تفسير الآيتين (75-٧٦)
تفسير الآية (77)
الشيخ: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [آل عمران: ٧٤].
ومن فوائد الآيات الكريمة: جوازُ وصف غيرِ الله بالعِظَم؛ لقوله: ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ؛ لأن الفضل هنا يَحتمل أن يُراد بها الفضل الذي هو فضل الله؛ أي عطاؤه، أو أن المراد بها المتفضَّل به وهو أيش؟ الْمُعْطَى، وهو المعطى، فعلى الثاني: لا إشكال في استنباط الفائدة التي ذكرناها؛ أن العِظَمَ يُوصف به غيرُ الله. وعلى الأول: إذا قلنا: إن الفضل هو نفسُ فعلِ الله فوصفُه بالعِظَم لا إشكال فيه، لماذا؟ لأنه من صفات الله، وصفات الله كذاته عظيمة، فإن قال قائل: ما دام الاحتمالان قائمين فلا دلالة على أنه يوصف بالعظم مَن سوى الله ما دمنا نقول: يحتمل أن يكون الفضل هنا صفةَ الله وصفةُ الله عظيمة كذات الله.
الجواب عن هذا أن يُقال: إذا لم تقتنع بهذا فاقرأ قول الله تعالى: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣]. فوصف العرش بالعظم مع أن عرشها مخلوق؛ إذن يصح أن نقول والله هذا الفعل عظيم، نعم، يصح أن نقول هذا، هذا رجل عظيم، هذه سيارة عظيمة، هذا بيت عظيم، وما أشبه ذلك؛ ولا يضر، كما أنه يصح أن نقول: فلان عزيز، فلان قوي، يصلح؟
الطلبة: نعم..
الشيخ: نعم، فلان قوي، ولا حرج في ذلك ولكن يجب أن نعلم أن ما نصف به المخلوق من صفات الله لا يماثل صفات الله ولا يدانيها أيضًا؛ لأن صفة كل موصوف تناسبه.
طالب: هل فيه هناك مقارنة بين منافقي المسلمين وأهل الكتاب؟
الشيخ: كيف؟
طالب: هل بين المسلمين ومنافقو أهل الكتاب بينهما مقارنة في الفعل؟
الشيخ: مسلمين ومنافقين.
الطالب: المنافقين.. هل المنافقون الذين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقارَنون بمنافقي أهل الكتاب؟
الشيخ: لا، الآيات التي مرَّت بنا ينافقون ما كل وقت، ينافقون خداعًا في أول النهار ويكفرون في آخره.
طالب: يا شيخ، «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» هذا الحديث «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»؟
الشيخ: هيه؟
الطالب: حديث «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» .
الشيخ: نعم.
طالب: صفة العرف هل يعني نثبتها لله صفة فعلية؟
الشيخ: هيه؟
طالب: هل نثبت أن الله عارف صفة فعلية؟
الشيخ: إي نعم، إذا قلنا: المراد بها العناية ما هو المعرفة العلمية؛ لأن الله لم يزل عالمًا من قبل أن تكون فيه الشدة، لكن إذا قلنا: المعرفة التي مقتضاها العناية صارت من هذا النوع، نعم.
طالب: هل يعني يصح أن يُقال: أن الذي لم ينتفع بعلمه أن فيه صفة من صفات اليهود؛ لأنهم كان عندهم علم؟
الشيخ:كيف؟ نعم، كيف ما فيه شك.
طالب: سؤال ذو شقين. بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى بعض الناس يصفونه يقولون: إن الله قديم؟
الشيخ: إيه؟
الطالب: يعني بعض الناس من أهل الفرق يعني يصفون يقولون: إن الله قديم أو أزلي أو كذا، هذه الألفاظ من أين أتت؟
الشيخ: إيه.
الطالب: من هم الفرق الذين قالوا هذا؟
الشيخ: نعم، هذه جاءت من المتكلمين ما فيها شك، ما كانت معروفة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة وإن كان وَرَدَ «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ» وصفًا للسلطان لا لله، لكن معناها حسب ما يريدون بها صحيح؛ لأن عندهم أن القديم هو الذي ليس له أول؛ يعني الذي لم يزل ولا يزال موجودًا، ولا يريدون القديم الذي هو القديم لغةً؛ لأن القديم في اللغة يطلق على الشيء الحادث الذي سبق غيره كقوله: حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: ٣٩]. وقد مرَّ علينا أن ما يُخبَر به عن الله إما أن يكون الله قد أخبر به، أو لم يُخبِر به لكن لا ينافي كمالَه، أو لم يخبر به وينافي كماله؛ فالأولُ معلوم الجواز والثالث معلوم الامتناع والثاني جائز جائز؛ فيجوز أن تُخبِر عن الله بما لا ينافي كماله ولكن لا يجوز أن تخبر عن الله بما ينافي كماله حتى إن بعض العلماء يقول: لا يجوز لك أن تُفَصِّل في خلق الله فتقول مثلًا: إن الله خلق الحمير والكلاب والأقذار والأنتان وما أشبه ذلك؛ لأن في هذا نوع من الاستخفاف، لكن قل: خلق كل شيء، ثم لو أنكر إنسان قال: إن الله لم يخلق الحمير قل: لا، بل خلق الحمير، في مقابلة النفي.
على كل حال ما يقع خبرًا عن الله إما أن يكون قد أَخبر الله به عن نفسه، فأمرُه ظاهر، أو لم يخبِر به ولكنه ينافي كماله، فأمرُه ظاهر أيضًا، الأول واضح الجواز والثاني واضح الامتناع. أو يكون مما لم يُخبر الله به عن نفسه لكن لا يُنافي كمالَه، فهذا لا بأس به؛ ولهذا نقول: إنَّ الله مُريد متكلم صانع مع أنه لم يَرِد هذه المشتقات من أسماء الله، ولا أخبر الله به عن نفسه بهذا اللفظ.
طالب: جهم بن صفوان يا شيخ عندما مرَّ مع جماعة من الطلاب فذهب بهم إلى أماكن المصابين بالأمراض فقال لهم: انظروا هل يعني هذه رحمة الله هكذا يصاب الناس.
الشيخ: نعم.
الطالب: كيف نرد على هذا القول؟
الشيخ: نرد أن هذا من رحمة الله.
الطالب: أن يصابوا بهذا..
الشيخ: نعم، أن يصابوا؛ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [الروم: ٤١] أيش؟ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَفإن لم ينتفعوا انتفع غيرهم؛ لأنك لا تعرف قَدْرَ نعمة الله عليك إلا إذا أُصبت بضدها أو رأيت من أصيب بضدها، نراجع يلَّا سمّعنا جزاك الله خيرًا، قوله: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ [آل عمران: ٥٢] ما معنى الحواريين؟
طالب: الحور مشتق من الحَوَر، الحَوَر هو البياض.
الشيخ: نعم.
الطالب: وقلوبهم سالمة من..
الشيخ: صافية نقية.
الطالب: من الكفر والشرك.
الشيخ: أحسنت، إذن سُمُّوا حواريين؛ لصفاء قلوبهم.
الطالب: لصفاء قلوبهم.
الشيخ: لصفاء قلوبهم. طيب أحسنت، قوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آل عمران: ٥٤] كيف يُوصف الله بالمكر؟
الطالب: لأنَّ مَكَر إذا كان في مقابل الخصم يوصف الله تبارك وتعالى وهو صفة الكمال، وإذا كان ليس في مقابلة الغير هو صفة نقص؛ يعني ما يُوصَفُ الله تبارك وتعالى إلا في مقابلة الخصم.
الشيخ: أحسنت، وحينئذ يكون؟
الطالب: يكون في مقابلة مكر المشركين..
الشيخ: يكون كمالًا.
الطالب: إي نعم..
الشيخ: كمالًا؛ لأنه يدل على أنه أقوى من ذاك، من عدوه، قوله: لَهُوَ الْقَصَصُولَهُوَ الْعَزِيزُفيها قراءتان.
طالب: (لهو) بضم الهاء وسكونها.
الشيخ: بضم الهاء وسكونها لَهُوَو{لَهْوَ}.
طيب، قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍالضمير في خَلَقَهُالمفعول يعود على؟
طالب: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ.
الشيخ: كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ.
طالب: أي آدم.
الشيخ: يعود على آدم. ما الغرض من هذه الآية؟ الرد على من؟
طالب: الرد على الذين قالوا: إن عيسى ابن الله.
الشيخ: الرد على النصارى الذين قالوا: إن عيسى ابن الله، وقالوا: كيف يأتي بدون أب؟ فأبوه هو الله. طيب فقال الله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى.
الطالب: عِنْدَ اللَّهِ.
الشيخ: يعني شأنه كشأن آدم؛ خَلَقَهُ الله من تراب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
طيب هذه الآية اختصت بشيء فما هو الشيء الذي اختصت به قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ؟
طالب: (...)
الشيخ: لها خصيصة يعني معينة هه؟
الطالب: (...)
الشيخ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بها في الركعة الثانية من سنة؟
الطالب: صلاة الفجر.
الشيخ: صلاة الفجر، ويقرأ في الركعة الأولى؟
الطالب: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة: ١٣٦].
الشيخ: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِالّلي في سورة البقرة.
طيب، قوله: إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْويش معناها؟
الطالب: قُلْ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ..
الشيخ: سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ؟
الطالب: أي تكون..
الشيخ: سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ.
الطالب: أي تكون فاصلة بيننا وبينكم.
الشيخ: كيف؟
طالب: هي كلمة التوحيد.
الشيخ: أيش لون هذا الفاصل؟
الطالب: يعني نحتكم نحن وإياكم إلى هذه..
الشيخ: إي، لكن شو المراد بـسَوَاءٍيعني؟
طالب: عدل.
الشيخ: عدل، طيب هذه واحدة، المعنى الآخر؟
طالب: مستويًا.
الشيخ: مستويًا.
الطالب: من اسم فاعل.
الشيخ: إي، يعني بمعنى أنها كاملة، إلى كلمة كاملة؛ لاشتمالها على العدل.
طيب، قوله: وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِكيف اتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله؟
طالب: يريد دعاء بعضهم لبعض (...).
الشيخ: هم يدعون بعضهم بعضًا.
طالب: يعني يتخذ بعضهم؛ أي: يعبد بعضهم بعضًا.
الشيخ: لكن هل حديث عدي بن حاتم أنهم يعبد بعضهم بعضًا؟
الطالب: قال على استثناء (...).
الشيخ: قال: لسنا نعبدهم.
الطالب: لكن قال: نحن ندعوهم. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» .
الشيخ: لا، ما قال: إنهم يدعونهم.
طالب: يتبعونهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام.
الشيخ: نعم، يتبعونهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال.
طيب، أنتم أظن أخذتم الجزء هذا من القرآن؟ أنت؟
طالب: أنا؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: أخذت منه شيء.
الشيخ: أدركت أوله ولّا لا، من أين أدركت؟
طالب: من هذه الآيات.
الشيخ: من هذه الآيات، يلَّا سمِّعْنا، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ، سمِّعْنا عن ظهر قلب.
الطالب: لم أحفظ.
الشيخ: شو الفائدة، نعم.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [آل عمران: ٦٥، ٦٦].
الشيخ: أحسنت، قوله تعالى: هَا أَنْتُمْفيها قراءتان.
طالب: بضم الميم..
الشيخ: أيش؟
طالب: ها أنتمُ؟
الشيخ: لا، نسيت ولا ما حفظت؟
الطالب: ما عرفت.
الشيخ: قراءتان.
طالب: هَا أَنْتُمْو{هَأَنْتُمْ} بالتسهيل.
الشيخ: هَا أَنْتُمْبالمد، و{هَأَنْتُمْ} بدون المدِّ.
طيب، قوله: لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ؟ الاستفهام هنا ما المراد به؟
طالب: الإنكار.
الشيخ: الإنكار، يعني؟
طالب: يعني ينكر على الكافر (...).
الشيخ: ما فيه معنى آخر؟
طالب: التوبيخ والإنكار، المراد به التوبيخ والإنكار.
الشيخ: التوبيخ.
طالب: والإنكار.
الشيخ: والتعجب، هه، كيف الآية، ويش معنى الآية؟ القصة ما هي؟
طالب: القصة أنهم ادَّعَوْا أنهم على ملة إبراهيم، فالله أنكر عليهم وتعجَّب منهم، كيف تقولون: إنكم على ملة إبراهيم؟!
الشيخ: يعني ادعوا أن إبراهيم على ملة التوراة مثلًا وعلى ملة الإنجيل.
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، وأنهم مُتَّبِعون له، ما وجه الإنكار عليهم؟
طالب: لأن التوراة والإنجيل ما أُنزلت إلا بعد إبراهيم.
الشيخ: نعم، فكيف يكون؟
الطالب: فكيف يكون إبراهيم على ملته؟!
الشيخ: على ملة شيء لم ينزل إلا من بعده، كذا؟ طيب، نعم.
طالب: فيه معنى آخر.
الشيخ: فيه معنى آخر.
طالب: وهو أنهم هم على ملة إبراهيم.
الشيخ: أنهم هم..
طالب: يدَّعون أنهم على ملة إبراهيم.
الشيخ: نعم، وأنهم أولى الناس به. طيب، هل في قوله تعالى: أَفَلَا تَعْقِلُونَدليل على تحكيم العقل في الأمور الشرعية؟
طالب: المقصود بالعقل هنا عقل الرشد..
الشيخ: أي عقل الرشد، لا بأس، لكن هل فيه دليل على الرجوع إلى عقل الرشد للأمور الشرعية؟ أو هنا التوبيخ مُنْصَبٌّ على فعلهم هم؛ يعني كونهم يدَّعون أن إبراهيم تابع للتوراة أو أنهم على ملة إبراهيم وهم مخالفون له؟
طالب: بل هو على الإنكار عليهم.
الشيخ: ليس على أمر شرعي، هل له نظير؛ أنكر الله تعالى أو نعى الله على قوم عقولَهم لمخالفتهم لما يقتضيه العقل؟ نعم. من يعرف؟ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [البقرة: ٤٤]. طيب، يلَّا.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [آل عمران: ٦٧ - ٦٩].
الشيخ: أحسنت، قوله تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّاهذا رد على من؟
طالب: من تعني؟
الشيخ: إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ردٌّ على من؟
الطالب: على اليهود والنصارى.
الشيخ: اليهود والنصارى كلهم؟
الطالب: على النصارى.
الشيخ: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّابس نقرأ هذا ردًّا على من؟
الطالب: على اليهود.
الشيخ: وَلَا نَصْرَانِيًّا؟
الطالب: على النصارى.
الشيخ: ردًّا على النصارى؛ لأن كل طائفة منهم تدعي أنها على ملته وأنه على ملتهم.
طيب، قوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّكيف بدأ بـالَّذِينَ اتَّبَعُوهُقبل ذِكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم والنبي أشرف منهم، هه، يلّا؟
طالب: لأن الاتباع ما يجيء إلا يكون أولًا بتصديق كتاب الله ثم كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: لا.
طالب: لأنهم الأول في الخلق.
الشيخ: هه.
طالب: لأنهم الأول في الخلق.
الشيخ: أسبقُ زمنًا.
الطالب: أسبق زمنًا من النبي.
الشيخ: لأنهم أسبق زمنًا، هذه واحدة، وجه ثانٍ؟
طالب: أن الله عز وجل شرَّف الرسول فقال: وَهَذَاعطفه.
الشيخ: عطفه؟
الطالب: أشار..
