تفسير الآية (62)
تفسير الآية (63)
تفسير الآية (64)
لكن أكثر المفسرين يختارون القول الأول أن المراد بأبنائنا الحسن والحسين،
وَنِسَاءَنَا [آل عمران: ٦١] فاطمة، وَأَنْفُسَنَاعلي بن أبي طالب؛ لحديث ورد في ذلك .
والمسألة لا توافق ظاهر الآية، يعني هذا القول لا يوافق ظاهر الآية.
أولا: أن (أبناء) جمع و(نا) جمع، وإذا قلنا: الحسن والحسين صارا اثنين. (ابنان) لجمع ولّا لواحد؟ لواحد.
أيضًا النساء، لم يكن في اللغة العربية أن المراد بالنساء البنات، المراد بالنساء في اللغة العربية أيش؟ الزوجات، المراد الزوجات. وأيضا (أنفسنا) كيف يعبر الرسول عليه الصلاة والسلام عن علي بن أبي طالب بنفسه ولا يعبر عن الحسن والحسين بنفسه، أيهما الأقرب؟ الحسن والحسين، حتى إن الحسن سماه الرسول ابنه فقال: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» .
ولهذا ظاهر الآية لا يطابق هذا التفسير، وقد زعم محمد رشيد رضا أن تفسيرها بالأربعة من تفسير الرافضة، وقال: إن الآية لا تنطبق عليها، لكن الحديث الوارد في ذلك يدل على أنها لها أصل، ولا شك أن آل البيت يدخل فيهم هؤلاء الأربعة، لا شك في هذا، لكن انطباقها على الآية في النفس منه شيء.
على كل حال المسألة انتهت، لكن ما المراد بالأنفس والأبناء والنساء؟
المراد أنهم يريدون أن يجمعوا جماعة معهم أبناؤهم ونساؤهم وأنفسهم، وهذا أعز ما يكون عند الإنسان في الدنيا، هذا أعز ما يكون؛ نفسه، أبناؤه، زوجاته، يحضرون ويحضِر الخصم أيضًا نفسه وأبناءه ونساءه.
قال: ثُمَّ نَبْتَهِلْأي نتضرع ونبالغ في الدعاء.
ثم فسر الابتهال بقوله: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ. وهذا القول في أن نَبْتَهِلْيعني نتضرع ونلح في الدعاء أصح من القول بأن معنى نَبْتَهِلْ: نلتعن؛ لأننا إذا فسرنا نَبْتَهِلْبنلتعن لم نكسب معنى جديدًا عند قوله: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ، تكون الثانية بالنسبة للأولى مكررة، وإذا قلنا: نَبْتَهِلْنتضرع بالدعاء ونلح؛ استفدنا زيادة معنى، وهو المبالغة في التضرع والإلحاح.
ولهذا يقال: ابتهل إلى الله في الدعاء، ولا يفهم المخاطب إلا أن المعنى: تضرع وألح في الدعاء الصالح. ولا يمكن أن يكون المراد نَبْتَهِلْالدعاء السيئ إلا إذا قرن بما يدل عليه. واضح يا جماعة؟
تقول: هذا الرجل ابتهل إلى الله في الدعاء، يعني دعا بالصالح لكن ألح، فالصواب أن معنى نَبْتَهِلْيعني نتضرع ونلح في الدعاء.
فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَنجعل معطوفة على نَدْعُ؛ لأنه مر علينا قاعدة: أنه إذا تكررت المعطوفات فالعطف على الأول؛ لأن المعطوف فرع، والمعطوف عليه هو الأصل، والمعطوف عليه هو الأول.
فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ، لَعْنَتَ اللَّهِأي طرده وإبعاده عن الرحمة.
عَلَى الْكَاذِبِينَالكاذبين منا أو منكم، وهذا عدل وإنصاف؛ لأن الله يعلم من الكاذب، فإذا جعلنا لعنة الله على الكاذبين فمن كان كاذبا فعليه اللعنة.
ولكن ما الشأن أو ما الحكمة في إحضار الأبناء والزوجات؟
الحكمة في ذلك أنه إذا كان الالتعان فاللعنة تشمل الجميع، اللعنة تشمل الجميع، ولهذا لما دعاهم الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المباهلة، دعا وفد نجران إلى المباهلة ، امتنعوا، قالوا: ننظر ثم تشاوروا فيما بينهم، ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الغد وقالوا: ما نلاعن، ما نلتعن، لأيش؟ لأنهم قالوا: لو أننا التعنا ورجعنا إلى أهلينا ما وجدناهم، فلا نلتعن. يعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم على حق وأنهم على باطل.
وقوله: عَلَى الْكَاذِبِينَالكاذب: القائل بغير الصدق، هذا الكاذب، من قال بغير الصدق فهو كاذب.
في هذه الآية الكريمة: إثبات أن ما جاء النبي صلى الله عليه وسلم حق، وجه ذلك أن الله أمر بأن يلتعن مع هؤلاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا تجوز المباهلة إلا بعلم، بأن يكون عند الإنسان علم يقيني، أما إذا كان شاكًّا فلا يجوز، فلا بد أن يكون عنده علم؛ لقوله: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز طلب المباهلة عند عناد الخصم؛ لقوله: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَاإلى آخره.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من آداب الالتعان إحضار النساء والأبناء؛ لأن ذلك أشد خوفًا بالنسبة للمباهل، يخاف أن يعم الهلاك جميع هؤلاء.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: جواز الدعاء باللعنة على من خالف الحق، لكن بالوصف، لا بالشخص، كيف قلنا بالوصف؟ لأن الكاذبين وصف، أما الشخص فلا يجوز الدعاء عليه باللعن ولو كان كافرًا، الشخص لا يجوز أن تلعنه ولو كان كافرًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما لعن أبا جهل وغيره من طغاة قريش نهاه الله عن ذلك، وقال: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران: ١٢٨] .
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المباهلة، لكن اشترط العلماء للمباهلة شرطين:
الشرط الأول: العلم.
والشرط الثاني: أن تكون في أمر هام.
أما الأمور التي ليست بهامة فلا ينبغي للإنسان أن يعرض نفسه للخطر.
هل يستفاد من الآية الكريمة جواز انغمار الشخص في العدو في باب المقاتلة؟ أنه ينغمر في العدو ويغرر بنفسه؛ لأن هذا الإنسان الذي علم أن الحق معه وجاز أن يلتعن كأنما دخل في أمر يكون سببًا لهلاكه، نعم، فلما كان على الحق وأجزنا له أن يدخل في هذا الأمر الذي يُخشى أن يكون كاذبا فتنطبق عليه اللعنة، نعم، ربما يؤخذ لكنه مأخذ بعيد.
طالب: نأخذ بالنسبة لأي واحد سمع بنسبة في العلم أن يبلغ أهله؟
الشيخ: نعم؟ أيش؟ نأخذ من الآية.
الطالب: يعني ندعو نساءنا.
الشيخ: يقول: يؤخذ من الآية أنه ينبغي للإنسان أن يعلِّم أهله؛ أبناءه ونساءه؟
الطلبة: ما يؤخذ.
الشيخ: ما يؤخذ.
طالب: الاستعانة.
الشيخ: إي يعني نجيبهم نحن، نجيبهم عند الالتعان.
طالب: شيخ، ما علل (...) ما عندهم علم؟
الشيخ: إي يجون وهم ما عندهم علم.
طالب: شيخ، صحيح ما قاله صاحب القاموس أن ابتهل يشمل اللعن والاجتهاد في الدعاء جميعًا؟
الشيخ: لا، الصواب الثاني فقط.
الطالب: يشمل الاجتهاد في الدعاء فقط.
الشيخ: إي نعم.
طالب: بين المسلمين المباهلة هل جائزة ولّا لا؟
الشيخ: جائزة في الأمور المتيقنة، ولهذا دعا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إلى المباهلة في مسألة الفرائض المعروفة .
طالب: إذا كان مثلا الملاعنين مثلا في أهل يعني صاحب الباطل من أهله من هم أصحاب حق.
الشيخ: كيف؟
طالب: من أهل صاحب الباطل الذين هم (...) أهل الخصم الذي على الباطل من أهله هم أصحاب حق يعني هم يتابعون هذا صاحب الحق لو باهلوا مثلا ونزلت اللعنة هل تعمهم؟
الشيخ: (...) إذا كانوا على حق وقالوا: والله نحن ما نيجي نباهل لأن ذلك على حق، ما يجون.
الطالب: يخشون من صاحبهم.
الشيخ: لا، لا يخشوا، تقول: لا، ولهذا لما تشاور وفد نجران بعضهم مع بعض قالوا: ما يمكن، بعضهم همّ (...) الآخرين.
طالب: في تعريف الكاذب لو أضفنا كلمة (حقيقةً)؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: لو أضفنا كلمة (حقيقة): (القائل بغير صدق حقيقة) فيخرج التورية؟
الشيخ: لا ما حاجة؛ لأن التورية يطلق عليها كذب؛ كما في حديث أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَذَبَ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ .
طالب: يجوز لعن الشخص بعينه ولّا ما يجوز لعنه؟
الشيخ: يمكن يجوز إذا مات على الكفر، مع أنه قد يقال: إنه لا يجوز لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوُا إِلَى مَا قَدَّمُوا» . والأحسن تركه.
طالب: أحسن الله إليك، طيب إذا أنا عينت شخص كافر وقلت: عليه من الله ما يستحق؟
الشيخ: اللهم اهده، أخصر وأنفع.
