تفسير الآيات (42-51)
وهل يقول عاقل: أنا لا أتزوج، إن كان الله قد أراد لي ولدا جاء
بلا نكاح، وإن لم يرد لي ولدا لم يأت ولو تزوجت، هل يقول هذا عاقل؟ لا، ما يقوله،
نقول: إن الله قدر لك الولد بالنكاح، تزوج يأتيك الولد، وهكذا الدعاء.
إذن فالدعاء لا شك أنه من أقوى الأسباب لحصول المطلوب وزوال المكروه، وهذا أمر معلوم، ويكون الله تعالى قد قدر هذا الشيء الذي هو حصول مطلوبك أو زوال مكروهك، قد قدره مقرونا بأيش؟ بهذا السبب، بالدعاء، فيكون الدعاء مقدرا والمدعو به مقدرا من عند الله عز وجل، لكن أنت لا تدري، أنت عليك فعل السبب الذي تعلمه وهو الدعاء، وما وراء ذلك فليس إليك، وهكذا جميع المقدورات كلها يرد عليها هذا الإيراد، ولكن يجاب بهذا الجواب؛ بأن الله قدر هذه الأشياء مقرونة بأسبابها.
ثم إننا نقول: إن الدعاء نفسه عبادة، نفس الدعاء عبادة، إذا رفعت يديك إلى ربك: يا رب، هذا ذل وخضوع لله عز وجل، وهو من أجل العبادات، فالدعاء نفسه عبادة، سواء أجبت أم لم تجب، فلماذا لا تكثر من الدعاء؟ كذا؟ وأيش قلت؟
طالب: الدعاء عبادة في ذاته، فالإنسان يدعو الله سبحانه وتعالى ولو لم..
الشيخ: ويكثر من الدعاء.
قال: إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [آل عمران: ٣٨] ثم قال عز وجل: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ [آل عمران: ٣٩].
من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الملائكة، وقد سبق عن قريب شيء من الكلام عليهم، وأنهم عالم غيبي مخلوقون من نور، خلقهم الله عز وجل لما أعدهم له، فقاموا به على حسب ما أراد خالقهم عز وجل، كأن يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ» . الأطيط: ما يسمع من صرير الرحل على البعير المحمل حملا ثقيلا.
طالب: الصريح يا شيخ ولا الصرير؟
الشيخ: الصرير، «مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ».
ففي هذه الآية: نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُإثبات الملائكة، ما حكم إنكار الملائكة؟
حكمه الكفر؛ لأنه تكذيب للقرآن.
لو قال قائل: أنا لا أنكرهم وأقول: فيه ملائكة، لكن الملائكة هي قوى الخير والشياطين قوى الشر، فأجعلهم معاني لا ذوات.
نقول: وهذا أيضا إنكار لهم؛ لأن الله قال: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ [فاطر: ١] كيف تكون قوى؟ أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة تتكلم بصوت مسموع؛ لقوله: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ [آل عمران: ٣٩].
ومن فوائدها: جواز تكليم المصلي؛ لقوله: نَادَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يكلم بعضهم بعضا في الصلاة، لكن المكلم وهو يصلي لا يخاطب الآخر، لكن يفهم ما يقول ويجيبه بالإشارة، لكن هل هذا على إطلاقه بالنسبة لجواز الكلام مع المصلي؟
الجواب: هذا الأفضل تركه إلا لحاجة؛ وذلك لأنك إذا كلمته وهو يصلي فإنك تشوش عليه، وربما ينسى ويخاطب كما يقع هذا كثيرا.
من فوائد الآية الكريمة: مشروعية تبشير الإنسان بما يسره؛ لقوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى [آل عمران: ٣٩] وهذا أمر مشروط في نوعه وجنسه، ففي النوع سبق أن الله تعالى أخبر عن الملائكة أنها بشرت إبراهيم بإسماعيل وبإسحاق، إسماعيل قال الله فيه: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ [الصافات: ١٠١]، وإسحاق وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ [الذاريات: ٢٨].
وهل من البشارة ما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ» ، أو هذا من باب التحدث بنعمة الله؟
طالب: الثاني.
الشيخ: هذا هو الأصل، الثاني، أنه من باب التحدث بنعمة الله هو الأصل.
ومن فوائد الآية الكريمة..
طالب: البشارة بالجنس.
الشيخ: نعم.
الطالب: النوع والجنس.
الشيخ: البشارة بالجنس أن الإنسان يبشر بأي خير كان، بأي شيء كان جاءت به السنة من مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ حَتَّى يَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ» ، فإن هذا يدل على إدخال السرور على المسلم، وهو كذلك، سواء كان ببشارة أو بغيرها.
قال: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ٣٩] إلى آخره، يستفاد من هذا أيضا: جواز تقديم التسمية على اليوم السابع، وهو كذلك، أنه يجوز أن يسمي الإنسان مولوده من ذكر أو أنثى قبل اليوم السابع، وهذا إذا كان الاسم مهيأ، أما إذا كان غير مهيأ فإنه ينبغي أن يؤخر إلى اليوم السابع.
ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من صدق المرسلين؛ لقوله: مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِفإن الله قال ذلك على سبيل الثناء على يحيى، ولا شك أن من صدق من قامت البينات على صدقه فإنه محمود، حتى في الأمور الدنيوية، إذا صدقت من قامت البينة على صدقه فهذا لا شك أنه خير، وأما إذا صدقت من لم تقم البينة على صدقه فهذا استعجال، وأما إذا صدقت من قامت البينة على كذبه فهذا خبال؛ أن تصدق من قامت البينة على كذبه.
فالأحوال ثلاثة: من قامت البينة على كذبه فتصديقه خبال وسفه في العقل وضلال في الدين، ومن قامت البينة على صدقه فتصديقه كمال يحمد الإنسان عليه، ومن لم تقم البينة على صدقه ولا كذبه فتصديقه استعجال؛ لأن مثل هذا الخبر ينبغي أن يتأنى الإنسان فيه، ولهذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦] لم يقل عز وجل: ردوه ولا اقبلوه، نتبين حتى ننظر؛ لأنه قد يكون صادقا.
من فوائد الآية الكريمة: أن يحيى عليه الصلاة والسلام سيكون سيدا؛ وذلك لأنه أحد الأنبياء، والأنبياء هم سادة الخلق وأفضل الخلق.
ومن فوائدها أيضا: أن يحيى عليه الصلاة السلام مع توافر صفات الكمال في حقه بالسيادة فإنه بالإضافة إلى ذلك كان ممنوعا من سوء الأخلاق؛ لقوله: وَحَصُورًا، فإن أصح وأعم ما قيل فيها أنه ممنوع عن مساوئ الأخلاق.
ومن فوائدها أيضا: أن يحيى من الأنبياء؛ لقوله: وَنَبِيًّا، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، قال الله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ [النساء: ١٦٣] إلى آخره، وقال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ [غافر: ٧٨] وما قصهم الله علينا يقصهم بلفظ النبوة في الأكثر، فيكون كل من ذكر في القرآن بوصف النبوة فهو رسول.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء من الصالحين، بل هم في أعلى مراتب الصلاح، فإن مراتب الصلاح أربعة: النبوة والصديقية والشهادة والصلاح، إذا ذكرت جميعا صارت مراتب، وإن لم تذكر جميعا صار الصلاح عاما؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ -عِبَاد اللهِ الصَّالِحِينَ- فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» .
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ [آل عمران: ٤٠] إلى آخره.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان في طلب ما تطمئن به نفسه؛ لأن زكريا عليه الصلاة والسلام ما شك في خبر الله، لكن أراد أن يتقدم إليه الفرح والاستبشار بقوة البراهين؛ لأن خبر الله لا شك أنه برهان، لكن كلما ازدادت البراهين ازدادت قوة اليقين، فهنا سأل أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُيعني تعجبا من قدرة الله عز وجل؛ أن يكون له غلام وقد بلغه الكبر؛ لأن الغالب أن الإنسان إذا بلغ الكبر يقل إنجابه، وربما عدم بالكلية، والعقر إلى النساء أقرب منه إلى الرجال، ولهذا تكون المرأة عاقرا قبل أن يكون الرجل عاقرا.
ومن فوائد الآية الكريمة نقول: إن الإنسان يملك ولده؟
طلبة: لِي..
طلبة آخرون: اللام.
الشيخ: اللام، تأملوا.
طالب: اختصاص.
الشيخ: أو نقول: اللام لا تتعين للملك؟
طالب: لا غلط.
الشيخ: إي ما تتعين، اللام لا تتعين للملك، قد تكون للاختصاص؛ لأن الإنسان لا يملك ولده كما يملك عبده، لو أراد أن يبيع ولده ما صح، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» فالمراد بذلك المنافع، أو أن المراد بذلك المبالغة؛ لأن هذا الرجل لما جاء يشكو إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن أباه اجتاح ماله -يعني: أخذه- قال له: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»، فيكون هذا إما من باب المبالغة أو أن منافعك لأبيك كما أن مالك لأبيك.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز وصف الإنسان بما يكره إذا كان المراد مجرد البيان، لا القدح والعيب؛ لقوله: وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ [آل عمران: ٤٠]؛ لأنك لو وصفت المرأة بأنها عاقر لكرهت ولّا سرت؟ كرهت، معلوم، لو تقول لها: أنت لك أربعين سنة ربت، نعم كيف عاد تقول: أنت عاقر، لكن إذا كان المراد بيان الأمر على وجهه دون العيب والقدح فإن هذا لا بأس به، ودليل ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ» ، لكن هذا من باب المشورة، ولكن لم يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعيب الرجل، بل قصد أن يبين حاله ليكون الإنسان معه على بصيرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات فعل الله؛ لقوله: كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٠].
ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات أفعال الله الاختيارية المتعلقة به والمتعدية إلى غيره، أفعال الله الاختيارية يعني التي تقع باختياره، ولا شيء يقع من أفعال الله إلا باختياره، لكن منها شيء متعلق به مثل الاستواء والنزول والضحك والفرح، وأشياء متعلقة بغيره، مثل: الخلق، فإن الخلق يتعدى إلى الغير، فأهل السنة والجماعة يثبتون النوعين: الفعل الخاص به عز وجل الذي لا يتعداه إلى غيره، والفعل الذي يتعداه إلى غيره، ويقولون بلا شك: إن الرب الذي يفعل ما يشاء أكمل من الرب الذي لا يستطيع الفعل.
غالب الأشاعرة إن لم أقل: كل الأشاعرة والمعتزلة ومن ضاهاهم يقولون: إن الله ليس له أفعال اختيارية؛ لا يستوي، ولا ينزل، ولا يجيء، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يحب، ولا يكره... إلى آخر ما يقولون في نفي الأفعال الاختيارية.
علتهم أوهى من أي علة كانت، العلة قالوا: لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، والله عز وجل أزلي أبدي، فيقال لهم: أولا: من قال لكم هذا: إن الحوادث لا تكون إلا بحادث، من قال هذا؟! عندكم بذلك وحي، أو مجرد قياس عقلي فاسد ذكرتموه؟!
الحقيقة أن هذا قياس عقلي فاسد؛ فإن الحوادث لا يلزم ألا تقوم إلا بحادث؛ لأنه من المعلوم أن المحدث سابق على الحدث، وإذا كان المحدث سابقا على الحدث لم يلزم أن يكون المحدث حادثا؛ أنت الآن تأكل الغداء اليوم، والغداء اليوم بالنسبة لك حادث متى؟ وقت حدوثه، وأنت موجود من قبل، فالرب عز وجل يفعل الأفعال هذه في وقت فعلها، وهو لم يزل موجودا، لكن على زعمكم أنتم وعلى مذهبكم الباطل يلزم أن يكون الله سبحانه وتعالى لا يفعل أي فعل، معطلا عن الأفعال، وهذا عيب ولّا كمال؟ عيب؛ لأن من يفعل أكمل ممن لا يفعل باتفاق الناس، وليس يعتري الله عز وجل من إثبات الفعل في حقه أي نقص بأي وجه من الوجوه.
والآيات كثيرة في إثبات فعل الله كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٠]، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٦]، وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: ٢٧]، والنصوص في هذا كثيرة ولله الحمد، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بها.
ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الجمع على الواحد، أو ما يصلح؟ قوله: قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُمن القائل؟ الله؟ إن كان هو الله فهذه الفائدة لاغية، وإن كانت الملائكة فهذه الآية تدل على أن القائل واحد وأن قوله: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ [آل عمران: ٣٩] يعني واحدا منهم، وقد سبق في التفسير الخلاف في ذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله.
طالب: كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
الشيخ: وأين؟
الطالب: مَا يَشَاءُ.
الشيخ: مَا يَشَاءُصح، ولكن كل شيء قيده الله بالمشيئة فهو؟
طالب: فهو بحكمة.
الشيخ: مقرون بالحكمة، ما دليلك على هذا؟
طالب: قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠].
الشيخ: نعم فقال: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، فدل على أنه لا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة، وهو كذلك.
إذا قال قائل: يشكل على هذا: أن الله قد شاء الخير والشر، فما الحكمة من الشر؟ تأملوها إلى الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
طالب: يا شيخ فيه فائدة (...) فأجاب دعاءه؛ لأنه قال: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ(...) الدعاء؟
الشيخ: إي نعم يقول: فيها فائدة سرعة إجابة الله تعالى الدعاء؛ لقوله: فَنَادَتْهُفإن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب. وعند محمد الواصل فائدة هنا، ما هي؟
الطالب: في قوله تعالى: مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍجواز إطلاق الكلمة الواحدة على الكلام الكثير؛ لأن يحيى عليه الصلاة والسلام ليس مصدقا بكلمة واحدة، وإنما مصدق بجميع كلام الله عز وجل.
الشيخ: ما هي الكلمة التي صدق بها يحيى؟
الطالب: الكلمة التي صدق بها؟
الشيخ: نعم.
الطالب: (...) في قصة عيسى.
الشيخ: ما هي الكلمة التي في قصة عيسى؟
الطالب: نسيتها، هي الآية التي في سورة آل عمران.
طالب: نقول يا شيخ: الكلمة فعلا كلمة؛ لأن الكلمة هي: كُنْ.
