تفسير الآيات (85-89)
الشيخ: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا [آل عمران: ٨٤] وهو القرآن الكريم والسنة
النبوية، كلاهما مُنْزَل؛ قال الله تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ [النساء: ١١٣] فيشمل يا.. أيش يشمل؟
طالب: (...).
الشيخ: لا..
طالب: القرآن والسنة.
الشيخ: القرآن والسنة مَا أُنْزِلَ عَلَيْنَايشمل القرآن والسنة، ودليل ذلك قوله تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ. وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ [آل عمران: ٨٤] كم هؤلاء؟
طالب: خمسة.
الشيخ: وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ؛ طيب، مَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَالخليل عليه الصلاة والسلام وهو أبو الأنبياء، والذي نعرف مما أنزل إليه صُحُفُه كما ذكر الله ذلك في موضعين من القرآن؛ في سورة النجم وفي سورة الأعلى، فقال تعالى في سورة النجم: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم: ٣٦، ٣٧]. وقال في سورة الأعلى: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى: ١٨، ١٩]، هذا ما أُنزل إلى إبراهيم؛ وَإِسْمَاعِيلَإسماعيل لم يصل إلينا كتابه الذي نُزِّل إليه، ولم نعرف إلا أنه أُنزل إليه، ولكن مع هذا يجب علينا أن نؤمن بما أنزل على إسماعيل. وإسماعيل هو الولد الأول لإبراهيم، وهو أبو العرب، وهو الذي صبر ذلك الصبر العظيم حين قال له أبوه: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات: ١٠٢] فقال هذا الابن الحليم قال: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢] ولله دره من ابن! ابن لم يبلغ لكنه بلغ مع أبيه السعي وهو أشد ما تكون النفس تعلُّقا به؛ لأن الكبير من الأولاد قد زلّت النفس عنه، والصغير لم تتعلق به بعدُ ذلك التعلق؛ الصغير من يتعلق به؟ الأم، لكن هذا بلغ معه السعي في غاية ما يكون من التعلق به ومع ذلك فإن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام نفَّذ ما أمره الله به؛ قال الله تعالى: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات: ١٠٤، ١٠٥] لكن أرحم الراحمين سبحانه وتعالى نسخ هذا الأمر حين أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات:٣] أسلما يعني؟
الطلبة: استسلما.
الشيخ: استسلما وانقادا لأمر الله، وتلَّه على جبينه كَابًّا له على الأرض؛ لئلا يرى وجهه حين يذبحه، فلما قارب أن يذبحه جاء الفرج من الله عز وجل، وهكذا يكون الفرج كلَّما اشتدت الكُرب فانتظِر الفرج، قاله النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» «وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» كما قال الله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥، ٦]. الحاصل أنَّا نقول: إن إسماعيل هو الولد الأكبر لمن؟
الطلبة: لإبراهيم.
الشيخ: لإبراهيم، وهو الذبيح بلا شك؛ لأن الله لما ذكر قصة الذبح في سورة الصافات قال: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ [الصافات: ١١٢] بعد هذا وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ، وأظن أنَّا أملينا عليكم حوالي عشرة أوجه تدل على أن إسماعيل هو الذبيح. وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَذكره بعده؛ للترتيب الزمني والظاهر -والله أعلم- والترتيب المنزلي وأن إسماعيل أفضل من إسحاق؛ لأن إسماعيل أَبٌ لأشرف الخلق محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن كان إسحاق أب لأكثر الأنبياء فالأنبياء من ولد إسحاق أكثر من الأنبياء من ولد إسماعيل، لكن العبرة بأيش؟ بالأفضلية، محمد صلى الله عليه وسلم أشرف الخلق من ذرية إسماعيل، فالظاهر -والعلم عند الله- أنه أخَّره ذِكرًا؛ لأن إسماعيل أفضل منه وأسبق، أفضل منه قدْرًا وأسبق زمنًا؛ ومع ذلك فكلٌّ منهم في المرتبة الأولى من مراتب الخلق وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء: ٦٩]. أسأل الله أن يجعلني وإياكم من رفقائهم.
قال عز وجل: وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَيعقوب: ابن إسحاق، وهو الملقب بإسرائيل والذي يُنسب إليه بنو إسرائيل، وأخَّره عن الاثنين؛ لأنه متأخر عنهما أيش؟ زمنًا.
وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِالأسباط: جمع سِبْط، وأصل السبط في اللغة: ابنُ البنت؛ ولهذا يقال في الحسن والحسين رضي الله عنهما: سِبْطَا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وابن الابن يسمى: حفيدا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحل: ٧٢]؛ أي: أبناء ابن. الأسباط: هم أبناء البنت، ولكن ما المراد بهم؟ قيل: المراد بهم أولاد يعقوب، وكان أولاد يعقوب اثني عشر ولدًا ومنهم تفرَّعت قبائل بني إسرائيل؛ قال الله تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا [الأعراف: ١٦٠] السِّبط في بني إسرائيل كالعشيرة أو الفخِذ أو القبيلة في العرب، فقال بعض أهل العلم: إن المراد بالأسباط أولادُ يعقوب الاثنا عشر، وأنهم أنبياء. وقال آخرون: بل الأسباط شعوب بني إسرائيل، وأن المراد بما أنزل على الأسباط؛ أي: على أنبياء الأسباط؛ أي الأنبياء الذين بُعثوا في أسباط بني إسرائيل. فهذان قولان:
القول الأول: أن المراد بالأسباط مَن؟
الطلبة: أولاد يعقوب.
الشيخ: أولاد يعقوب وأنهم أنبياء.
والثاني: أن المراد بهم؟
الطلبة: شعوب بني إسرائيل.
الشيخ: شعوب بني إسرائيل الذين فيهم الأنبياء، وعلى هذا فيكون في الآية، على هذا المعنى يكون في الآية تقدير؛ أي وما أنزل على أنبياء الأسباط. يؤيد القول الأول أنه لا يحتاج إلى تقدير؛ لأن الثاني يحتاج إلى تقدير، وأيش تقدير الثاني؟ أنبياء الأسباط، وإذا دار الكلام بين أن يكون ذا تقدير أو خاليًا منه حُمِلَ على الخالي منه؛ لأنه الأصل، الأصل عدم التقدير، لكن يضعفه أن الأسباط هم أبناء البنات وهنا لا يتناسب مع الآية؛ لأن أولاد يعقوب أحفاد لإسحاق، أو أحفاد لإبراهيم وليسوا أسباطا، والقرآن نزل باللغة العربية فيجب أن تُحمل الكلمة في القرآن على المعنى اللغوي ما لم تكن حقيقةٌ شرعية تمنع من حمله على المعنى اللغوي؛ فإذا وجد حقيقة شرعية تمنع من حمله على المعنى اللغوي اتبعنا الحقيقة الشرعية، كالصلاة مثلًا في اللغة: الدعاء، وفي الشرع؟ هي التعبد لله تعالى بذات الأقوال والأفعال المعلومة المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم؛ يضعفه كذلك أنه لم يقم دليل على نبوة أولاد يعقوب إلا يوسف، يوسف من الأنبياء لا شك، أما أولاده الآخرون الأحد عشر فإنه لم يقم دليل على كل واحد منهم بخصوصه أنه نبي، والنبوةُ وصف عظيم يحتاج إلى أيش؟ بيِّنة ودليل وبرهان، تدل على أن هذا الشخص متَّصِف بها؛ ثم يضعِفُه أمرٌ ثالث، وهو فعل أبناء يعقوب بأخيهم يوسف، وما حصل منهم من الكذب حيث جاءوا على قميصه بدم كذب، وقالوا: إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ [يوسف: ١٧]، ثم اتِّهامُهُم لأبيهم: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: ١٧].
المهم أن هناك قرائن تدل على ضعف أن يكون المراد بالأسباط أولادَ يعقوب، ويخرج منه يوسف؛ لدلالة الكتاب والسنة على أنه نبي. إذن يترجح أيش؟ القول الثاني؛ أن المراد بالأسباط الشعوب، يعني وما أنزل على الأسباط بواسطة أنبيائهم؛ لأن المنزَّل على أنبيائهم منزَّلٌ عليهم فَـقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ [العنكبوت: ٤٦] نقولها نحن للكفار؛ إذن يكون هذا القول هو المعتمد أن المراد بالأسباط؛ أي شعوب بني إسرائيل والمنزَّل عليهم يكون بواسطة من؟ أنبيائهم، وإن شئت فقل: في الآية حذفٌ دلَّ عليه السياق، ويكون التقدير: وما أنزل على أنبياء الأسباط.
وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَىالعدول عن التعبير بالإنزال إلى الإيتاء قد يتساءل السائل عنه، أو قد يسأل السائل عنه لماذا قال: وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَولم يقل: وما أنزل على موسى وعيسى والنبيين؟ فقال بعضهم: لأن ما أوتيه موسى وعيسى نوعان: وحي، وآيات كونية محسوسة بقي ذكرُها إلى نزول القرآن الكريم، ومعلوم أن الوحي يسمى إيتاء؛ قال الله تعالى: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الإسراء: ٢] والآيات المؤيدة للرسالة هي أيضا إيتاء ما هي وحي إيتاء، إيتاء، فقوله: مَا أُوتِيَ مُوسَىيشمل ما نزل من الوحي وما حصل من الآيات، وذَكَر هذا؛ لأن ذِكر الآيات والعلمَ بها بقي إلى نزول القرآن الكريم.
ما أُوتي موسى: وحي وآيات، أما الوحي: فالتوراة التي هي أفضل كتاب بعد القرآن، وأشمل كتاب، وأعم كتاب، وأهدى كتاب بعد القرآن قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ [القصص: ٤٩] فقَرَنها الله مع القرآن؛ هذه التوراة نزلت على موسى وهذا إيتاء الوحي. أما إيتاء الآيات؛ فمن أعظم ما حصل له: العصا واليد، العصا حصل فيه ثلاث آيات عظيمة: ألقاه على سحر سحرة آل فرعون فالتهم جميع حبالهم وعِصِيِّهم، التهمها التهامًا، وهي ثعبان والحبال والعِصي قد ملأت الأرض ومع ذلك هذا الثعبان يأكلها ولا يُدرى أين تذهب؛ لأنها أكبر منه حجمًا، ولكن مع ذلك قدرةُ الله عز وجل فوق كل شيء، ولم يتماسك السحرة لما رأوا هذه الآية العظيمة حتى أيش؟ حتى خَرُّوا ساجدين، سجدوا أُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ [الشعراء: ٤٦]. كلمة أُلْقِيكأنهم جاءوا من غير عقل، كأنهم سجدوا من غير عقل؛ لقوة ما ورد على قلوبهم من الآيات التي يعرفون أنها ليست سحرًا.
والآية الثانية لهذه العصا: أنه ضرب بها الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [الشعراء: ٦٣] صار اثني عشر طريقًا بين كل طريق وآخر كُتَلٌ من الماء كأنها جبال، كلُّ جبل كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وقد ذكر بعض العلماء أن الله جعل في هذا الماء فُرَجًا من أجل أن يَطمئن الناس بعضُهم إلى بعض، يشاهد بعضُهم بعضا من هذه الفُرَج، فُرَج في الماء كأنه مسلح، هذا الماء الذائب المائع كأنه مسلح، وبلحظة اضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا [طه: ٧٧] يعني لو اجتمعت نيران الدنيا كلها تُوبِس أرض البحر في هذه اللحظة ما تمكَّنت، أو رياح الأرض كلها المخترعات ما تمكنت، لكن قدرة من يقول للشيء كن فيكون جعلت هذا أمرًا أيش؟ أمرًا ممكنًا واقعًا.
الثالث من الآيات العظيمة في هذه العصا: أنهم إذا استسقَوْا؛ يعني حصل عليهم نقص في الماء، ضرب موسى الحجر بهذه العصا فتفجَّر اثنتا عشرة عينًا كلُّ عينٍ لسِبط من أسباط بني إسرائيل؛ حتى لا يقع النزاع بينهم والمزاحمة والمشاقة. هذه من الآيات التي أوتيها موسى صلى الله عليه وسلم.
أما عيسى؛ فأوتي أيضًا وحيًا وآياتٍ، ما هو الوحي؟ الإنجيل، الإنجيل الذي كان متمِّمًا للتوراة ومبنِيًّا عليها؛ وآيات حسية، منها: أنه يُبْرئ الأكمه والأبرص، ويُحيي الموتى ويخرجهم من القبور، ويَخلق من الطين كهيئة الطير فيَنفخ فيه فيكون طيرًا يطير، قال الله تعالى: فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا [آل عمران: ٤٩] وفي قراءة: طائراوالفائدة من القراءتين: أنه يكون طيرًا ويطير؛ إذ قد يكون الشيء على هيئة الطير لكن ما يطير، وقد يطير وليس بطيرٍ كالطائرة مثلًا، لكن هذا يكون طيرًا يطير، يخلق بإذن الله شيئًا على صورة الطير، والتصوير هنا جائز ولّا غير جائز؟
الطلبة: جائز.
