تفسير الآيتين (52-53)
ومن فوائد الآية
الكريمة: براءة مريم مما ادعاه اليهود من كونها بغيًّا؛ لقوله: وَطَهَّرَكِ، واليهود -قبحهم الله- اعتدوا على مريم وابنها،
فقالوا في مريم: إنها بغي، وقالوا في ابنها عيسى: إنه ولد زنا وكذبوه، وقتلوه إثمًا
لا حقيقة، كيف قتلوه إثمًا لا حقيقة؟ لأنهم أمضوا هذا الأمر الذي يظنون أنهم قتلوا
به عيسى وصلبوه، وقالوا: إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ، قال الله تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء: ١٥٧]، فكانوا
قتلة إثمًا لا حقيقة؛ لأن عيسى باقٍ إلى الآن.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن مريم مفضلة ومصطفاة على نساء العالمين، ولكن هل هذا يتناول نساء العالمين إلى يوم القيامة؟ أو نساء العالمين في زمنها؟ يحتمل المعنيين، إما أن المراد: نساء العالمين في زمنها، ويكون قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسْيَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» ، يكون هذا مما أطلع الله عليه نبيه ولم تطلع الملائكة على هذا، والملائكة بلغت مريم ما بلغت به.
ومن فوائد الآية الكريمة: تكرار أو جواز تكرار المناقب؛ لأن أوصاف الكمال كلما كررت ظهر من كمال الموصوف ما لم يكن معلومًا من قبل، واضح؟
ننطلق من هذه الفائدة إلى فائدة تتعلق بصفات الله عز وجل وهي: أن أكثر ما وصف الله به نفسه الصفاتُ الثبوتية التي يثبتها لنفسه، أما الصفات التي ينفيها عن نفسه فوصفه بها قليل بالنسبة لوصفه بصفات الإثبات؛ لأن صفات الإثبات كمال، كمالات، وصفات النفي نقائص، تُنفى لا لذاتها ولكن لإثبات كمال ضدها، مع أنها هي منفية أيضًا حقيقة.
ثم قال عز وجل: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ.
من فوائد الآية الكريمة: بيان أنه كلما من الله على إنسان بشيء كانت مطالبته بالعبادة أكثر؛ لأن الملائكة لما قالت: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَأمرتها بأيش؟ بالقنوت والسجود والركوع، فدل هذا على أنه ينبغي للإنسان كلما ازدادت عليه نعم الله أن يزداد على ذلك شكرًا بالقنوت لله والركوع والسجود وسائر العبادات.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة القنوت لله، ولكن ما هو القنوت؟ دوام الطاعة والخشوع والاشتغال بالطاعة عما سواه؛ ولهذا لما نزلت هذه الآية: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨] أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام ليشتغلوا بالطاعة عما سواها، فالقنوت: دوام الطاعة مع الاشتغال بها عن غيرها.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: فضيلة السجود والركوع؛ لقوله: وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ، مع أنه من القنوت، لكن لفضيلتهما نص عليهما.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز ترك الترتيب للمصلحة أو لمراعاة شيء آخر، وهو قوله: اسْجُدِي وَارْكَعِي.
ولا يقول قائل: لعل الصلاة في عهدهم يقدم فيها السجود وفي هذه الشريعة يقدم فيها الركوع؟ تقول: الأصل خلاف ذلك، لكن نص على السجود بدأ به؛ لأنه أبلغ في القنوت من الركوع، كما ذكرناه في أثناء التفسير.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبَّاد من الرجال أكثر من العبّاد من النساء، وأكثر لقوله: ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَولم يقل: مع الراكعات، إشارة إلى أن الكمال في الرجال، وكثرة العمل في الرجال أظهر منها في النساء؛ ولهذا كانت النساء أكثر أهل النار، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم .
طالب: (...)؟
الشيخ: إلّا بلى، هذا في الصراط اللي يوم القيامة.
طالب: كيف يسمى صراط؟
الشيخ: نعم، يسمى صراطًا؛ لأن السالكين فيه ينفذون بسرعة بعضهم مثل لمح البصر، وبعضهم مثل البرق، ما في عائق يعوق، مع أنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه دَحْض ومَزِلَّة ، وهذا يدل على أنه طريق واسع كالعادة، والعلماء -مر علينا في التوحيد- أنهم مختلفون هل هو طريق عادي أو أنه كما جاء في صحيح مسلم -أنا أظنه عن أبي سعيد بلاغًا-: «أَنَّهُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ» .
طالب: (...).
الشيخ: ويش الأصل؟ ما الأصل؟
الطالب: (...).
الشيخ: إيه، لكن ما هو الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله؟ أن يكون فعله هو أو فعله غيره؟
الطالب: (...).
الشيخ: خلها قاعدة عامة: الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله أنه قائم به، هذا هو الأصل، وذكرنا لكم أن العلماء قالوا: إن الله خلق آدم بيده، وغرس جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده.
طالب: (...)؟
الشيخ: هذا عام أريد به الخاص، (...) وأيضًا الرسول قال: «عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ» ، فهذا مما جهله الناس، يعني: ربما يكون عند الله له دواء ما ندري عنه.
طالب: (...)؟
الشيخ: اختلاف الضميرين؛ لأنه قال: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا [الأنبياء: ٩١].
الطالب: (...).
الشيخ: يعني قصدك الطيور؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أنا ظننت قصة مريم، الطيور، اقرأ آية المائدة.
الطالب: قوله تعالى: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي [المائدة: ١١٠].
الشيخ: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِيوهنا قال: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِإذا حاول الإنسان وجود فرق معنوي واتضح له فهو الفرق، وإن لم يوجد فإنه يكون من باب اختلاف التعبير، يعني: لأن (هيئة) صالحة للتذكير والتأنيث، كَهَيْئَةِ الطَّيْرِيعني: مثل هيئة الطير، فَتَنْفُخُ فِيهَاأي: في الهيئة، أو تنفخ في المِثْل، فعلى تقدير أنه ينفخ في المثل يكون؟
طالب: فِيهِ.
الشيخ: فِيهِ، أو ينفخ في الهيئة؟
طلبة: فِيهَا.
الشيخ: يكون فِيهَا.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، عندما قال: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِثم قال: وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ}قال: بِإِذْنِ اللَّهِ. وقال: وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْولم يقل: بِإِذْنِ اللَّهِ؟
الشيخ: لأن هذا علم، صفة فيه، وهذاك شيء متعدٍ إلى غيره، هذا خلق وإبراء، وإحياء.
الطالب: وكذلك.
الشيخ: لا هذا العلم، كلٌّ يعرف، اللي في البيت يعلم، اللي في بيت الإنسان يعلم ما أكله وما ادخره.
طالب: على كده يا شيخ يترجح القول بأنه كان يستعين كما استعان سليمان عليه السلام بالجن؟
الشيخ: لا، ما يتوجه؛ لأن هذا من باب الوحي.
طالب: هل يوجد تفاضل بين أركان الصلاة في الركوع والسجود؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني التفاضل بينها هي نفسها؟
الشيخ: إي نعم، هي نفسها.
الطالب: كيف ذلك؟
الشيخ: الركوع أفضل من وجه، والسجود أفضل من وجه، من جهة أن الساجد أقرب ما يكون لله، وقد وضع أعز ما فيه على الأرض يكون السجود أفضل.
الشيخ: أعوذ بالله من الشطان الرجيم قال الله عز وجل: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَيعني: يرسله رسولًا إلى بني إسرائيل، أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِإلى آخره.
في هذه الآيات من الفوائد: أن عيسى ابن مريم قد جاء بالبينة من الله؛ لأن كل رسول يرسله الله إلى البشر لا بد أن يأتي بآية، يؤخذ من قوله: قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ.
ومن فوائدها: الإشارة إلى وجوب قبول رسالته؛ لقوله: مِنْ رَبِّكُمْ، يعني: فإذا كان ربكم وجب أن تكونوا له عبيدًا فتقبلوا ما جاءت به رسله.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: قدرة الله عز وجل، قدرة الله حيث يخلق عيسى ابن مريم من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله في الحال، بينما الأمور العادية لا يكون طيرًا إلا بعد مدة، بعد أن يفقس من البيضة ويترعرع فيطير.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما فعل بأمر الله فهو حلال مباح، وإن كان نظيره بدون أمرٍ حرامًا؛ لقوله: أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، فلو أن أحدًا أراد أن يصنع تمثالًا من الطين على هيئة الطير، لكان ذلك حرامًا، لكن لما كان بأمر الله صار هذا حلالًا، ولهذا نظائر: السجود لغير الله شرك، والسجود لغير الله بأمر الله طاعة؛ ولهذا سجد الملائكة لآدم فكانوا طائعين، واستكبر عن ذلك إبليس فكان من الكافرين، قتل النفس المحرمة ولا سيما ذوي الرحم من كبائر الذنوب، وإذا كان بأمر الله كان مما يقرب إلى الله، فإبراهيم عليه الصلاة السلام أمر بذبح ابنه إسماعيل فامتثل، وكان امتثاله لذلك طاعة لله عز وجل، هكذا خلق عيسى كهيئة الطير لينفخ فيها، فيكون طيرًا بإذن الله، هذا أيضًا من الأمور التي أبيحت بأمر الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق وصف الخلق على المخلوق، أي: أن المخلوق يكون خالقًا؛ لقوله: أَخْلُقُ لَكُمْ، وهذا له نظائر: قال الله تعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: ١٤]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام في المصورين: «يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» ، لكن خلق غير الخالق جل وعلا ليس خلقًا حقيقة، ولكنه تغيير أو تحويل، فالإنسان مثلًا يخلق من الطين صورة، لكن من الذي خلق الطين؟ الله عز وجل، لا يمكن أن يخلق جميع الخلق شيئًا على وجه الاستقلال، وإنما خلقهم للأشياء تغيير صور الأشياء، أو تحويلها من شيء إلى شيء، أو ما أشبه ذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: هذه المعجزة العظيمة لعيسى ابن مريم وهو أنه ينفخ في هذا التمثال حتى يكون طيرًا، وفي قراءة {طَائِرًا}، والفرق، ليس هناك فرقًا في الواقع؛ وذلك لأن الطير قد يطير وقد لا يطير، ولكنه يصير طيرًا يطير بإذن الله في الحال.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من آيات عيسى عليه الصلاة السلام أنه يبرئ الأكمه والأبرص، لكن لا استقلالًا بل بإذن الله، وإلا لا أحد يشفي من المرض -أي مرض كان- إلا بإذن الله عز وجل، حتى الأشياء التي جعلها الله تعالى بطبيعتها شفاءً للأمراض لا تشفي إلا بإذن الله، وكم من دواء كان مفيدًا ونافعًا لهذا المرض المعين ثم يستعمله المريض فلا ينتفع به.
ومن فوائد الآية الكريمة: الآية العظيمة وهي إحياء الموتى، وهذا من آيات الله، وفي الآية الثانية: وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي [المائدة: ١١٠]، ففي الآيتين إحياء الموتى وإن كانوا على ظهر الأرض، وإحياء الموتى في القبور وإخراجهم من القبور إحياءً، يعني: إذا ضممت هذه إلى هذه استفدت فائدتين: أنه يحيي الموتى وهم على ظهر الأرض، ويحييهم وهم في بطن الأرض فيخرجون، وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي.
وفي هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة لله عز وجل، وجهه؟ أن الله جعل لعيسى من الآيات ما يكون مناسبًا لزمنه وعصره، حيث أوتي من الآيات ما يعجز عنه من كانوا محل تعظيم للناس في ذلك الوقت وهم الأطباء، في عهد عيسى ترقى الطب ترقيًا عظيمًا، ولكن مهما ترقى الطب لم يصلوا إلى ما وصل إليه عيسى، لا يبرئون الأكمه ولا الأبرص، ولا يحيون الموتى، ولا يخرجونهم من القبور، لكن عيسى يأتي بهذه الآيات بإذن الله عز وجل.
قال أهل العلم: وفي عهد موسى ترقى السحر ترقيًا عظيمًا، فكانت آياته معجزة تقهر السحرة، وذلك في العصا واليد، ومحمد صلى الله عليه وسلم بعث في قوم يفخرون بالبلاغة والفصاحة ويرونها هي محل التقدير والاحترام، فكانت آياته أن جاء بكلام يعجز عن مثله البشر في بلاغته وفي معانيه وأحكامه، إلى آخر وجوه الإعجاز في القرآن.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإذن لله، الإذن لا الأُذُن، الأذن هي: الجارحة أو العضو الذي يكون في الإنسان لتلقي الأصوات، وأما الإذن فهو: الإباحة والترخيص وما أشبه ذلك، أما الأذن فلا يجوز أن نثبتها لله ولا أن ننفيها عنه؛ لأن الصفات توقيفية، والله عز وجل لم يثبت لنفسه أذنًا ولم ينف عنه الأذن، أثبت لنفسه السمع، والسمع ليس بشرط أن يكون من ذي أذن، فها هي الأرض تسمع وتحدث أخبارها وليس لها آذان، المهم أن الإذن هنا غير الأذُن.