الشيخ: صحيح، يقول: إن الكلمة هي قوله تعالى في عيسى: كُنْلكن إطلاق الكلمة على الكلام هو الأصل في اللغة العربية؛ أن الكلمة يراد بها الكلام حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] كم قال من كلمة هو؟ أربع كلمات، أربع جمل أيضا هو قائلها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ» .
(ألا كل شيء ما خلا الله باطل) كلمة ولّا كلمات؟ كلمات، فقول ابن مالك رحمه الله:
يعني باصطلاح النحويين، لا بمقتضى اللغة العربية، اللغة العربية لا تطلق الكلمة إلا على الكلام المفيد، لكن النحويون رحمهم الله أطلقوا الكلمة على القول المفرد.
طالب: جزاكم الله خيرا، فيه بعضهم يقول: إن من يأكل الربا إنه لا يدعو الله لأنه لا فائدة من دعائه، لأنه لو دعا لن يجاب له (...)؟
الشيخ: إيه، والله مشكل كأنه كبير، أقول: هذا مشكل يعني: مشكل حقيقة، هذا مشكل، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم استبعد ولم يقل: إنه مؤكد، قال: «أَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» يعني استبعد الإجابة، ليس معناه أنه قطعا لا يجاب، ولكن الذي يأكل الربا نقول: هل تحب أن الله يغفر لك؟
الطالب: سيقول: نعم.
الشيخ: يقول: نعم لكن ما أنا بداع والله ما يجيبني، نقول: اترك الربا، مثلما قال الفقهاء رحمهم الله في الرجل العاصي بسفره إذا اضطر إلى الميتة إما أن يأكل منها أو يموت؟ قالوا: يموت ولا يأكل منها، ولكن الله ما أحل الميتة للمضطر؟ هم يقولون: لا يمكن، ولا تحل له، وأيش يسوي؟ يموت؟ قالوا: يموت، لكن هنا شيء قبل الموت يقدره وهو أن يتوب، نقول: تب وكل، إذا كنت قاطعا تذكرة لتروح لبلد تفجر به الغِ التذكرة وكل.
يصلي ركعتين الرباعية ولّا ما يصلي؟ ما يصلي ركعتين الرباعية، فيه خلاف على كل حال القائلين بأنه لا يجوز، قال: وأيش أسوي يا جماعة أنا مسافر؟ نقول: تب وصل ركعتين.
كاد يهلك من العطش في رمضان وهو مسافر وقال: هل أفطر؟ ماذا نقول له؟ لا تفطر، قال: يا جماعة، أنا مت من الظمأ، نقول: مت. وأيش الطريق؟
طلبة: تب إلى الله.
الشيخ: نقول: تب واشرب.
طالب: يا شيخ يقال لهم: تب وبعدين ادع؟
الشيخ: إي نعم يقول: تب وادع الله.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، بعض الناس -أحسن الله إليكم- إذا دخل المسجد والناس يتسننون في المسجد يسلم عليهم، علما كثير من الناس تخفى عليه (...) الرد بالإشارة، وبعض الناس إذا دخل على مكان خالٍ كغرفة أو ما شابه ذلك ما فيه أحد سلم وقال: أنا أسلم على الملائكة؟
الشيخ:كلاهما لا أصل له، لكن السلام على المصلي لا بأس به أحيانا؛ لأن الصحابة كانوا يفعلون هذا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينهاهم.
طالب: شيخ، لكن الناس ما يعرفون ما يردون..؟
الشيخ: على كل حال أحيانا لا يجعله دائما.
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أظن بقي علينا فوائد من؟
طالب: إن الله شاء الخير والشر..
الشيخ: إي نعم، إثبات المشيئة لله في قوله: كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٠] وبينا أن المشيئة المطلقة مقيدة بالحكمة؛ لقوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠]، ليست مجرد مشيئة ولكنها مشيئة مقرونة بالحكمة. وذكرنا أنه يستفاد من العموم مَا يَشَاءُالشمول للخير والشر، ولكن الشر لا يضاف إلى الله؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» ، ولهذا جاء في الثناء على الله: «بِيَدِهِ الْخَيْرُ» ، ولم يقل: والشر؛ لأن الشر لا ينسب إليه، وإنما الشر في المفعولات البائنة منه، أما فعله نفسه -يعني نفس الفعل- فليس فيه شر؛ لأن الله لا يفعل شيئا فيه شر إلا لخير، فمثلا الشر يشاؤه الله عز وجل ومشيئته له ليست شرا، بل هي خير، لوجوه متعددة؛ الأول: أنه لا يمكن أن يتبين الخير إلا إذا وجد الشر، إذ لا تتبين الأشياء إلا بضدها، ولو كانت كل مفعولات الله خيرا ما عرف الشر، ولا وجد الشر أصلا، فلا يتبين الخير وخيريته إلا بوجود ما يقابله وهو الشر، هذه من الحكمة.
ومن الحكم أيضا: ابتلاء الناس وامتحانهم؛ فإن الطريق لو كان كله خيرا ما حصل في ذلك ابتلاء وامتحان، إنما يكون الابتلاء والامتحان إذا وجد طريقان، أحدهما خير وقيل للناس: اسلكوه، والثاني شر وقيل للناس: لا تسلكوه، تبين بذلك الصادق من الكاذب، ولا يمكن الامتحان إلا بذلك.
ومنها -من الحكم في إيجاد الشر- أنه لا يستقيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي فضلت به هذه الأمة إلا بوجود الشر، حتى يؤمر بالخير الذي يقابله وينهى عن الشر الذي هو مفسدة، لو كانت كل الأمور خيرا ومعروفا لم يكن هناك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ لأن الإنسان لا سبيل له إلا هذا المعروف الخير، فلا يمكن أن يؤمر بشيء لا سبيل له إلا هو.
ومن الحكم أيضا: إقامة الجهاد في سبيل الله، فإنه لولا الخير والشر ما قام الجهاد في سبيل الله؛ إذ إن الجهاد صراع بين أولياء الله القائمين بالخير وأعداء الله القائمين بالشر، ولولا هذا ما حصل الجهاد في سبيل الله.
ومن الحكم في ذلك: بيان قدرة الله عز وجل بخلق الأشياء المتضادة، فإن خلق الأشياء المتضادة لا شك أن فيه دليلا على قدرة الله سبحانه وتعالى، ولولا هذه المتضادات خلقها وإيجادها لم يتبين كمال القدرة؛ لأن خلق الشيء مع ضده أبلغ في القدرة من خلق الشيء الذي لا ضد له.
ومن حكم إيجاد الشر: أنه حافز إلى لجوء الإنسان إلى ربه، وكثيرا ما يحمل الناس على اللجوء إلى الله والأوراد والاحترازات وجود الشر، ولولا وجود الشر ما لجأ الناس إلى الله؛ لأنهم في خير.
ومنها -أي من حكم إيجاد الشر- أن الإنسان يعرف به قدر نعمة الله عليه، حيث يجد أناسا كثيرين من أهل الشر والفساد، وقد منّ الله عليه هو بالخير والصلاح والإصلاح، فيعرف بذلك قدر نعمة الله عليه، فيشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة التي منّ بها عليه بمحبة الخير والسعي فيه، ثم يحمد الله مرة ثانية أن نجاه من الشر والفساد وأهله، والنجاة من الشر والفساد وأهله لا شك أنها نعمة عظيمة فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: ٢٨].
ومن الحكمة في خلق الشر: إظهار ضعف الإنسان وعجزه أمام قوى الشر، فإن الإنسان تؤرقه عن منامه وتقض مضجعه بعوضة، بعوضة من أوهن المخلوقات تمنعه من النوم، وإذا كان شابا ثقيل النوم منعته من لذة النوم، يمكن ينام لكن يتحقرص؛ تقرصه مرة مع اليد، مرة مع الرجل، مرة مع الوجه، فتحرمه من لذيذ النوم، وهي ما هي؟ شيء ضعيف بعوضة، فيعرف الإنسان بذلك قدر نفسه، وأنه ضعيف أمام قوى الشر، حتى لا يتكبر ويتعاظم.
ولهذا ذكر أن ملكا من الملوك الجبابرة كان يتحدث مع قومه ويسخر ويقول: ما الحكمة من خلق الذباب؟ الذباب يحمل الجراثيم ويحمل الأمراض وما أشبه ذلك فما الحكمة منه؟ فقال أحد الحاضرين: الحكمة منه أن يذل أو أن يرغم أنوف الجبابرة مثلك. نعم لأن هذا الذباب المهين يقع على أنف هذا الرجل الجبار الذي لا يدخل البشر إليه إلا باستئذان وله حاجب من وراء حاجب، وهذا الذباب المهين يأتي ويقع على أنفه، وربما يصيبه بعذرته أيضا، نعم إذا جاءه وهو نائم وكان ثقيل النوم يمكن الذباب يكيف عليه.
على كل حال هذا أيضا من حكمة الله سبحانه وتعالى في خلق الشر، وهناك حكم ربما يظهر للمتأمل منها شيء كثير.
وبهذا نعرف كمال حكمة الله سبحانه وتعالى وربوبيته، ومن عرف الله ازداد في عبادته، كما قيل: من كان بالله أعرف كان منه أخوف وله أطوع.
قال: قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٠] ثم قال الله عز وجل: قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا [آل عمران: ٤١].
من فوائد هذه الآية: جواز البحث عما يزيد به الإيمان، وإن كان الإيمان موجودا، بل قد نقول: وجوب البحث عما يزيد به الإيمان؛ لأن الإنسان مطلوب منه أن يقوي إيمانه بكل وسيلة.
ومن فوائدها -من فوائد الآية الكريمة- تمام قدرة الله سبحانه وتعالى بخوارق العادات، فإن كون زكريا عليه الصلاة والسلام لا يكلم الناس إلا رمزا، لكن في باب التسبيح ينطلق لسانه، هذا من آيات الله، ولهذا قال: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآية قد تكون على عكس ما طلبت له، فهي قد طلبت لتحقق الوجود فيما بشر به، والآية كانت على العكس، كانت إعدام موجود، وهو أيش؟ الكلام، كان قادرا على الكلام فمنع من الكلام، كان في الأول كبير السن وامرأته عاقر فوُجد له الولد، فالآية وما كانت آية له بينهما أيش؟ تضاد، هذا وجود وهذا عدم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإشارة تقوم مقام العبارة، من أين تؤخذ؟
طالب: إِلَّا رَمْزًا.
الشيخ: كيف يعني من أين تؤخذ؟
الطالب: ألا تكلم الناس إلا رمزا.
الشيخ: ما هي الفائدة اللي قلنا؟
الطالب: تكلم الناس بالإشارة.
الشيخ: لا.
طالب: أن الإشارة تقوم مقام العبارة.
الشيخ: أن الإشارة تقوم مقام العبارة، لقوله: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ... إِلَّا رَمْزًاوهذه الفائدة مبنية على أيش؟
طالب: فائدة (...)
الشيخ: إيه لكن مبنية على أي شيء بالنسبة لتفسير الآية؟
الطالب: مبنية على قوله: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [مريم: ١٠].
الشيخ: لا.
الطالب: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا [آل عمران: ٤١].
طالب: على أساس أن الاستثناء متصل.
الشيخ: نعم، مبنية على أن الاستثناء متصل، فتكون الإشارة من الكلام.
وفائدة أخرى: أن الإشارة تقوم مقام العبارة عند العجز عن التعبير، من أين تؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: من أين تؤخذ قبل وبعدين نشوف وجه المأخذ؟
طالب: قوله: إِلَّا رَمْزًا.
الشيخ: وجه المأخذ؟
الطالب: نأخذ القول الثاني على أن الاستثناء هنا منقطع فلا يكون كلاما.
الشيخ: فلا يكون كلاما لكنه يكون مقامه عند؟
الطالب: عند العجز.
الشيخ: عند العجز عنه. وكلا الأمرين حق، فالإشارة تقوم مقام العبارة في الإفهام، ولاسيما عند العجز، وذكرنا في التفسير أمثلة لمفارقة الإشارة للكلام، وأمثلة لموافقة الإشارة للكلام، أتستحضرونها الآن؟
مثال لمفارقة الإشارة للكلام؟
طالب: (...)
الشيخ: نعم يعني أنها ليست كلاما.
الطالب: كما لو أشار في الصلاة.
الشيخ: نعم كما لو أشار في الصلاة؛ فإن الإشارة لا تبطل الصلاة والكلام يبطلها. طيب مثال؟
الشيخ: مثال لقيام الإشارة مقام الكلام؟
طالب: في قول مريم (...): فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ [مريم: ٢٩] (...) أشارت إليه، الإشارة هنا..
الشيخ: لما عرّضوا بقذفها أشارت إليه، وغير؟
طالب: حديث المرأة التي قتلها اليهودي ، عندما سألوها فأشارت إلى اليهودي.
الشيخ: ما أشارت إلى اليهودي.
الطالب: أومأت.
الشيخ: أشارت حين ذكر اسمه.
طالب: في قصة ذي اليدين حين قال النبي: «أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟»، فأومؤوا أن نعم .
الشيخ: بعضهم، وبعضهم قالوا: نعم.
إذن نقول: الآية على الوجهين تدل على أن الإشارة تقوم مقام العبارة مطلقا أو عند الحاجة إليها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له إذا انقطع عن الناس أن يشغل وقته بذكر الله، من قوله لما منع من الكلام مع الناس وصار لا يكلمهم إلا رمزا، ومعلوم أن الإنسان الذي لا يكلم الناس إلا رمزا سوف لا يكون حريصا على مكالمتهم لئلا يتعب أو يتعب، أمره الله قال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [آل عمران: ٤١].
ومن فوائدها: فضيلة التسبيح والذكر في هذين الوقتين: العشي آخر النهار، والإبكار أول النهار. ومنه قوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ق: ٣٩].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذكر ينبغي أن يكون مقرونا بالتسبيح، إلا ما ورد النص بإفراد أحدهما عن الآخر؛ لأنه قال: اذكر ربك وسبح، ولكن الذكر قال: كَثِيرًا، والتسبيح قال: بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِفهل نقول: إن الذكر لا يتقيد بالعشي والإبكار، أو نقول: إنه متقيد لكن يكثر منه؟
يحتمل هذا وهذا، لكن الآيات الأخرى تدل على أن الإنسان مأمور بأن يذكر الله كثيرا، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: ٤١، ٤٢]، وقال تعالى في وصف أهل الصلاح: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب: ٣٥]، وعلى هذا فالذكر يكون أكثر من التسبيح، لكن القرن بينهما أيضا فيه فائدة وهو أنه يجمع بين الثناء على الله وتنزيهه من النقائص.
