْلٌ زَادَ وَزْنٌ وَصِفَهْ
الشيخ: اصبر، لكن نبغي نسمّعكم بشرط أن تحفظوه، يلّا.
الطالب: أقولها من الأول.
الشيخ: إي.
الطالب:
| جَمْــــــــعٌ وَعَــــــــدْلٌ زَادَ وَزْنٌ صِفَــــــــــــــــــــهْ | رَكِّـــــــــبْ وَأَنِّـــــــــثْ عُجْمَـــــــــــــةً و (...) |
طالب: على ما (...) أحسن.
الشيخ: سمعتم؟
الطلبة: (...).
الشيخ: نيجي بالدور الثاني إن شاء الله، البيت الأول من حفظه معروف مشهور:
| اجْمَــــعْ وَزِنْ عَــــادِلًا أَنِّــــثْ بِمَعْرِفَــــــــــــــــةٍ | رَكِّبْ وَزِدْ عُجْمَةً فَالْوَصْفُ قَدْ كَملَا |
هذه تسعة ثلاثة منها لا تحتاج إلا إلى علة واحدة، وثلاث منها تحتاج إلى علتين إحداهما العلَمية مع علة الأخرى، وثلاثة تحتاج إلى علتين إحداهما العلَمية أو الوصفية مع علة أخرى، فهذه العلل التسعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يكفي فيها علة واحدة، وقسم علتان إحداهما العلَمية، وقسم علتان إحداهما العلَمية أو الوصفية، الذي معنا فيها العلَمية والعجمة، وهذه لا تأتي بها الوصفية، العجمة ما تأتي بها الوصفية، العلمية ووزن الفعل تأتي فيها الوصفية ولّا لا؟ تأتي؛ لأن الوصفية ووزن الفعل علتان مانعتان من الصرف، والعلَمية ووزن الفعل علتان مانعتان من الصرف.
طيب، يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا، مُصَدِّقًاحال من يَحْيَى، بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِهو عيسى ابن مريم، يعني مصدقًا بعيسى؛ لأن عيسى كلمة من الله أو كلمة الله، وسمي بذلك لأنه كان بكلمة الله، لم يكن من أب كما يكون البشر، بل كان بكلمة الله عز وجل، قال الله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ [آل عمران: ٥٩] أي: آدم، مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩]، ولهذا سُمِّي عيسى بالكلمة، بكلمة الله؛ لأنه كان بكلمته وليس هو كلمة الله، لماذا؟ لأن كلمة الله وصف لله عز وجل، فالكلام وصف للموصوف، ولا يمكن أن يكون وصف الله عينًا بائنة منه، بل هو يعني يتعين أن يكون معنى كونه كلمة أنه كان أيش؟ بكلمة الله مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ.
وقوله: مِنَ اللَّهِبيان لابتداء الأمر وليست للتبعيض، فالكلمة ليست هنا بعضًا من الله، بل منشؤها منه، فـ(من) للابتداء؛ لأن منشأ الكلمة من الله؛ لأنه هو الذي تكلم، وَسَيِّدًامعطوفة على مُصَدِّقًافتكون منصوبة على أيش؟ على الحال، تكون منصوبة على الحال، سَيِّدًامَن السيد؟ السيد مَن ساد غيره وشرُف عليه بالعلم والدين والخلق والمعاملة، وقولنا (الخلق) يشمل كل خلق يسود به الإنسان غيره من الجود والشجاعة والإيثار وغير ذلك، المهم أن السيد من ساد غيره في الكمالات، يعني فضل عليه وزاد عليه، فيكون جامعًا لصفات الكمال الممكنة في المخلوق، وكذلك أيضا قال في وصفه: وَحَصُورًامعطوفة على مُصَدِّقًافهي منصوبة على الحال، حَصُورًافَعُول بمعنى فاعل، أي حاصرًا نفسه عن أراذل الأخلاق، فيكون هذا المبشَّر به موصوفًا بصفات الكمال الدال عليها قوله أيش؟ سَيِّدًامبرأً من النقص وسوء الأخلاق الدال عليه حَصُورًا، فيكون جمع له بين النفي والإثبات، وذلك لأن الإنسان لا يكمل إلا بوجود صفات الكمال وانتفاء صفات النقص، ولاحظوا أيها الإخوة أن صفات الكمال والنقص هنا لا نعني بها النقص المطلق والكمال المطلق، هذا لا يكون إلا لمن؟ لله، لكنه أمر نسبي، قد يكون الإنسان عنده كمال في الصفات لكن عنده سوء من جهة أخرى، هذا ناقص، وقد يكون عنده سوء ونقص في الكمال فيكون هذا أنقص، وقد يكون عنده كمال في الكمال وتنَزّه عن النقص وهذا هو أيش؟ الكمال كما وُصِف به يحيى عليه الصلاة والسلام.