وإذنُ الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: إذنٌ شرعي، وإذنٌ كوني، فما تعلق بالخلق فهو إذنٌ كوني، وما تعلق بالشرع فهو إذنٌ شرعي، هذا الضابط: الإذن الكوني ما تعلق بالخلق، والشرعي ما تعلق بالشرع، ففي قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١]، الإذن هنا؟
الطلبة: شرعي.
الشيخ: شرعي وليس كونيًّا؛ لأنه -كونيًّا- قد أذن الله فيه، شرع، لكن لم يأذن به شرعًا، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥]؟ كوني، وكذلك هنا فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يملكون شيئًا من الربوبية، من أين يؤخذ؟ من تقييد فعل عيسى بإذن الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على النصارى في زعمهم أن عيسى عليه الصلاة والسلام له حق في الربوبية، وكذبوا في ذلك، كذبوا في هذا، فعيسى عبد، عبد الله ورسوله قال لقومه: وإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، وقال الله تعالى عنه: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف: ٥٩]، فهو عبدٌ لا يملك من الربوبية شيئًا أبدًا؛ لأن الربوبية من حق الله الخاص الذي لا يشرك فيه أحد.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى أطلع نبيه عيسى ابن مريم على ما يأكل قومه وما يدخرون، مما يخفى على غيرهم؛ لقوله: وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ.
ومن فوائدها أيضًا: إثبات الحكمة لله سبحانه وتعالى في أن الله أطلع نبيه عيسى على ذلك حتى يخافوا أن يخفوا شيئًا لا يرضاه الله ورسوله؛ لأنه إذا كان ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، معناه أنه يطلع على أسرارهم البيتية، وهذا يلزمهم أن لا يبيتوا شيئًا لا يرضاه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي التكرار في المقام الهام؛ لقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْمع أنه قال في الأول: قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ؛ وذلك لأن الأمور الهامة ينبغي تكرارها، أولًا: من أجل أن يتبين للمخاطب أهميتها عند من؟
طالب: المخاطب.
الشيخ: لا، أن يتبين للمخاطب أهميتهما عند المتكلم، وأنه ذو عناية بها، والثاني: من أجل أن ترسخ في الذهن؛ لأنه كلما تكرر شيء ازداد رسوخًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان يحمل صاحبه على قبول الآيات التي جاءت بها الرسل؛ لقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أقوى قبولًا لما جاءت به الرسل من الآيات الكونية والآيات الشرعية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز تعليق الأحكام بالأوصاف؛ لقوله: لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وهذا شيء كثير، قد تعلق الأحكام بالأوصاف إما بأدوات الشرط المعروفة وإما بغير ذلك، المهم أن تعليق الأحكام بالأوصاف، سواءٌ عن طريق الشرط، أو عن طريق الصفة المعروفة في النحو أو البدل، أو غير ذلك- جارٍ في القرآن والسنة.
ثم قال: وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.
من فوائد الآية الكريمة: أن عيسى ابن مريم قد جاء بما يصدق به التوراة؛ لقوله: وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ، وقد سبق لنا أن معنى (مصدقًا) أو أن كلمة (مصدقًا) ذات وجهين، حدثنا عنهم؟
طالب: أن (مصدق) مصدق للرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: كيف لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ؟
الطالب: أن التوراة قد ثبت..
الشيخ: يعني شاهد لها بالصدق؟
الطالب: إي نعم، شد لها بالصدق.
الشيخ: نعم، هذا واحد.
الطالب: وأنها أخبرت بعيسى فهو مصدق لها.
الشيخ: يعني: وقع مطابقًا لما أخبرت به، كذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إذن مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِكلمة ذات وجهين، الوجه الأول: أنه شاهد بصدق التوراة وأنها حق، والثاني: أنه مطابق لما أخبرت به، وإذا جاء الشيء مطابقًا لما أخبر به فهذا التصديق، شهادة بالصدق.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز النسخ في الشرائع؛ لقوله: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، وهذا نسخ، والنسخ في الشرائع ثابت منذ نوح إلى محمد عليه الصلاة والسلام، وأنكرت اليهود وجود النسخ وقالت: لا يمكن أن ينسخ الله الحكم؛ لأن هذا يستلزم نقصًا في حق الله، فيقال لهم: متى وصفتم الله بالكمال -أنقصكم الله وأذلكم- ألم تقولوا: إن يد الله مغلولة؟ ألم تقولوا: إن الله فقير؟ ألم تقولوا: إن الله استراح حين خلق السماوات والأرض وتعب؟ كيف تقولون: النسخ يستلزم نقصًا على الله؟ يقولون: لأنه يستلزم العلم بعد الجهل،كأن الله إذا نسخ الحكم الأول تبين له أن الصواب في الحكم الثاني، وهذا نقص، فنقول لهم: نحن نرد عليكم بشريعتكم قال الله تعالى: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ [آل عمران: ٩٣]، وقال: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: ١٦٠]، وأنتم تعتقدون أن التوراة ناسخة للكتب السابقة المنزلة على بني إسرائيل، وأنه يجب على كل واحد من بني إسرائيل أن يؤمن بها ويتبعها وهل هذا إلا نسخ؟
ثم إن النسخ في الحقيقة من مقتضى الحكمة لا منافٍ للحكمة؛ لأن الله عز وجل يشرع الأحكام مناسبة للواقع أو ملائمة لمن شرعت له، فقد يكون هذا الحكم ملائمًا في زمن غير ملائم في زمن آخر، أو ملائمًا لقوم غير ملائم لآخرين، وكون الأحكام تتبع الحكم هذا هو الكمال وليس النقص، وهنا عيسى ابن مريم قال: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز نسبة الحكم إلى من بلَّغه؛ لأنه قال: أُحِلَّ لَكُمْ، وأصل التحليل والتحريم من عند الله عز وجل، لكن إضافته إلى من أبانه وأظهره لا بأس بها؛ ولهذا أضاف الله القرآن إلى نفسه وإلى جبريل وإلى محمد، أما إلى نفسه فقال: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة: ٦]، وأما إلى جبريل فقال: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: ١٩، ٢٠]، وأما إلى محمد فقال: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ [الحاقة: ٤٠، ٤١]، لكن الكلام يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا، وأما من قاله مبلغًا مؤديًا، فإنما يضاف إليه لكونه أظهره وأبانه.
ومن فوائد الآية الكريمة: تكرار الأمور الهامة؛ لقوله في المرة الثالثة: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ.
ومن فوائدها: أن الطاعة أمر مشترك بين الرسل وبين الله عز وجل، وأما التقوى فهي خاصة بالله؛ لقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وطاعة الله هي الأصل، لكن طاعة الرسول طاعة للمرسل للذي أرسله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى واجبة في كل شريعة؛ لقوله هنا: فَاتَّقُوا اللَّهَ، ولكن المتقى قد يختلف باختلاف الشرائع؛ لقوله: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨] يعني: الذي يتقى الله به قد يختلف باختلاف الشرائع.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌفي هذه الآية الكريمة: إثبات الربوبية لله عز وجل لكل بشر..
طالب: الفائدة التي قبل الأخيرة.
الشيخ: أن الطاعة لله ورسوله والتقوى لله فقط، هذه؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لأنه قال: فَاتَّقُوا اللَّهَولم يقل: اتقوني، وقال في الطاعة: وَأَطِيعُونِ، وطاعة الله معلومة، وجوبها معلوم في آية أخرى.
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُمن فوائدها: عموم ربوبية الله للبشر؛ لقوله؟
الطلبة: رَبِّي وَرَبُّكُمْ.
الشيخ: رَبِّي وَرَبُّكُمْ، وربوبية الله ثابتة لكل السماوات والأرض ومن فيهن قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا [المؤمنون: ٨٤]، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [المؤمنون: ٨٦]، فالربوبية -ربوبية الله سبحانه وتعالى- لكل شيء، لكن عيسى قال: رَبِّي وَرَبُّكُمْليقيم عليهم الحجة؛ لأنه إذا كان ربهم -سبحانه وتعالى- فإنه يشرع فيهم وعليهم ما يشاء ولا أحد يعقب حكمه.
ومن فوائدها: أن عيسى مربوب وليس ربًّا؛ لقوله: رَبِّي وَرَبُّكُمْ.
ومن فوائدها: الرد على النصارى في دعواهم أن الله ثالث ثلاثة، وقد كفرهم الله بذلك، فقال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [المائدة: ٧٣]، كفرهم بهذا، وهم بلا شك كافرون مخلدون في نار جهنم أبد الآبدين.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب العبادة؛ لقوله: فَاعْبُدُوهُ.
ومن فوائدها أيضًا: أن الإقرار بالربوبية مستلزم للإقرار بالعبودية، يعني: أن من أقر بربوبية الله لزمه أن يقر بعبوديته؛ ولهذا قال: فَاعْبُدُوهُ، فأتى بالفاء الدال على السببية، أي: فبسبب اختصاصه بالربوبية يجب أن تخصوه بالعبادة، ومن ثم نجد الله سبحانه وتعالى في كتابه يقيم الحجة على المشركين الذين يقرون بربوبيته لا بألوهيته، يقولون: إنه منفرد بالربوبية، لكن في الألوهية لا يفردونه، يتخذون معه؟
طالب: إله.
الشيخ: آلهة، ما هو إله واحد، الآلهة، كل قوم لهم رب يعبدونه، وهذا لا شك من السفه، إذا كنت تعلم وتعتقد بأن الله وحده هو الرب، لزمك أن تعتقد بأنه وحده الإله المعبود وأنه لا إله غيره.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط المستقيم عبادة الله؛ لقوله: هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ، ولا شك أن أهدى السبل وأقومها عبادة الله، وعبادة الله -كما يعلم- هي اتباع شرعه الموصل إليه سبحانه وتعالى.
ثم قال الله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ، وفي قراءة: {مَنْ أَنْصَارِيَ إِلَى اللَّهِ}؛ لأن ياء المتكلم يجوز فيها ثلاث لغات: الفتح بناءً، والسكون بناءً، والحذف تخفيفًا، فتقول: هذا غلامِي، هذا غلاميَ، هذا غلامْ، لكن تبين أنه مضاف.
يقول هنا: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَأَحَسَّبمعنى أدرك بحاسته، وتيقن أنهم كفروا، مع هذه الآيات العظيمة التي يشاهدونها لم يؤمنوا -والعياذ بالله-؛ لأن الله إذا ختم على القلب لا يؤمن صاحبه أبدًا خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة: ٧]، كان في الآية التي قبلها: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [البقرة: ١٨]، وقال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [يونس: ٩٦، ٩٧]، فهم مع هذه الآيات لم يؤمنوا، لما أحس منهم الكفر وأدركه وتبين له لجأ إلى الاختيار وانتخاب الأكفاء فقال: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِمَنْ أَنْصَارِي، يعني: إذا كان الإيمان تعذر منكم جميعًا فمن الذي يكون ناصري.
وقوله: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ(إلى) هنا للغاية، ولم يقل: من أنصاري في الله؛ ليكون النصر مبنيًّا على الإخلاص؛ لأن (إلى) للغاية فيريد أن يكون نصرًا موصلًا إلى من؟
الطلبة: إلى الله.
الشيخ: إلى الله عز وجل، قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِو(من) هذه مبتدأ، وأَنْصَارِيخبر، وإِلَى اللَّهِمتعلق بـ(أنصار).
قال: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِالحواريون جمع حواري -بتشديد الياء-، وهو من الحوَر وهو: البياض، وسموا حواريين؛ لسلامة قلوبهم من أثر المعاصي؛ لأن المعاصي -نسأل الله العافية- نكت سوداء تكون في القلب، كلما عصى الإنسان نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب صقل وعاد إلى الاستنارة، وإن لم يتب وأحدث معصية أخرى زادت نكتة أخرى، وهكذا حتى يطبع على القلب، فالحواريون إذن هم: الذين أخلصوا دينهم ولم يتلطخوا بالمعاصي.
قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِيعني: لا غيرنا، ووجه قولنا: لا غيرنا: أن الجملة هنا مكونة من مبتدأ وخبر، فهي جملة اسمية طرفاها معرفة، والجملة الاسمية التي يكون طرفاها معرفة تفيد الحصر، لكن لا شك أن إفادة الحصر ضعيف، ليس كإفادة (إنما) أو النفي والإثبات.
قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِآمَنَّاالإيمان في اللغة أخص من التصديق؛ لأنه تصديق بإقرار؛ ولهذا عدي بالباء، فيقال: أمنت به، ولا يمكن أن نجعله بمعنى التصديق؛ وذلك لأن الشيء إذا كان مرادفًا للشيء -أي بمعناه- تعدى بتعديته ولزم بلزومه، ومعلوم أن (آمن) تتعدى بما لا تتعدى به (صدّق)، فيقال: صدّق بالخبر، ولا يقال: صدّق له، ويقال: صدّق زيدًا، ولا يقال: آمن زيدًا، بل: آمن به، وآمن له، فلما اختلفا في المتعلق وجودًا وعدمًا علم أنهما ليسا بمعنًى واحد، مع أن كثيرًا من الذين يعرفون الإيمان في اللغة يقولون: الإيمان في اللغة أيش؟ التصديق، وهذا فيه نظر، بل هو أخص من التصديق.