الطالب: طيب مات؟
الشيخ: مات يأخذ ما يستحق، لو ما دعوت.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٢ - ٦٤]
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ.
قوله تعالى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّهذه الجملة كما ترون مؤكدة.
طالب: الفوائد؟
الشيخ: نعم؟
الطلبة: الفوائد؟
الشيخ: أيش الفوائد؟
طالب: آية المباهلة، كنا سيبنا الفوائد.
الشيخ: طيب آية المباهلة، اقرأهم علي.
طالب: الأولى: إثبات أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حق، وجه ذلك أن الله أمره أن يلتعن مع هؤلاء.
الثانية: أنه لا تجوز المباهلة إلا بعلم يقيني، أما إذا كان الإنسان شاكا فلا يجوز له؛ لقوله: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ.
الثالثة: جواز طلب المباهلة عند عناد الخصم، لقوله تعالى.
الرابعة: أن من آداب الالتعان إحضار النساء والأولاد؛ لأن ذلك أشد خوفا بالنسبة للمباهلة.
الخامسة: جواز الدعاء باللعنة على من خالف الحق، لكن بالوصف لا بالشخص؛ لأن الكاذبين وصف أما الشخص فلا يجوز الدعاء عليه باللعن ولو كان كافرا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم لعن أبا جهل وغيره من طغاة قريش نهاه الله عن ذلك .
السادسة: جواز المباهلة، لكن اشترط العلماء لجواز المباهلة شرطين، الشرط الأول: العلم، والثاني: أن تكون في أمر هام، أما الأمور التي ليست بهامة فلا ينبغي للإنسان أن يعرض نفسه للخطر.
السابعة: هل يستفاد من الآية الكريمة جواز انغمار الشخص في العدو في باب المقاتلة؟ لأن هذا الإنسان الذي علم أن الحق معه وجاز أن يلتعن في أمر يكون سببا لهلاكه، فلما كان على حق وأجزنا له أن يدخل في هذا الأمر لأنه يُخشى أن يكون كاذبا فتنطبق عليه اللعنة. ربما يؤخذ لكن مأخذه بعيد.
والمسألة لا توافق ظاهر الآية، يعني هذا القول لا يوافق ظاهر الآية.
أولا: أن (أبناء) جمع و(نا) جمع، وإذا قلنا: الحسن والحسين صارا اثنين. (ابنان) لجمع ولّا لواحد؟ لواحد.
أيضًا النساء، لم يكن في اللغة العربية أن المراد بالنساء البنات، المراد بالنساء في اللغة العربية أيش؟ الزوجات، المراد الزوجات. وأيضا (أنفسنا) كيف يعبر الرسول عليه الصلاة والسلام عن علي بن أبي طالب بنفسه ولا يعبر عن الحسن والحسين بنفسه، أيهما الأقرب؟ الحسن والحسين، حتى إن الحسن سماه الرسول ابنه فقال: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» .
ولهذا ظاهر الآية لا يطابق هذا التفسير، وقد زعم محمد رشيد رضا أن تفسيرها بالأربعة من تفسير الرافضة، وقال: إن الآية لا تنطبق عليها، لكن الحديث الوارد في ذلك يدل على أنها لها أصل، ولا شك أن آل البيت يدخل فيهم هؤلاء الأربعة، لا شك في هذا، لكن انطباقها على الآية في النفس منه شيء.
على كل حال المسألة انتهت، لكن ما المراد بالأنفس والأبناء والنساء؟
المراد أنهم يريدون أن يجمعوا جماعة معهم أبناؤهم ونساؤهم وأنفسهم، وهذا أعز ما يكون عند الإنسان في الدنيا، هذا أعز ما يكون؛ نفسه، أبناؤه، زوجاته، يحضرون ويحضِر الخصم أيضًا نفسه وأبناءه ونساءه.
قال: ثُمَّ نَبْتَهِلْأي نتضرع ونبالغ في الدعاء.
ثم فسر الابتهال بقوله: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ. وهذا القول في أن نَبْتَهِلْيعني نتضرع ونلح في الدعاء أصح من القول بأن معنى نَبْتَهِلْ: نلتعن؛ لأننا إذا فسرنا نَبْتَهِلْبنلتعن لم نكسب معنى جديدًا عند قوله: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ، تكون الثانية بالنسبة للأولى مكررة، وإذا قلنا: نَبْتَهِلْنتضرع بالدعاء ونلح؛ استفدنا زيادة معنى، وهو المبالغة في التضرع والإلحاح.
ولهذا يقال: ابتهل إلى الله في الدعاء، ولا يفهم المخاطب إلا أن المعنى: تضرع وألح في الدعاء الصالح. ولا يمكن أن يكون المراد نَبْتَهِلْالدعاء السيئ إلا إذا قرن بما يدل عليه. واضح يا جماعة؟
تقول: هذا الرجل ابتهل إلى الله في الدعاء، يعني دعا بالصالح لكن ألح، فالصواب أن معنى نَبْتَهِلْيعني نتضرع ونلح في الدعاء.
فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَنجعل معطوفة على نَدْعُ؛ لأنه مر علينا قاعدة: أنه إذا تكررت المعطوفات فالعطف على الأول؛ لأن المعطوف فرع، والمعطوف عليه هو الأصل، والمعطوف عليه هو الأول.
فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ، لَعْنَتَ اللَّهِأي طرده وإبعاده عن الرحمة.
عَلَى الْكَاذِبِينَالكاذبين منا أو منكم، وهذا عدل وإنصاف؛ لأن الله يعلم من الكاذب، فإذا جعلنا لعنة الله على الكاذبين فمن كان كاذبا فعليه اللعنة.
ولكن ما الشأن أو ما الحكمة في إحضار الأبناء والزوجات؟
الحكمة في ذلك أنه إذا كان الالتعان فاللعنة تشمل الجميع، اللعنة تشمل الجميع، ولهذا لما دعاهم الرسول عليه الصلاة والسلام إلى المباهلة، دعا وفد نجران إلى المباهلة ، امتنعوا، قالوا: ننظر ثم تشاوروا فيما بينهم، ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الغد وقالوا: ما نلاعن، ما نلتعن، لأيش؟ لأنهم قالوا: لو أننا التعنا ورجعنا إلى أهلينا ما وجدناهم، فلا نلتعن. يعرفون أن النبي صلى الله عليه وسلم على حق وأنهم على باطل.
وقوله: عَلَى الْكَاذِبِينَالكاذب: القائل بغير الصدق، هذا الكاذب، من قال بغير الصدق فهو كاذب.
في هذه الآية الكريمة: إثبات أن ما جاء النبي صلى الله عليه وسلم حق، وجه ذلك أن الله أمر بأن يلتعن مع هؤلاء.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا تجوز المباهلة إلا بعلم، بأن يكون عند الإنسان علم يقيني، أما إذا كان شاكًّا فلا يجوز، فلا بد أن يكون عنده علم؛ لقوله: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ.
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز طلب المباهلة عند عناد الخصم؛ لقوله: فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَاإلى آخره.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من آداب الالتعان إحضار النساء والأبناء؛ لأن ذلك أشد خوفًا بالنسبة للمباهل، يخاف أن يعم الهلاك جميع هؤلاء.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: جواز الدعاء باللعنة على من خالف الحق، لكن بالوصف، لا بالشخص، كيف قلنا بالوصف؟ لأن الكاذبين وصف، أما الشخص فلا يجوز الدعاء عليه باللعن ولو كان كافرًا، الشخص لا يجوز أن تلعنه ولو كان كافرًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما لعن أبا جهل وغيره من طغاة قريش نهاه الله عن ذلك، وقال: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران: ١٢٨] .
ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المباهلة، لكن اشترط العلماء للمباهلة شرطين:
الشرط الأول: العلم.
والشرط الثاني: أن تكون في أمر هام.
أما الأمور التي ليست بهامة فلا ينبغي للإنسان أن يعرض نفسه للخطر.
هل يستفاد من الآية الكريمة جواز انغمار الشخص في العدو في باب المقاتلة؟ أنه ينغمر في العدو ويغرر بنفسه؛ لأن هذا الإنسان الذي علم أن الحق معه وجاز أن يلتعن كأنما دخل في أمر يكون سببًا لهلاكه، نعم، فلما كان على الحق وأجزنا له أن يدخل في هذا الأمر الذي يُخشى أن يكون كاذبا فتنطبق عليه اللعنة، نعم، ربما يؤخذ لكنه مأخذ بعيد.
طالب: نأخذ بالنسبة لأي واحد سمع بنسبة في العلم أن يبلغ أهله؟
الشيخ: نعم؟ أيش؟ نأخذ من الآية.
الطالب: يعني ندعو نساءنا.
الشيخ: يقول: يؤخذ من الآية أنه ينبغي للإنسان أن يعلِّم أهله؛ أبناءه ونساءه؟
الطلبة: ما يؤخذ.
الشيخ: ما يؤخذ.
طالب: الاستعانة.
الشيخ: إي يعني نجيبهم نحن، نجيبهم عند الالتعان.
طالب: شيخ، ما علل (...) ما عندهم علم؟
الشيخ: إي يجون وهم ما عندهم علم.
طالب: شيخ، صحيح ما قاله صاحب القاموس أن ابتهل يشمل اللعن والاجتهاد في الدعاء جميعًا؟
الشيخ: لا، الصواب الثاني فقط.
الطالب: يشمل الاجتهاد في الدعاء فقط.