الشيخ: ليش؟ لأنه بأمر الله، والأصل في الطاعة أمرُ الله؛ أَمَرَ اللهُ الملائكة أن يسجدوا لآدمَ فسجدوا فكان سجودهم طاعة، وأمر الله إبراهيم أن يقتلَ ابنه فامتثل فكان امتثالُه لهذا الأمر طاعة؛ المهم أن الطاعة طاعة الله إذا أمرَ بأي شيء فامتثالُ هذا الأمر طاعةٌ، وإنْ كان في آنٍ آخر سوف يكون شِرْكًا مثلًا أو كبيرةً من كبائر الذنوب.
يُبْرِئُ الأكمَه والأبرص: من هو الأكمه؟ الذي خُلِقَ بلا عينٍ ممسوحَ العين يُبرئه، يُحيي الموتى: يقف على الميت جثة فيحييه يقول له كلمة فيحيا؛ أبلغُ من هذا: يُخرج الموتى من القبور يقف على القبر ويُكلم صاحبَ القبر ويقوم صاحبُ القبر حيًّا يخرج من القبر؛ ما هي هذه آية من آيات الله؟ من أعظم الآيات، هذه من أعظم الآيات الدالة على كمال قدرة الله، وعلى إمكان البعث، إمكان البعث يوم القيامة؛ يَخرج الناس من قبورهم بزجرة واحدة فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣، ١٤] هذه الزجرة يتريث المراد بها أو لا يتريث؟ يتريث المراد ولّا لا؟
الطلبة: ما يتريث.
الشيخ: ما بالكم ما فهمتم الكلام؟! لا يتريث؛ ولهذا قال: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ، والأخ.. يعرف أن (إذا) فجائية تدل على مفاجأة في الحال، وقال تعالى في سورة القمر كلمة عامة في كل مأموراته:وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ [القمر: ٥٠] أيش؟
وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌأيش؟
الطلبة: كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ..
الشيخ: كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ؛ لمح البصر يعني يُضرب به المثل بالسرعة، وَاحِدَةٌفقط، إذا أمر اللهُ بالشيء أمرًا واحدًا: كن فيكون كلمح البصر، سبحان الله!
إذن هذه الآيات التي أُعطيَها عيسى فيها دليل على إمكان البعث ولّا لا؟ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ [آل عمران: ٨٤] لمَّا جاء الجمع وَالنَّبِيُّونَدون التخصيص جاء الإيتاء دون الإنزال؛ من أجل أن يشمل الآيات التي قد يكون أُعْطِيَها بعضُ النبيين، فجاءت وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْعطفًا على مُوسَى وَعِيسَىكما جاء ذلك في سورة البقرة: وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: ١٣٦]؛ والنبيون المراد بهم الرسل، المراد بالنبيين هنا الرسل، وكل من وُصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، وكُلُّ من ذُكر في القرآن فإنه رسول؛ لقول الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر: ٧٨].
طالب: (...).
الشيخ: لا..
طالب: القرآن والسنة.
الشيخ: القرآن والسنة مَا أُنْزِلَ عَلَيْنَايشمل القرآن والسنة، ودليل ذلك قوله تعالى: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ. وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ [آل عمران: ٨٤] كم هؤلاء؟
طالب: خمسة.
الشيخ: وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ؛ طيب، مَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَالخليل عليه الصلاة والسلام وهو أبو الأنبياء، والذي نعرف مما أنزل إليه صُحُفُه كما ذكر الله ذلك في موضعين من القرآن؛ في سورة النجم وفي سورة الأعلى، فقال تعالى في سورة النجم: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم: ٣٦، ٣٧]. وقال في سورة الأعلى: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى: ١٨، ١٩]، هذا ما أُنزل إلى إبراهيم؛ وَإِسْمَاعِيلَإسماعيل لم يصل إلينا كتابه الذي نُزِّل إليه، ولم نعرف إلا أنه أُنزل إليه، ولكن مع هذا يجب علينا أن نؤمن بما أنزل على إسماعيل. وإسماعيل هو الولد الأول لإبراهيم، وهو أبو العرب، وهو الذي صبر ذلك الصبر العظيم حين قال له أبوه: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات: ١٠٢] فقال هذا الابن الحليم قال: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات: ١٠٢] ولله دره من ابن! ابن لم يبلغ لكنه بلغ مع أبيه السعي وهو أشد ما تكون النفس تعلُّقا به؛ لأن الكبير من الأولاد قد زلّت النفس عنه، والصغير لم تتعلق به بعدُ ذلك التعلق؛ الصغير من يتعلق به؟ الأم، لكن هذا بلغ معه السعي في غاية ما يكون من التعلق به ومع ذلك فإن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام نفَّذ ما أمره الله به؛ قال الله تعالى: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات: ١٠٤، ١٠٥] لكن أرحم الراحمين سبحانه وتعالى نسخ هذا الأمر حين أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات:٣] أسلما يعني؟
الطلبة: استسلما.
الشيخ: استسلما وانقادا لأمر الله، وتلَّه على جبينه كَابًّا له على الأرض؛ لئلا يرى وجهه حين يذبحه، فلما قارب أن يذبحه جاء الفرج من الله عز وجل، وهكذا يكون الفرج كلَّما اشتدت الكُرب فانتظِر الفرج، قاله النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» «وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» كما قال الله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥، ٦]. الحاصل أنَّا نقول: إن إسماعيل هو الولد الأكبر لمن؟
الطلبة: لإبراهيم.
الشيخ: لإبراهيم، وهو الذبيح بلا شك؛ لأن الله لما ذكر قصة الذبح في سورة الصافات قال: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ [الصافات: ١١٢] بعد هذا وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ، وأظن أنَّا أملينا عليكم حوالي عشرة أوجه تدل على أن إسماعيل هو الذبيح. وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَذكره بعده؛ للترتيب الزمني والظاهر -والله أعلم- والترتيب المنزلي وأن إسماعيل أفضل من إسحاق؛ لأن إسماعيل أَبٌ لأشرف الخلق محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وإن كان إسحاق أب لأكثر الأنبياء فالأنبياء من ولد إسحاق أكثر من الأنبياء من ولد إسماعيل، لكن العبرة بأيش؟ بالأفضلية، محمد صلى الله عليه وسلم أشرف الخلق من ذرية إسماعيل، فالظاهر -والعلم عند الله- أنه أخَّره ذِكرًا؛ لأن إسماعيل أفضل منه وأسبق، أفضل منه قدْرًا وأسبق زمنًا؛ ومع ذلك فكلٌّ منهم في المرتبة الأولى من مراتب الخلق وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء: ٦٩]. أسأل الله أن يجعلني وإياكم من رفقائهم.
قال عز وجل: وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَيعقوب: ابن إسحاق، وهو الملقب بإسرائيل والذي يُنسب إليه بنو إسرائيل، وأخَّره عن الاثنين؛ لأنه متأخر عنهما أيش؟ زمنًا.
وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِالأسباط: جمع سِبْط، وأصل السبط في اللغة: ابنُ البنت؛ ولهذا يقال في الحسن والحسين رضي الله عنهما: سِبْطَا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وابن الابن يسمى: حفيدا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً [النحل: ٧٢]؛ أي: أبناء ابن. الأسباط: هم أبناء البنت، ولكن ما المراد بهم؟ قيل: المراد بهم أولاد يعقوب، وكان أولاد يعقوب اثني عشر ولدًا ومنهم تفرَّعت قبائل بني إسرائيل؛ قال الله تعالى: وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا [الأعراف: ١٦٠] السِّبط في بني إسرائيل كالعشيرة أو الفخِذ أو القبيلة في العرب، فقال بعض أهل العلم: إن المراد بالأسباط أولادُ يعقوب الاثنا عشر، وأنهم أنبياء. وقال آخرون: بل الأسباط شعوب بني إسرائيل، وأن المراد بما أنزل على الأسباط؛ أي: على أنبياء الأسباط؛ أي الأنبياء الذين بُعثوا في أسباط بني إسرائيل. فهذان قولان:
القول الأول: أن المراد بالأسباط مَن؟
الطلبة: أولاد يعقوب.
الشيخ: أولاد يعقوب وأنهم أنبياء.
والثاني: أن المراد بهم؟
الطلبة: شعوب بني إسرائيل.
الشيخ: شعوب بني إسرائيل الذين فيهم الأنبياء، وعلى هذا فيكون في الآية، على هذا المعنى يكون في الآية تقدير؛ أي وما أنزل على أنبياء الأسباط. يؤيد القول الأول أنه لا يحتاج إلى تقدير؛ لأن الثاني يحتاج إلى تقدير، وأيش تقدير الثاني؟ أنبياء الأسباط، وإذا دار الكلام بين أن يكون ذا تقدير أو خاليًا منه حُمِلَ على الخالي منه؛ لأنه الأصل، الأصل عدم التقدير، لكن يضعفه أن الأسباط هم أبناء البنات وهنا لا يتناسب مع الآية؛ لأن أولاد يعقوب أحفاد لإسحاق، أو أحفاد لإبراهيم وليسوا أسباطا، والقرآن نزل باللغة العربية فيجب أن تُحمل الكلمة في القرآن على المعنى اللغوي ما لم تكن حقيقةٌ شرعية تمنع من حمله على المعنى اللغوي؛ فإذا وجد حقيقة شرعية تمنع من حمله على المعنى اللغوي اتبعنا الحقيقة الشرعية، كالصلاة مثلًا في اللغة: الدعاء، وفي الشرع؟ هي التعبد لله تعالى بذات الأقوال والأفعال المعلومة المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم؛ يضعفه كذلك أنه لم يقم دليل على نبوة أولاد يعقوب إلا يوسف، يوسف من الأنبياء لا شك، أما أولاده الآخرون الأحد عشر فإنه لم يقم دليل على كل واحد منهم بخصوصه أنه نبي، والنبوةُ وصف عظيم يحتاج إلى أيش؟ بيِّنة ودليل وبرهان، تدل على أن هذا الشخص متَّصِف بها؛ ثم يضعِفُه أمرٌ ثالث، وهو فعل أبناء يعقوب بأخيهم يوسف، وما حصل منهم من الكذب حيث جاءوا على قميصه بدم كذب، وقالوا: إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ [يوسف: ١٧]، ثم اتِّهامُهُم لأبيهم: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف: ١٧].
المهم أن هناك قرائن تدل على ضعف أن يكون المراد بالأسباط أولادَ يعقوب، ويخرج منه يوسف؛ لدلالة الكتاب والسنة على أنه نبي. إذن يترجح أيش؟ القول الثاني؛ أن المراد بالأسباط الشعوب، يعني وما أنزل على الأسباط بواسطة أنبيائهم؛ لأن المنزَّل على أنبيائهم منزَّلٌ عليهم فَـقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ [العنكبوت: ٤٦] نقولها نحن للكفار؛ إذن يكون هذا القول هو المعتمد أن المراد بالأسباط؛ أي شعوب بني إسرائيل والمنزَّل عليهم يكون بواسطة من؟ أنبيائهم، وإن شئت فقل: في الآية حذفٌ دلَّ عليه السياق، ويكون التقدير: وما أنزل على أنبياء الأسباط.
وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَىالعدول عن التعبير بالإنزال إلى الإيتاء قد يتساءل السائل عنه، أو قد يسأل السائل عنه لماذا قال: وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَولم يقل: وما أنزل على موسى وعيسى والنبيين؟ فقال بعضهم: لأن ما أوتيه موسى وعيسى نوعان: وحي، وآيات كونية محسوسة بقي ذكرُها إلى نزول القرآن الكريم، ومعلوم أن الوحي يسمى إيتاء؛ قال الله تعالى: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الإسراء: ٢] والآيات المؤيدة للرسالة هي أيضا إيتاء ما هي وحي إيتاء، إيتاء، فقوله: مَا أُوتِيَ مُوسَىيشمل ما نزل من الوحي وما حصل من الآيات، وذَكَر هذا؛ لأن ذِكر الآيات والعلمَ بها بقي إلى نزول القرآن الكريم.
ما أُوتي موسى: وحي وآيات، أما الوحي: فالتوراة التي هي أفضل كتاب بعد القرآن، وأشمل كتاب، وأعم كتاب، وأهدى كتاب بعد القرآن قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ [القصص: ٤٩] فقَرَنها الله مع القرآن؛ هذه التوراة نزلت على موسى وهذا إيتاء الوحي. أما إيتاء الآيات؛ فمن أعظم ما حصل له: العصا واليد، العصا حصل فيه ثلاث آيات عظيمة: ألقاه على سحر سحرة آل فرعون فالتهم جميع حبالهم وعِصِيِّهم، التهمها التهامًا، وهي ثعبان والحبال والعِصي قد ملأت الأرض ومع ذلك هذا الثعبان يأكلها ولا يُدرى أين تذهب؛ لأنها أكبر منه حجمًا، ولكن مع ذلك قدرةُ الله عز وجل فوق كل شيء، ولم يتماسك السحرة لما رأوا هذه الآية العظيمة حتى أيش؟ حتى خَرُّوا ساجدين، سجدوا أُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ [الشعراء: ٤٦]. كلمة أُلْقِيكأنهم جاءوا من غير عقل، كأنهم سجدوا من غير عقل؛ لقوة ما ورد على قلوبهم من الآيات التي يعرفون أنها ليست سحرًا.
