تفسير سورة آل عمران - 18
عدد الزيارات 5283

عناصر المادة :
تفسير الآيات (56-59)
تفسير الآية (60)
تفسير الآية (61)
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [آل عمران: ٥٧ - ٦٠]
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران: ٥٤]. يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن أعداء الرسل يكيدون لهم ويمكرون لهم؛ لقوله: وَمَكَرُوا، وننتقل من هذا إلى أن أعداء الرسل أيضًا يمكرون لأتباع الرسل؛ لأن أعداء الرسل ليسوا يمكرون للرسل أو يمكرون بالرسل من أجل أنهم فلان وفلان لكن من أجل دعوتهم، ودعوتهم إذا ورثها العلماء من بعدهم فإن الذين يمكرون للرسل سيمكرون بأتباع الرسل وورثة الرسل، وينبني على هذه الفائدة: أنه يجب على أهل العلم أن يتحفظوا تحفظًا كاملًا من أعداء الرسل الذين يتربصون بهم الدوائر، وأن يتقوا شرهم بما استطاعوا لئلا يمكروا بهم، والمكر ووسائله وطرقه كثيرة، لكن العاقل الذكي ينتبه، ولهذا قال الله عز وجل للرسول عليه الصلاة والسلام في المنافقين، قال: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون: ٤]، فبيّن أنهم هم العدو حقيقة وأمر بالحذر منهم.
ومن فوائد هذه الآية: وصف الله عز وجل بالمكر، لكنه لا يوصف به على سبيل الإطلاق، بل يقال: إن الله ماكر بمن يمكر به ليعود المكر صفة كمال؛ لأن المكر إذا ذُكِر مطلقًا صار محتملًا للنقص، فإذا ذُكِر مقيدًا بأن قيل: إن الله تعالى ماكر بمن يمكر به وبأوليائه صار صفة كمال يدل على قوة الله عز وجل وإحاطة علمه، وأن علمه أدق من علم هؤلاء الماكرين الذين يأتون بالأسباب الخفية والطرق الملتوية ليوقعوا عباد الله في الشر، فيكون الله سبحانه وتعالى أقوى منهم في ذلك، أقوى منهم في هذا، إذا مكروا مكر الله عز وجل، ولا يجوز أن يسمى الله بالماكر مطلقًا، طيب يسمى بالماكر؟ لا؛ يوصف بالماكر على سبيل الإطلاق؟ لا، يوصف بالماكر مقيدًا، وسبق لنا أن الله وصف نفسه بالمكر والكيد والسخرية والخداع والاستهزاء ولم يصف نفسه بالخيانة أبدًا؛ لأن الخيانة صفة ذم بكل حال، وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ [الأنفال: ٧١] ولم يقل: فخانهم؛ لأن الخيانة خديعة في مقام الائتمان، والخديعة في مقام الائتمان صفة ذم، صفة ذم ونقص.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المفاضلة بين الخالق والمخلوق في الوصف، كما قال: وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، و(خير) اسم تفضيل، فيجوز أن يفاضَل بين الخالق والمخلوق؛ لأن هذا مطابق للواقع تمامًا، فالله تعالى أكمل من كل ذي كمال، أعرفت؟
ومنه تتفرع قاعدة وهي: خطأ بعض أهل العلم رحمهم الله، حيث يفسرون اسم التفضيل المنسوب إلى الله باسم الفاعل، فيقولون مثلًا في قوله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤]، يقولون: الله عالم حيث يجعل رسالته، ولم يتفطنوا أنهم إذا قالوا: الله عالم، لم يمنع مشاركة غيره في العلم مع المساواة، لكن إذا قالوا: الله أعلم، أيش؟ امتنع مشاركة غيره له في العلم الذي هو أعلم به من غيره.
وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، ثم قال تعالى: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [آل عمران: ٥٥] إلى آخره، في هذه الآية الكريمة: التنبيه على أنه ينبغي أن نذكِّر الناس بأحوال الأنبياء السابقين، وجه ذلك أننا قدّرنا: إِذْ قَالَ اللَّهُبأيش؟ اذكر إذ قال الله، فينبغي أن يُذَكِّر الإنسان الناس بأحوال الأنبياء السابقين؛ لما في ذلك من محبتهم والثناء عليهم ومعرفة أحوالهم وإبقاء ذكراهم، وغير ذلك من المصالح العظيمة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات القول لله، وأنه بحروف وبأصوات مسموعة؛ لقوله: يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ، وهذا خطاب من يسمع، ثم هو كلمات من حروف ولّا من غير حروف؟ من حروف، ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أن الله يتكلم كلامًا مسموعًا بحرف وصوت.
ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على من قال: إن كلام الله هو المعنى النفسي، المعنى القائم بنفسه، فإن هذا لا يسمى قولًا، وإن أُطْلِق عليه القول فلا بد أن يقيد كما في قوله: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ [المجادلة: ٨]، فلما أراد القول النفسي أيش قيده يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ، أما إذا جاء القول غير مقيد فالمراد به ما يُسمع، ففيه الرد على الأشاعرة الذين يقولون: إن كلام الله هو الكلام النفسي القائم بنفسه، وأنه أزلي لا يحدُث ولا يسبق بعضه بعضًا؛ لأنه معنى، معنى قائم بالنفس، والحقيقة أن هذا القول مضمونه إنكار كلام الله، ولهذا قال بعض منصفيهم: ليس بيننا وبين المعتزلة فرق؛ لأننا نقول جميعًا إن هذا القرآن الذي في المصحف مخلوق؛ لأن الأشاعرة يقولون: إن الله تعالى لا يتكلم بما يُسمع؛ لكن يخلق كلامًا يعبر به عما في نفسه، وعلى هذا فالمسموع والمقروء والمكتوب مخلوق، فيتفق المعتزلة والأشاعرة، بل إن المعتزلة خير منهم من جهة النسبة؛ لأنهم يقولون: هذا كلام الله، وأولئك يقولون: هذا عبارة عن كلام الله، عبارة عن كلام الله وليس كلام الله، المهم أن هذه الآية وأمثالها فيها الرد على من؟ على الأشاعرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة عيسى ومنقبته لخطاب الله إياه، فإن من خاطبه الله فذلك فخر له بلا شك، خصوصًا وأنه قال له: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّإلى آخره.
ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى رفع عيسى بجسمه؛ لقوله: وَرَافِعُكَ، والخطاب لعيسى المكوَّن من بدن وروح، فيكون رفعه أيش؟ ببدنه.
ومن فوائدها: إثبات منقبةٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أُسْرِي به إلى السماوات السبع حتى اخترقها كلها وهو يقظان، وعيسى لم يُرفع إلا وهو نائم؛ لأن قوله: إِنِّي مُتَوَفِّيكَأي: مُنِيمُك، على أحد الأقوال وهو أقربها، ومعلوم أن ثبات قلب من يباشر الشيء وهو يقظان أقوى من ثبات من يباشره وهو نائم، واضح؟ ولهذا تجد بعض الناس إذا سمع الرعد الشديد والبرق الخاطف يغمّض ويضع أصبعيه في أذنيه حتى لا يسمع، ويقول: ليتني نمت قبل هذا، والإنسان الثابت الذي يقول: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، تجده ما يهمه، المهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أسري به يقظة بروحه وبدنه، وعيسى عندما أراد الله أن يرفعه أنامه.