وأما من قال من المفسرين: إن الحصور الممنوع عن إتيان النساء، يعني ما يقدر على النساء، فإن في هذا نظرًا، نظرًا واضحًا؛ لأن عدم قدرة الإنسان على النساء ليس كمالًا، إذ إن ذلك ليس منه بتخلق ولكنه عيب ولّا لا؟ عيب، نعم فيها قول آخر: أنه لا يأتي من النساء مَن لا تحل له، فيكون وصفًا له بماذا؟ بكمال العفة، هذا يُمدح عليه الإنسان، هذا يمدح، لكن ما قلنا أشمل من هذا القول، أشمل، ومعلوم أنه إذا وُجِد معنى أشمل فهو مقدم على المعنى الأقل؛ لأن الأقل داخل في الأشمل، ولا عكس، المهم أن (الحصور) هو الذي منع نفسه عن مساوئ الأخلاق وأراذلها، فيكون في الآية وصف له بكمال الأخلاق وانتفاء المساوئ، وهذا غاية الكمال.
وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَهذه معطوفة أيضًا على مُصَدِّقًا، فهو مصدق ونبي، ولا يلزم من تصديقه بعيسى أن يكون تابعًا له، فها هو محمد صلى الله عليه وسلم مصدق لجميع الأنبياء، وهو تابع لهم؟ لا، هم يتبعونه ولا يتبعهم، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» ، ولهذا صار إمامًا لهم ليلة المعراج، ولهذا إذا نزل عيسى في آخر الزمان يحكم بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام، المهم أن تصديقه لعيسى ابن مريم لا ينافي أن يكون نبيًّا، فهو نبي مصدِّق بالأنبياء، ولهذا قال: وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ، مِنَ الصَّالِحِينَأي: من جملتهم، وإنما قلنا ذلك؛ لأن النبوة وصف أعلى من الصلاح، لكن هو في جملة الصالحين، النبوة صلاح وزيادة، والدليل على ذلك قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء: ٦٩]، فالصالحون في المرتبة الرابعة، كل من قبلهم داخل فيهم، ولّا لا؟ فكل نبي صالح ولا عكس، كل صدِّيق صالح ولا عكس، كل شهيد صالح ولا عكس، كذا؟ كل صالح صالح، صحيح كل صالح فهو صالح.
طالب: ولا عكس.
الشيخ: ولا عكس أيش؟
الطلبة: (...).
الشيخ: العكس ما هم؟ يعني كل فاسد فاسد ولا أيش؟
طالب: عكس كل صالح صالح.
الشيخ: إي نعم، على كل حال قوله: مِنَ الصَّالِحِينَأي من جملتهم؛ لأن النبي أَخَذ بوصف النبوة والصلاح فهو من جملتهم.
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ، قال لما بَشَّره الله عز وجل: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَيعني: كيف، يقول ذلك ليس استبعادًا ولا استنكارًا ولكن تثبتًا، وإلا فإنّا نعلم أن زكريا عليه الصلاة والسلام قد آمن بما بشّره الله به ولا يمكن أن يستبعدها، ولكنه قال ذلك من أجل أيش؟ التثبت، والإنسان بشر ناقص في الإدراك والعلم يحتاج إلى شيء يثبّت له الأمور، إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا شك أنه يؤمن إيمانًا كاملًا لا شك معه بأن الله يحيي الموتى، ومع ذلك قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠]؛ لأنه ليس الخبر كالمعاينة، إذا أخبرك إنسان بخبر مهما بلغ في الصدق لن يكون خبره عندك مثل المعاينة، فزكريا عليه الصلاة والسلام سأل الله: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُبقصد أيش؟ التثبت وتثبيت هذا الأمر لا استبعادًا لقدرة الله عز وجل ولا شكًّا في خبره عز وجل، بل هو مؤمن بذلك ومؤمن بقدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون لا سيما وأنه كان قد رأى عند مريم الرزق فقال: أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ، قال: غُلَامٌمع أنه لم يولد بعد، لكن هذا باعتبار ما سيكون، والتعبير بما سيكون أمر سائغ في اللغة وارد في القرآن قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا [يوسف: ٣٦]، يعني أعصر عنبًا يكون خمرًا؛ لأن الخمر ما هو بيُعصر، اللي يُعصر العنب وعصيره يتحول إلى خمر، فعبّر عن الشيء بما يؤول إليه، طيب هنا أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ، كيف يكون غلام وهو ما بعد وُلِد؟ نقول: باعتبار ما سيكون.