والآية الثانية لهذه العصا: أنه ضرب بها الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [الشعراء: ٦٣] صار اثني عشر طريقًا بين كل طريق وآخر كُتَلٌ من الماء كأنها جبال، كلُّ جبل كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ، وقد ذكر بعض العلماء أن الله جعل في هذا الماء فُرَجًا من أجل أن يَطمئن الناس بعضُهم إلى بعض، يشاهد بعضُهم بعضا من هذه الفُرَج، فُرَج في الماء كأنه مسلح، هذا الماء الذائب المائع كأنه مسلح، وبلحظة اضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا [طه: ٧٧] يعني لو اجتمعت نيران الدنيا كلها تُوبِس أرض البحر في هذه اللحظة ما تمكَّنت، أو رياح الأرض كلها المخترعات ما تمكنت، لكن قدرة من يقول للشيء كن فيكون جعلت هذا أمرًا أيش؟ أمرًا ممكنًا واقعًا.
الثالث من الآيات العظيمة في هذه العصا: أنهم إذا استسقَوْا؛ يعني حصل عليهم نقص في الماء، ضرب موسى الحجر بهذه العصا فتفجَّر اثنتا عشرة عينًا كلُّ عينٍ لسِبط من أسباط بني إسرائيل؛ حتى لا يقع النزاع بينهم والمزاحمة والمشاقة. هذه من الآيات التي أوتيها موسى صلى الله عليه وسلم.
أما عيسى؛ فأوتي أيضًا وحيًا وآياتٍ، ما هو الوحي؟ الإنجيل، الإنجيل الذي كان متمِّمًا للتوراة ومبنِيًّا عليها؛ وآيات حسية، منها: أنه يُبْرئ الأكمه والأبرص، ويُحيي الموتى ويخرجهم من القبور، ويَخلق من الطين كهيئة الطير فيَنفخ فيه فيكون طيرًا يطير، قال الله تعالى: فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا [آل عمران: ٤٩] وفي قراءة: طائراوالفائدة من القراءتين: أنه يكون طيرًا ويطير؛ إذ قد يكون الشيء على هيئة الطير لكن ما يطير، وقد يطير وليس بطيرٍ كالطائرة مثلًا، لكن هذا يكون طيرًا يطير، يخلق بإذن الله شيئًا على صورة الطير، والتصوير هنا جائز ولّا غير جائز؟
الطلبة: جائز.
الشيخ: ليش؟ لأنه بأمر الله، والأصل في الطاعة أمرُ الله؛ أَمَرَ اللهُ الملائكة أن يسجدوا لآدمَ فسجدوا فكان سجودهم طاعة، وأمر الله إبراهيم أن يقتلَ ابنه فامتثل فكان امتثالُه لهذا الأمر طاعة؛ المهم أن الطاعة طاعة الله إذا أمرَ بأي شيء فامتثالُ هذا الأمر طاعةٌ، وإنْ كان في آنٍ آخر سوف يكون شِرْكًا مثلًا أو كبيرةً من كبائر الذنوب.
يُبْرِئُ الأكمَه والأبرص: من هو الأكمه؟ الذي خُلِقَ بلا عينٍ ممسوحَ العين يُبرئه، يُحيي الموتى: يقف على الميت جثة فيحييه يقول له كلمة فيحيا؛ أبلغُ من هذا: يُخرج الموتى من القبور يقف على القبر ويُكلم صاحبَ القبر ويقوم صاحبُ القبر حيًّا يخرج من القبر؛ ما هي هذه آية من آيات الله؟ من أعظم الآيات، هذه من أعظم الآيات الدالة على كمال قدرة الله، وعلى إمكان البعث، إمكان البعث يوم القيامة؛ يَخرج الناس من قبورهم بزجرة واحدة فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات: ١٣، ١٤] هذه الزجرة يتريث المراد بها أو لا يتريث؟ يتريث المراد ولّا لا؟
الطلبة: ما يتريث.
الشيخ: ما بالكم ما فهمتم الكلام؟! لا يتريث؛ ولهذا قال: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ، والأخ.. يعرف أن (إذا) فجائية تدل على مفاجأة في الحال، وقال تعالى في سورة القمر كلمة عامة في كل مأموراته:وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ [القمر: ٥٠] أيش؟
وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌأيش؟
الطلبة: كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ..
الشيخ: كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ؛ لمح البصر يعني يُضرب به المثل بالسرعة، وَاحِدَةٌفقط، إذا أمر اللهُ بالشيء أمرًا واحدًا: كن فيكون كلمح البصر، سبحان الله!
إذن هذه الآيات التي أُعطيَها عيسى فيها دليل على إمكان البعث ولّا لا؟ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ [آل عمران: ٨٤] لمَّا جاء الجمع وَالنَّبِيُّونَدون التخصيص جاء الإيتاء دون الإنزال؛ من أجل أن يشمل الآيات التي قد يكون أُعْطِيَها بعضُ النبيين، فجاءت وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْعطفًا على مُوسَى وَعِيسَىكما جاء ذلك في سورة البقرة: وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة: ١٣٦]؛ والنبيون المراد بهم الرسل، المراد بالنبيين هنا الرسل، وكل من وُصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، وكُلُّ من ذُكر في القرآن فإنه رسول؛ لقول الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر: ٧٨].
إذن فكلُّ من قصَّ اللهُ علينا في القرآن فهو رسول وإن كان لم يوصف في القرآن
إلا بالنبوة لكنه رسول بدليل هذه الآية آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ [البقرة: ١٣٦] لا نفرق نحن بين أحد منهم، كل هؤلاء نؤمن بهم على سبيل السواء بدون
تفريق؛ لكن يَرِد إشكال، وهو أن الإيمان بهؤلاء هل هو إيمان مجمل أو مفصل؟
الجواب: إيمان مجمل لكن كلُّ ما صحَّ أنهم أخبروا به وجب علينا الإيمان به،
كلُّ ما صح عنهم أنهم أخبروا به وجب علينا الإيمان به ولو تفصيلًا؛ هذا في الأخبار،
لكن في الأحكام: لا، الأحكام لا نَتَّبِعُ إلا ما حَكَمَتْ به شريعةُ محمد صلى الله
عليه وسلم، ما حكمت به الشريعة شريعةُ النبي صلى الله عليه وسلم فهو الذي
كُلِّفْنَا به ووجب علينا اتباعه كما قال الله تعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ [الأعراف: ١٥٨].
فالاتِّباع لمحمد صلى الله عليه وسلم، أما الإيمان؛ فهو عامٌّ لجميع الرسل
بدون تفريق، فإذا صح عن موسى أنه أخبر بخبر يتعلق بالله، أو بخبر يتعلق بيوم
القيامة، أو بالجنة أو بالنار؛ وجب علينا أن نؤمن به، لكن متى؟ إذا صح، إذا صح،
أمَّا ما يُروى من الإسرائيليات؛ فقد يكون صحيحًا وقد لا يكون.
واعلم أن شريعتنا في الأحكام بالنسبة لمن سبق على ثلاثة أقسام؛ شريعتنا في الأحكام بالنسبة لمن سبق على ثلاثة أقسام؛ القسم الأول ما وَرَدَتْ شريعتنا بخلافه، فهذه لا نعمل بها؛ لأن شريعتنا ناسخة لجميع الأديان فلا نعمل، مثال ذلك: القصاص، القصاص في النفس والأطراف كان في التوراة واجبًا مفروضًا، ما فيه عفو، لكن في الشريعة الإسلامية كان مخيَّرًا فيه؛ فهل نَتْبَعُ التوراة أو نتبع القرآن؟
الطلبة: القرآن.
الشيخ: القرآن.
وما وَرَدَ شرعُنا بوفاقه فإننا نعمل به؛ إتباعًا لشريعتنا الْمُصَدِّقَةِ لما سبق من الشرائع، ولا نخالفه، وهذا كثيرٌ مثلُ: الطيباتِ؛ أحلَّ الله الطيبات لنا ولغيرنا لكن حَرَّم على بني إسرائيل بعضَ الطيبات بسبب ظلمهم.
القسم الثالث: ما لم يرد في شرعنا له وِفَاقٌ ولا خلاف؛ فما الحكم فيه؟ هذا محل نزاع بين أهل العلم، وبحثُه موجود في أصول الفقه؛ فمن العلماء من قال: إنه شرعٌ لنا، ومنهم من قال: إنه ليس بشرع؛ والصحيح أنه شرع لنا؛ لدلالة شرعنا عليه قال الله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠]، وقال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الشورى: ١٣]، وقال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١].
واعلم أن شريعتنا في الأحكام بالنسبة لمن سبق على ثلاثة أقسام؛ شريعتنا في الأحكام بالنسبة لمن سبق على ثلاثة أقسام؛ القسم الأول ما وَرَدَتْ شريعتنا بخلافه، فهذه لا نعمل بها؛ لأن شريعتنا ناسخة لجميع الأديان فلا نعمل، مثال ذلك: القصاص، القصاص في النفس والأطراف كان في التوراة واجبًا مفروضًا، ما فيه عفو، لكن في الشريعة الإسلامية كان مخيَّرًا فيه؛ فهل نَتْبَعُ التوراة أو نتبع القرآن؟
الطلبة: القرآن.
الشيخ: القرآن.
وما وَرَدَ شرعُنا بوفاقه فإننا نعمل به؛ إتباعًا لشريعتنا الْمُصَدِّقَةِ لما سبق من الشرائع، ولا نخالفه، وهذا كثيرٌ مثلُ: الطيباتِ؛ أحلَّ الله الطيبات لنا ولغيرنا لكن حَرَّم على بني إسرائيل بعضَ الطيبات بسبب ظلمهم.
القسم الثالث: ما لم يرد في شرعنا له وِفَاقٌ ولا خلاف؛ فما الحكم فيه؟ هذا محل نزاع بين أهل العلم، وبحثُه موجود في أصول الفقه؛ فمن العلماء من قال: إنه شرعٌ لنا، ومنهم من قال: إنه ليس بشرع؛ والصحيح أنه شرع لنا؛ لدلالة شرعنا عليه قال الله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٩٠]، وقال تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الشورى: ١٣]، وقال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١].
وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام أحيانًا كان يسند الحكم إلى أنه فعله أخي
فلان من الأنبياء وما أشبه ذلك. والمعنى يقتضي ذلك أيضا؛ لأنه لولا أن لنا فائدة من
قصص الأنبياء السابقين، ومن الفوائد أن نعتبر ونعمل بما عملوا لم يكن لذكر هذه
القصص شيء من الفائدة كثير.
وقوله: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْفي أيش؟ في الإيمان بأنهم رسل صادقون فيما أخبروا به، واجبٌ اتباعهم فيما أمروا به أو نَهوا عنه، لكن بالنسبة لنا لا يجب علينا متابعتهم في الأحكام على التفصيل الذي سمعتم.
قال: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَلمن؟
الطلبة: لله.
الشيخ: الضمير يعود على الله قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ؛ لأنه الأصل في سياق هذا الكلام، يعني كل اللي بعدها معطوف عليها، اللي بعدها كله معطوف عليها، فلو قال قائل: لماذا لا تجعل الضمير يعود على قوله: أَحَدٍ}،لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ؛ لأنه أقرب مذكور؟ أي ونحن لهذا الأحد مسلمون؟ قلنا: لا يستقيم الكلام؛ لأن أصل الكلام مداره على أول جملة فيه: آمَنَّا بِاللَّهِ، فيكون مرجع الضمير في قوله: وَنَحْنُ لَهُ: الله عز وجل؛ يعني ونحن لله مسلمون أي: مستسلمون ظاهرًا وباطنًا، بالقلب واللسان والجوارح، ونِعَمُ الله عز وجل المستسلَم له؛ لأن مَن لم يستسلم لله استسلم لغيره ولا بد. انتبِه لهذه القاعدة المفيدة: مَن لم يستسلم لله استسلم لغيره ولا بد. إما أن تستسلم لله وتنقاد لأمره، وإلا فإنك سوف تستسلم لهواك وتنقاد لهواك، وهواك تابع لمن؟
الطلبة: للشيطان.