ومن فوائد الآية الكريمة: منقبة لعيسى أخرى، حيث قال: رَافِعُكَ إِلَيَّ(إليّ) فأضاف رفعه إلى نفسه عز وجل، وهذا لا شك أنه منقبة أن الله ضمّه إليه ورفعه إليه؛ ليكون أقرب إليه مما لو كان في الأرض.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل منع الأذى عن عيسى الذي يمكن أن يُلحقه بالكفار، حيث قال: مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران: ٥٥] وذلك بالدفاع عنه؛ فإن الذين كفروا قالوا: إنه ولد زنا - قاتلهم الله- فطهّره الله، طهره الله، لما قالوا: يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم: ٢٧، ٢٨]، من أين جاء الزنا، من أين جاءك الزنا؛ لأن هذا تعريض، يقولون: أبوك ما كان امرأ سوء بل هو نزيه وأمك كذلك، فمن أين جاءك الزنا؟ شوف أعوذ بالله، لم تجاوبهم، أَشَارَتْ إِلَيْهِ [مريم: ٢٩]، اسألوا الطفل؟ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا [مريم: ٢٩]، فأجابهم قبل أن يسألوه، وأيش قال؟ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ [مريم: ٣٠] إلى آخره، هذا تطهير عظيم له ولأمه رضي الله عنها.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل من رمى عيسى بهذا السوء فهو كافر؛ لأنه لم يقل: مطهرك من الذين قدحوا فيك، قال: مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، فيستفاد من هذا أولًا كفر هؤلاء، وثانيًا: أن كل من رماه بذلك فهو كافر.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن نصرة الأتباع نصرة للمتبوع، من أين؟ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا، لولا أنه يفرح بذلك ويُسَرَّ ما بشّره الله به، لكن من المعلوم أن كل إنسان يدل على هدى فينتصر أتباعه من المعلوم أنه سيفرح؛ لأنه كلما انتصر أتباعه قوي الهدى الذي قاد الناس إليه فعظُم أجره، فإنّ من دلَّ على هُدًى كان لهُ مثلُ أجرِ فاعلِهِ .
ومن فوائد الآية الكريمة: أن أتباع عيسى منصورون إلى يوم القيامة؛ لقوله: فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وسبق لنا مَن أتباعه؟
طالب: الذين آمنوا به.
الشيخ: بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم هم أمة محمد، ومن كفر بمحمد فإنه لم يتبع عيسى، وذكرنا وجهًا آخر أن النصارى سيكونون فوق غيرهم من ملل الكفر، لكن الإسلام فوق الجميع، ولكن متى يكون الإسلام فوق الجميع؟ إذا رجع المسلمون إلى الإسلام حقيقة، أما إذا لم يرجعوا إلى الإسلام حقيقة فيخشى أن يكون النصارى فوقهم، والواقع؟
الطلبة: يشهد لهذا.
الشيخ: الواقع الآن مع الأسف يشهد لهذا.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ويوم القيامة هو اليوم الذي يبعث فيه الناس للجزاء إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وسمي يوم القيامة لماذا؟
طالب: لأن الناس يقومون فيه.
الشيخ: هذا واحد، كمّل؟
طالب: يقوم فيه الأشهاد.
الشيخ: يقوم فيه الأشهاد، كمّل؟
طالب: (...).
الشيخ: أيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: يقام فيه العدل.
ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الفوقية على الفوقية المعنوية.
طالب: فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
الشيخ: يعني معناه أنهم يكونوا على سقف فوق رؤوسهم؟
الطلبة: لا، ارتفاع معنوي؟
الشيخ: لا، حسية، فوقية معنوية، صح، إذن إثبات الفوقية المعنوية كالفوقية الحسية.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى ربهم عز وجل الذي ابتدأ خلقهم ستكون النهاية إليه؛ لقوله: ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ، ولا بد، ولهذا قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ، الإنسان مخاطَب، كل إنسان ما هو بس المؤمن، كل إنسان، إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ [الانشقاق: ٦] كادح إليه (إلى) للغاية، النهاية إلى الله، ثم أكد هذه النهاية بقوله: فَمُلَاقِيهِ، يعني: فاستعد لهذا اللقاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات حكم الله في الدنيا والآخرة، فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْهذا في الآخرة، في الدنيا وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: ١٠]، فالحكم كله راجع إلى الله عز وجل والله تعالى هو الحكم في الدنيا وفي الآخرة.
ومن فوائد الآية الكريمة: بشارة المؤمنين بأن خلافهم مع الكفار سوف يجري فيه الحكم على يد الواحد القهار، فيحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون، وقد أخبرنا الله عز وجل أن الخاصم هم المؤمنون، الخاصم الغالب هم المؤمنون، قال الله تعالى: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [النساء: ١٤١] وأيش بعده؟ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: ١٤١]، الحمد لله، شوف سَبِيلًانكرة في سياق أيش؟ نكرة في سياق أيش؟
طالب: سياق النفي.
الشيخ: النفي، كلما جاءت نكرة فهي في سياق النفي؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: خطأ، خطأ ما هو بصحيح، ليس كذلك، المهم هذه نكرة في سياق النفي فتشمل كل سبيل، أي سبيل، لا قليل ولا كثير، وهذه بشرى، يعني: أي خصم يقال له، أي خصم في الدنيا يقال له: أنت فالج على كل حال، يعني القاضي يقول للخصم: شوف تخاصموا عندي وأنت الغالب على كل حال، هل جرى مثل هذه الخصومة؟ أبدًا، لكن خصوماتنا مع الكافرين - والحمد لله - الحكم لنا فيها مقدم، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، نعم، الحمد لله.
طالب: (...) الله (...) إليه.
الشيخ: أيوة صحيح، نعم.
من فوائد الآية الكريمة: ثبوت علوّ الله تعالى بذاته؛ لقوله: وَرَافِعُكَ إِلَيَّ؛ لأن الرفع معروف أنه الصعود إلى أعلى، فإذا قال: إِلَيَّعُلِمَ يقينًا أن الله فوق - عز وجل - وهو كذلك، هو فوق كل شيء بذاته، ولا ينافي هذا ما ثبت من أنه عز وجل ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، هو نازل وهو عالي، ولا ينافي هذا أيضًا أنه مع الخلق كما قال عز وجل: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد: ٤]، فهو مع الخلق وهو عالٍ عليهم، كما قال شيخ الإسلام في الواسطية: عَلِيٌّ فِي دُنُوِّهِ قَرِيبٌ فِي عُلُوِّهِ. ولا ينافي هذا أيضًا أنه يأتي يوم القيامة للفصل بين العباد، فهو يأتي ولكنه فوق كل شيء، ولا ينافي هذا أنه يدنو عشية يوم عرفة يباهي بأهل الموقف الملائكة.