أما الإيمان في الشرع فهو: التصديق، وإن شئت فقل: الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، تصديق أو الإقرار المستلزم لأيش؟ للقبول والإذعان، لا يكفي التصديق فقط، بل لا بد من قبول ما جاء به الرسول والإذعان له، وأنتم تعلمون أن أبا طالب كان مصدقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلن ذلك على الملأ بأنه مصدق له، فيقول في لاميته المشهورة:
شوف: لا مكذب لدينا، وأنه لا يعنى بقول الأباطل ولا يهتم له، ويقول:
وهذا تصديق، لكن لم يحصل منه القبول والإذعان -والعياذ بالله- ما اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام ولا أذعن له، بل كان آخر كلامه أن قال: إنه على ملة عبد المطلب، على الكفر، فشفع له النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أبلى بلاء حسنًا في الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم، لا لأنه عمه؛ لأنه لو كان العلة الحاملة لشفاعة الرسول هي القرابة لشفع لأبي لهب، لكن العلة الحاملة للشفاعة هو أنه أبلى بلاءً حسنًا في الدفاع عن الرسول عليه الصلاة والسلام، كما هو معروف، يقول عليه الصلاة والسلام: «فَكَانَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» -نسأل الله العافية اللهم أنجنا من النار- قال: «وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» .
الشاهد أن الرسل عليهم الصلاة والسلام إنما يدعون إلى أي شيء؟ إلى صراط الله مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، وأن الإيمان لا يكون إلا بالتصديق المستلزم للقبول وأيش بعد؟ والإذعان، أما بدون قبول ولا إذعان فليس بإيمان شرعًا.
قالوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَأشهدوا نبيهم عليه الصلاة والسلام على إسلامهم، مع أنه شهيد عليهم، سواء استشهدوه أم لم يستشهدوه، كما قال الله تعالى: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣]، فكل رسول فهو شهيد على أمته بأن الله تعالى أرسله إليهم وأنه بلغهم الرسالة، فقولهم: وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَمن باب التوكيد وإعلان الإسلام.
ثم قالوا: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَهذا أيضًا من قولهم رضي الله عنهم، رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَوهو الإنجيل الذي جاء به عيسى عليه الصلاة والسلام، وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ(أل) هنا في الرسول للعهد الذهني وهو عيسى عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا رسول لهؤلاء القوم من بني إسرائيل إلا عيسى، فالذي عين أن المراد بالرسول عيسى هو العهد الذهني الذي كان معلومًا عندهم، ويحتمل أن يراد بالرسول الجنس، أي: واتبعنا كل من كان رسولًا من عندك، فيكون هذا إقرارًا بأنهم آمنوا بجميع الرسل، وذلك أنه يجب على كل أمة متأخرة أن تؤمن بجميع الرسل السابقة، فنحن -مثلًا- آخر الأمم يجب علينا أن نؤمن بجميع الرسل آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥] في أصل الإيمان، وإن كنا نفرق بين الرسل من جهة الاتباع، فإننا لا نتبع إلا محمدًا صلى الله عليه وسلم وما أذن لنا فيه من شرع من سبق، أما الإيمان فيجب الإيمان بجميعهم.
طالب: يا شيخ، يعني ذكرت لنا فائدة وهي (...) يعني هذا من طريق دائمًا ولّا في بعضها؟
الشيخ: لا، في بعض المواضع، في النداء مطرد، في غير النداء أحيانًا تحذف وأحيانًا لا تحذف.
طالب: (...).
الشيخ: ما تقولون في هذا؟ الإشكال يقول: كيف أن الله تعالى قال لعبد الله بن حرام رضي الله عنه: «إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ» وهنا ذكر أنه أحيا الموتى لعيسى؟ الجواب؟
طالب: أن هذا هو الأصل طالما أن ..
الشيخ: أن يخصص؟
الطالب: أن يخصص.
الشيخ: لكن يشكل على هذا أنه قال: «إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ» والقضاء القدري ما يخرم؟
طالب: شيخ، يمكن يحيى ويموت ويرجع ميتًا في نفس الوقت، يعني يعود حيًّا ثم يعود ميتًا.
الشيخ: طيب.
طالب: ذلك شرع من قبلنا.
الشيخ: لا، هذا قضاء الله، عام.
الظاهر -والله أعلم- أن عبد الله بن حرام طلب الرجوع من أجل العمل، وأما ما وقع آية لعيسى فليسوا يرجعون على أنهم يعملون، على أن المسألة فيها أيضًا نظر من جهة؛ لأن الله تعالى لما أخذت الصاعقة أصحاب موسى الذين كانوا معه دعا الله عز وجل، فبعثهم من بعد موتهم وبقوا وعملوا، فيكون المراد إذا لم يكن هناك سبب مثل أن تكون آية، فهذا لا مانع، أما عبد الله بن حرام فليس هناك سبب.
قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِعبر بـأَحَسَّدون قوله: علم، لماذا؟
طالب: لأنه أدرك وتيقن.
الشيخ: أيش؟ أدرك وتيقن، فصار الأمر عنده محسوسًا.
قوله: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِمن الحواريون؟
طالب: الحواريون هم أتباع عيسى عليه السلام هم صفوتهم من قومه.
الشيخ: هم الصفوة من قومه، منين اشتقت هذه الكلمة؟
طالب: الصفوة.
الشيخ: لا، الحوَر أو الحواريون؟
الطالب: من الحور وهو الجمال.
الشيخ: جمال أيش؟
الطالب: حور العين.
الشيخ: أي؟
الطالب: جمالها.
الشيخ: أي جمالها صفاؤها.
في هذه الآية دليل: على أن النصارى مسلمون قالوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَفماذا تقولون هل هذا الاستنباط صحيح؟
طالب: نعم صحيح إذا قصدت شريعتهم (...).
الشيخ: نقول: هم المسلمون بالمعنى؟ العام، وذلك أن كل إنسان متبع لرسول شرعه قائم فهو مسلم، كل إنسان متبع لرسول شرعه قائم فهو مسلم، عرفتم؟ فأما إذا ما وجد ما ينسخه، فمن بقي على الدين الأول، فهو كافر إذا كان الرسول مرسلًا إليه، واضح؟ وبناء على ذلك: فإنه لا مسلم بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا من اتبعه فقط، ومن سواه فهو كافر، وعلى هذا فالنصارى كفار، واليهود كفار من أهل النار، ومن قال: إنهم مسلمون بالمعنى الخاص الذي يدخلون به الجنة اليوم فهو كافر؛ لأنه مكذب لقول الله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥]، ولقوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: ١٩].
من فوائد هذه الآيات: عتو بني إسرائيل، وأنهم مع هذه الآيات العظيمة التي جاء بها عيسى لم يؤمن منهم أحد؛ لقوله: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ.
ومن فوائدها أيضًا -من فوائد هذه الآيات-: أنه إذا اشتبه الأمر، فينبغي أن ينادي الداعية بالإخلاص فيقول: من المخلص؟ أي: أن ينتدب الصفوة من القوم؛ لقوله: قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ، فهو لما رأى أن القوم تمردوا وأحس منهم الكفر وظهر، انتدب من يرى أنه من صفوتهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسل صلى الله عليهم وسلم دعوتهم إلى الله لا إلى أنفسهم؛ لقوله: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الرسل محتاجون لمن ينصرهم؛ لقوله: مَنْ أَنْصَارِيوقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الحواريين رضي الله عنهم، حيث أعلنوا أنهم أنصار الله مع كفر قومهم؛ لقوله: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ، وهكذا ينبغي للإنسان أن يعلن اتباعه للرسول بين أئمة الكفر حتى لا يداهن في دين الله؛ لأن المداهنة في دين الله والتقية نفاق في الواقع، نفاق، بل الإنسان يجب أن يكون صريحًا في دين الله، وقد سبق لنا الفرق بين المداهنة والمداراة، المداهنة: أن يقرهم على ما هم عليه من الباطل، والمداراة: أن ينكر عليهم ولكن يداريهم؛ لئلا يمنعوه من الحق.
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. سبق لنا الكلام على بعض الآيات التي قرأها فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.
رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَالذي يقول هذا الحواريون، يقولون: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ، ولا يخفى الإعراب في هذه الآية، فإن قوله: رَبَّنَامنادى حذفت منه ياء النداء لسببين: السبب الأول: كثرة استعمال هذا الاسم الكريم في الدعاء، والثاني: التبرك بالبداءة باسم الله عز وجل؛ لأن الرب من أسماء الله، وقوله: بِمَا أَنْزَلْتَفيها عائد محذوف يعود على الموصول، والتقدير: بما أنزلته.
وقوله: وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ(أل) هنا للعهد الذكري أو الذهني؟
الطلبة: الذكري.. الذهني.
الشيخ: هم قالوا: وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ [آل عمران: ٤٩]؟ إذن الذكري؛ لأنه سبق.
وقوله: اكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ(مع) هنا للمصاحبة، والمصاحبة لا تقتضي المخالطة أو الموافقة في الزمن، فقد تكون المصاحبة مع قوم سبقوك، لكن في النهاية يكونون معك، هؤلاء الحواريون لما أعلنوا إسلامهم وأشهدوا على ذلك نبيهم توجهوا إلى الله عز وجل بالإقرار التام فقالوا: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ، والإيمان في اللغة: التصديق المتضمن للقبول والإذعان وليس مجرد التصديق، بل يتضمن انقيادًا وإذعانًا؛ ولهذا لا يكون موافقًا للتصديق في التعدي واللزوم فيقال: آمنت به، وصدّقت به، ويقال: آمنت له، وصدّقت له، لكن لا يقال: آمنته، كما يقال: صدّقته، فافترقا.
يقولون: آمَنَّاوالمراد بالإيمان هنا: كل ما جاء في القرآن، فالمراد به الإيمان في الحقيقة الشرعية لا في الحقيقة اللغوية، والإيمان في الحقيقة الشرعية: التصديق بما أوجب الله الإيمان به مع القبول والإذعان، يعني: الانقياد التام؛ ولهذا لو أن أحدًا قال: آمنت بالله، لكن لم يذعن له ولم ينقد، ما صار مؤمنًا شرعًا.
وقولهم: بِمَا أَنْزَلْتَ(ما) هنا اسم الموصول تعم كل ما أنزل، والظاهر أنها تشمل الإنجيل الذي أنزل على عيسى وما قبله وهي: التوراة التي أنزلت على موسى، بل أعم من ذلك تتناول كل ما أخبرهم به نبيهم مما أنزل الله.
وقولهم: وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَهذا في الحقيقة هو ثمرة الإيمان: الاتباع، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أشد اتباعًا لمن آمن به، وكلما قل الإيمان قل الاتباع، كذا؟ ويصح أن نقول: كلما قل الاتباع قل الإيمان؟ أو نقول: كان علامة، علامة على نقص الإيمان؛ لأن الإيمان حقًّا لا بد أن يطلب الإنسان الوصول إلى ما آمن به، وهذا يقتضي أن يجد كل جد في العمل الذي يوصله.
وقوله: فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَالشَّاهِدِينَمن؟ قال بعض العلماء: المراد بالشاهدين أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الشهادة المطلقة ليست إلا لهم؛ لأنهم آخر الأمم، فهم شهداء على جميع الرسل وعلى جميع الأمم، والشهداء الذين كانوا من قبلهم ليسوا شهداء إلا على من سبقهم فقط، لكن الشهادة المطلقة العامة لمن؟ لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣]، فقولهم: اكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَيعني: اكتبنا مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
فإن قال قائل: يرِد على هذا التفسير أنهم سبقوا أمة محمد فكيف يطلبون أن يكتبوا معهم؟ والجواب عن ذلك أن نقول: إن عيسى عليه الصلاة والسلام قد بشرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦]، فكان عندهم علم بهذه الأمة بواسطة البشارة التي ألقاها إليهم عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام.
والقول الثاني: أن المراد بـالشَّاهِدِينَالذين شهدوا لرسلك بالحق، وهذا يتناول من؟ سبقهم، يتناول من سبقهم بلا شك، ويتناول أمة محمد إن كان ذلك بعد أن أخبرهم بذلك وبشرهم بها، وهذا القول الثاني أعم من القول الأول وأقل إشكالًا منه. المهم أن القول الصحيح: هو كل من شهد للرسل بالحق.