الشيخ: للشيطان، فتكون مستسلما للشيطان؛ لأن كل إنسان لا بد له من إرادة وهمة، ما في أحد يخلو من إرادة أبدًا، كلٌّ له إرادة؛ فإما أن يكون مرادُك مرضاةَ الله عز وجل فتستسلم له، أو مرضاة نفسك فتستسلم للهوى والشيطان؛ وقوله: نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَقدَّم المتعلِّق على المتعلَّق؛ لإفادة الحصر، يعني ونحن له لا لغيره مسلمون.
وقوله: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْفي أيش؟ في الإيمان بأنهم رسل صادقون فيما أخبروا به، واجبٌ اتباعهم فيما أمروا به أو نَهوا عنه، لكن بالنسبة لنا لا يجب علينا متابعتهم في الأحكام على التفصيل الذي سمعتم.
قال: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَلمن؟
الطلبة: لله.
الشيخ: الضمير يعود على الله قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ؛ لأنه الأصل في سياق هذا الكلام، يعني كل اللي بعدها معطوف عليها، اللي بعدها كله معطوف عليها، فلو قال قائل: لماذا لا تجعل الضمير يعود على قوله: أَحَدٍ}،لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ؛ لأنه أقرب مذكور؟ أي ونحن لهذا الأحد مسلمون؟ قلنا: لا يستقيم الكلام؛ لأن أصل الكلام مداره على أول جملة فيه: آمَنَّا بِاللَّهِ، فيكون مرجع الضمير في قوله: وَنَحْنُ لَهُ: الله عز وجل؛ يعني ونحن لله مسلمون أي: مستسلمون ظاهرًا وباطنًا، بالقلب واللسان والجوارح، ونِعَمُ الله عز وجل المستسلَم له؛ لأن مَن لم يستسلم لله استسلم لغيره ولا بد. انتبِه لهذه القاعدة المفيدة: مَن لم يستسلم لله استسلم لغيره ولا بد. إما أن تستسلم لله وتنقاد لأمره، وإلا فإنك سوف تستسلم لهواك وتنقاد لهواك، وهواك تابع لمن؟
الطلبة: للشيطان.
الشيخ: للشيطان، فتكون مستسلما للشيطان؛ لأن كل إنسان لا بد له من إرادة وهمة، ما في أحد يخلو من إرادة أبدًا، كلٌّ له إرادة؛ فإما أن يكون مرادُك مرضاةَ الله عز وجل فتستسلم له، أو مرضاة نفسك فتستسلم للهوى والشيطان؛ وقوله: نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَقدَّم المتعلِّق على المتعلَّق؛ لإفادة الحصر، يعني ونحن له لا لغيره مسلمون.
ولهذا نقول: إن المؤمن إذا تعارض عنده أمرُ الله وأمرُ الخلق ماذا يقدِّم؟
يقدم أمر الله مهما كان الآمر حتى أبوك وأمك لو أمرتك بخلاف أمر الله فقدم أمر
الله؛ لو قالت لك أمك: يا بني، لا تخرج لصلاة الفجر، لا تخرج؛ المسجد بعيد ويُخشى
عليك من كلب، وإذا كانت ليلة ظلماء وفيها مطر قالت: أخشى عليك من الوحل والمطر
يَبُلُّ ثيابك ويكون فيه برد عليك اجلس.
ولكن قد نقول: لكلامها وجه؛ لأن الوحل والمطر من الأعذار المبيحة لترك صلاة
الجماعة، لكن لنفرض أن المسألة ما فيها عذر، قالت: يا بني لا تذهب إلى المسجد، هل
تُطاع؟ لا ما تطاع؛ قال أبوه: يا بني لا تطلب العلم، لا تطلب العلم، تذهب تطلب
العلم ثم باكرًا تأتينا مشدِّدًا علينا أَخْرجوا هذا من البيت أدخلوا هذا من البيت
نعم وهكذا؟ خلِّينا نستريح إحنا وإياك ونكون سِلْمِيِّين ولا تطلب العلم؛ فهل
الإنسان يمتثل أمر أبيه في هذه الحال؟ لا.
ومن أحسن ما رأيت في هذا الموضوع؛ لأن المسألة تشكل على طالب العلم وعلى غير
طالب العلم، هل يطيع أباه في مثل هذه الأمور أو لا؟ يقول شيخ الإسلام رحمه الله:
إنه لا تجب طاعة الوالدين في أمرٍ ينفعك، ينفع الابن، ولا يضرُّهما. هذا جيد كلام
جيد لو يكتب بماء الذهب، كل شيء ينفعك ولا يضر والديك فإنه لا تجب طاعتهما فيه؛
فإذا طلبت العلم هل يضر والدك؟ أبدًا، ما يضره؛ ينفعك؟ ينفعك.
ولا يَرِدُ على هذا مسألة الجهاد أن بر الولدين أفضل من الجهاد؛ لأن الجهاد
فيه تعريضٌ للنفس بالقتل، والقتلُ يُقلق راحة الوالدين، يقلق الراحة؛ الأم ما تنام
بالليل ولا بالنهار، بعض النساء ما تصبر؛ ولهذا يتحايل بعض الناس الذي يذهب للجهاد
يقول: بروح أسافر لمدة أيام وأرجع، ثم يسافر وقد لا يرجع، يخدع؛ فالمهم أنه يجاب عن
مسألة الجهاد بهذا الجواب. وقوله: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَقلنا: مستسلمون، شرعًا أو قدَرًا؟
الطلبة: شرعًا وقدَرًا.
الشيخ: شرعًا وقدَرًا، لكن الاستسلام القدري لا مدح فيه؛ لأنه سيكون سواءٌ قُلْتَهُ أو لم تقُلْه، الاستسلام القدري يعني كون الإنسان لا يتمكن من الخلاص من قَدَرِ الله هذا أمر سيكون، ولا يُمدح عليه المرء يعني لو أنَّ واحدًا أُصيب بمصيبة قيل: والله هذا استسلم لقضاء الله ولم يمنع هذه المصيبة، ما شاء الله عليه! صح؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لأيش؟
الطلبة: (...).
الشيخ: لأن هذا أمر قهري فلا يُحمد عليه الإنسان، نعم يُحمد على الصبر عليها؛ لأن الصبر على المصائب استسلام شرعي، إي نعم.
طالب: قوله: وَمَا أُوتِيَ(...) آيات يعني وحي وآيات.
الشيخ: نعم.
الطالب: آيات..
الشيخ: آيات حسية.
الطالب: آيات حسية، إبراهيم ما أوتي من الآيات؟
الشيخ: نعم.
الطالب: إبراهيم، مثلًا: النار؟
الشيخ: إلا، لكنها كانت تخلُّصًا من شر هؤلاء الأعداء ما هو لإثبات الرسالة للتخلص منهم.
طالب: شيخ، جاءت الأحاديث أن الله سبحانه وتعالى إذا قبض العبد ما يرجع إلى هذه الدنيا مرة أخرى..
الشيخ: نعم.
الطالب: آية عيسى..
الشيخ: هذه آيات، نقول: هذه آيات، حتى في القرآن ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ [المؤمنون: ١٥، ١٦].
طالب: في الدنيا بس ليس (...) آية عيسى عليه السلام؟
الشيخ: أنا أقول لك هذا مستثنى؛ هذا لأنه آية، أنت قلت: إن الأحاديث دلَّت على أنه ما يبعث الناس إلا يوم القيامة، أقول حتى القرآن يدل على أن الناس لا يبعثون إلا يوم القيامة، لكن هذه تعتبر آيات، إي نعم.
طالب: شيخ أحسن الله إليك ما وجه تفاضل القرآن عن التوراة والإنجيل مع أن القائل هو الله سبحانه وتعالى؟
الشيخ: التفاضل بين الوحي ليس باعتبار المتكلِّم به أو منَزِّله، فهو بهذا المعنى لا يتفاضل؛ لأن المتكلم واحد، لكن يتفاضل باعتبار معناه وفائدته ومنفعته للخلق، إي نعم.
الطلبة: شرعًا وقدَرًا.
الشيخ: شرعًا وقدَرًا، لكن الاستسلام القدري لا مدح فيه؛ لأنه سيكون سواءٌ قُلْتَهُ أو لم تقُلْه، الاستسلام القدري يعني كون الإنسان لا يتمكن من الخلاص من قَدَرِ الله هذا أمر سيكون، ولا يُمدح عليه المرء يعني لو أنَّ واحدًا أُصيب بمصيبة قيل: والله هذا استسلم لقضاء الله ولم يمنع هذه المصيبة، ما شاء الله عليه! صح؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لأيش؟
الطلبة: (...).
الشيخ: لأن هذا أمر قهري فلا يُحمد عليه الإنسان، نعم يُحمد على الصبر عليها؛ لأن الصبر على المصائب استسلام شرعي، إي نعم.
طالب: قوله: وَمَا أُوتِيَ(...) آيات يعني وحي وآيات.
الشيخ: نعم.
الطالب: آيات..
الشيخ: آيات حسية.
الطالب: آيات حسية، إبراهيم ما أوتي من الآيات؟
الشيخ: نعم.
الطالب: إبراهيم، مثلًا: النار؟
الشيخ: إلا، لكنها كانت تخلُّصًا من شر هؤلاء الأعداء ما هو لإثبات الرسالة للتخلص منهم.
طالب: شيخ، جاءت الأحاديث أن الله سبحانه وتعالى إذا قبض العبد ما يرجع إلى هذه الدنيا مرة أخرى..
الشيخ: نعم.
الطالب: آية عيسى..
الشيخ: هذه آيات، نقول: هذه آيات، حتى في القرآن ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ [المؤمنون: ١٥، ١٦].
طالب: في الدنيا بس ليس (...) آية عيسى عليه السلام؟
الشيخ: أنا أقول لك هذا مستثنى؛ هذا لأنه آية، أنت قلت: إن الأحاديث دلَّت على أنه ما يبعث الناس إلا يوم القيامة، أقول حتى القرآن يدل على أن الناس لا يبعثون إلا يوم القيامة، لكن هذه تعتبر آيات، إي نعم.
طالب: شيخ أحسن الله إليك ما وجه تفاضل القرآن عن التوراة والإنجيل مع أن القائل هو الله سبحانه وتعالى؟
الشيخ: التفاضل بين الوحي ليس باعتبار المتكلِّم به أو منَزِّله، فهو بهذا المعنى لا يتفاضل؛ لأن المتكلم واحد، لكن يتفاضل باعتبار معناه وفائدته ومنفعته للخلق، إي نعم.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [آل عمران: ٨٥، ٨٦].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أظن أننا لم نأخذ الفوائد في الآية الأولى؟
طالب: في الأخيرة.
الشيخ: من قوله: قُلْ آمَنَّا. قال الله تعالى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَاإلى آخره.
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أظن أننا لم نأخذ الفوائد في الآية الأولى؟
طالب: في الأخيرة.
الشيخ: من قوله: قُلْ آمَنَّا. قال الله تعالى: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَاإلى آخره.
في هذه الآية: وجوب
الإقرار بالإيمان باللسان كما هو واجب بالقلب؛ لأن قوله: قُلْ؛ يعني باللسان المعبِّر عما في القلب.
ومن فوائدها: أن الخطاب الموجه للرسول صلى الله عليه وسلم خطاب له وللأمة؛ لقوله: قُلْ آمَنَّاولم يقل: قل آمنت؛ فهذا له وللأمة.
ومنها: أن الإيمان بالله هو أصل كل شيء مقدم على كل شيء؛ لقوله: آمَنَّا بِاللَّهِ، وجعل ما بعده معطوفا عليه.
ومن فوائدها: أن وجوب الإيمان بما أنزل علينا، والإيمان بما أنزل علينا وهو القرآن يجب الإيمان به تصديقًا بالخبر وامتثالًا للأمر واجتنابًا للنهي؛ لأنه شريعة ومنهاج لنا.
ومن فوائدها: وجوب الإيمان بما أنزل على الرسل السابقين؛ لقوله: وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَإلى آخره، ولكن الإيمان بما أُنزل إليهم هو التصديق بما جاءت به هذه الكتب من الأخبار، وأما الأحكام؛ فإن ما خالف شرعنا ليس شرعًا لنا بالاتفاق؛ وما وافق شرعنا فهو شرع لنا بالاتفاق؛ لثبوته بشرعنا، وما لا هذا ولا هذا ففيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه شرع لنا.
ومن فوائد هذه الآية: ثبوت نبوة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب؛ لقوله: وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ.
ومن فوائد هذه الآية: وجوب الإيمان بالأسباط؛ وقد سبق لنا أن القول الراجح أن المراد بهم؟
طالب: شعوب بنبي إسرائيل.
الشيخ: شعوب بنبي إسرائيل؛ أي ما أُنزل عليهم بواسطة رسلهم.
من فوائد الآية الكريمة أيضا: وجوب الإيمان بـمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْمن الآيات الكونية التي يسميها بعض العلماء المعجزات؛ ومن الآيات الشرعية التي هي الشريعة التي يمشي عليها هؤلاء فنؤمن بما أوتي؛ لكن العمل بالشرائع السابقة عرفتم حكمه.