ثم قال: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُالواو هذه يسميها العلماء: واو الحال، يعني أنها تدل على أن الجملة التي بعدها في موضع نصب على الحال، يعني والحال أنه قد بلغني الكبر، حال من أين؟ من الياء في قوله؟
طالب: (...).
الشيخ: لا يا أخي، هي حال من الياء في قوله: لِي، أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ، فهي في موضع نصب على الحال من الياء في قوله: لِي.
بَلَغَنِيَ الْكِبَرُيعني: وصل إليّ الكبر، والحقيقة أنه قد يتراءى للإنسان أن في المعنى قلبًا، هل الكبر بلغك أو أنت بلغت الكبر؟ أو يجوز هذا وهذا؟ قال الله تعالى: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [مريم: ٨]، فصار هو الذي بلغ الكبر، وهنا يقول: قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ، إذن فالتعبير صحيح في هذا وهذا، فأنت إن بلغت الكبر فقد بلغك الكبر، وإذا بلغك الكبر فقد بلغت، وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُيعني: أصابني، وعادة أن الكبير إذا لم يولَد له في حال في سن الشباب فإنه لن يرى الأولاد؛ لأن الإنجاب والإخصاب إنما يكون في حال الشباب، وكلما تقدمت السن بالإنسان من رجل أو امرأة قلّ إنجابه، فيقول: كيف لما كنت شابًّا لا يأتيني ولد والآن بيأتيني الولد؟ أيضًا المرأة، امرأته عاقر، عاقر يعني لا تحمل، وعاقر لفظه مذكر لكن معناه هنا مؤنث، ويطلق على الذكر والأنثى، يقال: رجل عاقر، وامرأة عاقر، وهو الذي لا يولد له، فالآن كل من الزوجين يعني ليسَا بصدد الولادة، ولكن الله على كل شيء قدير، إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن فيكون، ولهذا قال: قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، كَذَلِكَ اللَّهُ(كذلك) يجوز عندي فيها وجهان؛ الوجه الأول: أنها خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر كذلك، يعني أنك بلغك الكبر وامرأتك عاقر ولكن الله يفعل ما يشاء، والوجه الثاني: أن تكون في موضع نصب على المفعولية المطلقة، أي: مثل ذلك الفعل يفعله الله؛ لأنه يفعل ما يشاء، وكلا الوجهين صحيح، فإنه سيكون له ولد ولو كان بلغه الكبر ولو كانت امرأته عاقرًا، لماذا؟ لأن الله يفعل ما يشاء، فكل ما شاءه الله فعله؛ لأنه عز وجل لا يمنعه مانع كما نقول نحن في دبر كل صلاة: اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ، فالله عز وجل يفعل ما يشاء؛ لأن له الملك المطلق في خلقه فلا أحد يمنعه ولا أحد يسأله: لِمَ فعلت، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: ٢٣]، كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، فلما أيقن بأن الله تعالى سيهب له الولد قال: قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً، أي: صَيِّر لي علامة تدل على هذا الولد، يعني كأنه يقول: متى تكون هذه العلامة، رب اجعل لي آية تدل على حصول هذا الولد، وأن الولد بدأ ينشأ، لماذا؟ ليزداد أيش؟ طمأنينة، ليزداد طمأنينة فيما بشّره الله به، اجْعَلْ لِي آيَةًأستدل بها على أن الولد بدأ ينشأ، أو اجْعَلْ لِي آيَةًأزداد بها طمأنينة على ما بشرتني به، والآية في اللغة: العلامة، وآيات الله عز وجل كونية وشرعية، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أُيِّدُوا بماذا؟ بالآيات الدالة على صدقهم، الآيات الكونية والآيات الشرعية، وكثير من الناس يسمي آيات الأنبياء معجزات، وهذه التسمية وإن اشتهرت على الألسن لكن فيها قصورًا، والتعبير الصحيح السليم أن نسميها آيات كما سماها الله، نسمي ما يحصل من خوارق العادات على أيدي الأنبياء نسميها آيات، ولهذا لا تجد آية في القرآن سمى الله هذه الخوارق معجزات أبدًا، بل كان يسميها آيات، علامات على الصدق، أما معجزات فهي قاصرة؛ لأنها لو أخذناها على ظاهرها لشملت ما يأتي به السحرة، أو ما تأتي به الجن؛ لأن ما يأتي به السحرة والجن مُعْجِز ولّا لا؟ معجز، لكن هل هو آية؟ لا، لهذا كان التعبير الذي في القرآن خيرًا من التعبير الذي عبّر به بعض العلماء بتسمية خوارق العادات التي يجريها الله على أيدي الأنبياء معجزات.