الشيخ: إي نعم.
طالب: بين المسلمين المباهلة هل جائزة ولّا لا؟
الشيخ: جائزة في الأمور المتيقنة، ولهذا دعا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما إلى المباهلة في مسألة الفرائض المعروفة .
طالب: إذا كان مثلا الملاعنين مثلا في أهل يعني صاحب الباطل من أهله من هم أصحاب حق.
الشيخ: كيف؟
طالب: من أهل صاحب الباطل الذين هم (...) أهل الخصم الذي على الباطل من أهله هم أصحاب حق يعني هم يتابعون هذا صاحب الحق لو باهلوا مثلا ونزلت اللعنة هل تعمهم؟
الشيخ: (...) إذا كانوا على حق وقالوا: والله نحن ما نيجي نباهل لأن ذلك على حق، ما يجون.
الطالب: يخشون من صاحبهم.
الشيخ: لا، لا يخشوا، تقول: لا، ولهذا لما تشاور وفد نجران بعضهم مع بعض قالوا: ما يمكن، بعضهم همّ (...) الآخرين.
طالب: في تعريف الكاذب لو أضفنا كلمة (حقيقةً)؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: لو أضفنا كلمة (حقيقة): (القائل بغير صدق حقيقة) فيخرج التورية؟
الشيخ: لا ما حاجة؛ لأن التورية يطلق عليها كذب؛ كما في حديث أَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَذَبَ ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ .
طالب: يجوز لعن الشخص بعينه ولّا ما يجوز لعنه؟
الشيخ: يمكن يجوز إذا مات على الكفر، مع أنه قد يقال: إنه لا يجوز لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوُا إِلَى مَا قَدَّمُوا» . والأحسن تركه.
طالب: أحسن الله إليك، طيب إذا أنا عينت شخص كافر وقلت: عليه من الله ما يستحق؟
الشيخ: اللهم اهده، أخصر وأنفع.
الطالب: طيب مات؟
الشيخ: مات يأخذ ما يستحق، لو ما دعوت.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٢ - ٦٤]
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ.
قوله تعالى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّهذه الجملة كما ترون مؤكدة.
طالب: الفوائد؟
الشيخ: نعم؟
الطلبة: الفوائد؟
الشيخ: أيش الفوائد؟
طالب: آية المباهلة، كنا سيبنا الفوائد.
الشيخ: طيب آية المباهلة، اقرأهم علي.
طالب: الأولى: إثبات أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حق، وجه ذلك أن الله أمره أن يلتعن مع هؤلاء.
الثانية: أنه لا تجوز المباهلة إلا بعلم يقيني، أما إذا كان الإنسان شاكا فلا يجوز له؛ لقوله: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ.
الثالثة: جواز طلب المباهلة عند عناد الخصم، لقوله تعالى.
الرابعة: أن من آداب الالتعان إحضار النساء والأولاد؛ لأن ذلك أشد خوفا بالنسبة للمباهلة.
الخامسة: جواز الدعاء باللعنة على من خالف الحق، لكن بالوصف لا بالشخص؛ لأن الكاذبين وصف أما الشخص فلا يجوز الدعاء عليه باللعن ولو كان كافرا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم لعن أبا جهل وغيره من طغاة قريش نهاه الله عن ذلك .
السادسة: جواز المباهلة، لكن اشترط العلماء لجواز المباهلة شرطين، الشرط الأول: العلم، والثاني: أن تكون في أمر هام، أما الأمور التي ليست بهامة فلا ينبغي للإنسان أن يعرض نفسه للخطر.
السابعة: هل يستفاد من الآية الكريمة جواز انغمار الشخص في العدو في باب المقاتلة؟ لأن هذا الإنسان الذي علم أن الحق معه وجاز أن يلتعن في أمر يكون سببا لهلاكه، فلما كان على حق وأجزنا له أن يدخل في هذا الأمر لأنه يُخشى أن يكون كاذبا فتنطبق عليه اللعنة. ربما يؤخذ لكن مأخذه بعيد.
تفسير الآية (62)
00:17:54
الشيخ: قال الله تعالى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّهذه الجملة كما ترون مؤكدة بمؤكدين: المؤكد الأول: (إن)؛ لأن (إن) للتوكيد، والمؤكد الثاني: اللام، والمؤكد الثالث: (هو)؛ لأن (هو) ضمير فصل، وضمير الفصل له ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: الحصر، والثانية: التوكيد، والثالثة: الفرق بين الصفة والخبر.
ويتضح ذلك بالمثال، فإذا قلت: زيد هو الفاضل، فهنا هو ضمير فصل. أفادت هذه الفوائد الثلاث، أفادت الحصر، حصر الفضل في زيد، زيد هو الفاضل، وأفادت التوكيد؛ لأن قولك: زيد الفاضل دون قولك: زيد هو الفاضل، في توكيد أفضليته، الثالث: الفصل بين الصفة والخبر، بأنك لو قلت: زيد الفاضل لتشوَّف المخاطب إلى خبر، طيب زيد الفاضل ويش حاله؟ فإذا قلت: زيد هو الفاضل، عُلم أن كلمة الفاضل أيش؟ هي الخبر.
هنا لو كان في غير القرآن وقيل: هذا القصص الحق، استقام الكلام، ولكن يفوت في الكلام أيش؟ هذه المؤكدات الثلاثة.
وقوله عز وجل: إِنَّ هَذَاالمشار إليه ما ذكره الله تعالى في شأن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، وتعرفون أن الله تعالى تحدث عن عيسى ابن مريم في هذه الآيات حديثًا مسهبًا طويلا عنه وعن أمه.
وقوله: لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّالقصص مصدر قص يقص قصًّا وقَصصًا، لكنه هنا يحتمل أن يكون مصدرًا بمعنى الفعل، ويحتمل أن يكون مصدرًا بمعنى اسم المفعول، أي: إن هذا لهو المقصوص الحق. وسواء قلنا بهذا أو بهذا فالمؤدى واحد، فإن هذا القصص الحق.
والحق هنا صفة للقصص، والحق إن قيل في مقابلة الحكم فهو بمعنى العدل، وإن قيل في مقابلة الخبر فهو بمعنى الصدق؛ لقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥] فإذا قيل لك: حكَم القاضي على فلان لفلان بكذا، فقلت: هذا حكمٌ حق، فالمعنى عدل، وإذا قيل لك: أخبَرنا فلان بكذا، فقلت: هذا حق، أي صدق، فالحق إن كان في مقابلة الحكم فهو بمعنى العدل، وإن كان في مقابلة الخبر فهو بمعنى الصدق، هنا هل هو بمعنى الخبر؟ يعني هل هو في مقابل الخبر أو في مقابل الحكم؟ الخبر؛ لأن القصص خبر كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ [طه: ٩٩].
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّأي الصدق الذي لا يخالف الواقع، بل يطابقه تمام المطابقة، فما قاله النصارى في عيسى ابن مريم مما خرج عن خبر الله عنه فهو كذب باطل.
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّثم قال تعالى: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُهذه الجملة كما ترون أيضًا فيها حصر وفيها توكيد؛ أما الحصر فطريقه النفي والإثبات، النفي في قوله: مَا، والإثبات في قوله: إِلَّا، وأما التوكيد ففي قوله: مِنْ إِلَهٍ؛ لأن (من) حرف جر زائد من حيث الإعراب، لكنه يزيد المعنى، هو زائد من حيث الإعراب لكنه يزيد المعنى، ماذا يزيد المعنى؟ يزيد المعنى توكيدًا.
ولهذا نقول: إن الحروف الزائدة في القرآن الكريمة هي زائدة زائدة، زائدة من حيث الإعراب، زائدة من حيث المعنى؛ أي أنها تفيد معنى زائدًا على ما لو لم تكن موجودة
وقوله: مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ، إله بمعنى مألوه، والمألوه هو المعبود محبة وتعظيمًا، ولا يصدُق هذا حقًّا إلا على الله عز وجل.
وكلمة (إله) هنا على وزن فِعَال، ولكنها بمعنى مفعول، والكلمة هذه -أعني (إله) بمعنى مألوه أو فِعال بمعنى المفعول- كثيرة في اللغة العربية كالغراس والبناء والفراش والوطاء وما أشبه ذلك، غراس مغروس، وبناء بمعنى مبني، فراش بمعنى مفروش، إله بمعنى مألوه.
فما معنى مألوه؟ قلنا: هو المعبود محبة وتعظيمًا، هذا المألوه.
وقوله: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ، (إلا) هذه أداة استثناء، والجملة التي قبلها فيها شيء محذوف تقديره: وما من إله حق إلا الله، وعلى هذا فنعرب كلمة اللَّهُبدل من الخبر محذوف الذي تقديره: وما من إله حق إلا الله. إِلَّا اللَّهُيعني خالق السماوات والأرض عز وجل، فعيسى ليس بإله، وأمه ليست بإله، وجبريل ليس بإله، وميكائيل ليس بإله، ولا أحد يستحق هذا الوصف إلا خالق السماوات والأرض عز وجل، ولهذا قال: مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ.
هذه الجملة مؤكدة ولّا غير مؤكدة؟
طلبة: مؤكدة.
الشيخ: بماذا؟ بمن الزائدة، وفيها حصر وطريقه النفي والإثبات.
وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُكلمة اللَّهُهي علم خاص بالرب عز وجل، لا يسمَّى به غيره، ولا يوصف به غيره، وهو في الأصل (إله)، لكن لكثرة الاستعمال حذفوا الهمزة وقالوا: الله، كما حذفوا الهمزة في قولهم: الناس، وأصله (أناس)، وكما حذفوها في كلمة: خير وشر، (فلان خير من فلان) أي أخير منه، لكن لكثرة الاستعمال حذفوا الهمزة، وكذلك (شر)، أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا [المائدة: ٦٠] أصلها (أشر)، لكن حُذفت الهمزة لكثرة الاستعمال.
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُهذه الجملة كما ترون أيضًا مؤكدة بمؤكدات.
طالب: (إن) واللام وضمير الفصل.
الشيخ: أحسنت، يعني بمؤكدات ثلاثة: إن واللام وضمير الفصل.
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُففيها توكيد بثلاث أدوات: إن واللام، والثالث ضمير الفصل، وكما قلنا آنفا: إن ضمير الفصل يفيد الحصر، فيكون: لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُيعني لا غيره، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَلا غيره الْعَزِيزُ الْحَكِيمُالعزيز من أسماء الله سبحانه وتعالى، فله العزة جميعا، فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا [فاطر: ١٠]
والعزة قال العلماء: إنها ذات ثلاثة معانٍ: عزة بمعنى القدر، وعزة بمعنى القهر والغلبة، والثالث: عزة بمعنى الامتناع.
العزة بمعنى القدر: يعني أنه عز وجل ذو قدر عظيم، لا يقدره إلا الله عز وجل، ومنه قول القائل: فلان عزيز عليّ، يعني: ذو قدر عندي، له قدر عندي، فالله تعالى عزيز بمعنى: ذو قدر رفيع عظيم، هذه عزة أيش؟ القدر.
وعزة القهر: أي أنه عز وجل هو الغالب الذي لا يغلب، ومنه قوله تعالى: فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ [ص: ٢٣] أي غلبني في الخطاب، فهذه عزة الغلبة، ويقول الشاعر الأول:
| أَيْــــنَ الْمَفَــــرُّ وَالإِلَــــهُ الطَّالِــــــــــــب | وَالأَشْــــرَمُ المَغْلُــــوبُ لَيْــــسَ الْغَالِــــب |
الثالث: عزة الامتناع: عزة الامتناع أي أنه ممتنع عن أن يناله سوء، ومنه قولهم: أرض عزاز؛ لقوتها وصلابتها، فعلى هذا تكون العزة لها ثلاثة معانٍ، المعنى الأول؟
طالب: عزة الامتناع.
الشيخ: يعني؟
الطالب: يعني: ذو.
الشيخ: لا، عزة الامتناع ما هي: ذو.
طالب: الأول قلنا: القدر.
الشيخ: عزة قدر، والثاني؟
الطالب: القهر
الشيخ: والثالث؟ عزة أيش؟
طالب: الغلبة.
الشيخ: القدر والقهر؟
طالب: الغلبة.
الشيخ: لا، القهر هو الغلبة.
طالب: امتناع.
الشيخ: عزة الامتناع، طيب عزة القدر؟
طالب: مثل أن يقول القائل.
الشيخ: لا، مش معناها.
الطالب: إن الله عز وجل ذو قدر علي.
الشيخ: نعم ذو قدر علي ورفيع. ومنه قول القائل؟
الطالب: قول القائل: فلان عزيز علي.
الشيخ: نعم، الثاني: عزة القهر، ويش معناه؟
طالب: أي عزيز.
الشيخ: إي ويش معناها؟
الطالب: أي الغلبة.
الشيخ: أي الغالب، ومنه قوله تعالى؟
الطالب: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ [يوسف: ٢١].
الشيخ: نعم.
الطالب: فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ.
الشيخ: فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِأي غلبني.
طيب الثالث؟
طالب: الامتناع، أي أن الله ممتنع أن يناله سوء.
الشيخ: أي أن الله ممتنع أن يناله سوء، ومنه قولهم؟
الطالب: أرض عزاز.
الشيخ: أرض عزاز، الأرض الصلبة التي لا تؤثر فيها المعاول.
لما قال المنافقون: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المنافقون: ٨] سلم الله لهم ذلك قال: نعم يخرج الأعز الأذل، لكن من هو الأعز؟
الطلبة: الله ورسوله.
الشيخ: قال: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [المنافقون: ٨].
يقول الله عز وجل: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
(الحكيم) مشتقة من الحكم والإحكام، وكل عزيز إذا اقترن في عزته الحكمة والحكم كملت عزته؛ وذلك لأن العزيز إذا غلب ولم يكن له حكمة أداه غلبته إلى الطيش، تؤديه غلبته إلى الطيش وعدم ضبط النفس، فإذا اجتمعت العزة والحكمة كمل الموصوف بهما.
أقول: (الحكيم) من الحكم والإحكام، فهو سبحانه وتعالى الحاكم ولا حاكم غيره، وهو المحكِم، أي المتقن لما حكم به، سواء كان الحكم كونيًّا أو شرعيًّا.
والإحكام الذي بمعنى الإتقان هو وضع الشيء في موضعه اللائق به، بحيث لا يقال: إن هذا غير لائق أو غير موافق، بل يكون موافقًا، مطابقًا لما تقتضيه المصلحة، إذن (الحكيم) مشتق من الحكم والإحكام.
ثم نقول: الحكم نوعان: حكم كوني وحكم شرعي، فالحكم الكوني ما قضى به الله قدرًا، والحكم الشرعي ما قضى به شرعًا، انتبه: الحكم الكوني ما قضى به قدرًا، والشرعي ما قضى به شرعًا.
والفرق بينهما ظاهر: الحكم الشرعي يتعلق فيما يحبه الله عز وجل فعلا أو تركًا، فإن نهى عن شيء فهو يحب تركه، وإن أمر بشيء فهو يحب فعله، ويمكن أن يتخلف الحكم الذي حكم الله به؛ هذا الحكم الشرعي.
الحكم الكوني يتعلق فيما يحبه وما لا يحبه، ولا يمكن أن يتخلف، لا بد أن يكون.
الفرق بينهما إذن: الحكم الكوني لا بد أن يقع، والحكم الشرعي يمكن أن يقع ويمكن ألا يقع. الثاني: أن الشرعي يتعلق فيما يحبه، والكوني يتعلق فيما يحب وما لا يحب.
يتضح هذا بالمثال: فإذا قال الله تعالى: لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا [الإسراء: ٣٢] هذا حكم شرعي، هل يمكن أن يقع من الموجه إليهم الخطاب ألا يزنوا؟ أو قد يزنون وقد لا يزنون؟
قد يزنون وقد لا يزنون، ولهذا نقول في قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣] القضاء هنا شرعي؛ لأننا نرى كثيرًا من الناس، بل أكثر الناس لم يعبدوا الله، بل عبدوا غيره، أو لم يعبدوا أحدًا، فالقضاء هنا شرعي.
ثانيا: هل يقضي الله بما لا يحب شرعا؟ لا، لا يقضي إلا بما يحب، فإن كان ما يحبه تركًا جاء بصيغة النهي، وإن كان ما يحبه فعلا جاء بصيغة الأمر يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد: ٣٣] طاعة الله ورسوله محبوبة إلى الله، عدم إبطال الأعمال، أيش؟ محبوب إلى الله، الأول أمر والثاني نهي.
اعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء: ٣٦] نفس الشيء، اعْبُدُواأمر لَا تُشْرِكُوانهي، فالشرك محبوب إلى الله تركه، والعبادة محبوب إلى الله فعلها، عبادة الله.
القضاء الكوني قلنا: يكون فيما يحبه الله وما لا يحبه، ولا بد من وقوعه، قال الله تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء: ٤]، هذا القضاء كوني ولّا شرعي؟ كوني، لا يمكن أن يكون شرعًا؛ لأن الله لا يحب الفساد ولا يحب المفسدين، لكنه كوني، وقع ولّا ما وقع؟ وقع نعم فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَاإلى آخر الآيات [الإسراء: ٥].
وبعضهم يقول: إن المرة الثانية لم تقع، والله أعلم.
على كل حال القضاء الكوني يكون فيما يحب وما لا يحب، ولا بد من وقوع المقضي، ما يمكن أحد يتخلف عنه.
قال الله تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ [سبأ: ١٤] كوني ولّا شرعي؟ هذا كوني.
الحكم يكون كونيًّا ويكون شرعيًّا، ما هو الكوني؟ ما قضاه الله تعالى قدرًا، والشرعي ما قضاه شرعًا وجاءت به الرسل.
الحكم الكوني والشرعي كلاهما مقرون بالحكمة؛ لأن الله حاكم أيش؟ محكم، فلا يمكن أن يكون حكمه إلا على وفق الحكمة.
والحكمة إما في الصورة والهيئة، وإما في الغاية، وكلاهما أيضًا موجود في الشرع والقدر، يعني شرعًا وكونًا، فالمخلوقات وجودها على هذا الوصف والهيئة التي هي عليه الآن موافق للحكمة، ولّا لا؟ موافق، يعني لو تفكر في الكليات والجزئيات، فكر في الإنسان كونه على هذا الوصف لا شك أنه موافق للحكمة، ثم فكر في أجزائه الصغيرة والكبيرة تجدها كلها موافقة للحكمة.
الشرع نجده أيضا موافقا للحكمة، إن نظرت إلى الصلاة وإذا هي في غاية الحكمة، روضة من رياض العبادات، قيام وقعود وركوع وسجود، قراءة، تسبيح، تعظيم، دعاء، روضة فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق: ٧].