إذا قال قائل: كيف لا ينافي هذا؟ أنا لا أتصور أن شيئًا يكون عاليًا نازلًا أبدًا؟ قلنا: تبًّا لك، أنت لا تتصور هذا بالنسبة لمن؟ للمخلوق، أما بالنسبة للخالق فكل ما أخبر الله به عن نفسه فهو حق، حق لا يتناقض، وليس فيه (لا يمكن) أبدًا، إذا قلت: لا يمكن، معناه أنك لن تصدق أخبار الله ورسوله إلا إذا وافقت هواك وإلا فلا، ولهذا ضل مَن ضل مِن الناس في مثل هذه الأمور حيث قالوا: هذا غير ممكن وهذا غير ممكن، وبنوا عقيدتهم على أهوائهم، إذا كان تريد أن تبني عقيدتك على هواك فما الفائدة من الرسل؟ لا فائدة من الرسل، إذا كان أنت تريد أن تبني العقيدة على ما تهوى أنت وإذا جاءت الرسل بكلام يخالف ما عندك ذهبت تحرِّفه، إذن لا فائدة من الرسل، ولهذا أنا أنصحكم دائمًا وأبدًا وأكرر أن تقبلوا كل ما جاء في الكتاب والسنة من صفات الله عز وجل ومن صفات اليوم الآخر أيضًا؛ لأن في اليوم الآخر أشياء ما تكون في الدنيا؛ دنو الشمس من الناس قدر ميل يوم القيامة لو كان في الدنيا احترقت الأرض ومن عليها، لكن في الآخرة شيء آخر، كون الناس هذا في نور وهذا في ظلمة والموقف واحد، في الدنيا لا يمكن، لو جيء بأدنى سراج معك انتفع به من إلى جنبك، في الدنيا ممكن، في الآخرة الناس يعرقون على قدر أعمالهم منهم من يلجمه العرق ومنهم من إلى كعبيه والمقام واحد، في الدنيا يمكن ولاَّ ما يمكن؟ ما يمكن، فأمور الآخرة أمور الغيب كلها لا يجوز لك أن تقيسها بما تشاهد في الدنيا؛ لأن القياس هنا ممتنع، فهو قياس مع الفارق، لا سيما في صفات الخالق عز وجل فإن الفارق فارق بعيد بين صفات الخالق وصفات المخلوق، ولذلك حذار أن تقيس ما أثبت الله لنفسه من الصفات بما تعرفه من صفات المخلوقين فإنك ستضل.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران: ٥٩ - ٦٢].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
طالب: الفوائد، أخذنا ثبوت علو الله؛ لقوله: وَرَافِعُكَ إِلَيَّ.
الشيخ: من فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى الله نهاية وحكمًا؛ فإن الناس يعرضون يوم القيامة إلى ربهم حُكمًا يحكم بينهم.
ومن فوائدها: إثبات الجزاء؛ لقوله تعالى: فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ، وهذا حكم جزائي.
ومن فوائدها: أن الخصومة تقع بين المؤمنين والكافرين في يوم القيامة؛ لقوله: فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ، ويحتمل أن يقال: إن هذا حكم سبقت الخصومة فيه في الدنيا، حيث كان الكفار والمنافقون يختصمون، ولكن الأول أقرب، ويؤيده قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر: ٣٠، ٣١].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاختلاف بين المسلمين والكفار اختلاف جوهري يحكم الله به بين هؤلاء وهؤلاء يوم القيامة، وأما الاختلاف بين المسلمين فيما مصدره الاجتهاد فإنه لا يُحْكَم بينهم؛ لأن المجتهدين وإن اختلفوا في الحكم فإنهم لم يختلفوا في الحقيقة؛ لأن كل واحد منهم يعذر الآخر ولا يرى أنه مخالف له، وإن خالفه في القول والرأي لكنه لم يخالفه في المنهج والطريقة، كل واحد منهم يريد الحق، ولكن اختلفوا في كيفية الوصول إليه.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ؛ إذ لا حكم إلا بعد علم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» .

***

تفسير الآيات (56-59)
00:29:08

ثم قال الله عز وجل: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران: ٥٦، ٥٧].
من فوائد هاتين الآيتين، أولًا: إثبات العذاب للكافرين؛ لقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا.
ومن فوائدها: أن العذاب في الدنيا قد لا يكفي عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار، أو نقول: أن العذاب في الدنيا لا يغني عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار؛ لقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ولهذا يُعَذَّب الكفار في الدنيا ويُهزمون ويُؤسرون وتُسبى ذريتهم ونساؤهم وتُغنم أموالهم، وهذا عذاب عظيم، ومع ذلك لا ينجون من عذاب النار.

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [آل عمران: ٥٩ - ٦٣].

الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
قال الله عز وجل: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ.
يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد، منها: إثبات الجزاء؛ لقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ.
ومنها: أن الجزاء من جنس العمل؛ فكلما كان العمل أسوأ كان الجزاء أشد، ولهذا قال: فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا.
ومنها: أن العذاب عذاب الكافرين يكون في الدنيا ويكون في الآخرة؛ فأما عذاب الدنيا فبالأسر والقتل والزلازل والفيضانات، وما أشبه ذلك، كما قال الله تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ [التوبة: ١٤]، وهذا بماذا؟ بالقتل والأسر، وأما العذاب بالزلازل وشبهها فكقوله تعالى: فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ [الدخان: ١٠، ١١]، هذا عذاب من الله عز وجل، والأول عذاب بأيدي المؤمنين.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ناصر لهم من عذاب الله، لا أحد يمنعهم؛ لقوله: وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ، أما في الآخرة فظاهر؛ لأن الشفاعة لا تنفع فيهم؛ لقوله تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: ٢٨]، وأما في الدنيا فكذلك؛ لأن هؤلاء الكفار إذا عُذِّبُوا بأيدي المؤمنين فالمقاتلة منهم يُقتلون، والنساء والذرية يُسْبَون، والأموال والأراضي تُغْنَم، وهذا لا ناصر لهم فيه.
فإن قال قائل: أليس الإمام يخيَّر في الأسرى بين أمور أربعة: بين القتل، والفداء بمال أو بنفس مؤمنة، والاسترقاق، والمن؟ بين أمور أربعة: إما القتل، أو الفداء بمال أو بأسير مسلم، أو الاسترقاق يجعله رقيقًا يُباع ويشترى، أو المن مجانًا، لا إشكال في الأشياء الثلاثة الأولى، الإشكال في الأخير وهو المنّ، وهذا ليس بعذاب، فالجواب عن ذلك أن نقول: إنه لا يجوز للإمام أن يختار واحدة من هذه الأربع إلا حيث يرى للمسلمين فيها مصلحة، فالتخيير هنا تخيير مصلحة وليس تخيير تشهي واختيار، وإذا كان للمسلمين مصلحة فلا بد أن يكون هذا عذابًا على الكافرين؛ لأن كل شيء فيه مصلحة للمسلمين ففيه عذاب للكافرين، وعلى هذا فلا ناصر لهم لا في الدنيا ولا في الآخرة.