الشيخ: أخَّره، مش المشكلة التأخير، لكن الأخ يريد يقول: لأن الذين اتبعوه أسبق زمنًا، شيء آخر؟
طالب: الظاهر -والعلم عند الله- أن هؤلاء اليهود والنصارى الذين يدَّعون أن إبراهيم من ملتهم وهم لم يتبعوه وليسوا منه في شيء، بيّن الله لهم أن أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه وهؤلاء لم يتبعوه وإنما يدَّعون أنهم يتبعونه بالاسم.
الشيخ: إي، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أشرف من الذين اتبعوه، فلماذا قدَّمهم؟ نعم.
طالب: لأنهم اتبعوه في شريعته (...) أصول الدين.
الشيخ: أيش؟
طالب: شريعة الرسول الإسلام، ولكن لكل نبي شريعته الخاصة قال: اتبعوه في شريعته الخاصة (...).
الشيخ: إي نعم، صحيح؛ لأن الذين اتبعوه اتبعوه اتباعًا كاملًا، وأمَّا النبي صلى الله عليه وسلم فله منهاج يخالف منهاج إبراهيم فيما يتعلَّق بالمصالح لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨]. فلمَّا كان الذين اتبعوه آخذين بأصول شريعته وفروعها ودقيقها وجليلها قدَّمَهُم.
طيب، قوله: لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُاللام هذه ويش معناها؟
طالب: تعليل.
الشيخ: لا، ما كل لام تعليل، ما كلُّ بيضاءَ شحمة.
طالب: حرف جر.
الشيخ: ولا هي بحرف جر، حرف الجر اسم مكسور مع اسم موصول، نعم..
طالب: للتوكيد.
الشيخ: الأخ..
الطالب: للتوكيد.
الشيخ: للتوكيد، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ. طيب، قوله تعالى: وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَوفي بعض الآيات ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦٢] فأثبت ولايته على الكفار فما الجمع؟
طالب: اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: لكن الله هنا قال: وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَوفي بعض الآيات أثبت الله ولايته لغير المؤمنين.
طالب: إي نعم؛ لأن ولي المؤمنين بالاتباع الرسل.
الشيخ: لا.
طالب: المراد الولاية الخاصة يا شيخ.
الشيخ: المراد هنا الولاية الخاصة، وولاية الله لغير المؤمنين الولاية؟
الطلبة: عامة.
الشيخ: العامة، طيب.
طالب: بمعنى المحبة يا شيخ؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: بمعنى المحبة الولاية العامة؟
الشيخ: لا لا، الولاية العامة بمعنى التبليغ والسلطة، تولي الأمور. طيب، الأخ.. اقرأ.
طالب: (...) أعداء المسلمين.
الشيخ: التحذير..
طالب: من ولاية الكفار.
الشيخ: إي نعم، التحذير من اليهود والنصارى؛ لأنهم يريدون منَّا أيش؟ أن يُضِلُّونا؛ طيب كيف قال: وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ؟ ما وجه كونهم لا يُضلون إلا أنفسهم؟
طالب: لأنهم بهذا الإضلال هم ضالين في الأصل، وبهذا الإضلال يزيدون ضلالًا فيضلون أنفسهم.
الشيخ: أحسنت تمام. قوله: مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ
لماذا سمي القرآن ذِكْرًا؟ هه، يلَّا (...) سهمه الآن.
طالب: سُمي ذكرًا؛ لأن فيه ذكر الله، وكذلك الذكر يطلق على ثلاثة معانٍ.
الشيخ: على ثلاث جماعات؟!
الطالب: على ثلاثة معانٍ.
الشيخ: هيه.
الطالب: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ٤]، وكذلك واذكر ربك قيامًا وقعودًا، وهذا الذكر القرآن فيه ذكر لله تبارك وتعالى، وكذلك التلفظ والذكر يطلق على التلفظ وكذلك فيه ألفاظ.
الشيخ: كثَّرت علينا يا شيخ، نعم.
طالب:..
الشيخ: إي نعم.
طالب: لأن فيه ذكر من قبلنا ومن بعدنا.
الشيخ: أيش؟
الطالب: لأن فيه ذكر من قبلنا وذكر من بعدنا من القرون.
الشيخ: هيه.
طالب: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم..
الشيخ:طيب، وغيره؟
الطالب: الحديث..
الشيخ: هيه؟
الطالب: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم..
الشيخ: طيب هات!
الطالب: لا أحفظه.
طالب: لذكره في زبر الأولين.
الشيخ: لا.
طالب: لأنه يُتذكر به.
الشيخ: صح، لأنه يُتذكر به، طيب.
طالب: الذِّكر بمعنى الشرف يقول تعالى: وَإِنَّهُ..
الشيخ: نعم.
الطالب: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: ٤٤].
الشيخ: زين!
الطالب: ولإنه يُذكر به عزَّ وجلَّ.
الشيخ: لإنه ذكر..
الطالب: لله عز وجل..
الشيخ: لمن اتبعه وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ؛ أي: شرف، وَلِقَوْمِكَ. طيب، يلَّا.. الحكيم وصف للقرآن فهل هو من الحُكم لأن القرآن حاكم بين الناس، أو هو من الإحكام، لأن القرآن مُحكم؟
طالب: (...).
الشيخ: من المعنيين جميعًا؛ فالقرآن محكم وحاكم، طيب هذا الوصف لكل القرآن؟
الطالب: إي نعم، ورد الاختلاف فيه (...) إي نعم هو وصف لكل القرآن.
الشيخ: لكل القرآن.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، أَلَا يَرِدُ على هذا قوله تعالى: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران: ٧] فلم يجعل الله القرآن كله محكمًا؟
طالب: لأن المتشابهات بالنسبة لله سبحانه (...)، والمتشابهات بالنسبة للعامة غير حكيم.
الشيخ: يعني التشابه نسبي؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إيه، توافقون على هذا؟ وإذا رُد المتشابه إلى المحكم صار الجميع محكمًا. اتفضل.
طالب: وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران: ٧٥ - ٧٧].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا؛ لَمَّا ذَكَرَ الله سبحانه وتعالى خيانة أهل الكتاب في الأمور الدينية، ولبسهم الحق بالباطل، وعُتُوِّهم وعنادهم ونفاقهم وتغييرهم للمؤمنين، ذَكَرَ حالَهم في الأمور الدنيوية في المال فقسمهم الله تعالى إلى قسمين فقال: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ وهذا يشمل اليهود والنصارى، وسُمُّوا أهلَ كتاب؛ لأنهم هم الذين عندهم بقايا من الدين النازل على الأنبياء؛ فاليهود عندهم بقايا من التوراة، والنصارى عندهم بقايا من الإنجيل.
مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُهنا يجب الإظهار؛ لأن الهمزة همزة قطع فيُقال: مَنْ إِنْخلافًا لما يصدر من بعض الناس حتى من أئمة المساجد فيقول: (مَنِ انْ تأمنْه) هذا خطأ؛ لأنه إذا قال: (مَنِ انْ تأمنه) جعل الهمزة همزةَ وصل، وهي همزة قطع؛ لأنها (إن) الشرطية مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُالخطاب في قوله: إِنْ تَأْمَنْهُيعود على المخاطَب؛ يعني من إن تأمنه أيها المخاطَب بِقِنْطَارٍ؛ يعني على قنطار يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، والقنطار عبارة عن المال الكثير من الذهب حَدَّهُ بعضُهم بألف دينار، وبعضُهم بملء مَسْكِ الثَّوْرِ -يعني جلدَ الثور- من الدنانير. وعلى كل حال يعني مَن إنْ ائْتَمنه بمال كثير من الذهب يؤدِّه إليك؛ أي: يَرُدُّهُ إليك من غير تغيير ولا نقص، والأداء: هو إبلاغُ الشيء، ومنه: أداءُ الحديث، ومنه: أداء الأمانات؛ أي: إبلاغُها إلى مستحقها. فـمَنْ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ؛ أي: يعطِهِ إياك سالمًا من كل نقص، وهذا أمين.
وفي قوله: يُؤَدِّهِ إِلَيْكَقراءتان؛ قراءة بالكسر كسر الهاء يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، وقراءة أخرى بالسكون {يُؤَدِّهْ إِلَيْكَ}.
ومنهم: القسم الثاني الخائن الذي لا يُؤتمن مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَلَا يُؤَدِّهِ؛ نقول فيها كما قلنا في يؤده لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ؛ أي: {لَا يُؤَدِّهْ إِلَيْكَ} ولَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ.
مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ؛ والدينار هو الوحدة من النقد الذهبي وهو ما يُسمى عندنا بالجنيه إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ؛
أي: لا يرده إليك سالمًا بل يَنقصه ويخون فيه إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا؛ يعني إلا إذا بقيت قائمًا عليه مراقبًا له ناظرًا في أحواله، فحينئذٍ تسلم من خيانته؛ أما إذا غفلت أدنى غفلة فإنه سوف يخونك. فقسَّم الله عز وجل أهل الكتاب الآن إلى قسمين: قسم أمين إذا ائتمنته على مال كثير لم ينقصه شيئًا، وإن ائتمنته على المال القليل، لم يَنقص من باب أولى؛ لأنه إذا كان لا ينقص المالَ الكثيرَ شيئًا، مع أن المال الكثير إذا أُخذ منه الشيء القليل لا يتبيَّن، فَائْتِمَانُهُ عند المال القليل من باب أولى.
والقسم الثاني: من هو خائن لو ائتمنته على أقل القليل على واحدة من النقود فإنه لا يؤديها إليك، إلَّا إن كنت قائمًا عليه مراقبًا له فحينئذٍ تَسْلَمُ من شره، وإلَّا فإنه يمكن أن يَنقص الواحد من الدنانير، وإن ائتمنته على أقل من دينار..
الطلبة: لا يؤدِّه.
الشيخ: فكذلك لا يؤدِّهْ، وعلى أكثر؟
الطلبة: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى.
طيب، في هذه الآية من حيث الإعراب أولًا قوله: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ؛ مَنْمحلُّها من الإعراب وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ..
طالب: خبر.
الشيخ: مبتدأ، مبتدأ مؤخر وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}خبر مقدم، وهو اسمٌ موصول (مَنْ) ويحتاج إلى صلة فأين صلته؟ صلته الجملة الشرطية إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ؛ يعني لا تتم الصلة إلا إذا جاء الشرط وجوابه، فـإِنْشرطية، وتَأْمَنْهُفعل الشرط ويُؤَدِّهِجواب الشرط، والجملة؟
الطلبة: صلة الموصول.
الشيخ: صلة الموصول، الجملة صلة الموصول. طيب، ونقول أيضًا في الجملة الثانية وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَإلَّا أَنَّا نقول في الجملة الثانية: لَانافية لَا يُؤَدِّهِليست ناهية، نافية بالفاء، ويُؤَدِّهِجواب الشرط. طيب، جواب الشرط يحتاج إلى جزم وهنا يُؤَدِّهِالدال مكسورة غير مجزومة؟
نقول: هي..
طالب: لالتقاء الساكنين.
الشيخ: لا، ما في التقاء ساكنين. نقول: إن هذا الفعل آخره حرف علة والفعل الذي آخره حرف علة يجزم بحذف حرف العلة، وأصل يُؤَدِّهِأصلها: (يؤدِّيه)، فحُذفت الياء من أجل الجزم. وقوله: إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًاقَائِمًاإعرابها؟
الطلبة: حال.
الشيخ: لا إخواننا!
الطلبة: خبر، خبر (دام).
الشيخ: خبر (دام)؛ لأن دام من أخوات كان ترفع الاسم وتنصب الخبر، فالتاء اسمها فالتاء اسمها، وخبرُها..
الطلبة: قَائِمًا.
الشيخ: قَائِمًا، ثم قال الله عزَّ وجلَّ معلِّلاً خيانتهم للأمانة قال: ذَلِكَ؛ أي ما ذُكر من خيانتهم بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا
الباء هنا للسببية؛ أي أن عدم ائتمانهم بل عدم أمانتهم بأنهم قالوا؛ أي بسبب قولهم: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ؛ الأُميون هم العرب، وسُمُّوا أُميين نسبة إلى الأم، والإنسان الأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة: ٧٨]؛
يعني لا يعلمونه إلا قراءة، أما الأُمي في الأصل فهو الذي لا يقرأ ولا يكتب؛ ولهذا كان العرب لا يقرؤون ولا يكتبون إلا بعد أن بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم فكانت لهم القراءة والكتابة. طيب، فِي الْأُمِّيِّينَمَن؟
طالب: العرب.
الشيخ: العرب، وسُمُّوا أميين؛ لأنهم لا يقرؤون ولا يكتبون، وقال بعض المفسرين: المراد بالأميين مَن سوى أهل الكتاب، فيكون المراد بالأمي: مَن ليس له كتاب، ويكون هؤلاء اليهود والنصارى يقولون: كل الناس سوى أهل الكتاب ليس علينا فيهم سبيل، لنا أن نظلمهم نأخذَ أموالهم نقتلهم نَسْبِي نساءَهم؛ لأننا نحن المختارون عند الله وغيرُنا عبيدٌ لنا، والإنسان يفعل في عبيده ما شاء؛ ولهذا تقول اليهود: إنهم شعب الله المختار، نعم ولكن الله اختارهم على عالمي زمانهم ولكنهم لم يشكروا هذه النعمة. طيب، قالوا: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ؛ فِي الْأُمِّيِّينَفي أموالهم، ولَّا في أموالهم ودمائهم وجميع شؤونهم؟
الطلبة: (...)
الشيخ: نعم، من نظر إلى سياق الآية وأنها في سياق الائتمان على المال قيَّدَ هذا بأنه ليس علينا في الأميين سبيل فيما يتعلق بأيش؟
الطلبة: بالمال.
الشيخ: بالمال، ومن نظر إلى العموم قال: إنها تشمل أنهم يدَّعون أنه لا سبيل عليهم في الأُميين في أموالهم ودمائهم، وهذا المعنى أعمّ وإذا كان المعنى أعم واللفظ لا ينافيه فالاختيار أيش؟
الطلبة: الأعم.
الشيخ: أن تأخذ بالأعم؛ لأن الأعم يشمل الأخص ولا عكس، إذن لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌلا في أموالهم ولا في دمائهم، وقولهم: سَبِيلٌالسبيل في الأصل الطريق، والمراد به هنا اللوم؛ يعني ليس علينا سبيل في اللوم أو سبيل إلى اللوم؛ أي أننا لا نُلام ولا نُذَم ولا نأثم فيما يتعلق بمن؟
الطلبة: الأميين.
الشيخ: في الأميين، طيب هذا القول الذي يقولونه ليسوا ينسبونه لأنفسهم وأنهم هم الذين أباحوا لأنفسهم الاعتداء على الأميين، وإنما يجعلون هذا شرعًا من عند الله يقولون: إن الله أباح لنا ذلك ولم يجعل علينا سبيلًا فيما يتعلق بالأميين؛ ولهذا قال الله عز وجل: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ؛ أي أنهم يكذبون على الله ويفترون على الله ويدَّعُون هذا شرعًا من الله وهم يعلمون أن الله حرَّم عليهم أكلَ أموال الناس بالباطل ودماءَ الناس وأعراضَهم، يعلمون هذا لكنهم يكذبون على الله.
الإعراب: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ؛ قلنا: إن الباء..
الطلبة: للسببية.
الشيخ: للسببية، طيب وقوله: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌسَبِيلٌمرفوعة..
الطلبة: اسم ليس.
الشيخ: على أنها اسم ليس، وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَالْكَذِبَمفعول يَقُولُونَ، وقيل: إنه صفة لمصدر محذوف تقديره؟
طالب: القول.
الشيخ: القول الكذب، يقولون على الله القول الكذب، طيب، عَلَى اللَّهِجار ومجرور متعلِّق بـيَقُولُونَ، ولكنَّنا نقول: إنه إذا كان متعلِّقًا بـيَقُولُونَفإن يَقُولُونَهنا مُضَمَّنَةٌ معنى (يفترون)، فـيَقُولُونَ: أي يفترون على الله الكذب، ويمر علينا كثيرًا في القرآن الكريم مثل هذا التعبير يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النساء: ٥٠].
طيب، التضمين مرَّ علينا أظن ولا أدري هل تذكرون ذلك أم لا؟ أن التضمين مختلَفٌ فيه هل نُضَمِّنُ الفعلَ معنًى يناسب المعمول أو أننا نجعل التضمين في الحرف مثلًا؟ وسبق لنا أن القول الراجح: أننا نُضَمِّنُ الفعلَ معنًى يناسب الحرف، ومن أبرز الأمثلة على ذلك قوله تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦].
الشيخ: معنا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: من أبرز المثال على ذلك قوله تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِالعين هل هو يُشرب بها ولَّا يُشرب بالكأس؟
الطلبة: بالكأس.
الشيخ: بالكأس، هه، ولا بالعين؟
الطلبة: بالكأس.
الشيخ: بالكأس، الإنسان إذا جلس على النهر يشرب ما هو بيشيل النهر يشرب، وإنما يشرب بالكأس من النهر، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: طيب، بعض العلماء قال: إن (الباء) في قوله: يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِبمعنى (مِن)، الباء بمعنى مِن؛ أي: يَشرب منها، وعلى هذا القول تكون يَشْرَبُعلى ظاهرها من الشُّرب. وبعضهم قال: بل إن يَشْرَبُبمعنى يَرْوَى، وعلى هذا فالباء للسببية وليست بمعنى مِن؛ أي عينًا يَرْوَى بها عبادُ الله. وهذا المعنى أصح؛ لأنه إذا ضُمِّنت يَشْرَبُمعنى يروى فإنه لا رِيَّ إلا بعد شُرْب، إلا بعد شُرْب، وعلى هذا يكون الفعل يروى دالًّا على معنى الشرب، ويش بعد؟
الطلبة: وزيادة.
الشيخ: وزيادة، لكن إذا قلت: يَشْرَبُعلى ظاهرها والباء بمعنى (مِن) لم نستفد هذه الفائدة وهي الرِّيُّ، إي نعم، طيب إذن يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِنقول: عَلَى اللَّهِمتعلِّق بأيش؟ بـيَقُولُونَعلى أنها مضمَّنة معنى (يفترون) وقولهم: يَعْلَمُونَالجملة حال من الواو في قوله: يَقُولُونَ؛ يعني يقولون وهم يعلمون أنهم كاذبون فيكون قولُهم أشدَّ من قول من يقول الكذب وهو لا يعلم أنه كذب.
ومن فوائد الآيات الكريمة: جوازُ وصف غيرِ الله بالعِظَم؛ لقوله: ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ؛ لأن الفضل هنا يَحتمل أن يُراد بها الفضل الذي هو فضل الله؛ أي عطاؤه، أو أن المراد بها المتفضَّل به وهو أيش؟ الْمُعْطَى، وهو المعطى، فعلى الثاني: لا إشكال في استنباط الفائدة التي ذكرناها؛ أن العِظَمَ يُوصف به غيرُ الله. وعلى الأول: إذا قلنا: إن الفضل هو نفسُ فعلِ الله فوصفُه بالعِظَم لا إشكال فيه، لماذا؟ لأنه من صفات الله، وصفات الله كذاته عظيمة، فإن قال قائل: ما دام الاحتمالان قائمين فلا دلالة على أنه يوصف بالعظم مَن سوى الله ما دمنا نقول: يحتمل أن يكون الفضل هنا صفةَ الله وصفةُ الله عظيمة كذات الله.
الجواب عن هذا أن يُقال: إذا لم تقتنع بهذا فاقرأ قول الله تعالى: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل: ٢٣]. فوصف العرش بالعظم مع أن عرشها مخلوق؛ إذن يصح أن نقول والله هذا الفعل عظيم، نعم، يصح أن نقول هذا، هذا رجل عظيم، هذه سيارة عظيمة، هذا بيت عظيم، وما أشبه ذلك؛ ولا يضر، كما أنه يصح أن نقول: فلان عزيز، فلان قوي، يصلح؟
الطلبة: نعم..
الشيخ: نعم، فلان قوي، ولا حرج في ذلك ولكن يجب أن نعلم أن ما نصف به المخلوق من صفات الله لا يماثل صفات الله ولا يدانيها أيضًا؛ لأن صفة كل موصوف تناسبه.
طالب: هل فيه هناك مقارنة بين منافقي المسلمين وأهل الكتاب؟
الشيخ: كيف؟
طالب: هل بين المسلمين ومنافقو أهل الكتاب بينهما مقارنة في الفعل؟
الشيخ: مسلمين ومنافقين.
الطالب: المنافقين.. هل المنافقون الذين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقارَنون بمنافقي أهل الكتاب؟
الشيخ: لا، الآيات التي مرَّت بنا ينافقون ما كل وقت، ينافقون خداعًا في أول النهار ويكفرون في آخره.
طالب: يا شيخ، «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» هذا الحديث «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»؟
الشيخ: هيه؟
الطالب: حديث «يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ» .
الشيخ: نعم.
طالب: صفة العرف هل يعني نثبتها لله صفة فعلية؟
الشيخ: هيه؟
طالب: هل نثبت أن الله عارف صفة فعلية؟
الشيخ: إي نعم، إذا قلنا: المراد بها العناية ما هو المعرفة العلمية؛ لأن الله لم يزل عالمًا من قبل أن تكون فيه الشدة، لكن إذا قلنا: المعرفة التي مقتضاها العناية صارت من هذا النوع، نعم.
طالب: هل يعني يصح أن يُقال: أن الذي لم ينتفع بعلمه أن فيه صفة من صفات اليهود؛ لأنهم كان عندهم علم؟
الشيخ:كيف؟ نعم، كيف ما فيه شك.
طالب: سؤال ذو شقين. بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى بعض الناس يصفونه يقولون: إن الله قديم؟
الشيخ: إيه؟
الطالب: يعني بعض الناس من أهل الفرق يعني يصفون يقولون: إن الله قديم أو أزلي أو كذا، هذه الألفاظ من أين أتت؟
الشيخ: إيه.
الطالب: من هم الفرق الذين قالوا هذا؟
الشيخ: نعم، هذه جاءت من المتكلمين ما فيها شك، ما كانت معروفة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة وإن كان وَرَدَ «أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ» وصفًا للسلطان لا لله، لكن معناها حسب ما يريدون بها صحيح؛ لأن عندهم أن القديم هو الذي ليس له أول؛ يعني الذي لم يزل ولا يزال موجودًا، ولا يريدون القديم الذي هو القديم لغةً؛ لأن القديم في اللغة يطلق على الشيء الحادث الذي سبق غيره كقوله: حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس: ٣٩]. وقد مرَّ علينا أن ما يُخبَر به عن الله إما أن يكون الله قد أخبر به، أو لم يُخبِر به لكن لا ينافي كمالَه، أو لم يخبر به وينافي كماله؛ فالأولُ معلوم الجواز والثالث معلوم الامتناع والثاني جائز جائز؛ فيجوز أن تُخبِر عن الله بما لا ينافي كماله ولكن لا يجوز أن تخبر عن الله بما ينافي كماله حتى إن بعض العلماء يقول: لا يجوز لك أن تُفَصِّل في خلق الله فتقول مثلًا: إن الله خلق الحمير والكلاب والأقذار والأنتان وما أشبه ذلك؛ لأن في هذا نوع من الاستخفاف، لكن قل: خلق كل شيء، ثم لو أنكر إنسان قال: إن الله لم يخلق الحمير قل: لا، بل خلق الحمير، في مقابلة النفي.
على كل حال ما يقع خبرًا عن الله إما أن يكون قد أَخبر الله به عن نفسه، فأمرُه ظاهر، أو لم يخبِر به ولكنه ينافي كماله، فأمرُه ظاهر أيضًا، الأول واضح الجواز والثاني واضح الامتناع. أو يكون مما لم يُخبر الله به عن نفسه لكن لا يُنافي كمالَه، فهذا لا بأس به؛ ولهذا نقول: إنَّ الله مُريد متكلم صانع مع أنه لم يَرِد هذه المشتقات من أسماء الله، ولا أخبر الله به عن نفسه بهذا اللفظ.
طالب: جهم بن صفوان يا شيخ عندما مرَّ مع جماعة من الطلاب فذهب بهم إلى أماكن المصابين بالأمراض فقال لهم: انظروا هل يعني هذه رحمة الله هكذا يصاب الناس.
الشيخ: نعم.
الطالب: كيف نرد على هذا القول؟
الشيخ: نرد أن هذا من رحمة الله.
الطالب: أن يصابوا بهذا..
الشيخ: نعم، أن يصابوا؛ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [الروم: ٤١] أيش؟ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَفإن لم ينتفعوا انتفع غيرهم؛ لأنك لا تعرف قَدْرَ نعمة الله عليك إلا إذا أُصبت بضدها أو رأيت من أصيب بضدها، نراجع يلَّا سمّعنا جزاك الله خيرًا، قوله: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ [آل عمران: ٥٢] ما معنى الحواريين؟
طالب: الحور مشتق من الحَوَر، الحَوَر هو البياض.
الشيخ: نعم.
الطالب: وقلوبهم سالمة من..
الشيخ: صافية نقية.
الطالب: من الكفر والشرك.
الشيخ: أحسنت، إذن سُمُّوا حواريين؛ لصفاء قلوبهم.
الطالب: لصفاء قلوبهم.
الشيخ: لصفاء قلوبهم. طيب أحسنت، قوله تعالى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آل عمران: ٥٤] كيف يُوصف الله بالمكر؟
الطالب: لأنَّ مَكَر إذا كان في مقابل الخصم يوصف الله تبارك وتعالى وهو صفة الكمال، وإذا كان ليس في مقابلة الغير هو صفة نقص؛ يعني ما يُوصَفُ الله تبارك وتعالى إلا في مقابلة الخصم.
الشيخ: أحسنت، وحينئذ يكون؟
الطالب: يكون في مقابلة مكر المشركين..
الشيخ: يكون كمالًا.
الطالب: إي نعم..
الشيخ: كمالًا؛ لأنه يدل على أنه أقوى من ذاك، من عدوه، قوله: لَهُوَ الْقَصَصُولَهُوَ الْعَزِيزُفيها قراءتان.
طالب: (لهو) بضم الهاء وسكونها.
الشيخ: بضم الهاء وسكونها لَهُوَو{لَهْوَ}.
طيب، قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍالضمير في خَلَقَهُالمفعول يعود على؟
طالب: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ.
الشيخ: كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ.
طالب: أي آدم.
الشيخ: يعود على آدم. ما الغرض من هذه الآية؟ الرد على من؟
طالب: الرد على الذين قالوا: إن عيسى ابن الله.
الشيخ: الرد على النصارى الذين قالوا: إن عيسى ابن الله، وقالوا: كيف يأتي بدون أب؟ فأبوه هو الله. طيب فقال الله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى.
الطالب: عِنْدَ اللَّهِ.
الشيخ: يعني شأنه كشأن آدم؛ خَلَقَهُ الله من تراب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
طيب هذه الآية اختصت بشيء فما هو الشيء الذي اختصت به قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ؟
طالب: (...)
الشيخ: لها خصيصة يعني معينة هه؟
الطالب: (...)
الشيخ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بها في الركعة الثانية من سنة؟
الطالب: صلاة الفجر.
الشيخ: صلاة الفجر، ويقرأ في الركعة الأولى؟
الطالب: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة: ١٣٦].
الشيخ: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِالّلي في سورة البقرة.
طيب، قوله: إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْويش معناها؟
الطالب: قُلْ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ..
الشيخ: سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ؟
الطالب: أي تكون..
الشيخ: سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ.
الطالب: أي تكون فاصلة بيننا وبينكم.
الشيخ: كيف؟
طالب: هي كلمة التوحيد.
الشيخ: أيش لون هذا الفاصل؟
الطالب: يعني نحتكم نحن وإياكم إلى هذه..
الشيخ: إي، لكن شو المراد بـسَوَاءٍيعني؟
طالب: عدل.
الشيخ: عدل، طيب هذه واحدة، المعنى الآخر؟
طالب: مستويًا.
الشيخ: مستويًا.
الطالب: من اسم فاعل.
الشيخ: إي، يعني بمعنى أنها كاملة، إلى كلمة كاملة؛ لاشتمالها على العدل.
طيب، قوله: وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِكيف اتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله؟
طالب: يريد دعاء بعضهم لبعض (...).
الشيخ: هم يدعون بعضهم بعضًا.
طالب: يعني يتخذ بعضهم؛ أي: يعبد بعضهم بعضًا.
الشيخ: لكن هل حديث عدي بن حاتم أنهم يعبد بعضهم بعضًا؟
الطالب: قال على استثناء (...).
الشيخ: قال: لسنا نعبدهم.
الطالب: لكن قال: نحن ندعوهم. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» .
الشيخ: لا، ما قال: إنهم يدعونهم.
طالب: يتبعونهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام.
الشيخ: نعم، يتبعونهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال.
طيب، أنتم أظن أخذتم الجزء هذا من القرآن؟ أنت؟
طالب: أنا؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: أخذت منه شيء.
الشيخ: أدركت أوله ولّا لا، من أين أدركت؟
طالب: من هذه الآيات.
الشيخ: من هذه الآيات، يلَّا سمِّعْنا، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ، سمِّعْنا عن ظهر قلب.
الطالب: لم أحفظ.
الشيخ: شو الفائدة، نعم.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [آل عمران: ٦٥، ٦٦].
الشيخ: أحسنت، قوله تعالى: هَا أَنْتُمْفيها قراءتان.
طالب: بضم الميم..
الشيخ: أيش؟
طالب: ها أنتمُ؟
الشيخ: لا، نسيت ولا ما حفظت؟
الطالب: ما عرفت.
الشيخ: قراءتان.
طالب: هَا أَنْتُمْو{هَأَنْتُمْ} بالتسهيل.
الشيخ: هَا أَنْتُمْبالمد، و{هَأَنْتُمْ} بدون المدِّ.
طيب، قوله: لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ؟ الاستفهام هنا ما المراد به؟
طالب: الإنكار.
الشيخ: الإنكار، يعني؟
طالب: يعني ينكر على الكافر (...).
الشيخ: ما فيه معنى آخر؟
طالب: التوبيخ والإنكار، المراد به التوبيخ والإنكار.
الشيخ: التوبيخ.
طالب: والإنكار.
الشيخ: والتعجب، هه، كيف الآية، ويش معنى الآية؟ القصة ما هي؟
طالب: القصة أنهم ادَّعَوْا أنهم على ملة إبراهيم، فالله أنكر عليهم وتعجَّب منهم، كيف تقولون: إنكم على ملة إبراهيم؟!