في هذه الآية من الفوائد، في الآية التي قبلها وهذه، في الآية الأولى أيضًا: أن إشهاد الإنسان على نفسه بالإيمان أو بالإسلام أو ما أشبه ذلك لا يعد من الرياء، لا سيما في مقام الاتباع؛ لأن في ذلك فائدة وهي تقوية المتبوع، إذا قال: اشهد بأني مسلم، أو مؤمن، أو ممن اتبعك، أو ما أشبه ذلك، لا شك أن فيه فائدة وهي تقوية المتبوع، ولا يعد هذا من أيش؟
الطلبة: من الرياء.
الشيخ: من الرياء.
من فوائد الآية الكريمة: أن الرسل لا يعلمون الغيب؛ لقولهم: وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَإذ لو كان عنده علم من ذلك ما احتاج إلى الإشهاد، اللهم إلا على سبيل إقرارهم الظاهري.
وهل يؤخذ من الآية الكريمة جواز قول الإنسان: أنا مؤمن؛ لقولهم: اشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ؟
طالب: نعم.
الشيخ: ربما يؤخذ جواز قول الإنسان: أنا مؤمن، ولا شك أن هذا جائز، ولكن الذي وقع فيه خلاف بين أهل العلم هل يجوز أن يستثني في الإيمان فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله، هل يجوز هذا؟ في هذا خلاف بين العلماء منهم من قال: إنه لا يجوز، ومنهم من قال: إنه يجب، ومنهم من قال: إنه يجوز باعتبارين.
أما الذين قالوا: إنه لا يجوز، فقالوا: إن هذا الاستثناء يوحي بالشك، أنه شاك وإلا كيف يقول: إن شاء الله؟ فما دام الإيمان قد وقر في قلبه لا يقول: إن شاء الله، ثم قالوا -مؤيدين لتعليلهم-: أرأيت لو صلى شخص فقيل له: أصليت؟ قال: إن شاء الله، لعد ذلك قريبًا من اللغو، لو قيل له: لبثت ثوبك؟ قال: لبثته إن شاء الله، وهو عليه، هذا لغو، لغو من القول، فإذا كان جازمًا بإيمانه فلماذا يقول: إن شاء الله؟ فالاستثناء على هذا حرام؛ لأنه يؤذن بالشك، وإن لم يكن فهو لغو من القول.
والقول الثاني: أنه يجب أن يقول: إن شاء الله، يجب وجوبًا، فلو قال: أنا مؤمن، وسكت كان ذلك حرامًا عليه، وعللوا لذلك بأمرين: أحدهما: أن الإيمان النافع هو الذي يموت الإنسان عليه، ما مات عليه الإنسان، والإنسان هل يدري أو لا يدري؟
الطلبة: لا يدري.
الشيخ: لا يدري، لا يدري ماذا يموت عليه -اللهم ثبتنا على الحق إلى الممات- فهو لا يدري، كم من إنسان زاغ قلبه -والعياذ بالله- كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعَمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا» ، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يقول: إن شاء الله، وجوبًا، هذا وجه.
الوجه الثاني: يقول: هذا غير صحيح، هذا الوجه ليس بصحيح، ليس بعلة؛ لأن الإنسان إنما يتكلم عن حاضره، وحاضره يعلم أنه مؤمن أو لا؟ يعلم أنه مؤمن، والمستقبل علمه عند الله، نعم لو قال: سأموت على الإيمان، قلنا له: قل: إن شاء الله، لكن المأخذ الصحيح أنه إذا قال: أنا مؤمن، وجزم، فإن في ذلك نوعًا من تزكية النفس، فيها نوع من تزكية النفس، وقد قال الله تعالى: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: ٣٢]؛ ولهذا نقول له: مقتضى جزمك بالإيمان أنك جازم بأنك من أهل الجنة، فشهدت لنفسك بأنك من أهل الجنة، ولا يشهد بالجنة لأحد بعينه إلا من شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ لا بد أن تقول: إن شاء الله، ما هو لأجل أنك ما تدري ماذا تموت عليه ولكن من أجل أن لا تزكي نفسك، فيلزم من تزكيتك إياها أن تشهد لها بالجنة، وهذا ممنوع.
وفصل بعض العلماء في هذه المسألة فقال: قد يكون الاستثناء حرامًا، وقد يكون واجبًا، وقد يكون جائزًا، باعتبارات، فإذا كان الإنسان يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، يريد بذلك التبرك أو بيان أن ما حصل من الإيمان كان بمشيئة الله، فهذا جائز، إذا قال: أنا ما قلت إن شاء الله، شكًّا ولا (...) تزكية ولكن قلت: إن شاء الله، يعني: أن إيماني واقع بمشيئة الله، أو قلتها تبركًا، نقول: الاستثناء هنا جائز، إن شئت فقل: إن شاء الله، وإن شئت فلا تقل.
والاستثناء بالمشيئة في الأمر الواقع جائز، جائز شرعًا قال الله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَأيش؟ إِنْ شَاءَ اللَّهُ [الفتح: ٢٧]، فقال: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مع أنهم سيدخلونه، كما قال النبي عليه والسلام لعمر بن الخطاب: «إِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ» في صلح الحديبية، تعرفون القصة؟ القصة لما حصل ما حصل من الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش، ومن جملة بنود الصلح: أن يرجع النبي عليه الصلاة والسلام ولا يكمل عمرته، جاءه عمر رضي الله عنه يراجعه في هذا الأمر، فقال: ألست تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به؟ قال: «بَلَى، وَلَكِنْ هَلْ أَنَا قُلْتُ: إِنَّكَ تَأْتِيهِ هَذَا الْعَامَ؟» قال: لا، قال: «إِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ» -اللهم صل وسلم عليه- مع أن الله قال: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وفي زيارة المقابر يمر الإنسان بها ويقول: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» ، مع أن لحوقنا بهم مؤكد، لكن هذا من باب بيان أن لحوقنا بهم مقرون بأيش؟ بمشيئة الله.
وإن كان الحامل على الاستثناء الشك، وجب أن يستثني، أو حرم؟
الطلبة: حرم.
الشيخ: حرم أن يستثنى، إذا قال: إن شاء الله؛ لأنه متردد فهذا حرام؛ لأن الشك في الإيمان منافٍ للإيمان؛ إذ إن الإيمان لا بد أن يكون جزمًا.
ولكن احذروا أيها الإخوة أن يتلاعب الشيطان بكم في مسألة الوساوس، الوساوس التي كثر الشاكون منها فيما مَنّ الله عليهم من الأقبال، لما أقبل الشباب الآن صار الشيطان يأتيهم بالوساوس، بالشكوك لأجل أن يخلخل إيمانهم، ولكن هذا -والحمد لله- كيد كائد لمن كاد به، كما جاء في الحديث: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» ، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا صريح الإيمان، هذا صريح الإيمان أن يخالصه، الذي ليس فيه شبهة، وإلا الشيطان يأتي من جملة ما يوسوس به ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ، فَإِذَا بَلَغُوا ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلِيَنْتَهِ» ، قل: أعوذ بالله، وانته، اعرض، امش بشغلك لا تلتفت إلى هذا.
فالمهم أن الإنسان إذا قال: إن شاء الله، فإنه إذا كان الحامل له على قول: إن شاء الله، الشك كان؟
طالب: حرامًا.
الشيخ: الاستثناء حرامًا، يحرم أن يقول: إن شاء الله؛ لوجوب اليقين.
ثالثًا: إذا كان الإنسان يخشى من تزكية نفسه إذا قال: إن شاء الله، أو يخشى أن يوكل إلى نفسه إن ظهر فيه الإعجاب؛ لأن الإنسان -أعوذ بالله- إذا أعجب بعمله وُكِل إلى نفسه ونزعت بركته، فإذا كان يخشى من ذلك كان؟
طالب: واجبًا.
الشيخ: كان الاستثناء واجبًا، كيف؟ كان الاستثناء حرامًا؟
طالب: واجبًا، واجبًا.
الشيخ: ألسنا قلنا قبل قليل: إذا كان الحامل له على ذلك الشك فهو حرام؟ هذا عكسه، يكون الاستثناء واجبًا، واجبًا لأيش؟ لئلا يزكي نفسه أو يعجب بنفسه وأنه مؤمن، كما يقول الشاعر:
هذا القول الذي ذكرنا أو هذا التفصيل الذي ذكرناه هو القول الصحيح، وإذا تأملت تعليلات القولين السابقين وجدت أن هذا القول أو هذا التفصيل يجمع بين الأقوال.
قال: وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، ثم قال عز وجل: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ.
من فوائد هذه الآية: فضيلة الحواريين في لجوئهم إلى الله عز وجل، حيث قالوا: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ، فإنه بعد أن أشهدوا نبيهم لجؤوا إلى ربهم عز وجل.
ومن فوائد الآية: التوسل إلى الله تعالى بربوبيته؛ لأن الربوبية تدور على ثلاثة أشياء وهي: الخلق والملك والتدبير، وإجابة الدعاء داخل في هذه الثلاثة؛ فلذلك كان كثيرًا ما يتوسل الدعاة -دعاة الله- بالربوبية كما جاء في الحديث الصحيح: «يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب أن يكون الإيمان شاملًا لكل ما أنزل الله رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ.
ومن فوائدها أيضًا: حسن الاحتراز في قول الحواريين: بِمَا أَنْزَلْتَ، ولم يطلقوا الإيمان -مثلًا- بالتوراة؛ لأن التوراة التي بأيدي اليهود محرفة مبدلة يبدون شيئًا ويخفون أشياء؛ فلهذا قالوا: بِمَا أَنْزَلْتَ، ونحن نقول: آمنا بما أنزل الله من التوراة والإنجيل، لا بالتوراة المحرفة التي بين أيدي اليهود، ولا بالإنجيل المحرف الذي بأيدي النصارى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا بد له من الاتباع وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ؛ ولهذا يقرن الله عز وجل يقرن الله بين الإيمان والعمل الصالح في آيات كثيرة؛ لأن الإيمان المجرد لا ينفع، العمل الصالح بمنزلة سقي الشجرة إن لم تسقها ماتت؛ ولهذا ينبغي لنا عندما نتكلم على الإسلام أن لا نحاول أن نجعل الإسلام عقيدة فحسب، بل هو عقيدة وعمل، العقيدة لا تكفي؛ لأن العقيدة الآن كلٌّ يدعي أنه معتقد، اليهود والنصارى يقولون: نحن نؤمن بالله واليوم الآخر، الآن يقولون: نؤمن بالله واليوم الآخر، نؤمن بأن هناك ربًّا مدبرًا للخلق، وأنه عز وجل خالق ونؤمن بالبعث، ولكن هذا ليس بإيمان، وإن كان عندهم هذه العقيدة، هذه عقيدة فاسدة، فلا بد من قرن العقيدة بالعمل الصالح حتى لا يتكل الناس على ما عندهم من العقيدة ويقولوا: ما حاجة للعمل؛ ولهذا قال: آمَنَّابعد؟ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَوَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ، لا بد من هذا.
وتأمل قوله: آمَنَّاوَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَهل يؤخذ منها وجوب الإيمان بكل ما أنزل الله من كتاب وأما الاتباع فيكون للرسول الخاص؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يمكن هذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لأنهم قالوا: آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَعام، وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَخاص وهو كذلك، فالإيمان واجب بجميع ما أنزل الله وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [الشورى: ١٥]، ولكن الاتباع خاص بالرسول الذي أرسل إليك، أما الرسول الذي لم يرسل إليك فلست مأمورًا باتباعه إلا إن دلت شريعتك على اتباعه.
ومن فوائد الآية: أنه إذا كان هناك وصفان، وكان أحد الوصفين أخص من الآخر بالعمل أو بالحال التي أنت فيها، فإن الأولى أن تأخذ بالأخص؛ لقوله: الرَّسُولَ؛ لأن الرسول مرسل إلينا ولم يقولوا: واتبعنا النبي، وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ؛ لأن الرسول مرسل إلينا مبعوث، لكن النبي لا يؤمر بالتبليغ على قول جمهور العلماء، وهنا الاتباع أيهما ألصق به الرسالة ولّا النبوة؟ الرسالة؛ فلهذا اختاروا وصف الرسول.
فإن قال قائل: في حديث البراء بن عازب في ذكر النوم لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم عليه ذكر النوم الذي يكون آخر يقول الإنسان قال من جملة ما قال: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيَّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، فلما أعادها البراء قال: وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَقَالَ: «قُلْ: وَبِنَبِيَّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» ، ومعلوم أن المقام مقام اتباع، فلماذا قال لما قال: ورسولك الذي أرسلت، والرسالة تتضمن النبوة، قال: «قُلْ: وَبِنَبِيَّكَ»؟
فالجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن دلالة الرسالة على النبوة من باب دلالة الالتزام، ودلالة النبوة على النبوة من باب دلالة المطابقة، ودلالة المطابقة أقوى بلا شك؛ لأن دلالة الالتزام قد يمانع فيها الخصم، قد يقول: هذا ليس بلازم؛ فلهذا اختار وصف النبوة مع أن الرسالة جاءت بعده «الَّذِي أَرْسَلْتَ».