قَالَ آيَتُكَيعني: الآية التي تدلك، فأضافها إلى زكريا مع أنه ليس هو الذي أوجدها، لكن لأنها علامة له، أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أنا أحب أن أفهم إعراب آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ؟
طالب: آيَتُكَمبتدأ.
الشيخ: نعم.
الطالب: والكاف مضاف إليه، والمصدر المؤول من (أن) و(...) في محل رفع الخبر.
الشيخ: (أن) وما تحويه في تأويل مصدر؟
الطالب: في محل رفع الخبر.
الشيخ: في محل رفع ولّا في تأويل مصدر خبر، ولا في محل الرفع؟
الطالب: خبر.
الشيخ: خبر؛ لأنها مفرد، واللي يقال: في محل، الجملة، طيب، قدِّر؟
الطالب: الآية (...).
الشيخ: أحسنت تمام، آيَتُكَيعني العلامة التي أعطيك إياها أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا، أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَيعني لا تخاطبهم، إِلَّا رَمْزًا، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍثلاثة أيام بلياليها؟ نعم، بدليل قوله تعالى في سورة مريم: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [مريم: ١٠]، آيته أن لا يكلم الناس بلياليها، قال: إِلَّا رَمْزًا، إِلَّاهذه أداة استثناء، ولكن أحب أن أفهم هل هذا الاستثناء متصل أو منقطع؟
طالب: منقطع.
الشيخ: منقطع؟
الطالب: لأن ما بعد (إلا) ليس من جنس ما قبلها.
الشيخ: الرمز ليس كلامًا؟ كلام ولّا غير كلام؟
الطلبة: لا، غير كلام.
الشيخ: طيب، نعم؟
طالب: السياق أنه متصل؛ لأنه قال أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ، ثم قال له: إِلَّا رَمْزًاعده كلامًا بمعنى أنه متصل.
الشيخ: متصل، هذان قولان.
طالب: أما عند النحويين فلا يسمونه كلامًا، والبلاغيون يسمونه كلامًا.
الشيخ: نعم، هذا قول مفصّل، والواقع أن المفسرين اختلفوا هل الاستثناء متصل فتكون الإشارة من الكلام؛ لأن الكلام هو ما يعبر عما في النفس من قول أو إشارة أو كتابة، وبعض المفسرين يقول: إن الاستثناء منقطع؛ لأن الرمز ليس بكلام، ولذلك لو رمز الإنسان في الصلاة لم تبطل صلاته، ولو كان كلامًا لبطلت؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» ، فمن نظر إلى المعنى قال: إن الرمز كلام؛ لأنه ينبئ عما في النفس، وقد اعتبره الشارع، الشارع اعتبر الإشارة، أليس النبي عليه الصلاة والسلام قتل اليهودي بإشارة الأنصارية، الجارية الأنصارية التي قالت حينما قالوا: من قتلك؟ فلان، فلان، فلان. فأشارت: نعم ، فاعتبر الإشارة، ولا شك أن الإشارة تعبر عن ما في النفس، لكنها ليست القول الذي هو الصوت لا شك فيه هذا أيضًا، فمن لحظ المعنى قال: الاستثناء متصل، ومن لحظ اللفظ وأن الكلام هو الصوت قال: الاستثناء منقطع، ولكن على القولين المعنى واحد، لن يستطيع أن ينطق بلسانه مع الناس، ولكن يشير إليهم إشارة، ووجه كون هذا آية أنه عجز عن النطق مع أنه سليم، وأنه عجز عن النطق مع الناس لا مع الله، وهذا شيء غريب، يعني إنسان يتكلم يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، إنسان سويّ لم يأته آفة ولا علة في لسانه ولا يستطيع أن يكلم الناس؟ هذه آية، عجزٌ في مقام القدرة وقدرة في مقام العجز، عجز عن كلام الناس في مقام القدرة على الكلام، وقدرة على الكلام مع الله بالتسبيح وغيره وعجز عن الكلام مع الناس، فهذا من آيات الله عز وجل؛ ليريه أنه سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، الكلام الذي أنا وغيري يعلم أنه أخف حركة في البدن ولّا لا؟ يستطيع الواحد يتكلم من إلى صار يعطيه الله إمداد في المعنى يتكلم كم ساعة؟
الطلبة: (...).
الشيخ: إلى (...) والله ما (...) عن هذا، لكن يتكلم كثيرًا ولا يتعب، لكن المشي يتعب والبطش يتعب، أما هذا الكلام اليسير اللي كلٌّ يستطيعه يمتنع من هذا الرجل ما يقدر يكلم الناس إلا رمزًا، وأما مع الله فقال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا، ما انتهى الوقت.
