الشرط الرابع: أن يعزم على أن لا يعود، فإن تاب وهو لم يعزم على عدم العود فإن
توبته لا تصح، كرجل من عادته أن يسهر في شرب الخمر في البارات؛ بارات الخمر
-والعياذ بالله- وفي ليلة من الليالي صارت السماء ممطرة، وجاء إلى البارة وإذا هي
مغلقة فقال: تُبت، لكن من نيته أنه إذا كانت القابلة صحوًا وفتحت البارات فسيحضر
ويشرب الخمر، ما تقولون في هذا؟
الطلبة: ما تصح توبته.
الشيخ: هذا ليس بتائب، هذا أقرب ما له أن تكون توبته سخرية، كرجل أراد أن يتوب من الغيبة وهو أيضًا مع أصحابه الذين يأتون بعباد الله ويجعلونهم بينهم ويُسلطون عليهم سكاكين كالَّة يمزقون بها لحومهم فقال أحدهم: أستغفر الله وأتوب إليه رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣] يا فلان، وأيش تقول بفلان؟ (…) هل توبته صحيحة؟
الطلبة: ليست صحيحة.
الشيخ: لا؛ لأنه ما أقلع، ولو أقلع في حال قوله: أستغفر الله وأتوب إليه وهو ما عزم على أن لا يعود؛ بدليل أنه من حين ما قال هذا الكلام قال: يلَّا هاتوا فلان، ماذا تقولون فيه؟ نقول: هذا الرجل ما تاب توبة حقيقة. نحن نقول: العزم على أن لا يعود، أو الشرط أن لا يعود؟
الطلبة: العزم على أن لا يعود.
الشيخ: العزم على أن لا يعود؛ يعني معناه لو أنه عزم أن لا يعود، ولكن سوّلت له نفسه فيما بعد فعاد هل تبطل التوبة الأولى أو لا؟
الطلبة: لا تبطل.
الشيخ: لا تبطل التوبة الأولى، لكن يحتاج إلى توبة جديدة للعودة الأخيرة، أما التوبة الأولى فقد تمت، ولهذا نقول: الشرط العزم ألَّا يعود لا أن لا يعود، واضح؟
لو أنه عاد وتاب توبة نصوحًا، ثم عاد؟ يتوب، ثم عاد يتوب، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَتَابَ مِنْهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَتَابَ مِنْهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَتَابَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؛ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» .
لأن هذا الرجل كان مخلصًا، ولكن هذا -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- لا ينطبق على كل تائب، إنما أخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام عن رجل حصل منه هذا الشيء، ولكن لا يحصل لكل تائب.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت القبول، فإن انقطع وقت القبول فلا توبة، وانقطاع وقت القبول نوعان: عام، وخاص؛ فالخاص: حضور الأجل لكل إنسان بعينه، والعام طلوع الشمس من مغربها، فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع؛ لقول الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨].
وإذا كان هذا الشرط محققًا دل هذا على أن التوبة واجبة على أيش؟
على الفور؛ لأن أحدًا لا يعلم متى يأتيه الموت، فإذا كنت لا تعلم متى يأتيك الموت لزم من ذلك أن تبادر بالتوبة، وأن يكون دائمًا على بالك أنك تائب إلى ربك راجع إليه حتى إذا قُدر أن الأجل أتاك بغتة وإذا أنت على أتم استعداد، نسأل الله أن يقينا وإياكم من غفلة القلوب، القلوب غافلة ما تحسب لهذا الشيء حسابًا.
الطلبة: ما تصح توبته.
الشيخ: هذا ليس بتائب، هذا أقرب ما له أن تكون توبته سخرية، كرجل أراد أن يتوب من الغيبة وهو أيضًا مع أصحابه الذين يأتون بعباد الله ويجعلونهم بينهم ويُسلطون عليهم سكاكين كالَّة يمزقون بها لحومهم فقال أحدهم: أستغفر الله وأتوب إليه رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف: ٢٣] يا فلان، وأيش تقول بفلان؟ (…) هل توبته صحيحة؟
الطلبة: ليست صحيحة.
الشيخ: لا؛ لأنه ما أقلع، ولو أقلع في حال قوله: أستغفر الله وأتوب إليه وهو ما عزم على أن لا يعود؛ بدليل أنه من حين ما قال هذا الكلام قال: يلَّا هاتوا فلان، ماذا تقولون فيه؟ نقول: هذا الرجل ما تاب توبة حقيقة. نحن نقول: العزم على أن لا يعود، أو الشرط أن لا يعود؟
الطلبة: العزم على أن لا يعود.
الشيخ: العزم على أن لا يعود؛ يعني معناه لو أنه عزم أن لا يعود، ولكن سوّلت له نفسه فيما بعد فعاد هل تبطل التوبة الأولى أو لا؟
الطلبة: لا تبطل.
الشيخ: لا تبطل التوبة الأولى، لكن يحتاج إلى توبة جديدة للعودة الأخيرة، أما التوبة الأولى فقد تمت، ولهذا نقول: الشرط العزم ألَّا يعود لا أن لا يعود، واضح؟
لو أنه عاد وتاب توبة نصوحًا، ثم عاد؟ يتوب، ثم عاد يتوب، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَتَابَ مِنْهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَتَابَ مِنْهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَتَابَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؛ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ» .
لأن هذا الرجل كان مخلصًا، ولكن هذا -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- لا ينطبق على كل تائب، إنما أخبرنا الرسول عليه الصلاة والسلام عن رجل حصل منه هذا الشيء، ولكن لا يحصل لكل تائب.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في وقت القبول، فإن انقطع وقت القبول فلا توبة، وانقطاع وقت القبول نوعان: عام، وخاص؛ فالخاص: حضور الأجل لكل إنسان بعينه، والعام طلوع الشمس من مغربها، فإذا حضر الأجل فإن التوبة لا تنفع؛ لقول الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨].
وإذا كان هذا الشرط محققًا دل هذا على أن التوبة واجبة على أيش؟
على الفور؛ لأن أحدًا لا يعلم متى يأتيه الموت، فإذا كنت لا تعلم متى يأتيك الموت لزم من ذلك أن تبادر بالتوبة، وأن يكون دائمًا على بالك أنك تائب إلى ربك راجع إليه حتى إذا قُدر أن الأجل أتاك بغتة وإذا أنت على أتم استعداد، نسأل الله أن يقينا وإياكم من غفلة القلوب، القلوب غافلة ما تحسب لهذا الشيء حسابًا.
والواجب أن الإنسان يحسب لهذا الشيء حسابه، يكون دائمًا على ذكر التوبة، ولهذا
كَانَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً وَيَتُوبُ إِلَيْهِ أَكْثَرَ
مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً ، أما العام فهو طلوع الشمس من مغربها؛ لأن
الشمس هذه تدور بإذن الله منذ خلقها الله إلى أن يأذن الله بوقوفها، والعجيب أنها
لا تتقدم ولا تتأخر! انظر إلى طلوعها مثلًا اليوم، اليوم الثاني من بُرج السنبلة،
تطلع في الساعة كذا، الدقيقة كذا.
هذا اليوم نفسه من مئات السنين السابقة وهي تطلع عليه، على هذا القدر الساعات
والدقائق ما تختلف، لو أحصيتها منذ علم الناس التاريخ لوجدت أنها لم تختلف، تخرج في
هذا اليوم من برج السنبلة في الساعة الفلانية والدقيقة الفلانية إلى يوم القيامة،
وهي إذا غربت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن
الهوى: «إِذَا غَرَبَتْ تَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ تَعْظِيمًا
لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَسْتَأْذِنُ هَلْ تَخْرُجُ ولَّا ترجع؟ إِمَّا أَنْ
يُؤْذَنَ لَهَا وإما أن يُقالَ: ارْجِعي من حيثُ جِئْتِ، فترجعُ من حيث جاءتْ،
وَتَخْرُجُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنُوا كُلُّهُمْ»
كلهم يؤمنون؛ لأنهم حينئذٍ يعلمون أن لها ربًّا
مُدبرًا، أما الآن فيظن أنها طبيعة، طبيعة تسود ها العالم على هذا النظام، لكن إذا
اختل النظام ورجعت الشمس من المغرب آمنوا كلهم، المؤمن والكافر، كلهم يؤمنون.
ولكن كما قال الله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: ١٥٨] ما ينفعهم الإيمان؛ لأن
هؤلاء آمنوا كإيمان الذين نزل بهم العذاب، والله تعالى يقول: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ [غافر: ٨٤، ٨٥].
فالمهم أن شروط التوبة إذن خمسة، وقد قال بعض العلماء إنها ثلاثة فأسقطوا الإخلاص، وأسقطوا أن تكون في وقت القبول، ولكن لا بد من هذين الشرطين، لا بد من الإخلاص وأن تكون في وقت القبول.
طالب: شيخ، تبطل إذا طلعت من مغربها أو ترجع؟
الشيخ: والله ما أعلم في هذا شيئًا، لا أعلم في هذا شيئًا، هل هي ترجع دائمًا أو إذا خرجت على الناس، ورآها كلهم ودارت أربعًا وعشرين ساعة؛ لأنه لا بد أن تدور أربعًا وعشرين ساعة عشان تخرج على الناس كلهم؛ يعني لا بد أن تدور أربعًا وعشرين ساعة فإذا وصلت منتهاها حينئذٍ عاد ما ندري، الله أعلم هل تستمر ولَّا.
طالب: شيخ، قول الله عز وجل: خَالِدِينَ فِيهَاخالدين في لعنة الملائكة والناس أم خالدين في نار جهنم؟
الشيخ: اللعنة؛ لأن (فيها) أي: في اللعنة.
الطالب: معنى كده أن هذا ما يكون خلودًا أبديًّا.
الشيخ: لأيش؟
الطالب: لأن الناس يموتون مثلًا.
الشيخ: لا لا، معناه أن الناس يلعنونهم ما هو بلسان المقال حتى بلسان الحال.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، معلوم يا شيخ إن الإنسان يقع في معاصي كبيرة وقد لا يعلم يعني عن هذه المعاصي المعينة؟
الشيخ: إيه؟
الطالب: يعني لا يعلم المعصية المعينة اللي ارتكبها مثلًا يصخب ويغضب ولا يدري أن هذه معصية، فتوبته يعني عن هذه المعاصي التي يعني لا يعلمها كيف تكون؟
الشيخ: يعني كأنك تقول: هل تصح التوبة على وجه الإجمال، هذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، تصح؛ لأن الإنسان قد لا يحيط بذنوبه، ولهذا قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني.
الطالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، قوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء: ٣٤] (أل) هنا للجنس؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: طيب، تصدق للجنس ولَّا على كل فرد؟
الشيخ: لا لا، للجنس.
الطالب: ما هي صادقة على كل فرد؟
الشيخ: ما تصدق على كل فرد.
الطالب: يعني يوجد.
الشيخ: يعني يُوجد رجال سفهاء، تقوم عليهم النساء، ويوجد رجال ما لهم عقول تقوم عليهم النساء.
طالب: يا شيخ، الله سبحانه وتعالى يعني ذكر الله لعنة الملائكة والناس، ولم يذكر لعنة الجن مع أن الجن مكلفين يعني عليهم تكاليف ما على الناس، كيف يعني؟
الشيخ: الله أعلم، والله أعلم، الله أعلم أنه لما كان الجن غالبهم شياطين تضل الناس ذكر الذين أكمل منهم وهم الإنس والملائكة.
طالب: شيخ، ذكر بعض المفسرين في قوله تعالى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْأن سبب نزولها أن رجلًا ارتد بعد إسلامه ثم أسلم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ يعني ماذا يصنع هل إسلامه صحيح؟ فأنزل الله قوله تعالى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًاما أدري صحيح؟
الشيخ: فأنزل الله: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا. هذا صحيح، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
طالب: شيخ، حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ ظُهُورًا -يعني- طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا» . يعني طلوع الشمس من مغربها، يعني تكون قبل خروج الدجال وعيسى ابن مريم؟
الشيخ: ما يمنع أن يكون المراد به الآيات الكبيرة، الآيات الكبار، وإلا ما فيه شك إن فيه آيات تكون قبل طلوع الشمس من مغربها.