ومن فوائدها: ثبوت نبوة موسى وعيسى؛ لقوله: وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب علينا أن نؤمن بكل الأنبياء إجمالا؛ لأنه خصص ثم أيش؟
الطلبة: عمم.
الشيخ: ثم عمم.
ومن فوائدها: أن الخطاب الموجه للرسول صلى الله عليه وسلم خطاب له وللأمة؛ لقوله: قُلْ آمَنَّاولم يقل: قل آمنت؛ فهذا له وللأمة.
ومنها: أن الإيمان بالله هو أصل كل شيء مقدم على كل شيء؛ لقوله: آمَنَّا بِاللَّهِ، وجعل ما بعده معطوفا عليه.
ومن فوائدها: أن وجوب الإيمان بما أنزل علينا، والإيمان بما أنزل علينا وهو القرآن يجب الإيمان به تصديقًا بالخبر وامتثالًا للأمر واجتنابًا للنهي؛ لأنه شريعة ومنهاج لنا.
ومن فوائدها: وجوب الإيمان بما أنزل على الرسل السابقين؛ لقوله: وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَإلى آخره، ولكن الإيمان بما أُنزل إليهم هو التصديق بما جاءت به هذه الكتب من الأخبار، وأما الأحكام؛ فإن ما خالف شرعنا ليس شرعًا لنا بالاتفاق؛ وما وافق شرعنا فهو شرع لنا بالاتفاق؛ لثبوته بشرعنا، وما لا هذا ولا هذا ففيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه شرع لنا.
ومن فوائد هذه الآية: ثبوت نبوة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب؛ لقوله: وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ.
ومن فوائد هذه الآية: وجوب الإيمان بالأسباط؛ وقد سبق لنا أن القول الراجح أن المراد بهم؟
طالب: شعوب بنبي إسرائيل.
الشيخ: شعوب بنبي إسرائيل؛ أي ما أُنزل عليهم بواسطة رسلهم.
من فوائد الآية الكريمة أيضا: وجوب الإيمان بـمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْمن الآيات الكونية التي يسميها بعض العلماء المعجزات؛ ومن الآيات الشرعية التي هي الشريعة التي يمشي عليها هؤلاء فنؤمن بما أوتي؛ لكن العمل بالشرائع السابقة عرفتم حكمه.
ومن فوائدها: ثبوت نبوة موسى وعيسى؛ لقوله: وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب علينا أن نؤمن بكل الأنبياء إجمالا؛ لأنه خصص ثم أيش؟
الطلبة: عمم.
الشيخ: ثم عمم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا الدين
الإسلامي ليس فيه عصبية، ولا يجوز أن يتخذ الإنسان منه عصبية؛ لقوله: لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، بخلاف ما يسلكه بنو
إسرائيل؛ حيث لا يؤمنون إلا بما جاء عن أنبيائهم فقط، أما هذا الدين الإسلامي فلا.
لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْكلهم عندنا رسل الله؛ لكن نفرق في العبادات لا نتعبَّد إلا بما أُمرنا بالتعبد به. ويُذكر أن شخصًا حاجَّ عالمًا من علماء المسلمين فقال له: لماذا تجيزون لأنفسكم أن تتزوجوا ببناتنا ولا تجيزون لنا أن نتزوج ببناتكم؟ فقال له العالم: لأننا نؤمن برسولكم ولا تؤمنون برسولنا؛ فألقمه حجرًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الاستسلام لله عز وجل وحده؛ لقوله: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَووجه التخصيص.. وأيش وجه التخصيص؟
طالب: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
الشيخ: أيش تخصيص وين التخصيص؟
الطالب: قدَّم الجار والمجرور..
الشيخ: قدم المتعلِّق على المتعلَّق، والمتعلِّق معمول للمتعلَّق وتقديم المعمول يفيد الحصر؛ إذن في قوله: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَفائدتان: إخلاص الإسلام لله، ووجوب الإسلام له.
من فوائد هذه الآية الكريمة: ألَّا نستسلم لأحد استسلامًا يخالف الاستسلام لله؛ وجه الدلالة؟ أن هذا هو فائدة الاختصاص؛ ألَّا نستسلم لأحد إلا لله، فإذا جاءنا أمر من مخلوق يخالف أمر الله فإننا لا نستسلم له؛ لأننا لو استسلمنا له لم نكن أخلصنا الاستسلام لله عز وجل.
لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْكلهم عندنا رسل الله؛ لكن نفرق في العبادات لا نتعبَّد إلا بما أُمرنا بالتعبد به. ويُذكر أن شخصًا حاجَّ عالمًا من علماء المسلمين فقال له: لماذا تجيزون لأنفسكم أن تتزوجوا ببناتنا ولا تجيزون لنا أن نتزوج ببناتكم؟ فقال له العالم: لأننا نؤمن برسولكم ولا تؤمنون برسولنا؛ فألقمه حجرًا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الاستسلام لله عز وجل وحده؛ لقوله: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَووجه التخصيص.. وأيش وجه التخصيص؟
طالب: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
الشيخ: أيش تخصيص وين التخصيص؟
الطالب: قدَّم الجار والمجرور..
الشيخ: قدم المتعلِّق على المتعلَّق، والمتعلِّق معمول للمتعلَّق وتقديم المعمول يفيد الحصر؛ إذن في قوله: وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَفائدتان: إخلاص الإسلام لله، ووجوب الإسلام له.
من فوائد هذه الآية الكريمة: ألَّا نستسلم لأحد استسلامًا يخالف الاستسلام لله؛ وجه الدلالة؟ أن هذا هو فائدة الاختصاص؛ ألَّا نستسلم لأحد إلا لله، فإذا جاءنا أمر من مخلوق يخالف أمر الله فإننا لا نستسلم له؛ لأننا لو استسلمنا له لم نكن أخلصنا الاستسلام لله عز وجل.
ومن فوائد هذه الجملة: أنه ينبغي للإنسان أن يشعر
في كل حياته العملية؛ قولًا كانت أو فعلًا أو تركًا أنه مستسلم لله حتى يستفيد من
العمل، عندما أتوضأ أشعر بأنني أُنَفِّذُ قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦] هل أنت أيها المسلم تستشعر هذا؟ نعم، الله أعلم،
لكنه يغيب عن كثير من الناس هذا الأمر؛ ما يشعر الإنسان حينما يتوضأ يغسل وجهه
ويديه ويمسح رأسه ويغسل رجليه أنه يمتثل أمر الله أبدًا؛ ولذلك أنا أقول: ينبغي أن
تستشعر في هذه الحال أمرين: امتثال أمر الله؛ واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛
يعني تشعر وأنت تغسل وجهك كأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمامك يغسل وجهه؛ لتكون
متبعا له، وكذلك نقول في الصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرهم، المهم أن نستشعر أو
أن نُشعر أنفسنا بأننا نفعل ذلك امتثالًا لأمر الله واتباعًا لرسول الله صلى الله
عليه وسلم حتى نحقق شرطي العبادة في كل عمل.
ثم قال الله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا؛ (مَن) شرطية، وما أقربنا مِن (مَن) الشرطية، لكن يَبْتَغِخرجت عمَّا يظهر من الإعراب؛ لأنها لم تجزم بالسكون، يَبْتَغِاللي عندي مكسورة، مجزومة بأيش؟
الطلبة: بحذف الياء.
الشيخ: بحذف حرف العلة الياء، بحذف الياء؛ لأن أصلها: يبتغي؛ وقوله: مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا؛ غَيْرَ: مفعول يَبْتَغِودِينًا: يصح أن تكون مفعولًا ثانيًا؛ أي: مَن يطلبه دينًا، وأن تكون تمييزا لـ(غير) المبهمة؛ لأن غير مبهم اسم مبهم؛ طيب على كل حال يَبْتَغِبمعنى يطلب.
تفسير الآيات (85-89)
00:47:04
ثم قال الله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا؛ (مَن) شرطية، وما أقربنا مِن (مَن) الشرطية، لكن يَبْتَغِخرجت عمَّا يظهر من الإعراب؛ لأنها لم تجزم بالسكون، يَبْتَغِاللي عندي مكسورة، مجزومة بأيش؟
الطلبة: بحذف الياء.
الشيخ: بحذف حرف العلة الياء، بحذف الياء؛ لأن أصلها: يبتغي؛ وقوله: مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا؛ غَيْرَ: مفعول يَبْتَغِودِينًا: يصح أن تكون مفعولًا ثانيًا؛ أي: مَن يطلبه دينًا، وأن تكون تمييزا لـ(غير) المبهمة؛ لأن غير مبهم اسم مبهم؛ طيب على كل حال يَبْتَغِبمعنى يطلب.
وقوله: غَيْرَ الْإِسْلَامِالمراد بالإسلام هنا
الإسلام الخاص وهو الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان الإسلام في الأصل
يطلق على الاستسلام لله في كل زمان ومكان كما تعرفون ما ذكر الله عن الأنبياء
السابقين أنهم يطلقون الإسلام؛ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل: ٤٤].
والآيات في هذا كثيرة أن الرسل وأتباعهم مسلمون، لكن هذا الإسلام العام؛ أما
بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام فكل ما يسمى إسلامًا فهو ما جاء به الرسول صلى
الله عليه وسلم فقط؛ إذن غَيْرَ الْإِسْلَامِأي أيش؟
غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأننا نقول: المراد بالإسلام هنا أيش؟
الطلبة: الإسلام الخاص..
الشيخ: الإسلام الخاص الذي هو شريعة محمد صلى الله عليه وسلم. دِينًا؛ أي: عملا يَدين به لله ويرجو أن يُدان به بالثواب من عند الله؛ لأن الدين يطلق على العمل وعلى الجزاء؛ ففي قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦] المراد به العمل، وفي قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧، ١٨]..
الطلبة: الجزاء..
الشيخ: الجزاء؛ وفي قوله هنا: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًاالمراد به؟
الطلبة: عملًا..
الشيخ: العمل، طيب، لكن الدين لا يكون إلا في عمل يرجو الإنسان ثوابه، يعني يرجو أن يدان به؛ ولهذا يقال: «كَمَا تَدِينُ تُدَانُ» . وقوله: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ؛ الفاء نقول في إعرابها حسب ما مر علينا في الليلة الماضية أيش؟ رابطة للجواب، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ:
الطلبة: الإسلام الخاص..
الشيخ: الإسلام الخاص الذي هو شريعة محمد صلى الله عليه وسلم. دِينًا؛ أي: عملا يَدين به لله ويرجو أن يُدان به بالثواب من عند الله؛ لأن الدين يطلق على العمل وعلى الجزاء؛ ففي قوله تعالى: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون: ٦] المراد به العمل، وفي قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ [الانفطار: ١٧، ١٨]..
الطلبة: الجزاء..
الشيخ: الجزاء؛ وفي قوله هنا: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًاالمراد به؟
الطلبة: عملًا..
الشيخ: العمل، طيب، لكن الدين لا يكون إلا في عمل يرجو الإنسان ثوابه، يعني يرجو أن يدان به؛ ولهذا يقال: «كَمَا تَدِينُ تُدَانُ» . وقوله: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ؛ الفاء نقول في إعرابها حسب ما مر علينا في الليلة الماضية أيش؟ رابطة للجواب، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ:
| ............................ | وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِلَــــــــنْ وَبالتَّنْفِيــــــــــــسِ |
هذه لن؛ الفاء رابطة للجواب، فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُفلن يقبل؛ أي: ذلك الدين، وقوله: فَلَنْ يُقْبَلَلم يقل: فلن يَقبل الله، قال: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ؛ ليعم الرفض والرد من الله عز وجل ومن الرسول ومن المسلمين؛ ولهذا لا يجوز للمسلمين أن يُقِرُّوا أحدًا على دين خلاف شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، لا يجوز لهم ذلك لَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ؛ وقوله: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُالمراد بالقبول هنا قبول التمام ولَّا قبول الصحة؟
الطلبة: الصحة..
الشيخ: قبول الصحة، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» مردود؛ فمن دان بغير الإسلام سواء في الأصل أو في الفرع فإن دينه هذا مردود ومرفوض فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ. وهل يُعطى ثوابًا في الآخرة على عمله؟
لا؛ ولهذا قال: وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَوهذه –والله- هي الخسارة العظيمة؛ أن يعيش الإنسان في الدنيا ما شاء الله أن يعيش ثم لا يكتسب ما ينفعه في الآخرة، إذا قَدِمَ على ربه لم يجد شيئًا، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ [النور: ٣٩] تعرفون السراب بالقيعة؟ القيعة يعني الأرض المستوية الواسعة، هذه الأرض إذا كان في شدة الحر يتراءى للإنسان من بعيد أن فيها ماء، السراب، يُسمى السراب، فإذا جاء إنسان ظمآن ووجد هذا السراب الذي كأنه ماء بحر؛ فَرِح وأسرع إليه حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا فصارت خيبة الأمل بعد قوة الرجاء؛ وهذا أشد ما يكون حسرةً على الإنسان، أن تكون خيبة أمله عند قوة رجائه؛ لأن الإنسان لو لم يرجو من الأصل ما هَمَّ، لكن المشكل كونه يرجو ثم ينتكس هذا يكون أشد، نسأل الله العافية!
حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [النور: ٣٩] كل من لم يَدِن بالإسلام فإنه في الآخرة خاسر وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: ٢٣]؛ وقوله: وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَيشمل خسارة النفس وخسارة المال وخسارة الأهل، أما خسارة النفس فإنه لن يستفيد من عمله شيئًا، وأما خسارة المال فإنه لو أنفق ماله كله فيما ينفع الخلق لم ينتفع به في الآخرة؛ يعني لو أصلح الطرق وبنى المساجد وبنى المدارس فإنه لا ينفع. وأظنكم لا تتوقعون أن يكون هذا من الكافر الصريح؛ أن يبني المساجد والمدارس، لكن يكون من الكافر المرتد؛ فرجل مثلًا لا يصلي لكنه صاحب خير يبني المساجد ويبني المدارس ويصلح الطرق ويطعم المساكين، لكن لا يصلي؛ هل ينتفع بشيء من هذا العمل؟ لا؛ لأنه كافر، والكافر لن ينفعه عمله يوم القيامة أبدا.
طيب، خسارة المال هو ما ذكرناها الآن أنه إذا أنفق لم ينتفع بشيء؛ خسارة الأهل أيضًا أنهم لا ينتفع بهم في الدنيا، لو دعوا له لم ينتفع بذلك، لو دعوا له لم ينتفع بذلك؛ لأن الله يقول: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة: ١١٣] ولا ينتفعون بالدعاء، كذلك في الآخرة لا ينتفعون بأهليهم؛ لأن كل واحد منفصل عن الآخر في نار جهنم، بخلاف المؤمنين فإن الله يقول: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ [الطور: ٢١] لو كان لك ذرية تكون في الدرجة الخامسة، وأنت في الدرجة السابعة؛ تُرَقَّى الذرية من الخامسة إلى السابعة ولا تُنقص أنت شيئًا، لا يقال: انزل درجة وهم يرقون درجة وتكونون في أيها؟ في السادسة؛ الذرية في الخامسة والآباء في السابعة ترقَّى الذرية من الخامسة إلى السابعة ولا تنزَّل الآباء من السابعة إلى السادسة؛ يعني لو قال قائل: هذا يرقى درجة وهذا ينزل درجة هذا العدل؟ لكن نقول: إن الله يعامل بالفضل عز وجل؛ ولهذا قال: وَمَا أَلَتْنَاهُمْ؛ لأنه ربما يتوهم متوهم أنه إذا رقيت الذرية نقص ثواب الآباء فقال: وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍلماذا؟ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌولو أنا نزَّلنا الآباء ما صار العامل رهينًا بما كسب، إي نعم.
طالب: إذا كان (...) كافران أحدهما مؤذي والثاني مسالم هل يعني سواء ولّا؟
الشيخ: هما ليسا سواء بنص القرآن، قال الله تعالى: الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ [الروم: ١ - ٥]. نصرَ اللهُ كافرًا على كافر ففرح المؤمنون بنصر الروم على الفرس؛ لأن الروم أقل خطرًا على الإسلام من الفرس، ولأن الروم أهل كتاب والفرس عبدة النار ليسوا أهل كتاب؛ فلذلك بيَّن الله عز وجل أن المؤمنين يفرحون بنصر الله الرومَ على الفرسِ.
طالب: لكن هم ينتفعون.
الشيخ: من؟
طالب: على فرح المؤمنين لكن هم (...) على المسالم هذا (...)؟
الشيخ:كيف يعني في الآخرة؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: لا أبدًا، لكن الآخرة الكفار دركات.
طالب: إذا كان الإسلام بعد بعثة محمد فهو إذا يطلق الإسلام فهو دين الإسلام الذي هو دين محمد؟
الشيخ: نعم.
طالب: الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن إبراهيم هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ [الحج: ٧٨] فكيف؟
طالب: من الذي سماه؟
الشيخ: إبراهيم.
طالب: أو الله؟
طالب: الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: إن كان الله ما فيه إشكال.
طالب: لكن إبراهيم الذي سماه..
الشيخ: أيه سماه؛ لأن الله قال لأن إبراهيم وإسماعيل قالا: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة: ١٢٩] وهو إذا كان الأمر كذلك فهم مسلمون.
***
طالب: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١) [آل عمران: ٨٥ - ٩١].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ؛ هذه الجملة جملة أيش؟
طالب: جملة شرطية.
الشيخ: أين فعل الشرط؟
الطالب: يَبْتَغِ.
الشيخ: وجوابه؟
الطالب: جملة: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ.
الشيخ: جملة: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، لماذا اقترن بالفاء يا..؟
طالب: لأنه جواب شرط (لن).
الشيخ: مُصَدَّرٌ بـ(لن)، وإذا صُدِّر بـ(لن) وجب؟
الطالب: وجب اقترانه بالفاء.
الشيخ: نعم. قوله: وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَالواو هنا؟
طالب: للترتيب، ما ذكرته (...).
الشيخ: أي مش عاطفة ولّا للمعية، ولّا استئنافية ولّا حَدًا مقصود؟
الطالب: استئنافية.
الشيخ: استئنافية؟
طالب:حاليَّة.
الشيخ: حالية؟
الطالب: الواو واو الحال.
الشيخ: لا ما يصير، يصح فلن يقبل منه، والحال أنه في الآخرة من الخاسرين؟ ما يستقيم.
الطالب: استئنافية.
الشيخ: إما استئنافية ولّا عاطفة فلن فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِتكون معطوفة على جواب الشرط؛ يعني وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًافإنه يترتب على ذلك شيئان؛ الشيء الأول؟
طالب: لن يُقبلَ منه.
الشيخ: والثاني؟ أنه خاسر في الآخرة؛ لأنه يعمل عملًا لا ينفعه.
هذه أظن آية واحدة الّلي قرأناها؟
الشيخ: الفوائد وأيش وقفنا عليه؟
الطالب: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ.
الشيخ: والّلي قبله مأخوذ؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذا نخليه يجي بعد. قال الله تعالى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ؛ (كيف): استفهام بمعنى الاستبعاد؛ أي: يبعد جدًّا إن لم يمتنع أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم؛ يعني ارتدُّوا بعد أن آمنوا وعرفوا الحق فإن هدايتهم بعيدة؛ وذلك لأن من عرف الحق ثم ارتد عنه فهو أعظم جرمًا ممن لم يعرف الحق ولم يدخل فيه وبقي على كفره؛ ولهذا نقول: الكافر المرتد أعظم من الكافر الأصلي لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ففي الدنيا يُترك الكافر الأصلي على دينه ولا يجبر على تركه، لكن المرتد لا يُقَرُّ على رِدته؛ بل يجبر على أن يعود إلى الإسلام أو يقتل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ؛ فالله عز وجل يقول: يَبْعُدُ أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم، أما مَن كانوا على الكفر أصلًا فما أكثر الذين اهتدوا بعد أن كانوا على الكفر. وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ؛ الرَّسُولَهنا (أل) للعهد الذهني؛ لأنه لم يسبق له ذكر لكنه معلوم ذهنًا. وبالمناسبة نقول: إن (أل) العهدية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: للعهد الذهني، والعهد الذكري، والعهد الحضوري. ثلاثة أقسام:
فالعهد الذكري: أن تكون داخلة على ما سبق ذكره.
والعهد الحضوري: أن تكون داخلة على شيء حاضر.
والعهد الذهني: أن تكون داخلة على شيء معلوم في الذهن؛ فمثلًا قوله تعالى: وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّالمراد به رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن قوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيْمَانِهِمْ؛ معناه أنه يتوقع أن يُهْدَوْا وهذا لا يمكن بعد نزول القرآن إلا أن يكون الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم؛ وتقول مثلًا وأنت في البلد: جاء القاضي؛ أيُّ قاضٍ هو؟ قاضي البلد المعروف.
العهد الذكري أن تدخل على ما سبق ذكره، على شيء قد سبق ذكره مثل قوله تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: ١٥، ١٦] مَنِ المراد بالرسول الأول؟
الطلبة: موسى.
الشيخ: الرسول الأول الذي أرسل إلى فرعون وهو موسى، وهنا العهد ذكري.
العهد الحضوري: أن تكون داخلة على شيء حاضر، وهذه أكثر ما تكون في (أل) الواقعة بعد اسم الإشارة، الواقعة بعد اسم الإشارة للحضور، للعهد الحضوري؛ لأن الإشارة تدل على مشار إليه والمشار إليه يكون حاضرًا فتقول مثلًا: هذا اليوم شديد الحر؛ أي يوم؟ الحاضر، يومنا هذا اليوم الحاضر؛ وكقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣] اليوم يعني اليوم الحاضر. (أل) هناك (أل) ثانية قسيمة لـ(أل) العهدية وهي (أل) الجنسية، (أل) الجنسية تكون لبيان الحقيقة، ولبيان استغراق الحقيقة، فإذا قلت: الرجال أكمل من النساء؛ هذه لبيان الحقيقة الجنس، جنس الرجال أفضل من جنس النساء؛ ولا يعني أن كل واحد من الرجال أكمل من كل امرأة من النساء، ففي النساء من هي خير من كثير من الرجال، واضح؟ طيب، وتكون للعموم مثل قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: ٢]. إن الإنسان لفي خسر؛ يعني كل إنسان، إنَّ كل إنسان لفي خسر، وهذه علامتها: أن يحل محلها (كلّ) بتشديد اللام. هنا وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ؛ أي: حق ثابت صادق فيما أخبر به، عادل فيما حكم به صلى الله عليه وسلم، وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُجاءهم البينات يعني الآيات البينات التي تبيِّن صِدق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ والبينات مؤنث ولم يؤنث فعله؛ لوجهين:
الوجه الأول: أنَّ تأنيثه غير حقيقي.
والوجه الثاني: أنه فُصل بينه وبين الفعل، وقد جاءت في القرآن مؤنثة جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ [البقرة: ٢١٣]؛ لأنه يجوز هذا وهذا؛ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ؛ الجملة استئنافية وهي كالتعليل لِمَا قبلها من حيث المعنى كأنه يقول: إنما لا يهديهم الله؛ لأنهم ظلمة وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، الظالمين الذين ظلموا أنفسهم حيث بان لهم الحق واتضح وجهه ومع ذلك كفروا. ثم قال عز وجل: أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ؛ الآية الأولى لم نعربها، قوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواقوله: وَشَهِدُوامعطوفة على كَفَرُوا؛ ولكن يَحتمل معنًى آخر وهو أن تكون للحال؛ يعني وقد شهدوا أن الرسول حق، كفروا بعد إيمانهم وقد شهدوا أن الرسول حق؛ لأن عطفها على كَفَرُواكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواالكفر لو كان فيه شهادة لا تنفع الشهادة فيه. ثم قال: أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ؛ أُولَئِكَأي: المشار إليهم وهم الذين كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات، وأتى بصيغة الإشارة على وجه البُعد، على وجه البعد إشارةً إلى انحطاط مرتبتهم؛ لأن الإشارة إلى القريب بصيغة البعد قد تكون إشارة إلى علوِّ المرتبة وقد تكون إشارة إلى انحطاط المرتبة؛ وهنا إشارة إلى انحطاط مرتبتهم فهم لانحطاط مرتبتهم بعيدون يشار إليهم إشارة البعد. جَزَاؤُهُمْ؛ أي: مكافأتهم على عملهم أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ؛ عَلَيْهِمْهذه: (على) تفيد أنَّ اللعنة أتتهم على وجه الاستحقاق ومِن أمر عالٍ؛ لأنها لعنة، ولعنة الله هي طردُهُ وإبعادُه عن رحمته؛ أي أنه سبحانه وتعالى طرَدَهم وأبعدهم عن رحمة الله.
وَالْمَلَائِكَةِ؛ أي: ولعنةَ الملائكةِ، والملائكة: جمع مَلَكَ، وأصله: مَأْلَك من الأَلُوكَة وهي الرسالة، لكن صار فيه إعلال بالقلب؛ يعني بالقلب قلب المكان ما هو قلب الحرف؛ وذلك بأن قُدِّمت اللام وأُخِّرت الهمزة فصار مَلْأَك، وجمع مَلْأَك: ملائكة، ثم سُهِّلَ وقيل: مَلَك بدل مَلْأَك.