طالب: شيخ، الراجح من المسألة الأولى..
الشيخ: أيهم؟
الطالب: التي ذكرناها قبل؟
الشيخ: ما هي؟
الطالب: الكلام يعني الرمز هو كلام..
الشيخ: إن أحببت أن يكون الراجح أن الاستثناء منقطع فهو منقطع، وإن أحب من قال إنه متصل فهو متصل، وإن أحب التفصيل مَن فصل فلنفصل، المسألة ما يترتب عليها شيء.
الطالب: (...).
الشيخ: والله فيه احتمال الحقيقة.
طالب: شيخ..
الشيخ: نعم؟
الطالب: قلنا من شروط استجابة الدعاء الجزم بالدعاء، أن يكون الإنسان موقن الإجابة، وهنا زكريا يعني لما قال قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُمع أنه دعا أول كأنه يعني لم يكن يوقن الإجابة.
الشيخ: لا إله إلا الله! هذا لو كان الاستفهام على سبيل الاستبعاد، وما استفهم مستبعدًا الواقع، مستفهم للتثبت، أنا الآن لو قلت: بأعطيك مثلًا عشرين ريال وأنت ترى أني صادق، قلت: تعطيني عشرين ريال؟ وأيش قصدك بهذا؟ التثبت، ما قصد الاستبعاد ولا الشك.
***
طالب: وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١) وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران: ٤١ - ٤٦].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًاأمره الله تعالى بأن يذكر ربه كثيرًا؛ لأن بذكر الله تطمئن القلوب، ويزداد الإيمان ويستنير القلب، فلهذا أمره الله أن يذكر ربه كثيرًا، وفائدة الذكر كثيرًا هنا أو الأمر بالذكر كثيرًا؛ لأن الله لما أخبره بأنه سيمنعه من مكالمة الناس بشَّره بأنه لن يمتنع من ذكر الله الذي هو أجلّ وأشرف من مخاطبة الناس وكلامهم، فقال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا؛ لأنه ربما يقع في قلبه لما قال الله له: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًاربما يقع في قلبه أن يُمنع من الكلام، فأراد الله تعالى أن يُسَرِّي عنه وأن يُذهب عنه ما قد يقع في قلبه وقال له: اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا، وهنا لم يقل له: وإنك ستذكر ربك، بل قال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ، فأمره بذكر الله؛ ليكون ذكره لله تعالى في حال امتناع مكالمة الناس عبادةً خاصة مأمورًا بها، لما مُنع من مخاطبة الناس صار متفرغًا، فأُمِر بأن يشغل هذا الفراغ بماذا؟ بذكر الله عز وجل، وهذا أحسن له وأفيد له مما لو قال الله له: وإنك ستذكر ربك كثيرًا، ووجهه كما قلت لكم أنه إذا أُمِر به صار طاعة، وإن كان الذكر من أصله طاعة، لكن يكون هذا طاعة خاصة في هذه الحال التي يمتنع فيها من مكالمة الناس.
وقوله: اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا، هل كَثِيرًاصفة لزمن محذوف؟ أي زمانًا كثيرًا، أو لمصدر محذوف أي ذكرًا كثيرًا؟ الثاني، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: ٤١، ٤٢]، وهنا قال: وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ، العشي آخر النهار، والإبكار أول النهار، وهذان الوقتان قد أمر الله بذكره فيهما فقال: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ق: ٣٩]، وقال تعالى: سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِهنا، بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ [ص: ١٨]، والآيات في هذا كثيرة؛ لأن في الإشراق مستقبَل النهار، وفي العشي مستدبَر النهار، فيكون الإنسان شاغلًا وقته أوله وآخره بماذا؟ بذكر الله، من أين يبتدئ العشي؟ العشي يبتدئ من زوال الشمس، بدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي . وهي إما الظهر وإما العصر، وقيل: العشي ما بعد صلاة العصر إلى منتصف الليل، ولكن الأول أصح، نعم المساء يطلَق من صلاة العصر إلى منتصف الليل، وأما العشي فهو آخر النهار.
وقوله تعالى: وَالْإِبْكَارِ، (الإبكار) ليست جمعًا لـ(بَكَر)؛ لأن جمع (بَكَر) (أبكار) كـ(سبب) و(أسباب)، لكنها مصدر أو اسم لهذا الوقت المعين الذي هو أول النهار.