ثم قال تعالى: وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَالواو حرف عطف، و(إذ) نقول فيها مثلما قلنا فيما سبق في قوله: إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ [آل عمران: ٣٥] يعني أنها منصوبة بفعل محذوف تقديره: اذكر، وتضمين الجملة لهذا يدل على العناية بها، وأنه ينبغي إشهارها وإظهارها حتى تتبين وتتضح للناس.
وإنما ذكر الله قصة زكريا ومريم هنا، وعيسى فيما بعد، في أول هذه السورة لأنها نزلت في وفد نجران الذين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وهم من النصارى، فأراد الله أن يبين لنبيه صلى الله عليه وسلم قصة المسيح ومن حوله كاملة حتى يتبين له الأمر تماما، فإذا احتاج إلى محاجة النصارى وإذا عندهم علم قريب منها مما عندهم.
وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِالملائكة المراد بهم الجنس؛ إذ ليس المراد كل الملائكة، بل واحد منهم، وهو في الغالب جبريل، يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ، ونداؤها باسمها العلم نوع من التكريم؛ إذ لم يقل: يا هذه باسم الإشارة، بل أتى باسمها العلم تكريما لها، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِأي: اختارك؛ وذلك لأن اصطفى أصلها: اصتفى بالتاء، لكن لعلة تصريفية قلبت التاء طاء، وهي مأخوذة من الصفوة، يعني جعلك من صفوة الخلق، واصطفاؤه إياها سبحانه وتعالى من عدة وجوه:
الوجه الأول: أنه تقبلها بقبول حسن حين قالت أمها: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا [آل عمران: ٣٥]، مع أن المعروف عندهم أنه لا يخدم المساجد إلا الرجال، لكن هي قبلت.
ومنها -من اصطفائه لها- أنه أنبتها نباتا حسنا، وقد سبق الكلام على معنى الكلمتين وأنهما تتضمنان التربيتين الروحية والجسدية.
ومن اصطفائه لها أيضا: أن الله تعالى اختار أن تكون عند نبي من الأنبياء؛ حتى تتربى ببيت نبوة.
وقوله: طَهَّرَكِطهرك من أي شيء؟ هل هو من الأرجاس الحسية؟ أو من الأرجاس المعنوية؟
الظاهر الثاني، وأنها بالنسبة للأرجاس الحسية كالبول والغائط والحيض كغيرها من النساء، لكنه طهرها من الأرجاس المعنوية، فبرأها الله تعالى مما رماها به اليهود، وكذلك طهرها من سفاسف الأخلاق حتى كانت دائما في عبادة الله سبحانه وتعالى، كما سيتبين إن شاء الله.
ثم قال: وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَالواو حرف عطف، وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَأي ميزك من بينهن، فالاصطفاء الأول اصطفاء عام، وهذا اصطفاء خاص بالنساء، اصطفاها الله تعالى من بين سائر النساء حيث جعلها من النساء الكمل، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن مريم عليها الصلاة والسلام خير نساء البشر، هي وخديجة بنت خويلد وآسية امرأة فرعون، و«فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» ، فهي من النساء الكمل رضي الله عنها، ولهذا قال: اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ.
وهل المراد نساء العالمين في زمنها؛ لأن النساء اللاتي في زمن النبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنهن في أمة هي خير الأمم، أو المراد العموم؟
فيه قولان للعلماء، منهم من قال: إنه خاص بنساء زمانهم، كما ذكر الله عن بني إسرائيل أنه فضلهم على العالمين، ومع ذلك فهذه الأمة أفضل منهم يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة: ٤٧] ومن المعلوم أنهم ليسوا أفضل من هذه الأمة؛ لقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠]. ثم قال..
طالب: والراجح؟
الشيخ: يأتي إن شاء الله الكلام عليه.
طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» ما يأتي عامة (...)؟
الشيخ: والله بعض العلماء أخذ من هذا أنها أفضل من الثلاث التي معها؛ لأنه قال: «فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» بعد أن ذكر فضل هؤلاء الثلاث، وبعضهم قال: إن المراد: على النساء سواهن، والله أعلم بمراد رسوله.
طالب: شيخ (...).
الشيخ: هي ما ذكرت معهن.
الطالب: (...)
الشيخ: لا ثلاث.
الطالب: (...) تعقيب على (...)
الشيخ: يعني فيه احتمال أنه عليه الصلاة والسلام أفردها لتكون أكمل منهن، وفيه احتمال أنها أفضل من النساء اللاتي سواها (...) والله أعلم بمراد رسوله، ما عندي في هذا.
طالب: إن القول الأفضل إنها أفضل على نساء أهل زمانها، القول الثاني يا شيخ.
الشيخ: إن عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَمطلقة، حتى نساء هذه الأمة هي أفضل منهن، وإن شاركتهن في الفضيلة لكن هي أفضل منهن.
طالب: اسم مريم عليها السلام لم يذكر في القرآن سوى هذا الاسم، نأخذ منه فوائد.
الشيخ: نحن وصلنا الفوائد؟
طالب: حكمة التطهير بعد الاصطفاء، الاصطفاء يعم (...)؟
الشيخ: الاصطفاء الاختيار، ونص على التطهير لدفع ما قاله اليهود في أنها كانت بغيا.
الطالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هو قول الأخ حينما سأل: عليها السلام.
الشيخ: من عنى؟
الطالب: عنى مريم.
الشيخ: عليها السلام؟
طالب: إي.
الشيخ: ما فيها مانع، «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ» ، ما فيها مانع أبدا، لكن الأحسن أن يقال: رضي الله عنها أحسن؛ لئلا يتوهم واهم أنها نبية.
طالب: الله سبحانه وتعالى يذكر في آيات أخر أن مؤمن آل فرعون مع الرجل الذي جاء يسعى من أقصى المدينة ولم يذكر اسم الرجل، وهنا ذكر مريم رضي الله عنها كان أيش يصير فيها؟
الشيخ: يعني هذا خطاب خاص، وهذاك تحدث عن شخص غائب.
الطالب: يا شيخ هذا فيه فضيلة لو ذكر اسمه له؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: مؤمن آل فرعون؟
الشيخ: لا؛ لأن الله يذكر القصص أحيانا للعبرة فقط، حتى لا يكون الإنسان معتنيا بالاطلاع على الأشخاص، فالعبرة بالمعاني وما سيقت القصة من أجله، أما كونه فلان وفلان ما يهم، حتى لو علمت الآن أن الرجل هذا اسمه فلان تستفيد فائدة كثيرة؟
طالب: يعني أعرف الثناء عليه مثل مريم.
الشيخ: الثناء عليه يكفي أنه قال رجل مؤمن من آل فرعون، أنه من آل فرعون يكفي، أنه آمن وهو من آل فرعون، أما هذا الخطاب.. يعني أنا لو قلت لك: يا رجل أو قلت: يا عبد الرحمن، أيهن أبلغ في الإكرام؟ أو قلت: يا هذا؟
الخطاب غير مسألة التحدث عن شخص، الخطاب ليس كالتحدث عن شخص، الخطاب إذا ذكر الإنسان باسمه العلم صار هذا دليلا على التفخيم والتكريم.
طالب: في بعض الآيات يقول: وَاذْكُرْ رَبَّكَ، وفي آيات وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ؟
الشيخ يقول: في بعض الأحيان يقول: اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ، وأحيانا يقول: اذْكُرْ رَبَّكَكيف يعني نقول؟
الجواب: أن المعنى واحد، وأن المراد بـ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَيعني اذكر ربك باسمه، وأما من قال: إن (اسم) زائد فهذا قول ضعيف، وأن اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَيعني: اذكر ربك، هذا قول لا صحة له، ولكن المعنى: اذكر ربك باسمه؛ لأن هذا هو الذي يتم به الذكر.
طالب: خيرية مريم وغيرها من النساء في الدنيا والآخرة أم في الدنيا فقط وفي الآخرة فقط؟
الشيخ: في الدنيا والآخرة.
الطالب: ورد في الحديث أن فاطمة رضي الله عنها سيدة (...).
الشيخ: لا هذيك سيدة نساء أهل الجنة، لكنهن خير.
طالب: شيخ، ما استدل به بعض المفسرين أن هذه القصة على أن الخال بمنزلة (...)، قصة زكريا.
الشيخ: كيف؟
الطالب: قصة زكريا ومريم وعيسى، بعض المفسرين على أن الخال بمنزلة (...).
شيخ: وجه ذلك؟
الطالب: أن أخت مريم خالة عيسى كانت تحت مريم.
الشيخ: تحت زكريا، وبعدين؟
الطالب: هل يصح هذا الاستدلال يا شيخ؟
يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران: ٤٣ - ٤٦].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، ذكرنا أن الاصطفاء معناه الاختيار، وهو مأخوذ من الصفوة، وصفوة كل شيء خلاصته.
وَطَهَّرَكِظاهرا وباطنا، من العيوب الظاهرة ومن العيوب الباطنة، ومن الأخلاق السافلة، فهي مطهرة ظاهرا وباطنا. ونص الله تعالى على ذلك دفعا لقول اليهود -قاتلهم الله ولعنهم-: إنها كانت بغيا، وإن عيسى عليه الصلاة والسلام كان ولد زنا.
وقوله: وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَقلنا: إن المراد بذلك نساء عالمي زمانهم، على أنها هي وخديجة بنت خويلد وآسية امرأة فرعون هؤلاء الثلاث كملن من النساء، و«فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» .
وقوله: عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَالعالمين هم كل من سوى الله في الأصل، كما قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، فالرب والمربوب لا يوجد سواهما، وعليه فالعالم كل من سوى الله، هذا في الأصل، وسمي عالما لأنه علم على خالقه عز وجل، فإن ما في هذه المخلوقات من الآيات الدالة على كمال الله سبحانه وتعالى وعلى كل ما تتضمنه هذه المخلوقات علم واضح على ما تتضمنه هذه المخلوقات من الصفات الكاملة.
يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَهذا من خطاب الملائكة أيضا، تقول لها: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِوالقنوت هو دوام الطاعة، واللام في قوله: لِرَبِّكِللاختصاص، أي قنوتا خالصا لله، أي طاعة خالصة له؛ لأن من شرط الطاعة أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى.
وقوله: لِرَبِّكِالربوبية هنا ربوبية خاصة، وقد مر علينا أن الربوبية تنقسم إلى ربوبية عامة وربوبية خاصة، فالعامة هي الشاملة لكل أحد، والخاصة تختص بمن خصها الله به، لكنها تفيد تربية أكثر اعتناء واختصاصا من الربوبية العامة.
وقوله: وَاسْجُدِيالواو حرف عطف، وَاسْجُدِييعني السجود المعروف، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة أمرت أن تسجد على سبعة أعظم ، وعطف السجود على القنوت من باب عطف العام على الخاص أو الخاص على العام؟ الخاص على العام. وذكر الخاص بعد العام يدل على فضله ومزيته. ولا شك أن السجود من أفضل أنواع الطاعة، ولهذا كان «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» .
وقوله: ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَالركوع معروف، وهو انحناء الظهر، وقوله: مَعَ الرَّاكِعِينَأي في جملتهم، وليس المراد أنها تصلي مع الجماعة؛ لأن المرأة لا تخاطَب بالصلاة مع الجماعة، لكن كوني في جملة الراكعين الذين يركعون لله عز وجل.
وفي قوله: مَعَ الرَّاكِعِينَولم يقل: مع الراكعات، مع أنها امرأة؛ لأن الكُمّل من الرجال أكثر من الكمل من النساء، ولهذا لم يكمل من النساء إلا ثلاث .
وقوله: اسْجُدِي وَارْكَعِيقدم السجود على الركوع؛ لأن هيئة السجود أفضل وأبلغ في الخضوع، فقدمها على الركوع، أما من حيث الترتيب الفعلي بالنسبة للصلاة فإن الركوع قبل السجود.
ثم قال الله عز وجل: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، ذَلِكَالمشار إليه كل ما سبق من قصة زكريا وقصة مريم. وقوله: مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِأي من أخبار الغيب، أي من أخبار الشيء الغائب الذي لا يعلم، لكن من الذي لا يعلمه؟ ليس المراد من وقع في زمنه؛ لأن من وقع في زمنه فهم يعلمونه، لكن المراد: لا يعلمها النبي صلى الله عليه وسلم ولا قومه؛ كما قال تعالى في سورة هود: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: ٤٩]
إذن هي غيب نسبي ولّا حقيقي؟ غيب نسبي بالنسبة لمن لم تكن في زمنه، أما من كانت في زمنه فهي مشاهدة، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام وقومه كانوا أميين، لا يعلمون شيئا عن الأمم السابقين، فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ما أوحى من أخبار السابقين التي ما كان يعلمها لا هو ولا قومه، وهو دليل على أنه رسول الله حقا، وأن الوحي يأتيه من الله.
وقوله: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَالوحي في اللغة الإعلام بسرعة وخفاء، فإذا أعلمك إنسان بسرعة على وجه خفي يسمى في اللغة وحيا، وحيا، ولكنه في الشرع: إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما يشاء من شرعه، هذا الوحي، إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما أيش؟ بما يشاء من شرعه. ثم إن كلفه بتبليغه كان رسولا، وإلا كان نبيا.
الشيخ: الأخ عرفنا ما هو الوحي شرعا؟ أنت إي نعم.
طالب: الوحي ما أمر (...) بالشرع ولم يؤمر بتبليغه.
الشيخ: هذا الوحي شرعا.
الطالب: خلاف الرسول، فإذا أمر بتبليغه..
الشيخ: صار الوحي شرعا من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه! هذا الوحي شرعا! أعتقد أنك ما أنت معنا؟
طالب: (...)