الشيخ: يعني ادعوا أن إبراهيم على ملة التوراة مثلًا وعلى ملة الإنجيل.
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، وأنهم مُتَّبِعون له، ما وجه الإنكار عليهم؟
طالب: لأن التوراة والإنجيل ما أُنزلت إلا بعد إبراهيم.
الشيخ: نعم، فكيف يكون؟
الطالب: فكيف يكون إبراهيم على ملته؟!
الشيخ: على ملة شيء لم ينزل إلا من بعده، كذا؟ طيب، نعم.
طالب: فيه معنى آخر.
الشيخ: فيه معنى آخر.
طالب: وهو أنهم هم على ملة إبراهيم.
الشيخ: أنهم هم..
طالب: يدَّعون أنهم على ملة إبراهيم.
الشيخ: نعم، وأنهم أولى الناس به. طيب، هل في قوله تعالى: أَفَلَا تَعْقِلُونَدليل على تحكيم العقل في الأمور الشرعية؟
طالب: المقصود بالعقل هنا عقل الرشد..
الشيخ: أي عقل الرشد، لا بأس، لكن هل فيه دليل على الرجوع إلى عقل الرشد للأمور الشرعية؟ أو هنا التوبيخ مُنْصَبٌّ على فعلهم هم؛ يعني كونهم يدَّعون أن إبراهيم تابع للتوراة أو أنهم على ملة إبراهيم وهم مخالفون له؟
طالب: بل هو على الإنكار عليهم.
الشيخ: ليس على أمر شرعي، هل له نظير؛ أنكر الله تعالى أو نعى الله على قوم عقولَهم لمخالفتهم لما يقتضيه العقل؟ نعم. من يعرف؟ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [البقرة: ٤٤]. طيب، يلَّا.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [آل عمران: ٦٧ - ٦٩].
الشيخ: أحسنت، قوله تعالى: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّاهذا رد على من؟
طالب: من تعني؟
الشيخ: إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ردٌّ على من؟
الطالب: على اليهود والنصارى.
الشيخ: اليهود والنصارى كلهم؟
الطالب: على النصارى.
الشيخ: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّابس نقرأ هذا ردًّا على من؟
الطالب: على اليهود.
الشيخ: وَلَا نَصْرَانِيًّا؟
الطالب: على النصارى.
الشيخ: ردًّا على النصارى؛ لأن كل طائفة منهم تدعي أنها على ملته وأنه على ملتهم.
طيب، قوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّكيف بدأ بـالَّذِينَ اتَّبَعُوهُقبل ذِكر النبي محمد صلى الله عليه وسلم والنبي أشرف منهم، هه، يلّا؟
طالب: لأن الاتباع ما يجيء إلا يكون أولًا بتصديق كتاب الله ثم كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: لا.
طالب: لأنهم الأول في الخلق.
الشيخ: هه.
طالب: لأنهم الأول في الخلق.
الشيخ: أسبقُ زمنًا.
الطالب: أسبق زمنًا من النبي.
الشيخ: لأنهم أسبق زمنًا، هذه واحدة، وجه ثانٍ؟
طالب: أن الله عز وجل شرَّف الرسول فقال: وَهَذَاعطفه.
الشيخ: عطفه؟
الطالب: أشار..
الشيخ: أخَّره، مش المشكلة التأخير، لكن الأخ يريد يقول: لأن الذين اتبعوه أسبق زمنًا، شيء آخر؟
طالب: الظاهر -والعلم عند الله- أن هؤلاء اليهود والنصارى الذين يدَّعون أن إبراهيم من ملتهم وهم لم يتبعوه وليسوا منه في شيء، بيّن الله لهم أن أولى الناس بإبراهيم الذين اتبعوه وهؤلاء لم يتبعوه وإنما يدَّعون أنهم يتبعونه بالاسم.
الشيخ: إي، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم أشرف من الذين اتبعوه، فلماذا قدَّمهم؟ نعم.
طالب: لأنهم اتبعوه في شريعته (...) أصول الدين.
الشيخ: أيش؟
طالب: شريعة الرسول الإسلام، ولكن لكل نبي شريعته الخاصة قال: اتبعوه في شريعته الخاصة (...).
الشيخ: إي نعم، صحيح؛ لأن الذين اتبعوه اتبعوه اتباعًا كاملًا، وأمَّا النبي صلى الله عليه وسلم فله منهاج يخالف منهاج إبراهيم فيما يتعلَّق بالمصالح لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: ٤٨]. فلمَّا كان الذين اتبعوه آخذين بأصول شريعته وفروعها ودقيقها وجليلها قدَّمَهُم.
طيب، قوله: لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُاللام هذه ويش معناها؟
طالب: تعليل.
الشيخ: لا، ما كل لام تعليل، ما كلُّ بيضاءَ شحمة.
طالب: حرف جر.
الشيخ: ولا هي بحرف جر، حرف الجر اسم مكسور مع اسم موصول، نعم..
طالب: للتوكيد.
الشيخ: الأخ..
الطالب: للتوكيد.
الشيخ: للتوكيد، إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ. طيب، قوله تعالى: وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَوفي بعض الآيات ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦٢] فأثبت ولايته على الكفار فما الجمع؟
طالب: اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: لكن الله هنا قال: وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَوفي بعض الآيات أثبت الله ولايته لغير المؤمنين.
طالب: إي نعم؛ لأن ولي المؤمنين بالاتباع الرسل.
الشيخ: لا.
طالب: المراد الولاية الخاصة يا شيخ.
الشيخ: المراد هنا الولاية الخاصة، وولاية الله لغير المؤمنين الولاية؟
الطلبة: عامة.
الشيخ: العامة، طيب.
طالب: بمعنى المحبة يا شيخ؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: بمعنى المحبة الولاية العامة؟
الشيخ: لا لا، الولاية العامة بمعنى التبليغ والسلطة، تولي الأمور. طيب، الأخ.. اقرأ.
طالب: (...) أعداء المسلمين.
الشيخ: التحذير..
طالب: من ولاية الكفار.
الشيخ: إي نعم، التحذير من اليهود والنصارى؛ لأنهم يريدون منَّا أيش؟ أن يُضِلُّونا؛ طيب كيف قال: وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ؟ ما وجه كونهم لا يُضلون إلا أنفسهم؟
طالب: لأنهم بهذا الإضلال هم ضالين في الأصل، وبهذا الإضلال يزيدون ضلالًا فيضلون أنفسهم.
الشيخ: أحسنت تمام. قوله: مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ
لماذا سمي القرآن ذِكْرًا؟ هه، يلَّا (...) سهمه الآن.
طالب: سُمي ذكرًا؛ لأن فيه ذكر الله، وكذلك الذكر يطلق على ثلاثة معانٍ.
الشيخ: على ثلاث جماعات؟!
الطالب: على ثلاثة معانٍ.
الشيخ: هيه.
الطالب: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ٤]، وكذلك واذكر ربك قيامًا وقعودًا، وهذا الذكر القرآن فيه ذكر لله تبارك وتعالى، وكذلك التلفظ والذكر يطلق على التلفظ وكذلك فيه ألفاظ.
الشيخ: كثَّرت علينا يا شيخ، نعم.
طالب:..
الشيخ: إي نعم.
طالب: لأن فيه ذكر من قبلنا ومن بعدنا.
الشيخ: أيش؟
الطالب: لأن فيه ذكر من قبلنا وذكر من بعدنا من القرون.
الشيخ: هيه.
طالب: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم..
الشيخ:طيب، وغيره؟
الطالب: الحديث..
الشيخ: هيه؟
الطالب: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم..
الشيخ: طيب هات!
الطالب: لا أحفظه.
طالب: لذكره في زبر الأولين.
الشيخ: لا.
طالب: لأنه يُتذكر به.
الشيخ: صح، لأنه يُتذكر به، طيب.
طالب: الذِّكر بمعنى الشرف يقول تعالى: وَإِنَّهُ..
الشيخ: نعم.
الطالب: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزخرف: ٤٤].
الشيخ: زين!
الطالب: ولإنه يُذكر به عزَّ وجلَّ.
الشيخ: لإنه ذكر..
الطالب: لله عز وجل..
الشيخ: لمن اتبعه وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ؛ أي: شرف، وَلِقَوْمِكَ. طيب، يلَّا.. الحكيم وصف للقرآن فهل هو من الحُكم لأن القرآن حاكم بين الناس، أو هو من الإحكام، لأن القرآن مُحكم؟
طالب: (...).
الشيخ: من المعنيين جميعًا؛ فالقرآن محكم وحاكم، طيب هذا الوصف لكل القرآن؟
الطالب: إي نعم، ورد الاختلاف فيه (...) إي نعم هو وصف لكل القرآن.
الشيخ: لكل القرآن.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، أَلَا يَرِدُ على هذا قوله تعالى: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران: ٧] فلم يجعل الله القرآن كله محكمًا؟
طالب: لأن المتشابهات بالنسبة لله سبحانه (...)، والمتشابهات بالنسبة للعامة غير حكيم.
الشيخ: يعني التشابه نسبي؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إيه، توافقون على هذا؟ وإذا رُد المتشابه إلى المحكم صار الجميع محكمًا. اتفضل.
طالب: وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران: ٧٥ - ٧٧].
تفسير الآيتين (75-٧٦)
00:26:41
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا؛ لَمَّا ذَكَرَ الله سبحانه وتعالى خيانة أهل الكتاب في الأمور الدينية، ولبسهم الحق بالباطل، وعُتُوِّهم وعنادهم ونفاقهم وتغييرهم للمؤمنين، ذَكَرَ حالَهم في الأمور الدنيوية في المال فقسمهم الله تعالى إلى قسمين فقال: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ وهذا يشمل اليهود والنصارى، وسُمُّوا أهلَ كتاب؛ لأنهم هم الذين عندهم بقايا من الدين النازل على الأنبياء؛ فاليهود عندهم بقايا من التوراة، والنصارى عندهم بقايا من الإنجيل.
مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُهنا يجب الإظهار؛ لأن الهمزة همزة قطع فيُقال: مَنْ إِنْخلافًا لما يصدر من بعض الناس حتى من أئمة المساجد فيقول: (مَنِ انْ تأمنْه) هذا خطأ؛ لأنه إذا قال: (مَنِ انْ تأمنه) جعل الهمزة همزةَ وصل، وهي همزة قطع؛ لأنها (إن) الشرطية مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُالخطاب في قوله: إِنْ تَأْمَنْهُيعود على المخاطَب؛ يعني من إن تأمنه أيها المخاطَب بِقِنْطَارٍ؛ يعني على قنطار يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، والقنطار عبارة عن المال الكثير من الذهب حَدَّهُ بعضُهم بألف دينار، وبعضُهم بملء مَسْكِ الثَّوْرِ -يعني جلدَ الثور- من الدنانير. وعلى كل حال يعني مَن إنْ ائْتَمنه بمال كثير من الذهب يؤدِّه إليك؛ أي: يَرُدُّهُ إليك من غير تغيير ولا نقص، والأداء: هو إبلاغُ الشيء، ومنه: أداءُ الحديث، ومنه: أداء الأمانات؛ أي: إبلاغُها إلى مستحقها. فـمَنْ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ؛ أي: يعطِهِ إياك سالمًا من كل نقص، وهذا أمين.
وفي قوله: يُؤَدِّهِ إِلَيْكَقراءتان؛ قراءة بالكسر كسر الهاء يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ، وقراءة أخرى بالسكون {يُؤَدِّهْ إِلَيْكَ}.
ومنهم: القسم الثاني الخائن الذي لا يُؤتمن مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَلَا يُؤَدِّهِ؛ نقول فيها كما قلنا في يؤده لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ؛ أي: {لَا يُؤَدِّهْ إِلَيْكَ} ولَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ.
مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ؛ والدينار هو الوحدة من النقد الذهبي وهو ما يُسمى عندنا بالجنيه إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ؛
أي: لا يرده إليك سالمًا بل يَنقصه ويخون فيه إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا؛ يعني إلا إذا بقيت قائمًا عليه مراقبًا له ناظرًا في أحواله، فحينئذٍ تسلم من خيانته؛ أما إذا غفلت أدنى غفلة فإنه سوف يخونك. فقسَّم الله عز وجل أهل الكتاب الآن إلى قسمين: قسم أمين إذا ائتمنته على مال كثير لم ينقصه شيئًا، وإن ائتمنته على المال القليل، لم يَنقص من باب أولى؛ لأنه إذا كان لا ينقص المالَ الكثيرَ شيئًا، مع أن المال الكثير إذا أُخذ منه الشيء القليل لا يتبيَّن، فَائْتِمَانُهُ عند المال القليل من باب أولى.
والقسم الثاني: من هو خائن لو ائتمنته على أقل القليل على واحدة من النقود فإنه لا يؤديها إليك، إلَّا إن كنت قائمًا عليه مراقبًا له فحينئذٍ تَسْلَمُ من شره، وإلَّا فإنه يمكن أن يَنقص الواحد من الدنانير، وإن ائتمنته على أقل من دينار..
الطلبة: لا يؤدِّه.
الشيخ: فكذلك لا يؤدِّهْ، وعلى أكثر؟
الطلبة: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى.
طيب، في هذه الآية من حيث الإعراب أولًا قوله: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ؛ مَنْمحلُّها من الإعراب وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ..
طالب: خبر.
الشيخ: مبتدأ، مبتدأ مؤخر وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}خبر مقدم، وهو اسمٌ موصول (مَنْ) ويحتاج إلى صلة فأين صلته؟ صلته الجملة الشرطية إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ؛ يعني لا تتم الصلة إلا إذا جاء الشرط وجوابه، فـإِنْشرطية، وتَأْمَنْهُفعل الشرط ويُؤَدِّهِجواب الشرط، والجملة؟
الطلبة: صلة الموصول.
الشيخ: صلة الموصول، الجملة صلة الموصول. طيب، ونقول أيضًا في الجملة الثانية وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَإلَّا أَنَّا نقول في الجملة الثانية: لَانافية لَا يُؤَدِّهِليست ناهية، نافية بالفاء، ويُؤَدِّهِجواب الشرط. طيب، جواب الشرط يحتاج إلى جزم وهنا يُؤَدِّهِالدال مكسورة غير مجزومة؟
نقول: هي..
طالب: لالتقاء الساكنين.
الشيخ: لا، ما في التقاء ساكنين. نقول: إن هذا الفعل آخره حرف علة والفعل الذي آخره حرف علة يجزم بحذف حرف العلة، وأصل يُؤَدِّهِأصلها: (يؤدِّيه)، فحُذفت الياء من أجل الجزم. وقوله: إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًاقَائِمًاإعرابها؟
الطلبة: حال.
الشيخ: لا إخواننا!
الطلبة: خبر، خبر (دام).
الشيخ: خبر (دام)؛ لأن دام من أخوات كان ترفع الاسم وتنصب الخبر، فالتاء اسمها فالتاء اسمها، وخبرُها..
الطلبة: قَائِمًا.
الشيخ: قَائِمًا، ثم قال الله عزَّ وجلَّ معلِّلاً خيانتهم للأمانة قال: ذَلِكَ؛ أي ما ذُكر من خيانتهم بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا
الباء هنا للسببية؛ أي أن عدم ائتمانهم بل عدم أمانتهم بأنهم قالوا؛ أي بسبب قولهم: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ، لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ؛ الأُميون هم العرب، وسُمُّوا أُميين نسبة إلى الأم، والإنسان الأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة: ٧٨]؛
يعني لا يعلمونه إلا قراءة، أما الأُمي في الأصل فهو الذي لا يقرأ ولا يكتب؛ ولهذا كان العرب لا يقرؤون ولا يكتبون إلا بعد أن بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم فكانت لهم القراءة والكتابة. طيب، فِي الْأُمِّيِّينَمَن؟
طالب: العرب.