وقوله: سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِيشمل تنزيه الله عز وجل عن كل ما لا يليق به، وقد مر علينا أن تسبيح الله يكون عن أمور ثلاثة: عن صفة العيب، وعن نقص في كماله، وعن مماثلة المخلوقين، انتبهوا (المشابهة) هذه أخرجوها من ألسنتكم، قولوا: مماثلة؛ لأن هذا هو اللفظ الذي جاء به القرآن، فيُسَبَّح الله عن هذه الأمور الثلاثة، ما هي؟ النقص، والنقص في الكمال، ومماثلة المخلوقين.
فالنقص كقوله تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ [الفرقان: ٥٨]، والنقص في الكمال مثل قوله: لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ [البقرة: ٢٥٥]، وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨]، ومماثلة المخلوقين مثل قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١]، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: ٦٥]، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: ٤].
والتسبيح يكون بالقول ويكون بالفعل، فكل مَن عَبَدَ الله فقد سبَّحه، كل من عبد الله فقد سبحه، بالقول ولّا بالفعل؟ بالفعل، وإن لم يكن فيها كلمة (سبحان)؛ لأن العابد تستلزم عبادته المعبود أن يكون كاملًا؛ لأن الناقص لا يمكن للعاقل أن أيش؟ أن يَعْبُدَه، فكونه يعبد الله يستلزم أن يكون مقرًّا له بالكمال مسبِّحًا له عن النقص، واضح يا جماعة؟
وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ، الباء في قوله: بِالْعَشِيِّيحتمل أن تكون للاستيعاب، يعني في كل الوقت، وأن تكون للظرفية، أي في العشي، فإن جعلناها للظرفية لم يلزم أن يستوعب الوقتَ بالتسبيح؛ لقوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]، هم يمرون عليهم كل ليل يدلجون عليهم؟ لا، يمرون في أوله، في آخره، في وسطه، وإذا كانت للاستيعاب فإن المعنى إن الله أمره أن يستوعب هذين الوقتين كلهما، بماذا؟ بالتسبيح.
نرجع الآن إلى الفوائد، قال الله تعالى: هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً، إلى آخره، يؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله، حتى الأنبياء لا يستغنون عن دعاء الله؛ لقوله: دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس، من أين؟ لأنه لما رأى أن الله يرزق هذه المرأة بدون سبب معلوم علم أن الذي يسوق لها الرزق وهي امرأة منقطعة عن التكسب في محرابها قادر على أن يرزقه ولدًا، فيكون انتقال من الشيء إلى نظيره، وهذا هو نفس القياس، صح؟ إذن هو استدل أو أخذ من هذه القصة عبرة وهو أن يسأل الله أمرًا وإن كان مستبعدًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصيغة التي يُتَوَسَّل بها في الدعاء هي اسم الرب؛ لقوله: رَبَّهُ، ولم يقل: الله، ولهذا تجدون أكثر الأدعية مصدرة بالرب؛ لأن إجابة الداعي من مقتضى الربوبية، ولّا لا؟ لأنها فعل، وكل الأفعال من مقتضى الربوبية، فلهذا يتوسل الداعي دائمًا إلى الله بالرب، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ» .
ومن فوائد الآية الكريمة:أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه الولد، من أين يؤخذ؟ من قوله: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ.
طالب: بقول يا شيخ بفرضكم بُكْرَةً وَعَشِيًّاوبِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ، بكرة وعشيا تعني (...) كله، والعشي والإبكار تعني (...).
الشيخ: إذا جعلنا الباء للظرفية صحيح صار بينهما فرق، إن جعلناها للاستيعاب لم يكن فرق.
الطالب: أن الاستيعاب بس..
الشيخ: لا الاستيعاب إن كل الوقت، يستوعب كل الوقت، وليس المعنى دون غيرهما، لكن هذين الوقتين مخصوصان بالتسمية ولا غيره يسبح، لكن هذا أهم شيء.
طالب: (...) مخصوص معًا ولا..؟
الشيخ: لا ليس معًا، ولهذا أكثر ما تكون التسبيحات والتهليلات في أول النهار وآخره.
طالب: قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، من هو القائل اللي رد عليه زكريا؟
الشيخ: اقرأ من نادى زكريا؟
الطالب: الملائكة.
الشيخ: إذن يكون القائل معناه واصل، ما وصلنا للحقيقة، هذا سؤال مطروح.
طالب: التسبيح، قلنا: التسبيح يشمل الفعل والقول، الذي يسبح في سره ما يشمل ذلك؟
الشيخ: حديث النفس يعني؟ حديث النفس يدخل في هذا، لكنه من الفعل؛ لأنه حدّث نفسه.