ومن فوائد الآية الكريمة: أن مريم مفضلة ومصطفاة على نساء العالمين، ولكن هل هذا يتناول نساء العالمين إلى يوم القيامة؟ أو نساء العالمين في زمنها؟ يحتمل المعنيين، إما أن المراد: نساء العالمين في زمنها، ويكون قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسْيَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» ، يكون هذا مما أطلع الله عليه نبيه ولم تطلع الملائكة على هذا، والملائكة بلغت مريم ما بلغت به.
ومن فوائد الآية الكريمة: تكرار أو جواز تكرار المناقب؛ لأن أوصاف الكمال كلما كررت ظهر من كمال الموصوف ما لم يكن معلومًا من قبل، واضح؟
ننطلق من هذه الفائدة إلى فائدة تتعلق بصفات الله عز وجل وهي: أن أكثر ما وصف الله به نفسه الصفاتُ الثبوتية التي يثبتها لنفسه، أما الصفات التي ينفيها عن نفسه فوصفه بها قليل بالنسبة لوصفه بصفات الإثبات؛ لأن صفات الإثبات كمال، كمالات، وصفات النفي نقائص، تُنفى لا لذاتها ولكن لإثبات كمال ضدها، مع أنها هي منفية أيضًا حقيقة.
ثم قال عز وجل: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ.
من فوائد الآية الكريمة: بيان أنه كلما من الله على إنسان بشيء كانت مطالبته بالعبادة أكثر؛ لأن الملائكة لما قالت: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَأمرتها بأيش؟ بالقنوت والسجود والركوع، فدل هذا على أنه ينبغي للإنسان كلما ازدادت عليه نعم الله أن يزداد على ذلك شكرًا بالقنوت لله والركوع والسجود وسائر العبادات.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة القنوت لله، ولكن ما هو القنوت؟ دوام الطاعة والخشوع والاشتغال بالطاعة عما سواه؛ ولهذا لما نزلت هذه الآية: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨] أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام ليشتغلوا بالطاعة عما سواها، فالقنوت: دوام الطاعة مع الاشتغال بها عن غيرها.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: فضيلة السجود والركوع؛ لقوله: وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ، مع أنه من القنوت، لكن لفضيلتهما نص عليهما.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز ترك الترتيب للمصلحة أو لمراعاة شيء آخر، وهو قوله: اسْجُدِي وَارْكَعِي.
ولا يقول قائل: لعل الصلاة في عهدهم يقدم فيها السجود وفي هذه الشريعة يقدم فيها الركوع؟ تقول: الأصل خلاف ذلك، لكن نص على السجود بدأ به؛ لأنه أبلغ في القنوت من الركوع، كما ذكرناه في أثناء التفسير.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبَّاد من الرجال أكثر من العبّاد من النساء، وأكثر لقوله: ارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَولم يقل: مع الراكعات، إشارة إلى أن الكمال في الرجال، وكثرة العمل في الرجال أظهر منها في النساء؛ ولهذا كانت النساء أكثر أهل النار، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم .
طالب: (...)؟
الشيخ: إلّا بلى، هذا في الصراط اللي يوم القيامة.
طالب: كيف يسمى صراط؟
الشيخ: نعم، يسمى صراطًا؛ لأن السالكين فيه ينفذون بسرعة بعضهم مثل لمح البصر، وبعضهم مثل البرق، ما في عائق يعوق، مع أنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه دَحْض ومَزِلَّة ، وهذا يدل على أنه طريق واسع كالعادة، والعلماء -مر علينا في التوحيد- أنهم مختلفون هل هو طريق عادي أو أنه كما جاء في صحيح مسلم -أنا أظنه عن أبي سعيد بلاغًا-: «أَنَّهُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ» .
طالب: (...).
الشيخ: ويش الأصل؟ ما الأصل؟
الطالب: (...).
الشيخ: إيه، لكن ما هو الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله؟ أن يكون فعله هو أو فعله غيره؟
الطالب: (...).
الشيخ: خلها قاعدة عامة: الأصل في إضافة الفعل إلى فاعله أنه قائم به، هذا هو الأصل، وذكرنا لكم أن العلماء قالوا: إن الله خلق آدم بيده، وغرس جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده.
طالب: (...)؟
الشيخ: هذا عام أريد به الخاص، (...) وأيضًا الرسول قال: «عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ» ، فهذا مما جهله الناس، يعني: ربما يكون عند الله له دواء ما ندري عنه.
طالب: (...)؟
الشيخ: اختلاف الضميرين؛ لأنه قال: وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا [الأنبياء: ٩١].
الطالب: (...).
الشيخ: يعني قصدك الطيور؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أنا ظننت قصة مريم، الطيور، اقرأ آية المائدة.
الطالب: قوله تعالى: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي [المائدة: ١١٠].
الشيخ: وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِيوهنا قال: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِإذا حاول الإنسان وجود فرق معنوي واتضح له فهو الفرق، وإن لم يوجد فإنه يكون من باب اختلاف التعبير، يعني: لأن (هيئة) صالحة للتذكير والتأنيث، كَهَيْئَةِ الطَّيْرِيعني: مثل هيئة الطير، فَتَنْفُخُ فِيهَاأي: في الهيئة، أو تنفخ في المِثْل، فعلى تقدير أنه ينفخ في المثل يكون؟
طالب: فِيهِ.
الشيخ: فِيهِ، أو ينفخ في الهيئة؟
طلبة: فِيهَا.
الشيخ: يكون فِيهَا.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، عندما قال: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِثم قال: وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ}قال: بِإِذْنِ اللَّهِ. وقال: وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْولم يقل: بِإِذْنِ اللَّهِ؟
الشيخ: لأن هذا علم، صفة فيه، وهذاك شيء متعدٍ إلى غيره، هذا خلق وإبراء، وإحياء.
الطالب: وكذلك.
الشيخ: لا هذا العلم، كلٌّ يعرف، اللي في البيت يعلم، اللي في بيت الإنسان يعلم ما أكله وما ادخره.
طالب: على كده يا شيخ يترجح القول بأنه كان يستعين كما استعان سليمان عليه السلام بالجن؟
الشيخ: لا، ما يتوجه؛ لأن هذا من باب الوحي.
طالب: هل يوجد تفاضل بين أركان الصلاة في الركوع والسجود؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني التفاضل بينها هي نفسها؟
الشيخ: إي نعم، هي نفسها.
الطالب: كيف ذلك؟
الشيخ: الركوع أفضل من وجه، والسجود أفضل من وجه، من جهة أن الساجد أقرب ما يكون لله، وقد وضع أعز ما فيه على الأرض يكون السجود أفضل.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [آل عمران: ٥٢ - ٥٥].الشيخ: أعوذ بالله من الشطان الرجيم قال الله عز وجل: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَيعني: يرسله رسولًا إلى بني إسرائيل، أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِإلى آخره.
في هذه الآيات من الفوائد: أن عيسى ابن مريم قد جاء بالبينة من الله؛ لأن كل رسول يرسله الله إلى البشر لا بد أن يأتي بآية، يؤخذ من قوله: قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ.
ومن فوائدها: الإشارة إلى وجوب قبول رسالته؛ لقوله: مِنْ رَبِّكُمْ، يعني: فإذا كان ربكم وجب أن تكونوا له عبيدًا فتقبلوا ما جاءت به رسله.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: قدرة الله عز وجل، قدرة الله حيث يخلق عيسى ابن مريم من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله في الحال، بينما الأمور العادية لا يكون طيرًا إلا بعد مدة، بعد أن يفقس من البيضة ويترعرع فيطير.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما فعل بأمر الله فهو حلال مباح، وإن كان نظيره بدون أمرٍ حرامًا؛ لقوله: أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، فلو أن أحدًا أراد أن يصنع تمثالًا من الطين على هيئة الطير، لكان ذلك حرامًا، لكن لما كان بأمر الله صار هذا حلالًا، ولهذا نظائر: السجود لغير الله شرك، والسجود لغير الله بأمر الله طاعة؛ ولهذا سجد الملائكة لآدم فكانوا طائعين، واستكبر عن ذلك إبليس فكان من الكافرين، قتل النفس المحرمة ولا سيما ذوي الرحم من كبائر الذنوب، وإذا كان بأمر الله كان مما يقرب إلى الله، فإبراهيم عليه الصلاة السلام أمر بذبح ابنه إسماعيل فامتثل، وكان امتثاله لذلك طاعة لله عز وجل، هكذا خلق عيسى كهيئة الطير لينفخ فيها، فيكون طيرًا بإذن الله، هذا أيضًا من الأمور التي أبيحت بأمر الله عز وجل.
ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق وصف الخلق على المخلوق، أي: أن المخلوق يكون خالقًا؛ لقوله: أَخْلُقُ لَكُمْ، وهذا له نظائر: قال الله تعالى: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: ١٤]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام في المصورين: «يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» ، لكن خلق غير الخالق جل وعلا ليس خلقًا حقيقة، ولكنه تغيير أو تحويل، فالإنسان مثلًا يخلق من الطين صورة، لكن من الذي خلق الطين؟ الله عز وجل، لا يمكن أن يخلق جميع الخلق شيئًا على وجه الاستقلال، وإنما خلقهم للأشياء تغيير صور الأشياء، أو تحويلها من شيء إلى شيء، أو ما أشبه ذلك.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: هذه المعجزة العظيمة لعيسى ابن مريم وهو أنه ينفخ في هذا التمثال حتى يكون طيرًا، وفي قراءة {طَائِرًا}، والفرق، ليس هناك فرقًا في الواقع؛ وذلك لأن الطير قد يطير وقد لا يطير، ولكنه يصير طيرًا يطير بإذن الله في الحال.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من آيات عيسى عليه الصلاة السلام أنه يبرئ الأكمه والأبرص، لكن لا استقلالًا بل بإذن الله، وإلا لا أحد يشفي من المرض -أي مرض كان- إلا بإذن الله عز وجل، حتى الأشياء التي جعلها الله تعالى بطبيعتها شفاءً للأمراض لا تشفي إلا بإذن الله، وكم من دواء كان مفيدًا ونافعًا لهذا المرض المعين ثم يستعمله المريض فلا ينتفع به.
ومن فوائد الآية الكريمة: الآية العظيمة وهي إحياء الموتى، وهذا من آيات الله، وفي الآية الثانية: وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي [المائدة: ١١٠]، ففي الآيتين إحياء الموتى وإن كانوا على ظهر الأرض، وإحياء الموتى في القبور وإخراجهم من القبور إحياءً، يعني: إذا ضممت هذه إلى هذه استفدت فائدتين: أنه يحيي الموتى وهم على ظهر الأرض، ويحييهم وهم في بطن الأرض فيخرجون، وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي.
وفي هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة لله عز وجل، وجهه؟ أن الله جعل لعيسى من الآيات ما يكون مناسبًا لزمنه وعصره، حيث أوتي من الآيات ما يعجز عنه من كانوا محل تعظيم للناس في ذلك الوقت وهم الأطباء، في عهد عيسى ترقى الطب ترقيًا عظيمًا، ولكن مهما ترقى الطب لم يصلوا إلى ما وصل إليه عيسى، لا يبرئون الأكمه ولا الأبرص، ولا يحيون الموتى، ولا يخرجونهم من القبور، لكن عيسى يأتي بهذه الآيات بإذن الله عز وجل.
قال أهل العلم: وفي عهد موسى ترقى السحر ترقيًا عظيمًا، فكانت آياته معجزة تقهر السحرة، وذلك في العصا واليد، ومحمد صلى الله عليه وسلم بعث في قوم يفخرون بالبلاغة والفصاحة ويرونها هي محل التقدير والاحترام، فكانت آياته أن جاء بكلام يعجز عن مثله البشر في بلاغته وفي معانيه وأحكامه، إلى آخر وجوه الإعجاز في القرآن.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإذن لله، الإذن لا الأُذُن، الأذن هي: الجارحة أو العضو الذي يكون في الإنسان لتلقي الأصوات، وأما الإذن فهو: الإباحة والترخيص وما أشبه ذلك، أما الأذن فلا يجوز أن نثبتها لله ولا أن ننفيها عنه؛ لأن الصفات توقيفية، والله عز وجل لم يثبت لنفسه أذنًا ولم ينف عنه الأذن، أثبت لنفسه السمع، والسمع ليس بشرط أن يكون من ذي أذن، فها هي الأرض تسمع وتحدث أخبارها وليس لها آذان، المهم أن الإذن هنا غير الأذُن.
وإذنُ الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: إذنٌ شرعي، وإذنٌ كوني، فما تعلق بالخلق فهو إذنٌ كوني، وما تعلق بالشرع فهو إذنٌ شرعي، هذا الضابط: الإذن الكوني ما تعلق بالخلق، والشرعي ما تعلق بالشرع، ففي قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى: ٢١]، الإذن هنا؟
الطلبة: شرعي.