طالب: شيخ، في آل عمران قال الله عز وجل: وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ [آل عمران: ٨٤] وفي البقرة وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ [البقرة: ١٣٦] أيش (...)؟
الشيخ: يعني أنه أعاد الفاعل هناك ولم يعده هنا؟ الظاهر -والله أعلم- ما أدري إن لم يكن اختلاف تعبير مثل أُنْزِلَ عَلَيْنَا [البقرة: ٩١] وأُنْزِلَ إِلَيْنَا [البقرة: ١٣٦] والمعنى واحد، أو أنه لما قال هناك قال: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة: ١٣٦] ووجه الخطاب مباشرة إلى الناس صار لا بد أن يصرحوا بالإيمان بما أوتي النبيون، فالله أعلم.
طالب: شيخ، هناك علامة لقبول التوبة؟
الشيخ: إيه كيف؟! علامة؛ لأن الذنوب تؤثر على القلب الحي، القلب الحي تؤثر عليه الذنوب تجد أنه ينقبض ويضيق صدر الإنسان، فإذا تاب انشرح صدره، قال الله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الزمر: ٢٢].
طالب: شيخ، كلما.
الشيخ: وكذلك أيضًا من علاماتها أن الإنسان بدل أن يكون معه فتور عن الطاعة يجد معه نشاطًا على الطاعة؛ لأن الله تعالى قال: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه: ١٢١، ١٢٢] فيزداد الإنسان نشاطًا في الطاعة إذا قبل الله توبته.
طالب: يا شيخ، يعني كلما رأى (...) في قلبه يكون من أثر المعاصي؟
الشيخ: لا ما هو على كل حال، قد يدقه واحد يضربه ويضيق صدره، لكن إذا كان الإنسان يعني عاديًا ووجد انقباضًا فإنه من آثار الذنوب. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» .
طالب: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا [آل عمران: ٨٩] هذا مستثنى من كفروا يعني من الذين كفروا؟
الشيخ: مما سبق.
الطالب: من الذين كفروا؟
الشيخ: نعم كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ.
الطالب: وحاله هو حال النصب؟
الشيخ: حاله أيش؟
الطالب: يعني حال الاستثناء حال النصب؟ محله؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن قبله تام موجب.
طالب: المرتد قلنا: بيستتاب، وإن لم يتُب يُقْتَل، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ...» . ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث.
الشيخ: أيش؟
الطالب: ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث التوبة، كيف الإجابة يعني؟
الشيخ: الجواب: أن الآيات الكثيرة أنه إذا تاب الإنسان ارتفع عنه؛ نصوص في القرآن والسنة أنه إذا تاب عاد على ما هو عليه، لكن مسألة الاستتابة.
طالب: يعني نقول: خاصة السنة.
الشيخ: إيه، خاصة السنة والقرآن، الاستتابة هي اللي اختلف فيها العلماء هل هي واجبة أو يقتل بدون استتابة، وإلا إذا تاب ما فيه إشكال، إنما هل يلزم أن نستتيبه أولًا فإن تاب تركناه أو نقتله حسابه على الله؟ والصحيح أن الاستتابة راجعة إلى رأي الإمام.
طالب: شيخ، رجل يا شيخ وجب عليه القصاص (...) ونقول: فات الوقت؟
الشيخ: ما تقولون؟ يقول: رجل وجب عليه القصاص، فلما أحضروا السيف لقتله قال: أستغفر الله وأتوب إليه، هل تقبل توبته أو لا؟
الطلبة: (...).
الشيخ: إيه تقبل، لا يمكن له ذنوب أخرى، لا تقبل؛ لأن الممكن أن لا يقتص منه، أحيانًا يوضع السيف على رقبته، ثم يقول أولياء المقتول: عفونا، إذا قالوا: عفونا يجب يرفع السيف.
طالب: (...) السنة.
الشيخ: أي خصت السنة والقرآن، الاستتابة هي التي اختلف فيها العلماء هل هي واجبة أو يقتل بدون استتابة وإلا إذا تاب ما فيه إشكال، إنما هل يلزم أن نستتيبه أولا فإن تاب تركناه أو نقتله حسابه على الله، والصحيح أن الاستتابة راجعة إلى رأي الإمام (.).
طالب: (...) القصاص (...) ونقول فات الوقت؟
الشيخ: ما تقولون؟ يقول: رجل وجب عليه القصاص فلما أحضروا السيف لقتله قال: أستغفر الله وأتوب إليه، هل تُقبل توبته أو لا؟
الطلبة: القصاص.
طالب: تقبل.
الشيخ: إيه تقبل، لا، يمكن لذنوب أخرى، لا، تقبل؛ لأنه من الممكن أن لا يقتص منه، أحيانًا يوضع السيف على رقبته، ثم يقول أولياء المقتول: عفونا، إذا قالوا: عفونا يجب يرفع السيف.
طالب: ولو واحد.
الشيخ: ولو واحد من ألف.
الطالب: ذكر أو أنثى؟
الشيخ: ذكر أو أنثى.
طالب: (...).
الشيخ: ما تقرأ القرآن؟ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [البقرة: ١٧٨]. وشيء نكرة في سياق الشرط فتعُم.
فالمهم أن شروط التوبة إذن خمسة، وقد قال بعض العلماء إنها ثلاثة فأسقطوا الإخلاص، وأسقطوا أن تكون في وقت القبول، ولكن لا بد من هذين الشرطين، لا بد من الإخلاص وأن تكون في وقت القبول.
طالب: شيخ، تبطل إذا طلعت من مغربها أو ترجع؟
الشيخ: والله ما أعلم في هذا شيئًا، لا أعلم في هذا شيئًا، هل هي ترجع دائمًا أو إذا خرجت على الناس، ورآها كلهم ودارت أربعًا وعشرين ساعة؛ لأنه لا بد أن تدور أربعًا وعشرين ساعة عشان تخرج على الناس كلهم؛ يعني لا بد أن تدور أربعًا وعشرين ساعة فإذا وصلت منتهاها حينئذٍ عاد ما ندري، الله أعلم هل تستمر ولَّا.
طالب: شيخ، قول الله عز وجل: خَالِدِينَ فِيهَاخالدين في لعنة الملائكة والناس أم خالدين في نار جهنم؟
الشيخ: اللعنة؛ لأن (فيها) أي: في اللعنة.
الطالب: معنى كده أن هذا ما يكون خلودًا أبديًّا.
الشيخ: لأيش؟
الطالب: لأن الناس يموتون مثلًا.
الشيخ: لا لا، معناه أن الناس يلعنونهم ما هو بلسان المقال حتى بلسان الحال.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، معلوم يا شيخ إن الإنسان يقع في معاصي كبيرة وقد لا يعلم يعني عن هذه المعاصي المعينة؟
الشيخ: إيه؟
الطالب: يعني لا يعلم المعصية المعينة اللي ارتكبها مثلًا يصخب ويغضب ولا يدري أن هذه معصية، فتوبته يعني عن هذه المعاصي التي يعني لا يعلمها كيف تكون؟
الشيخ: يعني كأنك تقول: هل تصح التوبة على وجه الإجمال، هذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، تصح؛ لأن الإنسان قد لا يحيط بذنوبه، ولهذا قال: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني.
الطالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، قوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [النساء: ٣٤] (أل) هنا للجنس؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: طيب، تصدق للجنس ولَّا على كل فرد؟
الشيخ: لا لا، للجنس.
الطالب: ما هي صادقة على كل فرد؟
الشيخ: ما تصدق على كل فرد.
الطالب: يعني يوجد.
الشيخ: يعني يُوجد رجال سفهاء، تقوم عليهم النساء، ويوجد رجال ما لهم عقول تقوم عليهم النساء.
طالب: يا شيخ، الله سبحانه وتعالى يعني ذكر الله لعنة الملائكة والناس، ولم يذكر لعنة الجن مع أن الجن مكلفين يعني عليهم تكاليف ما على الناس، كيف يعني؟
الشيخ: الله أعلم، والله أعلم، الله أعلم أنه لما كان الجن غالبهم شياطين تضل الناس ذكر الذين أكمل منهم وهم الإنس والملائكة.
طالب: شيخ، ذكر بعض المفسرين في قوله تعالى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْأن سبب نزولها أن رجلًا ارتد بعد إسلامه ثم أسلم فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ يعني ماذا يصنع هل إسلامه صحيح؟ فأنزل الله قوله تعالى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًاما أدري صحيح؟
الشيخ: فأنزل الله: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا. هذا صحيح، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
طالب: شيخ، حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ ظُهُورًا -يعني- طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا» . يعني طلوع الشمس من مغربها، يعني تكون قبل خروج الدجال وعيسى ابن مريم؟
الشيخ: ما يمنع أن يكون المراد به الآيات الكبيرة، الآيات الكبار، وإلا ما فيه شك إن فيه آيات تكون قبل طلوع الشمس من مغربها.
طالب: شيخ، في آل عمران قال الله عز وجل: وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ [آل عمران: ٨٤] وفي البقرة وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ [البقرة: ١٣٦] أيش (...)؟
الشيخ: يعني أنه أعاد الفاعل هناك ولم يعده هنا؟ الظاهر -والله أعلم- ما أدري إن لم يكن اختلاف تعبير مثل أُنْزِلَ عَلَيْنَا [البقرة: ٩١] وأُنْزِلَ إِلَيْنَا [البقرة: ١٣٦] والمعنى واحد، أو أنه لما قال هناك قال: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [البقرة: ١٣٦] ووجه الخطاب مباشرة إلى الناس صار لا بد أن يصرحوا بالإيمان بما أوتي النبيون، فالله أعلم.
طالب: شيخ، هناك علامة لقبول التوبة؟
الشيخ: إيه كيف؟! علامة؛ لأن الذنوب تؤثر على القلب الحي، القلب الحي تؤثر عليه الذنوب تجد أنه ينقبض ويضيق صدر الإنسان، فإذا تاب انشرح صدره، قال الله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [الزمر: ٢٢].
طالب: شيخ، كلما.
الشيخ: وكذلك أيضًا من علاماتها أن الإنسان بدل أن يكون معه فتور عن الطاعة يجد معه نشاطًا على الطاعة؛ لأن الله تعالى قال: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه: ١٢١، ١٢٢] فيزداد الإنسان نشاطًا في الطاعة إذا قبل الله توبته.
طالب: يا شيخ، يعني كلما رأى (...) في قلبه يكون من أثر المعاصي؟
الشيخ: لا ما هو على كل حال، قد يدقه واحد يضربه ويضيق صدره، لكن إذا كان الإنسان يعني عاديًا ووجد انقباضًا فإنه من آثار الذنوب. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» .
طالب: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا [آل عمران: ٨٩] هذا مستثنى من كفروا يعني من الذين كفروا؟
الشيخ: مما سبق.
الطالب: من الذين كفروا؟
الشيخ: نعم كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ.
الطالب: وحاله هو حال النصب؟
الشيخ: حاله أيش؟
الطالب: يعني حال الاستثناء حال النصب؟ محله؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن قبله تام موجب.
طالب: المرتد قلنا: بيستتاب، وإن لم يتُب يُقْتَل، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ...» . ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث.
الشيخ: أيش؟
الطالب: ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث التوبة، كيف الإجابة يعني؟
الشيخ: الجواب: أن الآيات الكثيرة أنه إذا تاب الإنسان ارتفع عنه؛ نصوص في القرآن والسنة أنه إذا تاب عاد على ما هو عليه، لكن مسألة الاستتابة.
طالب: يعني نقول: خاصة السنة.
الشيخ: إيه، خاصة السنة والقرآن، الاستتابة هي اللي اختلف فيها العلماء هل هي واجبة أو يقتل بدون استتابة، وإلا إذا تاب ما فيه إشكال، إنما هل يلزم أن نستتيبه أولًا فإن تاب تركناه أو نقتله حسابه على الله؟ والصحيح أن الاستتابة راجعة إلى رأي الإمام.