وإن نظرت إلى الزكاة فكذلك، الصيام، الحج، كل العبادات تجد أنها مطابقة لأيش؟ للحكمة في الهيئة التي هي عليها، ثم الغاية، الغاية من هذا الخلق أو من هذا الشرع لا شك أنه غاية حميدة يحمد الله عز وجل عليها وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الدخان: ٣٨، ٣٩] فالغاية من خلق السماوات والأرض غاية حميدة، والغاية من الشرع غاية حميدة، لا صلاح للعباد إلا بالشرع الذي يشرعه الله لهم.
حينئذ نقول: بناء على ذلك يتبين أن القول في (الحكيم) يتضمن أربع حالات: حكم كوني وحكمة صورية وغائية، حكم شرعي وحكمة صورية وغائية، فالأقسام أربعة، كلها مأخوذة من قوله: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
ففي هذه الآية الكريمة من الفوائد: تأكيد أن ما أخبر الله به عن عيسى ابن مريم هو الحق.
ويتفرع على هذه القاعدة: أن كل ما خالفه مما تكلمت فيه النصارى في شأن عيسى فهو كذب باطل لا يوافق الواقع.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من بلاغة الكلام أن يكون مطابقا للواقع، أو موافقًا لمقتضى الحال. من بلاغة الكلام أن يكون موافقًا لمقتضى الحال، وجه ذلك: أن هذه الجملة: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّأكدت بثلاثة مؤكدات؛ لأن المقام يقتضي هذا؛ إذ إن دعاية النصارى قوية لا يبطلها إلا كلام مؤكد إما باللفظ وإما بالحال، يعني إما بالمقال وإما بالحال، وهكذا ينبغي لكل إنسان يتكلم بكلام أن تقتضي الحال أن يكون مؤكدًا، فإن البلاغة أو مقتضى البلاغة أن يؤكده.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن القصص قد يكون حقًّا وقد يكون باطلا، القصص من حيث هو، بقطع النظر عن القاص، قد يكون حقًّا وقد يكون باطلا كذبًا، من أين يؤخذ؟
من وصف القصص بالحق؛ لأن الأصل في الصفة أن تكون مخرِجة لما عدا الموصوف، هذا الأصل، ولهذا لو جاءت صفة غير مخرجة لما عد الموصوف يسمونها صفة كاشفة، لا مانعة.
إذن نقول: الْقَصَصُ الْحَقُّالأصل أن الْحَقُّصفة أيش؟ مانعة ولّا كاشفة؟ مانعة، يعني تمنع ما سواها، وعلى هذا فتكون الأخبار فيها كذب وفيها صدق من حيث هي خبر، وإنما قيدنا ذلك بقولنا: (من حيث هي خبر) ليخرج بذلك خبر من؟ خبر الله ورسوله؛ فإنه لا يحتمل الكذب بوجه من الوجوه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا إله في الوجود إلا الله، ولكن المراد: لا إله حق، ويتعين أن يكون ذلك هو المراد، لماذا؟ لأن هناك آلهة موجودة تعبد من دون الله، وتسمى آلهة، وينكر حصر الآلهة بواحد، قالت قريش في مخاطبتها للنبي عليه الصلاة والسلام: وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص: ٤، ٥]، الله أكبر، العجاب أن تكون الآلهة إلهًا واحدًا، أو أن تكون الآلهة متعددة؟
الثاني، هذا العجاب، أما أن يكون الإله واحدًا، فهذا هو الصواب، لكن هم مكابرون.
على كل حال لا يوجد في الكون إله حق -يجب أن نقيد هذا- إله حق سوى من؟ سوى الله عز وجل، أما الآلهة الباطلة فهي آلهة باطلة، وإن سميت آلهة فهي كما قال الله تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم: ٢٣]
ومن فوائد الآية الكريمة: أن سلامة العقيدة فيها الراحة التامة؛ لأنك إذا سلِمت عقيدتك وآمنت بأنه ما من إله إلا الله، فإنك لن تتجه إلى من سوى الله، ولا شك أن هذا راحة، انحصار الهدف والمقصود من أكبر أسباب راحة الإنسان، إذا تعددت الأهداف والمقاصد تبلبل الإنسان، ولهذا يذكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: مَن بُورِكَ له في شيءٍ فلْيلزمْهُ .
أي شيء بارك لك فيه وتشوف إنك مطمئن فيه، سيارة، بيت، زوجة، صاحب، أي شيء فالزمه، فإنه خير من أن تتنقل، بعض الناس يقول: والله بقرأ اليوم بزاد المستقنع، وباكر المنتهى، بعده الإقناع، بعده المهذب، بعده المدونة لمالك، كل يوم له كتاب، هذا يروح عليه الوقت ما هيزيد شيء، لماذا؟ لأن الهدف لم يتحد، هؤلاء المشركون أيضا هذا يعبد اللات، إذا لم تنفع راح للعزى، إذا لم تنفع لمناة، إذا لم تنفع مناصب، أحجار ثلاثة يجعلها للقدر، وواحد الرابع يجعله إلهًا يعبده، إذا لم ينفع عجن عبيطًا من التمر وجعله إلهًا، إذا لم ينفع راح إلى الشمس والقمر. على كل حال إذا كانت العقيدة السليمة بأن لا يتجه الإنسان إلا إلى الله ولا يعبد إلا الله فإنه يجد الراحة التامة، ولهذا قال: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ.
وفي هذا رد على النصارى الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، لأنه قال: مَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ. والعجيب أن من سفه النصارى وضلالهم يقولون: الآلهة ثلاثة لكنها واحد، كيف ثلاثة وواحد؟ هل يمكن الثلاثة واحد؟ إذا جعلت الثلاثة واحدا صار ثلثا، صاروا: إله ثلث، وإله ثان ثلث، وإله ثالث ثلث، أما أن يكون كل واحد مستقلا ثم تقول: هم واحد فهذا مكابرة للمعقول.
إذن في الآية الكريمة وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُرد على من؟ على النصارى الذين يقولون: إن المسيح عيسى ابن مريم إله.
وفي الآية الكريمة من الفوائد: إثبات العزة، بل تمام العزة لله؛ لقوله: لَهُوَ الْعَزِيزُو(أل) هنا تفيد الاستغراق، أي جميع أنواع العزة ثابتة لله سبحانه وتعالى.
وفيها: إثبات الحكمة لله في قوله: الْحَكِيمُوإثبات الحكم أيضًا.
فيتفرع على هذا: أنه لا حاكم إلا الله، الحكومة السلطانية القدرية والحكومة الشرعية هي لله وحده، فمن سيطر على الخلق بالحكم السلطاني ولم يراقب الرب فقد شارك الله، أو فقد جعل نفسه شريكا مع الله في هذا الحكم، ومن شرع للناس قوانين مخالفًا لشرعه فقد جعل نفسه شريكًا مع الله، واتخذ لنفسه منصبًا لا يستحقه، لأن الذي يشرع ويحكم هو الله عز وجل، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَلا سواه الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
ويتفرع على هذا أيضًا: أن واجبنا نحو أحكام الله الكونية والشرعية التسليم والرضا والقناعة، وألا نطلب سواها؛ لأننا نعلم أنها مبنية على أيش؟ على الحكمة، مبنية على الحكمة، ولهذا كان السلف الصالح رضي الله عنهم إذا قضى الله، بل كل مؤمن ما هو السلف الصالح فقط، كل مؤمن إذا قضى الله ورسوله أمرًا لم يكن لهم الخيرة من أمرهم، حتى إنهم يجيبون إذا سئلوا عن الحكمة يجيبون بقال الله وقال رسوله، عائشة لما سألتها المرأة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة .
والمؤمن حقًّا العابد حقًّا هو الذي يقتنع بما لا يعرف حكمته كما يقتنع بما يعرف حكمته، هذا المؤمن حقًّا، أما لا يقتنع بحكم الله إلا إذا عرف حكمته فهو في الحقيقة ليس عابدًا لله على وجه الكمال، بل عابد لهواه، إن تبينت له الحكمة يقتنع وإن لم تتبين لم يقتنع.
ولهذا نرى أن في إيجاب رمي الجمرات، وهي الحصا في مكان معين، نرى أن فيها مع إقامة ذكر الله عز وجل الذي نص عليه الرسول صلى الله عليه وسلم أيش؟ تمام العبودية وكمالها؛ لأن كون الإنسان يحمل حصا يرميها في مكان معين تعبدًا لله هذا من كمال العبودية، كون الإنسان مثلا يصلي أو يتجنب الزنا خوفًا من الله ورجاء لثوابه في الصلاة واضح الحكمة فيه، لكن كونه يرمي حصيات في مكان معين قد لا تتضح الحكمة لولا أن الرسول أخبرنا بأنها لإقامة ذكر الله، وفيها تمام العبودية.
فالمهم أنك متى آمنت بأن الله له الحكمة في حكمه الكوني والشرعي؛ ازددت قناعة ورضا بما حكم به، أما الحكم الكوني فسينفذ عليك رضيت أو ما رضيت، لكن الشأن كل الشأن في الحكم الشرعي، هو الذي باختيارك، أما الكوني فليس باختيارك، سيكون عليك مهما كان الأمر.