الشيخ: لا لا، تأملها في غير وقت الدرس، وقت الدرس تأمل ما يقول المدرس، ما تابعتنا ولهذا أخطأت في تعريف الوحي. طيب إذن الوحي؟
طالب: الوحي هو ما يوحي الله سبحانه وتعالى شرعا نبيا من أنبيائه، فإن أمره بالتبليغ فهو كان رسولا، وإن لم يؤمره فهو نبي.
الشيخ: أيش الوحي؟
الطالب: هو ما يوحيه الله سبحانه وتعالى إلى نبي من أنبيائه من شرعه.
الشيخ: لا.
طالب: إيحاء الله لنبي.. إيحاء الله عز وجل..
الشيخ: لا.
الطالب: تبليغ وتكليف الله عز وجل.
الشيخ: لا.
طالب: إخبار الله لنبي من الأنبياء بما يشاء من شرعه.
الشيخ: نعم، هذا الوحي: إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما يشاء من شرعه، ثم إن أمر بتبليغه كان رسولا وإلا فهو نبي.
ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَأي نخبرك به على الوصف الذي ذكرنا، وهو إخبار الله تعالى لنبي من أنبيائه بما شاء من شرعه، هذا الوحي.
وقوله: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْأي ما كنت عندهم، يعني عند زكريا وقومه إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، إِذْأي حين، وهي متعلقة بقوله: كُنْتَ، يعني ما كنت في ذلك الوقت عندهم إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، أَقْلَامَهُمْاختلف العلماء في تفسيره، فقيل: إنها على ظاهرها؛ أنهم ألقوا أقلامهم التي يكتبون بها، وقيل: إن المراد بها سهامهم التي تكون في النصل يرمون بها، وسميت قلما لأنها تشبهه في الاستطالة ودقة الرأس، السهم عندهم بمنزلة الرصاصة عندنا في الوقت الحاضر.
على كل حال أيها ظاهر القرآن؟ ظاهر القرآن أن المراد بالأقلام الأقلام الحقيقة التي يكتب بها، ولا نعدل عن ظاهر القرآن إلا بدليل، هذه هي القاعدة الشرعية في تفسير القرآن، بل وفي تفسير الحديث النبوي، بل وفي كلام الغير، حتى كلام الناس يجب أن نعمل بظاهره إلا بدليل، ولكن إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَكيف ألقوا هذه الأقلام؟
المعروف أنهم ألقوها في النهر؛ في الماء الذي يمشي، فما انحبس منها فصاحبه الذي يكفل مريم، وما جرى فهو الذي لا يكفلها، ولكن القرآن ليس فيه بيان ذلك، يعني ليس فيه أنهم وضعوا هذه الأقلام في النهر، إنما ألقوا أقلامهم على وجهٍ اللهُ أعلم بكيفيته، لكنهم ألقوها من باب الاقتراع، يعني قرعة أيهم يكفل مريم، فخرجت القرعة لمن؟ لزكريا؛ كما قال تعالى في أول القصة: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا [آل عمران: ٣٧].
وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَيعني وما كنت عندهم أيضا في حال اختصامهم أيهم يكفل مريم، هذا الاختصام هل هو قبل إلقاء الأقلام أو بعده؟ قبله، الظاهر أنه قبله، لكن أخر في الذكر لمناسبة الآيات؛ رؤوس الآيات إِذْ يَخْتَصِمُونَهذا هو الذي يظهر، على أنه قد يقال: إن الله سبحانه وتعالى ذكر النتيجة قبل المقدمة أو قبل السبب لأنها هي الغاية، فإن إلقاء الأقلام والاستهام هو غاية الاختصام، فاختصموا أيهم يكفلها فقالوا: لنسهم بإلقاء الأقلام.
وقوله: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْهذا كالدليل لقوله: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَيعني فأنت ما قلتها لأنك شاهد، ولكن قلتها لأنها أوحيت إليك.
وأيضا فيه إشارة إلى أن هذا الذي أنبئ به كأنما يراه بعينه، كأنه حاضر، وهو كذلك، بل كما قلنا فيما سبق: إن إخبار الله عز وجل أشد ثبوتا وحقيقة مما يُرى في العين.
ثم قال تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ، يعني: اذكر إذ قالت الملائكة: يا مريم، وهل المراد جنس الملائكة أو الملائكة كلهم؟ الظاهر الأول أن المراد الجنس؛ لأن القائل واحد، والمشهور أنه جبريل. قال لها: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَإلى آخره.
قوله: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِسبق أن معنى البشارة في الأصل: الإخبار بما يسر، وأنها قد تطلق على الإخبار بما يسوء؛ بجامع أن كلا مما يسر وما يسوء يغير البشرة ويؤثر فيها.
إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُقوله: بِكَلِمَةٍتحتمل وجهين:
الوجه الأول: أن الكلمة هي المبشر به، كما تقول: بشرته بولد، بشرته بولد، فتكون الكلمة هي المبشر به.
والوجه الثاني: أن المراد بالكلمة هنا الصيغة التي حصلت بها البشارة، أي: يبشرك بشارة عن طريق النطق بها، عن طريق النطق، كما تقول: بشرته بالقول، لا بالكتابة.
فأنت مثلا تبشر الإنسان إما بواسطة النطق، وإما بواسطة الكتابة، وإما بواسطة الإشارة، فقوله: يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍأي أن الوسيلة التي حصلت بها البشارة هي الكلمة، يعني أن الله قال سبحانه وتعالى كلمة فيها البشرى بالمسيح عيسى ابن مريم.
فالوجهان محتملان، الوجه الأول ما هو؟ أن المراد بالكلمة عيسى، يعني المبشر به، كما تقول: بشرته بولد، أو أن المراد بالكلمة الصيغة التي حصلت بها البشارة، أي أن البشارة حصلت من الله بالقول، كما تقول: بشرته بالنطق، بشرته بالكتابة، بشرته بالإشارة.
فأما على الاحتمال الثاني فلا إشكال، لا إشكال أن تقع البشارة بالنطق، لكن على الاحتمال الأول أن الكلمة هي المبشر به، فكيف يكون المبشر به كلمة مع أنه إنسان؟
أجاب العلماء عن ذلك بأنه أطلق عليه الكلمة لأنه كان بالكلمة، لا بالوسائل الحسية المعلومة؛ لأن الولد في العادة يأتي بواسطة النكاح، لكن هذا لم يأت بالنكاح، أتى بالكلمة إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩]، فلهذا صح أن يطلق عليه الكلمة.
وفي هذه الآية إشكال آخر: إذا قلنا: إن قوله: بِكَلِمَةٍتعني المبشر به، وهو قوله: مِنْهُ، بِكَلِمَةٍ مِنْهُفإن (من) لها معانٍ، منها: التبعيض؛ كما قال ابن مالك رحمه الله في الخلاصة:
الشاهد قوله: (بعّض)، فإن (من) تفيد التبعيض، فهل معنى ذلك أن عيسى بعض من الله كما قال ذلك النصارى؟
الجواب: لا، الجواب ليس بعضا من الله، لأن الله واحد أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ولا يتبع أحد هذه الآية ويدعي التبعيضية أو يدعي البعضية، إلا من في قلبه زيغ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧]، والنصراني كما اتبع المتشابه في هذه الآية اتبع المتشابه في قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] قال: هذا كلام الله يقول: إِنَّاوإنا تفيد الجمع، فاتبع المتشابه انتصارا لرأيه الفاسد، ولا يخفى على كل ذي لب أن المراد بقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَوما أشبهها التعظيم، لا التعدد. كذلك هنا بِكَلِمَةٍ مِنْهُلا يقتضي أن يكون عيسى بعضا من الله عز وجل؛ لأنك إن ادعيت أنه بعض من الله فلتدع أنه كلمة الله، ومعلوم أنه لا أحد يدعي أن عيسى كلمة، عيسى بشر، له جسم وروح، يأكل ويشرب، وهل الكلمة كذلك؟ لا.
فأنت إن ادعيت أنها من الله فادع أن عيسى كلمة، ومعلوم أن عيسى ليس بكلمة.
إذن فيتعين أن تكون (من) إما ابتدائية وإما بيانية، يعني: بكلمة صادرة من الله عز وجل بأن قال: كن فكان.
نظير هذه الآية قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣]، هل يدعي أحد أن ما في السماوات وما في الأرض بعض من الله؟ لا، لا يدعي، حتى النصراني ما يدعي ذلك، ولكن هنا (من) إما للابتداء، يعني ابتداء التسخير من الله، أو للبيان، بيان مَن المسخر، أو من أين جاء هذا التسخير.
قال: بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، اسم: مبتدأ، والْمَسِيحُخبر، وعِيسَىخبر ثانٍ، وابْنُ مَرْيَمَخبر ثالث، وإنما قلنا ذلك لأنك لو أفردت كل واحد عن الآخر لاستقام الكلام، لو قلت: اسمه ابن مريم صح؟ اسمه عيسى، اسمه المسيح صح، وعلى هذا فكل واحد منها خبر، وقيل: بل الثلاثة خبر واحد، كقولك: البرتقال حلو حامض، هنا لا يصح أن تقول: حلو خبر وحامض خبر؛ لأنك لو أفردت أحدهما عن الآخر فسد المعنى، لو قلت: البرتقال حلو ما صح، لو قلت: البرتقال حامض، ما صح، ما أدى المعنى الذي يؤديه قوله: حلو حامض؛ لأن حلو حامض يعني: جامع بينهما، يعني: مز، كذا؟ فلهذا نقول في قول القائل: البرتقال حلو حامض، حلو حامض جميعها خبر، لكن في الآية التي معنا: اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَلا يستقيم هذا المعنى فيها، وبناء على ذلك نقول: إن كل واحد منها خبر.
مثل قوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٤ - ١٦] خمسة أخبار.
هذه الأخبار الثلاثة جمعت أنواع العَلَم التي أشار إليها ابن مالك في قوله:
معلوم؟ أين الاسم؟
طلبة: عيسى.
الشيخ: اللقب؟
طلبة: المسيح.
الشيخ: الكنية؟
طلبة: ابن مريم
الشيخ: وإذا كان هذه الكلمات الثلاث قد جمعت أنواع العلم الثلاثة: الاسم، واللقب، والكنية، يبقى عندنا إشكال في قول ابن مالك: (وأخرن ذا) يعني اللقب (إن سواه صحبا)؛ فإنه في الآية الكريمة قدم اللقب، فيبقى إشكال، فهل نأخذ بقول ابن مالك ونقول: القرآن شاذ؟ حاشا حاشا، نقول: ابن مالك وألفيته الشاذة ولا يشذ القرآن.
إذن كيف نجمع بين هذا الكلام من هذا العالم في النحو وبين الآية؟
من المعروف أن علماء النحو رحمهم الله لا تضييق عليهم أبدا، ولهذا يقولون في ضرب الأمثال: حجة نحوي، أو يقولون: حجج النحاة كبيوت اليرابيع، واضح؟ حجج النحاة كبيوت اليرابيع، أيش معنى هذا؟
اليرابيع جمع يربوع، وعندنا باللغة العامية: جرابيع، طيب اليربوع من ذكائه يتخذ جحرا في الأرض له باب، وإذا بلغ منتهاه خرق الأرض متعليا إلى فوق، فإذا بقي قشرة رقيقة وقف؛ من أجل إذا دخل عليه أحد من باب الجحر خرج من هذه النطاقة؛ كما يقولون، نطق.
أقول: النحويون رحمهم الله لا تضييق عليهم، قالوا: الجواب عن الآية: هو أن اللقب إذا اشتهر به الإنسان حتى صار كالعلم، أو كالاسم، جاز أن يقدم، جاز أن يقدم، ولهذا نجد في كلام العلماء: الإمام أحمد بن حنبل، المسيح عيسى ابن مريم، على أوزان المسيح عيسى ابن مريم، الإمام محمد بن إدريس الشافعي، فيقدم الإمام مع أنه لقب، لماذا؟ للاشتهار، إذن لا إشكال الآن.
قال: اسْمُهُ الْمَسِيحُواختار الله تعالى له اسم المسيح لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، أو لكثرة مسحه الأرض وسيره فيها، أو من المسحة وهي الجمال، والمعنى الأول أشهر، يعني أنه لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، فهو يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويخرجهم من قبورهم، وهذه الأمور لا تتم لكل أحد، بل لا تتم لأحد أبدا إلا بإذن الله عز وجل.
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَولم ينسبه إلى ذَكر؛ لأنه لا أب له، وأظن ذلك واضحا أنه لم ينسبه إلى أب لأنه لا أب له، لكن لماذا نسبه إلى أمه؟ إشارة إلى ألا يقول قائل: إنه ينسب إلى كافله زكريا، يعني لئلا يقول قائل: ما دام هذا الطفل ليس له أب فلينسب إلى كافله حتى يُعرف به، فبدأت الملائكة وبينت أن هذا الرجل ينسب إلى أمه عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.
وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِقوله: وَجِيهًاهذه منصوبة على الحال، من أين؟ حال من أين؟
طلبة: من عيسى.
الشيخ: أو المسيح، حال كونه وجيها في الدنيا، والوجيه هو ذو الجاه، وهو الشرف والمكانة والسيادة، وقد كان كذلك عليه الصلاة والسلام، أما وجاهته في الدنيا فلأنه كان أحد الرسل الكرام، بل هو من أولي العزم، وأعظم الناس جاها في الدنيا والآخرة هم أولو العزم، كما قال الله تبارك وتعالى عن موسى: وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب: ٦٩]، وأما وجاهته في الآخرة فكما قلنا أيضا لأنه من أولي العزم من الرسل الذين هم في أعلى درجات الجنة ولهم في الآخرة مقامات لا تكون لغيرهم.
وقوله: وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ..
إذن فالدعاء لا شك أنه من أقوى الأسباب لحصول المطلوب وزوال المكروه، وهذا أمر معلوم، ويكون الله تعالى قد قدر هذا الشيء الذي هو حصول مطلوبك أو زوال مكروهك، قد قدره مقرونا بأيش؟ بهذا السبب، بالدعاء، فيكون الدعاء مقدرا والمدعو به مقدرا من عند الله عز وجل، لكن أنت لا تدري، أنت عليك فعل السبب الذي تعلمه وهو الدعاء، وما وراء ذلك فليس إليك، وهكذا جميع المقدورات كلها يرد عليها هذا الإيراد، ولكن يجاب بهذا الجواب؛ بأن الله قدر هذه الأشياء مقرونة بأسبابها.