الشيخ: العرب، وسُمُّوا أميين؛ لأنهم لا يقرؤون ولا يكتبون، وقال بعض المفسرين: المراد بالأميين مَن سوى أهل الكتاب، فيكون المراد بالأمي: مَن ليس له كتاب، ويكون هؤلاء اليهود والنصارى يقولون: كل الناس سوى أهل الكتاب ليس علينا فيهم سبيل، لنا أن نظلمهم نأخذَ أموالهم نقتلهم نَسْبِي نساءَهم؛ لأننا نحن المختارون عند الله وغيرُنا عبيدٌ لنا، والإنسان يفعل في عبيده ما شاء؛ ولهذا تقول اليهود: إنهم شعب الله المختار، نعم ولكن الله اختارهم على عالمي زمانهم ولكنهم لم يشكروا هذه النعمة. طيب، قالوا: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ؛ فِي الْأُمِّيِّينَفي أموالهم، ولَّا في أموالهم ودمائهم وجميع شؤونهم؟
الطلبة: (...)
الشيخ: نعم، من نظر إلى سياق الآية وأنها في سياق الائتمان على المال قيَّدَ هذا بأنه ليس علينا في الأميين سبيل فيما يتعلق بأيش؟
الطلبة: بالمال.
الشيخ: بالمال، ومن نظر إلى العموم قال: إنها تشمل أنهم يدَّعون أنه لا سبيل عليهم في الأُميين في أموالهم ودمائهم، وهذا المعنى أعمّ وإذا كان المعنى أعم واللفظ لا ينافيه فالاختيار أيش؟
الطلبة: الأعم.
الشيخ: أن تأخذ بالأعم؛ لأن الأعم يشمل الأخص ولا عكس، إذن لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌلا في أموالهم ولا في دمائهم، وقولهم: سَبِيلٌالسبيل في الأصل الطريق، والمراد به هنا اللوم؛ يعني ليس علينا سبيل في اللوم أو سبيل إلى اللوم؛ أي أننا لا نُلام ولا نُذَم ولا نأثم فيما يتعلق بمن؟
الطلبة: الأميين.
الشيخ: في الأميين، طيب هذا القول الذي يقولونه ليسوا ينسبونه لأنفسهم وأنهم هم الذين أباحوا لأنفسهم الاعتداء على الأميين، وإنما يجعلون هذا شرعًا من عند الله يقولون: إن الله أباح لنا ذلك ولم يجعل علينا سبيلًا فيما يتعلق بالأميين؛ ولهذا قال الله عز وجل: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ؛ أي أنهم يكذبون على الله ويفترون على الله ويدَّعُون هذا شرعًا من الله وهم يعلمون أن الله حرَّم عليهم أكلَ أموال الناس بالباطل ودماءَ الناس وأعراضَهم، يعلمون هذا لكنهم يكذبون على الله.
الإعراب: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ؛ قلنا: إن الباء..
الطلبة: للسببية.
الشيخ: للسببية، طيب وقوله: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌسَبِيلٌمرفوعة..
الطلبة: اسم ليس.
الشيخ: على أنها اسم ليس، وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَالْكَذِبَمفعول يَقُولُونَ، وقيل: إنه صفة لمصدر محذوف تقديره؟
طالب: القول.
الشيخ: القول الكذب، يقولون على الله القول الكذب، طيب، عَلَى اللَّهِجار ومجرور متعلِّق بـيَقُولُونَ، ولكنَّنا نقول: إنه إذا كان متعلِّقًا بـيَقُولُونَفإن يَقُولُونَهنا مُضَمَّنَةٌ معنى (يفترون)، فـيَقُولُونَ: أي يفترون على الله الكذب، ويمر علينا كثيرًا في القرآن الكريم مثل هذا التعبير يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النساء: ٥٠].
طيب، التضمين مرَّ علينا أظن ولا أدري هل تذكرون ذلك أم لا؟ أن التضمين مختلَفٌ فيه هل نُضَمِّنُ الفعلَ معنًى يناسب المعمول أو أننا نجعل التضمين في الحرف مثلًا؟ وسبق لنا أن القول الراجح: أننا نُضَمِّنُ الفعلَ معنًى يناسب الحرف، ومن أبرز الأمثلة على ذلك قوله تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان: ٦].
الشيخ: معنا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: من أبرز المثال على ذلك قوله تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِالعين هل هو يُشرب بها ولَّا يُشرب بالكأس؟
الطلبة: بالكأس.
الشيخ: بالكأس، هه، ولا بالعين؟
الطلبة: بالكأس.
الشيخ: بالكأس، الإنسان إذا جلس على النهر يشرب ما هو بيشيل النهر يشرب، وإنما يشرب بالكأس من النهر، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: طيب، بعض العلماء قال: إن (الباء) في قوله: يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِبمعنى (مِن)، الباء بمعنى مِن؛ أي: يَشرب منها، وعلى هذا القول تكون يَشْرَبُعلى ظاهرها من الشُّرب. وبعضهم قال: بل إن يَشْرَبُبمعنى يَرْوَى، وعلى هذا فالباء للسببية وليست بمعنى مِن؛ أي عينًا يَرْوَى بها عبادُ الله. وهذا المعنى أصح؛ لأنه إذا ضُمِّنت يَشْرَبُمعنى يروى فإنه لا رِيَّ إلا بعد شُرْب، إلا بعد شُرْب، وعلى هذا يكون الفعل يروى دالًّا على معنى الشرب، ويش بعد؟
الطلبة: وزيادة.
الشيخ: وزيادة، لكن إذا قلت: يَشْرَبُعلى ظاهرها والباء بمعنى (مِن) لم نستفد هذه الفائدة وهي الرِّيُّ، إي نعم، طيب إذن يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِنقول: عَلَى اللَّهِمتعلِّق بأيش؟ بـيَقُولُونَعلى أنها مضمَّنة معنى (يفترون) وقولهم: يَعْلَمُونَالجملة حال من الواو في قوله: يَقُولُونَ؛ يعني يقولون وهم يعلمون أنهم كاذبون فيكون قولُهم أشدَّ من قول من يقول الكذب وهو لا يعلم أنه كذب.
ثم قال الله عز وجل: بَلَىبلى: حرف إبطال في هذا
المقام أو في هذا السياق لِمَا قالوه وهو لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ؛ أي: بلى عليهم سبيل؛ لأنهم إذا خانوا الأمانة فإن
عليهم السبيل، كل مَن خان أمانته؟
طالب: عليه السبيل.
الشيخ: فعليه السبيل، هم أو غيرهم، فيكون قوله: بَلَىحرفٌ جِيء به لإبطال ما ادَّعَوْهُ في قولهم:
الطلبة: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ..
الشيخ: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌطيب، ثم قال: مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى؛ مَنْالجملة هذه استئنافية ويأتي إعرابُها في آخر الكلام على الآية. مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى؛ أَوْفَىبمعنى أتَمَّ فهي فعل ماض وليست اسمَ تفضيل، يعني أتم بعهده؛ أي بما عاهد عليه غيرَه واتقى الله في هذا الإيفاء فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. طيب قوله: مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِنحن قلنا: بِعَهْدِهِ؛ أي: بالعقد الذي عاقد عليه، وهل العقد عهد؟ نعم العقد عهد، فإن المتعاقديْن يُعاهد كل واحد منهما الآخر على إتمام ما تَمَّ العقدُ عليه وإن لم يُذكر العهد باللفظ لكن هذا مقتضى العقد، مقتضى العقد أني إذا تعاقدت معك أن أُوفي لك بما تم العقد عليه فيكون كل عقد أيش؟
الطلبة: عهد.
الشيخ: عهدًا.
طيب، قال: بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ؛ أي: بما عاهد عليه غيرَه من العقود وغيرها، ومنه الأمانة إذا ائتمنتُك على شيء فقد عاهدتُك على حِفظه. طيب وقوله: وَاتَّقَىاتقى مَن؟
الطلبة: اتقى الله.
الشيخ: اتقى الله؛ بوفائه بالعهد، ومن اتقاء الله اتقاءُ الخيانة، ألَّا يخون، والتقوى مأخوذة من الوقاية، وهي اسم جامع لفعل ما أمر الله به واجتنابِ ما نهى عنه، هذه التقوى، اسم جامع لفعل ما أمر الله به، أتِمَّ.
الطلبة: واجتناب ما نهى عنه..
الشيخ: واجتناب ما نهى عنه. فإن ذُكِرَتْ مع البِر اختصَّت بالمناهي، واختص البر بالأوامر، كقوله: تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢]؛ أي على فعل الأوامر واجتناب النواهي، أما إذا ذُكرت التقوى وحدَها، فهي شاملة لفعل الأوامر واجتناب النواهي. إذن التقوى اسمٌ جامع لفعل ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه ولفظها يدل على هذا؛ لأنها مأخوذة من الوقاية، ولا وقاية من عذاب الله إلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه هي التقوى.
وقال بعض العلماء: التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثوابَ الله؛ فجَمَع بين العلم والعمل والاحتساب؛ أن تعمل بطاعة الله هذا أيش؟ العمل. على نور من الله؟
الطلبة: عِلم.
الشيخ: العلم. ترجو ثواب الله؟
الطلبة: احتساب.
الشيخ: الاحتساب. وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عقاب الله؛ أيضًا جمع بين العلم والعمل والاحتساب، وقال آخرون في تعريف التقوى:
طالب: عليه السبيل.
الشيخ: فعليه السبيل، هم أو غيرهم، فيكون قوله: بَلَىحرفٌ جِيء به لإبطال ما ادَّعَوْهُ في قولهم:
الطلبة: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ..
الشيخ: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌطيب، ثم قال: مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى؛ مَنْالجملة هذه استئنافية ويأتي إعرابُها في آخر الكلام على الآية. مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى؛ أَوْفَىبمعنى أتَمَّ فهي فعل ماض وليست اسمَ تفضيل، يعني أتم بعهده؛ أي بما عاهد عليه غيرَه واتقى الله في هذا الإيفاء فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. طيب قوله: مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِنحن قلنا: بِعَهْدِهِ؛ أي: بالعقد الذي عاقد عليه، وهل العقد عهد؟ نعم العقد عهد، فإن المتعاقديْن يُعاهد كل واحد منهما الآخر على إتمام ما تَمَّ العقدُ عليه وإن لم يُذكر العهد باللفظ لكن هذا مقتضى العقد، مقتضى العقد أني إذا تعاقدت معك أن أُوفي لك بما تم العقد عليه فيكون كل عقد أيش؟
الطلبة: عهد.
الشيخ: عهدًا.
طيب، قال: بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ؛ أي: بما عاهد عليه غيرَه من العقود وغيرها، ومنه الأمانة إذا ائتمنتُك على شيء فقد عاهدتُك على حِفظه. طيب وقوله: وَاتَّقَىاتقى مَن؟
الطلبة: اتقى الله.
الشيخ: اتقى الله؛ بوفائه بالعهد، ومن اتقاء الله اتقاءُ الخيانة، ألَّا يخون، والتقوى مأخوذة من الوقاية، وهي اسم جامع لفعل ما أمر الله به واجتنابِ ما نهى عنه، هذه التقوى، اسم جامع لفعل ما أمر الله به، أتِمَّ.
الطلبة: واجتناب ما نهى عنه..
الشيخ: واجتناب ما نهى عنه. فإن ذُكِرَتْ مع البِر اختصَّت بالمناهي، واختص البر بالأوامر، كقوله: تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢]؛ أي على فعل الأوامر واجتناب النواهي، أما إذا ذُكرت التقوى وحدَها، فهي شاملة لفعل الأوامر واجتناب النواهي. إذن التقوى اسمٌ جامع لفعل ما أمر الله به واجتناب ما نهى عنه ولفظها يدل على هذا؛ لأنها مأخوذة من الوقاية، ولا وقاية من عذاب الله إلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه هي التقوى.
وقال بعض العلماء: التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثوابَ الله؛ فجَمَع بين العلم والعمل والاحتساب؛ أن تعمل بطاعة الله هذا أيش؟ العمل. على نور من الله؟
الطلبة: عِلم.
الشيخ: العلم. ترجو ثواب الله؟
الطلبة: احتساب.
الشيخ: الاحتساب. وأن تترك ما نهى الله على نور من الله تخشى عقاب الله؛ أيضًا جمع بين العلم والعمل والاحتساب، وقال آخرون في تعريف التقوى:
| خَـــــلِّ الذُّنُـــــــوبَ صَغِيرَهَـــــــــا | وَكَبِيرَهَــــــــــــــا ذَاكَ التُّقَــــــــــــــــــــى |
| وَاعْمَــــــــلْ كَمَـــــــاشٍ فَـــــــــــوْقَ | أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى |
| لا تَحْقِـــــــــــــــرَنَّ صَغِيــــــــــــــــــــــــرَةً | إِنَّ الْجِبَــــــالَ مِــــــنَ الْحَصَـــــــــــى |
وهذا أيضًا لا يُنافي ما سبق، لكن اختلاف تعبير، الاختلاف في التعبير.
طيب، وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَهنا قال: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَولم يقل: فإن الله يحبه، ومثل هذا التعبير يُسمى الإظهار في موضع الإضمار، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد، منها:
تنبيه المخاطَب، تنبيه المخاطَب؛ ووجهُ ذلك أن الكلام إذا كان على نسق واحد لم يكن فيه ما يستدعي الانتباه، أليس كذلك؟ ولهذا يمشي المخاطَب أو المتكلِّم ما يكون في كلامه ما يستدعي الانتباه، فإذا تغيَّر الأسلوب وجاء الاسم مظهرًا في موضع الإضمار فإن الإنسان ينتبه لأيش ما قال: فإن الله يحبك؟
ثانيا: أن في الإظهار في موضع الإضمار التعليل للحكم الذي جاء فيه الإظهار في موضع الإضمار؛ وذلك أن قوله: فإن الله يحبه ليست في إظهار العلة كقوله: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ؛ لأنه إذا قال: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَلماذا؟ لتقواهم فأفاد العلة.
ثالثا: أنها تفيد التعميم؛ أي: كل من يعمه هذا المظهر، واقرأ قول الله تعالى: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: ٩٨]. ولم يقل: فإن الله عدو له؛ لأجل أن يشمل كلَّ كافر سواء كان كفره بهذه العداوة أو بغيرها، فيكون في هذا تعميم الحكم.
طيب، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَنأخذ الفوائد من هذه الآيات:
طيب، من هذه الآيات بيان أن أهل الكتاب انقسموا في الأمانة إلى قسمين:
طالب: الإعراب يا شيخ؟
الشيخ: نعم نعم الإعراب، طيب: بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ؛ مَنْهذه اسم شرط جازم، وأَوْفَى
الطلبة: فعل الشرط.
الشيخ: فعل الشرط، وَاتَّقَىمعطوف عليه، وجملة فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ..
طالب: جواب الشرط.
الشيخ: جواب الشرط. ولكن قد تقول: لماذا اقترن جوابُ الشرط بالفاء مع أن الشرط في قوله: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِولَا يُؤَدِّهِليس فيها فاء؟ والجواب على ذلك أن نقول: إذا كان جواب الشرط لا يصلح أن يكون فعلا للشرط وجب اقترانه بالفاء، عرفتم؟
طالب: نعم.