طالب: شيخ، اليهود الرد عليهم لما قالوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: ٣٠] جعلوه إلها ثانيا؟
الشيخ: لا، ما هو بصريح هذا، ما هو بصريح بالألوهية؛ لأن البنوة دون مرتبة الأبوة، لكن النصارى صرحوا بهذا، ولهذا يقول الله لعيسى ابن مريم: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: ١١٦].
طالب: شيخ، ما الفرق بين قولنا: هيئة وصورة؟
الشيخ: الهيئة قد تكون في الأفعال والأقوال، والصورة قد تكون في الأجسام.
طالب: الشكل.
الشيخ: شكل الجسم.
طالب: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ [آل عمران: ٦٢] (...) بالحق (...) الإرادة.
الشيخ: لا.
الطالب: نؤكد الفصل.
الشيخ: لا، هذا مستفاد من اللفظ، من قال تأكيد! إذا قلت: هذا حق هل فيه توكيد؟ الجملة ما فيها تأكيد، الجملة نفسها ما فيها تأكيد، لكن الحق مفهوم من المعنى.
طالب: أحسن الله إليك، إذا قيل للنصارى: كيف تقولون: إن الله ثالث ثلاثة والثلاثة إله واحد؟ قالوا: نحن لا نأخذ بهذا التفاصيل وإنما نؤمن فقط.
الشيخ: طيب تؤمن بما لا حقيقة له؟
الطالب: يقول: هذا مجهول ما نقدر نسأل، نؤمن بما جاء.
الشيخ: لكن هذا من ضلالك أن تؤمن بأن ثلاثة صاروا شيئا واحدا، هذا من ضلالك، هو لو قال: إنه صفات قلنا: نعم، يمكن أن يتصف مثلا بألف صفة، لكن هم يقولون: ذوات أعيان، عيسى وأمه والرب عز وجل، صاروا واحدا، كيف يصيرون واحدا؟!
طالب: ينبغي للإنسان أن يبحث عن الحكمة في الأشياء التي لم يرد في الشرع حكمتها، للاطمئنان؟
الشيخ: على كل حال البحث في الحكمة للاسترشاد هذا لا بأس به، البحث عن الحكمة للاسترشاد لا بأس به، ولهذا لما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام النساء بأنهن أكثر أهل النار قلن: بم يا رسول الله؟ علمنا ويش الحكمة، قال: «لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ» ، فالذي يسأل عن الحكمة للاطمئنان لا شك أنه لا بأس به، لكن يسأل الحكمة ليقول: إن علمت بالحكمة وإلا فلا قبول، هذا ما صار مؤمنًا.
طالب: قلنا يا شيخ: الحكم كوني وشرعي، والحكم الكوني ما يحبه الله وما لا يحبه، والشرعي فيما يحبه، ما يصير فيما لا يحبه، قال: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا [الإسراء: ٣٢]..
الشيخ: الحكم ما هو الآن؟
الطالب: لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا.
الشيخ: نهي.
الطالب: لكن الزنا ما هو..
الشيخ: إي مكروه ولكن نحن قلنا: المحبوب إلى الله إما فعل وإلا ترك، إن كان تركا فهو منهي عنه، إن كان فعلا فهو مأمور به
الطالب: يعني شرعي بس فيما يحب الله؟
الشيخ: فيما يحب الله، لكن إن الله قد يحب الترك فينهانا وقد يحب الفعل فيأمرنا.
طالب: شيخ، بالنسبة للمؤكدات يا شيخ في القرآن، يعني القرآن يعني يصدق الإنسان القرآن ولو بغير مؤكدات، الحكمة..
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟
طالب: رديت عليه.
الشيخ: نعم
الطالب: إجابة على القصص..
الشيخ: يقول الأخ: إذا كنا نصدق بالقرآن سواء أكد أو ما أكد ويش الفائدة من التوكيد؟
طالب: الرد.
الشيخ: الرد، ما كل أحد يصدق بالقرآن، لكن قد يقول: إذا كان غير مصدق ما هو مصدق سواء أكد ولّا ما أكد، نقول: هذا غير صحيح غير وارد.
أولا: لأن القرآن جرى على أسلوب العرب، والثاني: أن الشيء المؤكد لا بد أن تقتنع به النفوس أكثر حتى لو كانت مؤمنة، لا بد أن تقتنع أكثر.
طالب: عندنا أهل نجد يا شيخ يسمون عبد العزيز، عُزَيِّز، بعضهم يسميه: عَزِيز؟
الشيخ: نعم.
طلبة: عَزُّوز.
الشيخ: السؤال ويش عنه الآن؟
الطالب: أن صفة العزة يعني من الإنسان.
الشيخ: المؤمنون لهم عزة، والرسول له عزة، والإنسان اللي يقول: عزيز يسمي ابنه: عزيز مثل الذي سمى ابنه: حكيم في عهد الرسول الله صلى الله عليه وسلم، في الصحابة من اسمه حكيم، وحكيم قرينة عزيز، يعني أن كلمة عزيز لا يقصد المسمي بها المعنى الذي اشتقت منه، وإنما يقصد بها مجرد العَلم فقط، ولهذا نقول: ليس فيها شيء.
طالب: شيخ، تكلمنا عن الحكم الشرعي والحكم الكوني كل واحد منهما مقرون بالحكمة الصورية والحكمة الغائية، أيش الحكمة الصورية و...؟
الشيخ: يعني كون الشيء على هذا الوجه موافق للحكمة، يعني يكون مثلا الإنسان يمشي على رجليه موافق للحكمة لكن لو يمشي على رأسه؟ غير موافق للحكمة.
الطالب: والغاية؟
الشيخ: الغاية أن الله خلق الإنسان للعبادة...
***
طالب: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [آل عمران: ٦٣ - ٦٦].
تفسير الآية (63)
01:00:37
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
قال الله تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ.
قال: فَإِنْ تَوَلَّوْاالضمير يعود على هؤلاء النصارى الذين طلب منهم النبي صلى الله عليه وسلم المباهلة فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران: ٦١]، وسبق أنهم امتنعوا عن المباهلة؛ لأنهم يعلمون أنهم لو باهلوا لأخذهم العذاب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حق وهم على باطل
يقول الله عز وجل: فَإِنْ تَوَلَّوْايعني عن المباهلة وعن اتباعك يا محمد فإنما هم مفسدون، ولهذا قال: فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَولم يقل: عليم بهم، بل أظهر في موضع الإضمار.
الإظهار في موضع الإضمار له فوائد:
الفائدة الأولى: التسجيل أو انطباق الوصف في هذا المُظهَر على من يعود عليه، يعني أن هذا الوصف الذي جُعل في موضع الضمير ينطبق على مرجع الضمير، فكأنه قال: فإن تولوا فإن الله عليم بهم، لكن وصفهم بالفساد.
الفائدة الثانية: العموم؛ لأنه لو جاء الضمير هنا حسب السياق: فإن الله عليم بهم، اختص العلم بمن؟ بهم هم، فإذا قال: بِالْمُفْسِدِينَصار عامًّا فيهم وفي غيرهم.
الفائدة الثالثة: أن هذا الفعل الذي حصل من هؤلاء الذين جاء الإظهار في موضع الإضمار عنهم هو نوع من هذا الوصف الذي عُبر به في موضع الضمير، يعني أن فعلهم فساد، وهو التولي والإعراض عن دين الله.
ففي هذه الآية الكريمة، من فوائدها: تهديد من تولى عن دين الله عز وجل، ووجه ذلك قوله: فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ؛ لأن المقصود من ذكر علمه بهم تهديدهم، وأنه لا يخفى عليه حالهم وسيعاقبهم بما تقتضيه حالهم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن التولي عن دين الله فساد، كما قال الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: ٤١]
وهل التولي نفسه فساد أو أنه سبب للفساد؟
الجواب على هذا أن نقول: هو فساد وسبب للفساد. ووجه كونه فسادًا أنه إذا تُولي عن دين الله حل محله ما سواه، ومعلوم أن دين الله صلاح وما سواه فساد، ولهذا نجد القوانين المحكَّمة في عباد الله لا تُصلح الخلق، لا يصلح الخلق منها إلا ما وافق الشرع، وأما ما خالف الشرع فإنه فساد، مهما كان واضع القوانين في الذكاء والفهم لأحوال الناس، فإنهم إذا وضعوا من القوانين ما يخالف شرع الله فإنه فساد بكل حال.
إذن نفس التولي فساد، ثم هو أيضا سبب للفساد؛ لأن الجدب والقحط وضيق الرزق والفتن كلها سببها المعاصي، قال الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١].
وقال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: ٩٦].
وقال الله تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: ١١٢].
إذن فالتولي عن دين الله أيش؟ فساد وسبب للفساد.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل من تولى عن دين الله فهو مفسد، وإن زعم أنه مصلح؛ لقوله: فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ.
ولهذا قال كثير من المفسرين في قوله تعالى: وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا [الأعراف: ٥٦]، قال: أي لا تفسدوها بالمعاصي.
فكل عاص فهو مفسد، شاء أم أبى، وكل مطيع لله فهو مصلِح؛ لأن بضدها تتبين الأشياء، فإذا كان العاصي مفسدًا فالطائع مصلحًا، لكن الطائع في الحقيقة قد يكون صالحًا بنفسه غير مصلح لغيره، وقد يكون صالحًا بنفسه مصلحًا لغيره، فإذا كان عابدًا داعيًا إلى الله صار صالحًا مصلحًا، وإذا كان عابدًا غير داعٍ لله صار صالحًا غير مصلح، لكنه ليس على وجه التمام في صلاحه؛ لأن من تمام الصلاح أن تدعو إلى الله عز وجل.