ثم قال الله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ، يستفاد من هذه الآية: بلاغة القرآن وحكمة القرآن؛ بلاغته في الإتيان بالمعاني متقابلة؛ لأن الإتيان بالمعاني متقابلة توجب نشاط الإنسان، حيث ينتقل الذهن من معنى إلى ما يقابله فيزداد نشاطًا وشغفًا، وأما من جهة كمال البلاغة فلأن المعاني إذا تنوعت على وجوه التقابل ازداد اللفظ حسنًا، وهذا معروف عند علماء البلاغة باسم علم أيش؟ علم البديع، وفيه أيضًا تربية للنفس؛ لأن النفس إذا سمعت عقاب الكافرين خافت ووجلت وربما يستولي عليها اليأس، فإذا جاء ثواب المؤمنين طمعت ورجت فصار سيرها إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن وفاء الأجر مرتبط بوصفين: الإيمان والعمل الصالح؛ فالإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد من عمل صالح ينمي هذا الإيمان ويشهد بصحته، أما مجرد العقيدة فإنها لا تكفي، على أن العقيدة إذا كانت سليمة استلزمت العمل الصالح؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» .
ومن فوائد الآية الكريمة: أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحًا، والعمل الصالح ما جمع وصفين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي ما كان خالصًا صوابًا كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: منّة الله سبحانه وتعالى على عباده، حيث جعل هذا الجزاء كالأجور اللازم وفاؤها؛ لقوله: فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ، شوف، والفرق بين التعبيرين، هناك قال: فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا، وهنا قال: فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله؛ لقوله: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، فإن قال قائل: كيف تستدلون على إثبات المحبة بنفي المحبة؛ لأنه قال: لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ؟ فالجواب: أن نفي المحبة عن الظالمين دليل على ثبوتها لغيرهم؛ ولو كانت منتفية عن الجميع لم يكن لتخصيصها بالظالمين فائدة، ولهذا استدل الشافعي رحمه الله على ثبوت رؤية المؤمنين لله بقول الله تعالى عن الفجار: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين: ١٥]، وقال في وجه الاستدلال: ما حجب أعداءه عن رؤيته في الغضب إلا لثبوت رؤية أوليائه له في الرضا. وهذا واضح.
ومن فوائد الآية الكريمة: شؤم الظلم، شؤم الظلم على الإنسان، وأنه سبب لانتفاء محبة الله له، وإذا انتفت محبة الله للعبد فقد هلك.
ومن فوائدها: أن الظلم من كبائر الذنوب؛ لأنه رُتِّب عليه وعيد وهو انتفاء محبة الله سبحانه وتعالى، ولكن الظاهر أن هذا ليس على سبيل الإطلاق، بل الظلم يكون كبيرة ويكون صغيرة؛ لأن جميع المعاصي ظلم، ومن المعاصي ما هو كبير ومنها ما هو صغير.
ومن فوائد الآية مع التي قبلها: التنوع في الأسلوب، وهو الانتقال من ضمير التكلم إلى ضمير الغيبة فَأُعَذِّبُهُمْوهنا قال: فَيُوَفِّيهِمْ، فهل هناك فرق من حيث المعنى؟ الجواب: نعم، فرق من حيث المعنى، أما اللفظ فظاهر ففيه التفات من ضمير التكلم إلى ضمير الغيبة، لكن نريد الفرق في المعنى، الفرق في المعنى أن العذاب عقوبة يستدعي سلطة وقهرًا وعزة، فكان الأنسب التعبير بماذا؟ بـ (أُعَذِّب) الدالة على قوة السلطان، أما هذه فكأن الله سبحانه وتعالى للتودد مع هؤلاء وبيان فضلهم قال: فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ، ولم يسند الإيفاء إلى نفسه؛ ليعطيهم شيئًا من الشكر على عملهم؛ لأن الفرق بين أن تخاطب الإنسان بالتعبير عن فعلك به بضمير التكلم أو أن تعبر بضمير الغيبة؛ لأن المواجهة أشد من الغيبة، وتأمل قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ [عبس: ١ - ٣]، فقال: عَبَسَولم يقل: عبست، وقال: وَمَا يُدْرِيكَولم يقل: وما أدراه، أو وما
يدريه، فهذه والله أعلم الحكمة من أنه جاء التعبير بالعذاب بالفعل مسندًا إلى ضمير المتكلم بخلافه في الجزاء، ويدل لهذا الاعتبار قوله تعالى في سورة الرحمن: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن: ٦٠]، فجعل فعلهم إحسانًا يُشْكَرون عليه ويُحسن إليهم، مع أن الإحسان كله من الله، فإن التوفيق للعمل الصالح من إحسان الله إلى العبد، لكن هذا من كمال رحمة الله عز وجل وثوابه وجزائه، وقال تعالى في سورة الإنسان: إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [الإنسان: ٢٢]، طيب سعيهم مشكورًا من الذي وفقهم للسعي؟ الله، ومع ذلك يقول: وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا، فصار في تغيير الأسلوب في الآيتين صار فيه فائدتان: لفظية ومعنوية؛ اللفظية هو الالتفات الذي يوجب الانتباه، والثاني المعنوية هو إظهار السلطة والعظمة والعزة في باب التعذيب، وإظهار الفضل والإحسان للعاملين في باب المثوبة. ثم قال تعالى: ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمران: ٥٨]، من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل تكلم بالقرآن، فقال: ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ، إذا كانت التلاوة لله حقيقة ونقلها جبريل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن تكون التلاوة لجبريل لكن لما كان جبريل رسولًا لله نُسِبَ فعله إلى الله، فهو كقوله تعالى: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: ١٦ - ١٨]، ومعلوم أن الذي يقرؤه جبريل.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم آية، بل آيات، كما قال الله تعالى: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت: ٤٩]، آيات عظيمة، فآياته كثيرة، كل آية فيها عدة آيات، ولكن لا يفهم هذه الآيات إلا من فتح الله قلبه للإيمان والعلم واعتقاد أن هذا القرآن كلام الله وأن فيه آيات بينات، أما الذي تمر عليه مثل هذه الجملة من الآيات مر الكرام ولا يتحرك بها قلبه ولا يتأمل هذه الآيات فإنه لن ينتفع بما في القرآن من الآيات، لا بد أن تؤمن بأن فيه آيات وأن تحاول استخراج هذه الآيات بالتدبر، والإنسان إذا تدبر القرآن وجد فيه آيات عظيمة لا يحصيها البشر.
ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن ذِكْر، لكن هل هو ذكر يُتقرب إلى الله به، أو هو ذكر يتذكر به الإنسان؟ ذكرنا أن المعنى شامل لهذا وهذا، فهو ذكر يقرب إلى الله؛ لأن مَن تلاه فله بكل حرف عشر حسنات، وهو ذكر يتذكر به الإنسان، قال الله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٧]، قيل: وهو ذكر رفع الله به شأن الذين تمسكوا به، كما قال تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: ٤٤]، وكقوله تعالى: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ٤]، أي: شأنك أعلوناه، وعلى هذا فيكون للذكر كم؟ ثلاثة معاني: ذكر يُتقرب به إلى الله بتلاوته، وذكر يتذكر به الإنسان، وذكر يعني شرفًا لمن تمسك به.
ومن فوائد الآية الكريمة: وصف القرآن الكريم بهذا الوصف العظيم وهي الحكمة وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمران: ٥٨]، والحكيم هنا بمعنى الحاكم والمحكِم؛ لأن القرآن حكم بين الناس، فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩] أي: إلى كتابه، فهو حكم وهو أيضًا محكَم، محكم متقَن ليس فيه اختلاف ولا اضطراب ولا تناقض.
ومن فوائد الآية: أنه لا يوجد حكم دل عليه القرآن إلا وهو في موضعه اللائق به، من أين يؤخذ؟ من الْحَكِيمِ؛ لأن الحكيم هو الذي يضع الشيء في مواضعه، فكل حُكْم حَكَم به القرآن فإنه في موضعه، لا يقول العقل: ليته لم يحكم به، أبدًا، سواء كان ثبوتيًّا أم سلبيًّا.
ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الرسول عليه الصلاة والسلام في قول: نَتْلُوهُ عَلَيْكَ، فخصه صلى الله عليه وسلم بالتلاوة عليه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أشرف من يتلقى القرآن وأَقْوَم الناس عملًا به، فكأنه هو المخصوص بالتلاوة عليه نَتْلُوهُ عَلَيْكَ.
ثم قال الله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، لقد مر علينا أن هذه الآيات نزلت حين قدم وفد نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا نصارى، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة؛ لأن تلك السنة كثر فيها الوافدون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا تسمى سنة الوفود، وهذا أحد الأسباب الذي منعت النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج في العام التاسع مع أن مكة قد فتحت، إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَيعني: شأنه، إن شأن عيسى عند الله كشأن آدم لا يختلف عنه، فكما أننا متفقون على أن آدم خلقه الله عز وجل من غير أب ولا أم حتى النصارى يؤمنون بهذا، فما بال النصارى يقولون: كيف خلق الله عيسى بلا أب؟ ما هو إلا ابنه - نعوذ بالله – فقالوا: إنه ابن الله جزء منه، ولم يقولوا: إن آدم ابن الله، مع أنه لو كان أحد يدعي البنوة في أحد من البشر لكان الأحق بها آدم، البنوة لله، لكان الأحق آدم؛ لأنه ما له أم ولا أب، أما عيسى فله أم، والأم أحد الوالدين، فإذا كنا نقول: لا يمكن أن يوجد أحد من أم بلا أب فلنقل: ولا أحد يوجد بدون أم ولا أب، فأنتم أيها النصارى أقررتم بأن آدم ليس ابنًا لله فيلزمكم أن تقروا بأن عيسى ليس ابنًا لله؛ لأن مثل عيسى كمثل آدم خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ، خلقه يعني: ابتدأ خلقه من تراب، وضمير المفعول في (خلقه) يعود على آدم؛ لأنه هو المخلوق من التراب، خَلَقَهُأي: خلق آدم من تراب، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، نحن قلنا: ابتدأ خلقه ثم قال: كن، والأمر هذا لتمام الخلق، وإنما قلنا ذلك؛ لئلا يقول قائل: كيف تكون كلمة (كن) بعد الخلق؛ لأن الترتيب العقلي يقتضي أن تكون كلمة (كن) قبل الخلق، كن، فكان، فنقول: إن معنى خَلَقَهُيعني: ابتدأ خلقه من تراب ثم قال له: كن بشرًا، فكان بشرًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وهذا القول: كن، قول قدري أو شرعي؟ قول قدري، والقول القدري لا يتخلف عنه المقول؛ لأنه أمر حتمي، بخلاف القول الشرعي فإن من الناس من يستكبر عنه، يقول الله: أَقِيمُوا الصَّلَاةَ [الأنعام: ٧٢]، فيقول: لا، ما يقيم الصلاة، أما القول الكوني فإنه لا مرد له، كُنْ فَيَكُونُ، ولم يقل: فكان، على حكاية الحال، يعني: لما قال: كُنْفعلًا شرع بالكينونة حتى تمت.
في هذه الآية: بيان إقامة الحجة بمثل ما يحتج الخصم به؛ لأنه أقام الحجة على النصارى بمثل ما احتجوا به، فقال: إذا قلتم: إن عيسى ابن لله؛ لأنه خُلِق بلا أب فقولوا: إن آدم ابن الله، وإلا فأنتم متناقضون.
ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى حيث خلق آدم من غير أم ولا أب، وخلق عيسى من أم بلا أب، وهناك أيضًا صنفان؛ أن الله خلق من أب بلا أم، وخلق بين أب وأم، من الذي خُلِق من أب بلا أم؟ حواء، وسائر البشر من بين أم وأب.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس، من أين يؤخذ؟ كَمَثَلِ آدَمَ، وكل مثل مضروب في القرآن فإنه دليل على ثبوت القياس؛ لأنه إلحاق المورِد بالمضرب، يعني أنك ألحقت الممثَّل بأيش؟ بالممثَّل به.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القول للرب عز وجل؛ لقوله: ثُمَّ قَالَ لَهُ.
ومنها، من فوائدها: أن قول الله بصوت مسموع وبحروف مرتبة؛ لقوله: قَالَ لَهُ كُنْفسيسمع هذا القول، وحرف مرتب ولاَّ لا؟ الكاف قبل النون.
ومنها، من فوائد الآية: إثبات صفة الخلق لله خَلَقَهُ، والخلق صفة ذاتية أو فعلية؟
الطلبة: فعلية.
الشيخ: فعلية، من الصفات الفعلية، لكن قد مر علينا أن جنس الصفات الفعلية أيش؟ ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال فعَّالًا.
تفسير الآية (60)
00:59:06

ثم قال الله عز وجل: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، الْحَقُّخبر مبتدأ محذوف، والتقدير: ذلك الحق، أي هذا الذي قُصّ عليك هو الحق، وعلى هذا فتكون شبه الجملة، وهي: مِنْ رَبِّكَتكون في موضع نصب على الحال من الْحَقُّ، ويحتمل على بُعد أن يكون الْحَقُّمبتدأ، ومِنْ رَبِّكَخبره، وفائدة هذا التركيب على هذا الإعراب فائدته أنك لا تطلب الحق من غير الله، فكأنه يقول: مصدر الحق من الله فلا تطلبه من غيره، الْحَقُّيوصف به الحُكم ويوصف به الخبر؛ فإن وُصف به الحكم صار معناه العدل، وإن وُصف به الخبر صار معناه الصدق، والصدق والعدل كلاهما ثابت، ولهذا وُصِفَا بالحق، وأصل الحق من حَقَّ الشيءُ إذا ثبت، كما قال الله تعالى: كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [يونس: ٣٣] حَقَّتْيعني؟
الطلبة: ثبتت.