الشيخ: إذا كان جواب الشرط لا يصلح أن يكون فعلًا للشرط وجب اقترانه بالفاء؛ قال ابن مالك:
طيب، وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَهنا قال: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَولم يقل: فإن الله يحبه، ومثل هذا التعبير يُسمى الإظهار في موضع الإضمار، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد، منها:
تنبيه المخاطَب، تنبيه المخاطَب؛ ووجهُ ذلك أن الكلام إذا كان على نسق واحد لم يكن فيه ما يستدعي الانتباه، أليس كذلك؟ ولهذا يمشي المخاطَب أو المتكلِّم ما يكون في كلامه ما يستدعي الانتباه، فإذا تغيَّر الأسلوب وجاء الاسم مظهرًا في موضع الإضمار فإن الإنسان ينتبه لأيش ما قال: فإن الله يحبك؟
ثانيا: أن في الإظهار في موضع الإضمار التعليل للحكم الذي جاء فيه الإظهار في موضع الإضمار؛ وذلك أن قوله: فإن الله يحبه ليست في إظهار العلة كقوله: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ؛ لأنه إذا قال: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَلماذا؟ لتقواهم فأفاد العلة.
ثالثا: أنها تفيد التعميم؛ أي: كل من يعمه هذا المظهر، واقرأ قول الله تعالى: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: ٩٨]. ولم يقل: فإن الله عدو له؛ لأجل أن يشمل كلَّ كافر سواء كان كفره بهذه العداوة أو بغيرها، فيكون في هذا تعميم الحكم.
طيب، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَنأخذ الفوائد من هذه الآيات:
طيب، من هذه الآيات بيان أن أهل الكتاب انقسموا في الأمانة إلى قسمين:
طالب: الإعراب يا شيخ؟
الشيخ: نعم نعم الإعراب، طيب: بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ؛ مَنْهذه اسم شرط جازم، وأَوْفَى
الطلبة: فعل الشرط.
الشيخ: فعل الشرط، وَاتَّقَىمعطوف عليه، وجملة فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ..
طالب: جواب الشرط.
الشيخ: جواب الشرط. ولكن قد تقول: لماذا اقترن جوابُ الشرط بالفاء مع أن الشرط في قوله: مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِولَا يُؤَدِّهِليس فيها فاء؟ والجواب على ذلك أن نقول: إذا كان جواب الشرط لا يصلح أن يكون فعلا للشرط وجب اقترانه بالفاء، عرفتم؟
طالب: نعم.
الشيخ: إذا كان جواب الشرط لا يصلح أن يكون فعلًا للشرط وجب اقترانه بالفاء؛ قال ابن مالك:
| وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ | شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْجَعِلْ |
هذا الضابط إذا كان جواب الشرط لا يصلح أن يكون فعلًا للشرط وجب اقترانُه بالفاء. هذا هو الضابط وتفصيل هذا الضابط مذكور في البيت المشهور:
| اسْمِيَّــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌ وَبِجَامِـــــــــــــــــــــدٍ | وَبِمَــــا وَلَـــنْ وَبِقَــــدْ وَبِالتَّنْفِيـــــــــــــــسِ |
هذه سبعة مواضع. فإذا جاء جوابُ الشرط أحدَ هذه السبعة وجب اقترانه بالفاء. الجملة هنا فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
طلبية؟
الطلبة: اسمية.
الشيخ: اسمية صحيح؛ لأن اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
مبتدأ وخبر لكنه منسوخ بـ(إن)، فالجملة هنا اسمية.
هذه الآيات من فوائدها:
أولًا: بيان انقسام أهل الكتاب إلى قسمين؛ أمين وخائن. كما انقسموا إلى قسمين: مؤمن وكافر؛ فمثلا عبد الله بن سلام رضي الله عنه كان من أحبار اليهود ومَنَّ الله عليه بالإسلام فأسلم، كذا؟ وكعب بن الأشرف من أشراف اليهود ولكنه بقي على كفره فلم يؤمن. فهم كما انقسموا إلى كافر ومؤمن انقسموا أيضًا إلى خائن وأمين.
طيب، ولقد آمنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم اليهودَ. و«مَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ» . وهذا يدل على أن من اليهود مَن هو أمين وإلَّا كيف الرسول صلى الله عليه وسلم يرهن الدرع وهو من آلات الحرب عند هذا الرجل اليهودي؛ لكنه كان أمينًا.
من فوائد الآية: أنه يجب الحذر من أهل الكتاب، اليهود والنصارى؛ لأنهم ما داموا ينقسمون إلى قسمين فإننا لا ندري حين نعاملهم من أي القسمين هؤلاء؟ فيجب علينا الحذر لا سيما إذا تبيَّن لنا أنهم خونة أهل غدر، وأنهم لا يسعون لمصالحنا أبدًا كما هو الواقع، فإن الواقع في الوقت الحاضر أنَّ اليهود والنصارى لا يسعون أبدًا لصالح المسلمين، بل يسعون..
الطلبة: لازدراء المسلمين..
الشيخ: للإغرار بالمسلمين والإفساد عليهم، حتى إنهم إذا رأوا الدولة متجهة للإسلام من دول المسلمين فإنهم يحاولون إسقاطها والتضييق عليها من الناحية الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وهذا شيء يعرفه كل من تدبر وتأمل في الحوادث اليوم.
إذن يجب علينا أن نحذر غاية الحذر من اليهود والنصارى، وأن نعلم أن اليهود والنصارى كل واحد منهم وليٌّ للآخر كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة: ٥١]. مهما طال الأمد فهم أولياء ضد عدوٍّ مشترك وهم؟
الطلبة: المسلمون.
الشيخ: المسلمون، إي نعم.
ومن فوائد هذه الآية: جواز الاقتصار على المثال ليقاس عليه ما يشبهه؛ لأنه قال: قنطار ودينار. طيب ولو ائتمنته على سيارة أو على لعبة صبي، مثلُها؟
الطلبة: مثلها طبعًا.
الشيخ: نعم، من أهل الكتاب من إن تأمنه بلعبة صبي لا يؤدها إليك إلا ما دمت عليه قائمًا، ومنهم من إن تأمنه على السيارة نعم، ويرُدُّها إليك سالمة؛ لكن ذكر الله الدينار والقنطار على سبيل التمثيل.
ومن فوائد هذه الآيات: إعجاب أهل الكتاب بأنفسهم واحتقارهم لغيرهم؛ لأنهم قالوا: لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌوهذا يدل على العُجب بالنفس واحتقار الغير.
ومن فوائدها: أن أهل الكتاب لا يقتصرون على الظلم والعدوان ويجعلون ذلك من تلقاء أنفسهم، بل ينسبونه إلى شريعة الله؛ ودليل ذلك قوله تعالى: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَفهم يقولون على الله الكذب في هذا وفي غيره.
ومن فوائد هذه الآيات: أنَّ مَن افترى الكذب على الله فيما يفتي به أو يحكم به بين الناس، ففيه شَبَهٌ بِمَنْ؟ باليهود والنصارى، فيه شبه باليهود والنصارى، وقد وجد في هذه الأمة من يفتري الكذب على الله سواءٌ في الحكم بين الناس أو في الفتوى التي ليست بحكم ولكنها إخبار عن الشرع.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن من افترى على الله الكذب وهو يعلم، أشدُّ إثمًا وعدوانًا ممَّن لا يعلم، وإن كان كلٌّ منهم على خطأ لكن ليس المتعمِّد كغير المتعمِّد؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» .
ومن فوائد ذلك: الإشارة إلى أن الجهل المركب أقبح من الجهل البسيط، ما وجه ذلك؟
الطلبة: (...).
الشيخ: لأن الذي يكذب وهو يعلم، أقبح من الذي يكذب ولا يعلم؛ فالجاهل المركب الذي يتقدم بالشيء وهو يعرف أنه ليس عنده علم، أقبح من الشخص الذي يرى أن هذا هو العلم.
ومن فوائد الآيات: الثناء على المُوفِين بالعهد، كقوله: بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ.
ومن فوائدها: أن الوفاء بالعهد من أسباب محبة الله؛ لقوله: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ.
ومن فوائدها أيضًا: أن تقوى الله عمومًا سبب أيش؟ لمحبته.
ومن فوائد الآيات: الرد على الأشاعرة وغيرهم من أهل التعطيل الذين أنكروا محبة الله، وقالوا: إنه لا يجوز أن تثبت أن الله يحب؛ إذا أثبت أن الله يحب فقد وصفت الله بالنقص والعيب؛ لأن هذا من خصائص المحدثات؛ ولأن المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين، فكيف تثبت أن الله يحب؟ أثبتها الله لنفسه. قالوا: ليس المراد بإثبات المحبة نفس المحبة، المراد بذلك لازمها وهو الإثابة، فمعنى يُحِبُّ الْمُتَّقِينَيعني يثيب المتقين، أما أن يكون يحبهم فكلَّا وبل لا؛ العلة؟ قالوا:
طالب: المحبة بين شيئين..
الشيخ: لا تكون المحبة إلا بين شيئين متناسبين؛ ولأن المحبة من سمات الْمُحْدَثِين فلا تليق بالله عزوجل، ولكننا نقول: هذا تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن النصوص لا تكاد تُحصى في إثبات محبة الله، وأنه يُحِب ويُحَب فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤]. والمحبة غير الثواب، إذا أحبَّ اللهُ العبدَ أثابه؛ فالإثابة مِن لازم المحبة. وقولهم: إنها لا تكون إلا بين متناسبين، هذا غير صحيح؛ فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أُحُد: «جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» وأين المناسبة بين البشر والجبل؟ وثبت بالواقع المحسوس أن بعض الحيوان يحب البشر؛ فالناقة تحب صاحبها وتأتي إليه من بين الناس تَبْرُك عنده، نعم، ولو جاء أحد غير صاحبها لَنَفَحَتْهُ برِجلها أو عضَّته بفمها لكن صاحبها تَحِنُّ إليه وتجلس عنده، وإذا سمعت صوته وإن لم تَرَهُ حنَّت، وكذلك بقية الحيوان شيء مشاهد وهذا محبة؛ الآن الهرة تحب بعض أهل البيت دون بعض، إذا جاء أحد أهل البيت الذين لا تحبهم هربت وكشَّت عليه، نعم، وإذا جاء الذي تحب دَنَتْ منه وجعلت تتمسح به، وهذا شيء مشاهَد؛ ما الذي جعلها تتمسح بهذا وتهاديه وتجلب وُدَّه، والثاني تهرب منه وتعاتبه؟
طالب: المحبة.
الشيخ: المحبة، ما فيه شك هذا شيء مشاهد. فدعواهم الآن بأن المحبة لا تكون إلا بين شيئين يكذبها السمعُ والواقعُ؛ السمع لقول النبي صلى الله عليه وسلم في أحد: «جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» . والواقع ما يحتاج إلى إقامة بينة؛ لأن كل أحد يعرفه.
بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَجاء الوقت؟
طالب: في قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِهذا للتقليل؟
الشيخ: هه؟
الطالب: للتقليل هذا؟
الشيخ: لا، هذه للتبعيض.
الطالب: أي بعضهم..
الشيخ: بعضٌ منهم نعم، والبعض الآخر مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ. طيب فيه في الحقيقة في فائدة في الآية وهو أنه ينبغي مراقبة الخائن والقيام عليه؛ فإذا أعطيتَ مالَكَ مَن ليس بأمين فإنه ليس من الحزم ولا من العزم أن تَدَعَهُ، بل احترز منه، وإذا كان هذا في الائتمان على الأموال فالائتمانُ على الأعراض من باب أولى؛ ولهذا حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الدخول على النساء وقال: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الْحَمُو؟ قَالَ: «الْحَمُو الْمَوْتُ» .
فكل شيء تخشى منه تضييعَ الأمانة، فاحرِص على أن تكون مراقبًا عليه وقائمًا عليه؛ ولهذا قال: إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا.
الطالب: الآن تأتي بعض الدعوات بالدعوة إلى الأمية يُخرجون أولادهم من المدارس وكذا، يحتجون بالأميات هذه الذي ذُكِر في القرآن؟
الشيخ: أيش لون؟
الطالب: أقول: فيه دعوات، ليست يعني منتشرة وليست قوية، في الاحتجاج بالأمية نحن أمة أمية، فهل هذه تزكية؟ أمية..
الشيخ: لا، ما هي تزكية، الأمية عيب ذكرها الله تعالى بصفة القدح فقال: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ، وأشار إليها أيضًا في قوله: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الجمعة: ٢]. والضلال لا أحد يرى أنه مدح، لكنها بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم تزكيةٌ؛ لأن كونَه أُمِّيًّا ويأتي بهذا الكتاب العظيم يدل على أنه صادق؛ لأن الأمي لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الكتاب كما قال تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨]. ونحن «أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ» كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن بعد أن فتح الله علينا وآتانا العلم والحكمة صرنا أمة علمية لا أمة أمية.
إذا قال قائل: هذا ينتقض عليك؛ لأن الرسول قال: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ» في المدينة بعد أن نزل عليه الكتاب؟ نقول: نعم، هو قاله باعتبار الهلال، باعتبار الهلال؛ ونحن باعتبار الهلال حتى بعد الفتوحات أمة أمية لا ندري عن حساب الأهلة ولا نعرفها، إي نعم.
الطالب: المعنى الثاني، تفسير أُمِّيِّين المعنى الثاني الذي قلت، له وجه؟
الشيخ: له وجه؛ لأن قوله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَيحكي عن أهل الكتاب؛ لأنهم لا يعرفون الكتاب إلا أمانيَّ؛ إلا قراءة، وهذه فيها، انتبه، إن فيها ذم للذين يعتنون باللفظ القرآني ويغفُلون عن المعنى؛ بعض الناس يعتني بألفاظ القرآن وتجده يصل إلى حد الوسواس في إظهار بعض الحروف بناءً على أنه يريد أن يظهرها على حسب التجويد أو قواعد التجويد عندهم، لكنهم في المعنى..
الطلبة: لا يعرفونه..
الشيخ: لا يعرفونه، لا يعتنون به إطلاقًا فهم أميون؛ ولهذا أنكر شيخ الإسلام رحمه الله على مثل هؤلاء الذي يبالغون في إظهار الحروف وصفات الحروف وهم غافلون عن معاني القرآن.
الشيخ: لأن الذي يكذب وهو يعلم، أقبح من الذي يكذب ولا يعلم؛ فالجاهل المركب الذي يتقدم بالشيء وهو يعرف أنه ليس عنده علم، أقبح من الشخص الذي يرى أن هذا هو العلم.
ومن فوائد الآيات: الثناء على المُوفِين بالعهد، كقوله: بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ.
ومن فوائدها: أن الوفاء بالعهد من أسباب محبة الله؛ لقوله: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ.
ومن فوائدها أيضًا: أن تقوى الله عمومًا سبب أيش؟ لمحبته.
ومن فوائد الآيات: الرد على الأشاعرة وغيرهم من أهل التعطيل الذين أنكروا محبة الله، وقالوا: إنه لا يجوز أن تثبت أن الله يحب؛ إذا أثبت أن الله يحب فقد وصفت الله بالنقص والعيب؛ لأن هذا من خصائص المحدثات؛ ولأن المحبة لا تكون إلا بين شيئين متناسبين، فكيف تثبت أن الله يحب؟ أثبتها الله لنفسه. قالوا: ليس المراد بإثبات المحبة نفس المحبة، المراد بذلك لازمها وهو الإثابة، فمعنى يُحِبُّ الْمُتَّقِينَيعني يثيب المتقين، أما أن يكون يحبهم فكلَّا وبل لا؛ العلة؟ قالوا:
طالب: المحبة بين شيئين..