طالب: شيخ، رجل يا شيخ وجب عليه القصاص (...) ونقول: فات الوقت؟
الشيخ: ما تقولون؟ يقول: رجل وجب عليه القصاص، فلما أحضروا السيف لقتله قال: أستغفر الله وأتوب إليه، هل تقبل توبته أو لا؟
الطلبة: (...).
الشيخ: إيه تقبل، لا يمكن له ذنوب أخرى، لا تقبل؛ لأن الممكن أن لا يقتص منه، أحيانًا يوضع السيف على رقبته، ثم يقول أولياء المقتول: عفونا، إذا قالوا: عفونا يجب يرفع السيف.
طالب: (...) السنة.
الشيخ: أي خصت السنة والقرآن، الاستتابة هي التي اختلف فيها العلماء هل هي واجبة أو يقتل بدون استتابة وإلا إذا تاب ما فيه إشكال، إنما هل يلزم أن نستتيبه أولا فإن تاب تركناه أو نقتله حسابه على الله، والصحيح أن الاستتابة راجعة إلى رأي الإمام (.).
طالب: (...) القصاص (...) ونقول فات الوقت؟
الشيخ: ما تقولون؟ يقول: رجل وجب عليه القصاص فلما أحضروا السيف لقتله قال: أستغفر الله وأتوب إليه، هل تُقبل توبته أو لا؟
الطلبة: القصاص.
طالب: تقبل.
الشيخ: إيه تقبل، لا، يمكن لذنوب أخرى، لا، تقبل؛ لأنه من الممكن أن لا يقتص منه، أحيانًا يوضع السيف على رقبته، ثم يقول أولياء المقتول: عفونا، إذا قالوا: عفونا يجب يرفع السيف.
طالب: ولو واحد.
الشيخ: ولو واحد من ألف.
الطالب: ذكر أو أنثى؟
الشيخ: ذكر أو أنثى.
طالب: (...).
الشيخ: ما تقرأ القرآن؟ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [البقرة: ١٧٨]. وشيء نكرة في سياق الشرط فتعُم.
***
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١) [آل عمران: ٨٦ - ٩١].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. ما المراد بالاستفهام هنا؟
طالب: الإبعاد.
الشيخ: الاستبعاد يعني؛ يعني يبعد أن الله يهدي.
الطالب: بعد كفرهم بعد كفرهم بهذه المرة.
الشيخ: طيب، ذكر الله سبحانه وتعالى أن وجه الاستبعاد ثلاثة أمور ما هي؟
الطالب: كفرهم بعد إيمان، وشهدوا أن الرسول حق، وجاءتهم البينات.
الشيخ: وجاءتهم البينات؛ يعني فقامت عليهم الحجة من كل وجه ثم كفروا، هؤلاء لا يهتدون.
الشيخ: قوله تعالى: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَالمراد هنا هداية الإرشاد أو هداية التوفيق؟
طالب: هداية التوفيق.
الشيخ: التوفيق، ما الدليل على أن الله يهدي الظالمين هداية إرشاد؟
الطالب: لأن الرسل، إذا جاء الرسل ظهر لهم حق.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: ما (...).
الشيخ: تمام؛ لأنه إذا جاء الرسل فقد بينوا، قال الله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت: ١٧].
الشيخ: قوله: الظَّالِمِينَما المراد بهم؟ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ؟
طالب: المراد به الكفار.
الشيخ: الكافرين، طيب ما الدليل؟
طالب: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤] فهو نص.
الشيخ: نعم، وهذه الآية: كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ.
قوله: جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِأين خبر المبتدأ في جَزَاؤُهُمْ؟
طالب: أُولَئِكَمبتدأ جَزَاؤُهُمْمبتدأ ثاني، وأَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِخبر مبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول.
الشيخ: نعم، تمام، (أولاء): مبتدأ، و(جزاء): مبتدأ ثاني، وأَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِخبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول.
الخبر هنا مفرد أو جملة؟ الخبر هنا أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِمفرد أو جملة؟
الطالب: جملة (...).
الشيخ: ووَالنَّاسِ؟
الطالب: كذلك.
الشيخ: كيف كذلك؟
الطالب: الناس.
الشيخ: يلعنونهم؟ يلعنونهم يعني؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: يعني يدعون عليهم باللعن ويمقتونهم ويبغضونهم، وكذلك الملائكة.
قوله تعالى: لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَما معنى يُنْظَرُونَ؟
الطالب: لا يتأخرون ولا يمهلون إذا أراد بهم العذاب أو إذا جاء أجلهم.
الشيخ: إذن وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَأي لا يمهلون. والتخفيف هنا عام في كل وقت أم ماذا؟
الطالب: هم طلبوا التخفيف ولو يومًا من العذاب.
الشيخ: المهم سؤالي: لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ، هل هذا النفي عام أو مخصوص بوقت دون وقت؟
الطالب: نفي عام.
الشيخ: عام، الدليل؟ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ.
الطالب: وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ [غافر: ٤٩].
الشيخ: نعم، ولم يحصل لهم ذلك.
قال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ. إِلَّا: أداة استثناء، والَّذِينَ: مستثنى، والأصل في المستثنى أن يكون من جنس المستثنى منه، وإن خرج عن جنسه فهو على خلاف الأصل، ولا بد من دليل يدل على أنه ليس من الجنس، ويُسمى المستثنى الذي من غير الجنس يسمى استثناءً منقطعًا لكن الاستثناء هنا متصل، قال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُواهذا مستثنى من قوله: كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْإلى قوله: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ. يعني إلا الذين تابوا من بعد الكفر بعد الإيمان؛ يعني فإن الحكم يختلف فيهم، والتوبة -كما أسلفنا- الرجوع من معصية الله إلى طاعته، ولها شروط خمسة ذكرناها وكتبناها ووعيناها.
قال: مِنْ بَعْدِ ذَلِكَالمشار إليه ما سبق من الكفر، وأُتي بإشارة البعيد لانحطاط مرتبته؛ لأن البعد قد يكون من عالٍ وقد يكون من نازل؛ فإن كان البعد من عالٍ -يعني أنه أشير إليهم إشارة البعيد لعلوه- فهو ثناء، وإن كان أشير إليه إشارة البعيد لدنوه وسفوله فهو قدح.
قال: مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوايعني أصلحوا ما جرى أو ما كان فعلهم سببًا في فساده؛ يعني أصلحوا ما أفسدوه مباشرة أو تسببًا، فمثلًا إذا كانوا هؤلاء أئمة قادة لما كفروا كفر من يتبعهم فإن توبتهم لا تكفي حتى يصلحوا ما فسد على أيديهم، وذلك بمحاولة إرجاع الذين كفروا تبعًا لهم إلى الإيمان.
إذا كان الإنسان كفر بكتابة ما يخالف الدين فلا يكفي أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليك ولن أعود إلى كتابة ما يخالف الدين حتى يصلح ما أفسد، بماذا؟
بأن يكتب ردًّا على ما كتب أولًا؛ لأن المفاسد المتعدية لا بد فيها من إصلاح، ولهذا قال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌوالجواب هنا قد يبدو غير مطابق لما سبق؛ لأنه قد يتوقع السامع أن يكون الجواب: فإن الله يتوب عليهم، ولكن الجواب كان ثناءً على الله باسمين من أسمائه وهما الغفور الرحيم، قال: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
ولكن يؤخذ من هذين الاسمين أن هؤلاء الذين تابوا وأصلحوا يغفر الله لهم؛ لأن مقتضى هذين الاسمين يعمهم فيغفر الله لهم ويرحمهم.
الغفور: هو من يغفر الذنوب، ومغفرة الذنوب هو سترها والتجاوز عنها. والرحيم: هو من يرحم العباد، والرحمة صفة تقتضي الإحسان والإنعام، وفي الجمع بين الغفور والرحيم زيادة معنى على ما يتضمنه الاسمان وهو أن الله تعالى قد جمع بين المغفرة التي بها زوال المكروه وآثار الذنب، والرحمة التي بها حصول المطلوب وهو النعمة والإحسان. إذن إذا تابوا وأصلحوا وغفر الله لهم؟ أجيبوا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، غفر الله لهم ورحمهم. فهذه الآيات الكريمة نأخذ الآن فوائدها.
يقول الله عز وجل: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
في هذه الآية فوائد؛ فمن فوائدها: بطلان كل عمل ليس على دين الإسلام، فأي عمل يكون على غير دين الإسلام فهو باطل لقوله: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ.
ومن فوائدها: أن جميع الأديان غير دين الإسلام غير مقبولة عند الله ولا نافعة للمتديِّن بها لعموم قوله: غَيْرَ الْإِسْلَامِفيشمل دين المسيحية، ودين اليهودية، ودين البوذية، ودين المجوسية، وكل دين، كل دين فإن الله لا يقبله غير الإسلام.
ومن فوائدها: الثناء على دين الإسلام، وأنه هو المقبول المحبوب إلى الله، ويؤخذ هذا من المفهوم؛ لأن مفهوم قوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمفهومه أن من ابتغى الإسلام دينًا يُقبل منه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين يدينون بدين الإسلام يتعبون أبدانهم، ويهلكون أموالهم، وربما يموتون جوعًا وعطشًا وحرًّا وبردًا في الدعوة إلى غير دين الإسلام كالذين يسمونهم المبشرين وهم في الحقيقة مُنصِّرون مضللون هؤلاء ينفقون أموالًا كثيرة ويتعبون تعبًا عظيمًا ويتعرضون للهلاك، كل الأعمال هذه نتيجتها أيش؟ هباء، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَقال الله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: ٢٣]. لا يستفيدون منه إطلاقًا؛ لأنه على غير شريعة الله، وقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال: ٣٦]. لكن بماذا يغلبون؟ ينزل شيء من السماء يبين غلبهم، أو يغلبون إذا قام المسلمون بما يجب عليهم من نصرة دين الإسلام؟
الثاني، ولهذا نأسف أن النصارى لهم هذا النشاط في دعوتهم إلى الضلال والمسلمون نشاطهم لا يبلغ ولا عشر معشارهم مع أنهم على حق، ولكن الحق لا بد أن ينتصر ولو بعد حين.
وفي هذه الآية أيضا من الفوائد: إثبات الآخرة لقوله: وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
وفيها: أن الآخرة فيها خسارة وربح، نعم فيها خسارة وربح أعظم من خسارة الدنيا وربحها، قال الله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن: ٩]. ليس التغابن في الدنيا أن يكون عند الرجل قصور وسيارات ونساء وأولاد وحشم وخدم، والآخر ليس له إلا ثوب يكسو عورته، هذا ليس بغبن في الحقيقة، الغبن يوم القيامة، الغبن حينما يحشر المتقون إلى الرحمن وفدًا ويُساق المجرمون إلى جهنم وردًا، هذا الغبن العظيم، وهذه الخسارة العظيمة، ولهذا يجب أن نعلم أن الخسران المبين هو خسارة يوم القيامة قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر: ١٥].
ثم قال الله عز وجل: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْإلى آخره.
من فوائد هذه الآية: أن من ضل عن بصيرة فإنه يبعد أن يُهدى -نعوذ بالله- لقوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْإلى آخره.
ومن فوائدها أيضًا: أن من فسق عن بصيرة فإنه يبعد أن يكون من العدول، فإذا قيل لشخص هذا حرام وهو مسلم وبُيِّن له الحق، ثم عصى واستمر على فسقه فإنه يبعد أن يُهدى والعياذ بالله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الهداية والإضلال بيد الله لقوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ. فنسب الهداية إليه، وفي آية أخرى أن الله نسب الإضلال إليه مثل: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: ٢٧]. ولكن يجب أن تعلموا -وقد علمتم- أن هداية الله وإضلاله لحكمة، فمن كان أهلا للهداية هداه الله، ومن كان أهلًا للضلال أضله الله، قال الله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤]. وقال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]. والله عز وجل يعلم إذا علم من المرء أنه لا يريد الهداية أضله الله، وإذا علم أنه يريد الهداية، وأنه حريص عليها يطلبها أين ما كانت ويسلك ما دل عليه الدليل فإن الله تعالى يهديه ويعينه ويوفقه ويفتح بصيرته حتى يرى الحق كأنما يتلقاه عن في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يستكبر ويعاند بعد أن تبين له الحق لقوله: كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ.