الشيخ: ثبتت، إذن في إعرابها وجهان، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَفي إعرابها وجهان؟
طالب: قيل أنه مبتدأ وجملة الجار والمجرور من ربك هي الخبر، وقيل: أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ذلك الحق؟
الشيخ: خبر مبتدؤه محذوف.
الطالب: مبتدأ وخبره محذوف.
الشيخ: مبتدأ وخبره محذوف.
طالب: خبر لمبتدأ محذوف.
الشيخ: خبر لمبتدأ محذوف، صح.
الطالب: ذلك الحق.
الشيخ: نعم، طيب الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، مِنْ رَبِّكَهنا أضاف الربوبية إلى النبي عليه الصلاة والسلام لتكون ربوبية خاصة؛ لأن الربوبية كما مرّ علينا كثيرًا عامة وخاصة، فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، وآدمي وبهيم، وحيوان وجماد؛ والخاصة هي التي تختص بالمؤمنين، وتستلزم تربية أخص من التربية العامة، مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ(لا) هذه ناهية، ولهذا جُزِم الفعل بعدها، وهل مثلها الآية الأخرى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [البقرة: ١٤٧]؟ لكن فيه إشكال؛ لأن الآية الأخرى ما جُزِمَت فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.
طالب: جزمت الآية.
الشيخ: وأين الجزم؟
الطالب: الجزم (...) الجزم يكون بحذف النون ويكون بالسكون.
الشيخ: وأين حذف النون؟
الطالب: فَلَا تَكُنْ.
الشيخ: فَلَا تَكُنْهذه أيش؟
الطالب: هذا سكون.
الشيخ: هذا سكون، وفَلَا تَكُونَنَّ؟
الطالب: النون محذوفة.
الشيخ: النون محذوفة؟
طالب: النون ثابتة وحُرِّكَت لأجل التقاء الساكنين.
الشيخ: في لَا تَكُونَنَّ؟
الطالب: نعم.
الشيخ: خطأ.
طالب: الفعل هنا مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد.
الشيخ: أحسنت، الفعل هنا ما هو معرب حتى يُجزم، مبني على الفتح؛ لاتصاله بأيش؟ بنون التوكيد فَلَا تَكُونَنَّ، ولهذا بقي الفعل بجميع حروفه.
طيب، قوله: فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَأي: فلا تكن من الشاكين، وقد أشكل هذا التعبير على كثير من الناس، وقال: أفَيَشُكّ الرسول عليه الصلاة والسلام؟ أفيشك؟ والجواب عن هذا أن نقول: هذه الآية أو هذا التعبير لا يدل على وقوع الشك من الرسول صلى الله عليه وسلم، بل ولا على إمكانه، وإنما يراد به التعريض بالممترين، التعريض بالممترين وذمهم، فلو قلت لرجل صالح: لا تكن من الفاسقين، هل معنى ذلك أن الرجل فاسق؟ لا، ولكن معناه التعريض بالفاسقين وأنهم على خُلُق ينبغي أن يفر منهم كل عاقل، فكذلك لَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَليس معناه أن الرسول يمكن أن يكون منهم أو أنه منهم، لكن المعنى التعريض بالممترين الشاكين، ومنهم في هذه المسألة منهم النصارى؛ لأن النصارى يعتقدون بأن عيسى ابن الله، فهم ممترون في خبر الله شاكّون فيه، وإلا فليس في التوراة ولا الإنجيل ولا القرآن ولا غيرها من الكتب المنزلة أن عيسى ابن الله، وليس فيها أيضًا ما يفيد ظاهرًا ولا احتمالًا أن عيسى ابن الله، ومع ذلك شكك هؤلاء النصارى وصاروا يبثون عقيدتهم الفاسدة بأن عيسى ابن الله، طيب إذن لَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَينهاه الله تعالى أن يكون من الممترين، لا لأنه منهم ولا لأنه يمكن أن يكون منهم، ولكن تعريضًا بهؤلاء الممترين، تعريضًا لهم بالذم، ونظير ذلك كما قلت لكم: أن تقول لشخص مستقيم تقول: لا تكن من الفاسقين، سيقول لك: أنا فاسق؟ الله يهديك، أقول: ما قلت إنك فاسق، لكنني أعرّض بذم هؤلاء الفاسقين.
وقال بعض أهل العلم حلًّا لهذا الإشكال المتوهم قال: إن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، ولكن هذا القول ضعيف جدًّا؛ لأن الخطاب صريح بأنه للرسول عليه الصلاة والسلام، وكذلك المحادثة مع الرسول الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [البقرة: ١٤٧]، كيف نقول: المراد الحق من ربك فلا تكونوا يا أمة محمد من الممترين، هذا مؤدى هذا المعنى أو هذا القول، وهو بعيد من الأسلوب القرآني، ولكن المعنى الذي ذكرته هو الصواب؛ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يمترِ ولن يمتري، ولكن هذا من باب التعريض؛ كأنه يقول: استمر على ما أنت عليه من اليقين وما أقبح حال هؤلاء الممترين!
طالب: شيخ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَيعني في كل رسالته؟
الشيخ: لا، في الخلق بس، في الخلق؛ يعني النصارى اشتبه عليهم الأمر لما خُلِق بدون أب، اشتبه عليهم الأمر فقالوا: هو ابن الله.
طالب: الْحَقُّأليس نحن نعربها فاعل لفعل محذوف، أي: جاءك الحق من ربك؟
الشيخ: إذا قلنا: إنه فعل محذوف، ترتب عليه حذف ثلاثة أشياء، أو لا؟
الطالب: فاعل لفعل محذوف.
الشيخ: إذا قلنا: فاعل لفعل محذوف، ترتب على هذا حذف ثلاثة أشياء، ما هي؟ الفعل، والفاعل والمفعول، أو الفاعل موجود؟
الطلبة: موجود.
الشيخ: ترتب حذف شيئين: الفعل والمفعول، وإذا قلنا: إنه خبر مبتدأ محذوف، ترتب على ذلك حذف واحد، وأيضًا واحد يُحذف كثيرًا وهو الاسم؛ لأن حذف الاسم أكثر من حذف الفعل في الغالب.
طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، ترى الناس يشبه عليها أمر فيقول، يعني حتى أحيانًا يتورع فيه: يعني النصارى من أهل النار، يعني لو سئل: لماذا؟ يقول: أولًا لماذا فُرضت عليهم الجزية، يعني ما هم مثل غيرهم من الكفار، ثانيًا: ويسمع من بعض الإذاعات تنشر يعني يقترفوا الزنا يعني (...) النصرانية يقول (...)؟
الشيخ: هذا لا ينبغي الاشتباه فيه مع الآيات الكثيرة الصريحة، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة: ٦]، ويقول عز وجل في سورة الأعراف: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: ١٥٨]، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يَتَّبِعُ مَا جِئْتُ بِهِ - أَوْ قَالَ: لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ - إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» .