ثم إننا نقول: إن الدعاء نفسه عبادة، نفس الدعاء عبادة، إذا رفعت يديك إلى ربك: يا رب، هذا ذل وخضوع لله عز وجل، وهو من أجل العبادات، فالدعاء نفسه عبادة، سواء أجبت أم لم تجب، فلماذا لا تكثر من الدعاء؟ كذا؟ وأيش قلت؟
طالب: الدعاء عبادة في ذاته، فالإنسان يدعو الله سبحانه وتعالى ولو لم..
الشيخ: ويكثر من الدعاء.
قال: إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ [آل عمران: ٣٨] ثم قال عز وجل: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ [آل عمران: ٣٩].
من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الملائكة، وقد سبق عن قريب شيء من الكلام عليهم، وأنهم عالم غيبي مخلوقون من نور، خلقهم الله عز وجل لما أعدهم له، فقاموا به على حسب ما أراد خالقهم عز وجل، كأن يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ٢٠]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ» . الأطيط: ما يسمع من صرير الرحل على البعير المحمل حملا ثقيلا.
طالب: الصريح يا شيخ ولا الصرير؟
الشيخ: الصرير، «مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ».
ففي هذه الآية: نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُإثبات الملائكة، ما حكم إنكار الملائكة؟
حكمه الكفر؛ لأنه تكذيب للقرآن.
لو قال قائل: أنا لا أنكرهم وأقول: فيه ملائكة، لكن الملائكة هي قوى الخير والشياطين قوى الشر، فأجعلهم معاني لا ذوات.
نقول: وهذا أيضا إنكار لهم؛ لأن الله قال: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ [فاطر: ١] كيف تكون قوى؟ أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة تتكلم بصوت مسموع؛ لقوله: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ [آل عمران: ٣٩].
ومن فوائدها: جواز تكليم المصلي؛ لقوله: نَادَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يكلم بعضهم بعضا في الصلاة، لكن المكلم وهو يصلي لا يخاطب الآخر، لكن يفهم ما يقول ويجيبه بالإشارة، لكن هل هذا على إطلاقه بالنسبة لجواز الكلام مع المصلي؟
الجواب: هذا الأفضل تركه إلا لحاجة؛ وذلك لأنك إذا كلمته وهو يصلي فإنك تشوش عليه، وربما ينسى ويخاطب كما يقع هذا كثيرا.
من فوائد الآية الكريمة: مشروعية تبشير الإنسان بما يسره؛ لقوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى [آل عمران: ٣٩] وهذا أمر مشروط في نوعه وجنسه، ففي النوع سبق أن الله تعالى أخبر عن الملائكة أنها بشرت إبراهيم بإسماعيل وبإسحاق، إسماعيل قال الله فيه: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ [الصافات: ١٠١]، وإسحاق وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ [الذاريات: ٢٨].
وهل من البشارة ما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ» ، أو هذا من باب التحدث بنعمة الله؟
طالب: الثاني.
الشيخ: هذا هو الأصل، الثاني، أنه من باب التحدث بنعمة الله هو الأصل.
ومن فوائد الآية الكريمة..
طالب: البشارة بالجنس.
الشيخ: نعم.
الطالب: النوع والجنس.
الشيخ: البشارة بالجنس أن الإنسان يبشر بأي خير كان، بأي شيء كان جاءت به السنة من مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ حَتَّى يَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ» ، فإن هذا يدل على إدخال السرور على المسلم، وهو كذلك، سواء كان ببشارة أو بغيرها.
قال: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ [آل عمران: ٣٩] إلى آخره، يستفاد من هذا أيضا: جواز تقديم التسمية على اليوم السابع، وهو كذلك، أنه يجوز أن يسمي الإنسان مولوده من ذكر أو أنثى قبل اليوم السابع، وهذا إذا كان الاسم مهيأ، أما إذا كان غير مهيأ فإنه ينبغي أن يؤخر إلى اليوم السابع.
ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من صدق المرسلين؛ لقوله: مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِفإن الله قال ذلك على سبيل الثناء على يحيى، ولا شك أن من صدق من قامت البينات على صدقه فإنه محمود، حتى في الأمور الدنيوية، إذا صدقت من قامت البينة على صدقه فهذا لا شك أنه خير، وأما إذا صدقت من لم تقم البينة على صدقه فهذا استعجال، وأما إذا صدقت من قامت البينة على كذبه فهذا خبال؛ أن تصدق من قامت البينة على كذبه.
فالأحوال ثلاثة: من قامت البينة على كذبه فتصديقه خبال وسفه في العقل وضلال في الدين، ومن قامت البينة على صدقه فتصديقه كمال يحمد الإنسان عليه، ومن لم تقم البينة على صدقه ولا كذبه فتصديقه استعجال؛ لأن مثل هذا الخبر ينبغي أن يتأنى الإنسان فيه، ولهذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦] لم يقل عز وجل: ردوه ولا اقبلوه، نتبين حتى ننظر؛ لأنه قد يكون صادقا.
من فوائد الآية الكريمة: أن يحيى عليه الصلاة والسلام سيكون سيدا؛ وذلك لأنه أحد الأنبياء، والأنبياء هم سادة الخلق وأفضل الخلق.
ومن فوائدها أيضا: أن يحيى عليه الصلاة السلام مع توافر صفات الكمال في حقه بالسيادة فإنه بالإضافة إلى ذلك كان ممنوعا من سوء الأخلاق؛ لقوله: وَحَصُورًا، فإن أصح وأعم ما قيل فيها أنه ممنوع عن مساوئ الأخلاق.
ومن فوائدها أيضا: أن يحيى من الأنبياء؛ لقوله: وَنَبِيًّا، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، قال الله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ [النساء: ١٦٣] إلى آخره، وقال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ [غافر: ٧٨] وما قصهم الله علينا يقصهم بلفظ النبوة في الأكثر، فيكون كل من ذكر في القرآن بوصف النبوة فهو رسول.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء من الصالحين، بل هم في أعلى مراتب الصلاح، فإن مراتب الصلاح أربعة: النبوة والصديقية والشهادة والصلاح، إذا ذكرت جميعا صارت مراتب، وإن لم تذكر جميعا صار الصلاح عاما؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ -عِبَاد اللهِ الصَّالِحِينَ- فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» .
قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ [آل عمران: ٤٠] إلى آخره.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان في طلب ما تطمئن به نفسه؛ لأن زكريا عليه الصلاة والسلام ما شك في خبر الله، لكن أراد أن يتقدم إليه الفرح والاستبشار بقوة البراهين؛ لأن خبر الله لا شك أنه برهان، لكن كلما ازدادت البراهين ازدادت قوة اليقين، فهنا سأل أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُيعني تعجبا من قدرة الله عز وجل؛ أن يكون له غلام وقد بلغه الكبر؛ لأن الغالب أن الإنسان إذا بلغ الكبر يقل إنجابه، وربما عدم بالكلية، والعقر إلى النساء أقرب منه إلى الرجال، ولهذا تكون المرأة عاقرا قبل أن يكون الرجل عاقرا.
ومن فوائد الآية الكريمة نقول: إن الإنسان يملك ولده؟
طلبة: لِي..
طلبة آخرون: اللام.
الشيخ: اللام، تأملوا.
طالب: اختصاص.
الشيخ: أو نقول: اللام لا تتعين للملك؟
طالب: لا غلط.
الشيخ: إي ما تتعين، اللام لا تتعين للملك، قد تكون للاختصاص؛ لأن الإنسان لا يملك ولده كما يملك عبده، لو أراد أن يبيع ولده ما صح، وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» فالمراد بذلك المنافع، أو أن المراد بذلك المبالغة؛ لأن هذا الرجل لما جاء يشكو إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن أباه اجتاح ماله -يعني: أخذه- قال له: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»، فيكون هذا إما من باب المبالغة أو أن منافعك لأبيك كما أن مالك لأبيك.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز وصف الإنسان بما يكره إذا كان المراد مجرد البيان، لا القدح والعيب؛ لقوله: وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ [آل عمران: ٤٠]؛ لأنك لو وصفت المرأة بأنها عاقر لكرهت ولّا سرت؟ كرهت، معلوم، لو تقول لها: أنت لك أربعين سنة ربت، نعم كيف عاد تقول: أنت عاقر، لكن إذا كان المراد بيان الأمر على وجهه دون العيب والقدح فإن هذا لا بأس به، ودليل ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ» ، لكن هذا من باب المشورة، ولكن لم يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعيب الرجل، بل قصد أن يبين حاله ليكون الإنسان معه على بصيرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات فعل الله؛ لقوله: كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٠].
ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات أفعال الله الاختيارية المتعلقة به والمتعدية إلى غيره، أفعال الله الاختيارية يعني التي تقع باختياره، ولا شيء يقع من أفعال الله إلا باختياره، لكن منها شيء متعلق به مثل الاستواء والنزول والضحك والفرح، وأشياء متعلقة بغيره، مثل: الخلق، فإن الخلق يتعدى إلى الغير، فأهل السنة والجماعة يثبتون النوعين: الفعل الخاص به عز وجل الذي لا يتعداه إلى غيره، والفعل الذي يتعداه إلى غيره، ويقولون بلا شك: إن الرب الذي يفعل ما يشاء أكمل من الرب الذي لا يستطيع الفعل.
غالب الأشاعرة إن لم أقل: كل الأشاعرة والمعتزلة ومن ضاهاهم يقولون: إن الله ليس له أفعال اختيارية؛ لا يستوي، ولا ينزل، ولا يجيء، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يحب، ولا يكره... إلى آخر ما يقولون في نفي الأفعال الاختيارية.
علتهم أوهى من أي علة كانت، العلة قالوا: لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، والله عز وجل أزلي أبدي، فيقال لهم: أولا: من قال لكم هذا: إن الحوادث لا تكون إلا بحادث، من قال هذا؟! عندكم بذلك وحي، أو مجرد قياس عقلي فاسد ذكرتموه؟!
الحقيقة أن هذا قياس عقلي فاسد؛ فإن الحوادث لا يلزم ألا تقوم إلا بحادث؛ لأنه من المعلوم أن المحدث سابق على الحدث، وإذا كان المحدث سابقا على الحدث لم يلزم أن يكون المحدث حادثا؛ أنت الآن تأكل الغداء اليوم، والغداء اليوم بالنسبة لك حادث متى؟ وقت حدوثه، وأنت موجود من قبل، فالرب عز وجل يفعل الأفعال هذه في وقت فعلها، وهو لم يزل موجودا، لكن على زعمكم أنتم وعلى مذهبكم الباطل يلزم أن يكون الله سبحانه وتعالى لا يفعل أي فعل، معطلا عن الأفعال، وهذا عيب ولّا كمال؟ عيب؛ لأن من يفعل أكمل ممن لا يفعل باتفاق الناس، وليس يعتري الله عز وجل من إثبات الفعل في حقه أي نقص بأي وجه من الوجوه.
والآيات كثيرة في إثبات فعل الله كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٠]، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٦]، وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: ٢٧]، والنصوص في هذا كثيرة ولله الحمد، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بها.
ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الجمع على الواحد، أو ما يصلح؟ قوله: قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُمن القائل؟ الله؟ إن كان هو الله فهذه الفائدة لاغية، وإن كانت الملائكة فهذه الآية تدل على أن القائل واحد وأن قوله: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ [آل عمران: ٣٩] يعني واحدا منهم، وقد سبق في التفسير الخلاف في ذلك.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله.
طالب: كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
الشيخ: وأين؟
الطالب: مَا يَشَاءُ.
الشيخ: مَا يَشَاءُصح، ولكن كل شيء قيده الله بالمشيئة فهو؟
طالب: فهو بحكمة.
الشيخ: مقرون بالحكمة، ما دليلك على هذا؟
طالب: قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠].
الشيخ: نعم فقال: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا، فدل على أنه لا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة، وهو كذلك.
إذا قال قائل: يشكل على هذا: أن الله قد شاء الخير والشر، فما الحكمة من الشر؟ تأملوها إلى الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
طالب: يا شيخ فيه فائدة (...) فأجاب دعاءه؛ لأنه قال: فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ(...) الدعاء؟
الشيخ: إي نعم يقول: فيها فائدة سرعة إجابة الله تعالى الدعاء؛ لقوله: فَنَادَتْهُفإن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب. وعند محمد الواصل فائدة هنا، ما هي؟
الطالب: في قوله تعالى: مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍجواز إطلاق الكلمة الواحدة على الكلام الكثير؛ لأن يحيى عليه الصلاة والسلام ليس مصدقا بكلمة واحدة، وإنما مصدق بجميع كلام الله عز وجل.
الشيخ: ما هي الكلمة التي صدق بها يحيى؟
الطالب: الكلمة التي صدق بها؟
الشيخ: نعم.
الطالب: (...) في قصة عيسى.
الشيخ: ما هي الكلمة التي في قصة عيسى؟
الطالب: نسيتها، هي الآية التي في سورة آل عمران.
طالب: نقول يا شيخ: الكلمة فعلا كلمة؛ لأن الكلمة هي: كُنْ.
الشيخ: صحيح، يقول: إن الكلمة هي قوله تعالى في عيسى: كُنْلكن إطلاق الكلمة على الكلام هو الأصل في اللغة العربية؛ أن الكلمة يراد بها الكلام حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] كم قال من كلمة هو؟ أربع كلمات، أربع جمل أيضا هو قائلها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ» .
(ألا كل شيء ما خلا الله باطل) كلمة ولّا كلمات؟ كلمات، فقول ابن مالك رحمه الله:
| ............................. | وَكِلْمَــــةٌ بِهَــــا كَــــلَامٌ قَــــدْ يُــــــــــــــــــــــــؤَمْ |
يعني باصطلاح النحويين، لا بمقتضى اللغة العربية، اللغة العربية لا تطلق الكلمة إلا على الكلام المفيد، لكن النحويون رحمهم الله أطلقوا الكلمة على القول المفرد.