الملائكة: هم جنس من المخلوقات عالَمٌ غيبي خلَقَهم الله تعالى من نور وجعلهم صُمْدًا لا يأكلون ولا يشربون، وإذا لم يأكلوا ولم يشربوا فإنهم لا يبولون ولا يتغوطون؛ ولهذا وصفهم الله بأنهم مطهرون فقال: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]. وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَالناس هم بنو آدم، وأصلها: أناس فحذفت الهمزة تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال. وقوله: أَجْمَعِينَتوكيد، توكيد لما قبلها مباشرة أو لما قبلها وما قبل الذي قبلها؟
طالب: نعم، للجميع.
الشيخ: للجميع، الملائكة أجمعين والناس أجمعين.
طيب، خَالِدِينَ فِيهَا؛ خالدين فيها: حال، يعني خالدين في هذه اللعنة، ماكثين فيها إما على سبيل الأبد وإما على سبيل المكث الطويل؛ لأن الخلود كما قال أهل اللغة يُستعمل في المكث الطويل ويستعمل في المكث الدائم.
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ؛ هذه الجملة جملة أيش؟
طالب: جملة شرطية.
الشيخ: أين فعل الشرط؟
الطالب: يَبْتَغِ.
الشيخ: وجوابه؟
الطالب: جملة: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ.
الشيخ: جملة: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، لماذا اقترن بالفاء يا..؟
طالب: لأنه جواب شرط (لن).
الشيخ: مُصَدَّرٌ بـ(لن)، وإذا صُدِّر بـ(لن) وجب؟
الطالب: وجب اقترانه بالفاء.
الشيخ: نعم. قوله: وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَالواو هنا؟
طالب: للترتيب، ما ذكرته (...).
الشيخ: أي مش عاطفة ولّا للمعية، ولّا استئنافية ولّا حَدًا مقصود؟
الطالب: استئنافية.
الشيخ: استئنافية؟
طالب:حاليَّة.
الشيخ: حالية؟
الطالب: الواو واو الحال.
الشيخ: لا ما يصير، يصح فلن يقبل منه، والحال أنه في الآخرة من الخاسرين؟ ما يستقيم.
الطالب: استئنافية.
الشيخ: إما استئنافية ولّا عاطفة فلن فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِتكون معطوفة على جواب الشرط؛ يعني وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًافإنه يترتب على ذلك شيئان؛ الشيء الأول؟
طالب: لن يُقبلَ منه.
الشيخ: والثاني؟ أنه خاسر في الآخرة؛ لأنه يعمل عملًا لا ينفعه.
هذه أظن آية واحدة الّلي قرأناها؟
الشيخ: الفوائد وأيش وقفنا عليه؟
الطالب: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ.
الشيخ: والّلي قبله مأخوذ؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذا نخليه يجي بعد. قال الله تعالى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ؛ (كيف): استفهام بمعنى الاستبعاد؛ أي: يبعد جدًّا إن لم يمتنع أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم؛ يعني ارتدُّوا بعد أن آمنوا وعرفوا الحق فإن هدايتهم بعيدة؛ وذلك لأن من عرف الحق ثم ارتد عنه فهو أعظم جرمًا ممن لم يعرف الحق ولم يدخل فيه وبقي على كفره؛ ولهذا نقول: الكافر المرتد أعظم من الكافر الأصلي لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ففي الدنيا يُترك الكافر الأصلي على دينه ولا يجبر على تركه، لكن المرتد لا يُقَرُّ على رِدته؛ بل يجبر على أن يعود إلى الإسلام أو يقتل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ؛ فالله عز وجل يقول: يَبْعُدُ أن يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم، أما مَن كانوا على الكفر أصلًا فما أكثر الذين اهتدوا بعد أن كانوا على الكفر. وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ؛ الرَّسُولَهنا (أل) للعهد الذهني؛ لأنه لم يسبق له ذكر لكنه معلوم ذهنًا. وبالمناسبة نقول: إن (أل) العهدية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: للعهد الذهني، والعهد الذكري، والعهد الحضوري. ثلاثة أقسام:
فالعهد الذكري: أن تكون داخلة على ما سبق ذكره.
والعهد الحضوري: أن تكون داخلة على شيء حاضر.
والعهد الذهني: أن تكون داخلة على شيء معلوم في الذهن؛ فمثلًا قوله تعالى: وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّالمراد به رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن قوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيْمَانِهِمْ؛ معناه أنه يتوقع أن يُهْدَوْا وهذا لا يمكن بعد نزول القرآن إلا أن يكون الرسول محمدًا صلى الله عليه وسلم؛ وتقول مثلًا وأنت في البلد: جاء القاضي؛ أيُّ قاضٍ هو؟ قاضي البلد المعروف.
العهد الذكري أن تدخل على ما سبق ذكره، على شيء قد سبق ذكره مثل قوله تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: ١٥، ١٦] مَنِ المراد بالرسول الأول؟
الطلبة: موسى.
الشيخ: الرسول الأول الذي أرسل إلى فرعون وهو موسى، وهنا العهد ذكري.
العهد الحضوري: أن تكون داخلة على شيء حاضر، وهذه أكثر ما تكون في (أل) الواقعة بعد اسم الإشارة، الواقعة بعد اسم الإشارة للحضور، للعهد الحضوري؛ لأن الإشارة تدل على مشار إليه والمشار إليه يكون حاضرًا فتقول مثلًا: هذا اليوم شديد الحر؛ أي يوم؟ الحاضر، يومنا هذا اليوم الحاضر؛ وكقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣] اليوم يعني اليوم الحاضر. (أل) هناك (أل) ثانية قسيمة لـ(أل) العهدية وهي (أل) الجنسية، (أل) الجنسية تكون لبيان الحقيقة، ولبيان استغراق الحقيقة، فإذا قلت: الرجال أكمل من النساء؛ هذه لبيان الحقيقة الجنس، جنس الرجال أفضل من جنس النساء؛ ولا يعني أن كل واحد من الرجال أكمل من كل امرأة من النساء، ففي النساء من هي خير من كثير من الرجال، واضح؟ طيب، وتكون للعموم مثل قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [العصر: ٢]. إن الإنسان لفي خسر؛ يعني كل إنسان، إنَّ كل إنسان لفي خسر، وهذه علامتها: أن يحل محلها (كلّ) بتشديد اللام. هنا وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ؛ أي: حق ثابت صادق فيما أخبر به، عادل فيما حكم به صلى الله عليه وسلم، وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُجاءهم البينات يعني الآيات البينات التي تبيِّن صِدق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ والبينات مؤنث ولم يؤنث فعله؛ لوجهين:
الوجه الأول: أنَّ تأنيثه غير حقيقي.
والوجه الثاني: أنه فُصل بينه وبين الفعل، وقد جاءت في القرآن مؤنثة جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ [البقرة: ٢١٣]؛ لأنه يجوز هذا وهذا؛ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ؛ الجملة استئنافية وهي كالتعليل لِمَا قبلها من حيث المعنى كأنه يقول: إنما لا يهديهم الله؛ لأنهم ظلمة وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، الظالمين الذين ظلموا أنفسهم حيث بان لهم الحق واتضح وجهه ومع ذلك كفروا. ثم قال عز وجل: أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ؛ الآية الأولى لم نعربها، قوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواقوله: وَشَهِدُوامعطوفة على كَفَرُوا؛ ولكن يَحتمل معنًى آخر وهو أن تكون للحال؛ يعني وقد شهدوا أن الرسول حق، كفروا بعد إيمانهم وقد شهدوا أن الرسول حق؛ لأن عطفها على كَفَرُواكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواالكفر لو كان فيه شهادة لا تنفع الشهادة فيه. ثم قال: أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ؛ أُولَئِكَأي: المشار إليهم وهم الذين كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات، وأتى بصيغة الإشارة على وجه البُعد، على وجه البعد إشارةً إلى انحطاط مرتبتهم؛ لأن الإشارة إلى القريب بصيغة البعد قد تكون إشارة إلى علوِّ المرتبة وقد تكون إشارة إلى انحطاط المرتبة؛ وهنا إشارة إلى انحطاط مرتبتهم فهم لانحطاط مرتبتهم بعيدون يشار إليهم إشارة البعد. جَزَاؤُهُمْ؛ أي: مكافأتهم على عملهم أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ؛ عَلَيْهِمْهذه: (على) تفيد أنَّ اللعنة أتتهم على وجه الاستحقاق ومِن أمر عالٍ؛ لأنها لعنة، ولعنة الله هي طردُهُ وإبعادُه عن رحمته؛ أي أنه سبحانه وتعالى طرَدَهم وأبعدهم عن رحمة الله.
وَالْمَلَائِكَةِ؛ أي: ولعنةَ الملائكةِ، والملائكة: جمع مَلَكَ، وأصله: مَأْلَك من الأَلُوكَة وهي الرسالة، لكن صار فيه إعلال بالقلب؛ يعني بالقلب قلب المكان ما هو قلب الحرف؛ وذلك بأن قُدِّمت اللام وأُخِّرت الهمزة فصار مَلْأَك، وجمع مَلْأَك: ملائكة، ثم سُهِّلَ وقيل: مَلَك بدل مَلْأَك.
الملائكة: هم جنس من المخلوقات عالَمٌ غيبي خلَقَهم الله تعالى من نور وجعلهم صُمْدًا لا يأكلون ولا يشربون، وإذا لم يأكلوا ولم يشربوا فإنهم لا يبولون ولا يتغوطون؛ ولهذا وصفهم الله بأنهم مطهرون فقال: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]. وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَالناس هم بنو آدم، وأصلها: أناس فحذفت الهمزة تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال. وقوله: أَجْمَعِينَتوكيد، توكيد لما قبلها مباشرة أو لما قبلها وما قبل الذي قبلها؟
طالب: نعم، للجميع.
الشيخ: للجميع، الملائكة أجمعين والناس أجمعين.
طيب، خَالِدِينَ فِيهَا؛ خالدين فيها: حال، يعني خالدين في هذه اللعنة، ماكثين فيها إما على سبيل الأبد وإما على سبيل المكث الطويل؛ لأن الخلود كما قال أهل اللغة يُستعمل في المكث الطويل ويستعمل في المكث الدائم.
ولكن هنا هل يراد به المكث الطويل أو الدائم؟ الدائم، المراد به الدائم؛ لأن
هؤلاء كفرة، والكفرة خالدون خلودًا دائمًا في العذاب لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ؛ لَا يُخَفَّفُالتخفيف ضد التثقيل؛ أي لا يمكن أن يُهَوَّنَ عليهم العذاب يومًا واحدًا؛ ولهذا
قَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ [غافر: ٤٩].
شوف -نعوذ بالله- طلبوا دعاء الملائكة ليكونوا واسطة بينهم وبين الله، ثم مع
ذلك لم يقولوا: ادعوا ربنا، قالوا: ادْعُوا رَبَّكُمْمن شدة خجلهم وانكسارهم أمام الله، ثم قالوا: يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِولم يطلبوا الإنقاذ من العذاب مطلقًا، ولم يطلبوا
أن يخفِّف عنهم العذاب دائمًا؛ لأنهم عارفون أنهم مخطئون بل خاطئون؛ فلهذا طلبوا أن
يخفف عنهم العذاب يومًا واحدًا ولكن لن يكون ذلك؛ ولهذا قال: لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ؛ العذاب يعني العقوبة،
وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ؛ أي: يُمْهَلُونَ ويؤخَّرون، بل
يبادَرون بالعذاب.
وتأملوا -بارك الله فيكم- قوله تعالى في أهل النار: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [الزمر: ٧١]. وقال في أهل الجنة: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر: ٧٣] جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ.
إذن فصار هناك فرق بين هؤلاء وهؤلاء؛ لأن أهل النار -والعياذ بالله- يبادَرون
بفتحها فيقابلهم العذاب أول ما يَقْدمون عليها. وأما أهل الجنة فإنهم إذا وصلوا إلى
الجنة وُقِفُوا على قنطرة بين الجنة وبين النار فيُقتص لبعضهم من بعض اقتصاصًا
خاصًّا غير الاقتصاص الأول الذي يكون في عرصات القيامة من أجل أن يُزال ما في
قلوبهم من الغل والحقد حتى يدخلوا الجنة وهم على أصفى ما يكونون من المودة إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر: ٤٧].
ولهذا نقول في الواو هنا: إنها عاطفة على جواب الشرط المحذوف حتى إذا جاؤوها
حصل كيت وكيت وفتحت أبوابها، وليست زائدة كما قيل به، ولا واو ثمانية كما قيل به
أيضا؛ بل هي واو عاطفة على الوجه المعتاد والمعطوف عليه محذوف.
إذن لَا هُمْ يُنْظَرُونَيعني لا هم يمهلون ويؤخر
عنهم العذاب بل يبادرون به؛ بل إنهم يبادرون به قبل أن تقوم الساعة كما قال الله
تعالى لآل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٦]، بل إنهم يبادَرون بالعذاب قبل أن يموتوا وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الأنفال: ٥٠]، ويوبَّخُون قبل أن يموتوا وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام: ٩٣].