طالب: الحكمة يا شيخ من ضرب الجزية؟
الشيخ: إذلالًا لهم، ولعلهم إذا عاشوا بيننا يرجعون إلى الحق؛ لأن كتبهم تصرّح بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم على حق، مع أن القول الراجح أن الجزية تؤخذ منهم ومن غيرهم، تؤخذ من كل إنسان؛ لأن المقصود أن يكون الإسلام هو العالي.
طالب: لماذا لا يقال إن الآية فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَتجرى مجرى حديث عائشة حين قالت: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.
الشيخ: نعم، فيه فرق بين الدعاء وبين الخبر؛ لأن الدعاء كل إنسان عنده إيمان فهو خائف، من كان بالله أعرف كان منه أخوف، والإنسان يخشى، لكن خبر الله عن رسوله أنه جائز أن يكون من الممترين أو هو الآن من الممترين هذا بعيد.
الطالب: للإشارة إلى (...).
الشيخ: لا، بعيد هذا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك قلنا في قوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍأي: ابتدأ خلقه من تراب ثم بعد ذلك قال: كن فيكون، في النشأة، الله سبحانه وتعالى قادر على أن يكون نشأته وابتداؤه بكن فيكون، كذلك للابتداء والخلق، لماذا اختار النشأة بكن فيكون؟
الشيخ: هو ما مر علينا مثل هذا؟ كل خلق الله، يقول: إن الله قادر أن يقول كن فيكون قبل أن يخلقه من التراب ثم يكونه، كل المخلوقات قادر أن الله يخلقها بكلمة (كن)، ومع ذلك ما فعل؛ لأن مخلوقات الله تحتاج إلى حكمة وتدرج، وأشياء يحتاج بعضها إلى بعض، ولهذا ما خلق السماوات والأرض بـ(كن)، خلقها في ستة أيام وهو قادر أن يخلقها بكلمة (كن).
طالب: شيخ، استدلينا على قوله سبحانه وتعالى قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُعلى أن الله سبحانه وتعالى لفظه مسموع بحروف مرتبة، طيب هل اللغة كانت عربية علشان نستدل هذا الاستدلال؟
الشيخ: يعني ما يتكلم الله به عند إرادة الخلق ما ندري هل هو باللغة العربية أو لا؟
طالب: إذن كيف استدلينا بالحروف؟
الشيخ: كلمة (كن) هذه حرفين اثنين واحد قبل الثاني، هذا هو الترتيب.
طالب: شيخ؟ في قوله: فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَيستفاد منها يعني الأمر إذا كان الأمر الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَيعني الشرط محذوف في هذا كله يعني إذا كان الحق من ربك فلا تكن من الممترين.
الشيخ: الأخ يقول: إن الفاء رابطة لجواب شرط مقدَّر، كذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: نقول: لا حاجة إلى هذا؛ لأنه ينبغي أن نفهم قاعدة أننا لا نلجأ إلى التقدير إلا عند الضرورة إليه، أما متى استقام الكلام بدون تقدير فهذا هو الواجب؛ لأنك إذا قلت: إن الكلام لا يستقيم إلا بتقدير، إذا قلت: إن الكلام فيه شيء مقدر، معناه أن الكلام الآن ناقص، ولا يمكن أن نصف الكلام بالنقص إلا عند الضرورة؛ إذا رأينا أنه لا يستقيم المعنى إلا بالتقدير فنعم، أما هنا فيستقيم ونجعل الفاء هنا للتفريع، أي: فبسبب كونه من ربك لا تكن من الممترين.

***

طالب: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [آل عمران: ٥٩ - ٦٣].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.
في هذه الآية من الفوائد: أن الله تعالى لا يصدر منه إلا الحق، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ.
ومن فوائدها: فضيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم بإضافة الربوبية إليه، وذلك لأن الربوبية هذه خاصة، والربوبية الخاصة تفيد معنى أخص من الربوبية العامة.
ومن فوائدها: النهي عن الشك فيما أخبر الله به؛ لقوله: فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.
ومن فوائدها: أن الممترين كثيرون؛ لقوله: مِنَ الْمُمْتَرِينَ، وإن كان يحتمل أن يراد به الجنس فيصدق بواحد، لكن الظاهر الأول، ولا شك أن الممترين من بني آدم كثيرون؛ لأن ذرية بني آدم منهم تسع مئة وتسعة وتسعون كلهم من أهل النار.
ومن فوائدها: جواز التعريض، أو جواز المخاطبة بالتعريض؛ لأن قوله: فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَلا يعني أن الرسول يمكن أن يكون منهم، بل هو تعريض بهؤلاء وأنهم ذوو خلق سيئ فلا تكن منهم، وإن كان هو ليس منهم لا باعتبار الواقع ولا بالمستقبل.
تفسير الآية (61)
01:17:48

ثم قال تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِحَاجَّكَأي: جادلك، وسميت المجادلة محاجة؛ لأن كل واحد من المتجادِلَيْن يدلي بحجته من أجل أن يخصم الآخر ويحجه، ومنه الحديث: «تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى» ، أي: طلب كل واحد منهما أن يحج الآخر، وأيهما الذي حج؟ آدم، نعم، حَاجَّكَإذن: جادلك، وسميت المجادلة محاجة؛ لأن كل واحد من المتجادلين يدلي بحجة ليغلب الآخر.
وقوله: فَمَنْ حَاجَّكَ(مَن) هذه شرطية، وجواب الشرط فَقُلْ تَعَالَوْا، وقوله: مَنْ حَاجَّكَ فِيهِالضمير يعود على (عيسى)، والمراد بالمحاجة في عيسى ليس في ذاته؛ لأن عيسى معلوم أنه بشر، لكن في شأنه وقضيته، وقوله: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ، من الذي يمكن أن يحاج النبي صلى الله عليه وسلم في عيسى؟ هم النصارى، وهذه الآية وما قبلها كلها نزلت في وفد نجران من النصارى، فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، يعني: بعد أن علمت قضيته وشأنه وتيقنته فالذي يحاجك فيه ادعه للمباهلة، وفي قوله: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ، أتى بـ(مِن) الدالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أُمِر بالمباهلة بعد أن تروّى من العلم؛ لأن مِنْ بَعْدِتدل على أن هناك مهلة بين العلم الذي جاءه وبين المحاجة التي وقعت، بخلاف لو قال: فمن حاجك فيه بعد ما جاءك، فإنها تفيد البعدية لكن لا تدل على التراخي والمباعدة، ومعلوم أن الإنسان كلما تمعن في النظر فيما علم ازداد به أيش؟ ازداد به علمًا ويقينًا، وقوله: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِعن أي طريق؟ عن طريق الله عز وجل، فإن الله تعالى أوحى إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في شأن عيسى من العلم ما لم يكن عند غيره، فَقُلْ تَعَالَوْاقلنا: إنّ قلجواب الشرط، وتَعَالَوْافعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، وفيه إشكال؛ لأن تَعَالَوْاجمع، ومن حاجكأيش؟ مفرد، فكيف صح أن يكون الجمع عائدًا على مفرد؟ الجواب: أن الأسماء الموصولة وأسماء الشرط المشتركة، يعني التي تصلح للمفرد وغيره، يجوز في العائد إليها أن يعود إليها باعتبار اللفظ، وأن يعود إليها باعتبار المعنى، فإن عاد إليها باعتبار اللفظ صار مفردًا، وباعتبار المعنى صار جمعًا، ولا فرق بين أن يكون هذا الجائز في كلام واحد أو في كلامين، فمثلًا وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [الطلاق: ١١]، ما
الذي رُوعِيَ في ذلك؟
الطلبة: اللفظ.