الشيخ: شرعي وليس كونيًّا؛ لأنه -كونيًّا- قد أذن الله فيه، شرع، لكن لم يأذن به شرعًا، مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: ٢٥٥]؟ كوني، وكذلك هنا فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يملكون شيئًا من الربوبية، من أين يؤخذ؟ من تقييد فعل عيسى بإذن الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على النصارى في زعمهم أن عيسى عليه الصلاة والسلام له حق في الربوبية، وكذبوا في ذلك، كذبوا في هذا، فعيسى عبد، عبد الله ورسوله قال لقومه: وإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، وقال الله تعالى عنه: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف: ٥٩]، فهو عبدٌ لا يملك من الربوبية شيئًا أبدًا؛ لأن الربوبية من حق الله الخاص الذي لا يشرك فيه أحد.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى أطلع نبيه عيسى ابن مريم على ما يأكل قومه وما يدخرون، مما يخفى على غيرهم؛ لقوله: وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ.
ومن فوائدها أيضًا: إثبات الحكمة لله سبحانه وتعالى في أن الله أطلع نبيه عيسى على ذلك حتى يخافوا أن يخفوا شيئًا لا يرضاه الله ورسوله؛ لأنه إذا كان ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، معناه أنه يطلع على أسرارهم البيتية، وهذا يلزمهم أن لا يبيتوا شيئًا لا يرضاه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي التكرار في المقام الهام؛ لقوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْمع أنه قال في الأول: قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ؛ وذلك لأن الأمور الهامة ينبغي تكرارها، أولًا: من أجل أن يتبين للمخاطب أهميتها عند من؟
طالب: المخاطب.
الشيخ: لا، أن يتبين للمخاطب أهميتهما عند المتكلم، وأنه ذو عناية بها، والثاني: من أجل أن ترسخ في الذهن؛ لأنه كلما تكرر شيء ازداد رسوخًا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان يحمل صاحبه على قبول الآيات التي جاءت بها الرسل؛ لقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أقوى قبولًا لما جاءت به الرسل من الآيات الكونية والآيات الشرعية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز تعليق الأحكام بالأوصاف؛ لقوله: لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وهذا شيء كثير، قد تعلق الأحكام بالأوصاف إما بأدوات الشرط المعروفة وإما بغير ذلك، المهم أن تعليق الأحكام بالأوصاف، سواءٌ عن طريق الشرط، أو عن طريق الصفة المعروفة في النحو أو البدل، أو غير ذلك- جارٍ في القرآن والسنة.
ثم قال: وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.
من فوائد الآية الكريمة: أن عيسى ابن مريم قد جاء بما يصدق به التوراة؛ لقوله: وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ، وقد سبق لنا أن معنى (مصدقًا) أو أن كلمة (مصدقًا) ذات وجهين، حدثنا عنهم؟
طالب: أن (مصدق) مصدق للرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: كيف لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ؟
الطالب: أن التوراة قد ثبت..
الشيخ: يعني شاهد لها بالصدق؟
الطالب: إي نعم، شد لها بالصدق.
الشيخ: نعم، هذا واحد.
الطالب: وأنها أخبرت بعيسى فهو مصدق لها.
الشيخ: يعني: وقع مطابقًا لما أخبرت به، كذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إذن مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِكلمة ذات وجهين، الوجه الأول: أنه شاهد بصدق التوراة وأنها حق، والثاني: أنه مطابق لما أخبرت به، وإذا جاء الشيء مطابقًا لما أخبر به فهذا التصديق، شهادة بالصدق.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز النسخ في الشرائع؛ لقوله: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، وهذا نسخ، والنسخ في الشرائع ثابت منذ نوح إلى محمد عليه الصلاة والسلام، وأنكرت اليهود وجود النسخ وقالت: لا يمكن أن ينسخ الله الحكم؛ لأن هذا يستلزم نقصًا في حق الله، فيقال لهم: متى وصفتم الله بالكمال -أنقصكم الله وأذلكم- ألم تقولوا: إن يد الله مغلولة؟ ألم تقولوا: إن الله فقير؟ ألم تقولوا: إن الله استراح حين خلق السماوات والأرض وتعب؟ كيف تقولون: النسخ يستلزم نقصًا على الله؟ يقولون: لأنه يستلزم العلم بعد الجهل،كأن الله إذا نسخ الحكم الأول تبين له أن الصواب في الحكم الثاني، وهذا نقص، فنقول لهم: نحن نرد عليكم بشريعتكم قال الله تعالى: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ [آل عمران: ٩٣]، وقال: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ [النساء: ١٦٠]، وأنتم تعتقدون أن التوراة ناسخة للكتب السابقة المنزلة على بني إسرائيل، وأنه يجب على كل واحد من بني إسرائيل أن يؤمن بها ويتبعها وهل هذا إلا نسخ؟
ثم إن النسخ في الحقيقة من مقتضى الحكمة لا منافٍ للحكمة؛ لأن الله عز وجل يشرع الأحكام مناسبة للواقع أو ملائمة لمن شرعت له، فقد يكون هذا الحكم ملائمًا في زمن غير ملائم في زمن آخر، أو ملائمًا لقوم غير ملائم لآخرين، وكون الأحكام تتبع الحكم هذا هو الكمال وليس النقص، وهنا عيسى ابن مريم قال: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز نسبة الحكم إلى من بلَّغه؛ لأنه قال: أُحِلَّ لَكُمْ، وأصل التحليل والتحريم من عند الله عز وجل، لكن إضافته إلى من أبانه وأظهره لا بأس بها؛ ولهذا أضاف الله القرآن إلى نفسه وإلى جبريل وإلى محمد، أما إلى نفسه فقال: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة: ٦]، وأما إلى جبريل فقال: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير: ١٩، ٢٠]، وأما إلى محمد فقال: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ [الحاقة: ٤٠، ٤١]، لكن الكلام يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا، وأما من قاله مبلغًا مؤديًا، فإنما يضاف إليه لكونه أظهره وأبانه.
ومن فوائد الآية الكريمة: تكرار الأمور الهامة؛ لقوله في المرة الثالثة: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ.
ومن فوائدها: أن الطاعة أمر مشترك بين الرسل وبين الله عز وجل، وأما التقوى فهي خاصة بالله؛ لقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وطاعة الله هي الأصل، لكن طاعة الرسول طاعة للمرسل للذي أرسله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التقوى واجبة في كل شريعة؛ لقوله هنا: فَاتَّقُوا اللَّهَ، ولكن المتقى قد يختلف باختلاف الشرائع؛ لقوله: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨] يعني: الذي يتقى الله به قد يختلف باختلاف الشرائع.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌفي هذه الآية الكريمة: إثبات الربوبية لله عز وجل لكل بشر..
طالب: الفائدة التي قبل الأخيرة.
الشيخ: أن الطاعة لله ورسوله والتقوى لله فقط، هذه؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لأنه قال: فَاتَّقُوا اللَّهَولم يقل: اتقوني، وقال في الطاعة: وَأَطِيعُونِ، وطاعة الله معلومة، وجوبها معلوم في آية أخرى.
إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُمن فوائدها: عموم ربوبية الله للبشر؛ لقوله؟
الطلبة: رَبِّي وَرَبُّكُمْ.
الشيخ: رَبِّي وَرَبُّكُمْ، وربوبية الله ثابتة لكل السماوات والأرض ومن فيهن قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا [المؤمنون: ٨٤]، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [المؤمنون: ٨٦]، فالربوبية -ربوبية الله سبحانه وتعالى- لكل شيء، لكن عيسى قال: رَبِّي وَرَبُّكُمْليقيم عليهم الحجة؛ لأنه إذا كان ربهم -سبحانه وتعالى- فإنه يشرع فيهم وعليهم ما يشاء ولا أحد يعقب حكمه.
ومن فوائدها: أن عيسى مربوب وليس ربًّا؛ لقوله: رَبِّي وَرَبُّكُمْ.
ومن فوائدها: الرد على النصارى في دعواهم أن الله ثالث ثلاثة، وقد كفرهم الله بذلك، فقال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [المائدة: ٧٣]، كفرهم بهذا، وهم بلا شك كافرون مخلدون في نار جهنم أبد الآبدين.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب العبادة؛ لقوله: فَاعْبُدُوهُ.
ومن فوائدها أيضًا: أن الإقرار بالربوبية مستلزم للإقرار بالعبودية، يعني: أن من أقر بربوبية الله لزمه أن يقر بعبوديته؛ ولهذا قال: فَاعْبُدُوهُ، فأتى بالفاء الدال على السببية، أي: فبسبب اختصاصه بالربوبية يجب أن تخصوه بالعبادة، ومن ثم نجد الله سبحانه وتعالى في كتابه يقيم الحجة على المشركين الذين يقرون بربوبيته لا بألوهيته، يقولون: إنه منفرد بالربوبية، لكن في الألوهية لا يفردونه، يتخذون معه؟
طالب: إله.
الشيخ: آلهة، ما هو إله واحد، الآلهة، كل قوم لهم رب يعبدونه، وهذا لا شك من السفه، إذا كنت تعلم وتعتقد بأن الله وحده هو الرب، لزمك أن تعتقد بأنه وحده الإله المعبود وأنه لا إله غيره.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصراط المستقيم عبادة الله؛ لقوله: هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ، ولا شك أن أهدى السبل وأقومها عبادة الله، وعبادة الله -كما يعلم- هي اتباع شرعه الموصل إليه سبحانه وتعالى.
تفسير الآيتين (52-53)
00:42:00
ثم قال الله تعالى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ، وفي قراءة: {مَنْ أَنْصَارِيَ إِلَى اللَّهِ}؛ لأن ياء المتكلم يجوز فيها ثلاث لغات: الفتح بناءً، والسكون بناءً، والحذف تخفيفًا، فتقول: هذا غلامِي، هذا غلاميَ، هذا غلامْ، لكن تبين أنه مضاف.
يقول هنا: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَأَحَسَّبمعنى أدرك بحاسته، وتيقن أنهم كفروا، مع هذه الآيات العظيمة التي يشاهدونها لم يؤمنوا -والعياذ بالله-؛ لأن الله إذا ختم على القلب لا يؤمن صاحبه أبدًا خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة: ٧]، كان في الآية التي قبلها: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [البقرة: ١٨]، وقال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ [يونس: ٩٦، ٩٧]، فهم مع هذه الآيات لم يؤمنوا، لما أحس منهم الكفر وأدركه وتبين له لجأ إلى الاختيار وانتخاب الأكفاء فقال: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِمَنْ أَنْصَارِي، يعني: إذا كان الإيمان تعذر منكم جميعًا فمن الذي يكون ناصري.
وقوله: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ(إلى) هنا للغاية، ولم يقل: من أنصاري في الله؛ ليكون النصر مبنيًّا على الإخلاص؛ لأن (إلى) للغاية فيريد أن يكون نصرًا موصلًا إلى من؟
الطلبة: إلى الله.
الشيخ: إلى الله عز وجل، قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِو(من) هذه مبتدأ، وأَنْصَارِيخبر، وإِلَى اللَّهِمتعلق بـ(أنصار).
قال: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِالحواريون جمع حواري -بتشديد الياء-، وهو من الحوَر وهو: البياض، وسموا حواريين؛ لسلامة قلوبهم من أثر المعاصي؛ لأن المعاصي -نسأل الله العافية- نكت سوداء تكون في القلب، كلما عصى الإنسان نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب صقل وعاد إلى الاستنارة، وإن لم يتب وأحدث معصية أخرى زادت نكتة أخرى، وهكذا حتى يطبع على القلب، فالحواريون إذن هم: الذين أخلصوا دينهم ولم يتلطخوا بالمعاصي.
قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِيعني: لا غيرنا، ووجه قولنا: لا غيرنا: أن الجملة هنا مكونة من مبتدأ وخبر، فهي جملة اسمية طرفاها معرفة، والجملة الاسمية التي يكون طرفاها معرفة تفيد الحصر، لكن لا شك أن إفادة الحصر ضعيف، ليس كإفادة (إنما) أو النفي والإثبات.
قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِآمَنَّاالإيمان في اللغة أخص من التصديق؛ لأنه تصديق بإقرار؛ ولهذا عدي بالباء، فيقال: أمنت به، ولا يمكن أن نجعله بمعنى التصديق؛ وذلك لأن الشيء إذا كان مرادفًا للشيء -أي بمعناه- تعدى بتعديته ولزم بلزومه، ومعلوم أن (آمن) تتعدى بما لا تتعدى به (صدّق)، فيقال: صدّق بالخبر، ولا يقال: صدّق له، ويقال: صدّق زيدًا، ولا يقال: آمن زيدًا، بل: آمن به، وآمن له، فلما اختلفا في المتعلق وجودًا وعدمًا علم أنهما ليسا بمعنًى واحد، مع أن كثيرًا من الذين يعرفون الإيمان في اللغة يقولون: الإيمان في اللغة أيش؟ التصديق، وهذا فيه نظر، بل هو أخص من التصديق.