ومن فوائدها: أن الكفر بعد الإيمان أغلظ من الكفر الأصلي؛ لأن الله تعالى استبعد أن يهتدي هؤلاء، وأما الكافرون فإن الله سبحانه وتعالى ذكر في سورة الممتحنة أن الله تعالى قد يهديهم فقال: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً [الممتحنة: ٧] وذلك بالإيمان وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الممتحنة: ٧].
ومن فوائد هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم حق؛ لأنه لام هؤلاء على الكفر بعد أن شهدوا بأن الرسول حق، ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حق من عند الله صادق فيما قال، وفيما أخبر به عن ربه.
ومن فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى لم يدع الخلق هملًا بل أقام لهم الحجج وأقام البينات حتى لا يكون للناس على الله حجة لقوله: وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ.
هذه البينات تنقسم إلى أقسام: شرعية، وعقلية، وحسية، أما السمعية فهو القرآن، وأما العقلية فهو أن كل عاقل يتدبر ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم أنه حق، فإنه ما أمر بشيء فقال العقل: ليته لم يأمر به، ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته لم ينهَ عنه.
وأما الحسية فظاهرة؛ انتصاراته العظيمة في هذه المدة الوجيزة، وانتصار أصحابه حتى فتحوا مشارق الأرض ومغاربها مع أنهم كانوا أذلة مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، هذا من أكبر الأدلة على أنه رسول الله حقًّا. إذن فالآيات: شرعية، وعقلية، وحسية.
ومن فوائدها: أن من أضله الله فإنما ذلك لظلم منه، أي: من الذين أضلهم؛ لقوله: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَوأما من طلبوا الحق وتحروه وتشوفوا له فإنهم جديرون بالهداية، كذا؟ وأيش قلت؟
طالب: أنهم جديرون بالهداية.
الشيخ: من هم؟
الطالب: الذين كما يا شيخ قلت اللي كفروا.
الشيخ: الذين كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق.
الطالب: بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق.
الشيخ: وجاءهم البينات، فهم جديرون بالهداية، هكذا قلنا يا جماعة؟
طالب: على العكس.
الشيخ: على العكس تمامًا. قال الله تعالى: أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. في هذه الآية إثبات الجزاء، وفيها أن الجزاء من جنس العمل، فإن هؤلاء لما ارتكبوا ثلاث جرائم أو ثلاثة أمور في كفرهم كان عليهم لعنة الله والملائكة والناس، ثلاث بثلاث.
ومن فوائدها: أن الملائكة ذوو عقول يفهمون ويفعلون، وليس كما قال بعضهم: إنهم ليس لهم عقول، وما أغرب هذا القول وما أبعده من الصواب! لأننا إذا قلنا: إن الملائكة ليس لهم عقول فإننا نطعن في القرآن؛ لأن الوسيط الذي بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين الله ملَك، فإذا قلنا: لا عقل له، كيف؟ كيف إذا قلنا: لا عقل له؟! إذن يكون ما نأمن؛ لأن العاقل لا يمكن أن يحتمل قوله ولا نقله، من أين نأخذ أن لهم عقولًا؟ من إثبات أنهم تصدر منهم اللعنة.
ومن فوائد هذه الآية: أن أمثال هؤلاء يلعنهم الناس جميعًا؛ لقوله: وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَلكن هذا فيه إشكال، وهو أنه يوجد من الناس من يزمر وراء الكافرين، ويصفق وراءهم ويفزع معهم، فكيف قال: وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ؟ نقول: لأنه إذا صفق معهم وزمر وراءهم فهو منهم، فيكون هو ملعونًا من الناس أجمعين، من الآخرين؛ لأن من أعان ضالًّا فهو ضال، ومن أعان كافرًا فهو كافر، قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١].
ثم قال الله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ.
فيها: إثبات أن هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات خالدون في لعنة الله؛ أي: في الطرد والإبعاد عن رحمته، وليس ثمة إلا النار، بعد الجنة ما فيه إلا النار، وليس بعد الهدى إلا الضلال.
ومن فوائدها: أنهم -والعياذ بالله- دائمًا في العذاب، في عذاب لا يخف أبدًا، ولا ينتظرون الفرج لا بالتخلص منه ولا بتخفيفه؛ لقوله: لَا يُخَفَّفُوهذه الجملة خبرية، وخبر الله تعالى لا يُخلف.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء يبادَرون بالعذاب، فهم يبادرون بالعذاب إما في الدنيا أو عند الموت وعند دخول النار؛ ففي الدنيا قال الله تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [السجدة: ٢١]، وقال الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١]، وعند الموت تتوفاهم الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [محمد: ٢٧]، وفي يوم القيامة حدِّث ولا حرج.
ثم قال الله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
في هذه الآية من الفوائد: أن التوبة تجُب ما قبلها؛ لقوله: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
ومن فوائدها: أنه لا بد مع التوبة من الإصلاح؛ لقوله: وَأَصْلَحُوا. وهذا واجب في كل ما يتعدى جرمه إلى غيره أن يقوم بإصلاح ما ترتب على هذا الجرم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم، وإثبات ما تضمناه من الصفة؛ وهي المغفرة والرحمة، ولهذا نقول: كل اسم من أسماء الله فإنه دال على ثلاثة أشياء، كل اسم من أسماء الله فإنه دال على ثلاثة أشياء: على ذات الله، وعلى الصفة، والثالث: على الأثر الذي يترتب على هذه الصفة، لكن هذا الثالث لا يطرد في كل اسم من أسماء الله؛ لأن الأسماء غير المتعدية لا يدخل فيها إثبات الأثر، فالعلي مثلًا فيها إثبات الاسم والصفة، والعظيم كذلك، والكبير كذلك، لكن السميع فيها إثبات الاسم والصفة والأثر، الاسم (السميع)، والصفة (السمع)، والأثر (يسمع).
ومن هنا نعلم أن كل اسم فلا بد أن يكون متضمنًا لصفة، بدون استثناء؟ بدون استثناء، وليس كل صفة مستلزمة لاسم، قد يوصف الله بالشيء ولا يسمى بما دلت عليه هذه الصفة، ولهذا نقول: الصفات أوسع من أين؟ من الأسماء، أوسع؛ لأن كل اسم متضمن لصفة ولا عكس.
ومن فوائد الآية: الثناء على المصلِحين، ويستلزم الإصلاح أن يكون المصلح صالحًا، أليس كذلك؟ هذا هو الأصل، أن كل مصلح فهو صالح، وقد يكون المصلح غير صالح، فإن من الناس مثلًا من ينهى عن المنكر وهو يفعله ويأمر بالمعروف وهو لا يفعله، لكن الغالب أن المصلح حقًّا يكون صالحًا؛ لأنه لا يمكن أن يسعى لإصلاح غيره وهو مضيع لإصلاح نفسه.
تفسير الآيتين (90-91)
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْوهؤلاء المرتدون؛ لأنهم آمنوا أولًا، ثم كفروا ثانيًا. ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًايعني أنهم صاروا -والعياذ بالله- يترقون أو ينحدرون في درَكات الكفر لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْمتى؟ إذا تابوا قبل الموت عند حضور الأجل فإن توبتهم لن تقبل؛ لقول الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨].
إذن يكون قوله: ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْمتى؟ إذا حضرهم الموت، أما إذا تابوا من قبل فقد سبق أنهم إذا تابوا وأصلحوا فإن الله غفور رحيم.
ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِوهذه المرتبة الثالثة، كفروا وبقوا على الكفر إلى الموت، فهؤلاء قال: لَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِولم يقل: فلم تقبل توبتهم، لماذا؟
لأنهم لم يتوبوا، ماتوا على الكفر، فلم يبقَ أمامهم إلا الفداء؛ أن يفتدوا أنفسهم بشيء، يقول: لَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِيعني لو جاؤوا بملء الأرض ذهبًا وطلبوا أن يكون فداء لهم فإن ذلك لن يقبل منهم، وحينئذٍ تكون هذه الآيات قسَّمت الكفار الذين ارتدوا إلى ثلاثة أقسام: قسم تاب وأصلح، فما حكمه؟ تُقبل توبته، وقسم تاب عند حضور الأجل فلا تقبل توبته، وقسم ثالث: مات على الكفر فلن تقبل فديته، ولا نقول: فلا تقبل توبته؛ لأنه لم يتُب، وهذا كالذي في سورة النساء تمامًا حيث قال الله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء: ١٧] مِنْ قَرِيبٍيعني قبل حضور الأجل فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٧، ١٨]. هذا القسم الثاني. وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء: ١٨] هذا القسم الثالث، فتكون هذه الآيات كالآيات التي في سورة النساء. ثم قال تعالى: أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَأُولَئِكَالمشار إليه من مات على الكفر، ومن لم تُقبل توبته، وهو من مات عند حضور الأجل، يقول عز وجل: أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌأَلِيمٌبمعنى (مُؤْلِم)؛ لأن أليمًا تأتي بمعنى الفاعِل، وتأتي بمعنى الْمُفْعِل وتأتي بمعنى المفعول، (فَعِيل) تأتي بمعنى (مَفْعُول) وبمعنى (فاعِل) وبمعنى (مُفْعِل)، صح؟ تأتي بمعنى فاعِل مثل: سميع يعني سامِع إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: ٣٩]. وبمعنى مفعول مثل: جرِيح وكثِير، وبمعنى مُفْعِل مثل: أليم بمعنى مُؤلم، ومنه قول الشاعر:
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. ما المراد بالاستفهام هنا؟
طالب: الإبعاد.
الشيخ: الاستبعاد يعني؛ يعني يبعد أن الله يهدي.
الطالب: بعد كفرهم بعد كفرهم بهذه المرة.
الشيخ: طيب، ذكر الله سبحانه وتعالى أن وجه الاستبعاد ثلاثة أمور ما هي؟
الطالب: كفرهم بعد إيمان، وشهدوا أن الرسول حق، وجاءتهم البينات.
الشيخ: وجاءتهم البينات؛ يعني فقامت عليهم الحجة من كل وجه ثم كفروا، هؤلاء لا يهتدون.
الشيخ: قوله تعالى: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَالمراد هنا هداية الإرشاد أو هداية التوفيق؟
طالب: هداية التوفيق.
الشيخ: التوفيق، ما الدليل على أن الله يهدي الظالمين هداية إرشاد؟
الطالب: لأن الرسل، إذا جاء الرسل ظهر لهم حق.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: ما (...).
الشيخ: تمام؛ لأنه إذا جاء الرسل فقد بينوا، قال الله تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت: ١٧].
الشيخ: قوله: الظَّالِمِينَما المراد بهم؟ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ؟
طالب: المراد به الكفار.
الشيخ: الكافرين، طيب ما الدليل؟
طالب: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤] فهو نص.
الشيخ: نعم، وهذه الآية: كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ.
قوله: جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِأين خبر المبتدأ في جَزَاؤُهُمْ؟
طالب: أُولَئِكَمبتدأ جَزَاؤُهُمْمبتدأ ثاني، وأَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِخبر مبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول.
الشيخ: نعم، تمام، (أولاء): مبتدأ، و(جزاء): مبتدأ ثاني، وأَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِخبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول.
الخبر هنا مفرد أو جملة؟ الخبر هنا أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِمفرد أو جملة؟
الطالب: جملة (...).
الشيخ: ووَالنَّاسِ؟
الطالب: كذلك.
الشيخ: كيف كذلك؟
الطالب: الناس.