طالب: جزاكم الله خيرا، فيه بعضهم يقول: إن من يأكل الربا إنه لا يدعو الله لأنه لا فائدة من دعائه، لأنه لو دعا لن يجاب له (...)؟
الشيخ: إيه، والله مشكل كأنه كبير، أقول: هذا مشكل يعني: مشكل حقيقة، هذا مشكل، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم استبعد ولم يقل: إنه مؤكد، قال: «أَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» يعني استبعد الإجابة، ليس معناه أنه قطعا لا يجاب، ولكن الذي يأكل الربا نقول: هل تحب أن الله يغفر لك؟
الطالب: سيقول: نعم.
الشيخ: يقول: نعم لكن ما أنا بداع والله ما يجيبني، نقول: اترك الربا، مثلما قال الفقهاء رحمهم الله في الرجل العاصي بسفره إذا اضطر إلى الميتة إما أن يأكل منها أو يموت؟ قالوا: يموت ولا يأكل منها، ولكن الله ما أحل الميتة للمضطر؟ هم يقولون: لا يمكن، ولا تحل له، وأيش يسوي؟ يموت؟ قالوا: يموت، لكن هنا شيء قبل الموت يقدره وهو أن يتوب، نقول: تب وكل، إذا كنت قاطعا تذكرة لتروح لبلد تفجر به الغِ التذكرة وكل.
يصلي ركعتين الرباعية ولّا ما يصلي؟ ما يصلي ركعتين الرباعية، فيه خلاف على كل حال القائلين بأنه لا يجوز، قال: وأيش أسوي يا جماعة أنا مسافر؟ نقول: تب وصل ركعتين.
كاد يهلك من العطش في رمضان وهو مسافر وقال: هل أفطر؟ ماذا نقول له؟ لا تفطر، قال: يا جماعة، أنا مت من الظمأ، نقول: مت. وأيش الطريق؟
طلبة: تب إلى الله.
الشيخ: نقول: تب واشرب.
طالب: يا شيخ يقال لهم: تب وبعدين ادع؟
الشيخ: إي نعم يقول: تب وادع الله.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، بعض الناس -أحسن الله إليكم- إذا دخل المسجد والناس يتسننون في المسجد يسلم عليهم، علما كثير من الناس تخفى عليه (...) الرد بالإشارة، وبعض الناس إذا دخل على مكان خالٍ كغرفة أو ما شابه ذلك ما فيه أحد سلم وقال: أنا أسلم على الملائكة؟
الشيخ:كلاهما لا أصل له، لكن السلام على المصلي لا بأس به أحيانا؛ لأن الصحابة كانوا يفعلون هذا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا ينهاهم.
طالب: شيخ، لكن الناس ما يعرفون ما يردون..؟
الشيخ: على كل حال أحيانا لا يجعله دائما.
***
طالب: وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: ٤١ - ٤٤]الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أظن بقي علينا فوائد من؟
طالب: إن الله شاء الخير والشر..
الشيخ: إي نعم، إثبات المشيئة لله في قوله: كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٠] وبينا أن المشيئة المطلقة مقيدة بالحكمة؛ لقوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠]، ليست مجرد مشيئة ولكنها مشيئة مقرونة بالحكمة. وذكرنا أنه يستفاد من العموم مَا يَشَاءُالشمول للخير والشر، ولكن الشر لا يضاف إلى الله؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» ، ولهذا جاء في الثناء على الله: «بِيَدِهِ الْخَيْرُ» ، ولم يقل: والشر؛ لأن الشر لا ينسب إليه، وإنما الشر في المفعولات البائنة منه، أما فعله نفسه -يعني نفس الفعل- فليس فيه شر؛ لأن الله لا يفعل شيئا فيه شر إلا لخير، فمثلا الشر يشاؤه الله عز وجل ومشيئته له ليست شرا، بل هي خير، لوجوه متعددة؛ الأول: أنه لا يمكن أن يتبين الخير إلا إذا وجد الشر، إذ لا تتبين الأشياء إلا بضدها، ولو كانت كل مفعولات الله خيرا ما عرف الشر، ولا وجد الشر أصلا، فلا يتبين الخير وخيريته إلا بوجود ما يقابله وهو الشر، هذه من الحكمة.
ومن الحكم أيضا: ابتلاء الناس وامتحانهم؛ فإن الطريق لو كان كله خيرا ما حصل في ذلك ابتلاء وامتحان، إنما يكون الابتلاء والامتحان إذا وجد طريقان، أحدهما خير وقيل للناس: اسلكوه، والثاني شر وقيل للناس: لا تسلكوه، تبين بذلك الصادق من الكاذب، ولا يمكن الامتحان إلا بذلك.
ومنها -من الحكم في إيجاد الشر- أنه لا يستقيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي فضلت به هذه الأمة إلا بوجود الشر، حتى يؤمر بالخير الذي يقابله وينهى عن الشر الذي هو مفسدة، لو كانت كل الأمور خيرا ومعروفا لم يكن هناك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ لأن الإنسان لا سبيل له إلا هذا المعروف الخير، فلا يمكن أن يؤمر بشيء لا سبيل له إلا هو.
ومن الحكم أيضا: إقامة الجهاد في سبيل الله، فإنه لولا الخير والشر ما قام الجهاد في سبيل الله؛ إذ إن الجهاد صراع بين أولياء الله القائمين بالخير وأعداء الله القائمين بالشر، ولولا هذا ما حصل الجهاد في سبيل الله.
ومن الحكم في ذلك: بيان قدرة الله عز وجل بخلق الأشياء المتضادة، فإن خلق الأشياء المتضادة لا شك أن فيه دليلا على قدرة الله سبحانه وتعالى، ولولا هذه المتضادات خلقها وإيجادها لم يتبين كمال القدرة؛ لأن خلق الشيء مع ضده أبلغ في القدرة من خلق الشيء الذي لا ضد له.
ومن حكم إيجاد الشر: أنه حافز إلى لجوء الإنسان إلى ربه، وكثيرا ما يحمل الناس على اللجوء إلى الله والأوراد والاحترازات وجود الشر، ولولا وجود الشر ما لجأ الناس إلى الله؛ لأنهم في خير.
ومنها -أي من حكم إيجاد الشر- أن الإنسان يعرف به قدر نعمة الله عليه، حيث يجد أناسا كثيرين من أهل الشر والفساد، وقد منّ الله عليه هو بالخير والصلاح والإصلاح، فيعرف بذلك قدر نعمة الله عليه، فيشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة التي منّ بها عليه بمحبة الخير والسعي فيه، ثم يحمد الله مرة ثانية أن نجاه من الشر والفساد وأهله، والنجاة من الشر والفساد وأهله لا شك أنها نعمة عظيمة فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون: ٢٨].
ومن الحكمة في خلق الشر: إظهار ضعف الإنسان وعجزه أمام قوى الشر، فإن الإنسان تؤرقه عن منامه وتقض مضجعه بعوضة، بعوضة من أوهن المخلوقات تمنعه من النوم، وإذا كان شابا ثقيل النوم منعته من لذة النوم، يمكن ينام لكن يتحقرص؛ تقرصه مرة مع اليد، مرة مع الرجل، مرة مع الوجه، فتحرمه من لذيذ النوم، وهي ما هي؟ شيء ضعيف بعوضة، فيعرف الإنسان بذلك قدر نفسه، وأنه ضعيف أمام قوى الشر، حتى لا يتكبر ويتعاظم.
ولهذا ذكر أن ملكا من الملوك الجبابرة كان يتحدث مع قومه ويسخر ويقول: ما الحكمة من خلق الذباب؟ الذباب يحمل الجراثيم ويحمل الأمراض وما أشبه ذلك فما الحكمة منه؟ فقال أحد الحاضرين: الحكمة منه أن يذل أو أن يرغم أنوف الجبابرة مثلك. نعم لأن هذا الذباب المهين يقع على أنف هذا الرجل الجبار الذي لا يدخل البشر إليه إلا باستئذان وله حاجب من وراء حاجب، وهذا الذباب المهين يأتي ويقع على أنفه، وربما يصيبه بعذرته أيضا، نعم إذا جاءه وهو نائم وكان ثقيل النوم يمكن الذباب يكيف عليه.
على كل حال هذا أيضا من حكمة الله سبحانه وتعالى في خلق الشر، وهناك حكم ربما يظهر للمتأمل منها شيء كثير.
وبهذا نعرف كمال حكمة الله سبحانه وتعالى وربوبيته، ومن عرف الله ازداد في عبادته، كما قيل: من كان بالله أعرف كان منه أخوف وله أطوع.
قال: قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران: ٤٠] ثم قال الله عز وجل: قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا [آل عمران: ٤١].
من فوائد هذه الآية: جواز البحث عما يزيد به الإيمان، وإن كان الإيمان موجودا، بل قد نقول: وجوب البحث عما يزيد به الإيمان؛ لأن الإنسان مطلوب منه أن يقوي إيمانه بكل وسيلة.
ومن فوائدها -من فوائد الآية الكريمة- تمام قدرة الله سبحانه وتعالى بخوارق العادات، فإن كون زكريا عليه الصلاة والسلام لا يكلم الناس إلا رمزا، لكن في باب التسبيح ينطلق لسانه، هذا من آيات الله، ولهذا قال: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآية قد تكون على عكس ما طلبت له، فهي قد طلبت لتحقق الوجود فيما بشر به، والآية كانت على العكس، كانت إعدام موجود، وهو أيش؟ الكلام، كان قادرا على الكلام فمنع من الكلام، كان في الأول كبير السن وامرأته عاقر فوُجد له الولد، فالآية وما كانت آية له بينهما أيش؟ تضاد، هذا وجود وهذا عدم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإشارة تقوم مقام العبارة، من أين تؤخذ؟
طالب: إِلَّا رَمْزًا.
الشيخ: كيف يعني من أين تؤخذ؟
الطالب: ألا تكلم الناس إلا رمزا.
الشيخ: ما هي الفائدة اللي قلنا؟
الطالب: تكلم الناس بالإشارة.
الشيخ: لا.
طالب: أن الإشارة تقوم مقام العبارة.
الشيخ: أن الإشارة تقوم مقام العبارة، لقوله: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ... إِلَّا رَمْزًاوهذه الفائدة مبنية على أيش؟
طالب: فائدة (...)
الشيخ: إيه لكن مبنية على أي شيء بالنسبة لتفسير الآية؟
الطالب: مبنية على قوله: أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا [مريم: ١٠].
الشيخ: لا.
الطالب: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا [آل عمران: ٤١].
طالب: على أساس أن الاستثناء متصل.
الشيخ: نعم، مبنية على أن الاستثناء متصل، فتكون الإشارة من الكلام.
وفائدة أخرى: أن الإشارة تقوم مقام العبارة عند العجز عن التعبير، من أين تؤخذ؟
طالب: (...).
الشيخ: من أين تؤخذ قبل وبعدين نشوف وجه المأخذ؟
طالب: قوله: إِلَّا رَمْزًا.
الشيخ: وجه المأخذ؟
الطالب: نأخذ القول الثاني على أن الاستثناء هنا منقطع فلا يكون كلاما.
الشيخ: فلا يكون كلاما لكنه يكون مقامه عند؟
الطالب: عند العجز.
الشيخ: عند العجز عنه. وكلا الأمرين حق، فالإشارة تقوم مقام العبارة في الإفهام، ولاسيما عند العجز، وذكرنا في التفسير أمثلة لمفارقة الإشارة للكلام، وأمثلة لموافقة الإشارة للكلام، أتستحضرونها الآن؟
مثال لمفارقة الإشارة للكلام؟
طالب: (...)
الشيخ: نعم يعني أنها ليست كلاما.
الطالب: كما لو أشار في الصلاة.
الشيخ: نعم كما لو أشار في الصلاة؛ فإن الإشارة لا تبطل الصلاة والكلام يبطلها. طيب مثال؟
الشيخ: مثال لقيام الإشارة مقام الكلام؟
طالب: في قول مريم (...): فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ [مريم: ٢٩] (...) أشارت إليه، الإشارة هنا..
الشيخ: لما عرّضوا بقذفها أشارت إليه، وغير؟
طالب: حديث المرأة التي قتلها اليهودي ، عندما سألوها فأشارت إلى اليهودي.
الشيخ: ما أشارت إلى اليهودي.
الطالب: أومأت.
الشيخ: أشارت حين ذكر اسمه.
طالب: في قصة ذي اليدين حين قال النبي: «أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟»، فأومؤوا أن نعم .
الشيخ: بعضهم، وبعضهم قالوا: نعم.
إذن نقول: الآية على الوجهين تدل على أن الإشارة تقوم مقام العبارة مطلقا أو عند الحاجة إليها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان ينبغي له إذا انقطع عن الناس أن يشغل وقته بذكر الله، من قوله لما منع من الكلام مع الناس وصار لا يكلمهم إلا رمزا، ومعلوم أن الإنسان الذي لا يكلم الناس إلا رمزا سوف لا يكون حريصا على مكالمتهم لئلا يتعب أو يتعب، أمره الله قال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [آل عمران: ٤١].
ومن فوائدها: فضيلة التسبيح والذكر في هذين الوقتين: العشي آخر النهار، والإبكار أول النهار. ومنه قوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ [ق: ٣٩].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذكر ينبغي أن يكون مقرونا بالتسبيح، إلا ما ورد النص بإفراد أحدهما عن الآخر؛ لأنه قال: اذكر ربك وسبح، ولكن الذكر قال: كَثِيرًا، والتسبيح قال: بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِفهل نقول: إن الذكر لا يتقيد بالعشي والإبكار، أو نقول: إنه متقيد لكن يكثر منه؟
يحتمل هذا وهذا، لكن الآيات الأخرى تدل على أن الإنسان مأمور بأن يذكر الله كثيرا، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب: ٤١، ٤٢]، وقال تعالى في وصف أهل الصلاح: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ [الأحزاب: ٣٥]، وعلى هذا فالذكر يكون أكثر من التسبيح، لكن القرن بينهما أيضا فيه فائدة وهو أنه يجمع بين الثناء على الله وتنزيهه من النقائص.