طالب: هل نقول: سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: أن سيدنا محمد، والله محمد سيدنا، لكن هل الصحابة يقولون كذا؟
طالب: رسول الله.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: نشأ من أبوين مشركين، بينما يحيى عليه السلام من أبوين صالحين، فيؤخذ من قوله تعالى: وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَالجمع بين النبي والصلاح؟
الشيخ: يعني أنه وُلِد من صالحين.
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو بالظاهر، هذه من بيان لحال يحيى.
طالب: شيخ بعض الناس يقولون: يا سيدي، هل فيها شيء؟
الشيخ: يا سيدي من؟
الطالب: يعني إذا تكلم يقول: يا سيدي.
الشيخ: إذا كان الرجل أهلًا للسيادة لا بأس، يعني مثلًا لو قال: يجي واحد لفاسق فاجر يقول له: يا سيدي، ما يجوز، لكن الأهل للسيادة لا بأس.
طالب: القياس يا شيخ، هل صح الإنسان إذا شاف أي شيء يعني مثلًا دعاء يقيس عليه يعني؟
الشيخ: إذا كان لا عدوان في ذلك فلا بأس، إذا ما فيه عدوان لا بأس، أما مثلًا يجيء يدعو الله يقول: اللهم اجعلني نبيًّا رسولًا، هذا حرام، طيب كلامنا مع الأخ السائل يقول: سيدي، سيدنا محمد، هل معنى ذلك إنه يحرم إن الإنسان يقول: قال سيدنا محمد؟
طالب: لا يحرم.
الشيخ: لا يحرم.
الطالب: لأنه سيد الأولين والآخرين.
الشيخ: ولأننا نحن ينبغي أن نتأدب كأدب الصحابة، كأدب الصحابة، إذا ساقوا الحديث عن الرسول ما هم بيقولون: قال سيدنا، قال رسول الله، قال نبي الله.
طالب: شيخ، (...) يا سيدي يا مولاي..
الشيخ: إذا صدق الوصف فلا بأس، لو قال العتيق لمن أعتقه: يا مولاي، صح.
***
طالب: وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران: ٤٢ - ٤٦].الشيخ: قال الله تعالى: هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، أخذنا منها أربعة فوائد؟
طالب: الأولى: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله حتى الأنبياء، ثانيًا: إثبات القياس؛ لأنه لما رأى أن الله يرزق هذه المرأة بدون سبب معلوم علم أن الذي يسوق لها الرزق وهي امرأة منقطعة التكسب في محرابها قادر على أن يرزقه..
الشيخ: أن يرزقه الولد، ولّا لا؟ نعم.
الطالب: الثالثة: أن الصيغة التي يتوسل بها بالدعاء هي اسم الرب، الرابعة: أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه ولد.
الشيخ: طيب الثالثة؟
الطالب: أن الصيغة التي يتوسل بها بالدعاء هي اسم الرب.
الشيخ: غالبًا، الرابعة؟
الطالب: الرابعة: أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه ولد؛ لقوله: وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ.
الشيخ: نعم.
من فوائد الآية ما يستفاد من قوله: هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ، حيث أضاف الهبة إلى الله عز وجل، وهبة الكريم تكون كبيرة، ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم فيما علّمه أبو بكر الدعاء الذي يدعو به في صلاته قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي» ، وكما أشرنا إليه أن الشيء من الكريم يكون عظيمًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل مطلق الذرية؛ لأن الذرية قد يكونون نكدًا وفتنة، وإنما يسأل الذرية الطيبة.
ومن فوائد الآية الكريمة التي تشير إليها إشارة: أنه ينبغي للإنسان أن يفعل الأسباب التي تكون بها ذريته طيبة ومنها الدعاء، دعاء الله، وهو من أكبر الأسباب، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن الرجل يبلغ الأشد أنه يقول: أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف: ١٥]، ولا شك أن صلاح الذرية أمر مطلوب؛ لأن الذرية الصالحة تنفعك في الحياة والممات؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» .
من فوائد الآية الكريمة: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه المناسبة للحاجة؛ لقوله: إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، أي: مجيبه، وهكذا ينبغي أن تكون الأسماء التي يتوسل بها الإنسان في دعائه مناسبة لأيش؟ للمدعو به، فالداعي بالمغفرة يتوسل باسم الله الغفور، وبالرحمة الرحيم، وبالرزق باسم الرزاق، وهكذا، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]، فإن قوله: ادْعُوهُ بِهَايتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة، يشمل دعاء المسألة؛ أن تجعلها وسيلة لدعائك، ودعاء العبادة أن تتعبد لله تعالى بمقتضاها، فإذا علمت أنه سبحانه غفور فتعرض لمغفرته، وإذا علمت أنه رحيم كذلك، وهكذا، فقوله عز وجل: ادْعُوهُ بِهَايتناول هذا وهذا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات سمع الله وكرم الله وقدرة الله، من أين يؤخذ؟
طالب: كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
طالب: إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ.