أما الإيمان في الشرع فهو: التصديق، وإن شئت فقل: الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، تصديق أو الإقرار المستلزم لأيش؟ للقبول والإذعان، لا يكفي التصديق فقط، بل لا بد من قبول ما جاء به الرسول والإذعان له، وأنتم تعلمون أن أبا طالب كان مصدقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلن ذلك على الملأ بأنه مصدق له، فيقول في لاميته المشهورة:
| لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ | لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَــــوْلِ الْأَبَاطِـــــل |
شوف: لا مكذب لدينا، وأنه لا يعنى بقول الأباطل ولا يهتم له، ويقول:
| وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّــــــــدٍ | مِــنْ خَيْــرِ أَدْيَـــانِ الْبَرِيَّــــةِ دِينَــــــــا |
وهذا تصديق، لكن لم يحصل منه القبول والإذعان -والعياذ بالله- ما اتبع الرسول عليه الصلاة والسلام ولا أذعن له، بل كان آخر كلامه أن قال: إنه على ملة عبد المطلب، على الكفر، فشفع له النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه أبلى بلاء حسنًا في الدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم، لا لأنه عمه؛ لأنه لو كان العلة الحاملة لشفاعة الرسول هي القرابة لشفع لأبي لهب، لكن العلة الحاملة للشفاعة هو أنه أبلى بلاءً حسنًا في الدفاع عن الرسول عليه الصلاة والسلام، كما هو معروف، يقول عليه الصلاة والسلام: «فَكَانَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» -نسأل الله العافية اللهم أنجنا من النار- قال: «وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» .
الشاهد أن الرسل عليهم الصلاة والسلام إنما يدعون إلى أي شيء؟ إلى صراط الله مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، وأن الإيمان لا يكون إلا بالتصديق المستلزم للقبول وأيش بعد؟ والإذعان، أما بدون قبول ولا إذعان فليس بإيمان شرعًا.
قالوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَأشهدوا نبيهم عليه الصلاة والسلام على إسلامهم، مع أنه شهيد عليهم، سواء استشهدوه أم لم يستشهدوه، كما قال الله تعالى: لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة: ١٤٣]، فكل رسول فهو شهيد على أمته بأن الله تعالى أرسله إليهم وأنه بلغهم الرسالة، فقولهم: وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَمن باب التوكيد وإعلان الإسلام.
ثم قالوا: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَهذا أيضًا من قولهم رضي الله عنهم، رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَوهو الإنجيل الذي جاء به عيسى عليه الصلاة والسلام، وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ(أل) هنا في الرسول للعهد الذهني وهو عيسى عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا رسول لهؤلاء القوم من بني إسرائيل إلا عيسى، فالذي عين أن المراد بالرسول عيسى هو العهد الذهني الذي كان معلومًا عندهم، ويحتمل أن يراد بالرسول الجنس، أي: واتبعنا كل من كان رسولًا من عندك، فيكون هذا إقرارًا بأنهم آمنوا بجميع الرسل، وذلك أنه يجب على كل أمة متأخرة أن تؤمن بجميع الرسل السابقة، فنحن -مثلًا- آخر الأمم يجب علينا أن نؤمن بجميع الرسل آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥] في أصل الإيمان، وإن كنا نفرق بين الرسل من جهة الاتباع، فإننا لا نتبع إلا محمدًا صلى الله عليه وسلم وما أذن لنا فيه من شرع من سبق، أما الإيمان فيجب الإيمان بجميعهم.
طالب: يا شيخ، يعني ذكرت لنا فائدة وهي (...) يعني هذا من طريق دائمًا ولّا في بعضها؟
الشيخ: لا، في بعض المواضع، في النداء مطرد، في غير النداء أحيانًا تحذف وأحيانًا لا تحذف.
طالب: (...).
الشيخ: ما تقولون في هذا؟ الإشكال يقول: كيف أن الله تعالى قال لعبد الله بن حرام رضي الله عنه: «إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ» وهنا ذكر أنه أحيا الموتى لعيسى؟ الجواب؟
طالب: أن هذا هو الأصل طالما أن ..
الشيخ: أن يخصص؟
الطالب: أن يخصص.
الشيخ: لكن يشكل على هذا أنه قال: «إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ» والقضاء القدري ما يخرم؟
طالب: شيخ، يمكن يحيى ويموت ويرجع ميتًا في نفس الوقت، يعني يعود حيًّا ثم يعود ميتًا.
الشيخ: طيب.
طالب: ذلك شرع من قبلنا.
الشيخ: لا، هذا قضاء الله، عام.
الظاهر -والله أعلم- أن عبد الله بن حرام طلب الرجوع من أجل العمل، وأما ما وقع آية لعيسى فليسوا يرجعون على أنهم يعملون، على أن المسألة فيها أيضًا نظر من جهة؛ لأن الله تعالى لما أخذت الصاعقة أصحاب موسى الذين كانوا معه دعا الله عز وجل، فبعثهم من بعد موتهم وبقوا وعملوا، فيكون المراد إذا لم يكن هناك سبب مثل أن تكون آية، فهذا لا مانع، أما عبد الله بن حرام فليس هناك سبب.
قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِعبر بـأَحَسَّدون قوله: علم، لماذا؟
طالب: لأنه أدرك وتيقن.
الشيخ: أيش؟ أدرك وتيقن، فصار الأمر عنده محسوسًا.
قوله: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِمن الحواريون؟
طالب: الحواريون هم أتباع عيسى عليه السلام هم صفوتهم من قومه.
الشيخ: هم الصفوة من قومه، منين اشتقت هذه الكلمة؟
طالب: الصفوة.
الشيخ: لا، الحوَر أو الحواريون؟
الطالب: من الحور وهو الجمال.
الشيخ: جمال أيش؟
الطالب: حور العين.
الشيخ: أي؟
الطالب: جمالها.
الشيخ: أي جمالها صفاؤها.
في هذه الآية دليل: على أن النصارى مسلمون قالوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَفماذا تقولون هل هذا الاستنباط صحيح؟
طالب: نعم صحيح إذا قصدت شريعتهم (...).
الشيخ: نقول: هم المسلمون بالمعنى؟ العام، وذلك أن كل إنسان متبع لرسول شرعه قائم فهو مسلم، كل إنسان متبع لرسول شرعه قائم فهو مسلم، عرفتم؟ فأما إذا ما وجد ما ينسخه، فمن بقي على الدين الأول، فهو كافر إذا كان الرسول مرسلًا إليه، واضح؟ وبناء على ذلك: فإنه لا مسلم بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا من اتبعه فقط، ومن سواه فهو كافر، وعلى هذا فالنصارى كفار، واليهود كفار من أهل النار، ومن قال: إنهم مسلمون بالمعنى الخاص الذي يدخلون به الجنة اليوم فهو كافر؛ لأنه مكذب لقول الله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران: ٨٥]، ولقوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ [آل عمران: ١٩].
من فوائد هذه الآيات: عتو بني إسرائيل، وأنهم مع هذه الآيات العظيمة التي جاء بها عيسى لم يؤمن منهم أحد؛ لقوله: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ.
ومن فوائدها أيضًا -من فوائد هذه الآيات-: أنه إذا اشتبه الأمر، فينبغي أن ينادي الداعية بالإخلاص فيقول: من المخلص؟ أي: أن ينتدب الصفوة من القوم؛ لقوله: قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ، فهو لما رأى أن القوم تمردوا وأحس منهم الكفر وظهر، انتدب من يرى أنه من صفوتهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسل صلى الله عليهم وسلم دعوتهم إلى الله لا إلى أنفسهم؛ لقوله: مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الرسل محتاجون لمن ينصرهم؛ لقوله: مَنْ أَنْصَارِيوقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٢].
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الحواريين رضي الله عنهم، حيث أعلنوا أنهم أنصار الله مع كفر قومهم؛ لقوله: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ، وهكذا ينبغي للإنسان أن يعلن اتباعه للرسول بين أئمة الكفر حتى لا يداهن في دين الله؛ لأن المداهنة في دين الله والتقية نفاق في الواقع، نفاق، بل الإنسان يجب أن يكون صريحًا في دين الله، وقد سبق لنا الفرق بين المداهنة والمداراة، المداهنة: أن يقرهم على ما هم عليه من الباطل، والمداراة: أن ينكر عليهم ولكن يداريهم؛ لئلا يمنعوه من الحق.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمران: ٥٢ - ٥٨].الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. سبق لنا الكلام على بعض الآيات التي قرأها فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.
رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَالذي يقول هذا الحواريون، يقولون: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ، ولا يخفى الإعراب في هذه الآية، فإن قوله: رَبَّنَامنادى حذفت منه ياء النداء لسببين: السبب الأول: كثرة استعمال هذا الاسم الكريم في الدعاء، والثاني: التبرك بالبداءة باسم الله عز وجل؛ لأن الرب من أسماء الله، وقوله: بِمَا أَنْزَلْتَفيها عائد محذوف يعود على الموصول، والتقدير: بما أنزلته.
وقوله: وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ(أل) هنا للعهد الذكري أو الذهني؟
الطلبة: الذكري.. الذهني.
الشيخ: هم قالوا: وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ [آل عمران: ٤٩]؟ إذن الذكري؛ لأنه سبق.
وقوله: اكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ(مع) هنا للمصاحبة، والمصاحبة لا تقتضي المخالطة أو الموافقة في الزمن، فقد تكون المصاحبة مع قوم سبقوك، لكن في النهاية يكونون معك، هؤلاء الحواريون لما أعلنوا إسلامهم وأشهدوا على ذلك نبيهم توجهوا إلى الله عز وجل بالإقرار التام فقالوا: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ، والإيمان في اللغة: التصديق المتضمن للقبول والإذعان وليس مجرد التصديق، بل يتضمن انقيادًا وإذعانًا؛ ولهذا لا يكون موافقًا للتصديق في التعدي واللزوم فيقال: آمنت به، وصدّقت به، ويقال: آمنت له، وصدّقت له، لكن لا يقال: آمنته، كما يقال: صدّقته، فافترقا.
يقولون: آمَنَّاوالمراد بالإيمان هنا: كل ما جاء في القرآن، فالمراد به الإيمان في الحقيقة الشرعية لا في الحقيقة اللغوية، والإيمان في الحقيقة الشرعية: التصديق بما أوجب الله الإيمان به مع القبول والإذعان، يعني: الانقياد التام؛ ولهذا لو أن أحدًا قال: آمنت بالله، لكن لم يذعن له ولم ينقد، ما صار مؤمنًا شرعًا.
وقولهم: بِمَا أَنْزَلْتَ(ما) هنا اسم الموصول تعم كل ما أنزل، والظاهر أنها تشمل الإنجيل الذي أنزل على عيسى وما قبله وهي: التوراة التي أنزلت على موسى، بل أعم من ذلك تتناول كل ما أخبرهم به نبيهم مما أنزل الله.
وقولهم: وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَهذا في الحقيقة هو ثمرة الإيمان: الاتباع، وكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أشد اتباعًا لمن آمن به، وكلما قل الإيمان قل الاتباع، كذا؟ ويصح أن نقول: كلما قل الاتباع قل الإيمان؟ أو نقول: كان علامة، علامة على نقص الإيمان؛ لأن الإيمان حقًّا لا بد أن يطلب الإنسان الوصول إلى ما آمن به، وهذا يقتضي أن يجد كل جد في العمل الذي يوصله.
وقوله: فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَالشَّاهِدِينَمن؟ قال بعض العلماء: المراد بالشاهدين أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الشهادة المطلقة ليست إلا لهم؛ لأنهم آخر الأمم، فهم شهداء على جميع الرسل وعلى جميع الأمم، والشهداء الذين كانوا من قبلهم ليسوا شهداء إلا على من سبقهم فقط، لكن الشهادة المطلقة العامة لمن؟ لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣]، فقولهم: اكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَيعني: اكتبنا مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
فإن قال قائل: يرِد على هذا التفسير أنهم سبقوا أمة محمد فكيف يطلبون أن يكتبوا معهم؟ والجواب عن ذلك أن نقول: إن عيسى عليه الصلاة والسلام قد بشرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: ٦]، فكان عندهم علم بهذه الأمة بواسطة البشارة التي ألقاها إليهم عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام.
والقول الثاني: أن المراد بـالشَّاهِدِينَالذين شهدوا لرسلك بالحق، وهذا يتناول من؟ سبقهم، يتناول من سبقهم بلا شك، ويتناول أمة محمد إن كان ذلك بعد أن أخبرهم بذلك وبشرهم بها، وهذا القول الثاني أعم من القول الأول وأقل إشكالًا منه. المهم أن القول الصحيح: هو كل من شهد للرسل بالحق.
في هذه الآية من الفوائد، في الآية التي قبلها وهذه، في الآية الأولى أيضًا: أن إشهاد الإنسان على نفسه بالإيمان أو بالإسلام أو ما أشبه ذلك لا يعد من الرياء، لا سيما في مقام الاتباع؛ لأن في ذلك فائدة وهي تقوية المتبوع، إذا قال: اشهد بأني مسلم، أو مؤمن، أو ممن اتبعك، أو ما أشبه ذلك، لا شك أن فيه فائدة وهي تقوية المتبوع، ولا يعد هذا من أيش؟
الطلبة: من الرياء.