تفسير الآيات (42-51)
00:48:15
ثم قال تعالى: وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَالواو حرف عطف، و(إذ) نقول فيها مثلما قلنا فيما سبق في قوله: إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ [آل عمران: ٣٥] يعني أنها منصوبة بفعل محذوف تقديره: اذكر، وتضمين الجملة لهذا يدل على العناية بها، وأنه ينبغي إشهارها وإظهارها حتى تتبين وتتضح للناس.
وإنما ذكر الله قصة زكريا ومريم هنا، وعيسى فيما بعد، في أول هذه السورة لأنها نزلت في وفد نجران الذين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وهم من النصارى، فأراد الله أن يبين لنبيه صلى الله عليه وسلم قصة المسيح ومن حوله كاملة حتى يتبين له الأمر تماما، فإذا احتاج إلى محاجة النصارى وإذا عندهم علم قريب منها مما عندهم.
وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِالملائكة المراد بهم الجنس؛ إذ ليس المراد كل الملائكة، بل واحد منهم، وهو في الغالب جبريل، يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ، ونداؤها باسمها العلم نوع من التكريم؛ إذ لم يقل: يا هذه باسم الإشارة، بل أتى باسمها العلم تكريما لها، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِأي: اختارك؛ وذلك لأن اصطفى أصلها: اصتفى بالتاء، لكن لعلة تصريفية قلبت التاء طاء، وهي مأخوذة من الصفوة، يعني جعلك من صفوة الخلق، واصطفاؤه إياها سبحانه وتعالى من عدة وجوه:
الوجه الأول: أنه تقبلها بقبول حسن حين قالت أمها: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا [آل عمران: ٣٥]، مع أن المعروف عندهم أنه لا يخدم المساجد إلا الرجال، لكن هي قبلت.
ومنها -من اصطفائه لها- أنه أنبتها نباتا حسنا، وقد سبق الكلام على معنى الكلمتين وأنهما تتضمنان التربيتين الروحية والجسدية.
ومن اصطفائه لها أيضا: أن الله تعالى اختار أن تكون عند نبي من الأنبياء؛ حتى تتربى ببيت نبوة.
وقوله: طَهَّرَكِطهرك من أي شيء؟ هل هو من الأرجاس الحسية؟ أو من الأرجاس المعنوية؟
الظاهر الثاني، وأنها بالنسبة للأرجاس الحسية كالبول والغائط والحيض كغيرها من النساء، لكنه طهرها من الأرجاس المعنوية، فبرأها الله تعالى مما رماها به اليهود، وكذلك طهرها من سفاسف الأخلاق حتى كانت دائما في عبادة الله سبحانه وتعالى، كما سيتبين إن شاء الله.
ثم قال: وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَالواو حرف عطف، وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَأي ميزك من بينهن، فالاصطفاء الأول اصطفاء عام، وهذا اصطفاء خاص بالنساء، اصطفاها الله تعالى من بين سائر النساء حيث جعلها من النساء الكمل، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن مريم عليها الصلاة والسلام خير نساء البشر، هي وخديجة بنت خويلد وآسية امرأة فرعون، و«فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» ، فهي من النساء الكمل رضي الله عنها، ولهذا قال: اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ.
وهل المراد نساء العالمين في زمنها؛ لأن النساء اللاتي في زمن النبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنهن في أمة هي خير الأمم، أو المراد العموم؟
فيه قولان للعلماء، منهم من قال: إنه خاص بنساء زمانهم، كما ذكر الله عن بني إسرائيل أنه فضلهم على العالمين، ومع ذلك فهذه الأمة أفضل منهم يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة: ٤٧] ومن المعلوم أنهم ليسوا أفضل من هذه الأمة؛ لقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠]. ثم قال..
طالب: والراجح؟
الشيخ: يأتي إن شاء الله الكلام عليه.
طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» ما يأتي عامة (...)؟
الشيخ: والله بعض العلماء أخذ من هذا أنها أفضل من الثلاث التي معها؛ لأنه قال: «فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ» بعد أن ذكر فضل هؤلاء الثلاث، وبعضهم قال: إن المراد: على النساء سواهن، والله أعلم بمراد رسوله.
طالب: شيخ (...).
الشيخ: هي ما ذكرت معهن.
الطالب: (...)
الشيخ: لا ثلاث.
الطالب: (...) تعقيب على (...)
الشيخ: يعني فيه احتمال أنه عليه الصلاة والسلام أفردها لتكون أكمل منهن، وفيه احتمال أنها أفضل من النساء اللاتي سواها (...) والله أعلم بمراد رسوله، ما عندي في هذا.
طالب: إن القول الأفضل إنها أفضل على نساء أهل زمانها، القول الثاني يا شيخ.
الشيخ: إن عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَمطلقة، حتى نساء هذه الأمة هي أفضل منهن، وإن شاركتهن في الفضيلة لكن هي أفضل منهن.
طالب: اسم مريم عليها السلام لم يذكر في القرآن سوى هذا الاسم، نأخذ منه فوائد.
الشيخ: نحن وصلنا الفوائد؟
طالب: حكمة التطهير بعد الاصطفاء، الاصطفاء يعم (...)؟
الشيخ: الاصطفاء الاختيار، ونص على التطهير لدفع ما قاله اليهود في أنها كانت بغيا.
الطالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هو قول الأخ حينما سأل: عليها السلام.
الشيخ: من عنى؟
الطالب: عنى مريم.
الشيخ: عليها السلام؟
طالب: إي.
الشيخ: ما فيها مانع، «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ» ، ما فيها مانع أبدا، لكن الأحسن أن يقال: رضي الله عنها أحسن؛ لئلا يتوهم واهم أنها نبية.
طالب: الله سبحانه وتعالى يذكر في آيات أخر أن مؤمن آل فرعون مع الرجل الذي جاء يسعى من أقصى المدينة ولم يذكر اسم الرجل، وهنا ذكر مريم رضي الله عنها كان أيش يصير فيها؟
الشيخ: يعني هذا خطاب خاص، وهذاك تحدث عن شخص غائب.
الطالب: يا شيخ هذا فيه فضيلة لو ذكر اسمه له؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: مؤمن آل فرعون؟
الشيخ: لا؛ لأن الله يذكر القصص أحيانا للعبرة فقط، حتى لا يكون الإنسان معتنيا بالاطلاع على الأشخاص، فالعبرة بالمعاني وما سيقت القصة من أجله، أما كونه فلان وفلان ما يهم، حتى لو علمت الآن أن الرجل هذا اسمه فلان تستفيد فائدة كثيرة؟
طالب: يعني أعرف الثناء عليه مثل مريم.
الشيخ: الثناء عليه يكفي أنه قال رجل مؤمن من آل فرعون، أنه من آل فرعون يكفي، أنه آمن وهو من آل فرعون، أما هذا الخطاب.. يعني أنا لو قلت لك: يا رجل أو قلت: يا عبد الرحمن، أيهن أبلغ في الإكرام؟ أو قلت: يا هذا؟
الخطاب غير مسألة التحدث عن شخص، الخطاب ليس كالتحدث عن شخص، الخطاب إذا ذكر الإنسان باسمه العلم صار هذا دليلا على التفخيم والتكريم.
طالب: في بعض الآيات يقول: وَاذْكُرْ رَبَّكَ، وفي آيات وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ؟
الشيخ يقول: في بعض الأحيان يقول: اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ، وأحيانا يقول: اذْكُرْ رَبَّكَكيف يعني نقول؟
الجواب: أن المعنى واحد، وأن المراد بـ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَيعني اذكر ربك باسمه، وأما من قال: إن (اسم) زائد فهذا قول ضعيف، وأن اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَيعني: اذكر ربك، هذا قول لا صحة له، ولكن المعنى: اذكر ربك باسمه؛ لأن هذا هو الذي يتم به الذكر.
طالب: خيرية مريم وغيرها من النساء في الدنيا والآخرة أم في الدنيا فقط وفي الآخرة فقط؟
الشيخ: في الدنيا والآخرة.
الطالب: ورد في الحديث أن فاطمة رضي الله عنها سيدة (...).
الشيخ: لا هذيك سيدة نساء أهل الجنة، لكنهن خير.
طالب: شيخ، ما استدل به بعض المفسرين أن هذه القصة على أن الخال بمنزلة (...)، قصة زكريا.
الشيخ: كيف؟
الطالب: قصة زكريا ومريم وعيسى، بعض المفسرين على أن الخال بمنزلة (...).
شيخ: وجه ذلك؟
الطالب: أن أخت مريم خالة عيسى كانت تحت مريم.
الشيخ: تحت زكريا، وبعدين؟
الطالب: هل يصح هذا الاستدلال يا شيخ؟
***
طالب:يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ [آل عمران: ٤٣ - ٤٦].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، ذكرنا أن الاصطفاء معناه الاختيار، وهو مأخوذ من الصفوة، وصفوة كل شيء خلاصته.
وَطَهَّرَكِظاهرا وباطنا، من العيوب الظاهرة ومن العيوب الباطنة، ومن الأخلاق السافلة، فهي مطهرة ظاهرا وباطنا. ونص الله تعالى على ذلك دفعا لقول اليهود -قاتلهم الله ولعنهم-: إنها كانت بغيا، وإن عيسى عليه الصلاة والسلام كان ولد زنا.
وقوله: وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَقلنا: إن المراد بذلك نساء عالمي زمانهم، على أنها هي وخديجة بنت خويلد وآسية امرأة فرعون هؤلاء الثلاث كملن من النساء، و«فَضْل عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ» .
وقوله: عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَالعالمين هم كل من سوى الله في الأصل، كما قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: ٢]، فالرب والمربوب لا يوجد سواهما، وعليه فالعالم كل من سوى الله، هذا في الأصل، وسمي عالما لأنه علم على خالقه عز وجل، فإن ما في هذه المخلوقات من الآيات الدالة على كمال الله سبحانه وتعالى وعلى كل ما تتضمنه هذه المخلوقات علم واضح على ما تتضمنه هذه المخلوقات من الصفات الكاملة.
يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَهذا من خطاب الملائكة أيضا، تقول لها: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِوالقنوت هو دوام الطاعة، واللام في قوله: لِرَبِّكِللاختصاص، أي قنوتا خالصا لله، أي طاعة خالصة له؛ لأن من شرط الطاعة أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى.
وقوله: لِرَبِّكِالربوبية هنا ربوبية خاصة، وقد مر علينا أن الربوبية تنقسم إلى ربوبية عامة وربوبية خاصة، فالعامة هي الشاملة لكل أحد، والخاصة تختص بمن خصها الله به، لكنها تفيد تربية أكثر اعتناء واختصاصا من الربوبية العامة.
وقوله: وَاسْجُدِيالواو حرف عطف، وَاسْجُدِييعني السجود المعروف، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الأمة أمرت أن تسجد على سبعة أعظم ، وعطف السجود على القنوت من باب عطف العام على الخاص أو الخاص على العام؟ الخاص على العام. وذكر الخاص بعد العام يدل على فضله ومزيته. ولا شك أن السجود من أفضل أنواع الطاعة، ولهذا كان «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» .
وقوله: ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَالركوع معروف، وهو انحناء الظهر، وقوله: مَعَ الرَّاكِعِينَأي في جملتهم، وليس المراد أنها تصلي مع الجماعة؛ لأن المرأة لا تخاطَب بالصلاة مع الجماعة، لكن كوني في جملة الراكعين الذين يركعون لله عز وجل.
وفي قوله: مَعَ الرَّاكِعِينَولم يقل: مع الراكعات، مع أنها امرأة؛ لأن الكُمّل من الرجال أكثر من الكمل من النساء، ولهذا لم يكمل من النساء إلا ثلاث .
وقوله: اسْجُدِي وَارْكَعِيقدم السجود على الركوع؛ لأن هيئة السجود أفضل وأبلغ في الخضوع، فقدمها على الركوع، أما من حيث الترتيب الفعلي بالنسبة للصلاة فإن الركوع قبل السجود.
ثم قال الله عز وجل: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، ذَلِكَالمشار إليه كل ما سبق من قصة زكريا وقصة مريم. وقوله: مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِأي من أخبار الغيب، أي من أخبار الشيء الغائب الذي لا يعلم، لكن من الذي لا يعلمه؟ ليس المراد من وقع في زمنه؛ لأن من وقع في زمنه فهم يعلمونه، لكن المراد: لا يعلمها النبي صلى الله عليه وسلم ولا قومه؛ كما قال تعالى في سورة هود: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: ٤٩]
إذن هي غيب نسبي ولّا حقيقي؟ غيب نسبي بالنسبة لمن لم تكن في زمنه، أما من كانت في زمنه فهي مشاهدة، ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام وقومه كانوا أميين، لا يعلمون شيئا عن الأمم السابقين، فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ما أوحى من أخبار السابقين التي ما كان يعلمها لا هو ولا قومه، وهو دليل على أنه رسول الله حقا، وأن الوحي يأتيه من الله.
وقوله: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَالوحي في اللغة الإعلام بسرعة وخفاء، فإذا أعلمك إنسان بسرعة على وجه خفي يسمى في اللغة وحيا، وحيا، ولكنه في الشرع: إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما يشاء من شرعه، هذا الوحي، إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما أيش؟ بما يشاء من شرعه. ثم إن كلفه بتبليغه كان رسولا، وإلا كان نبيا.
الشيخ: الأخ عرفنا ما هو الوحي شرعا؟ أنت إي نعم.
طالب: الوحي ما أمر (...) بالشرع ولم يؤمر بتبليغه.
الشيخ: هذا الوحي شرعا.
الطالب: خلاف الرسول، فإذا أمر بتبليغه..
الشيخ: صار الوحي شرعا من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه! هذا الوحي شرعا! أعتقد أنك ما أنت معنا؟
طالب: (...)
الشيخ: لا لا، تأملها في غير وقت الدرس، وقت الدرس تأمل ما يقول المدرس، ما تابعتنا ولهذا أخطأت في تعريف الوحي. طيب إذن الوحي؟
طالب: الوحي هو ما يوحي الله سبحانه وتعالى شرعا نبيا من أنبيائه، فإن أمره بالتبليغ فهو كان رسولا، وإن لم يؤمره فهو نبي.