الشيخ: يلعنونهم؟ يلعنونهم يعني؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: يعني يدعون عليهم باللعن ويمقتونهم ويبغضونهم، وكذلك الملائكة.
قوله تعالى: لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَما معنى يُنْظَرُونَ؟
الطالب: لا يتأخرون ولا يمهلون إذا أراد بهم العذاب أو إذا جاء أجلهم.
الشيخ: إذن وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَأي لا يمهلون. والتخفيف هنا عام في كل وقت أم ماذا؟
الطالب: هم طلبوا التخفيف ولو يومًا من العذاب.
الشيخ: المهم سؤالي: لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ، هل هذا النفي عام أو مخصوص بوقت دون وقت؟
الطالب: نفي عام.
الشيخ: عام، الدليل؟ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ.
الطالب: وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ [غافر: ٤٩].
الشيخ: نعم، ولم يحصل لهم ذلك.
قال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ. إِلَّا: أداة استثناء، والَّذِينَ: مستثنى، والأصل في المستثنى أن يكون من جنس المستثنى منه، وإن خرج عن جنسه فهو على خلاف الأصل، ولا بد من دليل يدل على أنه ليس من الجنس، ويُسمى المستثنى الذي من غير الجنس يسمى استثناءً منقطعًا لكن الاستثناء هنا متصل، قال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُواهذا مستثنى من قوله: كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْإلى قوله: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ. يعني إلا الذين تابوا من بعد الكفر بعد الإيمان؛ يعني فإن الحكم يختلف فيهم، والتوبة -كما أسلفنا- الرجوع من معصية الله إلى طاعته، ولها شروط خمسة ذكرناها وكتبناها ووعيناها.
قال: مِنْ بَعْدِ ذَلِكَالمشار إليه ما سبق من الكفر، وأُتي بإشارة البعيد لانحطاط مرتبته؛ لأن البعد قد يكون من عالٍ وقد يكون من نازل؛ فإن كان البعد من عالٍ -يعني أنه أشير إليهم إشارة البعيد لعلوه- فهو ثناء، وإن كان أشير إليه إشارة البعيد لدنوه وسفوله فهو قدح.
قال: مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوايعني أصلحوا ما جرى أو ما كان فعلهم سببًا في فساده؛ يعني أصلحوا ما أفسدوه مباشرة أو تسببًا، فمثلًا إذا كانوا هؤلاء أئمة قادة لما كفروا كفر من يتبعهم فإن توبتهم لا تكفي حتى يصلحوا ما فسد على أيديهم، وذلك بمحاولة إرجاع الذين كفروا تبعًا لهم إلى الإيمان.
إذا كان الإنسان كفر بكتابة ما يخالف الدين فلا يكفي أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليك ولن أعود إلى كتابة ما يخالف الدين حتى يصلح ما أفسد، بماذا؟
بأن يكتب ردًّا على ما كتب أولًا؛ لأن المفاسد المتعدية لا بد فيها من إصلاح، ولهذا قال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌوالجواب هنا قد يبدو غير مطابق لما سبق؛ لأنه قد يتوقع السامع أن يكون الجواب: فإن الله يتوب عليهم، ولكن الجواب كان ثناءً على الله باسمين من أسمائه وهما الغفور الرحيم، قال: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
ولكن يؤخذ من هذين الاسمين أن هؤلاء الذين تابوا وأصلحوا يغفر الله لهم؛ لأن مقتضى هذين الاسمين يعمهم فيغفر الله لهم ويرحمهم.
الغفور: هو من يغفر الذنوب، ومغفرة الذنوب هو سترها والتجاوز عنها. والرحيم: هو من يرحم العباد، والرحمة صفة تقتضي الإحسان والإنعام، وفي الجمع بين الغفور والرحيم زيادة معنى على ما يتضمنه الاسمان وهو أن الله تعالى قد جمع بين المغفرة التي بها زوال المكروه وآثار الذنب، والرحمة التي بها حصول المطلوب وهو النعمة والإحسان. إذن إذا تابوا وأصلحوا وغفر الله لهم؟ أجيبوا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، غفر الله لهم ورحمهم. فهذه الآيات الكريمة نأخذ الآن فوائدها.
يقول الله عز وجل: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
في هذه الآية فوائد؛ فمن فوائدها: بطلان كل عمل ليس على دين الإسلام، فأي عمل يكون على غير دين الإسلام فهو باطل لقوله: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ.
ومن فوائدها: أن جميع الأديان غير دين الإسلام غير مقبولة عند الله ولا نافعة للمتديِّن بها لعموم قوله: غَيْرَ الْإِسْلَامِفيشمل دين المسيحية، ودين اليهودية، ودين البوذية، ودين المجوسية، وكل دين، كل دين فإن الله لا يقبله غير الإسلام.
ومن فوائدها: الثناء على دين الإسلام، وأنه هو المقبول المحبوب إلى الله، ويؤخذ هذا من المفهوم؛ لأن مفهوم قوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمفهومه أن من ابتغى الإسلام دينًا يُقبل منه.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين يدينون بدين الإسلام يتعبون أبدانهم، ويهلكون أموالهم، وربما يموتون جوعًا وعطشًا وحرًّا وبردًا في الدعوة إلى غير دين الإسلام كالذين يسمونهم المبشرين وهم في الحقيقة مُنصِّرون مضللون هؤلاء ينفقون أموالًا كثيرة ويتعبون تعبًا عظيمًا ويتعرضون للهلاك، كل الأعمال هذه نتيجتها أيش؟ هباء، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَقال الله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: ٢٣]. لا يستفيدون منه إطلاقًا؛ لأنه على غير شريعة الله، وقال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ [الأنفال: ٣٦]. لكن بماذا يغلبون؟ ينزل شيء من السماء يبين غلبهم، أو يغلبون إذا قام المسلمون بما يجب عليهم من نصرة دين الإسلام؟
الثاني، ولهذا نأسف أن النصارى لهم هذا النشاط في دعوتهم إلى الضلال والمسلمون نشاطهم لا يبلغ ولا عشر معشارهم مع أنهم على حق، ولكن الحق لا بد أن ينتصر ولو بعد حين.
وفي هذه الآية أيضا من الفوائد: إثبات الآخرة لقوله: وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
وفيها: أن الآخرة فيها خسارة وربح، نعم فيها خسارة وربح أعظم من خسارة الدنيا وربحها، قال الله تعالى: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن: ٩]. ليس التغابن في الدنيا أن يكون عند الرجل قصور وسيارات ونساء وأولاد وحشم وخدم، والآخر ليس له إلا ثوب يكسو عورته، هذا ليس بغبن في الحقيقة، الغبن يوم القيامة، الغبن حينما يحشر المتقون إلى الرحمن وفدًا ويُساق المجرمون إلى جهنم وردًا، هذا الغبن العظيم، وهذه الخسارة العظيمة، ولهذا يجب أن نعلم أن الخسران المبين هو خسارة يوم القيامة قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر: ١٥].
ثم قال الله عز وجل: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْإلى آخره.
من فوائد هذه الآية: أن من ضل عن بصيرة فإنه يبعد أن يُهدى -نعوذ بالله- لقوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْإلى آخره.
ومن فوائدها أيضًا: أن من فسق عن بصيرة فإنه يبعد أن يكون من العدول، فإذا قيل لشخص هذا حرام وهو مسلم وبُيِّن له الحق، ثم عصى واستمر على فسقه فإنه يبعد أن يُهدى والعياذ بالله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الهداية والإضلال بيد الله لقوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ. فنسب الهداية إليه، وفي آية أخرى أن الله نسب الإضلال إليه مثل: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: ٢٧]. ولكن يجب أن تعلموا -وقد علمتم- أن هداية الله وإضلاله لحكمة، فمن كان أهلا للهداية هداه الله، ومن كان أهلًا للضلال أضله الله، قال الله تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤]. وقال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: ٥]. والله عز وجل يعلم إذا علم من المرء أنه لا يريد الهداية أضله الله، وإذا علم أنه يريد الهداية، وأنه حريص عليها يطلبها أين ما كانت ويسلك ما دل عليه الدليل فإن الله تعالى يهديه ويعينه ويوفقه ويفتح بصيرته حتى يرى الحق كأنما يتلقاه عن في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يستكبر ويعاند بعد أن تبين له الحق لقوله: كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ.
ومن فوائدها: أن الكفر بعد الإيمان أغلظ من الكفر الأصلي؛ لأن الله تعالى استبعد أن يهتدي هؤلاء، وأما الكافرون فإن الله سبحانه وتعالى ذكر في سورة الممتحنة أن الله تعالى قد يهديهم فقال: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً [الممتحنة: ٧] وذلك بالإيمان وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الممتحنة: ٧].
ومن فوائد هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم حق؛ لأنه لام هؤلاء على الكفر بعد أن شهدوا بأن الرسول حق، ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حق من عند الله صادق فيما قال، وفيما أخبر به عن ربه.
ومن فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى لم يدع الخلق هملًا بل أقام لهم الحجج وأقام البينات حتى لا يكون للناس على الله حجة لقوله: وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ.
هذه البينات تنقسم إلى أقسام: شرعية، وعقلية، وحسية، أما السمعية فهو القرآن، وأما العقلية فهو أن كل عاقل يتدبر ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم أنه حق، فإنه ما أمر بشيء فقال العقل: ليته لم يأمر به، ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته لم ينهَ عنه.
وأما الحسية فظاهرة؛ انتصاراته العظيمة في هذه المدة الوجيزة، وانتصار أصحابه حتى فتحوا مشارق الأرض ومغاربها مع أنهم كانوا أذلة مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، هذا من أكبر الأدلة على أنه رسول الله حقًّا. إذن فالآيات: شرعية، وعقلية، وحسية.
ومن فوائدها: أن من أضله الله فإنما ذلك لظلم منه، أي: من الذين أضلهم؛ لقوله: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَوأما من طلبوا الحق وتحروه وتشوفوا له فإنهم جديرون بالهداية، كذا؟ وأيش قلت؟
طالب: أنهم جديرون بالهداية.
الشيخ: من هم؟
الطالب: الذين كما يا شيخ قلت اللي كفروا.
الشيخ: الذين كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق.
الطالب: بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق.
الشيخ: وجاءهم البينات، فهم جديرون بالهداية، هكذا قلنا يا جماعة؟
طالب: على العكس.
الشيخ: على العكس تمامًا. قال الله تعالى: أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. في هذه الآية إثبات الجزاء، وفيها أن الجزاء من جنس العمل، فإن هؤلاء لما ارتكبوا ثلاث جرائم أو ثلاثة أمور في كفرهم كان عليهم لعنة الله والملائكة والناس، ثلاث بثلاث.
ومن فوائدها: أن الملائكة ذوو عقول يفهمون ويفعلون، وليس كما قال بعضهم: إنهم ليس لهم عقول، وما أغرب هذا القول وما أبعده من الصواب! لأننا إذا قلنا: إن الملائكة ليس لهم عقول فإننا نطعن في القرآن؛ لأن الوسيط الذي بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين الله ملَك، فإذا قلنا: لا عقل له، كيف؟ كيف إذا قلنا: لا عقل له؟! إذن يكون ما نأمن؛ لأن العاقل لا يمكن أن يحتمل قوله ولا نقله، من أين نأخذ أن لهم عقولًا؟ من إثبات أنهم تصدر منهم اللعنة.
ومن فوائد هذه الآية: أن أمثال هؤلاء يلعنهم الناس جميعًا؛ لقوله: وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَلكن هذا فيه إشكال، وهو أنه يوجد من الناس من يزمر وراء الكافرين، ويصفق وراءهم ويفزع معهم، فكيف قال: وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ؟ نقول: لأنه إذا صفق معهم وزمر وراءهم فهو منهم، فيكون هو ملعونًا من الناس أجمعين، من الآخرين؛ لأن من أعان ضالًّا فهو ضال، ومن أعان كافرًا فهو كافر، قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة: ٥١].
ثم قال الله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ.