تفسير الآية (64)
01:07:16
ثم قال الله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ.
الخطاب في قوله: قُلْللرسول صلى الله عليه وسلم. وقد مر بنا قاعدة: أن الله تعالى إذا صدّر الشيء بـقُلْالموجه للرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يقتضي زيادة العناية به؛ لأنه أمرٌ بأن يبلغ هذا الشيء أيش؟ لخصوصه، وإلا فإن جميع فإن القرآن مأمور النبي عليه الصلاة والسلام أن يقوله.
قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِأهل الكتاب يعني بهم اليهود والنصارى، وعلى هذا فالمراد بالكتاب الجنس؛ ليكون شاملًا لأيش؟ ذكرت أن المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، وقلت: على هذا يكون الكتاب للجنس ليكون شاملا؟
طالب: اليهود والنصارى.
الشيخ: لا.
طالب: التوراة والإنجيل.
الشيخ: التوراة والإنجيل، فـيَا أَهْلَ الْكِتَابِيعني يا أهل التوراة والإنجيل، وإنما خاطب هؤلاء بأهل الكتاب، أو وصفهم بذلك لأنه لا يوجد كتب منزلة باقية آثارها إلا التوراة والإنجيل، ولهذا سموا أهل الكتاب، وإلا فإنه ما من رسول إلا ومعه كتاب يدعو به؛ كما قال الله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُيعني مع الرسل الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد: ٢٥] لكن الكتب التي بقيت وأثرت وإن كان فيها شيء من التغيير هي التي عند اليهود وعند النصارى.
يَا أَهْلَ الْكِتَابِمن المراد بهم؟ اليهود والنصارى.
هنا لو قال لنا قائل: أَهْلَ الْكِتَابِفسرها بمرادها وبلفظها؟
نقول: نفسرها بلفظها أي يا أصحاب الكتاب، يا من حُملتم الكتاب، هذا سماه: تفسير لفظي. التفسير المرادي يعني: مراد به من؟ اليهود والنصارى، فالتفسير اللفظي هو الذي تُفسر به الكلمة بقطع النظر عن المراد بها، والتفسير المرادي الذي هو مقصود الكلام هو من يُراد بالكلام.
تَعَالَوْايعني أقبلوا، و(تعال) فعل أمر، وليست اسم فعل، خلافًا لمن زعم من النحويين أنها اسم فعل. والدليل على أنها فعل: لحوق الفاعل بها، يعني: اتصال الضمير بها، واسم الفعل لا يتصل به ضمير، تقول: (تعالَوْا) للجماعة، (تعاليا) لمن؟ للمثنى، (تعالَيْن) لجماعة الإناث، (تعالَيْ) للواحدة، فإذن هي فعل، يعني أقبلوا، بخلاف (هلم)، (هلم) هذه اسم فعل. الدليل: لأنها لا تتغير ولا يلحقها الضمير وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا [الأحزاب: ١٨] ولم يقل: هلموا إلينا.
تَعَالَوْاأقبلوا إلينا، إِلَى كَلِمَةٍوفسرها بقوله: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، لكن وصف هذه الكلمة قبل أن يفسرها: سَوَاءٍسواء يعني: عدل، لأن سواء هنا مصدر بمعنى اسم الفاعل، أي مستوية، ليس فيها حيف، مستوية بيننا وبينكم، والمستوية بين الضد وضده، يعني أنها عدل، ليس فيها جنف من هؤلاء ولا من هؤلاء، سواء. إذن سواء مصدر أيش؟ بمعنى اسم الفاعل، أي مستوية بيننا وبينكم، يعني: عدل، لا فيها ميل لنا ولا ميل لكم.
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْالضمير في بَيْنَنَايعود على المسلمين وَبَيْنَكُمْالضمير على أهل الكتاب.
ما هذه الكلمة أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ؟ هذه الكلمة سواء، كل الرسل متفقون على هذه الكلمة؛ من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]. فإذا كانت الرسل عليهم الصلاة والسلام متفقين على هذه الكلمة إذن فإذا دعوناكم إليها فهذا عدل ليس فيه حيف. سواء بيني وبينكم هي ألا نعبد إلا الله، وعلى هذا فيكون موضع قوله: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَالجر، على أنها عطف بيان لأيش؟ لـ كَلِمَةٍ، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف، أي هي أيش؟ ألا نعبد.
قوله: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَنعبد أي نذل ونخضع لغير الله عز وجل، لا نخضع ولا نذل الذل المطلق إلا لله وحده عز وجل؛ لأن العبادة يراد بها الذل والخضوع الكامل المطلق، ويراد بها المتعبد به، يعني تطلق على معنيين: تطلق على فعل العبد، وتطلق على مفعول العبد، العبادة تطلق على فعل العبد ومفعول العبد، فإذا كانت على فعله فهي التذلل والخضوع، إذا كانت على مفعوله فهي العبادات التي يقوم بها والتي فسرها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه.
وهنا أَلَّا نَعْبُدَإما أن يقال بشمول هذين المعنيين، وإما بأن المراد بها فعل العبد، يعني ذل العبد وخضوعه.
إِلَّا اللَّهَوحده، واستفدنا الوحدانية هنا من أيش؟ من الحصر؛ لأن (لا) نافية و(إلا) مثبتة، وإذا جاء الكلام بهذه الصيغة نفي وإثبات صار دالا على الحصر.
من يخالف في هذا؟ يخالف النصارى، ما يعبدون الله وحده، يعبدون من؟ عيسى وأمه، وكذلك اليهود قالوا: عزير ابن الله.
وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَلَا نُشْرِكَ: الإشراك معناه التسوية، و(شيئا) نكرة في سياق النفي فتعم كل شيء، وهذا تحقيق للتوحيد، تحقيق، كيف كان تحقيقا؟ لأن المراد بهذا النفي إثبات كمال الضد، فهنا المنفي الإشراك؛ لإثبات كمال ضده، وهو التوحيد، أي أن نعبده عز وجل عبادة لا شرك فيها، وذلك أن العبادة قد يكون فيها شرك، قد يكون الإنسان عابدا لله لكن العبادة مخلوطة بالشرك، فإذا قلت: اعبد ربك ولا تشرك به، صارت عبادة خالية من أيش؟ من الشرك.
ولهذا نعتبر الجملة الثانية وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًانعتبرها من حيث المعنى توكيدا للتوحيد في قوله: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ.
وقوله: شَيْئًايشمل أي شيء كان، من بشر أو ملك أو جن أو جماد، أي شيء، واستفدنا هذا العموم من أين؟ من أنها نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي للعموم.
أضرب لكم مثلا يبين لكم هذا: إذا قلت لك: افعل شيئا، ففعلت شيئا من الأشياء وتركت أشياء، هل هذا للعموم؟ لا، (افعل شيئا): (شيئا) الآن ما هي للعموم؛ لأنها نكرة لكنها في سياق الإثبات، وإذا قلت: لا تفعل شيئا، صارت للعموم، يعني أي شيء تفعله فأنت مخالف، ولهذا من قواعد الأصول عندهم أن النكرة في سياق الإثبات للإطلاق، والنكرة في سياق النفي للعموم.
النكرة في سياق الإثبات للإطلاق، وفي سياق النفي للعموم، كذا؟ أنا ذكرت لك قبل قليل إذا قلت: افعل شيئا، ولندع (افعل شيئا) ونجيب مثال أوضح: (أعتق رقبة)، هذا لأيش؟ للإطلاق؟ يعني أي رقبة تكون أعتقها ويحصل الامتثال. (لا تعتق رقبة) هذا للعموم، لو أعتقت أي رقبة فأنت مخالف، وهذاك لو أعتقت أي رقبة أجزأ، فالفرق هو هذا. (اشتر لي ثوبا) فاشتريت ثوبا، أي ثوب من الثياب؛ نظيف، وسخ، جديد، أحمر، أسود، أي لون. (لا تشتر ثوبا) هذا للعموم، أي ثوب تجيبه أقول: خطأ، أنا قلت: لا تشتر، فالنكرة في سياق النفي للعموم، والنكرة في سياق الإثبات للإطلاق.
قال: وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِوالله هذا العدل، يعني لا تتخذونا نحن نحرم ونحلل ونفرض عليكم ما نحلل ونحرم، ولا تفرضوا علينا أنتم ما تحللون وتحرمون؛ لأن الذي يحلل ويحرم ويطاع قد اتُّخذ ربًّا؛ كما جاء في الحديث في قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة: ٣١] قال عدي بن حاتم: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟». قال: نعم. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» والأمر ظاهر، طاعة الغير في التحليل والتحريم شرك في الطاعة وفي التشريع.
فهو يقول: نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًاهذه باعتبار العبادة، وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِهذا باعتبار التشريع، يعني لا نلزمكم بما نقول، ولا تلزمونا بما تقولون، إذن من المرجع؟
الطلبة: الله.
الشيخ: ولهذا قال: مِنْ دُونِ اللَّهِ، أما إذا كان بالله فأنتم تلزموننا ونحن نلزمكم، نحن لم نقل: اجعلونا ربا نفرض عليكم ما نشاء، أو نجعلكم ربا تفرضون علينا ما تشاءون من دون الله، لكن إذا كان هذا بإذن الله ووحيه وشرعه وجب عليكم.