الشيخ: من الرياء.
من فوائد الآية الكريمة: أن الرسل لا يعلمون الغيب؛ لقولهم: وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَإذ لو كان عنده علم من ذلك ما احتاج إلى الإشهاد، اللهم إلا على سبيل إقرارهم الظاهري.
وهل يؤخذ من الآية الكريمة جواز قول الإنسان: أنا مؤمن؛ لقولهم: اشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ؟
طالب: نعم.
الشيخ: ربما يؤخذ جواز قول الإنسان: أنا مؤمن، ولا شك أن هذا جائز، ولكن الذي وقع فيه خلاف بين أهل العلم هل يجوز أن يستثني في الإيمان فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله، هل يجوز هذا؟ في هذا خلاف بين العلماء منهم من قال: إنه لا يجوز، ومنهم من قال: إنه يجب، ومنهم من قال: إنه يجوز باعتبارين.
أما الذين قالوا: إنه لا يجوز، فقالوا: إن هذا الاستثناء يوحي بالشك، أنه شاك وإلا كيف يقول: إن شاء الله؟ فما دام الإيمان قد وقر في قلبه لا يقول: إن شاء الله، ثم قالوا -مؤيدين لتعليلهم-: أرأيت لو صلى شخص فقيل له: أصليت؟ قال: إن شاء الله، لعد ذلك قريبًا من اللغو، لو قيل له: لبثت ثوبك؟ قال: لبثته إن شاء الله، وهو عليه، هذا لغو، لغو من القول، فإذا كان جازمًا بإيمانه فلماذا يقول: إن شاء الله؟ فالاستثناء على هذا حرام؛ لأنه يؤذن بالشك، وإن لم يكن فهو لغو من القول.
والقول الثاني: أنه يجب أن يقول: إن شاء الله، يجب وجوبًا، فلو قال: أنا مؤمن، وسكت كان ذلك حرامًا عليه، وعللوا لذلك بأمرين: أحدهما: أن الإيمان النافع هو الذي يموت الإنسان عليه، ما مات عليه الإنسان، والإنسان هل يدري أو لا يدري؟
الطلبة: لا يدري.
الشيخ: لا يدري، لا يدري ماذا يموت عليه -اللهم ثبتنا على الحق إلى الممات- فهو لا يدري، كم من إنسان زاغ قلبه -والعياذ بالله- كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعَمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا» ، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يقول: إن شاء الله، وجوبًا، هذا وجه.
الوجه الثاني: يقول: هذا غير صحيح، هذا الوجه ليس بصحيح، ليس بعلة؛ لأن الإنسان إنما يتكلم عن حاضره، وحاضره يعلم أنه مؤمن أو لا؟ يعلم أنه مؤمن، والمستقبل علمه عند الله، نعم لو قال: سأموت على الإيمان، قلنا له: قل: إن شاء الله، لكن المأخذ الصحيح أنه إذا قال: أنا مؤمن، وجزم، فإن في ذلك نوعًا من تزكية النفس، فيها نوع من تزكية النفس، وقد قال الله تعالى: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: ٣٢]؛ ولهذا نقول له: مقتضى جزمك بالإيمان أنك جازم بأنك من أهل الجنة، فشهدت لنفسك بأنك من أهل الجنة، ولا يشهد بالجنة لأحد بعينه إلا من شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ لا بد أن تقول: إن شاء الله، ما هو لأجل أنك ما تدري ماذا تموت عليه ولكن من أجل أن لا تزكي نفسك، فيلزم من تزكيتك إياها أن تشهد لها بالجنة، وهذا ممنوع.
وفصل بعض العلماء في هذه المسألة فقال: قد يكون الاستثناء حرامًا، وقد يكون واجبًا، وقد يكون جائزًا، باعتبارات، فإذا كان الإنسان يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، يريد بذلك التبرك أو بيان أن ما حصل من الإيمان كان بمشيئة الله، فهذا جائز، إذا قال: أنا ما قلت إن شاء الله، شكًّا ولا (...) تزكية ولكن قلت: إن شاء الله، يعني: أن إيماني واقع بمشيئة الله، أو قلتها تبركًا، نقول: الاستثناء هنا جائز، إن شئت فقل: إن شاء الله، وإن شئت فلا تقل.
والاستثناء بالمشيئة في الأمر الواقع جائز، جائز شرعًا قال الله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَأيش؟ إِنْ شَاءَ اللَّهُ [الفتح: ٢٧]، فقال: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مع أنهم سيدخلونه، كما قال النبي عليه والسلام لعمر بن الخطاب: «إِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ» في صلح الحديبية، تعرفون القصة؟ القصة لما حصل ما حصل من الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش، ومن جملة بنود الصلح: أن يرجع النبي عليه الصلاة والسلام ولا يكمل عمرته، جاءه عمر رضي الله عنه يراجعه في هذا الأمر، فقال: ألست تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به؟ قال: «بَلَى، وَلَكِنْ هَلْ أَنَا قُلْتُ: إِنَّكَ تَأْتِيهِ هَذَا الْعَامَ؟» قال: لا، قال: «إِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ» -اللهم صل وسلم عليه- مع أن الله قال: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وفي زيارة المقابر يمر الإنسان بها ويقول: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» ، مع أن لحوقنا بهم مؤكد، لكن هذا من باب بيان أن لحوقنا بهم مقرون بأيش؟ بمشيئة الله.
وإن كان الحامل على الاستثناء الشك، وجب أن يستثني، أو حرم؟
الطلبة: حرم.
الشيخ: حرم أن يستثنى، إذا قال: إن شاء الله؛ لأنه متردد فهذا حرام؛ لأن الشك في الإيمان منافٍ للإيمان؛ إذ إن الإيمان لا بد أن يكون جزمًا.
ولكن احذروا أيها الإخوة أن يتلاعب الشيطان بكم في مسألة الوساوس، الوساوس التي كثر الشاكون منها فيما مَنّ الله عليهم من الأقبال، لما أقبل الشباب الآن صار الشيطان يأتيهم بالوساوس، بالشكوك لأجل أن يخلخل إيمانهم، ولكن هذا -والحمد لله- كيد كائد لمن كاد به، كما جاء في الحديث: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ» ، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا صريح الإيمان، هذا صريح الإيمان أن يخالصه، الذي ليس فيه شبهة، وإلا الشيطان يأتي من جملة ما يوسوس به ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ، فَإِذَا بَلَغُوا ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلِيَنْتَهِ» ، قل: أعوذ بالله، وانته، اعرض، امش بشغلك لا تلتفت إلى هذا.
فالمهم أن الإنسان إذا قال: إن شاء الله، فإنه إذا كان الحامل له على قول: إن شاء الله، الشك كان؟
طالب: حرامًا.
الشيخ: الاستثناء حرامًا، يحرم أن يقول: إن شاء الله؛ لوجوب اليقين.
ثالثًا: إذا كان الإنسان يخشى من تزكية نفسه إذا قال: إن شاء الله، أو يخشى أن يوكل إلى نفسه إن ظهر فيه الإعجاب؛ لأن الإنسان -أعوذ بالله- إذا أعجب بعمله وُكِل إلى نفسه ونزعت بركته، فإذا كان يخشى من ذلك كان؟
طالب: واجبًا.
الشيخ: كان الاستثناء واجبًا، كيف؟ كان الاستثناء حرامًا؟
طالب: واجبًا، واجبًا.
الشيخ: ألسنا قلنا قبل قليل: إذا كان الحامل له على ذلك الشك فهو حرام؟ هذا عكسه، يكون الاستثناء واجبًا، واجبًا لأيش؟ لئلا يزكي نفسه أو يعجب بنفسه وأنه مؤمن، كما يقول الشاعر:
| أَنَــــا ابْــــنُ جَــــلَا وَطَــــلَّاعُ الثَّنَايَــــا | مَتَــــى أَضَــــع الْعَمَامَــــةَ تَعْرِفُونِــــــــــــــــــــي |
هذا القول الذي ذكرنا أو هذا التفصيل الذي ذكرناه هو القول الصحيح، وإذا تأملت تعليلات القولين السابقين وجدت أن هذا القول أو هذا التفصيل يجمع بين الأقوال.
قال: وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، ثم قال عز وجل: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ.
من فوائد هذه الآية: فضيلة الحواريين في لجوئهم إلى الله عز وجل، حيث قالوا: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ، فإنه بعد أن أشهدوا نبيهم لجؤوا إلى ربهم عز وجل.
ومن فوائد الآية: التوسل إلى الله تعالى بربوبيته؛ لأن الربوبية تدور على ثلاثة أشياء وهي: الخلق والملك والتدبير، وإجابة الدعاء داخل في هذه الثلاثة؛ فلذلك كان كثيرًا ما يتوسل الدعاة -دعاة الله- بالربوبية كما جاء في الحديث الصحيح: «يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب أن يكون الإيمان شاملًا لكل ما أنزل الله رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ.
ومن فوائدها أيضًا: حسن الاحتراز في قول الحواريين: بِمَا أَنْزَلْتَ، ولم يطلقوا الإيمان -مثلًا- بالتوراة؛ لأن التوراة التي بأيدي اليهود محرفة مبدلة يبدون شيئًا ويخفون أشياء؛ فلهذا قالوا: بِمَا أَنْزَلْتَ، ونحن نقول: آمنا بما أنزل الله من التوراة والإنجيل، لا بالتوراة المحرفة التي بين أيدي اليهود، ولا بالإنجيل المحرف الذي بأيدي النصارى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا بد له من الاتباع وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ؛ ولهذا يقرن الله عز وجل يقرن الله بين الإيمان والعمل الصالح في آيات كثيرة؛ لأن الإيمان المجرد لا ينفع، العمل الصالح بمنزلة سقي الشجرة إن لم تسقها ماتت؛ ولهذا ينبغي لنا عندما نتكلم على الإسلام أن لا نحاول أن نجعل الإسلام عقيدة فحسب، بل هو عقيدة وعمل، العقيدة لا تكفي؛ لأن العقيدة الآن كلٌّ يدعي أنه معتقد، اليهود والنصارى يقولون: نحن نؤمن بالله واليوم الآخر، الآن يقولون: نؤمن بالله واليوم الآخر، نؤمن بأن هناك ربًّا مدبرًا للخلق، وأنه عز وجل خالق ونؤمن بالبعث، ولكن هذا ليس بإيمان، وإن كان عندهم هذه العقيدة، هذه عقيدة فاسدة، فلا بد من قرن العقيدة بالعمل الصالح حتى لا يتكل الناس على ما عندهم من العقيدة ويقولوا: ما حاجة للعمل؛ ولهذا قال: آمَنَّابعد؟ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَوَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ، لا بد من هذا.
وتأمل قوله: آمَنَّاوَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَهل يؤخذ منها وجوب الإيمان بكل ما أنزل الله من كتاب وأما الاتباع فيكون للرسول الخاص؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يمكن هذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لأنهم قالوا: آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَعام، وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَخاص وهو كذلك، فالإيمان واجب بجميع ما أنزل الله وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [الشورى: ١٥]، ولكن الاتباع خاص بالرسول الذي أرسل إليك، أما الرسول الذي لم يرسل إليك فلست مأمورًا باتباعه إلا إن دلت شريعتك على اتباعه.
ومن فوائد الآية: أنه إذا كان هناك وصفان، وكان أحد الوصفين أخص من الآخر بالعمل أو بالحال التي أنت فيها، فإن الأولى أن تأخذ بالأخص؛ لقوله: الرَّسُولَ؛ لأن الرسول مرسل إلينا ولم يقولوا: واتبعنا النبي، وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ؛ لأن الرسول مرسل إلينا مبعوث، لكن النبي لا يؤمر بالتبليغ على قول جمهور العلماء، وهنا الاتباع أيهما ألصق به الرسالة ولّا النبوة؟ الرسالة؛ فلهذا اختاروا وصف الرسول.
فإن قال قائل: في حديث البراء بن عازب في ذكر النوم لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم عليه ذكر النوم الذي يكون آخر يقول الإنسان قال من جملة ما قال: «آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيَّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ»، فلما أعادها البراء قال: وَبِرَسُولِكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَقَالَ: «قُلْ: وَبِنَبِيَّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ» ، ومعلوم أن المقام مقام اتباع، فلماذا قال لما قال: ورسولك الذي أرسلت، والرسالة تتضمن النبوة، قال: «قُلْ: وَبِنَبِيَّكَ»؟
فالجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن دلالة الرسالة على النبوة من باب دلالة الالتزام، ودلالة النبوة على النبوة من باب دلالة المطابقة، ودلالة المطابقة أقوى بلا شك؛ لأن دلالة الالتزام قد يمانع فيها الخصم، قد يقول: هذا ليس بلازم؛ فلهذا اختار وصف النبوة مع أن الرسالة جاءت بعده «الَّذِي أَرْسَلْتَ».