الشيخ: لا تكون المحبة إلا بين شيئين متناسبين؛ ولأن المحبة من سمات الْمُحْدَثِين فلا تليق بالله عزوجل، ولكننا نقول: هذا تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن النصوص لا تكاد تُحصى في إثبات محبة الله، وأنه يُحِب ويُحَب فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة: ٥٤]. والمحبة غير الثواب، إذا أحبَّ اللهُ العبدَ أثابه؛ فالإثابة مِن لازم المحبة. وقولهم: إنها لا تكون إلا بين متناسبين، هذا غير صحيح؛ فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في أُحُد: «جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» وأين المناسبة بين البشر والجبل؟ وثبت بالواقع المحسوس أن بعض الحيوان يحب البشر؛ فالناقة تحب صاحبها وتأتي إليه من بين الناس تَبْرُك عنده، نعم، ولو جاء أحد غير صاحبها لَنَفَحَتْهُ برِجلها أو عضَّته بفمها لكن صاحبها تَحِنُّ إليه وتجلس عنده، وإذا سمعت صوته وإن لم تَرَهُ حنَّت، وكذلك بقية الحيوان شيء مشاهد وهذا محبة؛ الآن الهرة تحب بعض أهل البيت دون بعض، إذا جاء أحد أهل البيت الذين لا تحبهم هربت وكشَّت عليه، نعم، وإذا جاء الذي تحب دَنَتْ منه وجعلت تتمسح به، وهذا شيء مشاهَد؛ ما الذي جعلها تتمسح بهذا وتهاديه وتجلب وُدَّه، والثاني تهرب منه وتعاتبه؟
طالب: المحبة.
الشيخ: المحبة، ما فيه شك هذا شيء مشاهد. فدعواهم الآن بأن المحبة لا تكون إلا بين شيئين يكذبها السمعُ والواقعُ؛ السمع لقول النبي صلى الله عليه وسلم في أحد: «جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» . والواقع ما يحتاج إلى إقامة بينة؛ لأن كل أحد يعرفه.
بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَجاء الوقت؟
طالب: في قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِهذا للتقليل؟
الشيخ: هه؟
الطالب: للتقليل هذا؟
الشيخ: لا، هذه للتبعيض.
الطالب: أي بعضهم..
الشيخ: بعضٌ منهم نعم، والبعض الآخر مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ. طيب فيه في الحقيقة في فائدة في الآية وهو أنه ينبغي مراقبة الخائن والقيام عليه؛ فإذا أعطيتَ مالَكَ مَن ليس بأمين فإنه ليس من الحزم ولا من العزم أن تَدَعَهُ، بل احترز منه، وإذا كان هذا في الائتمان على الأموال فالائتمانُ على الأعراض من باب أولى؛ ولهذا حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الدخول على النساء وقال: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الْحَمُو؟ قَالَ: «الْحَمُو الْمَوْتُ» .
فكل شيء تخشى منه تضييعَ الأمانة، فاحرِص على أن تكون مراقبًا عليه وقائمًا عليه؛ ولهذا قال: إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا.
الطالب: الآن تأتي بعض الدعوات بالدعوة إلى الأمية يُخرجون أولادهم من المدارس وكذا، يحتجون بالأميات هذه الذي ذُكِر في القرآن؟
الشيخ: أيش لون؟
الطالب: أقول: فيه دعوات، ليست يعني منتشرة وليست قوية، في الاحتجاج بالأمية نحن أمة أمية، فهل هذه تزكية؟ أمية..
الشيخ: لا، ما هي تزكية، الأمية عيب ذكرها الله تعالى بصفة القدح فقال: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ، وأشار إليها أيضًا في قوله: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الجمعة: ٢]. والضلال لا أحد يرى أنه مدح، لكنها بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم تزكيةٌ؛ لأن كونَه أُمِّيًّا ويأتي بهذا الكتاب العظيم يدل على أنه صادق؛ لأن الأمي لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الكتاب كما قال تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: ٤٨]. ونحن «أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ» كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن بعد أن فتح الله علينا وآتانا العلم والحكمة صرنا أمة علمية لا أمة أمية.
إذا قال قائل: هذا ينتقض عليك؛ لأن الرسول قال: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ» في المدينة بعد أن نزل عليه الكتاب؟ نقول: نعم، هو قاله باعتبار الهلال، باعتبار الهلال؛ ونحن باعتبار الهلال حتى بعد الفتوحات أمة أمية لا ندري عن حساب الأهلة ولا نعرفها، إي نعم.
الطالب: المعنى الثاني، تفسير أُمِّيِّين المعنى الثاني الذي قلت، له وجه؟
الشيخ: له وجه؛ لأن قوله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَيحكي عن أهل الكتاب؛ لأنهم لا يعرفون الكتاب إلا أمانيَّ؛ إلا قراءة، وهذه فيها، انتبه، إن فيها ذم للذين يعتنون باللفظ القرآني ويغفُلون عن المعنى؛ بعض الناس يعتني بألفاظ القرآن وتجده يصل إلى حد الوسواس في إظهار بعض الحروف بناءً على أنه يريد أن يظهرها على حسب التجويد أو قواعد التجويد عندهم، لكنهم في المعنى..
الطلبة: لا يعرفونه..
الشيخ: لا يعرفونه، لا يعتنون به إطلاقًا فهم أميون؛ ولهذا أنكر شيخ الإسلام رحمه الله على مثل هؤلاء الذي يبالغون في إظهار الحروف وصفات الحروف وهم غافلون عن معاني القرآن.
***
طالب: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) [آل عمران: ٧٧ - ٨١].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
أظن أن ما سبق قد أخذنا فوائده؟
الطلبة: نعم، ما انتهينا يا شيخ.
الشيخ: ما انتهينا؟ إلى؟
الطلبة: (...) ينبغي معاقبة الخائن، هذه آخر فائدة.
الشيخ: إي نعم، طيب، من فوائد الآيات السابقة وهي قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا.
من فوائدها: أن هؤلاء الخونة من اليهود عندهم ما يُلَبِّسُون به باطلهم في قولهم: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ.
ومن فوائدها: بيان ما كان عليه اليهود من إعجابهم بأنفسهم واحتقارهم لعباد الله.
ومن فوائدها: أن هؤلاء اليهود يقولون على الله الكذب فيفترونه وهم كاذبون، وهذا أسوأ ممن يقول الكذب وهو جاهل.
ومن فوائدها: أن اليهود وغيرهم سواء؛ في أن كل من اعتدى على أحد فعليه السبيل؛ ولهذا قال الله عز وجل: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَوهو يدل على أن الأميين وغيرهم سواء في تحريم الاعتداء عليهم.
ومن فوائد الآيتين: أن هؤلاء اليهود عليهم السبيل في الأميين سواء اعتدوا على دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم؛ لقوله تعالى: بَلَى؛ أي عليهم سبيل في الأميين، كما أن عليهم سبيلًا فيما لو اعتدى بعضهم على بعض.
ومن فوائدها: أن الوفاء بالعهد والتقوى من أسباب محبة الله؛ لقوله: بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. ومن فوائدها: إثبات محبة الله؛ لقوله: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، فإذا كان الله تعالى يحب المتقين فيتفرع على ذلك فائدة أخرى وهي: الحث على تقوى الله؛ لأن كل إنسان يحب أن يحبه الله عز وجل؛ فإذا أردت ذلك فما عليك إلا أن تقوم بتقوى الله.
محبة الله سبحانه وتعالى متعلقة بالعامل، ومتعلقة بالعمل، ومتعلقة بالزمن، ومتعلقة بالمكان؛ متعلقة بالعامل كما في هذه الآية: يُحِبُّ الْمُتَّقِينَوكما في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [الصف: ٤]، وكما في قوله: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ١٩٥].
متعلقة بالعمل: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» .
متعلقة بالزمن «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشَرَ» . وقد يقال: إن هذا متعلق بالعمل لا بالزمن.
متعلقة بالمكان: كمحبة الله سبحانه وتعالى لمكة كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيها: «إِنَّكِ لَأَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ» .
فمحبة الله إذن متعلقة بالعامل، والعمل، والزمان، والمكان.
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًاهذه الآية لها صلة بما قبلها وهي أن هذا العمل من جنس العمل السابق الذين يأكلون أموال الناس بالباطل فهذه الآية فيها أيضًا نوع من أكل أموال الناس بالباطل.
قوله: يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا؛ يقال: يشترون ويقال: يَشْرُون فما الفرق بينهما؟
طالب: يشترون؟
الشيخ: نعم، الفرق بين (يشترون) و(يشرون)؟
الطالب: في المعنى؟
الشيخ: إي بالمعنى!
الطالب: (...).
الشيخ: ما بينهما فرق؟ لا، بينهما فرق؟
طالب: يشرون؛ أي: يبيعون.
الشيخ:يشرون يعني يبيعون، ويشترون؟
الطالب: يشترون.
الشيخ: نعم، يعني فالبائع مُعْطٍ والمشتري آخذ؛ الشاهد لهذا من القرآن قوله تعالى: فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ [النساء: ٧٤]. يعني يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ [البقرة: ٢٠٧] أي يبيع نفسه. وأما الاشتراء الذي بمعنى الأخذ ففي مثل هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا؛ يعني يأخذون ثمنًا قليلًا بعهد الله فينكثون عهدَ الله من بعد ميثاقه ويحلفون على الكذب بالأيمان من أجل الدنيا. وقوله: بِعَهْدِ اللَّهِيَحتمل أن يكون المراد بما عاهدوا الله عليه، ويحتمل أن يكون المراد بما عاهدوا الخلق عليه. فأما على الأول؛ أي بما عاهدوا الله عليه فهو ظاهر من الآية؛ لأن الله أراد العهد إليه، ومثالُه أن يكتم العالِمُ علمَه من أجل عرض من الدنيا؛ فإن الله عَهِدَ إلى العلماء أن يُبَيِّنُوا العلم وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: ١٨٧]. فإن قال قائل: كيف أخذ الله العهد على العلماء ونحن لم نعلم أن أحدًا من العلماء أجرى صفقة عهد مع الله؟ هل علمتم أن عالمًا من العلماء أجرى صفقة عهد مع الله؟ لا، لكن لما أعطى الله العلماء العلم كان إعطاؤهم إياه عهدًا بأنْ أيش؟ يقوموا بنشره وإعلانه بين الخلق، فإذا لم يقوموا بذلك فإنهم لم يَفُوا بعهد الله.
القول الثاني: يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ؛ أي: بعهدهم مع الناس وأضافه الله إلى نفسه بعهد الله؛ لأنه أمر بالوفاء به، قال الله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل: ٩١]. فسمى الله معاهدة الناس المؤمنين لغيرهم سماها أيش؟ عهدًا له وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْمع أنهم ما عاهدوا الله وإنما عاهدوا الخلق لكنه أضافه إلى نفسه؛ لأنه أمر بالوفاء به فصحَّ أن يقال: أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ.
إذن إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِيشمل المعنيين جميعًا؛ أي: بما عاهدوا الله عليه، أو بما عاهدوا الخلق عليه؛ فعلى الوجه الأول المعنى..
الطلبة: ظاهر..
الشيخ: ظاهر واضح ما فيه إشكال، وعلى الثاني فيه شيء من الإشكال؛ حيث سمى عهد المخلوقين عهدًا لله ولكن الجواب عنه أن يُقال: أضافه الله لنفسه لأنه أمر بوفائه.
وقوله: وَأَيْمَانِهِمْ؛ يعني ويشترون أيضًا بأيمانهم ثمنًا قليلًا، والأيمان جمع يمين وهي الْحَلِفُ بالله عز وجل، فيشترون باليمين ثمنًا قليلًا؛ مثل أن يحلف على جحد حق واجب عليه، أو يحلف على دعوى حق ليس له. مفهوم؟ يحلف على جحد حقٍّ واجبٍ عليه، أو يحلف على دعوى حقٍّ ليس له وهو كاذب، وهذه هي اليمين الغموس التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» أعوذ بالله! «لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». وقوله: هو فيها فاجر يعني كاذب؛ فهذا اشترى باليمين ثمنًا قليلًا، مثال اليمين في دعوى ما ليس له: أن يدَّعيَ على شخص أن في ذمته له مائة ريال فيقول الشخص: ليس عندي شيء؛ فيقول القاضي للمدعي هل عليك بيِّنة؟ فيقول المدعي: لا؛ فيقول القاضي للمنكر: احلف! فيقول: لا أحلف، حلِّفْهُ هو وإذا حلف أنا أُعطيه؛ فيَحْلِفُ المدَّعِي بأن في ذمة فلان له مائة ريال وهو يكذب؛ هذا حلف على أيش؟ على أي شيء؟
طالب: دعوى كاذبة.
الشيخ: على دعوى ما ليس له؛ حَلَفَ بأنَّ في ذمة فلان مائة ريال لي وحُكِمَ له، هذا اشترى باليمين أيش؟
الطلبة: ثمنًا قليلًا.
الشيخ: ثمنًا قليلًا. طيب، الحلف على إنكار ما يجب عليه مثل؟ أن يدعي على شخص بأن في ذمته له مائة درهم، فيُنكر المدَّعَى عليه وهو يعلم أن في ذمته مائة درهم لفلان ويحلف على أنه ليس في ذمته له شيء؛ هذا حلف على أيش؟ على إنكار ما يجب عليه، القاضي في مثل هذه الحال يبرئ المدعى عليه؟ نعم، يبرِّئ ويُخلِّي سبيلَه؛ لأنه حلف، فكلا الرجلين اشترى بيمينه ثمنًا قليلًا.
ما هو الثمن القليل في المثال؟
طالب: ما ذكرته،
الشيخ: هه؟
الطالب: ذكرته أنت؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: ذكرت الثمن القليل أنت؟
الشيخ: المثال الّلي ذكرنا ما هو الثمن القليل.
أين وصلت؟ وأين رُحت؟
الطالب: موجود، ما رحت..
الشيخ: كيف؟
الطالب: بقول: موجود ما رحت.
الشيخ: والقلب؟
الطالب: موجود..
الشيخ: في الصدر؟
الشيخ: طيب.. أنت جاره؟
الطالب: ثمنًا قليلًا.
الشيخ: نعم، في المثالين اللَّذيْن ذكرنا؟
طالب: المثال الأول مائة ريال..
الشيخ: والثاني؟
طالب: والثاني مائة ريال.
الشيخ: عسى الله يسهل لنا واحد يكملها؛ واحد لا شيء عنده واحد عنده نصف؛ من عنده الكل؟ نعم.
طالب: في المثال الأول مائة ريال وفي المثال الثاني مائة درهم.
الشيخ: أحسنت، تمام! المثال الأول مائة ريال والثاني مائة درهم واضح؟ كل منهم اشترى بيمينه ثمنًا قليلًا.
طيب، أرأيتم لو قال قائل: أرأيتم لو اشتريتُ بهذا اليمين ثمنًا كثيرًا، حلف على مليون؟
الطلبة: هو قليل..
الشيخ: نعم؟
الطلبة: هو قليل..