فيها: إثبات أن هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات خالدون في لعنة الله؛ أي: في الطرد والإبعاد عن رحمته، وليس ثمة إلا النار، بعد الجنة ما فيه إلا النار، وليس بعد الهدى إلا الضلال.
ومن فوائدها: أنهم -والعياذ بالله- دائمًا في العذاب، في عذاب لا يخف أبدًا، ولا ينتظرون الفرج لا بالتخلص منه ولا بتخفيفه؛ لقوله: لَا يُخَفَّفُوهذه الجملة خبرية، وخبر الله تعالى لا يُخلف.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء يبادَرون بالعذاب، فهم يبادرون بالعذاب إما في الدنيا أو عند الموت وعند دخول النار؛ ففي الدنيا قال الله تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [السجدة: ٢١]، وقال الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١]، وعند الموت تتوفاهم الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [محمد: ٢٧]، وفي يوم القيامة حدِّث ولا حرج.
ثم قال الله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
في هذه الآية من الفوائد: أن التوبة تجُب ما قبلها؛ لقوله: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
ومن فوائدها: أنه لا بد مع التوبة من الإصلاح؛ لقوله: وَأَصْلَحُوا. وهذا واجب في كل ما يتعدى جرمه إلى غيره أن يقوم بإصلاح ما ترتب على هذا الجرم.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم، وإثبات ما تضمناه من الصفة؛ وهي المغفرة والرحمة، ولهذا نقول: كل اسم من أسماء الله فإنه دال على ثلاثة أشياء، كل اسم من أسماء الله فإنه دال على ثلاثة أشياء: على ذات الله، وعلى الصفة، والثالث: على الأثر الذي يترتب على هذه الصفة، لكن هذا الثالث لا يطرد في كل اسم من أسماء الله؛ لأن الأسماء غير المتعدية لا يدخل فيها إثبات الأثر، فالعلي مثلًا فيها إثبات الاسم والصفة، والعظيم كذلك، والكبير كذلك، لكن السميع فيها إثبات الاسم والصفة والأثر، الاسم (السميع)، والصفة (السمع)، والأثر (يسمع).
ومن هنا نعلم أن كل اسم فلا بد أن يكون متضمنًا لصفة، بدون استثناء؟ بدون استثناء، وليس كل صفة مستلزمة لاسم، قد يوصف الله بالشيء ولا يسمى بما دلت عليه هذه الصفة، ولهذا نقول: الصفات أوسع من أين؟ من الأسماء، أوسع؛ لأن كل اسم متضمن لصفة ولا عكس.
ومن فوائد الآية: الثناء على المصلِحين، ويستلزم الإصلاح أن يكون المصلح صالحًا، أليس كذلك؟ هذا هو الأصل، أن كل مصلح فهو صالح، وقد يكون المصلح غير صالح، فإن من الناس مثلًا من ينهى عن المنكر وهو يفعله ويأمر بالمعروف وهو لا يفعله، لكن الغالب أن المصلح حقًّا يكون صالحًا؛ لأنه لا يمكن أن يسعى لإصلاح غيره وهو مضيع لإصلاح نفسه.
00:48:11
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْوهؤلاء المرتدون؛ لأنهم آمنوا أولًا، ثم كفروا ثانيًا. ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًايعني أنهم صاروا -والعياذ بالله- يترقون أو ينحدرون في درَكات الكفر لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْمتى؟ إذا تابوا قبل الموت عند حضور الأجل فإن توبتهم لن تقبل؛ لقول الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨].
إذن يكون قوله: ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْمتى؟ إذا حضرهم الموت، أما إذا تابوا من قبل فقد سبق أنهم إذا تابوا وأصلحوا فإن الله غفور رحيم.
ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِوهذه المرتبة الثالثة، كفروا وبقوا على الكفر إلى الموت، فهؤلاء قال: لَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِولم يقل: فلم تقبل توبتهم، لماذا؟
لأنهم لم يتوبوا، ماتوا على الكفر، فلم يبقَ أمامهم إلا الفداء؛ أن يفتدوا أنفسهم بشيء، يقول: لَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِيعني لو جاؤوا بملء الأرض ذهبًا وطلبوا أن يكون فداء لهم فإن ذلك لن يقبل منهم، وحينئذٍ تكون هذه الآيات قسَّمت الكفار الذين ارتدوا إلى ثلاثة أقسام: قسم تاب وأصلح، فما حكمه؟ تُقبل توبته، وقسم تاب عند حضور الأجل فلا تقبل توبته، وقسم ثالث: مات على الكفر فلن تقبل فديته، ولا نقول: فلا تقبل توبته؛ لأنه لم يتُب، وهذا كالذي في سورة النساء تمامًا حيث قال الله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء: ١٧] مِنْ قَرِيبٍيعني قبل حضور الأجل فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٧، ١٨]. هذا القسم الثاني. وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء: ١٨] هذا القسم الثالث، فتكون هذه الآيات كالآيات التي في سورة النساء. ثم قال تعالى: أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَأُولَئِكَالمشار إليه من مات على الكفر، ومن لم تُقبل توبته، وهو من مات عند حضور الأجل، يقول عز وجل: أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌأَلِيمٌبمعنى (مُؤْلِم)؛ لأن أليمًا تأتي بمعنى الفاعِل، وتأتي بمعنى الْمُفْعِل وتأتي بمعنى المفعول، (فَعِيل) تأتي بمعنى (مَفْعُول) وبمعنى (فاعِل) وبمعنى (مُفْعِل)، صح؟ تأتي بمعنى فاعِل مثل: سميع يعني سامِع إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: ٣٩]. وبمعنى مفعول مثل: جرِيح وكثِير، وبمعنى مُفْعِل مثل: أليم بمعنى مُؤلم، ومنه قول الشاعر:
| أَمِــــنْ رَيْحَانَــــةَ الدَّاعِــــي السَّمِيــــعُ | يُؤَرِّقُنِــــــــي وَأَصْحَابِــــــــي هُجُــــــــــــــــوعُ |
قال: وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَيعني ما لهؤلاء أحد ينصرهم ويمنع العذاب عنهم أو يرفعه عنهم؛ لأنهم حق عليهم العذاب ولا يجدون لهم ناصرًا.
في هذه الآية من الإعراب قوله: فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًاذَهَبًاوأيش إعرابها؟
الطلبة: تمييز.
الشيخ: تمييز؛ لأنها أتت بعد ما يفيد التقدير وهو قوله: مِلْءُ، وكل ما أتى بعد ما يفيد التقدير منصوبًا فإنه يكون تمييزًا؛ لأن ما يفيد التقدير مبهم والتمييز يبينه.
ثانيًا: قوله: وَلَوِ افْتَدَى بِهِهل الواو زائدة؟ يعني فلن يُقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا لو افتدى به، أو أن الواو مؤسسة يعني غير زائدة؟
نقول: الأصل أيش؟ عدم الزيادة، ولا موجب لقولنا: إنها زائدة؛ لأن الكلام مستقيم ولو كانت أصلية، والتقدير: فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا إذا بذله من غير أن يصرح بأنه افتداء.
وقوله: وَلَوِ افْتَدَى بِهِيعني ولو صرح بأنه افتداء، والفرق بينهما أنه قد يعطي الأول تزلفًا لا معاوضة، وأما إذا أعطاه افتداء فهو أيش؟
معاوضة، هذا هو الفرق بينهما، إذن فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض سواء أعطاه من باب التودد والتحبب أو أعطاه على أنه فداء ومعاوضة لن يُقبل منه.
طالب: أحسن الله إليك، سبق لنا يا شيخ أنا أخذنا أن الكافر إذا حضره الموت فإنه يُسن لمن كان عنده أن يأمره بالشهادة، فهل (...) الذي يعني حضره الموت أن يأمر بالشهادة أم لا تقبل منه الشهادة حتى ولو نطقها؟
الشيخ: لا تقبل، لا تقبل منه، ولهذا لم يجزم النبي صلى الله عليه وسلم بسلامة عمه، قال: «كَلِمَة أُحَاجَّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» ، والمحاجة قد يحصل بها المقصود وقد لا يحصل.
طالب: الكافر قلنا يا شيخ، يعني لو قالها لا تقبل منه الكافر الأصلي؟
الشيخ: إيه، لا، قد تُقبل وقد لا تقبل؛ لأن الله يقول: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ [النساء: ١٨] يشمل.
الطالب: حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في البخاري أن اليهودي الذي يعني أمره بالشهادة ثم مات أمر الصحابة أن يأخذوا أخاهم؟
الشيخ: كيف؟ قال: هو أخوكم؟ لأنه لم يتبين أنه حضره الأجل.
الطالب: كان يحتضر يا شيخ.
الشيخ: إيه، لكن لم يتبين أنه كان حضره الأجل ومعه وعي، فأما إذا حضر ما ينفع، الآية تدل على أنه ما ينفع.
الطالب: الكافر الأصلي ولَّا المرتد؟
الشيخ: لا فرق.
طالب: شيخ، هل يجوز لعن الإنسان حتى ولو كان حيًّا.
الشيخ: ها؟
الطالب: لعن الإنسان بعينه إذا كان حيًّا، هل يجوز لعنه؟
الشيخ: هل يجوز؟
طالب: لعنه.
الشيخ: لا، لعن المعيَّن حرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما جعل يلعن قومًا من المشركين نهاه الله وقال: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران: ١٢٨].
طالب: شيخ، هناك من ينادي بأن الإسلام لا يصلح لهذا العصر، وأن أحكامه لا تطبق؛ لأن فيها ظلمًا (...)، وينبغي إبدالها بالقوانين الوضعية؟
الشيخ: إي نعم، والسؤال؟
الطالب: يتبعهم الآن من أبناء.
الشيخ: أنت الآن تخبرنا أو تسأل؟
الطالب: أسأل يا شيخ.
الشيخ: تسأل عن أيش؟
الطالب: لأن من أبناء الجنس أو من أبناء جلدتنا من يتبعهم.
الشيخ: لا شك أن الذي يقول هذا القول كافر مرتد، يباح دمه وماله؛ لأن هذا هو حكم الجاهلية الذي قال الله تعالى فيه: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠] فالذي يقول: إن هناك حكمًا يساوي حكم الله في إصلاح الخلق أو أحسن من حكم الله، فلا شك أنه كافر؛ لأنه مكذب لقوله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠].
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا أنه لا بد مع (...) بالإصلاح لكل من تعدى جرمه ومعصيته، لكن يا شيخ ذكرنا فيما سبق في التفسير أن العاصي مفسد في الأرض بسبب فساده، وهذا العاصي يغلب أنه (...) هل هو من ذوي الإصلاح؟
الشيخ: لا، ما هو على كل حال، العاصي الذي يدعو إلى معصيته معصيته خاصة.
طالب: شيخ، الإصلاح من باب كمال التوبة؟
الشيخ: لا، من باب شروطها إذا كان متعديًا فهو من شروط التوبة.
طالب: شيخ، هل يفهم في قوله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا [آل عمران: ٨٥] بأن يتعبد بعبادات غير مشروعة بِدعية؟
الشيخ: إنه.
الطالب: لأنه غير مقبولة منه؟
الشيخ: إي نعم، بلى كيف؟ يؤخذ من هذا، نحن ذكرنا هذا، من يبتغ غير الإسلام أصلًا أو فرعًا. (...) لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ.
يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن المرتد إذا بقي على ردته فإنه لا تقبل توبته عند الموت؛ لقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْوهذا لا يكون إلا بالردة.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه كلما تمادى الإنسان في الكفر ولم يتب فإنه يزداد؛ لأن كل وقت يمر عليه يزداد وزرًا إلى وزره كما أن المؤمن يزداد أيضًا بزيادة الأيام إيمانًا؛ لأن كل يوم يمر عليه وهو مؤمن فإنه يضيف إيمانًا إلى إيمانه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن من تاب قبل أن يحضر أجله فإن الله تعالى يتوب عليه كما في الآيات السابقة، وهي قوله: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من استمر على كفره فهو ضال، وذلك لأنه اجتنب طريق الحق، وكل من اجتنب طريق الحق فهو ضالّ؛ لقول الله تعالى: فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: ٣٢]. فالطرق إما حق وإما ضلالة، فمن لزم الشريعة فهو مع الحق، ومن خالف الشريعة فهو في الضلالة.
ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًاوهذا هو القسم الثالث من أقسام الكفار؛ لأن القسم الأول: الذين تابوا قبل الموت، والثاني: الذين تابوا عند الموت، والثالث: الذين ماتوا على الكفر. فهنا يقول: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ.
فيستفاد من هذه الآية الكريمة: أن من مات على الكفر فلن يقبل منه شيء يمنعه من عذاب الله، ولهذا قال: لَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ.
ومن فوائد هذه الآية: أن الأمر يسير على المؤمن؛ لأنه يفتدي من عذاب الله بما هو أقل من ملء الأرض ذهبًا، فإذا آمن وقام بالعمل الصالح وأدى ما يجب عليه من الحقوق المالية نجا من هذا العذاب مع أنه أقل بكثير من ملء الأرض ذهبًا.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات العذاب لهؤلاء الكفار؛ لقوله: أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
ومن فوائدها: أن هذا العذاب عذاب شديد مؤلم؛ لقوله: أَلِيمٌ.
ومن فوائدها: أن هذا الألم ألم بدني وألم نفسي؛ لأنهم مع العذاب الشديد العظيم على البدن يعذبون عذابًا نفسيًّا وذلك بالتوبيخ والإهانة.
ومن فوائد هذه الآية: أن هؤلاء الكفار الذين ماتوا على الكفر لن يجدوا أحدًا ينصرهم حتى آلهتهم التي يعبدونها من دون الله تلقى في نار جهنم إهانة لها وإذلالًا لها، وإهانة لعابديها وإذلالًا لهم؛ لأنهم إذا كانوا يتعلقون بهذه الآلهة وأُلقيت في النار صار هذا أشد عليهم حسرة.
01:03:47
ثم قال الله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: ٩٢].
(لن) الذي عرفنا أنها تفيد النفي وتُحول الفعل من الحال إلى الاستقبال، وتعمل، تغير الفعل ظاهرًا وهو النصب، فهي تغير الفعل شكلًا ومعنًى، أما شكلًا فلأنها تنقله من الرفع إلى النصب، وأما معنى فتنقله من الحال إلى الاستقبال، وأيضًا وجه آخر في المعنى: تنقله من الإثبات إلى النفي.
يقول الله عز وجل: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّأي: لن تدركوه، والبر في الأصل هو الخير والعطاء، ومنه بر الوالدين وذلك بالإحسان إليهما، فالبر في الأصل هو الخير والعطاء، ويقرن أحيانًا بالتقوى، فإذا قُرن بالتقوى صار معناه فعل الطاعات، والتقوى اجتناب المحرمات؛ لأن الإنسان يتقيها ويحذرها ويبتعد عنها. إذن البر هو الخير الكثير والعطاء، فلن تنالوا ذلك حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ(حتى) هذه للغاية، وهي من أدوات النصب فالفعل بعدها منصوب.
وقوله: حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا(مِن) يحتمل أن تكون لبيان الجنس، ويحتمل أن تكون للتبعيض، والفرق بينهما أننا إذا جعلناها لبيان الجنس شمل المدح من تصدَّق بجميع ماله، وإذا جعلناها للتبعيض صار مختصًّا بمن تصدق ببعض ماله، ويمكن أن نقول إنها صالحة للأمرين؛ فأحيانًا يكون التصدق ببعض المال أفضل من التصدق بكله، وأحيانًا يكون العكس.
وقوله: مِمَّا تُحِبُّونَأي: من المال؛ لأن الله تعالى قال: وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: ٢٠]. ولكن كلما كان المال أحب كان إنفاقه أقوى إيمانًا وأدل على محبة الإنسان للخير؛ لأن الشيء الذي تكون الرغبة فيه قليلة يسهل على الإنسان أن ينفقه، لكن الشيء الذي تتعلق به النفس كثيرًا هو الذي تشح النفس في إنفاقه، فإذا أنفقه الإنسان مع قوة تعلق نفسه به كان ذلك دليلًا على أيش؟
على قوة إيمانه؛ لأنه لا يُدفع القوي إلا بما هو أقوى منه. لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَوَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَا. وكانت نخلًا مستقبلة المسجد يعني قريبة من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان فيها ماء عذب طيب يأتي إليه النبي صلى الله عليه وسلم ويشرب منه ويتطهر به، وهذا مما يزيده رغبة أن الرسول صلى الله عليه وسلم يأتي إليه ويشرب منه ويتطهر به. قَالَ: فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَخٍ بَخٍ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ». ثم قال: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ». فجعلها أبو طلحة في أقاربه في بني عمه وأقاربه .
وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أعجبه شيء من ماله يتصدق به يتأول قوله تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَأما نحن فإذا أعجبنا شيء من مالنا جعلناه في الصناديق، واستعملنا الرديء وخلينا الباقي يمكن يكون لورثتنا ما يكون لنا، ولكن هكذا الشح، أما الذين يريدون الآخرة فهم يرون أن مالهم هو الذي يقدمونه، ولهذا لما سأل النبي عليه الصلاة السلام قال لأصحابه، سأل أصحابه ذات يوم قال: «أَيُّكُمْ مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ؟». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا وَمَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ. قَالَ: «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ وَمَالَ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ» .
يعني معناه أنك إذا بخلت بالمال وأبقيته فإنك سوف تذهب عنه، سوف يُورث من بعدك، لكن إذا تصدقت به وأمضيته تجده أمامك، ولهذا ينبغي للإنسان أن يتأول هذه الآية ولو مرة واحدة، لو مرة واحدة إذا أعجبه شيء من ماله أن يتصدق به لعله ينال هذا البر.
وقوله تعالى: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [آل عمران: ٩٢] يعني أي شيء تنفقونه مما تحبون وما لا تحبون من قليل أو كثير من نفائس الأموال أو صغائرها فإن الله به عليم.
وقوله: مِنْ شَيْءٍ(مِن) هذه بيان لـ (ما) وهي نكرة، و(ما) اسم شرط، واسم الشرط يدل على العموم، فهو عموم مبيَّن بعموم، العموم في (ما) الشرطية والذي بينها شيء وهي أيضًا عامة؛ لأنها نكرة في سياق الشرط.
وقوله: فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌالفاء هذه فيه جواب الشرط رابطة فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ.
وقوله: بِهِ عَلِيمٌقُدِّم الجار والمجرور على متعلقه، والمعروف أن تقديم المعمول يفيد الحصر، فهنا نقول: إنه قُدم المعمول لفائدتين: الفائدة الأولى: لفظية؛ وهي مراعاة فواصل الآيات، والفائدة الثانية: معنوية وهي بيان الاعتناء بهذا المقدم حتى كأن الله تعالى حصر علمه به، فتقديم المعمول هنا يدل على العناية والاهتمام بهذا الشيء الذي قدمه الإنسان لنفسه، وأن الله به عليم.
فإن قال قائل: علمنا أن الله به عليم، ولا ننكر ذلك، لكن ما فائدته؟ فالجواب: أن الله تعالى لم يذكر هذا العلم إلا لما يترتب عليه من المجازاة، فإن الله إذا علمه لا يمكن أبدًا أن يضيعه فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزلزلة: ٧، ٨]. والله تعالى عليم بكل شيء.
في هذه الآية من الفوائد: الحث على الإنفاق مما يحبه الإنسان.
وفيها أيضًا: أن بالإنفاق مما يحب نيل البر الذي يطلبه كل إنسان.
ومن فوائدها: إثبات الأسباب، من أين تؤخذ؟ أن الله أثبت للبر سببًا؛ وهو الإنفاق مما نحب.
ومن فوائد هذه الآية: أنه كلما أنفق الإنسان مما هو أحب إليه كان أكثر لبره؛ وذلك لأن من قواعد الأصول أن ما عُلِّق بوصف فإنه يزداد وينقص بحسب ذلك، بحسب ذلك الوصف.
ومن فوائد هذه الآية: عموم علم الله عز وجل؛ لقوله: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ.
ومن فوائدها: إثبات الجزاء، وأن كل إنسان سيُجازى بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، يؤخذ من قوله: فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ؛ لأن المراد من إثبات العلم إثبات ما يترتب عليه وهو الجزاء.
أما بالنسبة للإعراب فإن قوله: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى(حتى) هذه للغاية، والغاية إذا لم يُوجد الْمُغَيَّا فإنها لا تنال، وعلى هذا فلا ينال البر إلا من أنفق مما يحب.
وثانيًا: حَتَّى تُنْفِقُواأين ذهبت النون؟
الطلبة: منصوب.
الشيخ: لأن الفعل منصوب إما بـ (أن) مضمرة بعد (حتى)، وإما بـ (حتى) على الخلاف في هذا.
وقوله: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍهذه جملة شرطية، فعل الشرط فيها تُنْفِقُوا، وجوابه: جملة فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ. وقُرنت جملة الجزاء بالفاء لأنها جملة اسمية.
ومن فوائد هذه الآية: جواز إنفاق المرء جميع ماله، بناء على أيش؟ على أن (مِن) للجنس، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء هل يُثاب الإنسان إذا تصدق بجميع ماله ويُمدح، أو نقول: الأفضل ألا تتصدق بجميع المال لأن النبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» .
فجعل إبقاء المال للورثة لئلا يتكففوا الناس خيرًا من أن يحرموا من المال فيتكففوا الناس، وإذا كان هذا بالنسبة للورثة فهو بالنسبة للنفس من باب أوْلى، ولما نَذَرَ أبو لبابة أن يتصدَّقَ بجميعِ مالِهِ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ» فأمره أن يمسك بعض ماله وأن يتصدق بالثلث، ومن العلماء من قال: بل يمدح الإنسان إذا تصدق بجميع ماله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حَثَّ على الصَّدَقَةِ ذَاتَ يَوْمٍ جَاءَ أبو بكر رضي الله عنه بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَجَاءَ عُمَرُ بِشَطْرِ مَالِهِ؛ بِنِصْفِهِ، وَأَثْنَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، قَالَ لَهُ: «مَاذَا تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ؟». قَالَ: تَرَكْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ .
والصحيح في هذه المسألة أن ذلك يختلف، فمن علم من نفسه أنه إذا تصدق بماله لم يخنع لأحد ولم يذل لأحد، وكان عنده من قوة التوكل على الله والعمل ما يغنيه عن السؤال فهنا يُمدح على الصدقة بجميع ماله، وكذلك لو فُرض أن المسألة تحتاج إلى الصدقة بجميع المال لكون الناس في ضرورة إلى ذلك كان الصدقة بجميع المال أفضل.
وأما إذا كان الإنسان يخشى على نفسه أن يتصدق بماله ويتكفف الناس فلا يتصدق؛ لأنه لا يمكن أن يفعل شيئًا مستحبًّا ويدع شيئًا واجبًا؛ لأن إعفاف نفسه وأهله واجب، فكونه يتصدق، ثم يذهب يقول للناس: أعطوني أعطوني، لا شك أن هذا إذلال، إذلال لنفسه، فالصحيح أن المسألة تختلف باختلاف الأحوال واختلاف الأشخاص.
طالب: يا شيخ، تصدق من المال ما (...)، فظلت نفسه متعلقة به، فهل يؤجر يعني؟
الشيخ: الذي ينبغي أن لا يفعل؛ لأن الله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [البقرة: ٢٦٧] فالإنسان لا ينبغي له أن يعلق نفسه بما أخرجه لله.
الطالب: الأجر؟
الشيخ: الأجر يُؤجر، لكن بينقص أجره بلا شك.
طالب: شيخ، قد مرّ علينا في الدرس أن المعبودات تلقى في النار.
الشيخ: أيش؟
الطالب: أن المعبودات تلقى في النار اللي يعبدوها كالأصنام.
الشيخ: نعم الأصنام.