الشيخ: يُدْخِلْهُ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الطلاق: ١١].
الطلبة: المعنى.
الشيخ: المعنى، قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ [الطلاق: ١١].
الطلبة: اللفظ.
الشيخ: اللفظ، آية واحدة روعي فيها اللفظ، ثم المعنى، ثم اللفظ، كذا؟ لو روعي اللفظ في كل هذه الجمل لقيل: خائن، ومن يؤمن بالله ويعمل صالحًا (يدخله) جنات تجري من تحتها الأنهار (خالدًا) فيها أبدًا قد أحسن الله (له). ولو روعي المعنى لقيل: ومن يؤمن بالله ويعمل صالحًا (يدخلهم) جنات تجري من تحتها الأنهار (خالدين) فيها أبدًا قد أحسن الله (لهم) رزقًا.
وقوله: تَعَالَوْاهل هي اسم فعل أمر، أو فعل أمر؟ نقول: هي فعل أمر؛ لأن اسم فعل الأمر لا تدخله العلامات، يعني ما تتصل به الضمائر، اسم فعل الأمر لا تتصل به الضمائر، قال الله تعالى: وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا [الأحزاب: ١٨] هَلُمَّ إِلَيْنَا، لماذا لم يقل: هلموا؟ لأنه اسم فعل أمر، واسم فعل الأمر لا تتصل به الضمائر، ولهذا تقول للجماعة: صه، يعني: اسكتوا، ولا تقول: صهوا، فإن اقترنت به الضمائر صار فعل أمر، ولهذا نقول: تَعَالَوْافعل أمر ولَّا اسم فعل؟ فعل أمر، طيب، تَعَالَوْايعني: أقبلوا، لكنها أقبلوا بتعالٍ وارتفاع، وكأن المنادي ينادي هذا ليرتفع إليه فيكلمه بما يريد.
وقوله: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا(نَدْعُ) كيف (نَدْعُ) وأين الواو؟ هذه محذوفة الواو على سبيل الجزم؛ لأنها جواب؟
الطلبة: الطلب.
الشيخ: جواب الطلب.
طالب: وهو الأمر.
الشيخ: جواب الطلب وهو الأمر، ومعلوم أن جواب الطلب إذا سقطت منه الفاء وجب الجزم فيه، فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ، كيف قال: ندع، ولم يقل: أدع؟ نعم لم يقل ذلك؛ لأنهم إذا جاءوا معه صاروا جماعة، نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ، هذه الآية كما ترون بصيغة الجمع أَبْنَاءَنَا، والرسول واحد عليه الصلاة والسلام، أَبْنَاءَكُمْهم جماعة لا بأس، وَنِسَاءَنَاالرسول واحد ولم يقل: نسائي، وَنِسَاءَكُمْجماعة واضح، وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْالرسول واحد ولّا عدة أنفس؟ واحد، فما المراد بهذا؟ اختلف المفسرون في ذلك، فقال بعض المفسرين: المراد بقوله: نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْالمراد بأبنائنا الحسن والحسين، وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْالمراد بـنِسَاءَنَافاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم، وَأَنْفُسَنَاالمراد بـالأنفس علي بن أبي طالب، فيكون أربعة، كذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: أَبْنَاءَنَا: الحسن والحسين، نِسَاءَنَا: فاطمة، أَنْفُسَنَا: علي بن أبي طالب، أما هؤلاء النفر الوفد فليس معهم نساء وليس معهم أولاد، كلهم رجال بالغون عاقلون، إما أربعة عشر أو اثنان، المهم أنهم رجال ليس معهم أحد، فقال بعض أهل العلم: المراد: ندع نحن المسلمين، نَدْعُ أَبْنَاءَنَايعني: أبناء المسلمين، يعني: ننتخب طائفة منا تأتي هي وأبناؤها ونساؤها، وأنتم كذلك تنتخبون جماعة يأتون بأبنائهم ونسائهم وأنفسهم، نجتمع ونبتهل، وهذا القول لا شك أنه موافق تمامًا لظاهر الآية؛ لأن الآية بصيغة الجمع، والعادة جرت بأن التباهل وكذلك التفاخر وغيره يكون بين جماعات، بين جماعات، يقول لك: هاتوا رَبْعكم ونجيب رَبْعنا، وقد ذهب إلى هذا محمد رشيد في تفسيره، وهو لا شك تفسير مطابق لظاهر الآية تمامًا، لكن أكثر المفسرين يختارون القول الأول: أن المراد بأبنائنا الحسن والحسين، وَنِسَاءَنَا: فاطمة، وَأَنْفُسَنَا: علي بن أبي طالب؛ لحديث ورد في ذلك، والمسألة لا توافق ظاهر الآية، يعني هذا القول لا يوافق ظاهر الآية، أولًا: أن (أبناء) جمع و(نا) جمع، وإذا قلنا: الحسن والحسين صارا اثنين ابنان لجمع ولّا لواحد؟
طالب: لواحد.
الشيخ: لواحد، أيضًا النساء لم يكن في اللغة العربية أن المراد بالنساء البنات، المراد بالنساء في اللغة العربية أيش؟ الزوجات، المراد الزوجات، وأيضًا (أنفسنا) كيف يعبر الرسول عليه الصلاة والسلام عن علي بن أبي طالب بنفسه ولا يعبر عن الحسن والحسين بنفسه، أيهما أقرب؟ الحسن والحسين، حتى إن الحسن سماه الرسول ابنه، فقال: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» ، ولهذا ظاهر الآية لا يطابق هذا التفسير، وقد زعم محمد رشيد رضا أن تفسيرها بالأربعة من تفسير الرافضة، وقال: إن الآية لا تنطبق عليهم، لكن الحديث الوارد في ذلك يدل على أن لها أصلًا، ولا شك أن آل البيت يدخل فيهم هؤلاء الأربعة، لا شك في هذا، لكن انطباقها على الآية في النفس منه شيء، على كل حال المسألة انتهت، لكن ما المراد بالأنفس والأبناء والنساء؟ المراد أنهم يريدون أن يجمعوا جماعة معهم أبناؤهم ونساؤهم وأنفسهم، وهذا أعز ما يكون عند الإنسان في الدنيا، هذا أعز ما يكون؛ نفسه أبناؤه زوجاته، يحضرون، ويُحضر الخصم أيضًا نفسه وأبناءه ونساءه.