الشيخ: وجه ذلك؟
الطالب: أنه سمع الدعاء فأجابه.
الشيخ: طيب، هذا واحد، إثبات القدرة؟
طالب: القدرة على الإجابة.
الشيخ: القدرة على الإجابة، نعم، الثالث؟
طالب: أنه لا يعطي إلا الكريم.
الشيخ: نعم، إثبات الكرم لله؛ لكونه عز وجل يجب من دعاه، فإن قال قائل: أحيانًا يدعو المرء ولا يستجيب الله دعاءه؟ وهنا زكريا صلى الله عليه وسلم يقول: إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، وقال إبراهيم: إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: ٣٩]، فما الجواب؟ الجواب أن يقال: إن عدم إجابة الله الدعاء إما أن تكون لوجود مانع، وإما أن تكون لمصلحة الداعي، أو لفوات شرط، فأما إذا تمت الشروط وانتفت الموانع ولم تقتضِ المصلحة خلاف ما دعا به الداعي فإن الله تعالى يستجيب الدعاء قطعًا؛ لأن الله تعالى يقول: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠]، فإذا دعا الإنسان ربه وقلبه لاهٍ، يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرّب إليه من قول وعمل، لكنه في زمن الاختبار قلبه يتجول بين صفحات الكتاب، هذا غافل ولّا حاضر؟
الطلبة: غافل.
الشيخ: غافل؟ نعم، لا يستجيب دعاءً من قلب غافل، كيف تسأل الله سبحانه وتعالى وهو يعلم ما في نفسك وتناجيه: يا رب أعطني كذا، وأنت قلبك مشغول بشيء آخر؟ هذا والله فيه سوء أدب، هذا تتخلف إجابة الدعوة لعدم وجود الشرط، لانتفاء الشرط، ما حضر قلبه، قد يكون ذلك لوجود مانع، ومنها - أي من الموانع - أن يكون الإنسان آكلًا للحرام -والعياذ بالله - فإن أكل الحرام من أكبر موانع إجابة الدعاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ، ثم ذكر النبي الله صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب»، أربعة أسباب من أسباب إجابة الدعاء «وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» - أعوذ بالله - استبعد أن الله يجيب هذا الداعي، فهنا تخلفت إجابة الدعاء، لماذا؟ لوجود مانع.
وقد تكون لمصلحة الداعي، يدّخر الله له عنده ما هو أعظم مما سأل، أو يعلم سبحانه وتعالى أنه لو أجابه لحصل عليه مضرة في دينه، مثل أن تكون إجابته سببًا لفتنته عن دينه، فبرحمة الله وحكمته لا يستجيب له هذا الدعاء، لمصلحة من؟
الطلبة: الداعي.
الشيخ: لمصلحة الداعي، ولهذا ينبغي للإنسان أن لا يضجر إذا دعا الله فلم يستجب له، وأن لا يسأم ويستحسر، فيقول: دعوت ثم دعوت فلم يستجب لي، فإنه إذا قال ذلك لم يستجب له، فزال الإشكال الآن؟ زال الإشكال الذي قد يَرِد على قوله: إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، وبقي إشكال آخر وهو أن يقال: لا فائدة من الدعاء؛ لأن المدعوّ به إن كان قد كُتِب لك فسوف يأتيك بلا دعاء، وإن لم يُكتب لك فلن يأتيك ولو دعوت، هكذا يقول بعض الناس، فبماذا نجيب؟ نجيب أولًا: أن هذا قول باطل من أصله؛ لأنه يقتضي تسفيه الرسل والأنبياء والصالحين، بل يقتضي أن الله عز وجل يأمر بما لا فائدة فيه، فإن الله قال: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي، فكيف يأمر عز وجل بأمر لا فائدة منه؟! هذا مستحيل، فهذا القول باطل من أصله، ثم نقول: الشيء يُكتب لك لكن بسبب، فإذا كان الله قد كتب لك ذرية طيبة بسبب دعائك فإنه إذا انتفى الدعاء انتفت الذرية الطيبة؛ لأن الله قدرها -أي الذرية الطيبة- مقرونة بأيش؟ بالدعاء، وهل يقول عاقل: أنا لا أتزوج، إن كان الله قد أراد لي ولدًا جاء بلا نكاح، وإن لم يُرِد لي ولدًا لم يأت ولو تزوجت، هل يقول هذا عاقل؟ لا، ما يقوله، نقول: إن الله قدر لك الولد بالنكاح، تزوج يأتيك الولد.