الطالب: إي نعم، الأصنام، لكن مثل زيد بن الخطاب ومثل الناس الصالحين.
الشيخ: لا لا، مثل عيسى ابن مريم.
الطالب: إيه مثل عيسى ابن مريم.
الشيخ: لا، هذا ما هو من الأصنام.
الطالب: لا، بس إنها (...).
الشيخ: المعبودات قسمان: معبود يعبد الله، هذا لا يُعذَّب، ولهذا قال الله تعالى: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ [الأنبياء: ٩٨ - ١٠٠] قال بعد ذلك: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء: ١٠١]؛ لأن الكفار اعترضوا قالوا: إذا كانوا هم حصب جهنم إذن عيسى يكون في النار، فأنزل الله هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَلكن الأصنام التي هي الأصنام أحجار تلقى في النار.
طالب: شيخ، كيف يجمع بين قوله تعالى: وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ [الأنبياء: ١٠٠] وقوله تعالى: إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا [الملك: ٧]؟
الشيخ: سَمِعُوا لَهَاإي نعم، أنت تعرف أن الوقت طويل ولَّا قصير؟
الطالب: الوقت؟
الشيخ: إيه، إللي في النار أهل النار، يكونون في النار في وقت قصير ولَّا طويل؟
الطالب: طويل.
الشيخ: طويل، تختلف الأحوال، فهم إذا ألقوا فيها يسمعون هذا الشهيق عندما تتلقاهم، يكون هذا أشد في الرعب والإزعاج والعياذ بالله، ثم إذا أُطبقت عليهم إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) [الهمزة: ٨، ٩].
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل يعني البر لا يُنال إلا بهذه الطريقة أو في أوجه للبر غير يعني؟
الشيخ: لا، هذا البر الكامل المطلق، البر المطلق، أما مطلق البر فيحصل بأدنى شيء، ولهذا قال: الْبِرَّبـ (أل) الدالة على الكمال.
الطالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، هل من هذا من يكون لديه كتاب ثمين يعني ذو فائدة كبيرة يتصدق به؟
الشيخ: لا، لا؛ لأن هذا الكتاب قد لا يجد مثله وهو محتاج إليه حاجة دينية.
الطالب: ليس منه يا شيخ؟
الشيخ: ما يدخل في هذا، لكن لو فرضنا عندك ساعة جيدة زينة من أحسن ما يكون تلقى نفسك بها وأعطيتها واحدًا مثلًا محتاج ما عنده الساعة أعطيتها إياه، هذا منها.
الطالب: وأيش معنى (بخٍ بخٍ)؟
الشيخ: هذه معناها كلمة تقال مثل ما نقول: ما أحسن هذا! ما أحسن هذا!
01:21:38
كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ [آل عمران: ٩٣] كُلُّ الطَّعَامِالطعام: ما يُطعم، فإن قُرن بالشراب صار المراد به ما يحتاج إلى مضغ، والشراب ما لا يحتاج إلى مضغ إذا قيل: طعام وشراب، وأما إذا أُطلق وقيل: طعام، صار شاملًا لما يؤكل وما يشرب، قال الله تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [البقرة: ٢٤٩] فسمى شرب الماء طعمًا أو طعامًا، أما إذا ذكر مع الشراب فالطعام ما يمضغ ويؤكل والشراب ما ليس كذلك.
كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَكَانَ حِلًّاحِلًّا بمعنى حلالًا لنبي إسرائيل سواء كان من النبات أو من الحيوان أو من أي شيء كان؛ يعني أن كل شيء حلال لهم في الأول إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِما حرم إسرائيل على نفسه يعني فكان حرامًا؛ إذن فهناك حلال في أول الأمر، وهناك حرام في ثاني الأمر، إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ.
وقوله: لِبَنِي إِسْرَائِيلَبنو إسرائيل هم أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وإسرائيل بمعنى (عبد الله)، وبنو عمهم هم بنو إسماعيل بن إبراهيم، فإسماعيل وإسحاق أخوان أبوهما إبراهيم، ويعقوب هو ابن إسحاق، وقد بشَّر الله به جدته على لسان الملائكة وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ [هود: ٧١].
وقوله: إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِأكثر المفسرين على أن المراد بإسرائيل يعقوب، فهو علَم على شخص معين لا على قبيلة معينة؛ يعني إلا ما حرم إسرائيل نفسه على نفسه، وقد حرم شيئًا من الطعام وأبهمه الله سبحانه وتعالى علينا؛ لأن (ما) اسم موصول، والاسم الموصول مبهم يحتاج إلى بيان ولم يُبيّن، لم يقل الله عز وجل: إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من كذا وكذا، فما حرمه مبهم، وقال بعض أهل العلم: إنه حرم على نفسه أكل الإبل؛ لأنه أصيب بعِرق النَّسا؛ وهو عرق يمتد من القدم إلى الورِك في الرجل، ويؤلم كثيرًا ويتعب، ولكن هذا من أخبار بني إسرائيل لا تُصدق ولا تُكذب، وحينئذٍ لا نجزم بالذي حرم إسرائيل على نفسه، بل نقول: هو معلوم عند اليهود، ولكننا لا ندري ما هو؛ لأن الله أبهمه، هذا على القول بأن المراد بإسرائيل علم الشخص؛ يعني إسرائيل نفسه.
وقيل: المراد بإسرائيل القبيلة كما تقول: قريش، فإن قريشًا كان اسمًا لشخص معين، ثم انتقل من اسم الشخص إلى اسم ذريته القبيلة التي تُنسب إليه، فيكون المراد بـ (إسرائيل) على هذا القول المراد به بنو إسرائيل، وإلى هذا ذهب صاحب المنار أن المراد بإسرائيل بنو إسرائيل.
على هذا القول ما الذي حرم بنو إسرائيل على أنفسهم؟ هذا مبين في القرآن الذي حرمت بنو إسرائيل على نفسها وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ [الأنعام: ١٤٦].
هذا ما اختاره صاحب المنار، لكن هذا الرأي ضعيف؛ لأن الله فرق بين بني إسرائيل وإسرائيل فقال: حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُولم يقل: إلا ما حرموا على أنفسهم، ثم إنه يرد عليه إشكال آخر بأن بني إسرائيل لم يحرموا على أنفسهم شيئًا، وإنما حُرِّم عليهم شيء بسبب ظلمهم، والأصل أن الشيء إذا أُضيف فهو لما أضيف إليه مباشرة لا تسببًا.
فالصحيح أن الذي حرم، أن المراد بـ (إسرائيل) صحيح أن المراد بإسرائيل علم
الشخص، لكن ما الذي حرم هذا هو الذي نتوقف فيه؛ لأن الله تعالى أبهمه، والواجب
علينا أن نبهم ما أبهمه الله ونقول: إن إسرائيل عليه الصلاة والسلام حرَّم على نفسه
شيئًا أو أشياء ما نعلم، ولكن لا نعلمها حتى يأتينا خبرها عن طريق المعصوم.
قال: إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ [آل عمران: ٩٣]. مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُيعني معناه أن هذا أمر متقرر من قديم الزمان، وبين إسرائيل وبين نزول التوراة دهور طويلة وأزمان كثيرة، لكن الله أراد أن يقرر بأن التحريم -أي تحريم ما أُحلّ- كان سابقًا متقدمًا بكثير على التوراة، كان سابقًا بكثير على التوراة.
وقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُفيها قراءتان: تُنَزَّلَبتشديد الزاي، و{تُنْزَلَ} بالتخفيف، وكلتا القراءتين سبعيتان؛ يعني أنه يجوز أن نقرأ بهذه وهذه، والقاعدة في القراءتين أن السُّنة أن تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة؛ لأن كلتا القراءتين ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قرأت بواحدة وهجرت الأخرى لم تأتِ بالسنة كاملة، بل اقرأ بهذا مرة وهذا مرة، لكن بشرط أن تكون متأكدًا من القراءة؛ لأن القرآن كلام الله، فلو قرأت شيئًا لم تتأكد وكان خلاف ما أنزل الله كنت مفتريًا على الله كذبًا.
الشرط الثاني: أن لا يحصل في ذلك تشويش، فإن حصل في ذلك تشويش كما لو قرأت بقراءة ثانية عند العامة الذين لا يعرفون إلا ما في مصاحفهم، فإن ذلك حرام لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلا تشكك العامي وإلى رميك أنت بالسوء، يقول: هذا الرجل يُحرِّف كلام الله، يقرأ بغير ما أنزل الله فتكون عرضة لسب الناس واغتيابهم إياك، ورحِمَ الله امرأً كفَّ الغِيبةَ عن نفسه، أما فيما بينك وبين نفسك فاقرأ بها، اقرأ بالقراءة الثانية، إذا كنت متقنًا لها وعارفًا بها، وكذلك إذا كنت بين طلبة علم حتى يعرفوا القراءات وينتفعوا بها، أما بالنسبة للفرق بين تُنَزَّلَو {تُنْزَلَ} فلا فرق؛ لأن التوراة نزلت جملة واحدة فسواء قيل: تُنَزَّلَأو {تُنْزَلَ}، أما القرآن فإنه نزل مفرقًا، فإذا جاء نَزَّلْنَا عَلَيْكَ [الإنسان: ٢٣] فالمراد نزوله شيئًا فشيئًا، وإذا قيل: أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ [النحل: ٤٤] مثلًا إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١] فالمراد في قوله: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِيعني ابتدأنا إنزاله.
قال: إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ [آل عمران: ٩٣]. مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُيعني معناه أن هذا أمر متقرر من قديم الزمان، وبين إسرائيل وبين نزول التوراة دهور طويلة وأزمان كثيرة، لكن الله أراد أن يقرر بأن التحريم -أي تحريم ما أُحلّ- كان سابقًا متقدمًا بكثير على التوراة، كان سابقًا بكثير على التوراة.
وقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُفيها قراءتان: تُنَزَّلَبتشديد الزاي، و{تُنْزَلَ} بالتخفيف، وكلتا القراءتين سبعيتان؛ يعني أنه يجوز أن نقرأ بهذه وهذه، والقاعدة في القراءتين أن السُّنة أن تقرأ بهذه مرة وبهذه مرة؛ لأن كلتا القراءتين ثبتت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قرأت بواحدة وهجرت الأخرى لم تأتِ بالسنة كاملة، بل اقرأ بهذا مرة وهذا مرة، لكن بشرط أن تكون متأكدًا من القراءة؛ لأن القرآن كلام الله، فلو قرأت شيئًا لم تتأكد وكان خلاف ما أنزل الله كنت مفتريًا على الله كذبًا.
الشرط الثاني: أن لا يحصل في ذلك تشويش، فإن حصل في ذلك تشويش كما لو قرأت بقراءة ثانية عند العامة الذين لا يعرفون إلا ما في مصاحفهم، فإن ذلك حرام لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلا تشكك العامي وإلى رميك أنت بالسوء، يقول: هذا الرجل يُحرِّف كلام الله، يقرأ بغير ما أنزل الله فتكون عرضة لسب الناس واغتيابهم إياك، ورحِمَ الله امرأً كفَّ الغِيبةَ عن نفسه، أما فيما بينك وبين نفسك فاقرأ بها، اقرأ بالقراءة الثانية، إذا كنت متقنًا لها وعارفًا بها، وكذلك إذا كنت بين طلبة علم حتى يعرفوا القراءات وينتفعوا بها، أما بالنسبة للفرق بين تُنَزَّلَو {تُنْزَلَ} فلا فرق؛ لأن التوراة نزلت جملة واحدة فسواء قيل: تُنَزَّلَأو {تُنْزَلَ}، أما القرآن فإنه نزل مفرقًا، فإذا جاء نَزَّلْنَا عَلَيْكَ [الإنسان: ٢٣] فالمراد نزوله شيئًا فشيئًا، وإذا قيل: أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ [النحل: ٤٤] مثلًا إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: ١] فالمراد في قوله: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِيعني ابتدأنا إنزاله.