إذن هذا تمام العدل في العبادة وأيش؟ وفي التشريع، نحن لا نلزمكم ولا تلزموننا بشيء دون الله، وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِإذن هذا هو تمام العدل والإنصاف في المحاجة والمناظرة؛ أن تكون الكلمة السواء، لا نجنف ولا يُجنف علينا.
فَإِنْ تَوَلَّوْاأعرضوا ولم يأتوا لهذه الكلمة السواء، فأعلنوها أنتم من أجل أن يبوءوا بالإثم، ولهذا قال: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَيعني: منقادون لله تمام الانقياد، ولن نعبأ بكم، فصارت هذه الآية تدعو اليهود والنصارى إلى أيش؟ إلى التوحيد والإسلام وإلى العدل، تفضلوا ائتوا احضروا تعالوا كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. هذا هو العدل، فَإِنْ تَوَلَّوْافإنهم لا يريدون الخير، أعلِنوها أنتم فَقُولُوا اشْهَدُواشوف التحدي اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، وإذا أشهدناهم بأنا مسلمون فهو إعلان بأنهم غير مسلمين، بأنهم غير مسلمين؛ إذ لو كانوا مسلمين لانقادوا لهذه الكلمة السواء بيننا وبينهم، ومعلوم أنهم لو انقادوا إلى هذه الكلمة لزمهم أن يؤمنوا بالرسول عليه الصلاة والسلام محمد؛ لأن الذي جاء بالعبادة الصحيحة هو محمد، والذي جاء بالشرع الصالح هو محمد عليه الصلاة والسلام.
في هذه الآية الكريمة: أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يدعو أهل الكتاب إلى هذه الكلمة السواء؛ لقوله: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ.
وهنا سؤال: هل الرسول قال ذلك؟ نعم قالها، حتى كان يكتب بها إلى الملوك، لما كتب إلى كسرى ما كتب وغيره يكتب: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، لكنه يقول: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِمن كمال أدبه، إذا قال: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِفكأنه يقول: إنما كتبت لكم هذه الآية بأمر من؟ بأمر الله، لكن لو قال: يا أهل الكتاب بدون (قل) لكان فيه احتمال أنه كتبها من عند نفسه.
المهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال ذلك، ودعاهم إلى هذه الكلمة، لكنهم أبوا، امتنعوا؛ لأنهم مصرون معاندون إلا من هدى الله، هدى الله من النصارى أقوامًا، ومن اليهود أقوامًا، ومن المشركين أقوامًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التنزل مع الخصم لإلزامه بالحق، كيف ذلك؟ لأنه قال: سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، مع أن الحق مع من؟ ما فيه شك مع الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن من أجل إلزام الخصم وإقامة الحجة عليه أتنزل معه، أقول: انزل كلمة عدل بيننا وبينكم.
ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب استعمال العدل في المناظرة، حتى مع العدو؛ لأن الرسول أُمر بأن يعلن هذا، وإذا كان هذا واجبًا في مناظرة المسلمين مع الكفار، فهو في مناظرة المسلمين بعضهم مع بعض أوجب وأوكد، ولهذا نقول: من الخطأ العظيم أن بعض الناس إذا رأى رأيًا قال: إنما سواه خطأ، وخطّأ غيره، هو قد يكون خطأ باعتبار اعتقاده، ما ننكر عليه، يعني إذا قال: هذا القول خطأ باعتبار اعتقاده ما ننكر عليه؛ لأنه من المعلوم أنه إذا اختار ضده فهو عنده أيش؟ خطأ ولا ينكر عليه، لكن الإنكار أن يخطِّئ من قال به، وهذا فرق دقيق، فرق بين أن أعتقد أن هذا القول خطأ ولا آخذ به، وبين أن أخطئ من قال به؛ لأني إذا خطأته ادعيت العصمة لي والزلل له، وهذا خطأ، هذا الخطأ، ولهذا يجب في المناظرة بين المسلمين كما يجب في المناظرة بين المسلمين والكفار أن تكون بالعدل، ومن المعلوم أن الميزان العدل في ذلك كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، كتاب الله وسنة رسوله.
ولكن المشكل أنه ليس كل أحد يفهم الكتاب والسنة كما ينبغي، يعني ومن الناس من يكون ظاهريا محضًا لا ينظر إلى مقاصد الشريعة ومعانيها العظيمة التي يُقصَد بها إصلاح الخلق، فتجده مثلا يريد أن ينفذ شيئا من المسائل التي لا تعتبر ذات شأن كبير في الإسلام وإن فات بذلك مصلحة عظيمة كبيرة، منها مسائل الخلاف التي يظهر فيها النزاع والمباينة بين المسلمين، ولها أمثلة كثيرة ممكن تفهمونها.
تجد مثلا بعض الناس يقول: لا بد أن ننفذ هذا لشيء وإن كان سنة وإن كان يلزم
على تنفيذه تفرق المسلمين وعداوتهم وحدوث البغضاء بينهم، لا ينظر إلى أن الشرع في
الحقيقة مبني على الألفة وائتلاف القلوب، حرم البيع على بيع مسلم لأن ذلك يؤدي إلى
العداوة والبغضاء، النجش، الخطبة على خطبة أخيه، أشياء كثيرة إذا تأملتها وجدت أن
هذا الشرع يرمي إلى أن يأتلف الناس وتتفق القلوب واتحاد الأهداف، وأن المسائل
الجزئية إذا خيف منها فتنة تترك، والحمد لله أنت هل عليك لوم إذا تركت الأدنى
للأعلى؟
ليس عليك لوم، بل لك المدح، اللوم أن تفعل الأدنى لتفرط في الأعلى، هذا اللوم،
ولهذا نعلم علم اليقين أن الصحابة أفقه منا بكثير، وأقوم منا في أعمالهم، وأنهم أشد
منا حبا لشريعة الإسلام، ومع ذلك يتوافق بعضهم مع بعض في أمور لا يرونها، لكن من
أجل المصلحة وائتلاف الناس واتفاق القلوب.
ولا يخفى عليكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم امتنع من هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم مع أن هذا هو الذي يتمناه، وهو الذي همّ به خوفا من أيش؟ خوفا من الفتنه؛ لأن قريشًا كانوا حديثي عهد بكفر ، وكان عليه الصلاة والسلام يترك ما يحب لمصلحة الناس، كان يصوم في السفر ولما قيل: إن الناس قد شق عليهم ماذا فعل؟ أفطر بعد العصر، ورفع الماء، وهو على بعيره، على فخذه وشرب والناس ينظرون ، ما قال: والله أنا صائم وما بقي إلا جزء بسيط أبغي أكمل.
والصحابة رضي الله عنهم في خلافة عثمان بقي رضي الله عنه سبع أو ثمان سنوات في خلافته يقصر الصلاة في منى، كم بقي في الخلافة؟ اثنتي عشرة سنة، بعد مضي أكثر خلافته رأى رضي الله عنه لسبب من الأسباب أن يتم الصلاة فأتم، فبلغ ذلك من بلغ من الصحابة فأنكروا عليه، قالوا: كيف الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وأنت في أول خلافتك تقصر الصلاة والآن تتم؟ حتى إن ابن مسعود لما بلغه ذلك استرجع قال: إِنَّا للهِ وإِنَّا إليهِ رَاجِعُونَ ، كأنه أمر كبير، ومع ذلك يصلون خلفه، يصلون أربعا مع اعتقادهم أنها خلاف السنة، لأيش؟ من أجل اتحاد الكلمة وعدم التفرق. ولما سئل ابن مسعود قيل: كيف تنكر فعل عثمان وتصلي خلفه أربعا؟ قال: الخِلافُ شَرٌّ ، هذا الفقه والله، هذا الفقه، هذه الشريعة..
ولا يخفى عليكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم امتنع من هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم مع أن هذا هو الذي يتمناه، وهو الذي همّ به خوفا من أيش؟ خوفا من الفتنه؛ لأن قريشًا كانوا حديثي عهد بكفر ، وكان عليه الصلاة والسلام يترك ما يحب لمصلحة الناس، كان يصوم في السفر ولما قيل: إن الناس قد شق عليهم ماذا فعل؟ أفطر بعد العصر، ورفع الماء، وهو على بعيره، على فخذه وشرب والناس ينظرون ، ما قال: والله أنا صائم وما بقي إلا جزء بسيط أبغي أكمل.
والصحابة رضي الله عنهم في خلافة عثمان بقي رضي الله عنه سبع أو ثمان سنوات في خلافته يقصر الصلاة في منى، كم بقي في الخلافة؟ اثنتي عشرة سنة، بعد مضي أكثر خلافته رأى رضي الله عنه لسبب من الأسباب أن يتم الصلاة فأتم، فبلغ ذلك من بلغ من الصحابة فأنكروا عليه، قالوا: كيف الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وأنت في أول خلافتك تقصر الصلاة والآن تتم؟ حتى إن ابن مسعود لما بلغه ذلك استرجع قال: إِنَّا للهِ وإِنَّا إليهِ رَاجِعُونَ ، كأنه أمر كبير، ومع ذلك يصلون خلفه، يصلون أربعا مع اعتقادهم أنها خلاف السنة، لأيش؟ من أجل اتحاد الكلمة وعدم التفرق. ولما سئل ابن مسعود قيل: كيف تنكر فعل عثمان وتصلي خلفه أربعا؟ قال: الخِلافُ شَرٌّ ، هذا الفقه والله، هذا الفقه، هذه الشريعة..