الشيخ: أيش الوحي؟
الطالب: هو ما يوحيه الله سبحانه وتعالى إلى نبي من أنبيائه من شرعه.
الشيخ: لا.
طالب: إيحاء الله لنبي.. إيحاء الله عز وجل..
الشيخ: لا.
الطالب: تبليغ وتكليف الله عز وجل.
الشيخ: لا.
طالب: إخبار الله لنبي من الأنبياء بما يشاء من شرعه.
الشيخ: نعم، هذا الوحي: إخبار الله سبحانه وتعالى لنبي من أنبيائه بما يشاء من شرعه، ثم إن أمر بتبليغه كان رسولا وإلا فهو نبي.
ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَأي نخبرك به على الوصف الذي ذكرنا، وهو إخبار الله تعالى لنبي من أنبيائه بما شاء من شرعه، هذا الوحي.
وقوله: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْأي ما كنت عندهم، يعني عند زكريا وقومه إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، إِذْأي حين، وهي متعلقة بقوله: كُنْتَ، يعني ما كنت في ذلك الوقت عندهم إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، أَقْلَامَهُمْاختلف العلماء في تفسيره، فقيل: إنها على ظاهرها؛ أنهم ألقوا أقلامهم التي يكتبون بها، وقيل: إن المراد بها سهامهم التي تكون في النصل يرمون بها، وسميت قلما لأنها تشبهه في الاستطالة ودقة الرأس، السهم عندهم بمنزلة الرصاصة عندنا في الوقت الحاضر.
على كل حال أيها ظاهر القرآن؟ ظاهر القرآن أن المراد بالأقلام الأقلام الحقيقة التي يكتب بها، ولا نعدل عن ظاهر القرآن إلا بدليل، هذه هي القاعدة الشرعية في تفسير القرآن، بل وفي تفسير الحديث النبوي، بل وفي كلام الغير، حتى كلام الناس يجب أن نعمل بظاهره إلا بدليل، ولكن إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَكيف ألقوا هذه الأقلام؟
المعروف أنهم ألقوها في النهر؛ في الماء الذي يمشي، فما انحبس منها فصاحبه الذي يكفل مريم، وما جرى فهو الذي لا يكفلها، ولكن القرآن ليس فيه بيان ذلك، يعني ليس فيه أنهم وضعوا هذه الأقلام في النهر، إنما ألقوا أقلامهم على وجهٍ اللهُ أعلم بكيفيته، لكنهم ألقوها من باب الاقتراع، يعني قرعة أيهم يكفل مريم، فخرجت القرعة لمن؟ لزكريا؛ كما قال تعالى في أول القصة: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا [آل عمران: ٣٧].
وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَيعني وما كنت عندهم أيضا في حال اختصامهم أيهم يكفل مريم، هذا الاختصام هل هو قبل إلقاء الأقلام أو بعده؟ قبله، الظاهر أنه قبله، لكن أخر في الذكر لمناسبة الآيات؛ رؤوس الآيات إِذْ يَخْتَصِمُونَهذا هو الذي يظهر، على أنه قد يقال: إن الله سبحانه وتعالى ذكر النتيجة قبل المقدمة أو قبل السبب لأنها هي الغاية، فإن إلقاء الأقلام والاستهام هو غاية الاختصام، فاختصموا أيهم يكفلها فقالوا: لنسهم بإلقاء الأقلام.
وقوله: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْهذا كالدليل لقوله: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَيعني فأنت ما قلتها لأنك شاهد، ولكن قلتها لأنها أوحيت إليك.
وأيضا فيه إشارة إلى أن هذا الذي أنبئ به كأنما يراه بعينه، كأنه حاضر، وهو كذلك، بل كما قلنا فيما سبق: إن إخبار الله عز وجل أشد ثبوتا وحقيقة مما يُرى في العين.
ثم قال تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ، يعني: اذكر إذ قالت الملائكة: يا مريم، وهل المراد جنس الملائكة أو الملائكة كلهم؟ الظاهر الأول أن المراد الجنس؛ لأن القائل واحد، والمشهور أنه جبريل. قال لها: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَإلى آخره.
قوله: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِسبق أن معنى البشارة في الأصل: الإخبار بما يسر، وأنها قد تطلق على الإخبار بما يسوء؛ بجامع أن كلا مما يسر وما يسوء يغير البشرة ويؤثر فيها.
إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُقوله: بِكَلِمَةٍتحتمل وجهين:
الوجه الأول: أن الكلمة هي المبشر به، كما تقول: بشرته بولد، بشرته بولد، فتكون الكلمة هي المبشر به.
والوجه الثاني: أن المراد بالكلمة هنا الصيغة التي حصلت بها البشارة، أي: يبشرك بشارة عن طريق النطق بها، عن طريق النطق، كما تقول: بشرته بالقول، لا بالكتابة.
فأنت مثلا تبشر الإنسان إما بواسطة النطق، وإما بواسطة الكتابة، وإما بواسطة الإشارة، فقوله: يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍأي أن الوسيلة التي حصلت بها البشارة هي الكلمة، يعني أن الله قال سبحانه وتعالى كلمة فيها البشرى بالمسيح عيسى ابن مريم.
فالوجهان محتملان، الوجه الأول ما هو؟ أن المراد بالكلمة عيسى، يعني المبشر به، كما تقول: بشرته بولد، أو أن المراد بالكلمة الصيغة التي حصلت بها البشارة، أي أن البشارة حصلت من الله بالقول، كما تقول: بشرته بالنطق، بشرته بالكتابة، بشرته بالإشارة.
فأما على الاحتمال الثاني فلا إشكال، لا إشكال أن تقع البشارة بالنطق، لكن على الاحتمال الأول أن الكلمة هي المبشر به، فكيف يكون المبشر به كلمة مع أنه إنسان؟
أجاب العلماء عن ذلك بأنه أطلق عليه الكلمة لأنه كان بالكلمة، لا بالوسائل الحسية المعلومة؛ لأن الولد في العادة يأتي بواسطة النكاح، لكن هذا لم يأت بالنكاح، أتى بالكلمة إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩]، فلهذا صح أن يطلق عليه الكلمة.
وفي هذه الآية إشكال آخر: إذا قلنا: إن قوله: بِكَلِمَةٍتعني المبشر به، وهو قوله: مِنْهُ، بِكَلِمَةٍ مِنْهُفإن (من) لها معانٍ، منها: التبعيض؛ كما قال ابن مالك رحمه الله في الخلاصة:
| بَعِّــضْ وَبَيِّــنْ وَابْتَــدِئْ فِــــي الْأَمْكِنَــــــــــهْ | بِمِــــــــنْ وَقَــــدْ تَأْتِــــي لِبَــــدْءِ الْأَزْمِنَــــــــــــــــهْ |
الشاهد قوله: (بعّض)، فإن (من) تفيد التبعيض، فهل معنى ذلك أن عيسى بعض من الله كما قال ذلك النصارى؟
الجواب: لا، الجواب ليس بعضا من الله، لأن الله واحد أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ولا يتبع أحد هذه الآية ويدعي التبعيضية أو يدعي البعضية، إلا من في قلبه زيغ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: ٧]، والنصراني كما اتبع المتشابه في هذه الآية اتبع المتشابه في قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] قال: هذا كلام الله يقول: إِنَّاوإنا تفيد الجمع، فاتبع المتشابه انتصارا لرأيه الفاسد، ولا يخفى على كل ذي لب أن المراد بقوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَوما أشبهها التعظيم، لا التعدد. كذلك هنا بِكَلِمَةٍ مِنْهُلا يقتضي أن يكون عيسى بعضا من الله عز وجل؛ لأنك إن ادعيت أنه بعض من الله فلتدع أنه كلمة الله، ومعلوم أنه لا أحد يدعي أن عيسى كلمة، عيسى بشر، له جسم وروح، يأكل ويشرب، وهل الكلمة كذلك؟ لا.
فأنت إن ادعيت أنها من الله فادع أن عيسى كلمة، ومعلوم أن عيسى ليس بكلمة.
إذن فيتعين أن تكون (من) إما ابتدائية وإما بيانية، يعني: بكلمة صادرة من الله عز وجل بأن قال: كن فكان.
نظير هذه الآية قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣]، هل يدعي أحد أن ما في السماوات وما في الأرض بعض من الله؟ لا، لا يدعي، حتى النصراني ما يدعي ذلك، ولكن هنا (من) إما للابتداء، يعني ابتداء التسخير من الله، أو للبيان، بيان مَن المسخر، أو من أين جاء هذا التسخير.
قال: بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، اسم: مبتدأ، والْمَسِيحُخبر، وعِيسَىخبر ثانٍ، وابْنُ مَرْيَمَخبر ثالث، وإنما قلنا ذلك لأنك لو أفردت كل واحد عن الآخر لاستقام الكلام، لو قلت: اسمه ابن مريم صح؟ اسمه عيسى، اسمه المسيح صح، وعلى هذا فكل واحد منها خبر، وقيل: بل الثلاثة خبر واحد، كقولك: البرتقال حلو حامض، هنا لا يصح أن تقول: حلو خبر وحامض خبر؛ لأنك لو أفردت أحدهما عن الآخر فسد المعنى، لو قلت: البرتقال حلو ما صح، لو قلت: البرتقال حامض، ما صح، ما أدى المعنى الذي يؤديه قوله: حلو حامض؛ لأن حلو حامض يعني: جامع بينهما، يعني: مز، كذا؟ فلهذا نقول في قول القائل: البرتقال حلو حامض، حلو حامض جميعها خبر، لكن في الآية التي معنا: اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَلا يستقيم هذا المعنى فيها، وبناء على ذلك نقول: إن كل واحد منها خبر.
مثل قوله تعالى: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٤ - ١٦] خمسة أخبار.
هذه الأخبار الثلاثة جمعت أنواع العَلَم التي أشار إليها ابن مالك في قوله:
| وَاسْمًــــــــا أَتَــــــــى وَكُنْيَــــــــةً وَلَقَبَــــــــــــــــــــــــا | وَأَخِّــــــــرَنْ ذَا إِنْ سِــــــــوَاهُ صَحِبَــــــــــــــــــــا |
معلوم؟ أين الاسم؟
طلبة: عيسى.
الشيخ: اللقب؟
طلبة: المسيح.
الشيخ: الكنية؟
طلبة: ابن مريم
الشيخ: وإذا كان هذه الكلمات الثلاث قد جمعت أنواع العلم الثلاثة: الاسم، واللقب، والكنية، يبقى عندنا إشكال في قول ابن مالك: (وأخرن ذا) يعني اللقب (إن سواه صحبا)؛ فإنه في الآية الكريمة قدم اللقب، فيبقى إشكال، فهل نأخذ بقول ابن مالك ونقول: القرآن شاذ؟ حاشا حاشا، نقول: ابن مالك وألفيته الشاذة ولا يشذ القرآن.
إذن كيف نجمع بين هذا الكلام من هذا العالم في النحو وبين الآية؟
من المعروف أن علماء النحو رحمهم الله لا تضييق عليهم أبدا، ولهذا يقولون في ضرب الأمثال: حجة نحوي، أو يقولون: حجج النحاة كبيوت اليرابيع، واضح؟ حجج النحاة كبيوت اليرابيع، أيش معنى هذا؟
اليرابيع جمع يربوع، وعندنا باللغة العامية: جرابيع، طيب اليربوع من ذكائه يتخذ جحرا في الأرض له باب، وإذا بلغ منتهاه خرق الأرض متعليا إلى فوق، فإذا بقي قشرة رقيقة وقف؛ من أجل إذا دخل عليه أحد من باب الجحر خرج من هذه النطاقة؛ كما يقولون، نطق.
أقول: النحويون رحمهم الله لا تضييق عليهم، قالوا: الجواب عن الآية: هو أن اللقب إذا اشتهر به الإنسان حتى صار كالعلم، أو كالاسم، جاز أن يقدم، جاز أن يقدم، ولهذا نجد في كلام العلماء: الإمام أحمد بن حنبل، المسيح عيسى ابن مريم، على أوزان المسيح عيسى ابن مريم، الإمام محمد بن إدريس الشافعي، فيقدم الإمام مع أنه لقب، لماذا؟ للاشتهار، إذن لا إشكال الآن.
قال: اسْمُهُ الْمَسِيحُواختار الله تعالى له اسم المسيح لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، أو لكثرة مسحه الأرض وسيره فيها، أو من المسحة وهي الجمال، والمعنى الأول أشهر، يعني أنه لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، فهو يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويخرجهم من قبورهم، وهذه الأمور لا تتم لكل أحد، بل لا تتم لأحد أبدا إلا بإذن الله عز وجل.
عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَولم ينسبه إلى ذَكر؛ لأنه لا أب له، وأظن ذلك واضحا أنه لم ينسبه إلى أب لأنه لا أب له، لكن لماذا نسبه إلى أمه؟ إشارة إلى ألا يقول قائل: إنه ينسب إلى كافله زكريا، يعني لئلا يقول قائل: ما دام هذا الطفل ليس له أب فلينسب إلى كافله حتى يُعرف به، فبدأت الملائكة وبينت أن هذا الرجل ينسب إلى أمه عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.
وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِقوله: وَجِيهًاهذه منصوبة على الحال، من أين؟ حال من أين؟
طلبة: من عيسى.
الشيخ: أو المسيح، حال كونه وجيها في الدنيا، والوجيه هو ذو الجاه، وهو الشرف والمكانة والسيادة، وقد كان كذلك عليه الصلاة والسلام، أما وجاهته في الدنيا فلأنه كان أحد الرسل الكرام، بل هو من أولي العزم، وأعظم الناس جاها في الدنيا والآخرة هم أولو العزم، كما قال الله تبارك وتعالى عن موسى: وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب: ٦٩]، وأما وجاهته في الآخرة فكما قلنا أيضا لأنه من أولي العزم من الرسل الذين هم في أعلى درجات الجنة ولهم في الآخرة مقامات لا تكون لغيرهم.
وقوله: وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ..