الشيخ: إما أن نقول: إنه قليل؛ لأن الله تعالى قال: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ [النساء: ٧٧]. قل متاع الدنيا كلِّها قليل، نعم، وإما أن نقول: من اشترى بالقليل ثمنًا قليلًا فكذلك من اشترى بالكثير؛ المهم أنه انتهك حرمة اليمين بشيء من الدنيا.
طيب قال: أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ؛ أُولَئِكَالمشار إليهم الذين اشتروا بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا؛ وقوله: لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ؛ أي: لا نَصيب لهم في الآخرة كما قال تعالى: وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍفَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ؛ أي: نصيب وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ [البقرة: ٢٠١، ٢٠٢] قال: أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌفي مقابل قوله: لَا خَلَاقَفدل هذا على أن الخلاق هو النصيب. لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ؛ يعني في الدار الآخرة وذلك يوم القيامة، وسمي يوم القيامة دارًا آخرة؛ لأنه هو آخر مراحل البشر بل الخلق؛ فالإنسان له مراحل في هذه الدنيا، في بطن الأم، وفي الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة؛ كم دارًا؟
الطلبة: أربعة..
الشيخ: أربعة دور؛ وفي الدار الأولى له حالان: حال حياة وحال موت؛ فهو قبل أن تُنفخ فيه الروح ميِّت، وبعد أن تُنفخ فيه الروح حي؛ آخر مرحلة هي أيش؟ الآخرة؛ إمَّا إلى الجنة وإما إلى النار؛ ولهذا قال: لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ؛ وفي الدنيا؟ يمكن أن يكون لهم خلاق، يمكن أن يكون لهم نصيب من هذا الذي اشترَوْه، هذا الثمن القليل الذي اشتروه يكون لهم نصيب؛ أرأيت لو حلف على دعوى مليون ريال لجاءه أيش؟ مليون ريال؛ هذا نصيب في الدنيا، لكنه والله بئس النصيب؛
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
أظن أن ما سبق قد أخذنا فوائده؟
الطلبة: نعم، ما انتهينا يا شيخ.
الشيخ: ما انتهينا؟ إلى؟
الطلبة: (...) ينبغي معاقبة الخائن، هذه آخر فائدة.
الشيخ: إي نعم، طيب، من فوائد الآيات السابقة وهي قوله تعالى: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا.
من فوائدها: أن هؤلاء الخونة من اليهود عندهم ما يُلَبِّسُون به باطلهم في قولهم: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ.
ومن فوائدها: بيان ما كان عليه اليهود من إعجابهم بأنفسهم واحتقارهم لعباد الله.
ومن فوائدها: أن هؤلاء اليهود يقولون على الله الكذب فيفترونه وهم كاذبون، وهذا أسوأ ممن يقول الكذب وهو جاهل.
ومن فوائدها: أن اليهود وغيرهم سواء؛ في أن كل من اعتدى على أحد فعليه السبيل؛ ولهذا قال الله عز وجل: وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَوهو يدل على أن الأميين وغيرهم سواء في تحريم الاعتداء عليهم.
ومن فوائد الآيتين: أن هؤلاء اليهود عليهم السبيل في الأميين سواء اعتدوا على دمائهم أو أموالهم أو أعراضهم؛ لقوله تعالى: بَلَى؛ أي عليهم سبيل في الأميين، كما أن عليهم سبيلًا فيما لو اعتدى بعضهم على بعض.
ومن فوائدها: أن الوفاء بالعهد والتقوى من أسباب محبة الله؛ لقوله: بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ. ومن فوائدها: إثبات محبة الله؛ لقوله: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ، فإذا كان الله تعالى يحب المتقين فيتفرع على ذلك فائدة أخرى وهي: الحث على تقوى الله؛ لأن كل إنسان يحب أن يحبه الله عز وجل؛ فإذا أردت ذلك فما عليك إلا أن تقوم بتقوى الله.
محبة الله سبحانه وتعالى متعلقة بالعامل، ومتعلقة بالعمل، ومتعلقة بالزمن، ومتعلقة بالمكان؛ متعلقة بالعامل كما في هذه الآية: يُحِبُّ الْمُتَّقِينَوكما في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا [الصف: ٤]، وكما في قوله: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ١٩٥].
متعلقة بالعمل: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» .
متعلقة بالزمن «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشَرَ» . وقد يقال: إن هذا متعلق بالعمل لا بالزمن.
متعلقة بالمكان: كمحبة الله سبحانه وتعالى لمكة كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيها: «إِنَّكِ لَأَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ» .
فمحبة الله إذن متعلقة بالعامل، والعمل، والزمان، والمكان.
تفسير الآية (77)
01:17:00
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًاهذه الآية لها صلة بما قبلها وهي أن هذا العمل من جنس العمل السابق الذين يأكلون أموال الناس بالباطل فهذه الآية فيها أيضًا نوع من أكل أموال الناس بالباطل.
قوله: يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا؛ يقال: يشترون ويقال: يَشْرُون فما الفرق بينهما؟
طالب: يشترون؟
الشيخ: نعم، الفرق بين (يشترون) و(يشرون)؟
الطالب: في المعنى؟
الشيخ: إي بالمعنى!
الطالب: (...).
الشيخ: ما بينهما فرق؟ لا، بينهما فرق؟
طالب: يشرون؛ أي: يبيعون.
الشيخ:يشرون يعني يبيعون، ويشترون؟
الطالب: يشترون.
الشيخ: نعم، يعني فالبائع مُعْطٍ والمشتري آخذ؛ الشاهد لهذا من القرآن قوله تعالى: فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ [النساء: ٧٤]. يعني يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ [البقرة: ٢٠٧] أي يبيع نفسه. وأما الاشتراء الذي بمعنى الأخذ ففي مثل هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا؛ يعني يأخذون ثمنًا قليلًا بعهد الله فينكثون عهدَ الله من بعد ميثاقه ويحلفون على الكذب بالأيمان من أجل الدنيا. وقوله: بِعَهْدِ اللَّهِيَحتمل أن يكون المراد بما عاهدوا الله عليه، ويحتمل أن يكون المراد بما عاهدوا الخلق عليه. فأما على الأول؛ أي بما عاهدوا الله عليه فهو ظاهر من الآية؛ لأن الله أراد العهد إليه، ومثالُه أن يكتم العالِمُ علمَه من أجل عرض من الدنيا؛ فإن الله عَهِدَ إلى العلماء أن يُبَيِّنُوا العلم وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران: ١٨٧]. فإن قال قائل: كيف أخذ الله العهد على العلماء ونحن لم نعلم أن أحدًا من العلماء أجرى صفقة عهد مع الله؟ هل علمتم أن عالمًا من العلماء أجرى صفقة عهد مع الله؟ لا، لكن لما أعطى الله العلماء العلم كان إعطاؤهم إياه عهدًا بأنْ أيش؟ يقوموا بنشره وإعلانه بين الخلق، فإذا لم يقوموا بذلك فإنهم لم يَفُوا بعهد الله.
القول الثاني: يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ؛ أي: بعهدهم مع الناس وأضافه الله إلى نفسه بعهد الله؛ لأنه أمر بالوفاء به، قال الله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل: ٩١]. فسمى الله معاهدة الناس المؤمنين لغيرهم سماها أيش؟ عهدًا له وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْمع أنهم ما عاهدوا الله وإنما عاهدوا الخلق لكنه أضافه إلى نفسه؛ لأنه أمر بالوفاء به فصحَّ أن يقال: أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ.
إذن إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِيشمل المعنيين جميعًا؛ أي: بما عاهدوا الله عليه، أو بما عاهدوا الخلق عليه؛ فعلى الوجه الأول المعنى..
الطلبة: ظاهر..
الشيخ: ظاهر واضح ما فيه إشكال، وعلى الثاني فيه شيء من الإشكال؛ حيث سمى عهد المخلوقين عهدًا لله ولكن الجواب عنه أن يُقال: أضافه الله لنفسه لأنه أمر بوفائه.
وقوله: وَأَيْمَانِهِمْ؛ يعني ويشترون أيضًا بأيمانهم ثمنًا قليلًا، والأيمان جمع يمين وهي الْحَلِفُ بالله عز وجل، فيشترون باليمين ثمنًا قليلًا؛ مثل أن يحلف على جحد حق واجب عليه، أو يحلف على دعوى حق ليس له. مفهوم؟ يحلف على جحد حقٍّ واجبٍ عليه، أو يحلف على دعوى حقٍّ ليس له وهو كاذب، وهذه هي اليمين الغموس التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» أعوذ بالله! «لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». وقوله: هو فيها فاجر يعني كاذب؛ فهذا اشترى باليمين ثمنًا قليلًا، مثال اليمين في دعوى ما ليس له: أن يدَّعيَ على شخص أن في ذمته له مائة ريال فيقول الشخص: ليس عندي شيء؛ فيقول القاضي للمدعي هل عليك بيِّنة؟ فيقول المدعي: لا؛ فيقول القاضي للمنكر: احلف! فيقول: لا أحلف، حلِّفْهُ هو وإذا حلف أنا أُعطيه؛ فيَحْلِفُ المدَّعِي بأن في ذمة فلان له مائة ريال وهو يكذب؛ هذا حلف على أيش؟ على أي شيء؟
طالب: دعوى كاذبة.
الشيخ: على دعوى ما ليس له؛ حَلَفَ بأنَّ في ذمة فلان مائة ريال لي وحُكِمَ له، هذا اشترى باليمين أيش؟
الطلبة: ثمنًا قليلًا.
الشيخ: ثمنًا قليلًا. طيب، الحلف على إنكار ما يجب عليه مثل؟ أن يدعي على شخص بأن في ذمته له مائة درهم، فيُنكر المدَّعَى عليه وهو يعلم أن في ذمته مائة درهم لفلان ويحلف على أنه ليس في ذمته له شيء؛ هذا حلف على أيش؟ على إنكار ما يجب عليه، القاضي في مثل هذه الحال يبرئ المدعى عليه؟ نعم، يبرِّئ ويُخلِّي سبيلَه؛ لأنه حلف، فكلا الرجلين اشترى بيمينه ثمنًا قليلًا.
ما هو الثمن القليل في المثال؟
طالب: ما ذكرته،
الشيخ: هه؟
الطالب: ذكرته أنت؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: ذكرت الثمن القليل أنت؟
الشيخ: المثال الّلي ذكرنا ما هو الثمن القليل.
أين وصلت؟ وأين رُحت؟
الطالب: موجود، ما رحت..
الشيخ: كيف؟
الطالب: بقول: موجود ما رحت.
الشيخ: والقلب؟
الطالب: موجود..
الشيخ: في الصدر؟
الشيخ: طيب.. أنت جاره؟
الطالب: ثمنًا قليلًا.
الشيخ: نعم، في المثالين اللَّذيْن ذكرنا؟
طالب: المثال الأول مائة ريال..
الشيخ: والثاني؟
طالب: والثاني مائة ريال.
الشيخ: عسى الله يسهل لنا واحد يكملها؛ واحد لا شيء عنده واحد عنده نصف؛ من عنده الكل؟ نعم.
طالب: في المثال الأول مائة ريال وفي المثال الثاني مائة درهم.
الشيخ: أحسنت، تمام! المثال الأول مائة ريال والثاني مائة درهم واضح؟ كل منهم اشترى بيمينه ثمنًا قليلًا.
طيب، أرأيتم لو قال قائل: أرأيتم لو اشتريتُ بهذا اليمين ثمنًا كثيرًا، حلف على مليون؟
الطلبة: هو قليل..
الشيخ: نعم؟
الطلبة: هو قليل..
الشيخ: إما أن نقول: إنه قليل؛ لأن الله تعالى قال: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ [النساء: ٧٧]. قل متاع الدنيا كلِّها قليل، نعم، وإما أن نقول: من اشترى بالقليل ثمنًا قليلًا فكذلك من اشترى بالكثير؛ المهم أنه انتهك حرمة اليمين بشيء من الدنيا.
طيب قال: أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ؛ أُولَئِكَالمشار إليهم الذين اشتروا بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا؛ وقوله: لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ؛ أي: لا نَصيب لهم في الآخرة كما قال تعالى: وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍفَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ؛ أي: نصيب وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ [البقرة: ٢٠١، ٢٠٢] قال: أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌفي مقابل قوله: لَا خَلَاقَفدل هذا على أن الخلاق هو النصيب. لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ؛ يعني في الدار الآخرة وذلك يوم القيامة، وسمي يوم القيامة دارًا آخرة؛ لأنه هو آخر مراحل البشر بل الخلق؛ فالإنسان له مراحل في هذه الدنيا، في بطن الأم، وفي الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة؛ كم دارًا؟
الطلبة: أربعة..
الشيخ: أربعة دور؛ وفي الدار الأولى له حالان: حال حياة وحال موت؛ فهو قبل أن تُنفخ فيه الروح ميِّت، وبعد أن تُنفخ فيه الروح حي؛ آخر مرحلة هي أيش؟ الآخرة؛ إمَّا إلى الجنة وإما إلى النار؛ ولهذا قال: لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ؛ وفي الدنيا؟ يمكن أن يكون لهم خلاق، يمكن أن يكون لهم نصيب من هذا الذي اشترَوْه، هذا الثمن القليل الذي اشتروه يكون لهم نصيب؛ أرأيت لو حلف على دعوى مليون ريال لجاءه أيش؟ مليون ريال؛ هذا نصيب في الدنيا، لكنه والله بئس النصيب؛
| لَوْ سَاوَتِ الدُّنْيَا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ | لَمْ يُسْقِ مِنْهَا الــــرَّبُّ ذَا الْكُفْــــــــرَانِ |
| لَكِنَّهَــــا وَاللَّــــهِ أَحْقَــــرُ عِنْـــــــــــــــدَهُ | مِنْ ذَا الْجَنَــــاحِ الْقَاصِرِ الطَّيَــــــــــــرَانِ |
كل الدنيا ليست بشيء.
وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ؛ يعني وأولئك أيضًا لا يكلمهم الله تكليم رضا، ولكن قد يكلمهم تكليم إهانة؛ فإن الله سبحانه وتعالى يقول لأهل النار: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: ١٠٨] وهذا كلام من الله؛ لكنه كلام تقريع وتوبيخ و إهانة، والمنفي هو تكليم الرضا لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ؛ يعني ولا ينظر إليهم نظرَ رحمة وعطف ورأفة؛ وذلك لأنهم ليسوا أهلًا للرحمة قال الله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا
لمن؟ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [الأعراف: ١٥٦] وأما غيرهم؛ فليس لهم من رحمة الله نصيب في الآخرة. وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِيوم القيامة هو يوم البعث وسمي يوم القيامة لأمور ثلاثة؛ الأول؟
الطالب: لقيام الناس من قبورهم.
الشيخ: لقيام الناس من قبورهم؛ والثاني؟
الطالب: والثاني يوم يقوم الأشهاد.
الشيخ: يوم يقوم الأشهاد؛ والثالث؟
الطالب: لقيام الـ..
الشيخ: يقام فيه العدل وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا [الأنبياء: ٤٧]. وَلَا يُزَكِّيهِمْ؛ يعني لا يُطَهِّرهم من آثار رجسهم التي تلوثوا بها في الدنيا؛ فآثامهم باقية لا تُغفر والعياذ بالله! فلا زكاء لهم عند الله؛ لأنهم ليسوا أهلًا للتزكية