وتأمل قوله: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ؛ إنهم والله
لأشحاء في هذه الأنفس، أشِحَّاء؛ لأن النفس إذا بشرت بالعذاب نكصت واشمأزت ورجعت في
الجسد فيقولون: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُأعطونا إياها،
إلى أي شيء؟ إلى العذاب الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ.
فما بالكم -والعياذ بالله- بهذه البشارة السيئة القبيحة في حال خروجه من
الدنيا ومفارقة الأهل والأموال والأوطان؟ إنها لساعة حرجة -نعوذ بالله- ونسأل الله
أن يحسن لنا ولكم الخاتمة! حالة حرجة فهم لا يُمْهَلُونَ ولا يُنظرون في العذاب من
حين أن يأتيهم الأجل إلى أبد الآبدين -والعياذ بالله- نسأل الله لنا ولكم العافية!
يقول: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٨٩] اللهم لك
الحمد، رحمة الله سبقت غضبه؛ هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول حق،
وجاءهم البينات وقامت عليهم الحجة من كل وجه؛ إذا تابوا إلى اللهِ تاب اللهُ عليهم
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواتابوا؛ أي: رجعوا إلى الله، فالتوبة الرجوع إلى الله من
معصيته إلى طاعته، ومن الهرب عنه إلى اللجوء إلى بابه.
وللتوبة خمسة شروط أقرأها عليكم وأطالبكم بها:
الشرط الأول: الإخلاص لله؛ بأن يقصد الإنسان بتوبته وجه الله، وأن يتوب عليه ويتجاوز عنه، لا أن يقصد بتوبته مراءاة الخلق أو شيئا من أمور الدنيا؛ لأن التائب قد يريد مراءاة الخلق ليعلم الناس أنه تاب ورجع فيمدحوه على ذلك؛ هذا لا تنفعه التوبة ولا تُقبل منه؛ أو يقصد بتوبته شيئًا من أمور الدنيا؛ يسمع أن الله يقول: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق: ٤] وهو يريد زوجة قال: لعلي أتقي الله حتى ييسر الله لي زوجة؛ هذه التقوى أو هذه التوبة ضعيفة جدًّا.
وللتوبة خمسة شروط أقرأها عليكم وأطالبكم بها:
الشرط الأول: الإخلاص لله؛ بأن يقصد الإنسان بتوبته وجه الله، وأن يتوب عليه ويتجاوز عنه، لا أن يقصد بتوبته مراءاة الخلق أو شيئا من أمور الدنيا؛ لأن التائب قد يريد مراءاة الخلق ليعلم الناس أنه تاب ورجع فيمدحوه على ذلك؛ هذا لا تنفعه التوبة ولا تُقبل منه؛ أو يقصد بتوبته شيئًا من أمور الدنيا؛ يسمع أن الله يقول: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق: ٤] وهو يريد زوجة قال: لعلي أتقي الله حتى ييسر الله لي زوجة؛ هذه التقوى أو هذه التوبة ضعيفة جدًّا.
ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب التوحيد: بابٌ من
الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا؛ فهذه إرادة نازلة لكنها ليست كالأول، الأول يريد
أن يتقرب إلى الناس بما يتقرب به إلى الله، وهذا شيء عظيم، أن يجعل ما لله للخلق؛
أما هذا لا، ما أراد هذا الشيء، أراد أن يتقرب إلى الله من أجل ييسر له شيئًا من
أمور الدنيا؛ والآخرة هو في غفلة عنها؛ إذن هذا الذي أراد بالتوبة أحد الأمرين
توبتُه مردودة عليه بالنسبة للأول الذي أراد الرياء، وضعيفة جدًّا بالنسبة للثاني،
الإخلاص لله.
الثاني من شروط التوبة: الندم على ما فعل من الذنب؛ والندم أَشْكَلَ على بعض الناس، قال: كيف يندم الواحد؟ الإنسان ما يقدر يندِّم نفسه، ولكنه في الحقيقة لا إشكال فيه، لا إشكال فيه إطلاقًا؛ لأن معنى الندم أن يشعر الإنسان بالحسرة على ما فعل، لا أن يكون الفعلُ وعدمُه عنده سواء؛ يعني هو يشعر بأنه الآن متحسر كما يقول العامة: متحسر كيف يَفْرُط منِّي هذا الشيء.
الثالث: أن يُقلع عن المعصية، أن يقلع عن المعصية في الحال، فإن كانت لله؛ فإما أن تكون تركَ واجبٍ أو فعلَ محرَّم، فإن كان فعل محرم أقلع عنه، فارقه حتى لو كانت شَرْبَةُ الخمر في فمه وجب عليه أن يَمُجَّهَا؛ وإن كانت للمخلوق فلا بد أن يعطيه حقَّه أو يتحلَّله منه؛ إن كان ماليًّا أو بدنيًّا أو عِرْضًا علم به صاحبه؛ بدنيًّا مثل الضرب، ماليًّا مثل أخذ المال أو جحد مال يجب عليه لشخص، عِرْضِيًّا مثل الغِيبة؛ هذه إن كان الذي جُنِيَ عليه قد علم بالغِيبة فلا بد من استحلاله، وإن لم يعلم فلا حاجة إلى إخباره ثم استحلاله؛ لأنه ربما إذا علم لا يُحِل، ولكن بدل أن دَنَّسَ سُمعته في المجلس في مجلس من المجالس يمدحه بما فيه في نفس ذلك المجلس؛ لأن الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: ١١٤]. هذه إذا كان حقًّا للمخلوق فلا بد من أيش؟
طالب: استحلاله..
الشيخ: استحلاله إن كان بدنيًّا أو ماليًّا أو عِرْضِيًّا عَلِمَ به. إذا كان لله قلنا: إن كان فعل محرم فلا بد أن يقلع عنه فورًا، وإن كان تركَ واجب وَجَبَ عليه أن يتلافاه إن كان يمكن تلافيه وإن كان لا يمكن سقط. ما تقولون (...) غصب أرضًا وجعل فيها زرعًا، وفي أثناء وجوده فيها تاب إلى الله، فماذا يصنع؟
الطلبة: يردها.
الشيخ: هو سيردها لكن الآن هو مستولٍ عليها الآن مشيه من أثنائها إلى طرفها مشي في معصية، وبقاؤه إن بقي فهو في معصية فماذا يفعل؟
الطلبة: يخرج.
الشيخ: قال العلماء: إن خروجه هذا ليس بمعصية؛ لأنه خروج للتخلص من المعصية، والتخلص من الشيء لا يُعْطَى حكمَ الشيء؛ ولهذا لو أن الْمُحْرِمَ تلطخ بطِيب وأراد أن يغسله لا بد أن يباشره مباشرته للطيب عند غسله جائزة ولَّا حرام؟ جائزة لأنه يريد أن يتخلص منه، كذلك الاستنجاء، الإنسان إذا أراد أن يستنجي يباشر النجاسة بيده، وهذه المباشرة مباشرة النجاسة باليد جائزة؛ لأنها من أجل التخلص من هذه النجاسة وإزالتها؛ فكذلك هذا الذي تاب من أرض مغصوبة وكان في وسط الأرض ومشى؛ نقول: هذا المشي طاعة؛ لأنك إنما مشيت من أجل التخلص. كم هذه من شرط؟
الطلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة.
الشرط الرابع: أن يَعْزِمَ على ألَّا يعود؛ فإن تاب وهو لم يعزم على عدم العود فإن توبته لا تصح؛ كرجل من عادته أن يسهر في شرب الخمر في البارات بارات الخمر -والعياذ بالله- وفي ليلة من الليالي صارت السماء ممطرة وجاء إلى البارة وإذا هي مغلقة فقال: تبت؛ لكن من نيته أنه إذا كانت القابلة صحوًا وفتحت البارات فسيحضر ويشرب الخمر، ما تقولون في هذا؟
الثاني من شروط التوبة: الندم على ما فعل من الذنب؛ والندم أَشْكَلَ على بعض الناس، قال: كيف يندم الواحد؟ الإنسان ما يقدر يندِّم نفسه، ولكنه في الحقيقة لا إشكال فيه، لا إشكال فيه إطلاقًا؛ لأن معنى الندم أن يشعر الإنسان بالحسرة على ما فعل، لا أن يكون الفعلُ وعدمُه عنده سواء؛ يعني هو يشعر بأنه الآن متحسر كما يقول العامة: متحسر كيف يَفْرُط منِّي هذا الشيء.
الثالث: أن يُقلع عن المعصية، أن يقلع عن المعصية في الحال، فإن كانت لله؛ فإما أن تكون تركَ واجبٍ أو فعلَ محرَّم، فإن كان فعل محرم أقلع عنه، فارقه حتى لو كانت شَرْبَةُ الخمر في فمه وجب عليه أن يَمُجَّهَا؛ وإن كانت للمخلوق فلا بد أن يعطيه حقَّه أو يتحلَّله منه؛ إن كان ماليًّا أو بدنيًّا أو عِرْضًا علم به صاحبه؛ بدنيًّا مثل الضرب، ماليًّا مثل أخذ المال أو جحد مال يجب عليه لشخص، عِرْضِيًّا مثل الغِيبة؛ هذه إن كان الذي جُنِيَ عليه قد علم بالغِيبة فلا بد من استحلاله، وإن لم يعلم فلا حاجة إلى إخباره ثم استحلاله؛ لأنه ربما إذا علم لا يُحِل، ولكن بدل أن دَنَّسَ سُمعته في المجلس في مجلس من المجالس يمدحه بما فيه في نفس ذلك المجلس؛ لأن الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: ١١٤]. هذه إذا كان حقًّا للمخلوق فلا بد من أيش؟
طالب: استحلاله..
الشيخ: استحلاله إن كان بدنيًّا أو ماليًّا أو عِرْضِيًّا عَلِمَ به. إذا كان لله قلنا: إن كان فعل محرم فلا بد أن يقلع عنه فورًا، وإن كان تركَ واجب وَجَبَ عليه أن يتلافاه إن كان يمكن تلافيه وإن كان لا يمكن سقط. ما تقولون (...) غصب أرضًا وجعل فيها زرعًا، وفي أثناء وجوده فيها تاب إلى الله، فماذا يصنع؟
الطلبة: يردها.
الشيخ: هو سيردها لكن الآن هو مستولٍ عليها الآن مشيه من أثنائها إلى طرفها مشي في معصية، وبقاؤه إن بقي فهو في معصية فماذا يفعل؟
الطلبة: يخرج.
الشيخ: قال العلماء: إن خروجه هذا ليس بمعصية؛ لأنه خروج للتخلص من المعصية، والتخلص من الشيء لا يُعْطَى حكمَ الشيء؛ ولهذا لو أن الْمُحْرِمَ تلطخ بطِيب وأراد أن يغسله لا بد أن يباشره مباشرته للطيب عند غسله جائزة ولَّا حرام؟ جائزة لأنه يريد أن يتخلص منه، كذلك الاستنجاء، الإنسان إذا أراد أن يستنجي يباشر النجاسة بيده، وهذه المباشرة مباشرة النجاسة باليد جائزة؛ لأنها من أجل التخلص من هذه النجاسة وإزالتها؛ فكذلك هذا الذي تاب من أرض مغصوبة وكان في وسط الأرض ومشى؛ نقول: هذا المشي طاعة؛ لأنك إنما مشيت من أجل التخلص. كم هذه من شرط؟
الطلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة.
الشرط الرابع: أن يَعْزِمَ على ألَّا يعود؛ فإن تاب وهو لم يعزم على عدم العود فإن توبته لا تصح؛ كرجل من عادته أن يسهر في شرب الخمر في البارات بارات الخمر -والعياذ بالله- وفي ليلة من الليالي صارت السماء ممطرة وجاء إلى البارة وإذا هي مغلقة فقال: تبت؛ لكن من نيته أنه إذا كانت القابلة صحوًا وفتحت البارات فسيحضر ويشرب الخمر، ما تقولون في هذا؟
هذا ليس بتائب، هذا أقرب ما له أن تكون توبته سخرية؛ كرجل أراد أن يتوب من
الغيبة وهو أيضا مع أصحابه الذين يأتون بعباد الله ويجعلونهم بينهم ويسلطون عليهم
سكاكين كالَّة يمزِّقون بها لحومهم، فقال أحدهم: أستغفر الله وأتوب إليه رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣]، يا فلان
وأيش تقول لفلان؟ بيسب؛ هل هذا توبته صحيحة؟ لا؛ لأنه ما أقلع، ولو أقلع في حال
قوله: أستغفر الله وأتوب إليه وهو ما عزم على ألَّا يعود بدليل إنه من حين ما قال
هذا الكلام يلّا هاتوا فلان، ماذا تقولون فيه؟ نقول: هذا الرجل ما تاب توبة حقيقة؛
نحن نقول: العزم على ألَّا يعود أو الشرط ألّا يعود؟
الطلبة: العزم على ألّا يعود.
الطلبة: العزم على ألّا يعود.





